القتل العمد بين الفقه الاسلامي وقانون العقوبات العراقي

احدث المقالات

PDF
نص المقال

 

 

 

القتل العمد

بين الفقه الإسلامي وقانون العقوبات العراقي

(الحلقة الأولى)

 

الشيخ يحيى السعداوي (دام عزّه)

 

 

دراسة مقارنة بين المذاهب الفقهية الإسلامية وقانون العقوبات العراقي الخاص.

يمكن أن تُعرّفنا بالتشريع الجنائي الإسلامي ومدى مواكبته مع المستحدثات ووقائع العصر, وتبيّن مدى ارتكاز قانون العقوبات العراقي عليه أو مفارقته بالكامل.

كما ويتضح من خلالها إنْ كان قانون العقوبات العراقي قد جعل التشريع الجنائي الإسلامي مصدراً اساسياً في تشريعاته, ليكون مطابقاً لما نص عليه الدستور العراقي الجديد في م/٢ أم لا؟

 

 

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أنار للمؤمنين سبل دينه, ووفق الصالحين للسير على منهاج شـريعته, والصـلاة والسـلام على أفضل سـفرائه وخـاتم أنبيائه وأشرف بريته محمد e وعترته i بما أجزلوا من أنوارهم بإكمال الدين بالشريعة الإسلامية السمحاء التي شرعت للفرد المسلم كلّ ما يحتاج إليه في عباداته ومعاملاته وسائر تروكه وأفعاله برؤية إسلامية لتحقيق السعادتين الدنيوية والأخروية. 

فاختص علم الفقه بتشريع الأحكام لجميع ما يحتاج إليه الإنسان حتى أصبح الفقه أبوابا عديدة ومتنوعة من العبادات لتنظيم علاقة الفرد بربِّه والمعاملات لتنظيم علاقة الفرد بغيره بالعقود والإيقاعات والحدود والديات لتنظيم المجتمع وفرض العقوبات على من خالف وارتكب المحرمات.

وحينما كنت أدرس الجزء التاسع من اللمعة الدمشقية في الحوزة العلمية في كتاب الحدود والديات رأيت أن هذا الكتاب يصلح أن يكون قانونا ينظم شؤون المجتمع الإسلامي ويحد من ارتكاب الجرائم الخطيرة التي تحصل في المجتمع, من خلال فرض عقوبات قاسية على مرتكبيها, إلا أنه يحتاج بعض اللمسات الفنية القانونية لإخراجه بما يتلائم ومصطلحات القانون الحديث ويواكب التطور الحاصل في المجتمعات العصرية. 

ولأجل هذا وغيره انقدح في نفسي حدساً أن الممازجة والتركيب والمقارنة بين الدراستين يمكن أن يكون تشريعا اسلامياً إن لم يكن أفضل من التشريعات التي  بين أيدينا فهو مساوق لها بالإضافة إلى كونه خطوة متقدمة ورصيداً حضارياً للعلوم الإسلامية وغير منقول من العلوم الأخرى ولا مستنداً إلى شرائع أُخَر غريبة عن المسلمين بل إنه يرتكز على الشريعة الإسلامية الموحاة منه تعالى. 

ويعدّ أيضاً خطوة إلى الأمام لمن أراد البحث والتطوير في جنبة من جنبات الفقه الإسلامي مهمة في الدراسات القانونية, ألا وهي القتل العمد, كونه أقدم الجرائم التي ارتكبها الإنسان حيث ارتكبها قابيل ضد أخيه هابيل منذ بدء الخليقة وهو من أبشع الكبائر في جميع الشرائع السماوية والوضعية, وكان القاتل قديماً عرضة للعقوبات القاسية, وإن اختلفت رؤاها من حيث تحديد جريمته وما يستحق من القصاص، سواء كان ذلك في الشريعة الإسلامية أم في ما تقدمها كشريعة حمو رابي أو الشرائع الفرعونية أو القانون الروماني. 

فاختياري لموضوع (القتل العمد) على أنه دراسة مقارنة بين المذاهب الفقهية الإسلامية وقانون العقوبات العراقي ما هو إلا مثال لما ذكرته آنفاً. 

ثم انه يمكن أن يعرّفنا بالتشريع الجنائي الإسلامي ومدى مواكبته مع المستحدثات ووقائع العصر, ويبيّن مدى ارتكاز قانون العقوبات العراقي عليه أو مفارقته بالكامل. 

كما يتضح من خلاله إنْ كان قانون العقوبات العراقي قد جعل التشريع الجنائي الإسلامي مصدراً اساسياً في تشريعاته, ليكون مطابقاً لما نص عليه الدستور العراقي الجديد في م/٢ أم لا؟

وكلّ ذلك ضمّنته من خلال تمهيد وثلاثة فصول وخاتمة, وكلّ فصل يتكون من ثلاثة مباحث, والمباحث تتضمّن موضوعات على النحو الآتي:

١- التمهيد: حيث وضّحت فيه (القتل) لغةً وشرعاً وقانوناً, ثمَّ معنى (العمد) لغةً وشرعاً وقانوناً, ثمَّ معنى (القتل العمد) لغةً وشرعاً وقانوناً. 

٢- الفصل الأول: (القتل العمد) في المذاهب الفقهية الإسلامية.

٣- الفصل الثاني: (القتل العمد) في قانون العقوبات العراقي الخاص.

٤- الفصل الثالث: المقارنة بين (القتل العمد) في المذاهب الفقهية الإسلامية وقانون العقوبات العراقي الخاص. 

٥- الخاتمة: ذكرتُ فيها النتائج التي توصلتُ إليها من خلال البحث. 

وسيجد القاريء في هذا العدد من المجلة الحلقة الأولى من ثلاث حلقات قسّمتُ البحثَ بفصوله إليها.

هذا, وأدعو إخواني الباحثين إلى الإهتمام ببحثي وتطويره إلى ما يسدّ به كلّ خلّة فيه, وأعتذر إلى الله تعالى أولاً, وإلى أساتذتي في الفقه ثانياً, عن كلِّ تقصيرٍ فيه. 

هذا واللهَ سبحانه وتعالى أسأل أنْ أكون قد وُفقتُ في بحثي هذا مِنْ تحقيق الغاية المرجوة منه, وأسأله تعالى أن يبارك لي في هذا المجهود المتواضع, وأن يخرجني من ظلمات الوهم, ويدخلني في نور الفهم, ويمنّ علينا بظهور محيي الشريعة قائم العصر والزمان الإمام المهدي المنتظر l ليجمع بهداه شتاتنا ويوحّد مذاهبنا ويؤلف بين قلوبنا فننتصر على أعداء الله أعدائنا أعداء الإنسانية إنه اللطيف المنان, والحمد لله رب العالمين.

 

التمهيد

الدراسات المقارنة عادة ما تنقّح المصطلحات قبل الخوض في غمار المسائل وتحقيقها, وذلك لأهميته في التفريق بينها وكشف حقيقتها ودقة معانيها, ونحن في بحثنا عن (القتل العمد) في الفقه الإسلامي وقانون العقوبات العراقي نحتاج إلى معرفة المقصود منه عند كلا الفريقين, ليتسنى لنا دراستهما والمقارنة بوضوح بينهما. 

ولأجل ذلك سوف نبحث في (القتل) لغةً واصلاحاً, و(العمد) لغةً واصطلاحاً, ثمَّ نبحث عن المقصود من (القتل العمد) عند الفريقين تمهيداً للخوض في مسائله وموضوعاته وأنواعه وتقسيماته: 

أولاً: (القتل) لغة واصطلاحاً: 

  1. القتل (لغة): 
  2. القتل معروف(١) قتله قتلاً وتقتالاً وقتله قتلة سوء. 

استقتل, أي: استمات, وامرأة قتول, أي: قاتلةٌ.

قال الشاعر:

قتـول بعـيـنـيـها رمتـك وإنـمـا 

                                  سهام الغواني القاتلات عيونها

والمـوت أعم من القتل؛ لأنه أحد أسـبابه: والمـوت ما بحتـف الأنف, أي المـوت

الطبيعي, وهو مفارقة الروح للجسد, والقتل هو خلافه وسبب منه. 

قتلهِ- قتلاً- وتقتالاً أماته فهو قاتل والجمع قاتلون وقَتَلة- وقتال يقال قتل بأخيه أي قتله منتقماً لأخيه. 

والمزهِقٌ: القاتل. 

والمزهَقٌ: المقتول.

زهقت نفسه تزهق زهوقاً أي خرجت(٢).

قتله أذا أماته بضرب أو حجر أو سم.                 

  1.  القتل معروف(٣) قَتَله يقتله قَتْلاً وتَقتالاً.

٢- القتل (اصطلاحاً):

القتل في الاصطلاح (تارة) في الاصطلاح الفقهي, (وأخرى) في الاصطلاح القانوني, وسوف نبحث في المصطلحين على النحو الآتي: 

أ- القتل في المصطلح الفقهي: 

الفقه الإمامي الجعفري يذهب إلى أن القتل هو إزهاق الروح(٤), ويصدق على إزهاق النفس الإنسانية عند قتل إنسان أو إزهاق النفس الحيوانية عند قتل حيوان. 

ومعنى إزهاق النفس, هو: إخراجها من ما تعلّقت به وهو البدن؛ لأن النفس تتعلّق بالبدن تعلق تدبير أي تدبّر أموره جميعها فهي كلّ القوى الموجودة في البدن. 

وأمّا بقية المذاهب فالظاهر أن القتل عندهم هو إفاضة النفس سواء عند مالك أم غيره من أئمة المذاهب, وذلك عند تعريفهم للقتل العمد (يضربه حتى تفيض

نفسه) (٥).

الظاهر أن إفاضة النفس وإزهاق الروح يؤديان نفس المعنى في الاصطلاح الفقهي, وإن كان في فن المعقول اختلافٌ بين معنى النفس ومعنى الروح بالدقة الفلسفية, إلا أن المشهور أيضاً عندهم هو أن النفس والروح بمعنى واحد والاختلاف بينهما رتبي, وأما عند الفقهاء فإنهما بنفس المعنى؛ وذلك لأنهم يعبّرون بالنفس أو بالروح ويقصدون الموجود المعنوي الذي بخروجه يفقد البدن الحياة, وتخرج منه الروح أو النفس؛ وذلك لأن معنى الإفاضة والإزهاق هو الخروج كما في اللغة العربية, وزهقت نفسُه تزهق زهوقاً: أي خرجت(٦) وزهقت نفسه تزهق زهوقاً وزهقت, لغتان: خرجت وزهقت هلكت والمزْهِق: القاتل والمزْهَقُ: المقتول(٧)وفاض الرجل يفيضُ فيضاً وفيوضاً: مات وكذلك فاضت نفسه: أي خرجت روحه(٨). وفاضت نفسه تفيض فيضاً خرجت(٩).

ومن هنا نعرف أنه لا فرق بين قول الإمامية (إزهاق الروح) وقول بقية المذاهب (تفيض نفسه), فمعنى الازهاق والإفاضة في اللغة هو الخروج، ومعنى النفس والروح في فن المعقول - على المشهور- نفس الموجود مع وجود فارق عند بعضهم(١٠), ونحن هنا نريد ما هو المقصود من (القتل) عند الفقهاء, وليس ما عند  الفلاسفة, وعليه فالتعريفان يؤديان نفس المعنى, ولذلك نرى بعضهم يعرّف (القتل) في الشريعة الإسلامية وهو هنا ناظر إلى المذاهب الأربعة مع قطع النظر عن المذهب الجعفري - أي أنه ناظر إلى قولهم (تفيض نفسه)- ورغم ذلك فإنه يقول: (يعرّف القتل في الشريعة.. أي أنه إزهاق روح آدمي بفعل آدمي آخر)(١١).

فالنتيجة: أن معنى (القتل) عند الطائفتين هو إزهاق الروح كما في اللغة.

ب- القتل في اصطلاح القانون العراقي: 

قانون العقوبات العراقي رقم (١١١) لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته لم يُشِر إلى معنى القتل وما المقصود به عندهم إلا أن الأمر ليس فيه صعوبة من هذه الناحية. 

إن قانون العقوبات لم يبيّن نوع هذا الفعل ولم يحدد صفاته فهو إذاً قد يكون فعلاً أو امتناعاً لا نعلم ذلك؛ لأن القانون العراقي ساكت عنه, وهو فعل غير محدد, لا بطبيعته, ولا بوسيلته. 

إلا أننا لو رجعنا إلى شرّاح قانون العقوبات العراقي أو غيره لوجدناهم يعبّرون عن القتل بأنه: (إزهاق الروح), بل ادعى بعضهم الإجماع على ذلك. 

يقول بعضهم: (إذن يكفي في قصد القتل.. أن يكون إزهاق الروح هو الغاية.. فالإقدام على الفعل مع العلم اليقين بأنه يرتب النتيجة إزهاق الروح)(١٢).

ويقول آخر: (فالإجماع على أن كل إزهاق لروح إنسان.. يدعى قتلاً)(١٣).

ويقول ثالث: (أمّا عن القَتْل كفَعْل, فهو: كل إزهاق للروح)(١٤).

ومن هنا نعرف أن القتل في المصطلح القانوني يُقصد به (إزهاق الروح) كما يصطلح عليه في الفقه.

فالنتيجة: أن معنى (القتل) متطابق لغة وشرعاً وقانوناً. 

ثانياً: (العمد) لغة واصطلاحاً: 

١- العمد (لغة): وعمدت للشيء أعمده عمداً: قصدت له(١٥), أي: تعمدت, وهو نقيض الخطأ, وفعلت ذلك عمداً على عين وعمد عين أي بجد ويقين, فالعمد في اللغة هو القصد, والقصد هو استقامة الطريق فهو قاصد.

٢- العمد (اصطلاحاً): وهو أيضاً على نحوين, الأول في المصطلح الفقهي, والآخر في المصطلح القانوني: 

أ- العمد في المصطلح الفقهي: 

الإمامية: يمكن أن نقول بأن العمد عندهم إما (قصد البالغ) أو (قصد البالغ العاقل) أو (القصد فقط), حيث ذهب إلى كلٍ من هذه التعاريف فريق: 

الشهيد الأول S (١٦) ومن تبعه, قال في اللمعة الدمشقية: (والعمد.. يحصل بقصد البالغ) (١٧).

الشهيد الثاني S (١٨) ومن تبعه, حيث قال: (وينبغي قيد"العاقل" ايضاً)(١٩).

وذهب السيد الخوئي S الى أنه: (يتحقق العمد بقصد البالغ العاقل)(٢٠).

والفريق الأوفق للغة هو ما ذهب إليه بعض الفقهاء, حيث ذهب إلى أن العمد هو القصد من دون اعتبار القيدين: البالغ والعاقل, كالمحقق S (٢١), الذي يعد (العمد) متقوماً بـ(القصد) سواء صدر من البالغ أم الصبي, من المجنون أم العاقل, والقصد يصدر من الصبي والمجنون, وأما كونهما غير مشمولين بالقصاص فهذا أمر آخر, فنحن هنا نبحث عن معنى العمد, لا العمد الموجب للقصاص. 

إذن فمع قطع النظر عن القصاص يكون معنى (العمد) هو (القصد), وأما إضافة (البالغ) أو (البالغ العاقل) فذلك لأجل القصاص وإخراج الصبي والمجنون, حيث إنهما غير مشمولين بالقصاص لأن عمدهما وخطأهما واحد؛ لما ورد عن أمير المؤمنين g حيث جعل عمد المجنون وخطأه سواء, كما في خبر إسماعيل بن زياد عن أبي عبد الله g: (إن محمداً بن أبي بكر كتب إلى أمير المؤمنين g يسأله عن رجل مجنون قتل رجلاً عمداً, فجعل الدية على قومه وجعل خطأه وعمده سواء) (٢٢). ولما ورد عن  الإمام الصادق g في صحيح ابن مسلم عنه g: (عمد الصبي وخطؤه واحد) (٢٣).

والنتيجة: أن معنى (العمد) - مع غض النظرعن كونه موجباً للقصاص- عند

بعض الإمامية هو (القصد) وبذلك يوافق اللغة.

وأما بقية المذاهب: فالظاهر أن معنى (العمد) عندهم هو (القصد) كما في اللغة.

ب- العمد في المصطلح القانوني: 

قانون العقوبات العراقي لم يذكر نصاً خاصاً بمعنى كلمة (العمد) الواردة في  نصوصه ولكنه في المادة (٣٣) عقوبات(٢٤) عَرّف القصد الجرمي, والقصد الجرمي هو الركن الأساسي والمعنوي للقتل العمد, فالقصد الجرمي هو الذي يحدد كون هذا القتل عمداً أو خطأً, فإذا تحقق القصد الجرمي تحقق القتل العمد, ومن هنا يمكن استفادة معنى (العمد) من تعريف القصد الجرمي والقصد الجنائي الذي يعدّ هو المدار في كون الجريمة عمدية أو لا؟ 

المادة (٣٣) عقوبات: (القصد الجرمي: هو توجيه الفاعل إرادته إلى ارتكاب الفعل المكون للجريمة هادفاً إلى نتيجة الجريمة التي وقعت أو أية نتيجة جرمية أخرى) (٢٥).

وكذلك القصد الجنائي الذي هو القصد الجرمي لا تعريف له إلا ما ذكرته المادة (٣٣) عقوبات أعلاه, حيث إن القصد الجنائي ينقسم إلى عام وخاص, والعام هو إرادة السلوك الإجرامي ونتيجته والعلم بهما, وهذه العناصر هي التي يتقوّم بها العمد في الجرائم العمدية, وبتوفر هذه العناصر - وهي إرادة السلوك الإجرامي ونتيجته والعلم بهما- يتكون القصد الجنائي العام وهو العمد في جرائم العمد سواء القتل أم الضرب أم الجرح أم هتك العرض. 

فالعمد في (القتل العمد) هو توفر هذه العناصر, وما لم تتوفر هذه العناصر لا يتحقق العمد, وعليه فالقصد الجنائي العام هو العمد(٢٦), والقصد الجنائي هو القصد الجرمي, وعليه فتعريف القصد الجرمي هو تعريف للعمد ولكن ليس 

مطلقاً, بل العمد الذي يصدق عليه في الجريمة, وعليه فـ(العمد) مع قطع النظر عن الجريمة هو (القصد) سواء كان جنائياً أم جرمياً أم غيره. 

ويمكن استنتاج ذلك من خلال تعريفات القانون العراقي لأقسام وأنواع القصد حيث ذكر في المادة ٣٣ فقرة ٤ سبق الإصرار: (ويتحقق سبق الإصرار سواء كان قصد الفاعل من الجريمة موجهاً إلى شخص معين أو إلى أي شخص غير معين وجده أو صادفه وسواء كان ذلك القصد معلقاً على حدوث أمر أو موقوفاً على شرط)(٢٧).

ويعرّفه قانون العقوبات العراقي بأنه: (التفكير المصمم..)(٢٨).

أي يتوقف تحقق سبق الإصرار على القصد, بينما يعرّفون القصد البسيط بأنه اتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب الواقعة المحرمة مع علمه بذلك. 

ولذلك ترى أن قانون العقوبات العراقي م/٣٣ فقرة ٢ يقسّم القصد: (القصد قد يكون بسيطاً أو مقترناً بسبق الإصرار) (٢٩).

وعليه يمكن القول بأن قانون العقوبات العراقي مسلّم بأن (العمد) هو (القصد), ولذلك يلجأ إلى تقسيم (القصد) إلى (بسيط) و(مع سبق الإصرار والترصد). 

ونحن نريد (العمد) بغض النظر عن الجريمة العمدية, فنقول: إن (العمد): هو (القصد) كما في اللغة بحسب ما يظهر من تعريفات قانون العقوبات العراقي. 

فالنتيجة: أن معنى (العمد) واحد في اللغة والفقه الإسلامي والقانون العراقي, وكذلك (القتل).      

فهل (القتل العمد) أيضاً كذلك أو لا؟ 

سوف يأتي تفصيل ذلك في المبحث الآتي.

ثالثاً: (القتل العمد) لغة واصطلاحاً: 

المواضيع السابقة بيّنت لنا معنى (القتل) في اللغة والشرع والقانون, وأن المقصود به عند الجميع واحد, وهو (إزهاق الروح) أو (إفاضة النفس) بمعنى إخراجها مما تعلقت به, ثم بيّنا أنَّ المقصود من معنى كلمة (العمد) واحد في اللغة و الشرع و القانون, فإنه يأتي بمعنى (القصد) وهذا ليس هو المقصود بذاته وإنما هو مقدمة للبحث عن معنى (القتل العمد) أي اقتران الكلمتين ليعطيا معنى واحداً ومقصوداً فارداً, فهل معناهما مقترنين هو معناهما نفسه مفترقين أم أن معناهما يختلف عند اقترانهما أو انه في اللغة واحد وفي غيره مختلف أو انه كذلك؟

فالبحث يعتمد على معرفة المقصود منهما مقترنتين, لا متفرقتين, فما يترتب من القصاص على (القتل العمد) ما يشمله هذا المصطلح من مصاديق وما يصدق عليه من موارد, وكذلك ما يترتب عليه من عقوبات في قانون العقوبات العراقي, فلابد من البحث الدقيق في المقصود بـ(القتل العمد) سواء في اللغة أم في الفقه أم في القانون إلا أننا سوف ندقق فيه من الناحية الفقهية والقانونية فحسب ليتسنى لنا المقارنة بينهما على نحو أوسع وعلى النحو الآتي:

١- (القتل العمد) في اللغة:

القتل (المصدر), القتل العمد: ما كان مقصوداً(٣٠).

القتل الخطأ: ما كان غير مقصود.

وعليه فإزهاق الروح أو مفارقة الروح للجسد إذا كان مقصوداً فهو (القتل العمد), وإذا كان غير مقصود فهو (القتل الخطأ), فـ(القتل العمد): هو إزهاق الروح بقصدٍ, سواء صدر من بالغ أم صبي وسواء كان مجنوناً أم غافلاً وسواء كان بسبق الإصرار أم بدونه فهو قتل عمد. 

و(القتل الخطأ) هو إزهاق الروح بغير قصد, سواء كان من بالغ أم صبي مجنون أم عاقل. وذلك لأن هذه الأمور خارجة عن اختصاص اللغة.

٢- (القتل العمد) في الاصطلاح الفقهي: 

الفقه الإسلامي يختلف بحسب اختلاف المذاهب الفقهية الإسلامية في اجتهاداتها وأدلتها ورؤاها, ومن هنا كان لزاماً أن نتعرف على المقصود بـ(القتل العمد) عند أشهر المذاهب الفقهية الإسلامية, وهي الإمامي والمالكي والحنفي والشافعي والحنبلي, ونكتفي بذكر المقصود عند هؤلاء على أنهم يمثلون الفقه الإسلامي عند عامّة المسلمين من جهة, وعلى أنهم مرجع في الأحكام القضائية الإسلامية من جهة أخرى, وكما يأتي:

أ- ما عند الإمامية:

الفقهاء في المذهب الإمامي يعرّفون (القتل العمد) بأنه: إزهاق النفس المعصومة المكافئة عمداً وعدواناً(٣١).

هذا هو التعريف المشهور عندهم, في حين يذهب بعض آخر إلى أن (القتل العمد) هو قتل النفس المحترمة المكافئة عمداً وعدواناً(٣٢).

والفرق بين التعريفين واضح, وهو أن التعريف المشهور هو الأول يذكر تعريف القتل بقوله (إزهاق النفس) بينما التعريف الثاني يقول (قتل النفس), ولا فرق حينئذ بين التعريفين سواء عُبِّر بـ(القتل) أم (إزهاق النفس) فكلاهما نفس المعنى؛ لأن (القتل) كما قلنا في اللغة والفقه والقانون يعني (إزهاق الروح), فهذا الفرق ليس اختلافاً بين التعريفين, وإنما يعدان شيئاً واحداً؛ لأنهما عبارة عن الكلمة وتعريفها الذي يحل محلها. 

الجهة الثانية: جاء في التعريف الأول التعبير بـ(النفس المعصومة), وفي التعريف الثاني التعبير بـ(النفس المحترمة). 

والعصمة أوضح من الاحترام للنفس وإن كانا يؤديان المعنى نفسه, وهو عدّ النفس التي لا يجوز الاعتداء عليها, إلا أن المعصومة مأخوذ من العصم, وهو المنع, بمعنى أنه لا يجوز أو أنه يمنع إتلافها وسلبها الحياة, فتخرج النفس غير المعصومة عند المسلمين كالكافر الحربي والمحارب واللص ونحوها, والمعصومة ما لا يباح إزهاقها للكل, فغير المعصومة أعم من أن تكون بالأصل كالكافر الحربي أو بالعرض كما في حالات القصاص وغيره, وهذا المعنى يمكن أنْ يُؤدى بقولك المعصومة أو المحترمة التي تقابل مهدور الدم, فالمحترمة هي المحقونة الدم في مقابل غير المحترمة كنفس المرتد والزاني واللائط وغيرهم ممن هدر دمه. وعلى هذا فمعنى المعصومة يساوق معنى المحترمة, وبالتالي عدم جواز قتلها والمنع منه, فلا فرق واضحا بين التعبيرين. 

ولذلك سوف نركّز في الفصل الأول عند توضيحنا لفقرات التعريف على تعريف المشهور وهو التعريف الأول. 

ب- ما عند المذاهب الأخرى: 

التـعـريف المشـهور عند المـذاهـب أن القتـل العمـد (هو أن يعمـد الرجـل إلـى الرجل فيضربه حتى تفيض نفسه المعصومة المكافئة الحية الآدمية على وجه العدوان)(٣٣).

وهذا القيد الأخير - وهو على وجه العدوان- معتبر عند مالك وأما بقية القيود في التعريف فهي موضع وفاق إلا أن الخلاف وقع في تحققها. 

فمثلاً قوله (المكافئة) ترى المذاهب أنها تتحقق بالحرية والإسلام, أما قيد (المعصومة) فانه يتحقق بالإسلام والأمان عند مالك والشافعي وأحمد وأما أبو حنيفة فعنده العصمة هي عصمة الدار ومنعة الإسلام والأمان.

والفرق هو أن الدار إذا كانت دار حرب فلا عصمة فيها, وإذا كانت دار سلم فالعصمة فيها.

ونكتفي بهذا القدر من التعريف بـ(القتل العمد), ولنا جولة أخرى لتوضيح فقراته في الفصل الأول إن شاء الله تعالى. 

٣- القتل العمد في الاصطلاح القانوني: 

قانون العقوبات العراقي لم يعرّف القتل العمد في نصوصه ولكنه ذكر عقوبته مباشرة, وهذا لا يثير أية صعوبة في التعريف لأننا نرى أن المشرّع العراقي يعدّ القتل العمد من المسلّمات, بل ادعى بعض الشرّاح: أن تعريف القتل العمد مجمع عليه, فقال: (فالإجماع على أن كل إزهاق لروح إنسان تعمداً يدعى قتلاً عمداً)(٣٤).

والظاهر أن هذا التعريف ليس مجمعاً عليه عند شرّاح القانون العراقي فحسب, بل ترى شرّاحاً آخرين لقانون العقوبات القسم الخاص لبلدان أخرى  يعرّفونه بالتعريف نفسه أيضاً, فيقولون: (القتل العمد هو إزهاق روح إنسان حي عمداً بفعل إنسان آخر وبدون وجه حق)(٣٥).

في حين يذكر القانون الفرنسي في مادته ٢٩٥- تعريفاً للقتل العمد ضمن نصوصه (إزهاق الروح المرتكب ارادياً يوصف بالقتل العمد) (٣٦). باعتبار أن القصد هو توجّه الإرادة نحو الشيء .

ويعلّق على هذا النص أحدُ الشراح, فيقول: (فهذا تعريف دقيق للقتل العمد (الاعتداء الارادي والباغي على حياة الإنسان بفعل إنسان آخر))(٣٧).

ومن هنا نستطيع القول: إن المشرع العراقي لم يذكر تعريفاً خاصاً بالقتل العمد ولكنه ذكر الأركان الأساسية المكوّنة للقتل العمد بقوله م ٤٠٥: (من قتل نفساً عمداً يعاقب بالسجن المؤبد أو المؤقت)(٣٨).

فيلزم لقيام جريمة القتل العمد ثلاثة أركان, وهي: 

١- وقوع عمل مادي هو فعل القاتل باتخاذ الوسائل المؤدية إليه. 

٢- أن هذا الفعل المادي وقع على إنسان حي (نفساً) وهو محل الجريمة. 

٣- وجود القصد الجنائي لدى الفاعل وهو قوله (عمداً) وهو تعمد إزهاق الروح. 

ويمكن القول إن المشرّع العراقي أطلق القتل العمد ولم يقيّد بنصّ خاص؛ وذلك لأنه يريد إدخال صدق الامتناع أو القصد الاحتمالي فيه وغير ذلك,  ونكتفي بهذا القدر من التعريف ونوكل التعليق والتوضيح إلى الفصل الثاني إن شاء الله تعالى. 

 

الفصل الأول

القتل العمد وعقوبته في المذاهب الفقهية الإسلامية

القتل العمد من المسائل الفقهية التي اهتم بها المشرّع الإسلامي, لأنها تتعلق بحق الإنسان في الحياة وشدّد الشارع المقدّس العقوبة على مرتكبه, لتكون عقوبتة في الدنيا بحرمان القاتل منها, وعذاباً أليماً في الآخرة. 

والنص الإلهي واضح في مسألة القتل العمد وعقوبته ومع ذلك فقد اختلف في بعض تفصيلاته ومسائله بين المذاهب الفقهية الإسلامية وإن اتحدت مداركهم واختلفت مناهج اجتهاداتهم, ولأجل الاطلاع على ما اتفقوا عليه وما اختلفوا فيه سوف نتطرّق في هذا الفصل إلى تقسيمات القتل العمد, وتوضيح حدوده عندهم, ثم ذكر العقوبات المقرّرة لذلك, وبيان أسباب اختلافاتهم في ذلك ومناقشتها, فيكون الفصل الأول في ثلاثة مباحث:

الأول: أنواع القتل وتقسيماته والتعريف بالقتل العمد وتوضيحه. 

الثاني: أركانه وتطبيقاته. 

الثالث: العقوبات المقررة في المذاهب الفقهية. 

 

 

المبحث الأول

أولاً: أنواع القتل عند المذاهب الإسلامية. 

القتل في الشريعة الإسلامية له أنواع تختلف العقوبة باختلافها, وهي كما يأتي: 

الأول: القتل الحق: 

وهو القتل أو إزهاق الروح تنفيذاً للحكم الشرعي, كالقصاص وقتل المرتد والكافر الحربي وغيرهم, فهؤلاء وإنْ صدق على قتلهم أنه قتل عمد إلا أنه بوجه حق, لا عدوان فيه, أو أنه وقع على نفس غير معصومة؛ لان الشارع جوّز إتلافها, وربما أوجب إتلافها؛ ولذلك ترى بعض الفقهاء يقول: (قتل القاتل فإنّ قتله ليس عدواناً وإن كان عمداً؛ لأنه بحق)(٣٩).

وقال ثانٍ: (وذكر المعصوم الدال على أن يكون القتل عدواناً لإخراج مَن أباح الشارع دمه كالحربي أو المقتول دفاعاً أو قصاصاً)(٤٠).

وقال ثالث: (وقتل بحق وهو كل قتل لا عدوان فيه كقتل القاتل والمرتد)(٣).

الثاني: القتل بغير حق: 

وهو كل قتل محرم لم يُجزه الشارع, وكان بقصد العدوان, ويستحق مرتكبه العقوبات المقرّرة شرعاً, وهذا النوع من القتل له تقسيمات اختلف فقهاء المسلمين فيها بحسب أدلتهم ورؤاهم, وذكر في كتابات متعددة نذكر منها ما يأتي: 

قال بعضهم: (هوالقتل بغير حق ولذا أخرج المقتول قصاصاً)(٤١).

وقال آخر: (والقتل في الشريعة أصلا على نوعين: قتل محرّم, وهو كل قتل عدوان)(٤٢).

ثانياً: تقسيمات القتل المحرم وهو القتل بغير حق: 

اختلف الفقهاء في الشريعة الإسلامية في هذه التقسيمات, والسبب في اختلافهم يعود إلى ما اعتمدوا عليه من أدلة, ولكن يمكن القول بأن أشهر المذاهب الإسلامية الفقهية اتفقت على تقسيم القتل المحرم إلى ثلاثة أقسام, فهذا التقسيم هو المشهور في الشريعة لاتفاق أربعة مذاهب عليه وهي المذهب الإمامي والحنفي والشافعي والحنبلي, ولكن أنكر مالك شبه العمد, وقال: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ. كما ذكر صاحب الجواهر ذلك, بقوله: (فلا خلاف عندنا في أن الأقسام ثلاثة خلافا لمالك)(٤٣).

فالتقسيم المشهور عند المذاهب الفقهية الإسلامية الذي اتفقت عليه كلماتهم هو تقسيم القتل المحرّم إلى ثلاثة أقسام, وهي: 

الأول: القتل العمد. 

الثاني: القتل الشبيه بالعمد أو الخطأ الشبيه بالعمد أو العمد الشبيه بالخطأ.   

الثالث: القتل الخطأ المحض. 

والحقيقة أن الاختلاف ليس في جميع الأقسام, وإنما الاختلاف في عدم إقرار المـذهب المالكي بالقسم الثاني وهو القتـل الشبيه بالعمد حيث إنه يقسّـم القتل إلى

قسمين:

الأول: القتل العمد. 

الثاني: القتل الخطأ. 

والسبب كما يذكره أن هذين القسمين ورد ذكرهما في القرآن, فهذه حجته. 

وأما بقية المذاهب فقد ذكرت روايات عن النبي e يُذكر فيها هذا القسم من القتل, وأما المذهب الإمامي فقد ذكر بالإضافة إلى النبوي ما جاء عن أئمتهم i, وفي بحثنا هذا تطرقنا استطراداً لهذه التقسيمات لمعرفة القتل العمد كونه من القتل المحرم بغير حق؛ لأن التعريف يعتمد على هذه التقسيمات وكونه بقصد العدوان وغير ذلك. 

وأما ما اختلفوا فيه فهو ليس مدار البحث, ونكتفي بهذا القدر من التوضيح لتقسيمات القتل المحرم. 

ثالثاً: توضيح تعريف القتل العمد عند المذاهب الفقهية الإسلامية:

اختلفوا في تعريف القتل العمد بين الفقه الإسلامي وبين قانون العقوبات العراقي, ولذلك سوف نقوم بتوضيح المقصود من القتل العمد في الفقه الإسلامي من خلال بيان فقرات التعريف والمقصود بها عند المذاهب الإسلامية على أننا سوف نذكر تعريف كل مذهبٍ ثم بيان المقصود من هذه الفقرات متفرقاً تارة ومجتمعاً أخرى على النحو الأتي: 

الأول: تعريف (القتل العمد ) عند المذهب الجعفري الإمامي: 

القتل العمد هو: (إزهاق النفس المعصومة المكافئة عمداً عدواناً) (٤٤).

وقد بيّنا في التمهيد أن هناك تعريفاً ثانياً للقتل العمد عند الإمامية, ولكنه يؤدي المعنى نفسه وإن اختلفت الألفاظ, وقد وعدنا ببيان التعريف المشهور في هذا الفصل وعلى النحو الآتي: 

١- قوله (إزهاق النفس) قال الجوهري في صحاحه(٤٥): (وزهقت نفسه تزهق زهوقاً أي: خرجت, والمزهِق القاتل, والمزهَق المقتول) أي: إخراج النفس من البدن ومفارقتها له وهي متعلقة به تعلُّق تدبير, أي: أنها مدبّرة لحركاته وسكناته وجميع أجهزته مِن جوارحه وأعضائه وقواه, وبخروجها تتعطل جميعها, ويصبح البدن جثة هامدة, فالإخراج تعبير مجازي, والحقيقة: هو قطع تعلّقها به, فإزهاق النفس: هو إخراجها مما تعلقت به, وليس هو إخراجاً حقيقياً. 

وقول الإمامية في التعريف (إزهاق النفس) يشمل كلّ ما يؤدي إلى إزهاق النفس, سواء كان فعلاً أم امتناعاً مادياً أم معنوياً ضرباً أم خنقاً أم سماً بما يقتل غالباً أم نادراً, أي: أن القتل غير محدد, لا بطبيعته, ولا بوسيلته. 

٢- قولهم (المعصومة) هي النفس التي منع الله قتلَها, أي: حرّم قتلها وإتلافها.

والعصمة (في اللغة): المنع, كما في الصحاح(٤٦).

والعصم يعني المنع, أي: منع الله قتلها, وعليه يكون غير المعصوم أعم من كونه بالأصل كالحربي, أو بالعارض كالقاتل على وجه يوجب القصاص.

وإذا كانت المعصومة بهذا المعنى فما فائدة قيد (عدوانا) في التعريف, باعتبار أن قيد (معصومة) أخرج هذه الأفراد من الحربي والقاتل وغيرهما؟ 

أجابوا عن ذلك: بـأن قيد (معصومة) في التعريف يعني ما لا يباح(٤٧) إزهاقها للكل, فالقاتل لا يباح دمه للكل, وإنما لولي المقتول فقط أو من ينوب عنه أو يوكله, فلا يكون معصوماً لغير ولي الدم, فإخراجه يحتاج إلى قيد, وهذا القيد هو (عدوانا), فيخرج ما يباح دمه لبعض دون بعض, أو تقول إن قيد (عدوانا) لإخراج فعل الصبي والمجنون(٤٨), باعتبار أن عمدهما وخطأهما واحد, فلا عدوان فيه, وإذا كان إخراج الصبي والمجنون بقيد (العمد) لأن قتلهما لا عمد فيه فيبقى قيد (عدوانا) لا فائدة منه, وفيه كلام يأتي إن شاء الله. 

٣- (المكافئة): ورد في الصحاح(٤٩): والكفيء: النظير وكذلك الكفء والكفوء, والمصدر الكفاءة, وكل شيء ساوى شيئاً حتى يكون مثله فهو مكافىء له.     

والتكافؤ الاستواء, يقال: (المسلمون تتكافأ دماؤهم) فيكون المعنى هو النفس المساوية والنظيرة لنفس القاتل, والمسلم كفء المسلم كما ورد في الحديث النبوي, فالإسلام يكافئ بين المسلمين ويساوي بينهم, وكذلك الحرية تكافئ بين الأحرار, والرقية تكافئ بين العبيد, فالمكافئة تكون بالإسلام والحرية(٥٠).

٤- (عمداً) تقدم أن معنى العمد في اللغة هو القصد, وكذلك في الشرع, والعمد هنا قيد لإزهاق الروح(٥١), أي إزهاق الروح قصداً, بمعنى توجه إرادة  الفاعل إلى ذلك الفعل أو الامتناع لإخراج الروح, والقصد يكفي في صدق القتل العمد على مورده, أما كونه موجباً للقصاص أم لا؟ فبالتأكيد إن العمد بمعنى القصد فقط لا يوجب القصاص ما لم يصدر من بالغ عاقل, إلا إذا قلنا إن العدوان في التعريف يُخرج الصبي والمجنون عن موجب القصاص, فحينئذ يكون معنى العمد هنا هو القصد فقط من دون التقييد بالبالغ والعاقل, حيث عرّفوا العمد بأنه قصد البالغ العاقل لإخراج الصبي والمجنون  بقولهم(٥٢), والعمد يحصل
 بقصد البالغ إلى القتل بما يقتل غالباً وينبغي قيد العاقل أيضاً.

فإذا تم إخراج الصبي والمجنون بقيد (عدواناً) فلا حاجة لتقييد معنى (العمد), أي (القصد), بالبالغ العاقل؛ لعدم الفائدة حينئذ.

وعلى هذا فإما أن تقول إن معنى (العمد) هو (قصد البالغ العاقل) فيكون معنى (العدوان) هو (بغير حق).

وإما أن يكون معنى (العمد) هو (القصد فقط), من دون اعتبار القيدين المذكورين, فيكون معنى (العدوان) هو (الظلم المحرم), فلا يعدّ فعل الصبي والمجنون عدواناً؛ لعدم التكليف(٥٣), فيخرجا بقيد (العدوان).

ويمكن الجمع بين معنيي (العمد) بأنه (القصد), ومعنى (العدوان) بكونه بغير الحق, ولكن لابد من قيد آخر نضيفه إلى التعريف فنقول: (القتل العمد)(٥٤), هو (إزهاق البالغ العاقل النفس المعصومة ...الخ).

وبـما أن التعريـف وارد كموجـب للقصاص فالأوفـق بالعبـارة أن يكون معنى (العمد) هو (قصد البالغ العاقل) لتصريح الروايات(٥٥) الواردة عن أهل البيت i بذلك, بأن عمد الصبي وخطأه واحد, وعلى هذا فحتى لو صدق عمد الصبي في القتل, وصدق عليه القتل العمد الموجب للقصاص, لا ينفذ عليه؛ لأن عمده هذا يجعل قتله خطأً بحسب الروايات الواردة عن أهل بيت الرحمة i بقولهم: (عمد الصبي وخطؤه واحد) (٥٦).

ويمكن أن نقول: إن القتل العمد هو هذا وهو حكم عام وضابطة كلية وهو شامل للصبي والمجنون إلا أن القصاص لا يشملهما لخروجهما بالدليل كما في الروايات في أعلاه وغيرها. 

وعلى هذا يكون التعريف بحقيقة القتل العمد بغض النظر عن كونه موجبا للقصاص, ولكن ينبغي رفع بقية القيود التي ذكرت كون القتل العمد موجب للقصاص, كقيد المعصومة والمكافئة والعدوان, والمفروض أن تعريف القتل العمد يكون بغض النظر عن كونه موجباً للقصاص أم لا؟ 

ولكن جرت أقلامهم على هذا, وعليه فإذا ذكرت بقية القيود فلابد من قيدٍ يُخرج الصبي والمجنون.

ومن يذكر القيود ولا يخرج الصبي والمجنون باعتبار الجمع بين معنى (العمد) كونه (القصد) ومعنى (العدوان) كونه (بغير الحق) فيشملهما تعريف القتل العمد الموجب للقصاص, ولكن خروجهما عن تنفيذ القصاص بحقهما بالتخصيص؛ لورود دليل خاص باستثنائهما, كما تقدّم؛ ولذلك نلاحظ الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي يقول: (فإنّ قتلهما للنفس لا يوجب عليهما القصاص).

٥- قيد (عدوانا) قد تـبـيـن مما سبـق أن (العـدوان) إمـا أن يكـون بمعنى (بغيـر حق) أو (الظلم المحرم) فيوافق اللغة كما في الصحاح(٥٧), فالعدوان: الظلم الصراح, إلا أن المعنى الأول أوسع؛ حيث يشمل كل قتل لم يجوّزه الشارع المقدس؛ لأن ما يجوّزه الشارع المقدس هو حق, كقتل المرتد, والقاتل والحربي, ونحوهم. 

أما (الظلم المحرم) فهو أقل مصاديق من المعنى الأول؛ حيث إنه يشمل فقط ما صدق عليه أنه ظلم محرم, فيبقى القتل المكروه غير داخل ضمنه؛ فهو ليس بعدوان, سواء أجازه الشارع أم لم يجزه.

وبهذا المعنى لا نحتاج إلى ذكر قيد (العدوان)؛ لأنه إن كان المقصود منه (بغير حق) ليخرج القصاص والحربي والمرتد فإنهم قد خرجوا بقيد (المعصومة) لأنها أنفس غير معصومة أباح الشارع إتلافها, وإن كان (الظلم المحرم) ليخرج الصبي والمجنون فإنهما خرجا بقيد (العمد), أو تخصيصاً, وعلى هذا فقيد (العدوان) لا حاجة له, ولهذا ترك المحقق الحلي S في النافع قيدَ (العدوان) استغناء عنه بقيد (المعصومة)(٥٨).

وأمّا ما ذكر ]من أن (المعصومة) يخرج بها ما لا يباح إزهاقها لكل مسلم, وأنّ المقتول قصاصاً أو دفاعاً عن النفس لا يباح للكل وإنْ أبيح قتله بالنسبة للورثة وولي الدم, فلا يخرجا بقيد المعصومة, وإنما خرجا بقيد (العدوان), ويخرج بقيد (المعصومة) المرتد والحربي اللذان هما مباحان للكل[ فهذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك لأن الشارع المقدّس عندما منع المسلم بحكم شرعي فيكون هذا الحكم أمراً كلياً وليس أمراً جزئياً. 

فالمقتول قصاصاً نفسه مباحة من الشارع, وغير معصومة بالنسبة لكل ولي دم ووريث, وكذلك المقتول دفاعاً عن النفس فنفسه مباحة غير معصومة لكل من  يواجهه, فهذان الحكمان لا يمكن القول إنهما لبعض المسلمين, وإنما هما لكل مسلم يتعرض لمثل هاتين الحالتين, فكل مسلم يُقتَل فقاتله مباح الدم لوليه, وهكذا مَن يهجم على المسلمين فدم المهاجم مباح له, وعليه فمَن يتصف بالقاتل يحق لولي الدم قتله, وكذلك الحربي والمرتد فهما مباحا الدم لكل مسلم ولكن بشرط تحقق الوصفين, فالمسلم الذي لم يتحقق من الارتداد لا يحق له قتل المرتد وهكذا. 

ولأجل ذلك لا فائدة من قيد (عدواناً) إلا في حالة أن يكون (العمد) بمعنى (القصد فقط), ولم يقيّد بالبالغ العاقل, فنحتاج إلى قيد (عدواناً). 

أقول: لا حاجة إلى قيد (العدوان), بل لا حاجة حتى إلى (المعصومة) و(المكافئة) أصلا في تعريف (القتل العمد), على أنها قيود للقتل العمد الموجب للقصاص, وتعريف القتل العمد شيء وكونه موجباً للقصاص شيء آخر.

ونحن بصدد تعريف (القتل العمد) مع غض النظر عن كونه موجباً للقصاص أم لا, حيث إن (القتل العمد) نفسَه خطيئة كبيرة أمام الله تعالى, وقد وضع الشارع له عقوبات, من ضمنها القصاص, وهو أقسى عقاب, فيكون القتل العمد الموجب للقصاص فرداً من أفراد القتل العمد, فتعريف (القتل العمد) بكونه: (القتل العمد الموجب للقصاص) تعريف بالأخص, وهو غير كافٍ في التعريف, فمن أجل هذا يكون تعريف القتل بأنه (إزهاق النفس الإنسانية عمداً). 

فإذا انطبق هذا التعريف على مورد وأردنا عقاب القاتل تطبق عليه شروط القصاص وكون النفس التي قتلها معصومة أم لا؟ مكافئة أم لا؟ وهذا الإزهاق بعدوان أم لا؟ وأما مسألة الصبي والمجنون, فالمجنون لا يتحقق منه (العمد), ولا (القصد), باعتباره مسلوب الإرادة, ولا يمكنه توجيه إرادته للفعل, وعدم إدراكه نتيجة فعله. 

وأما الصبي فيمكن تحقق (العمد) منه, إلا أن الشارع المقدس يعدّه ناقص الإدراك وإن كان قادراً على توجيه إرادته وبمحض فعله, إلا أنه رفع عنه القلم, فلا يعدّه مرتكباً للمعصية, ولا يُحاسب عليها, وليس عليه القصاص؛ لأنه وردت فيه روايات كما ذكرنا, فأصبح مخصصاً بها باعتبار أن عمده وخطأه واحد. 

الثاني: تعريف (القتل العمد) عند بقية المذاهب الإسلامية:

تعرّف بقية المذاهب الإسلامية (القتل العمد) بأنّه: (هو أن يعمد الرجل إلى الرجل فيضربه حتى يفيض نفسه, المعصومة, المكافئة, الحيّة, الآدمية, "على وجه

العدوان" عند مالك)(٥٩).

وهذا التعريف يمثل تعريف المذاهب الأربعة, إلا أن مذهب مالك أضاف قيد (على وجه العدوان), وتقدّم عند تقسيم (القتل) أنّ مالكا يقسّم القتل إلى قسمين, وليس إلى ثلاثة كما هو مشهور. 

لعل هذا هو السبب في اختلاف التعريف عن بقية المذاهب, كما أنه سببٌ لاختلافه في صدق (القتل العمد) على موارده, وباعتبار أن التعريف ضابطة كلية, والمفروض أنها جامعة مانعة, ولذلك أضاف (على وجه العدوان) ليدخل جميع أفراد القتل العمد, و لنفصّل التعريف بتوضيح فقراته وقيوده على النحو الآتي: 

  1. قولهم: (أن يعمد الرجل إلى الرجل), (العمد) هو (القصد) كما تقدم معناه, و(الرجل) يعني (الذكر البالغ), فيكون المعنى: أن يقصد الذكر البالغ إلى الذكرالبالغ. 

فيكون هذا التعريف غير شامل لقتل الذكر البالغ للصبي, ولا قتل الصبي للذكر البالغ, ولا قتل الأنثى - سواء كانت بالغة أم صغيرة - للذكر البالغ, ولا العكس, ولا قتل الأنثى الأنثى سواء كانتا بالغتين أم صغيرتين أم مختلفتين, وهذا ظاهر من قولهم (الرجل إلى الرجل). 

ولكن مقصودهم ليس هذا المعنى يقيناً, وإلا خرج أكثر أفراد القتل العمد, ولم يبق إلا فرد واحد, وهو قتل الرجل الرجل.

والظاهر أنهم استعملوا التعريف بالمثال, فذكروا مثالاً للقتل العمد وهو ضرب الرجل للرجل, ومنه يتضح معنى القتل العمد, والدليل: أنهم ذكروا في القيود (الحية, الآدمية) والحياة للإنسان تبدأ بعد تمام الولادة, وعليه فـ(القتل العمد) يشمل قتل الطفل الذي خرج من بطن أمه حياً, فكيف لا يشمل الصبي؟ 

وأما المجنون فهو داخل في التعريف, إلا إذا قلنا انه فاقد للقصد, فلا عمد للمجنون, فيخرج بقولهم: (أن يعمد). 

٢- قوله (فيضربه) ضَربه يَضربه ضَرباً(٦٠), أي: فعل الضرب, ويعدّ هذا الركن الأول للقتل العمد, وهو الركن المادي فيه, وهو فعل الجاني الناتج بالضرب. 

وظاهر التعريف أنه يشمل القتل العمد الناتج من الضرب فقط, وهذا ليس مراداً لهم قطعاً؛ بدليل صدق القتل العمد عندهم على الغرق والحرق والتسمم وغيرها, ولذلك نقول أن ذكر الضرب في التعريف هو مثال للركن المادي, وليس مصداقاً له ومنحصراً فيه, فالضرب ذكر في التعريف لأنه الغالب في القتل العمد عادة, والضرب كناية عن كل فعل, ولذلك لا يشترط مالك شروطاً خاصة في الفعل القاتل أو في أداة القتل- والمهم عند مالك هو (قصد العدوان) كما ذكرنا في التعريف, ولذلك يقول: (وإن هناك أشياء يتعمّد الإنسان فعلها مثل الرجلين يصطرعان فيصرع أحدهما صاحبه أو يتراميان بالشيء على وجه اللعب, فيسقط فـيـمـوت من هذا كـلـه فــهـذا هو القتل الخطأ, ولا يكون قتـلاً عمــداً؛ لأن الجـاني تعمده على وجه اللعب, فإذا تعمده على وجه القتال والغضب فصرعه فمات أو أخذ برجله فسقط فمات فهو قتل عمد)(٦١).

ولم يحدد مالك نوع الضرب بل كل ضرب سواء كان بلطمة أم بعصا أم بحجر أم بعمود أم بقضيب وما شابه ذلك كله بما أنه بعمد وسبّب وفاة المجني عليه فهو قتل عمد, ولذلك يقول: (إن كل ما تعمّده الإنسان من ضربة بلطمه أو بلكزه أو ببندقية أو بحجر أو بقضيب أو بغير ذلك كل هذا قتل عمد إذا مات فيه المجني عليه)(٦٢).

وسواء كان الفعل أو الأداة مما يقتل غالباً أو لا فهو قتل عمد؛ وذلك لأن مالكاً عنده القتل إما عمد أو خطأ ولا ثالث لهما.

إلا أن بعض المالكية حددوا ذلك بقولهم(٦٣): (إن القتل العمد إتلاف النفس بآلة تقتل غالباً أياً كان نوعها أو بإصابة المقتل كعصر الأنثيين وشدّة الضغط والخنق).

وأما الشافعي وأحمد(٦٤), فإنهما يشترطان في كون القتل مما يقتل غالباً وإلا لا يكون قتلاً عمداً. 

وأمـا أبـو حـنـيـفة(٦٥), فإنه يشترط كونه مما يقتل غالباً, وأن تكون الأداة مما تعدّ للقتل.

  1. قولهم (حتى تفيض نفسه). وفاض الرجل يفيض فيضاً وفيوضاً: مات, وكذلك فاضت نفسه, أي: خرجت روحه(٦٦), فافاضة النفس هو خروجها من البدن, وهو مجاز, أي: قطع تعلقها به وتعطيل جميع جوارحه ومدركاته وقواه وأجهزته وحصول الموت. 

ولكن قولهم (حتى) يوحي باستمرارية الضرب لحين حصول الوفاة, وهذا ليس شرطاً في صدق القتل العمد؛ لأنه يكفي أن تكون الضربة سبباً للوفاة سواء استمر على الضرب حتى مات أم ضربة واحدة فمات على أثرها. 

٤- قولهم (المعصومة). وهي كون النفس غير مهدورة الدم, أي: محقونة الدم. والعصمة تأتي من العصم, أي: المنع(٦٧), أي: منع الله قتلها أو إتلافها. 

وذكر بعضهم, وقال: (والعصمة أساسها في الشريعة: الإسلام والأمان, ويدخل تحت الأمان عقد الجزية والموادعة والهدنة, وعلى هذا يعدّ معصوماً المسلم والذمي ومن بينه وبين المسلمين عهدٌ أو هدنة ومَن دخل ارض الدولة بأمان ولو كان منتمياً لدولة محاربة ما دام الأمان قائماً, فهؤلاء جميعهم معصومون, أي: لا تباح دماؤهم ولا أموالهم.. وهذا رأي مالك والشافعي وأحمد)(٦٨).

وأما أبو حنيفة فيرى أن العصمة ليست بالإسلام, وإنما يعصم المرء بعصمة الدار ومنعة الإسلام وبالأمان, فأهل دار الإسلام معصومون بوجودهم في دار الإسلام وبمنعة الإسلام المستمدة من قوتهم وجماعتهم, وأهل دار الحرب غير معصومين لأنهم محاربون, وإن كان فيهم مسلم فلا يعصمه إسلامه حيث لا منعة له ولا قوة)(٦٩).

والفرق واضح؛ حيث أن الأئمة الثلاثة يرون أن العصمة بالإسلام سواء كان المسلم في دار حرب أم دار إسلام فهو محقون الدم ولا يباح دمه. 

وأما أبو حنيفة فإنه يرى أن العصمة هي عصمة الدار فإن الكافر بوجوده في دار الإسلام محقون الدم, والمسلم بوجوده في دار الحرب مهدور الدم. 

وعليه إذا كانت العصمة بالإسلام والأمان فتزول بزوال أحدهما؛ حيث أن المسلم يصبح مهدور الدم بالارتداد, والمستأمن يصبح مهدور الدم بانتهاء أمانه. 

وكذلك المسلم الذي يرتكب جريمة ينص الشارع على هدر دمه لبعض دون بعض, كالقاتل والزاني المحصن وغيرهما فإنهما لا عصمة لهما بعد ذلك. 

وقت العصمة:

اختلفوا في وقت العصمة فمالك والشافعي وأحمد يقولون أن وقتها الفعل ووقت الموت, وأبو حنيفة يرى أن وقت العصمة هو وقت الرمي. 

٥- المكافئة: والكفئ: النظير, وكذلك الكفء والكفوء, والمصدر الكفاءة, وكل شيء ساوى شيئاً حتى يكون مثله فهو مكافئ له, والتكافؤ الاستواء, كما ورد عن الرسول الأعظم e: (المسلم كفء المسلم), وكذلك قوله e: (المسلمون تتكافأ دماؤهم), وعليه فالمكافئة كما يذهب مالك والشافعي وأحمد أن يكون المجني عليه مكافئاً للجاني إذا لم يفضله الجاني بحرية أو أسلام(٧٠), فإذا تساويا في الحرية والإسلام فهما متكافئان, فإذا تساويا بالحرية والإسلام فلا عبرة بالفروق الأخرى بينهما, سواء سلامة الأعضاء أم الشرفية أم الفضيلة أم غيرها. 

واختلفوا في الذكورية والأنوثة, بمعنى أن الرجل إذا قتل المرأة يقتل بها أم لا؟ وبالعكس. 

فالمذاهب الأربعة لا يرون اعتباراً بالذكورية والأنوثة, فالرجل يُقتل بالمرأة, والمرأة تُقتل بالرجل, ولا فرق بينهما. 

وهناك رأي آخر, يقول: إن الرجل لا يُقتل بالمرأة, وإذا أرادوا قتله عليهم دفع نصف الدية.

وأما أبو حنيفة(٧١), فانه يرى التكافؤ بالإسلام فقط, ولا يرى الحرية, فالعبد يُقتل بالحر, والحر يُقتل بالعبد, ويُستثنى من ذلك قتل السيد عبده, فلا يُقتل به. 

هذه شروط التكافؤ بالنسبة للمجني عليه, وأما بالنسبة إلى الجاني فإنه يُقتل إذا قتل مسلماً سواء كافأه أم لا؟ 

٦- قولهم (الحية الآدمية): يشترط لتحقق القتل العَمد أن يكون المجني عليه  آدمياً, أي: إنساناً من بني آدم. 

وهنا ملاحظة, وهي: أنه لو كان انساناً من غير نسل آدم, أي: إنساناً جاء من كواكب غير كوكب الأرض, وليس من نسل آدم, فلا يصدق القتل العمد عندهم بخلاف رأي الإمامية, حيث عبّرت بالنفس مطلقاً, سواء كان من بني آدم أم غيرهم. 

وعلى كل حال فمقصودهم إخراج قتل الحيوان, فلا يُعتبر قتلاً عمداً, ويشترطون شرطاً آخر, وهو: كون هذا الإنسان حياً, أي: فيه الحياة, وليس ميتاً أو جنيناً لم يخرج للحياة بعد, فالإنسان الحي يصدق من بعد تمام ولادته حياً حتى مماته, فإذا مات لا يصدق عليه (إنسان حي). 

فـمـن يقـتل جنيناً يُعدّ قاتـل نفـس, لكنه ليس قتلاً عمداً, وإنما جريمـة أخرى, هي: الإجهاض. 

 فالإنسان الحي هو مَن نزل حياً بعد تمام ولادته حتى تفارق روحه الحياة, فإذا فارقت روحه الحياة فهو ليس انساناً حياً, وأما إذا كان في النزع والرمق الأخير من عمره فهل يعدّ انساناً حياً؟ 

الجواب: نعم, يعدّ حياً, وقاتله قاتل عمد. 

هذه القيود التي ذكرها الأئمة الأربعة كما بيّناها, ويبقى قيد واحد انفرد به مذهب مالك, حيث أضاف على تلك القيود قيدَ (على وجه العدوان) بل جعله هو الفيصل والمدار والمعيار في صدق القتل العمد, فكل قتل بأي وسيلة وبأي حالة وقعت إذا كان بقصد العدوان فهو قتل عمد وأي حالة وبأي وسيلة حصلت إذا كان بقصد التأديب أو اللعب فهو ليس بقتل عمد. 

٧- قوله (على وجه العدوان). معنى (العدوان) في اللغة: الظلم الصراح(٧٢), ولكن مالكاً يريد إخراج ما تعمدّه على وجه اللعب أو التأديب فحينئذ يكون الغضب وثورته من وجه العدوان وقصده. 

ولذلك لا يشترط مالك أن تكون الآلة مما تقتل غالباً, بل الضابط والمدار عنده أن يكون الضرب على وجه العدوان, فإن لم يكن على وجه العدوان وكان على وجه اللعب أو التأديب فهو خطأ, فالقتل عنده إما عمد أو خطأ ولا ثالث لهما سواء قصد القتل أم لم يقصده.

وأما بقية المذاهب فإنهم قسّموا القتل إلى ثلاثة: العمد وشبهه والخطأ, ويفرقون بين العمد وشبهه بقصد القتل, فإن قَصَده فهو عمد, وإن لم يقصده فهو شبه العمد. 

وحـيـث أن القصد أمر داخلي في السرائر ولا يطلع على السـرائر إلا الله تعالى فكيف يمكن معرفته والتفريق بين أنواع القتل؟ 

يمكن الاستدلال على القصد من خلال الوسيلة التي استعملها والآلة التي استخدمها في ارتكاب الجريمة باعتبارها تعبّر عن نية الجاني وقصده.

وحسب المتعارف أن الذي يريد قتل إنسان يضربه بما يقتل غالباً أو عادة, كالآلات القاطعة أو الجارحة أو النارية أو ما شابه ذلك وبالعكس. 

واختلفوا في الآلة هل يشترط فيها أنها مما يقتل غالباً أم أن تكون معدة للقتل؟ 

الشافعي وأحمد ذهبا إلى كفاية أنها تقتل غالباً. 

وأما أبو حنيفة فإنه لا يكتفي بكونها تقتل غالباً, بل يشترط شرطاً آخر وهو كونها معدّة للقتل, وعلى هذا فإذا قتل شخص آخر بآلة تقتل غالباً كالحجر ولكنها غير معدّة للقتل فعند الشافعي وأحمد أنه قتل عمد, وعند أبي حنيفة أنه ليس من القتل العمد. 

والفرق واضح بينهم فالسكين والحجر وإن كانت تقتل غالباً إلا أنها غير معدّة للقتل, بخلاف الطلق الناري والسيف فإنهما يقتلان غالباً ومعدان للقتل. 

وملخّص ما تذهب إليه المذاهب الأربعة هو أن القتل العمد يحتاج إلى فعل مادي كالضرب, وقع على إنسان حي بقصدٍ وتعمدٍ, ويلحق بذلك أن هذا الإنسان قد توفي بسبب ذلك الفعل المادي, وأن يكون انساناً محقون الدم مسلماً أو مأتمناً, مكافئاً لنفس الجاني بالحرية والإسلام, وأن يكون بقصد العدوان عند مالك.

ثانياً: مناقشة التعريفين والفرق بينهما: 

تقدّم بيان التعريف الذي ذهب إليه فقهاء المذهب الجعفري الإمامي للقتل العمد وهو المشهور عندهم, ثمّ بيّنا تعريف المذاهب الأربعة للقتل العمد, وقد وُضِّح المقصود بكل تعريف, والآن نريد أن نناقش هذين التعريفين بشكل موجز, ونجمل ذكر الفرق بينهما, فنقول: 

إن المذاهب الفقهية الإسلامية اتفقت في هذين التعريفين على ما يأتي: 

أولاً: أن القتل هو إزهاق الروح إلا أن تعريف الإمامية عبّر عنه صريحاً بـ(ازهاق النفس), ويعني إخراجها كما بيّنا ذلك في توضيح التعريف الخاص بالفقه الإمامي, في حين أن المذاهب الأخرى عبّرت عنه بقولهم (حتى تفيض نفسه) ويؤدي نفس معنى الإزهاق, وهو خروج الروح أيضاً. 

وعليه يمكن القول أن المذاهب الفقهية الإسلامية متفقة على أن القتل العمد لا يحصل إلا بمفارقة الروح للبدن وخروجها منه, فصدق القتل العمد لا يتحقق إلا بحصول الإخراج للنفس الإنسانية, أي: حصول الوفاة, فالمذاهب الفقهية اتفقت على هذا المعنى وإن اختلفت الألفاظ. 

ويعدّ هذا المعنى ركناً من أركان القتل العمد, وهو حصول الوفاة بفعل أو بامتناع, كما يشير إلى ذلك تعريف الإمامية, وكذلك بقية المذاهب وإن لم تُشر إلى ذلك صريحاً. 

ثانياً: أن تكون هذه النفس التي وقعت عليها الوفاة (معصومة), تتفق المذاهب الإسلامية في هذا القيد لفظاً, وبيّنا في توضيح التعريف ما يقصدونه من هذه الكلمة, حيث أن الإمامية يعنون بها ما لا يباح ازهاقه للكل, والمعصومة من العصم, بمعنى المنع, أي: النفس التي منع الله إتلافها, فقيد (المعصومة) يُخرج الكافر الحربي والمرتد والقاتل, سواء كانت بالأصل مباحة كالكافر الحربي أم بالعارض كالمرتد والقاتل. 

فالمعصومة تخرج ما أباح الشارع إتلافها بالأصل أو بالعارض للكل أو للبعض. 

وأما بقية المذاهب, فيعنون بالمعصومة أنها محقونة الدم وغير مهدورة الدم, وقال بعض مَن كتب في التشريع الإسلامي(٧٣): إن أساسها عندهم الإسلام والأمان, ويدخل تحت الأمان عقد الجزية والموادعة والهدنة, فلا تباح دماء هؤلاء ولا أموالهم, وهذا ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد, وأما أبو حنيفة فيرى أن العصمة ليست بالإسلام, وإنما يعصم المرء بعصمة الدار ومنعة الإسلام وبالأمان. 

فأهل دار الإسلام معصومون بوجودهم في دار الإسلام وبمَنعَة الإسلام المستمدة من قوتهم وجماعتهم, وأهل دار الحرب غير معصومين لأنهم محاربون, وإن كان مسلماً فلا يعصمه إسلامه حيث لا منعة له ولا قوة.

وهنا يخالف أبو حنيفة ولا يعدّ الإسلام اساساً للعصمة, وهذا خلاف ما ذكره رسول الله e من أن دم المسلم وماله وعِرضه حرام على المسلم, وهذه الرواية مطلقة, لم تُقيَّد, لا بدار الإسلام, ولا بدار الحرب, وهي صريحة في حقن دماء المسلمين أينما كانوا. 

وأما الأمان  فالمذاهب الأربعة تتفق على كونه اساساً للعصمة, إلا أن الإمامية وإن قالوا به وادخلوه في معنى العصمة لكنهم لا يوجبون القصاص فيه على المسلم إذا قتل مستأمناً, فالمسلم إذا قتل الذمي لا يقاد به. 

وهذا ما ادعى الشهيد الثاني S عليه الإجماع, تعليقاً منه على ما ذكره المحقق الحلي S : (فلا يقتل مسلم بكافر, ذمياً كان أو مستأمناً أو حربياً, ولكن يعزر ويغرم دية الذمّي)(٧٤).

حيث علّق عليه الشهيد الثاني S , بقوله: (أجمع الأصحاب على أن المسلم لا يقتل بالكافر مطلقاً, ذمياً كان أم غيره؛ لقوله تعالى: [ولن يجعل الله للكافرين على المسلمين سبيلاً] (٧٥), وإثبات القصاص لوارث الكافر إذا كان كافراً سبيلٌ واضح, ولم يقل أحد بالفرق بين الوارث الكافر والمسلم, ولقوله e: (لا يُقتل مؤمن بكافر)(٧٦), الشامل للذمي وغيره, ولا يخصصه الخبر المحذوف في قوله: (ولا ذو عهد في عهده)(٧٧), أي: بكافر, حيث كان مخصوصاً بالحربي, لمنع الافتقار إلى الخبر أولاً, ومنع اشتراط المساواة من كل وجه لو سلم التقدير) (٧٨).

ويمكن الاستدلال أيضاً بما جاء عن أهل البيت i عن أبي عبد الله g, قال: (قلت: رجل قتلَ رجلاً من أهل الذمة, قال: لا يُقتل به إلا أن يكون متعوداً للقتل)(٧٩), وهذا الفرق بين المذهب الجعفري الإمامي وغيره يرجع في الحقيقة إلى موجب القصاص, حيث إن الذمي والمستأمن لا يجوز لهما إتلاف نفسيهما لشمولهما بقيد (المعصومة), وأما أن قتلهما لا يوجب القصاص على المسلم لخروجهما عن موجب القصاص بقيد (المكافئة) لأن الذمي ليس كفء المسلم فلا يقاد به. 

فالإمامية تذهب إلى عصمة نفس المستأمن, ولكن لا توجب قتل المسلم به, إلا إذا تعود المسلم على قتلهم, ولا يعني أن الإمامية لا يوجبون عقوبة أخرى كالتعزير والدية.

فالمذاهب الإسلامية مختلفة في المقصود بقيد (المعصومة) حيث تذهب الإمامية إلى عدم جواز إتلاف النفس فتشمل حتى الحيوان, وأما الشافعي والمالكي وأحمد فيذهبون إلى أنها بالإسلام والأمان وأساسها ذلك, وأبو حنيفة ذهب إلى أنها عصمة الدار ومنعة الإسلام والأمان.

أقول: إن (العصمة) لا يكون أساسها الاسلام؛ لأن ظاهر كلماتهم أن العصمة هي أنْ لا يباح دمه ولا أمواله, وحينئذ لا نحتاج أن نقيّد ذلك بقولنا بالإسلام؛ لأن غير المسلم أيضاً لا يباح دمه كالذمي والمستأمن وغيره, بل حتى الحيوان المملوك لا يباح قتله لأنه نفس محترمة. 

نعم عدم إباحة دم الإنسان سببه الإسلام والأمان باعتبارهما أكثر المصاديق, ولكن هذا لا يعني أن كل ما لا يباح دمه فهو مسلم أو مستأمن, فالكافر غير الحربي والملحد غير الحربي ومن لم يعلن حربه على الإسلام لا يباح دمه ونفسه محترمة, فلا ينبغي حصر سبب العصمة في الإسلام والأمان والمفروض إطلاقها كما فعلت الإمامية.

وإذا كانت العصمة بالإسلام والأمان فالمكافأة ماذا تعني؟ وما الفائدة المترتبة على قيد (المكافئة) فعدم التقييد بالإسلام والأمان أولى. 

وكون العصمة ما لا يباح دمه ليكونَ قيَّد المكافئة بالإسلام وبغيره.

بالإضافة إلى أن المسلم القاتل أباح الشارع قتله رغم أنه مسلم فكيف نقول أن الإسلام والأمان أساسان للعصمة مع أن الإسلام لا يعصم كثيراً من مرتكبي الجرائم كالقاتل والزاني بالمحصنة وهو محصن والزاني بالمحارم وغيرها .

فالعصمة عدم إباحة الدم وعدم جواز إتلاف النفس, وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة فيشكل عليه بأن قول الرسول e مطلق, غير مقيد, لا بدار الإسلام, ولا بدار الحرب, فالمسلم محقون الدم, وكونه في دار الحرب لا يبيح دمه, بل ربما يوجب الشك في كونه مباح الدم أم لا؟ ويجب الاحتياط بالدماء, فنتوقف فيه, ولا يُحكم بجواز قتله. 

٣- قولهم (المكافئة): المشهور بين المذاهب أن التكافؤ يكون بالإسلام والحرية, ولم يخالف في ذلك إلا أبو حنيفة, حيث ذهب الى أن التكافؤ بالإسلام فقط, وأما الحرية فلا؛ لأن الحرّ يُقتل عنده بالعبد وبالعكس.

وأمّا الشافعي وأحمد ومالك فهم يتفقون مع الإمامية في قيد التكافؤ, وأنه بالإسلام والحرية, فالمسلم كفء المسلم, والحر كفء الحر, والعبد كفء العبد, ولا يقتل الحر بالعبد سواء كان سيداً أم لا. 

٤- قولهم (الحية الآدمية): يعني أن القتل يقع على نفس إنسان حي, وتصدق الحياة عندهم بعد تمام الولادة حتى الموت, أي: بعد نزول المولود وخروجه من بطن أمه وانفصاله عنها يصدق أنه حي, فيكون ما قبل تمام الولادة غير مشمول بذلك سواء كان في أثناءها أم قبلها, فله حكم خاص كالإجهاض, فلا يشمل هذا قتل الجنين ولا الميت . 

وأما الإمامية فإن تعريفهم يشمل الجنين الذي ولجته الروح, على أنه نفس معصومة لا يجوز إتلافها, فيصدق على قتله قتل عمد, ولكنه لا يوجب القصاص عندهم وإنما يوجب الدية, أي: أن الجنين بعد ولوج الروح مشمول بتعريف القتل العمد, ولكن عقوبته الدية وليست القصاص, وكذلك الجنين قبل ولوج الروح عقوبته الدية, ولكن التعريف لا يشمله؛ لعدم صدق النفس عليه. 

ولذلك قالوا في دية الجنين: (في النطفة إذا استقرت في الرحم عشرون ديناراً.. وفي العظم.. ثمانون ديناراً, وفي التام الخلقة قبل ولوج الروح فيه مائة دينار, ذكراً كان.. أو أنثى.., ولو ولجته الروح فدية كاملة للذكر, ونصف للأنثى)(٨٠).

وهذا التعريف للإمامية دقيق بحيث يشمل قتل الجنين, ولكن عقوبته الدية, لا القصاص, فلا يكون موجباً للقصاص, ويصلح هذا إشكالاً على التعريف؛ لأنهم عرفوا (القتل العمد) بكونه موجباً للقصاص, ولم يذكروا فيه (الحي الآدمي) كما ذكرته المذاهب الأربعة, إشارة إلى أن (القتل العمد) يشمله, ولكن القصاص بشروطه يُخرج قتل الجنين حتى مَنْ ولجته الروح. 

فأخرجوه من القصاص وذكروه ضمن الدية, والحياة عندهم تبدأ بعد تمام الولادة, فالقتل العمد الموجب للقصاص ولو كان الطفل مولوداً في الحال, أي بعد تمام الولادة, فلا يشمل الجنين بعد ولوج الروح كما بيّنوه بقولهم (القول في شرائط القصاص وهي خمسة فمنها التساوي في الحرية أو الرق لعموم الآية سواء تساويا في العلم والشرف والغنى والفقر والصحة والمرض والقوة والضعف والكبر والصغر أم تفاوتا أشرف المريض على الهلاك, أو كان الطفل مولودا في الحال)(٨١).

ولكن المذاهب الأخرى تعرّف (القتل العمد) بأنه عمد الرجل إلى الرجل, أي: يخرج ما دون البالغ من الذكور, أي: لا يصدق العمد لو قتل غير البالغ؛ لأنه عبّر بالرجل, وهو البالغ من الذكور. 

فكيف يجتمع قولهم (الرجل) وقولهم (تبدأ الحياة بعد تمام الولادة؟).

والجواب: أن هذا التعريف هو بالمثال, حيث ذكر مثالاً للقتل العمد, وهو عمد الرجل إلى الرجل بالضرب, وأما التفاصيل فكما ذكروها في مسائله.

٥- (على وجه العدوان): هذا القيد أضافه مالك, وتذهب إلى أخذه الإمامية في تعريفهم بقولهم (عدواناً), دون المذاهب الثلاثة الأخرى, باعتبار أن المدار في القتل العمد هو قصد القتل, وهو أمر داخلي يمكن معرفته من خلال الآلة المستعملة فإن كانت مما يقتل غالباً فهو قتل عمد. 

ويضيف أبو حنيفة (أنها معدّة للقتل), ولا يكفي كونها تقتل غالباً, وأما مالك فانه يرى أن المدار والضـابط ليس هو (قصد القتل) وإنما (قصد العدوان), ويمكن

معرفته من خلال الآلة أيضاً إذا كانت مما تقتل غالباً.

أما الإمامية فإنهم اشترطوا في ازهاق النفس أن يكون (عدواناً), وقلنا هناك أنهم يقصدون بغير حق أو الظلم الصراح, وذكرنا عدم الحاجة إلى هذا القيد, وميّزنا بين تعريف القتل العمد وحقيقته, مجردة عن ايجابه القصاص, وتعريفه كونه موجباً للقصاص. 

والإمامية بحسب الظاهر يرون أن القتل العمد يتحقق بقصدالقتل, سواء كان ذلك بما يقتل غالباً أم عادة أم لا يكون قاتلاً غالباً إذا ترتب القتل عليه, بل أن استعمال ما يقتل عادة يُحقّق القتل العمد وإن لم يقصد القتل ابتداء. 

فانتقاء قصد القتل لا ينفي القتل العمد, فتتفق الإمامية مع الشافعي وأحمد في قصد القتل وتختلف معهم في الآلة, حيث إنهما يشترطان كونها مما تقتل غالباً, والإمامية لا تشترط ذلك, ومن هنا قالوا: (ويتحقق العمد بقصد البالغ العاقل القتل ولو بما لا يكون قاتلاً غالباً)(٨٢).

ويمكن القول: إن تعاريف المذاهب الإسلامية للقتل العمد بكونه موجباً للقصاص, وهذا ليس تعريفاً لحقيقة القتل العمد مجردة, فالقتل العمد له حقيقة بمعزل عن القصاص, وأما كونه موجباً للقصاص فهذا أمر آخر لاحق به, حيث إن القتل العمد كبيرة من الكبائر, والقصاص حدّ من حدود الله تعالى, والقتل العمد موضوع للقصاص, فإذا تحقق موضوع القصاص وجب عند توفر شروطه, وإذا لم تتوفر صدق القتل العمد ولا يقام القصاص لتخلف أحد شروطه .

 

 

المبحث الثاني

 

أولاً: أركان القتل العمد عند المذاهب الإسلامية:

من خلال ما تقدم من التفاصيل في مناقشة فقرات التعريف للقتل العمد يمكننا أن نذكر أركان القتل العمد المقوّمة له, التي بوجودها يتحقق القتل العمد, سواء كان موضوعاً للقصاص أم لم يكن.

فأركان القتل العمد عند الإمامية بحسب الظاهر ثلاثة:

الأول: الفعل المادي, أو الامتناع المؤدي إلى إزهاق الروح.

الثاني: وقوع الفعل المادي على محل القتل العمد, وهو نفس معصومة مكافئة عدواناً.

الثالث: القصد الجنائي, وهو الركن المعنوي, وهو قصد القتل, أو ما يظهره كاستعمال آلة قاتلة عادة أو غالباً.

هذا ما يمكن استظهاره من كلمات فقهاء الإمامية..   

وأما أركان القتل العمد عند المذاهب الأخرى فهي (ثلاثة أيضاً): 

الأول: أن يكون المجني عليه آدمياً حياً, وهذا هو محل الجريمة.

الثاني : الفعل المادي المؤدي إلى القتل, وهذا هو الركن المادي.

الثالث : القصد الجنائي, وهو قصد الجاني إحداث الوفاة, وهذا الركن الثالث هو الركن المعنوي في القتل العمد, وينبغي أن نضيف إلى محل الجريمة ما ذكر من أوصاف في التعريف, وهي كونها معصومة مكافئة.

ثانياً: مصاديق القتل وتطبيقاته عند المذاهب الإسلامية:

١- القتل بالمحدد: والمحدد: هو كل آلة محددة جارحة أو طاعنة لها مور في البدن, أي تفرق أجزاء الجسم, ولا يشترط أن يكون المحدد من مادة معينة, فيصح أن يكون من الحديد أو النحاس أو الرصاص أو الذهب أو الفضة أو الزجاج أو الخشب أو القصب أو العظم أو غير ذلك, ومثله السكين والرمح والبندقية والمسلة والسهم والقنبلة والسيف.

وهذه الآلات بطبيعتها قاتلة غالباً بل معدّة للقتل, والذي عند الإمامية أن هذه الآلات إذا استعملت يتحقق القتل العمد, سواء قُصد القتل ابتدءاً أم لم يقصد.

ولذلك يقول السيد الخوئي S : (ويتحقق العمد بقصد البالغ العاقل القتل, ولو بما لا يكون قاتلاً غالباً فيما إذا ترتب القتل عليه, بل الأظهر تحقق العمد بقصد ما يكون قاتلاً عادة, وإن لم يكن قاصداً القتل ابتداءاً) (٨٣).

ويستدل على ذلك بصحيحة الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد الله g أنه قال: (إذا ضرب الرجل بالحديدة فذلك العمد), والحديدة من المحدد. 

ويعلّق السيد الخوئي S على هذه الرواية بقوله: (فإنها تدل على أن الضرب بالحديدة التي يترتب عليه القتل عادة من القتل العمدي وإن لم يقصد الضاربُ القتل ابتداءاً). 

وتتفق المذاهب الأربعة مع الإمامية في أن القتل بالمحدد قتل عمد(٨٤), لتحقق أركانه.

  1. القتل بالمثقل: وهو ما ليس له حدّ كالعصى والحجر, فالإمامية يشترطون فيـه التـكرار والاسـتمـرار إذا لم يقصـد القتـل, فيتـحـقـق القـتـل العـمـد بالتـكـرار

والاستمرار, وأما إذا قصد القتل فهو عمد وإن لم يستمر بالضرب بالمثقل.

ولذلك قال السيد السبزواري S: (إذا ضربه بآلة واستمر على ضربه بها حتى مات, أو شدّد في الضرب بما لا يتحمله فمات, أو كان لا يتحمل أصل الضرب لعارض فيه فمات بأصل الضرب, كل ذلك من العمد), - لصدق تعمد القتل في ذلك عرفاً - (وأما إذا ضربه بعودٍ خفيف, أو رماه بحصاة فاتفق موته لم يتحقق به موجب القصاص)(٨٥).

ويتفق مع الإمامية مالكُ والشافعي وأحمد في أن الضرب بالمثقل قتل عمد(٨٦), بخلاف أبي حنيفة حيث يعدّه قتلا ً شبه عمد.

٣- الإلقاء في مهلكة: فقهاء الإمامية يفرّقون بين ما إذا كان المجني عليه متمكناً من التخلص أو الفرار ولكنه لم يفر ولم يتخلص تكاسلا ً فلا عمد, وبين ما إذا ألقاه في المهلكة ولم يمكنه الفرار أو التخلص, كما لو كتّفه وألقاه فهو عمد.

ويقول السيد السبزواري S: (لو ألقاه في منجم فحم مهلك, أو في حقل كهربائي خطر, أو في محل فيه حية قاتلة أو سبع كذلك, أو نحوها من المهالك, فإن أمكنه الخلاص أو الفرار ولم يفر أو لم يتخلص تكاسلاً فلا قود ولا دية), لأنه أقدم على قتل نفسه باختياره فيكون دمه هدراً.

(وإلا) أي إذا لم يمكنه التخلص ولا الفرار (ففيه القصاص) وكذا لو كتفه وألقاه في المهلكة) (٨٧), يذهب مالك إلى أنه - على كل حال - قتل عمد.

وأما أحمد فيعدّه عمداً إذا فعل به السبع فعلاً يقتل مثله, وأمّا الشافعي فهو يفرّق بين الصبي والبالغ, وبين كون السبع ضارياً أم لا, وعنده القتل شبه عمد.

وأما أبو حنيفة فلا يرى مسؤولية على الجاني في كل الصور المحتملة.

٤- الإغراق والإحراق : وهما الإلقاء في الماء, سواء كان نهراً أم بحراً أم غيرهما، وأما الإلقاء في النار فهو الإحراق, سواء كانت كبيرة أم صغيرة, والإمامية يميّزون في هاتين الواقعتين بين حالة تمكن المجني عليه من التخلص وعدمها, حيث يقول السيد السبزواري(٨٨) S, في ذلك: (إذا طرحه في النار أو ألقاه في البحر فأعجزه عن الخروج حتى مات, أو منعه عن ذلك فمات قُتل به,

لصدق التعمد إلى قتله بذلك, فيشمله إطلاق أدلة القتل العمدي).

فظاهر كلامه S أن منشأ صدق القتل العمد على هاتين الحالتين هو إعجاز المجني عليه ومنعه من الخروج, وإلا فإذا كان غير عاجز عن الخروج ولم يمنعه منه فلم يصدق عليه القتل العمد, ويتفق الشافعي وأحمد مع الإمامية في التفصيل المتقدم, ويعدّاه عمداً في حالة عدم إمكان التخلص, ومع إمكانه فلا مسؤولية, وأما مالك فيعدّه قتلاً عمداً سواء أمكنه التخلص أم لا, وأما أبو حنيفة فيراه قتل عمد إذا كان الإحراق مما يقتل غالباً فهو قتل عمد وإلا فهو شبه عمد, وأما الإغراق فهو شبه عمد دائماً.

٥- الخنق: والمقصود به منع خروج النَّفَس بأي وسيلة, سواء شنق الجاني المجني عليه بحبل, أو خنقه بيده, أو بحبل, أو غمه بوسادة, أو بأي شيء وضعه على فيه أو أنفه.

والخنق عند الفقهاء الإمامية مما يقتل غالباً, فيكون مصداقاً للقتل العمد وركناً مادياً له, وعلى هذا فهو عندهم يُثبت القتل العمد.

ويقول السيد الخوئي(٨٩):S (ومن هذا القبيل ما إذا خنقه بحبل ولم يرخه عنه حتى مات.. فهذه الموارد وأشباهها داخلة في القتل العمدي, وملاكُ العمد في 

القتل هو إيجاد عمل يقصد به القتل أو يترتب عليه الموت غالباً, وهو متحقق في جميع هذه الموارد).

وكذلك يقول السيد السبزواري(٩٠) S: (فلو خنقه بحبل ولم يرفعه عنه حتى مات.. أو غير ذلك من الأسباب المختلفة, كل ذلك من العمد يكون فيه القود, ولا فرق في ذلك كله بين أن يموت بنفس هذا العمل بلا تخلل زمان أو مات موتاً مستنداً إليه) لصدق استناد الموت إلى فعله عرفاً مع كون الفعل مما يقتل وان تخلل زمان بينهما غالباً. 

أي أن الخنق مصداقٌ للعمد حتى لو تخلل زمان بينه وبين الموت. 

والشافعي وأحمد يفرّقان بين ما إذا كان الخنق لمدّة يموت في مثلها فهو قتل عمد وبين ما إذا كانت مدّة لا يموت في مثلها فهو شبه عمد, وأمّا مالك فعنده الخنق عمد في كل الأحوال, وأما أبو حنيفة فيعدّ الخنق في كل الأحوال شبه عمد.

٦- الحبس ومنع الطعام والشراب: الظاهر إجماع الإمامية على أن هذا المورد من موارد القتل العمد؛ لصدق تعمد القتل عرفاً, والى هذا أشار السيد الخوئي(٩١) S, بقوله: (أو حبسه في مكان ومنع عنه الطعام والشراب حتى مات.. فهذه الموارد وأشباهها داخلة في القتل العمدي).

ويضيف إلى ذلك قوله: (وملاك العمد في القتل هو إيجاد عمل يقصد به القتل أو يترتب عليه الموت غالباً وهو متحقق)(٩٢).

وكذلك السيد السبزواري S حيث قال(٩٣): (لو منعه عن الطعام والشراب مدّة لا يتحمل مثله فيها عن ذلك عادة فمات فهو عمد لصدق تعمد القتل عرفاً), فاشترط السيد السبزواري لذلك عدم التحمل لتلك المدّة, وعليه فإذا كانت المدّة التي منع عنه الطعام والشراب تتحمل عادة فهنا يفرقون بين حالتين أيضاً, وهما حالة كون الجاني قاصداً للقتل ولو رجاءاً فيكون عمدا(٩٤), والأخرى حالة عدم قصد القتل فهو شبه العمد.

ويتفق الشافعي وأحمد مع الإمامية في أن المدّة التي منع عنها إذا كان يموت في مثلها فهو عمد وإلا فلا, وأما مالك فيعدّها عمداً على كل حال, وأما أبو حنيفة فلا يرى مسؤولية الجاني أصلاً.

٧- التسميم: الإمامية يفرقون بين عدّة صور للتسميم, حيث أنهم يفرقون بين علم الآكل وجهله, وكذلك بين كون السم مما يقتل عادة وما لا يقتل عادة, ويمكن جعلها أربع صور على النحو الآتي:

١- أن يكون السم مما يقتل عادة, والآكل على علم به وكان مميزاً ومع ذلك أكله, فلا يتحقق القتل العمد؛ وذلك لان الآكل أعان على نفسه.

٢- أن يكون السم مما يقتل عادة, وكان الآكل لا يعلم  به ومميزاً, فيتحقق القتل العمد.

٣- أن يكون السم مما يقتل عادة, وكان الآكل يعلم به ولكنه غير مميز, فيتحقق القتل العمد.

٤- أن يكون السم مما يقتل عادة, والآكل لا يعلم به وغير مميز, فيتحقق القتل العمد أيضاً, وهذه الصور أشار إليها السيد الخوئي S بقوله(٩٥): (لو أطعمه عمداً طعاماً مسموماً يقتل عادة فإن علم الآكل بالحال وكان مميزاً ومع ذلك أقدم على أكله فمات فهو المعين على نفسه فلا قود ولا دية على المُطعم, وإن لم يعلم الآكل به أو كان غير مميز فأكل فمات فعلى المطعم القصاص بلا فرق بين قصده القتل به وعدمه), لصدق القتل العمدي وإن لم يكن القتل مقصوداً له ابتداءاً.

وهنا أمور يمكن الإشارة إليها إجمالاً وهي: أن الإمامية تُميّز بين ما إذا قال الجاني للمجني عليه (إن فيه سماً غير قاتل) وبين قوله (إنّ فيه سماً), أي: بين علم المجني عليه بأوصاف السم وإطلاقه, لاعتبار أن قول الجاني (غير قاتل) تغرير بالمجني عليه.

والفقهاء الإمامية يعدّون وضع السم غير القاتل مع قصد القتل
- ولو احتمالاً - عمداً, ويتفق معهم مالك بأن التسميم قتل عمد إلا إذا علم المجني عليه, وكذلك أحمد والشافعي فهما يفرّقان بين المميز وغيره وكون السم مما يقتل عادة أو لا, وأما أبو حنيفة فلا يعدّه قتلاً عمداً ويعزّر الجاني عنده.

٨- القتل بوسيلة معنوية: الفقهاءالإمامية يعدّون الخوف والرعب وغيرهما مما يُعد من الوسائل المعنوية التي ليست لها واقعية قتلاً عمداً, سواء كانت تقتل غالباً أم لا.

والى ذلك أشار السيد الخوئي S بقوله (٩٦): (كما لو سحره فتراءى له أن الأسد يحمل عليه فمات خوفاً كان على الساحر القصاص), ويقول : (ليس للسحر حقيقة موضوعية بل هو إرائة غير الواقع بصورة الواقع).

ويتفق معهم مالك في أن القتل بوسيلة معنوية قتل عمد, وأما أحمد فيعدّه قتلا ً شبه عمد, والشافعي يتفق مع أحمد في ذلك, وكذلك أبو حنيفة فإنّه يراه قتلاً شبه عمد.

٩- القتل بسبب شرعي: وذلك عندما يشهد شخص أمام القاضي على أن فلانا مرتد أو زَنا بالمحصنة أو غير ذلك فيحكم عليه بالقتل فيقتل, ثمّ يتضح كذب الشهود بعد تنفيذ الحكم عليه, فهل يعدّ عمداً أم لا؟

وكذلك الحاكم, فالحاكم إذا حكم بالإعدام على شخص ظلماً وهو عالم بذلك ومتعمد له عُدّ قاتلاً للمحكوم عليه عمداً.

وكذلك ولي الدم إذا قتل المحكوم عليه بالقصاص ظلماً وهو عالم أنه مظلوم يعدّ قاتلاً له عمداً.

وإلى هذا المعنى أشار السيد السبزواري S بقوله(٩٧): (العمد أعم من المباشرة والتسبيب), لتحقق موضوع العمد في كل منهما عرفاً, فيشمله إطلاق الأدلة قهراً, ويقول S : (لو تمت الشهادة عند الحاكم على ثبوت موجب القتل على شخص من ارتداد أو زنا بمحصنة أو نحوهما وبعد استيفاء الحد ظهر أن الشهود كانوا زوراً فالضمان على الشهود دون الحاكم والمأمور), إجماعاً ونصوصاً, كما في معتبرة ابن محبوب عن الصادق g: ( في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا ثم رجع أحدهم بعدما قتل الرجل, فقال: إن قال الرابع : وهمتُ ضُرِب الحد وغرم الدية وإن قال : تعمدتُ قُتِل)(٩٨).

ويقول السيد السبزواري(٩٩) S : (لو علم الولي بأن الشهادة شهادة زور وباشر القصاص كان عليه القود), لتحقق السبب بالقتل عدواناً من غير غرور في البين, ولا فرق في العالم بالتزوير أو بفسق الشهود بين الولي الشرعي للقصاص أو الحاكم, لجريان عموم دليل القصاص في كل منهما, والمذاهب الأربعة جميعاً يعتبرون الشاهد قاتلاً عمداً(١٠٠),ولكن أبا حنيفة لا يرى فيه القصاص وكذلك الحاكم وولي الدم.

١٠- رضا المجني عليه بالقتل: والسؤال المتوجه: هل أن رضا المجني عليه بالقتل يجعل الجريمة مباحة أم لا؟

المذهب الإمامي يفرّق بين البالغ العاقل وغيره, وعنده أن الإذن بالقتل لا يبيح القتل, وتبقى الحرمة, أي أن رضا المجني عليه ليس ركناً في القتل, بخلاف السرقة حيث إن رضا المجني عليه ركنٌ فيها, والى ذلك أشار السيد الخوئي S بقوله(١٠١): (لو قال: اقتلني, فقتله, فلا ريب في أنه قد ارتكب محرماً) فإن حرمة القتل لا ترتفع بإذن المقتول.

وكذلك السيد السبزواري S بقوله(١٠٢): (لو قال بالغ عاقل لشخص آخر اقتلني وإلا أقتلك) يحرم عليه قتله, ولا يجوز له ذلك, للإجماع, ولأن الإذن لا يرفع الحرمة الشرعية في الدماء, أما العقوبة المقرّرة لذلك فهل هي ثبوت القصاص أو الدية أو التعزير؟ 

الظاهر عند الإمامية وجهان: 

الوجه الأول : ما اختاره المحقق وهو الأشهر - عدمُ ثبوت القصاص واستدلوا على ذلك بأن الآمر قد أسقط حقه بالإذن فلا يتسلط عليه الوارث, ومورد كلام المحقق وان كان هو الإكراه إلا أن تعليله يعم صورة الاختيار, بحسب ما نسبه إليه السيد الخوئي(١٠٣) S, ويذكر السيد السبزواري S مورد الاختيار بقوله: (وأما لو قتله بمجرد الإيعاد يكون آثماً وفي ثبوت القصاص أو الدية إشكال بل منع)(١٠٤), أمّا الإثم فلأصالة بقاء الحرمة من غير دليل حاكم عليها, وأما عدم القصاص والدية فللشك في ثبوتهما في المقام الذي أذن فيه الشخص بقتل نفسه وهتك حرمتها, فيرجع إلى أصالة البراءة عنهما ولا يجوز التمسك بإطلاق دليلهما لأنه تمسك بالدليل في الموضوع المشكوك.

الوجه الثاني: ما ذكره السيد الخوئي S, بقوله: (وهل يثبت القصاص عندئذٍ أو لا؟ الأظهر ثبوته, هذا إذا كان القاتل مختاراً أو متوعداً بما دون القتل)(١٠٥), فإن الإنسان غير مسلط على إتلاف نفسه ليكون إذنه بالإتلاف مسقطاً للضمان كما هو الحال في الأموال, فعمومات أدلة القصاص محكمة, ويتفق معهم أبو حنيفة في أن الإذن بالقتل لا يبيح القتل فيعدّه قتلاً عمداً(١٠٦), وكذلك مالك(١٠٧), وفي رأي للشافعي أنه عَمد ولكن عليه الدية لا القصاص, وأما أحمد فيرى أنْ لا عقاب على الجاني وهو يتفق مع رأي آخر للشافعي(١٠٨).

١١- الشراكة في القتل: بأنْ يشترك اثنان أو أكثر بقتل شخص أو أكثر فيقول السيد السبزواري S (١٠٩): (إذا اشترك اثنان أو أكثر في قتل واحد اقتص منهم الولي إن شاء مع ردّ ما فضل من دية المقتص منه) للعموم والإطلاق والاتفاق وقاعدة (نفي الضرر).

وصحيح الفضيل بن يسار قال: ( قلت لأبي جعفر g عشرة قتلوا رجلاً, قال: إن شاء أولياؤه قتلوهم جميعاً وغرموا تسع ديات, وإن شاءوا تخيروا رجلاً قتلوه وأدى التسعة الباقون إلى أهل المقتول الأخير عشر الدية كل رجل منهم, ثم الوالي بعد يلي أدبهم وحبسهم(١١٠).

ويقول السيد السبزواري(١١١) S : (الاشتراك في القتل على قسمين: الأول: أن يفعل كل منهم ما يقتل لو انفرد مثل أن يجرحوه بجراحات كل واحدة منها تكفي في القتل أو يلقوه في النار أو من شاهق أو في البحر أو نحو ذلك من المهالك), لتحقق السببية بالنسبةإلى كل واحد منهم, ويصح إسناد القتل إلى كل واحد منهم عرفاً, فيجري حكم القصاص بالنسبة إلى الجميع, فيُخيّر ولي الدم بين قتلهم جميعاً ودفع ديات تسعة منهم بينهم بالسوية, أو يختار بعضهم فيدفع دية الزائد والباقون يدفعون إلى المقتص منهم بالنسبة. 

والثاني : الشركة في السراية مع قصد الجناية, فلو اجتمع عليه جمع فجرحه كل واحد منهم بما لا يقتل منفرداً ولكن سرت الجميع فمات بسبب السراية فعليهم القود بالنحو المتقدم, لتحقق التسبب إلى القتل بالسراية مع قصده الجناية والسراية توجب الموت وإزهاق الروح. 

هذه التطبيقات جميعها تحقق أركان القتل العمد باعتبارها الفعل المادي أو المعنوي المؤدي إلى إزهاق الروح مع تحقق القصد الجنائي أو استعمال ما يقتل غالباً أو عادة, وبتحقق أركان القتل العمد جميعها يتحقق موضوع القصاص فيوجِب القود عليهم.

ومن المتفق عليه بين المذاهب الأربعة أن تعدد الجناة لا يمنع من الحكم عليهم بالقصاص ما دام كل منهم قد باشر الجناية(١١٢), وقد اختلفوا في حالة الإعانة على القتل أو التحريض عليه. 

ولا خلاف في أن القاتل في الحالتين – أي: حالة التوافق وحالة التوافق السابق- يقتص منه ولو تعدد المباشرون سواء كان اجتماعهم على القتل نتيجة اتفاق سابق أو توافق غير منتظر.

ولكن الخلاف(١١٣), في حكم مَن اتفق ولم يحضر القتل أو أعان عليه ولم يباشر, فأبو حنيفة والشافعي وأحمد يرون القصاص من المباشر فقط وتعزير مَن لم يباشر, ومالك يرى قتل مَن حضر ولم يباشر ومَن أعان ولم يباشر, أما من اتفق ولم يحضر فعليه التعزير في الراجح, وأما من أمسك رجلاً وقتله آخر فإن أمسكه بقصد القتل فعلى المباشر القصاص, وأما الممسك فمالك يرى قصاصاً, ويرى أبو حنيفة والشافعي تعزير الممسك ولو امسكه بقصد القتل, وأحمد يرى القصاص من الممسك على رأي.

وأما من أمر آخر بالقتل, فإن كان المأمور صبياً غير مميز أو مجنوناً فيرى مالك والشافعي وأحمد القصاص من الآمر لأنه هو المتسبب, ولا يرى أبو حنيفة القصاص من الآمر, وأما إذا كان المأمور بالغاً عاقلاً ولا سلطان للآمر عليه  فمالك والشافعي وأحمد يرون القصاص من المأمور, وأما الآمر فعليه التعزير, ويرى مالك القصاص من الآمر أيضاً إذا حضر القتل.

وأما إذا كان المأمور بالغاً عاقلاً وكان للآمر سلطان عليه بحيث يخشى أن يقتله لو لم يطع, فيقتص من الآمر والمأمور معاً عند مالك, ويتفق احمد مع مالك والشافعي, وأما أبو حنيفة فعنده يقتص من الآمر في حالة الإكراه فقط.

وإلى هنا بيّنا آراء الفقهاء المسلمين في هذه الجرائم وأنها تحقق أركان القتل العمد عندهم بحسب ما ذكرناه من كونها أفعال مادية أو معنوية تؤدي إلى الوفاة وبقصد القتل. 

 

 

 

المصادر والمراجع

  1. القرآن الكريم .
  2.  الأنوار لأعمال الأبرار في فقه الإمام الشافعي, العلامة يوسف الاردبيلي.
  3.  التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي, عبد القادر عودة, ط أولى, مطبعة الكاتب العربي – بيروت.
  4. تفسير شبر, السيد عبد الله شبر, دار أحياء التراث العربي بيروت لبنان, ط ثالثة ١٣٧٧هـ ١٩٧٧م.
  5. تنوير الحوالك على موطأ مالك, جلال الدين السيوطي.
  6.  الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة, ملا صدر الدين محمد الشيرازي, ط رابعة ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م, مط دار أحياء التراث العربي بيروت لبنان.
  7. الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية, زين الدين بن علي العاملي الشهيد الثاني, ط أولى, مطبعة ثامن الحجج.
  8. الزبدة الفقهية في شرح الروضة البهية, السيد محمد حسن ترحيني العاملي, ط٤ مط دار الهادي بيروت لبنان.
  9.  شرح شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام, السيد عبد الزهراء الحسيني, ط أولى.
  10.  شرح قانون العقوبات الجديد, حميد السعدي, مط المعارف ١٩٧٦م – ١٩٦٧م.
  11.  شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته, د. عباس الحسني, مطبعة العاني, بغداد.
  12. الصحاح, الجوهري, نديم مرعشلي وأسامة مرعشلي, ط أولى.
  13.  قانون العقوبات القسم الخاص, أ.د. واثبة داود السعدي, بغداد ١٩٨٨م – ١٩٨٩م.
  14.  قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ م وتعديلاته, القاضي نبيل عبد الرحمن حياوي, ط ثانية ٢٠٠٦م مط المكتبة القانونية بغداد.
  15.  القسم الخاص في قانون العقوبات, د. رمسيس بهنام, ط أولى ١٩٨٨م, مط دار المعارف في مصر.
  16. الكتب الأربعة (الكافي – من لا يحضره الفقيه – التهذيب - الاستبصار) تنظيم برزكر بفروبي ط أولى ١٤٢٤هـ ٢٠٠٣م مط تكي – قم .
  17.  المبادئ العامة في قانون العقوبات الجديد, أ.د. علي حسين خلف و أ.م.د. سلطان عبد القادر الشاوي, مط المكتبة القانونية بغداد.
  18. مباني تكملة المنهاج, زعيم الحوزة العلمية السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي, مط الآداب, النجف الاشرف.
  19. مسالك الأفهام في تنقيح شرائع الإسلام, زين الدين بن علي العاملي الشهيد الثاني, ط أولى ١٤١٩هـ, مطبعة باسدار إسلام قم.
  20. المغني, ابن قدامة موفق الدين أبو محمد عبد الله بن احمد المقدسي, ط ١٤٢٥هـ - ٢٠٠٤م, مطبعة دار الحديث القاهرة.
  21. المنجد في اللغة, لويس اليسوعي, ط تاسعة ١٩٣٧ مط الكاثوليكية بيروت.
  22. مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام, السيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري, مط الآداب, النجف الاشرف سنة ١٩٨٦م – ١٤٠٦هـ.
  23. وسائل الشيعة إلى مسائل تحصيل الشريعة, الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي, الطبعة الخامسة (الاسلامية), دار احياء التراث العربي.

 (١)الصحاح: مادة (قتل), ومادة (زهق).

 (٢)الصحاح: مادة (قتل), ومادة (زهق).

(٣) لسان العرب: مادة (قتل), ومادة (زهق). 

(٤) الزبدة الفقهية في شرح الروضة البهية: ٩/٤٤٤.

(٥) تنوير الحوالك على موطأ مالك: ١-٢/١٩٣.

 (٦)الصحاح: مادة (زهق).

(٧) لسان العرب: مادة (زهق). 

(٨) الصحاح: مادة (فاض). 

(٩) لسان العرب: مادة (فاض).

(١٠) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة: ٨/٣٢٣. 

(١١) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/٦.

(١٢) قانون العقوبات (القسم الخاص): ١٠٨. 

(١٣) شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: ٢/١٨.

(١٤) القسم الخاص في قانون العقوبات: ١٣٧.

 (١٥)الصحاح: ٨٩٥.

(١٦) الشهيد الأول أبو عبدالله شمس الدين محمد بن جمال الدين مكي بن شمس الدين  العاملي (٧٣٤ - ٧٨٦هـ).

(١٧) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: ٣/٤٩٧.

(١٨) الشهيد الثاني زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد بن جمال الدين بن تقي الدين صالح بن مشرف العاملي(ت ١٠١١ هـ) .

 (١٩)الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: ٣/٤٩٧.

 (٢٠)مباني تكملة المنهاج: ٢/٣.

(٢١) الزبدة الفقهية في شرح الروضة البهية: ٩/٤٤٧.

(٢٢) وسائل الشيعة الى مسائل تحصيل الشريعة: ب ١١من ابواب العاقلة, ح: ٧. 

 (٢٣)وسائل الشيعة إلى مسائل تحصيل الشريعة: ب١١ من أبواب العاقلة.

 (٢٤)قانون العقوبات العراقي رقم (١١١) لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١٤. 

 (٢٥)قانون العقوبات العراقي رقم (١١١) لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١٤.

(٢٦) المبادئ العامة في قانون العقوبات: ٣٤٣.

 (٢٧)قانون العقوبات العراقي رقم (١١١) لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١٤. 

 (٢٨)قانون العقوبات العراقي رقم (١١١) لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١٤. 

 (٢٩)قانون العقوبات العراقي رقم (١١١) لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١٤. 

(٣٠) المنجد: ٦٤٠. 

(٣١) مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام: ٤١٩.

 (٣٢)مباني تكملة المنهاج: ٢/٣. 

(٣٣) تنوير الحوالك على موطأ مالك: ١-٢/١٩٣. 

(٣٤) شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته (القسم الخاص): ٢/١٨. 

(٣٥) القسم الخاص في قانون العقوبات: ١٣٥.

(٣٦) شرح قانون العقوبات الجديد: ٣٥. 

(٣٧) شرح قانون العقوبات الجديد: ٣٥.

(٣٨) قانون العقوبات العراقي رقم (١١١) لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته.

(٣٩) الزبدة الفقهية في شرح الروضة البهية: ٩/٤٤٤.

(٤٠) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢٠٨.

(٣( التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/٦.

(٤١) الزبدة الفقهية في شرح الروضة البهية: ٩/٤٤٥.

(٤٢) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/٦.

(٤٣) جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ٤٣/٤.

(٤٤) مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام: ١٥/٦٦, مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢٠٨, شرح اللمعة الدمشقية: ٣/٤٩٤- ٤٩٦.

(٤٥) الصحاح: ٤٤٣. 

 (٤٦)الصحاح: ٧٤٥.

(٤٧) مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام: ١٥/٦٦.

 (٤٨)مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام: ١٥/٦٦.

 (٤٩)الصحاح: ١٠٢٣.

 (٥٠)الزبدة الفقهية في شرح الروضة البهية: ٩/٤٤٤.

(٥١) مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام: ١٥/٦٦. 

 (٥٢)الزبدة الفقهية في شرح الروضة البهية: ٩/٤٤٦.

 (٥٣)الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: ٣/٤٩٦.

 (٥٤)الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: ٣/٤٩٦.

 (٥٥)وسائل الشيعة إلى تحصيل الشريعة: ج١٩ ب٨ من أبواب العاقلة/ ج٥ ص٣٠٧- ٣٠٨.

 (٥٦)المصدر نفسه.

 (٥٧)الصحاح: ٧١٦.

 (٥٨)الزبدة الفقهية في شرح الروضة البهية: ٩/٤٤٤.

 (٥٩)تنوير الحوالك على موطا مالك: ١- ٢/١٩٣. 

(٦٠) الصحاح: ٦٤.

(٦١) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/٢٦.

 (٦٢)التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/٢٦.

 (٦٣)التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/٢٧- ٢٨.

 (٦٤)التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/٢٧- ٢٨. 

 (٦٥)التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/٢٧- ٢٨.

 (٦٦)الصحاح: ٨٨٦.

(٦٧) الصحاح: ٧٤٥.

(٦٨) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/١٥٥.

 (٦٩)التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/١٥.

(٧٠) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/١١٩.

(٧١) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/ ١٢١.

(٧٢) الصحاح: ٧١٦.

(٧٣) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/١٥.

(٧٤) مسالك الأفهام في تنقيح شرائع الإسلام: ١٥/١٤١.

(٧٥) سورة النساء: ١٤١. 

(٧٦) مسند احمد ٢-٢١٥ وسنن ابن ماجة ٢: ٨٨٧ ج ٢٦٦٠, وسنن ابن داوود ٤: ١٠٨.

(٧٧) مسند احمد ٢-٢١٥ وسنن ابن ماجة ٢: ٨٨٧ ج ٢٦٦٠, وسنن ابن داوود ٤: ١٠٨.

 (٧٨)مسالك الأفهام في تنقيح شرائع الإسلام: ١٥/١٤١.

(٧٩) التهذيب ١٩٠: ١٠ ج ٧٤٥, والاستبصار ٤: ٢٧٤ ج ١٠٢٧, وسائل الشيعة ١٩: ٨ من أبواب القصاص ج٧.

 (٨٠)الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: ٣/٤-٦.

(٨١) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: ٣/٥٠٧.

(٨٢) مباني تكملة المنهاج: ٢/٣.

(٨٣) مباني تكملة المنهاج: ٢/٣- ٤.

(٨٤) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/٦٤. 

(٨٥) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢١٢.

(٨٦) مباني تكملة المنهاج: ٢/٤.

(٨٧) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/٦٤.

(٨٨) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢١٤.

(٨٩) مباني تكملة المنهاج: ٢/٣-٤.

(٩٠) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢١ و ٢١٣.

(٩١) مباني تكملة المنهاج: ٢/٥.

(٩٢) مباني تكملة المنهاج: ٢/٥.

(٩٣) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢١ و ٢١٣.

(٩٤) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢١ و ٢١٣.

(٩٥) مباني تكملة المنهاج: ٢/٧- ٨.

(٩٦) مباني تكملة المنهاج : ٢/٧.

(٩٧) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢١٠.

(٩٨) وسائل الشيعة إلى مسائل تحصيل الشريعة: ب٦٣ من أبواب القصاص في النفس, ج١٩ ص٩٧.

(٩٩) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢٣٣- ٢٣٤.

(١٠٠) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/٧٤.

(١٠١) مباني تكملة المنهاج: ٢/١٦.

(١٠٢) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢٢٨.

(١٠٣) مباني تكملة المنهاج: ٢/١٦.

(١٠٤) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢٢٩.

(١٠٥) مباني تكملة المنهاج: ٢/١٦.

(١٠٦) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/٨٤.

(١٠٧) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/٨٤.

(١٠٨) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/٨٥.

(١٠٩) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢٣٨ و ٢٤٠- ٢٤١.

(١١٠) وسائل الشيعة إلى مسائل تحصيل الشريعة: ب١٢ من أبواب القصاص في النفس, ج٦١ ص٣٠.

(١١١) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢٣٨ و ٢٤٠- ٢٤١.

(١١٢) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/١٢٦.

(١١٣) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/١٢٧.