استثناء الدين من الارباح قبل تخميسها

احدث المقالات

PDF
نص المقال

 

 

استثناء الدين من الأرباح قبل تخميسها

 

السَّيّد محمّد الحسيني (دام عزّه)

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصّلاة على خير ِخلقه محمّد وآله الميامين.

إذا حلَّ  رأس السنة الخمسية للمكلَّف فوجد نفسه مديناً بمبلغ كألف دينارـ مثلاً ـ فهنا سؤالان:

الأوَّل: إذا كان لديه من أرباح سنته ما يوازي دينه، فهل يحسب ذلك في مقابل الدين ويعفى عن إخراج خمسه أو لا؟

الثاني: إذا لم يكن لديه ما يوازي الدين من الربح ليُستثنى من الخمس أو قيل بعدم الاستثناء في مورد، فهل له أن يؤدي الدين من أرباح السنة اللاحقة قبل تخميسها أو لا؟

والكلام يقع في مقامين:

المقام الأوَّل:

في استثناء مقدار الدين من أرباح سنة حصوله

والدين على قسمين: فإنّه إمّا أنْ يكون ما يقابله مصروفاً، أو مستخدماً في مؤنة السنة، أو يكون غير ذلك، وفي القسم الثاني إمّا أنْ يكون له ما يقابله أو لا، فهنا صور:

الصورة الأولى: أنْ يكون ما يقابل الدين مصروفاً أو مستخدماً في المؤنة، كما لو اشترى نفقته من الطعام والشراب وغيرهما بالدين أو اقترض مالاً وصرفه في نفقته.

والمعروف بينالمحقّقين استثناءمقدار الدينفي هذهالصورة منأرباح تلك السنة.

وقد ذكر السيد الخوئي S في وجهه بيانين:

أحدهما: أنّ الخمس إنّما يتعلّق بالربح ولا يصدق الربح عند العقلاء على ما كان واقعاً في قبال الدين، فإنّ العبرة عندهم في إطلاق الربح أو الخسران بملاحظة مجموع السنة، فإنْ زاد في آخرها على رأس المال شيء لم يصرف في المؤونة فهو الربح وإلّا فلا.

وعليه فهم لا يعتبرون الربح ـ الذي بإزائه دين للمؤونة ـ ربحاً حقيقة وإنْ كان كذلك صورة، بحيث لو سُئل بعد انقضاء السنة: هل ربحت في سنتك هذه؟ لكان الجواب منفيّاً، إذ لا يرى شيئاً يزيد على رأس ماله بعد اضطراره إلى الصرف في أداء الدين.

ثانيهما: أنّه لو سلّم صدق الربح على ما يقابل الدين إلّا أنّه لا يجب إخراج الخمس من كلّ ربح بل من خصوص الربح الفاضل على مؤونة السنة بموجب النصوص الدالّة على ذلك.

والطريقة الّتي جرى عليها العرف ـ خلفاً عن سلف ـ في احتساب الربح الفاضل على المؤونة هي ملاحظة ما صرف من عين الربح، أو ممّا يقابله من الدين، أو من الأموال الأخرى في المؤونة، لا خصوص ما صرف من عين الربح.

فالعبرة في المؤونة المستثناة عن وجوب التخميس وإنْ كانت بما يصرف ـ ولذلك لو قتَّر الشخص على نفسه لم يستثن له بذلك المقدار ـ ولكن لا يشترط في الصرف أنْ يكون من عين الربح بل يكفي ـ بموجب ما جرى عليه العرف ـ الصرف من الدين المقابل للربح، أو الأموال الأخرى المخمّسة، أو غير الخاضعة للخمس.

وبالجملة: أن الصرف في المؤونة من الدين أو المال غير الخاضع للخمس ينزَّل عند العرف منزلة الصرف من الربح فيختلف عمَّا إذا قتَّر الشخص على نفسه في مؤنته.

وإذا كانت هذه هي الطريقة العرفيّة التي جرى عليها الناس متّصلاً بعصر المعصومين i في كيفيّة احتساب المؤنة فلا محيص من أنْ تنزَّل عليها النصوص الدالّة على كون الخمس بعد المؤنة(١).

(أقول): البيان الأوَّل غير تامٍ، فإنّ النصوص الدالّة على ثبوت الخمس في الفوائد والأرباح لم تخصّ ذلك بالفوائد والأرباح السنويّة بهذا العنوان لكي يُقال إنّ الربح السنوي هو ما يزيد على رأس المال، وإنّما دلّت على ثبوت الخمس في كلّ ربح، ولا أثر للمؤنة المتجدّدة في صدق الربح على ما سبق ظهوره. 

نعم, المؤنة السابقة قد تؤثّر في ذلك، فمن صرف على نفسه ألف دينار في مأكل ومشرب وملبس ونحو ذلك حتّى تيسّر له إنجاز عمل حصل من جرّائه على ألفي دينار لا يعدّ تمام هذا المبلغ ربحاً له، بل يستثنى منه مقدار ما صرفه في مؤنته، وأمّا المؤنة اللّاحقة لظهور الربح ـ كما هو محلّ كلام السّيّد الخوئي S  ـ فلا أثر لها في صدق الربح على ما حصل عليه من قبل.

والحاصل: إنّ ما أفاده من البيان الأوّل غير تام، وأمّا البيان الثاني فهو تامٌ، ولكن قد اعترض عليه بعض الأعلام "دامت بركاته" بأنَّه لا سيرة من المتشرّعة في المسألة على ذلك بنحو تكشف عن ثبوته في زمن المعصومينi ووصوله إلينا طبقة بعد طبقة، ضرورة أنّ ثبوتها كذلك غير محتمل جزماً، وإلّا كانت المسألة قطعيّة في الفقه مع أنّها خلافية، وأمّا عمل الناس وعدم تقيّدهم بملاحظة أنّهم قد صرفوا في مؤنهم من نفس الفوائد والغنائم أو من أموال أخرى فلا قيمة له؛ لأنّه إمّا مبنيّ على فتوى جماعة من الفقهاء أو على التساهل والتسامح، ومن هنا كان عملهم في الخارج جارياً على عدم الفرق بين أنْ يكون ذلك قبل ظهور الربح أو بعده، مع أنّ جماعة منهم يقولون بالفرق بين الحالتين(٢).

والجواب عن هذا الاعتراض بأنَّه يمكن استحصال بعض القرائن الّتي تؤكّد أنّ الوضع على عهد المعصومين iلم يكن مختلفاً عمَّا هو المتعارف في هذه الأزمنة في كيفيّة احتساب المؤونة.

ومن هذه القرائن: أنّه لو بني على عدم استثناء الدين للمؤنة من الأرباح فلا بُدَّ أنْ يلتزم بمثل ذلك في ما يصرف في المؤنة من المال المخمَّس أو غير الخاضع للخمس لوحدة المناط فيهما، ولذلك لم يفرَّق بينهما هذا القائل، والتزم في كليهما بعدم الاستثناء(٣)، مع أنَّ مقتضى عدم استثناء ما يصرف في المؤنة من المال المخمَّس أو ما بحكمه هو أنّ مثل التاجر الذي له رأس مال يستثمره بالبيع والشراء ويحصل على أرباحه تدريجيّاً يلزمه أنْ يعزل الربح عن رأس المال في كلّ عمليّة استرباحيّة ليتسنّى له أنْ يصرف في مؤنته خصوص الأرباح كي يبقى رأس ماله محفوظاً، وأمّا لو صرف في مؤنته من مجموع ما يحصل عليه من ثمن المبيعات المختلط من رأس المال والربح فسوف يكون معظم المصروف في المؤنة على حساب رأس المال، مثلاً لو كان معدَّل مبيعاته في اليوم بقيمة عشرين ألف دينار ومقدار الربح منها أربعة آلاف دينار، وكان يصرف في مؤنته اليومية من مجموع ذلك مقدار ألفين وخمسمائة دينار، فمع البناء على عدم استثناء المصروف في المؤنة من المال المخمَّس وما بحكمه يكون المحسوب منه على الربح مبلغ خمسمائة دينار فقط ويحسب الألفان الباقيان من رأس المال مما يؤدي إلى نقصانه باستمرار، مضافاً إلى تعذر تحديد الربح غير المصروف في المؤونة في نهاية السنة تمهيداً لإخراج خمسه بالنظر إلى تفاوت نسبة الربح باختلاف البيوع والمعاملات.

وهل يحتمل أنَّ تجّار الشيعة وأضرابهم في عهد المعصومين i كانوا يعزلون ما يستحصلونه من الربح في كل معاملة ليكون الصرف في المؤنة منه فقط، أو أنّهم كانوا في نهاية السنة يلتزمون باحتساب الجزء الأعظم ممّا صرفوه في مؤنهم من رؤوس أموالهم، ثمّ يتحيرون في تحديد المقدار الذي يكون مصروفاً فيها من الأرباح ويأخذون بالقدر المتيقن من ذلك، أو يرجعون إلى الإمام g ، أو وكيله لغرض المصالحة في المقدار المشكوك؟! لا يحتمل ذلك بل المؤكّد أنّهم ـــ كتجّار اليوم ـــ كانوا يصرفون في مؤنهم من الأموال المختلطة وفي نهاية السنة يستثنون رأس المال المخمَّس، فإنْ كان زيادة خمَّسوها وإلّا فلا.

ولو كان اللازم عليهم الالتزام بعزل الأرباح في أثناء السنة، أو احتساب معظم المؤنة من رأس المال لنبَّه على ذلك الأئمة i في النصوص الدالّة على ثبوت الخمس على التجّاروأضرابهم بعدمؤنتهم ومؤنةعيالهم، فإنّهأمرٌ علىخلاف المعمول والمتعارف.

وأمّا ما قيل من أنّه لو كانت سيرة الناس على عهد المعصومين i جارية على استثناء المصروف من المال المخمَّس، وما بحكمه من الأرباح لكانت المسألة قطعية، ولم تكن خلافية. فليس صحيحاً فإنّه قلَّما توجد مسألة يتمسك فيها بالسيرة ولا تكون خلافية. ومنشأ الخلاف عدم التفات المخالف إلى السيرة، أو عدم اعتقاده حجيتها.

كما أنّ ما قيل من أنّ بناء الناس على عدم التفريق في الاستثناء المذكور بين ما يكون صرفه بعد ظهور الربح وما يكون قبله، مع أنّ جماعة من الفقهاء يقولون بالفرق بين الحالتين.. لا يقتضي عدم الاعتداد بالسيرة، بل ينبغي جعلها حجّة على من يقول بالفرق المذكور، ويُستدل بها على عدم تمامية ما قيل من أنّ لكل ربح سنة مستقلة، حتى بالنسبة إلى أصحاب المهن والصنائع ونحوهم من الكسبة الذين يتعارف اتخاذهم تاريخ شروعهم في الكسب رأس سنة لهم، واستثناء ما يصرفونه في المؤنة من الربح المتجدّد في أثناء السنة.

والحاصل أنّ الصحيح هو ما ذهب إليه معظم المحققين ـ كالميرزا النائيني والشيخ محمد رضا آل ياسين والسيد الخوئي قدست أسرارهم(٤) ـ من استثناء الدين إذا كان للمؤنة من أرباح سنة الصرف.

وجدير بالذكر أنّ بعض من قال  بعدم الاستثناء في الدين وفي المال المخمَّس، أو ما بحكمه المصروف في المؤنة رام تصحيح الاستثناء بطريقة أخرى، فقال: إنّ الحاكم الشرعي بما أنّه ولي الخمس يجوز له أنْ يأذن للمكلفين في الاستقراض على حساب الأرباح والفوائد، أو في الصرف من مال آخر عندهم عوضاً عنها واستثناء ما يوازيه من الفائدة في نهاية السنة(٥).

وهذا الكلام لم يظهر له محصّل إلّا أن يراد به إذن الحاكم الشرعي للمكلّفين بجعل خمس المال المصروف في مؤنتهم من غير الأرباح ـ قرضاً كان أو غيره ـ ديناً على ذمة الحاكم الشرعي بصفته ولياً على الخمس، ثم أداء هذا الدين من خمس الفوائد والأرباح.

ولكن يرد عليه بأنّه لا مبرر لإذن الحاكم الشرعي في ذلك، ولا أقل من جهة أنّمصرف سهم الإمام g  هو تأمين الحوائج الضرورية للمؤمنين، وما يكون فيه ترويج للدين الحنيف. ومصرف سهم السادة خصوص الفقراء منهم، فأيّ مجوّز لصرف الخمس في غير ذلك؟!

وبتعبير آخر: إنّما يجوز صرف الخمس في مؤنة صاحب الفائدة في إطار صرف الفائدة بتمامها في ذلك، وأمّا مع عدم صرف أربعة أخماس الفائدة في المؤنة ـ كما هو المفروض ـــ فلابدّ من إخراج الخمس الخامس ودفعه لمستحقيه وليس منهم صاحب الفائدة نفسه. وأمّا الحاكم الشرعي فهو وإنْ كان يجوز له القرض على حساب الخمس وصرفه في مصارفه، ثم أداء القرض من الخمس إلّا أنّ المفروض في المقام عدم صرف ما يستقرضه صاحب الفائدة على ذمة الحاكم الشرعي إلّا في مؤنة نفسه فكيف يجوز له أن يأذن في ذلك؟!

(الصورة الثانية): أن يكون ما يقابل الدين موجوداً وغير مستخدم في المؤنة، كما لو اشترى قطعة أرض بدين وبقيت إلى آخر السنة من دون أنْ يستخدمها لسكناه.

وقد التزم بالاستثناء في هذه الصورة عدد من الفقهاء، قال السيد الخوئي R إنّه في المثال يقوّم الأرض، ويلاحظ الدين الذي عليه من ثمنها فبمقدار الدين لا ربح، وإنّما الربح في الزائد عليه لو كان فيجب تخميسه حينئذٍ(٦).

ويُلاحَظ على ما أفادهS  من وجوب الخمس في ارتفاع قيمة الأرض بأنّه إنّما يتمّ فيها إذا كانت الأرض معدّة للإتّجار بعينها، فإن ارتفاع قيمتها عن ثمن شرائها ربح كما أنّ انخفاض قيمتها عنه خسارة تُجبر من الأرباح.

وأمّا إذا كانت غير معدّة للإتّجار بعينها، كما لو اشتراها للاقتناء فارتفاع قيمتها ليس ربحاً خاضعاً للتخميس، كما أنّ انخفاض قيمتها ليس خسارة تُجبر بالربح.

(الصورة الثالثة): أن لا يكون للدين مقابل، كما لو اشترى سلعة بالدين فسرقت.

وفي هذه الصورة لا مجال لاستثناء الدين من الأرباح، إلّا إذا كان الدين متعلقاً بتجارته حيث يعدّ تلف ما يقابله خسارة يجوز جبرها من الربح السابق عليها.

فتحصل أنّ موارد استثناء مقدار الدين من الأرباح ثلاثة:

  1. الدين الذي يكون للمؤنة.
  2. الدين الذي يكون ما يقابله موجوداً.
  3. الدين الذي تلف ما يقابله ويعدّ خسارة تجارية.

وعبارة السيد الخوئيS في المسألة (١٢٣١) من رسالة المنهاج(٧) وان كانت
تشتمل على استثناء المورد الأول فقط، حيث قال: (نعم إذا لم يؤد دينه إلى أن انقضت السنة وجب الخمس من دون استثناء مقدار وفاء الدين، إلّا أن يكون الدين لمؤنة السنة وبعد ظهور الربح فاستثناء مقداره من ربحه لا يخلو من وجه).

ولكن المورد الثاني مصرّح به في كتاب الخمس من مستند العروة الوثقى(٨)، كما أنّ المورد الثالث ممّا يستفاد  ممّا ذكره S في المسألة (١٢٣٣) من رسالة المنهاج(٩) أيضاً.

المقام الثاني

في أداء الدين من أرباح السنة الثانية قبل تخميسها

والدين إمّا أن يكون له ما يقابله أو لا، وعلى الأول إمّا أن يكون ما يقابله مستخدماً في مؤنة السنة الثانية أو لا، وعلى الثاني إمّا أن يكون اشتغال الذمة به بإتلاف مال الغير متعمداً بلا مبرر شرعي أو عقلائي، أو يكون على غير هذا الوجه، فهنا صور:

(الصورة الأولى): أن يكون للدين ما يقابله مع كونه مستخدماً في مؤنة السنة الثانية، كما لو اشترى داراً بالدين فحلّ رأس سنته الخمسية فسكنها، أو أنّه سكنها في سنة الشراء واستمر على ذلك إلى حين دخول السنة الثانية.

والظاهر أنّه لا إشكال في جواز أداء الدين من أرباح السنة الثانية من دون تخميسها؛ لأنّه من الصرف في المؤنة، وقد صرّح بذلك السيد الخوئيS  (١٠).

(الصورة الثانية): أن يكون للدين ما يقابله ولا يستخدم في مؤنة السنة الثانية، وهنا ذكر السيد الخوئي S وتبعه بعض تلامذته أنّه لا يجوز أداء الدين من الربح بلا تخميس.

وذكر في وجه ذلك على ما في تقرير بحثه ما لفظه: (إذ بعد أنْ كان الدين مقابلاً بالمال، فلو أدّاه من الربح غير المخمَّس يبقى هذا المال خالصاً له بلا دين، فيكون زيادة على المؤنة فلابد من تخميسه، فليس له أن يؤدي دينه بلا تخميس لا بالنسبة إلى الربح ولا الثمن(١١)، بل لابد وأنْ يحاسب آخر السنة)(١٢).

وهذا البيان ـــ كما ترى ـــ لا يقتضي لزوم تخميس الربح قبل أداء الدين منه، بل مقتضاه أنّه لو أداه قبل التخميس يلزمه تخميس العين في آخر السنة، وهذا صحيح لا غبار عليه.

وقد ذكر بعض الأعلام "دامت بركاته" بياناً آخر في توجيه الفتوى المذكورة قائلاً: إنّ أداء الدين من أرباح السنة الثانية ليس إتّجاراً بها فيها، بل هو مصداق لأداء الدين السابق بالربح اللاحق ولا دليل على جوازه(١٣).

وهذا الكلام غير تامٍ؛ إذ للمالك ولاية تبديل الربح بغيره في أثناء سنته سواء أ كان ذلك بالإتّجار أم بغيره، ولا ينبغي الشك في أنّ أداء الدين المتعلّق بعين من أي ربح سابقٍ على حصول الدين، أو لاحقٍ له يجعل من تلك العين ربحاً أي تكون بدلاً عن الربح المدفوع في أداء الدين.

فالدار المشتراة بالدين لا تُعدّ ربحاً قبل أداء ثمنها من الأرباح، وأمّا بعد الأداء فلا محيص من الاعتراف بكونها ربحاً، وليس ذلك إلّا من جهة عدّها عرفاً بدلاً عن الربح المدفوع وفاءاً للدين المتعلّق بها، بلا فرق بين حصول الدين بعد ظهور الربح أو قبله.

والحاصل: أنّه لا ينبغي الشك في جواز أداء الدين السابق من الربح اللاحق بلا حاجة إلى تخميسه أولاً، ولكن ما يقابل الدين ـــ كالدار ـــ تصير عندئذ من أرباح السنة اللاحقة، فإن لم يستخدم أو يصرف في مؤنتها وجب تخميسه بقيمته في آخر السنة.

نعم, إذا فُرض كون ما يقابل الدين معدّاً للإتجار بعينه في السنة السابقة، وفرض ارتفاع قيمته فيها أيضاً، يعدّ الزائد على قيمة الدين من أرباح تلك السنة لا السنة الثانية التي تمّ أداء الدين من أرباحها وهذا واضح.

هذا وقد تعرّض السيد الخوئي S لحكم هذه الصورة في رسالة المنهاج المسألة (١٢٣٢)، ولكن عبارته لا تخلو من قصور, قال S:

(إذا اشترى ما ليس من المؤنة بالذمة، أو استدان شيئاً لإضافته إلى رأس ماله ونحو ذلك مما يكون بدل دينه موجوداً، ولم يكن من المؤنة لم يجز له أداء دينه من أرباح سنته، بل يجب عليه التخميس وأداء الدين من المال المخمس، أو من مال آخر لم يتعلق به الخمس)(١٤).

وينبغي أن يكون المقصود بأرباح سنته أرباح سنته بعد حصول الدين، في مقابل أرباح سنته قبل حصوله الذي صرَّح به في كتاب الخمس من شرح العروة بجواز أداء الدين منها قائلاً: (إذ يجوز له الآن أن يشتري الفرس بالربح. فكيف بأداء الدين الآتي من قبل الشراء، لكن حينئذ يكون الفرس بنفسه ربحاً إذ للمالك تبديل الأرباح خلال السنة ولو عدة مرات كما هو دأب التجار في معاملاتهم) (١٥).

(الصورة الثالثة): أن لا يكون للدين ما يقابله، ويكون اشتغال الذمة به بسبب إتلاف مال الغير عمداً بلا مبرّر شرعي أو عقلائي.

وقد استصوب بعضهم في هذه الصورة عدم جواز أداء الدين من الربح المتجدّد حصوله، بل مطلقاً، إلّا بعد تخميسه بدعوى أنّه لا يعدّ من المؤونة.

وهذا الكلام لو صحَّ لجرى في نظائر هذه الصورة كما لو تعمّد التسبب فيما يوجب ثبوت الدية، أو الكفارة، أو الفدية، أو تعمّد إتلاف مال نفسه المشغول ذمته للغير ببدله.

ولكن الظاهر صدق الصرف في المؤنة على الصرف في أداء الدين الذي لا مقابل له ونحوه بغض النظر عن سببه ومورده، فإنّ إفراغ الذمة ما علق بها يناسب كل شخص، ولا يعدّ سرفاً وسفهاً منه وإن كان سببه كذلك، ولاسيّما إذا كان ذلك بعد ندمه على ما سبق منه من التفريط فيه.

(الصورة الرابعة): أن لا يكون للدين ما يقابله، ولا يكون اشتغال الذمة به على الوجه الذي مرّ في الصورة الثالثة، كما لو اتلف مال الغير خطأ، أو اشترى شيئاً بالذمة، ثم تلف ونحو ذلك.

ولا إشكال في هذه الصورة في جواز أداء الدين من ربح السنة اللاحقة من دون الحاجة إلى تخميسها، وقد أشار إلى ذلك السيد الخوئي S في المسألة (١٢٣٢)(١٦) بتقييده موضوع الحكم بعدم جواز أداء الدين من الربح اللاحق قبل تخميسه بما إذا كان بدل الدين موجوداً. 

فتحصل ممّا تقدَّم: أنّ الصحيح جواز أداء الدين من أرباح السنة اللاحقة قبل تخميسها في جميع الصور الأربع المتقدمة

والحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله الطاهرين.

المصادر

 ١- مستند العروة الوثقى تقريرات أبحاث السيد الخوئي.

٢ - تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى للشيخ الفياض.

٣- العروة الوثقى المحشّاة لجمع من الأعلام.

٤ - منهاج الصالحين للسيد الخوئي.

(١) يلاحظ مستند العروة الوثقى كتاب الخمس ص٢٦٤.

(٢) تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى ج٧ ص١٥٨.

(٣) المصدر نفسه ص١٦١.

(٤) العروة الوثقى: ٤/ ٢٩٢، التعليقة: ١.

(٥) تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى ج٧ ص١٦٠.

(٦) مستند العروة الوثقى كتاب الخمس: ٢٦٥.

(٧) منهاج الصالحين: ١/ ٣٣٨.

(٨) مستند العروة الوثقى كتاب الخمس: ٢٦٥.

(٩) منهاج الصالحين: ١/ ٣٣٩.

(١٠) مستند العروة الوثقى كتاب الخمس:  ٢٦٨.

(١١) كذا في المطبوع.

(١٢) مستند العروة الوثقى كتاب الخمس: ٢٦٨.

(١٣) تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى: ٧/ ٢٣٠.

(١٤) منهاج الصالحين: ١/ ٢٣٩.

(١٥) مستند العروة الوثقى كتاب الخمس: ٢٦٥.

(١٦) منهاج الصالحين ج١ ص٢٣٩.