بيع الرصيد في خدمات الاتصال بالآجل
الشيخ عمار الأسدي (دام عز ه)
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدّمة
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
فهذه أربع مسائل في ما بات يعرف في عصرنا الراهن ببيع الرصيد، تناولت فيه اِلمسألة من حيث الموضوع والحكم الشرعي له بالتصويرات الممكنة، وهي من المسائل التي اختلفت فيها أنظار الفقهاء وفتاواهم من الخاصّة والعامّة.
وقد تجنّبت الخوض في مؤدّى تلك الفتاوى، واكتفيت ببحث المسألة بحسب القواعد العامة للفقه، والأدلة المناسبة التي يمكن أن تدخل هذه المسألة تحتها بحسب المعروف من فقه المعاملات، وبالوجوه الصالحة لتحديد الحكم الشرعي لهذا الموضوع الغائم بعض الشيء، فاستلزم في جانب كبير منه البحث في ربا المعدود؛ لدخول مسألتنا على بعض الوجوه صغرى لكبراها، وفرداً من كلّيها، في شيء من الاستطراد لم أجد منه بُدّاً.
وملخص موضوع المسألة، أنّه بعد انتشار الهواتف النقالة في العصر الراهن، واعتماد تفعيل المكالمات فيها والخدمات الأخرى التي تبذلها شركات الاتصال المشغلة لهذه الهواتف على كارتات التعبئة، برز موضوع لمسألة شرعية يدخل في دائرة ابتلاء المكلفين من جهة الحكم الشرعي في التعاملات التجارية بهذه البطاقات، وهي بطاقات تصدرها تلك الشركات بأرقام يؤدي تلقيمها على الهاتف والاتصال بواسطتها الى تعيين مبلغ خاص من المال للمشترك في الخدمة يسمونه (الرصيد) لتضمن استيفاء أُجور الخدمات التي تقدمها على شبكتها من الاتصال بالجهات الميسرة له، وغيرها من الخدمات على نحو الاقتطاع التدريجي بحسب أُجور المكالمات والخدمات المفترضة مسبقاً من قبل الشركة، على أن يتم تأمين غطاء هذا الرصيد بالمال الذي يدفعه المشترك في شراء نفس تلك البطاقات.
والبحث هنا يقع في المعاملات الشرعية التي تتداول بها هذه البطاقات من البيع العاجل المنجّز، والمؤجّل بنوعية من تأجيل الثمن المسمى (نسيئة) أو المثمن المسمى (السلف) وغيرها، والمحاذير المتصورة التي تشكل عائقاً دون إنجاز بعض أنواع المعاملات فيها.
وفي البحث أربع مسائل
المسالة الأولى: بيع الرصيد نقداً (يداً بيد).
المسالة الثانية: بيع الرصيد نسيئةً (تأجيل الثمن).
المسالة الثالثة: بيع الرصيد سلفاً (تعجيل الثمن وتأجيل المثمن).
المسالة الرابعة: تحويل الرصيد بين المشتركين.
هذا، وأنّ غالب البحث وقع في تفصيل المسألة الثانية لأنّها موضع الإشكال والبحث.
توطئة
تظهر بين الحين والآخر موضوعات تقع مورداً لأسئلة شرعية لتعلق أفعال المكلفين بها، وخصوصاً على مستوى المعاملات الدائرة بين الناس، نظراً لتطور الواقع العام للحياة، وتنوّع أساليب التجارة والعمل، ممّا يفرز خصوصيات تلحق بعض الموضوعات المعروفة بأحكامها الشرعية بشكل عام، إلّا أنّ الخصوصية أضفت حيثيّة على الموضوع جعلته يأخذ منحىً آخر في مناط الحكم الشرعي له، فيجدر بالباحث عن الحكم الشرعي لتلك الموضوعات مع تلك الخصوصية أن يجد المدرك المناسب لها، ويؤطرها بحدودها الشرعية رافعاً اللبس والابهام الذي تلبس به ذلك الموضوع.
ومن الموضوعات التي حامت حوله الشبهة موضوعاً وحكماً، ما يسمى بـ (بيع الرصيد) المُمثّل ببطاقات شاع التعامل بها بظهور خدمة الهاتف النقال، وأُثير معها إشكال بيع الرصيد الممثل بتلك البطاقات الذي هو مقدار من المال بالعملات المتداولة الورقية، حاصله: أنّ المعاوضة على تلك البطاقات هل هي معاوضة على نفس المال الذي تغطيه تلك البطاقة، أو أنّها شيء وراء ذلك؟
فقيل: إنّ الشركة المصدرة لتلك البطاقات إنّما تتعهد وتلتزم بالمنفعة المتحققة بخدمة الاتصال قبال ما تأخذه من ثمن تلك البطاقات، محسوبة بتعرفة معينة كـ مائة دينار للدقيقة الواحدة للاتصال الداخلي، وأربعمائة دينار للدقيقة الواحدة للاتصال الخارجي ـ مثلاً ـ. فتصير الشركة ملتزمة ـ على ضوء ذلك ـ بـ مائة دقيقة للبطاقة الواحدة من فئة عشرة آلاف دينار.
وسنرى في هذا البحث، محاولة لتحقيق المعاملة الصحيحة التي يمكن أن تُنزَّل عليها معاملات الناس على هذه الأرصدة بحسب واقع تعاملات شركة الاتصال وطريقة أدائها للخدمة، والقواعد المناسبة في الأدلّة الشرعية، وفقه المعاملات لتحديد الحكم الشرعي على ضوء معطيات الواقعين، ولمختلف تقلّبات المعاملات من البيع النقدي والآجل ـ النسيئة ـ وتحويل الرصيد بين المشتركين.
المُكوِّنات الاعتبارية لرصيد الأموال
تفتق الذهن البشري عن مجموعة من الاعتبارات، وراجت في معاملاته المالية تلبيةً لحاجات التطور العصري في سرعة إنجاز المعاملة، وتأمين الأموال للمشاريع وعلى نطاق واسع. وقد ساهم تنوع المنتجات وزيادة الاستهلاك البشري، وتنوّع الحاجات تبعاً لذلك في الدعوة والترويج لتلك الاعتبارات. ونَعدّ منها الأوراق النقدية، والسندات وبطاقات الائتمان (Credit Cards)، والكمبيالات، وبطاقات الشحن لأرصدة الاتصال المستعملة في أجهزة الاتصال النقالة وغيرها.
وتتراوح المذكورات بين ما يعتبر أموالاً، كماليَّة النقدين الذهب والفضة في العصور السابقة، وبغض النظر عن اعتباريتها وكونها بذاتها خالية من المنفعة التي يقصدها لأجلها العقلاء وينتزعون صفة الماليّة عنها لولا ذلك الاعتبار، وبين ما لا يُعدّ كذلك. فالأوراق النقديّة من قبيل النوع الأول لم تكن لذاتيتها وهيئتها سبب لرغبة الناس في اقتنائها والتنافس عليها، بحسب مقاصدهم النوعيّة والشخصيّة الأوليّة. وإنّما جاءت الرغبة فيها والتنافس عليها وعدّها أموالاً بعد الالتزام المؤكّد بتعبيريتها عمّا تغطيه من الأموال الأصلية كالذهب والفضة والمعادن الأخرى كالنفط أو التعاملات التجارية في ميزان المال العالمي. وبعد تأكُّد هذا الاعتبار والالتزام في الأذهان تكون تلك الأوراق هي المقصودة بالذات وعليها يقوم ميزان المال في التعاملات، ولا يوجد في نفس المتعاملين بها أي عناية اتجاه منشأ ماليّتها الأول ولو بالارتكاز.
وبتبع ذلك لا تكون الأوراق النقدية موضوعا لحكم شرعي كالزكاة حتى لو علم أن منشأ انتزاع تلك المالية عين الذهب، كما لا تكون موضوعاً لحكم (وجوب الخُمس) بلحاظ عنوان المعدن لو كان منشأ اعتبارها التعبير عن قيمته. وهكذا جميع الأحكام الشرعية التي أُخذت في عناوينها أصول ذلك الاعتبار لا تنطبق على الأوراق النقدية، بل هي مال جديد قائم برأسه، وتدخل موضوعاً للأحكام الشرعية بلحاظ ذاتها وعنوانها، ففي حكم الربا مثلاً لا تُعد الأوراق النقدية من دينار أو دولار أو جنيه وغيرها موضوعاً لحرمة الربا لو بيعت بمثلها؛ لعدم كونها مما يكال أو يوزن في التعاملات، ولا ربا إلّا فيما يُتداول بتلك الصفتين في ربا البيع كما ورد النص الشرعي به ـ مثلاً ـ. ويتعامل على ماليّتها بالعدد ولا يتعامل بها وزناً أو كيلاً.
وأمّا بقية المذكورات في الإصدارات الاعتبارية آنفاً، فهي وثائق على الأموال، ولا يتعامل بها العقلاء ـ الذين هم أسسوا اعتباريتها ـ معاملة الأموال بالذات كالأوراق النقدية، وإذا أجروا المعاملات الماليّة عليها فإنّما ينظرون لعين المال المدّون فيها، ولا قيمة لها من دون تحصيل ذلك المال. ومن هنا كان بيع السندات والكمبيالات ـ مثلاً ـ بيعاً للديون التي تعبر عنها وكتبت فيها، وبالتالي فلا موضوعيّة لها في الأحكام الشرعية في فقه المعاملات إلّا بموضوعيّة نفس الأموال المدوّنة فيها. ولا تكون أعيان تلك السندات أو البطاقات معنية بالمعاملة، وإنّما هي كالمفاتيح لتلك الأموال التي ربّما هي ديون في ذمم آخرين.
ولذا نرى في السندات ـ مثلاً ـ أنّ الناس لا تدفع أعواضاً لشراء نفس أوراق السندات في التعاملات القائمة عليها، وإنّما يُقدِمون على معاملة متعلقة بنفس المال الذي يدفعونه ببيعه أو إقراضه، ثم يستعملون السند المعطى لهم في تلك المعاملة وثيقة على الأموال التي صارت لهم في ذمم الآخرين ممّن حرّروا تلك السندات كوثيقة على قبضهم للمال شراءً أو اقتراضاً علاوة على الزيادات على الأموال المدفوعة. ومن هنا كانت تلك الوثائق تحتمل وجهين من المعاملة، فيحتاج إلى معرفة قصود المحرّرين ليتضح أنّهم يدفعون تلك السندات إلى المشترين وفيها فوائد ربويّة ـ لو كان ما أخذوا منهم من الأموال إزاءها قروضاً ـ ، أو فيها تسجيل لأموال بيعت في الذمة مع أرباحها الآجلة ـ لو كان ما أخذوا إزاءها أثماناً معجَّلة لتلك الأموال ـ. فهذا يكشف عن عدم تعلق المعاملة بنفس السند.
كما يكشف عنه وضوح عدم كون إعطاء هذه الأوراق المالية للدائنين لتمكينهم من ديونهم إقباضاً للمال الذي دُوِّن فيها، ولا تبرأ ذمة المدين ما لم يقبض المستفيد منها نفس المال الذي كانت وثيقة عليه.
بطاقات التعبئة (شحن الرصيد)
وقد حاول البعض(١) الاستفادة من هذه المزية للأوراق المالية في تنزيل بطاقات شحن الرصيد على كونها سنداً على ضمان المنفعة محسوبة بالدقائق، تلتزم بها شركة الاتصال – على ما سيأتي بيانه – مقابل الثمن الذي تبيع البطاقة به، نافياً قيامها مقام السند على بيع مال معلوم من العملة الدارجة، بذريعة أنّ الشركة لو كانت تقصد بيع المال المسجّل على وجه البطاقة لصحّ دفع البطاقة ثمناً لشراء حاجة معينة، أو وفاءاً لدين يوازي المكتوب عليها، ولمّا لم يصحّ ذلك دلّ على عدم التزام مصدِّرها بالمبلغ المالي النقدي الذي تحمله.
وفي الحقيقة ينبغي أن يُعدَّ ما ذكر دليلاً على عدم تقوُّم اعتبارية البطاقة بذاتها بالقيمة النقدية، ولم يقُم الاعتبار المصحّح للعمل بها على إعطائها صفة الماليّة النقديّة، بل هي وثيقة على مال آخر. فمن هنا لا يعد القابض لها قابضاً لنفس المال الذي تمثله، ولا تقع بذاتها ثمناً لشيء آخر، إلاّ بلحاظ منفعتها.
إلاّ أنّ ما ذُكر لا يلازم أيضاً انتفاء سنديّتها على القيمة النقدية، ويجتمع مع عدها وثيقة أو مفتاحاً للوصول لمال نقدي آخر. وذلك راجع إلى نوعية وغرض المعتبر من اعتباره.
التوجيه الأول لماليّة بطاقة الشحن
وبعد هذه المقدمة في تصوير السند المالي لمختلف الاعتبارات القانونيّة التجاريّة التي يصدرها المجتمع العقلائي على هيئات وسندات مختلفة، يقع الكلام في تصوير الغرض الذي من أجله أصدرت بطاقات الشحن في خدمة الاتصال على الهاتف المحمول وغيره، وحقيقة الأصل المالي الذي تمثله والذي سيكون موضوع الأحكام الشرعية للتعاملات التجارية الواقعة عليها.
والتصوير الأول قائم على كون المعاوض عليه في تلك البطاقة أو (الرصيد) هو المنفعة التي تلتزم بها الشركة المصدِّرة لها، والخدمة المقدرة مقابل ثمن البطاقة، تكتبه على وجه البطاقة، كعشرة آلاف دينار، أو عشرة دولارات، فهي ملزمة مقابل المال الذي تقبضه إزاء ها أن تؤدي خدمة اتصال لساعتين ـ مثلاً ـ أو أكثر محسوبة عندها بمعدل مائة دينار للدقيقة الواحدة مثلاً، وبذلك تكون الشركة قد باعت أو آجرت منفعتها بهذه الطريقة المسماة عندهم (بالدفع المسبق)، والمعروف بالشرع الإسلامي بـ(السَلَم) بتقديم الثمن مع ضمان المثمن في الذمة لوقت محدّد.
ولا يخفى ما في هذه الطريقة من التسهيل في استيفاء أجور المكالمات اعتماداً على الأرقام السرية في سطوح البطاقات بدلاً من العلاقة مع المستفيد مباشرة.
ولكن هل المقصود للشركة فعلاً هو ذلك؟ وأنّ موضوع بطاقة الشحن هو المنفعة بلسان المبلغ النقدي؟ وهل يصحّح المُشرِّعُ الإسلامي، وقواعد باب المعاملات السَلَم في المنافع أو بيع المنفعة ؟
يمكن أن يقال: إنّه لو كان بناء الشركة في بذلها للمنفعة على نهج واحد، بأن تكون الدقيقة الواحدة من خدمة الاتصال ـ وبأي جهة كانت من القرب والبعد، والمحلي والدولي ـ بنفس المالية في العوض، أمكن أن تقصد من بطاقاتها دقائق أو ساعات معينة من الخدمة ما دامت المنفعة المبذولة واحدة.
وبالتالي يمكنها أن تقصد في البطاقات ماليّة منفعة محدّدة بالساعات والدقائق. ولكن لا يمكن بيع هذه المنفعة ببيع البطاقة؛ لأنَّ المنافع لا تقع مثمناً في البيع وإن صحَّ أن تقع أثماناً. ويرجع هذا التحديد إلى اعتبار العقلاء نفسه، فهم جعلوا الأعيان تُنقل بالبيع والمنافع مورداً للنقل بالإجارة. وهذا بنفسه كاشف عن عدم صحة وقوع المنافع مورداً للبيع، والمفروض أنّ الشارع لم يردع عن هذا البناء منهم وأمضاه بأدلة الإمضاء.
وبيع السَلَم مورده الأعيان، فلا مجال للمنافع فيه. ومن الطريف تعبير البعض عن الرصيد ببيع الدقائق. ولا معنى له، لان الدقائق ليست أموراً عينيّة لكي يقع عليها البيع، و المنفعة المحسوبة بها ليست موضوعاً للبيع.
التصوير الشرعي لتعجيل دفع أجرة المنفعة
وهل هناك مجال للمعاوضة على المنفعة بتعجيل ثمنها وتأجيل استيفائها؟
والجواب: نعم، ويقوم الشرط في الإجارة بتكفل الإلزام بأخذ الأجرة مقدمة على استيفاء المنفعة، فيكون شراء الرصيد في الحقيقة دفعاً مسبقاً لأجور وقت محدد من خدمة الاتصال تلتزم الشركة بالوفاء بها بترقيم الرقم السري على شبكتها، والدفع المسبق مشروط على المشترك بمقتضى علمه بطريقة عمل الشركة عندما تعاقد معها على شراء خط من خطوطها ووافق عليه. ولكن هذا التصوير يواجه مشكلة تتعلق بمجهولية نوع وكم المنفعة التي يُراد استيفاؤها من الشركة كما لا يخفى. فإنّ التعامل قائم على أن يكون هذا الرصيد غطاءً لكل ما يمكن أن يستفيده المشترك من خدمات شركة الاتصال التي قد يستجد بعضها حتى بعد شراء رصيده الذي لم تكن تلك الخدمة الخاصّة منظورة فيه قطعاً. كما ويعارض هذا التصوير ظاهر بناء الشركة المعاملي والتزامها، وسيأتي الكلام عن ذلك.
طريقة الجُعالة والإباحة بالعوض
وتفادياً لمجهولية المنفعة التي يفترض أن تكون معلومة في الإجارة قد يُصار الى بناء المعاملة على الرصيد على إيقاع الجُعالة، من حيث سعته واحتماله للجهالة في العمل المعاوض عليه. فقد يخطر في البال عَدُّ ما تبذله الشركة من منفعة الاتصال مقابل قيمة الرصيد نوعاً من جعل المنفعة في الذمة لمن يبذل مالاً معيناً معلوماً من طريق فئة البطاقة التي يصدرها الجاعل، فيكون نظير ما ذكره بعض الفقهاء في جعل منفعة الدار جُعلاً لمن يبذل الدراهم(٢).
كما قد يقال بتنزيل المعاملة على (الإباحة بالعوض)، فتبيح الشركة منفعة الاستفادة من شبكتها مشروطة بالمال المبذول إزاء البطاقة. ولكن ذلك مبتلى أيضاً ببعض المحاذير المشار إليها بطريق الإجارة كما يظهر بالتأمل.
هذه هي الطرق الشرعية المتصورة في المعاوضة على منفعة الاتصال عن طريق ما يسمى بـ(الدفع المسبق)، أو شراء الرصيد في بطاقة الشحن، بإجراء المعاملة على المنفعة مباشرة من دون توسيط معاملة ماليّة أخرى.
المناقشة في وفاء المعاملات المذكورة
بمقصود صاحب المنفعة
ومع التأمل في طريقة تعامل شركات الاتصال مع المستفيدين منها، والغاية التي من أجلها أصدرت بطاقات الشحن هذه، تضعف الحلول المذكورة من الإجارة والجُعالة وغيرها عن القيام بطريقة عمل الشركات وتحقيق غاياتها في العمل.
ونركز ذلك في نقاط:
١- إنّ أول داع لشركة الاتصال لأن تبني منفعتها على طريقة الرصيد والدفع المسبق هو تعدّد خدماتها، وتباين قيمها وتفاوتها، فإنها تريد أن تأخذ قيماً ماليّة على دقائق الاتصال الخارجي ضعفي أو ثلاثة أضعاف قيمة الدقيقة من الاتصال الداخلي، (وتارة) تؤدي خدمة الاتصال بالمكالمات الصوتية. (وأخرى) بنقل بيانات الإنترنت المحسوبة بالكيلو بايت أو الميكا بايت. (وثالثة) بتأدية خدمات أخرى من قبيل المعلومات. كما تتقدم إبتداءً واقتراحاً على المشترك بخدمات جديدة كمّاً أو نوعاً، كتحميل النغمات أو تحميل الصور وما شابه ذلك من خدماتهم التي تتسع يومياً، لتخصم أجورها ممّا فرضته من الرصيد مسبقاً إزاء ما دفعه المشترك.
ولا يمكن وحال الخدمة هذه، أن يكون المال الذي استوفته الشركة لقاء البطاقة هو ما اُدعي من كونه يمثّل ساعتين من وقت الاتصال بمنفعة معلومة، ليصُحَّ تنزيل المعاملة على الإجارة كما هو واضح، فإنَّ من أركان عقد الإجارة فقهياً أن تكون المنفعة معلومة ومضبوطة ومع هذا التفاوت والتعدد، والابتكار والاقتراح للخدمة أحياناً من دون التباني عليها قبل العقد أو البذل للمال، كيف يصح عد ذلك من الإجارة مع مجهولية ما يستوفيه المشترك من طبيعة الخدمة ونوعها!
وعلى هذا لا يمكن جعل قيمة البطاقة أُجرة منجّزة لمنفعة مجهولة، بخلاف ما لو كان الاستيفاء الفعلي للخدمات من جهة المشترك مُبرزاً في كل مرة لمعاملة معاطاتيّة تتقاضى الشركة عوضها من مالٍ مُسبق الدفع في ذمة الشركة، فتكون المنفعة وعوضها معلومين مقصودين حين إنشاء التبادل بينهما ولو معاطاةً.
إلاّ أنّ سؤالاً يبرز هنا عن وجه اشتغال ذمة الشركة بالمال الذي تخصم منه أُجور خدماتها في كل مرة طلبت منها الخدمة بأنواعها والمسمى بتداولها (بالرصيد)؟
ما دام لم يقع أجرة مقدّمة عن منفعة معلومة في الذمة، أو عملاً ببذل المال، أو إباحة لمال مُعوَّض. وسيأتي التوجيه المناسب لذلك.
٢- وأمّا الجُعالة ببذل المنفعة لمن يبذل ويعطي قيمة البطاقة، على أن يكون الجُعْل هو منفعة الاتصال، والعامل هو مَن بذل قيمة البطاقة؛ لتقوّم الجُعالة بتقدّم العمل، والخدمة متأخرة في مقامنا عن البذل المسبق، فالبذل هو الواقع موقع العمل، فذلك وإن كان يُتخلَّص به عن إشكال مجهولية المنفعة في الإجارة لكونها مغتفرة في الجُعالة، خصوصاً من جهة الجُعل لا العمل لكونه معلوماً هنا ـ وهو بذل مال محدد ـ، إلّا أنّها تواجه عدة صعوبات:
منها: ما مرَّ من عدم انضباط خدمة الشركة كمّاً ونوعاً، واختلاف قيمها بنظرها، ومثل هذه الخدمة لا يمكن بناء الشركة على بذلها بعوض واحد، أو جعلها في الجُعالة ببذل عوض ثابت وهي تريد تعرفتها وتجزئتها بحسب قيمها، وإنّما يصحّ في المنافع التي لا يقصد باذلها كونها مقابل العوض جملة واحدة وإن تفاوتت في القيمة بحسب عمود الزمان أو لم تكن متفاوتة بنوعها بحسبه.
ومنها: إنّ البائع للبطاقة المأخوذة من الجاعل من دون الاستفادة منها – لقيام هذه الخدمة على تداول البطاقات ابتداءً من وكلاء الشركة وصولاً إلى المستفيد النهائي – إنّما يقوم ببيع حقه على الشركة بالانتفاع مقابل عمله ببذل المال إزاء البطاقة التي جعلت الشركة له منفعة الاتصال جعلاً قبال عمله هذا. والمشهور كما تقدّم عدم جواز بيع المنفعة كما لا يصحّ إيجار المنافع المملوكة المجهولة كمَّاً ونوعاً، إلاّ أن يكون نقل البطاقة من الحائز لها إلى الآخر، هو جعالة أخرى بجعل المنفعة على ذمة الشركة عوضاً وجعلاً لعمل الآخذ لها ببذل قيمتها.
وعلى ذلك فلا تُمثِّل القيمة المكتوبة على البطاقة ـ كـ عشرة آلاف دينار ـ مالاً فعلياً في ذمة الشركة، بل منفعة مبذولة تتوصل الشركة لتحديد قيمتها وحدودها بهذه الطريقة، ولتمكّن المستفيد بالتالي من معرفة حدود وطريقة استهلاكه لمنفعته، فإذا أجابه المجيب الآلي بـأنّ (رصيدك أصبح ثمانية آلاف دينار) فهو بالحقيقة يُعلمه بنقصان المنفعة التي له على الشركة بموجب الجعالة بوحدة قياسية معلومة مقدارها الدينار من دون أن يكون له على الشركة ثمانية آلاف دينار حقيقة.
وهذه التوجيهات مخالفة لظاهر مقصود المتعاملين بإيقاع المعاملة على نحو البيعيّة، لو ثبت أنّ الشركة تبذل المنفعة مقابل المال فعلاً.
ومنها: إنَّ الرصيد الافتراضي المذكور في النقطة السابقة لا يناسب ظاهر التزام الشركة المسجَّل في المجيب الآلي عند تعبئة الرصيد في جهاز النقال، أو عند معرفة الرصيد، أو عند الاشتراك في خدمة معينة، فإنَّ ظاهر معنى أنّ رصيدك كذا، أو حسابك كذا هو وجود مال مملوك للمشترك عند الشركة، تُستقطع منه أجور خدماتها، ولا يمكن فهم هذا الحساب على جُعالة المنفعة، أو إباحتها بالعوض، لأنّ المنفعة غير الحساب، فلابُد من وجود نوع آخر من المعاملة أوجبت هذا الرصيد في ذمة الشركة.
ومنها: لو تأملنا في طريقة عمل الشركة لشككنا كثيراً في صدق كون أدائها للمنفعة عوضاً كما صورناها في الجعالة؛ ذلك أنّ الشركة لا ترى نفسها تؤدي خدمة أو منفعة مدينة بها مسبقاً، بل هي تقوم ابتداءً بتلبية الخدمة بحسب طلب المُشترِك، كما تعرض وتتعاطى مع المشترك على خدمات جديدة، من دون سبق التعاقد عليها في معاملة سابقة ولا كانت ملتزمة ببذلها ضمن خدماتها، فإذا وافق المشترك في الثانية، أو بذلت ما طلب المشترك قامت باستيفاء أجورها من المال الذي له في ذمتها بموجب شرائه للرصيد منها.
٣- ما يُستأنس له من النمط العام العالمي في التعامل ببطاقات الدفع المسبق ومنها بطاقات الائتمان (Credit Cards)، إذ إنّ المصدِّر لهذه البطاقة يستخدم الغطاء المالي لصاحبها الموجود في البنك داعماً لها ليغطي مشترياته من المتاجر التي يشتري منها، فإذاً هي قائمة على أن يكون غطاؤها المالي باقياً على ملك المستفيد من البطاقة، ومنه تستقطع أجور المشتريات، وهذا يدعم فكرة قيام بطاقات الشحن على رصيد فعلي حقيقي مملوك للمشترك، لا مجرد رصيد افتراضي اعتبر لأجل حساب حدود المنفعة مقابل قيمة نقديّة معيّنة يدفعها المشترك لشراء البطاقة.
فتحصّل من جميع ما مرّ ضعف احتمال قيام الدفع المسبق في بطاقات الشحن (الرصيد) على إباحة المنفعة مقابل العوض ولو بعنوان الجُعالة، وبُعد افتراضيّة واعتباريّة الرصيد، وكونه آلة لحساب منفعة الخدمة المقدّمة من الشركة.
التوجيه الثاني لماليَّة بطاقة الشحن
وهو قائم على أن يكون المال المدفوع من المشترك لشراء بطاقة الشحن (الرصيد) هو بالحقيقة ثمن شراء عملة نقديّة، وهي المرقومة على سطح البطاقة بنحو عشرة آلاف دينار أو عشرة دولارات، والغاية من شراء هذا المبلغ النقدي اتخاذ رصيد للمشترك عند الشركة وتأمين غطاء وحساب له عندها ترجع عليه لتخصم منه أجور خدماتها بمختلف تعريفاتها وأنواعها.
وهذا هو التوجيه المناسب لواقع إخبار المجيب الآلي الذي تضعه الشركة دالاً على الحساب الفعلي، وهو المُشترى بقيمة البطاقة المشتراة ، والمعوَّض بالعوض المدفوع.
وبه نخرج عن الإشكالات المارّة الذكر، ويقع التطابق مع ظاهر التزام الشركة، ومعنى الدفع المسبق المستعمل في مثل هذه التعاملات.
ولكن مع ذلك تحتاج هذه المعاملة المالية التي آلت إلى شراء مبلغ معين من عملة رائجة إلى تتميم ـ بعد وضوح أنها آلة يتوصل بها إلى دفع أجور خدمات شركة الاتصال ـ؛ فإنّه مع هذا القصد من الطرفين، المشترك والشركة لابد أن تقيد المعاملة بشرط يوجّه عدم مطالبة المشتري بنفس المال المشترى، وعدم إلزام الشركة بتوفية المبيع بعنوانه.
ويمكن أن يعالج ذلك بالشرط المبنيّة عليه المعاملة، وحاصله: كون المال المبيع باقياً عند البائع، تُحوَّل عليه كُلَفُ المكالمات وباقي الخدمات مسبوقة الدفع، لا بعنوان توفية المنفعة المملوكة مسبقاً – بمقتضى التصوير الأول – كما توحيه عبارة (مسبق الدفع)، وإنّما تستقطع بعد تعاطي كل جزء من أجزاء الخدمة من هذا المال المسمى بسبب هذا الشرط بـ(الرصيد). فهو مال مُشترى ليكون رصيداً، نظير المال المودع في البنك ليكون رصيداً لبطاقة الائتمان تستقطع منه قيم المشتريات بتلك البطاقة.
وبعبارة أوضح: إنّ مقتضى هذا الشرط إلزام المشتري بعدم المطالبة بالمال المشترى وإن كان تسليم المبيع ممّا يقتضيه إطلاق العقد في كل معاملة بيع، إلاّ أنّ هذا الشرط مقيد لذلك الإطلاق ، فلا يحق للمشترك المطالبة بالرصيد إذا قرر مثلاً التوقف عن الاتصال واستخدام خدمة الشبكة.
وأمّا استيفاء أجور خدمة الاتصال من ذلك المال فيمكن أن يكون شرطاً في معاملة شراء الخط من تلك الشركة، ويكون ذلك الشرط مقصوداً من الطرفين، إذ كان عمل الشركة مبنياً على تلك الطريقة في استيفاء الأجر، فمشتري الخط ملزم بدفع أجور المكالمات من رصيد يشتريه بعد ذلك، وبنظام الاستقطاع الذي تتكفل به أجهزة الشركة.
وبذلك يتضح: أنّ تنزيل امتلاك المشترك في شبكات الاتصال للرصيد المالي على شراء مبلغ من المال في ذمة الشركة بتلك الشروط، هو الأقرب لمقصود الطرفين، ولأهداف هذه المعاملة.
وبعد ذلك يقع البحث في شرعية المعاملات الواقعة على هذا الرصيد في أربع مسائل والمعاملات الشائعة هي:
١- بيع الرصيد نقداً (يداً بيد).
٢- بيع الرصيد بثمن مؤجل (نسيئة).
٣- بيع الرصيد مؤجلاً بثمن معجّل (بيع السَلَم).
٤- تحويل الرصيد بين المشتركين.
المسالة الأولى : بيع الرصيد نقداً (يداً بيد)
لمّا تبين أنّ الرصيد هو مال نقدي بالعملة الورقية، فمعاملات البيع والشراء على بطاقات الشحن الدارجة تكون من نوع بيع الأوراق النقدية بجنسها متفاضلاً لو كان الرصيد فيها والثمن المشتراة به متحداً ـ كالدينار العراقي أو الدولار الأمريكي ـ أو أي عملة أخرى، ولا إشكال في هذه المعاملة مع فرض وقوعها نقداً من دون تأجيل الثمن ولا المثمن، فإنّ الجنس هنا وإن كان واحداً مع الزيادة عادة في طرف الثمن ـ فتشترى البطاقة من فئة عشرة آلاف دينار بـ أحد عشر ألف أو أكثر ـ إلاّ أنّ المعاملة ليست مورداً للربا، بعد أن لم يكن المبيع مكيلاً ولا موزوناً، ولا ربا إلاّ في مكيل أو موزون كما جاء في النص، ففي صحيح عبيد بن زرارة, عن الإمام الصادق g: (لا يكون الربا إلاّ فيما يكال أو يوزن) (٣)، وبنفس النص صحيح زرارة(٤).
وإذا اُستشكل في المعاملة على غير المكيل والموزون نسيئة، بأن يؤجل الثمن من نفس جنس المعدود ــ وهو كل ما لا يكال ولا يوزن ــ فإنّما اُستشكل من جهة الربا في النسيئة؛ لورود بعض النصوص بالنهي عنه، وسيأتي الحديث فيه، إلّا إنّه لم يستشكل أحد في جواز بيع المعدود بالمعدود نقداً (يداً بيد).
ففي صحيح زرارة عن الباقر g: (البعير بالبعيرين، والدابة بالدابتين يداً بيد ليس به بأس... الحديث)، وفي موثّق سُماعة سألته: عن بيع الحيوان اثنين بواحد؟ فقال:
(إذا سُميت الثمن فلا بأس)(٥).
ولم تنقل المخالفة عن العلماء إلّا عن المفيد في المقنعة، وأبي علي الإسكافي (ابن الجنيد) وسلّار، فقد حكي عنهم أن حكم المعدود حكم المكيل والموزون، فلا يجوز التفاضل في المتجانسين مطلقاً نقداً ونسيئة. ولكن بعد دلالة النصوص وصراحتها، ومخالفة من عداهم، ومنهم الشيخ، والعلاّمة، والمحقّق، وغيرهم، وإمكان حمل كلامهم على النسيئة لتصريح المفيد في المقنعة بالجواز، كل ذلك لا يبقي مجالاً للشك في الجواز.
المسألة الثانية: بيع الرصيد بثمن مؤجل (نسيئةً)
بأن يقبض المشتري الكارت أو بطاقة الرصيد، ويكون ثمنه مؤجلاً إلى شهر ـ مثلاً ـ أو أكثر، وهي الصورة المشكلة، والتي وقع الكلام في جوازها وعدمه، والإشكال من جهتين:
الأولى: إنّ بيع الرصيد بثمن مؤجّل هو بيع لمال من فئة معينة ـ تمثّل الرصيد ـ بمال آخر، إن كان من جنسه فهو داخل تحت مسألة بيع المعدود بجنسه نسيئة مع التفاضل بينهما؛ لأنّ المال هنا هو العملة المتداولة الورقيّة وهي من المعدود. والمشهور وإنْ كان على جواز بيع المعدود نسيئة، إلّا أنّه خالف جماعة في ذلك؛ لظهور بعض الأخبار في المنع لعلة الربا في المعدود الذي هو ظاهر جماعة من القدماء. وسيأتي تفصيله.
الثانية: في حال لم يكن الثمن المشترى به الرصيد من جنس العملة التي ضرب بها الرصيد، كما لو كان الرصيد بالدولار والثمن بالدينار العراقي، فهنا لا يوجد محذور أو إشكال بيع المعدود بجنسه، لاختلاف جنس العُملتين.نعم, يأتي إشكال الربافي النسيئة مع اختلاف الجنس في المعدود. ويدلّ عليه بعض الأخبار.
كما يبرز إشكال آخر وهو:
إنّ الرصيد الذي تبيعه الشركة في ذمتها يمثِّل ديناً عليها لمن يملك بطاقة الرصيد، فإذا أراد بيع هذه البطاقة بالثمن الآجل كان داخلاً في مسألة بيع الدين بالدين المجمع على عدم جوازه، وسيأتي الكلام فيه. أمّا كون الثمن ديناً فواضح؛ لأنّه يبيع بثمن مؤجل، وأمّا كون المبيع ديناً، فلأنَّ البائع للرصيد يبيع مالاً ديناً على ذمَّة الشركة بمقتضى إصدارها لهذه البطاقات كوثائق على بيعها للمال الكلي في ذمتها كغطاء لها حين إصدارها.
وهذا نظير من يريد بيع مائة ألف دينار عراقي له – مثلاً – في ذمة زيد حالّة بمائتي الف دينار عراقي، أو من فئة أخرى مؤجلة، فإنّه من بيع الدين بالدين الذي جاء النص بتحريمه. وهذا الإشكال مشترك الورود في حالتي بيع الرصيد بالآجل من جنسه ومن غيره.
بحث الجهة الأولى في المسألة الثانية
وتفصيل القول في هذه الجهة من المسألة، أنّ في بيع المعدود بجنسه متفاضلاً قولين:
١- القول المشهور: وهو جواز بيع المعدود بجنسه متفاضلاً نسيئةً كبيع ثوب بثوبين وبيضة ببيضتين وبعير ببعيرين.
٢- القول الثاني: ما ذهب إليه جماعة من حرمة ذلك اعتماداً على بعض الأخبار، وهو ما ذهب إليه الشيخ المفيد، وابن الجنيد، وسلّار، والشيخ الطوسي في بعض كتبه، وابنا حمزة وزُهرة.
قال الشيخ الطوسي S: (أمّا ما لا يكال، ولا يوزن فلا بأس بالتفاضل فيه يداً بيد والجنس واحد، ولا يجوز ذلك نسيئة مثل ثوب بثوبين، ودابة بدابتين، ودار بدارين، وعبد بعبدين)(٦).
وفي الوسيلة لابن حمزة S: (يجوز التبايع فيه – يعني المعدود– متماثلاً ومتفاضلاً نقداً لا نسيئة، إذا كان من جنس واحد مثل بيضة ببيضتين، وجوزة بجوزتين وحُلّة بحُلّتين، فإنْ اختلف الجنس، جاز التفاضل فيه نقداً ونسيئة...)(٧).
أمّا ابن زُهرة فقال في كتابه الغُنية: (ويجوز بيع الحيوان بالحيوان متماثلاً أو متفاضلاً سواء كان صحيحاً أو كسيراً نقداً، ولا يجوز ذلك نسيئةً في الظاهر من روايات أصحابنا، وطريقة الاحتياط تقتضي المنع منه)(٨).
ويمكن عدُّ ثقة الإسلام الكليني S من المائلين الى الحرمة، إذ نقل كلاماً لعلي بن إبراهيم – شيخه الذي يروي عنه كثيراً في كتابه – نصَّ فيه على الكراهة، ولم يعلِّق عليه. والكراهة بلسان القدماء كلسان الروايات ظاهر في عدم الجواز، إلّا أن يخرج عنه بقرينة.
وفي مقابل هؤلاء ذهب الأكثر إلى جواز بيع المعدود بمثله نسيئة مع التفاضل، وللشيخ الطوسي S كلامٌ في كتابه الخلاف يمنع فيه بيع الثياب والحيوان ببعضه نسيئة ولو مع عدم التفاضل. ثم ذكر كلاماً بعده يصرّح فيه بجواز بيع المعدود متفاضلاً نسيئة
نافياً كونه من الربا.
قال: (الثياب بالثياب والحيوان بالحيوان لا يجوز بيع بعضه ببعض نسيئة متماثلاً ولا متفاضلاً، ويجوز ذلك نقداً. وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: يجوز ذلك نقداً ونسيئة)(٩).
ثم قال: (دليلنا أنّا اجمعنا على جواز ذلك نقداً، ولا دليل على جوازه نسيئة. وطريقة الاحتياط تقتضي المنع منه) ثم قال بعد كلام له: (وقد بيّنا أنّه لا ربا إلاّ فيما يكال أو يوزن)(١٠).
ثم ذكر: (لا ربا في المعدودات، ويجوز بيع بعضها ببعض متماثلاً ومتفاضلاً، نقداً ونسيئة، وللشافعي فيه قولاًن)(١١).
ثم قال: (دليلنا الآية، وأيضاً الأصل الإباحة، والمنع يحتاج إلى دليل، وأيضاً عليه إجماع الفرقة، وأخبارهم تدلّ على ذلك).
ولم يوافق ابن إدريس ولا الشهيد الأول في الدروس الشيخَ في كلامه الأول، فاعتبر ابن إدريس اختيار الشيخ الجواز في بيع نسيئة المعدود بمثله متفاضلاً، رجوعاً عن فتواه في النهاية بعدم الجواز، وقال: إنّ الحكم بالكراهة هو الحق اليقين. بينما اعتبر الشهيد حكم الشيخ في الخلاف بعدم الجواز في الثياب والحيوان بأنّه مبالغة.
قال S في الدروس: (وفي ثبوت الرباء في المعدودات قولان أشهرهما الكراهية لصحيحة محمد بن مسلم، وزرارة. والتحريم خيرة المفيد، وسلّار، وابن الجنيد. ولم نقف لهم على قاطع – أي دليل قاطع –. ولو تفاضل المعدودان نسيئة ففيه الخلاف. والأقرب الكراهية. وبالغ في الخلاف حيث منع من بيع الثياب والحيوان بالحيوان نسيئة متماثلاً ولا متفاضلاً)(١٢).
وكيف كان فهناك دعوى الإجماع على أنّ المعدود لا يدخل في الربويّات، وقد سمعت قول الشيخ في الخلاف بالنفي وكذلك ابن إدريس, وصرّح العلّامة في التذكرة وفي القواعد، وفي المختلف بذلك، وتبعه الكركي في جامع المقاصد.
قال العلامة S: (وهل يثبت الربا مع التقدير بالعدد؟ الأصحّ: المنع عملاً بالأصل، ولقول الصادق g: لا يكون الربا إلاّ فيما يُكال أو يوزن)(١٣).
وقال في إرشاد الأذهان: (وما لا يدخله الكيل والوزن فلا ربا فيه كثوب بثوبين ودابة بدابتين، ودار بدارين، وبيضة ببيضتين، وقيل يثبت الربا في المعدود)(١٤).
ولكنّ القول الآخر بتحقق الربا في المعدود هو ظاهر المنع عن بيع المعدود ببعضه متفاضلاً نسيئة، كما ورد في بعض الروايات، فلذا تجد كلمات الشيخ الطوسي S مختلفة في كتبه، وحتى العلّامة الذي حكم بانحصار الربا في المكيل والموزون في التذكرة، والقواعد، احتمل تحقّقه في المعدود في بعض كتبه وجعله قولاً، كما رأيت آنفاً.
والظاهر أنهم اعتمدوا على الحصر الوارد في كلام الإمام الصادق g في الرواية السابقة .
وكيف كان فالظاهر أن القدماء القائلين بتحقق الربا في المعدود من ظاهر منعهم لبيع المعدود ببعضه نسيئة مع التفاضل بينهما اعتمدوا على بعض الأخبار، والظاهر أن الحق معهم كما سيظهر من البحث القادم في الروايات.
موقف الجمهور من بيع الأجناس بنفسها متفاضلة نسيئة
وننقل هنا ما حصلنا عليه من آرائهم كما جاء في كتاب المغني لابن قُدامة، لما في ذلك من مدخلية في الجمع بين رواياتنا في هذا الموضوع، قال:
((اختلف الرواية في تحريم النساء في غير المكيل والموزون على أربع روايات:
الأولى: لا يحرم النساء في شيء من ذلك سواء بيع بجنسه أو بغيره، متساوياً أو متفاضلاً، إلّا على قولنا أنّ العلّة الطعم، فيحرم النساء في المطعوم، ولا يحرم في غيره وهذا مذهب الشافعي، واختار القاضي هذه الرواية لما روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو أنّ رسول الله e أمر أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذه في قِلاص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة.
وروى سعيد في سننه عن ابن معشر، عن صالح بن كيسان، عن الحسن بن محمّد أنّ علياً باع بعيراً له يقال له (عصيفير) بأربعة أبعرة إلى أجل.
ولأنّهما مالان لا يجري فيهما ربا الفضل فجاز النساء فيهما كالعَرَض بالدينار.
وقال ابن قدامة في شرح قول الماتن: (وما كان من جنسين فجائز التفاضل فيه يداً بيد ولا يجوز نسيئة): إنَّه لا خلاف في جواز التفاضل في الجنسين نعلمه، إلاّ عن سعيد بن جبير. وعلّل الحكم بروايتهم عن النبي e بغير خلاف يُعلم: فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يداً بيد.
الثانية: ونسب القول بحرمة النسيئة في كلّ مال بيع بجنسه، كالحيوان بالحيوان والثياب بالثياب إلى أبي حنيفة، ونسبوا كراهية بيع الحيوان بالحيوان نساءً إلى عبد الله بن عمرو وعطاء وعكرمة بن خالد وابن سيرين والثوري، ورووا عن سمرة عن النبي e نهيه عن بيع الحيوان نسيئة وصحّحه الترمذي.
الثالثة: لا يحرم النساء إلّا فيما بيع بجنسه متفاضلاً، ورووا عن جابر عن النبي e: (الحيوان اثنين بواحد لا يصلح نساءً ولا بأس به يداً بيد) وصححه الترمذي.
الرابعة: يحرم النساء في كلّ مالٍ بيع بمالٍ آخر، تساوى الجنس أو اختلف. ووصفت هذه الرواية بالضعف.)(١٥).
هذا وقد وصف ابن قدامة أنّ العلّة في تحريم الربا في خصوص المطعوم من المكيل أو الموزون دون مطلق المطعوم، وكونها قول أكثر أهل العلم.
وقال في بدائع الصنائع: (ويجوز بيع المعدودات المتقاربة من غير المطعومات بجنسها متفاضلاً عند أبي حنيفة، وأبي يوسف بعد أن يكون يداً بيد، كبيع الفلس بالفلسين)(١٦).
ويلاحظ على هذه الأقوال:
١- ذكَرَ ابن قدامة: إنّ أصحَّ الروايات الأولى، ونقل عن أحمد بن حنبل أنّ الأحاديث المخالفة لها غير معتمدة، وهي ما بين الإرسال، والزيادة في بعضها كلمة (نَساء) من الراوي الذي وصف بالواهي الحديث وإن كان صَدوقاً.
٢- إنّ القول بالتحريم في النسيئة ببيع مطلق الأجناس بجنسها متفاضلاً لم يصدر إلّا من أبي حنيفة وأتباع مدرسته، مع أنّ الرواية الّتي رووها عن النبي e في النهي جاءت في خصوص بيع الحيوان بجنسه، وهي الّتي صحّحها الترمذي، وهي معارضة في موردها بما ذهب إليه الأكثر من الجواز اعتماداً على ما نقلوه عن النبي e وعلي g ممّا مرَّ في القول الأوّل. وهو قول الأكثر وإنْ كان بعضهم قائلاً بالكراهة.
٣- علّل الجمهور حكمهم بالجواز بما رووه عن النبي e – كما جاء في القول الأوّل –: فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يداً بيد. فيظهر منهم أنّهم غير عاملين بمفهوم الوصف؛ لأنَّ الرواية فيها قيد (يداً بيد). وهم يجوّزون بيع مطلق الأصناف متفاضلاً حتى نسيئة.
وكيف كان فينبغي استعراض الأخبار في المسألة لمعرفة ما تدلّ عليه:
ويمكن تقسيمها إلى طوائف خمسة:
الطائفة الأولى: تدل على جواز بيع المعدود بجنسه متفاضلاً مطلقاً.
١- موثّق منصور بن حازم سأل الإمام الباقر g: (عن البيضة بالبيضتين؟ قال: لا بأس، والثوب بالثوبين قال: لا بأس، والفرس بالفرسين؟ قال: لا بأس، ثمّ قال: كلّ شيء يُكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لا يكال ولا يوزن فليس به بأس اثنان بواحد)(١٧).
٢- موثّق زرارة عن أبي جعفر g: (لا بأس بالثوب بالثوبين)(١٨).
٣- صحيح محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله g: (لا بأس بالثوب بالثوبين إذا وصفت الطول فيه والعرض)(١٩).
الطائفة الثانية: تدل على جواز بيع المعدود بجنسه متفاضلاً نقداً:
١- ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن جميل عن زرارة عن أبي جعفر g: (البعير بالبعيرين، والدابة بالدابتين يداً بيد ليس به بأس)(٢٠).
وسند الجميع ينتهي إلى صفوان، وابن أبي عمير عن جميل...الخ، لكن الفقيه زاد بعد الرواية, وقال: (لا باس بالثوب بالثوبين يداً بيد ونسيئة إذا وصفتهما)(٢١).
٢- صحيح عبدالرحمن بنأبي عبدالله المرويفي التهذيب:سألت أباعبد الله gعن العبد بالعبدين، والعبد بالعبد والدراهم؟ قال: (لا بأس بالحيوان كله يداً بيد)(٢٢).
الطائفة الثالثة: تدل على الجواز نسيئة.
وتنحصر في رواية واحدة هي رواية الشيخ الصدوق لصحيح زرارة عن أبي جعفر g المذكورة في الطائفة السابقة على تقدير كون ما ذكره بقوله: (وقال: (لا بأس بالثوب بالثوبين يداً بيد ونسيئة إذا وصفتهما), زيادة على الرواية السابقة. وعلى تقدير كون هذه الزيادة رواية أخرى عطفها على الرواية الأولى، فهي مرسلة. فقد جاء في الفقيه هكذا - بعد ذكر سنده إلى جميل بن دراج عن زرارة عن أبي جعفر g -: (البعيربالبعيرين والدابةبالدابتين يداًبيد ليسبه بأس).وقال: (لا بأس بالثوب بالثوبين يداً بيد ونسيئة إذا وصفتهما)(٢٣).
الطائفة الرابعة: تدل على عدم جواز بيع المعدود متفاضلاً بجنسه نسيئة.
١- صحيح سعيد بن يسار الذي رواه المشايخ الثلاثة، فبطريقٍ صحيحٍ في التهذيب عن سعيد عن أبي عبد الله g: سألتُ أبا عبد الله g عن البعير بالبعيرين يداً بيد ونسيئة، فقال: (نعم, لا بأس إذا سميت الأسنان جذعين وثنيين، ثم أمرني فخططت على النسيئة)(٢٤).
وفي الفقيه زاد بعد الرواية: (لأنّ الناس يقولون لا، وإنّما فعل ذلك ــ أي: الأمر بالخط ــ للتقيّة).
٢- صحيحة الحلبي بسند الشيخ عن الحسين بن سعيد، عن صفوان عن ابن مُسكان، عن الحلبي، عن أبي عبد الله g قال: (ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شيء من الأشياء يتفاضل فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يداً بيد، فأمّا نظرة فلا يصلح)(٢٥).
وهذه الرواية قد تُذكر في عداد الروايات الدالّة على النهي عن التفاضل في بيع الأجناس ببعضها نسيئة في حال اختلاف الجنسين، لقوله g: (ما كان من طعام مختلف)، فحملت المعطوفات على تلك العبارة على صورة الاختلاف أيضاً. ولكن يمكن القول بأنّه لا دليل على كون المقصود بالمعطوف حالة الاختلاف أيضاً، بل هي مطلقة. والقرينة على ذلك أنّ ذكر الاختلاف بالنسبة للطعام من جهة خصوصية في الطعام، وهي معروفية اشتراط اتّحاد الجنس في تحقّق الربا في ما يكال منه، كالحبوب مثل الحنطة والشعير، فسيق البيان للتنبيه على استثناء صورة النسيئة من الحكم بعدم الربا عند اختلاف الجنسين.
أما باقي المذكورات فلم يعلم كونها من المكيل أو الموزون، ولا يحتمل ذلك أيضاً ليقيّد عدم الجواز فيها بالاختلاف في الجنس، فلا خصوصيّة للاختلاف فيها ليحمل الحكم عليه، كما أنّه من البعيد التفصيل بين صورة التفاضل في المعدود مع الاختلاف فينهى عنه، وبين صورة الاتّحاد لكي يحتمل جوازه. ولم يذهب أحد إلى هذا التفصيل.
فهذه الرواية يمكن عدّها من الروايات الدالّة على النهي عن بيع المعدود بالمعدود نسيئة مع التفاضل مطلقاً، اختلف الجنس أو اتفق، وفساد ذلك البيع.
الطائفة الخامسة : تدل على عدم جواز بيع المعدود متفاضلاً بجنسه مطلقاً.
١- ما رواه الشيخ الطوسي في التهذيب عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله g عن الثوبين الرديئين بالثوب المرتفع، والبعير بالبعيرين، والدابّة بالدابّتين. فقال: (كره ذلك علي g فنحن نكرهه إلّا أن يختلف الصنفان)، قال: وسألته عن الإبل والبقر والغنم أو أحدهن في هذا الباب قال: (نعم نكرهه)(٢٦).
٢- صحيح ابن مُسكان عن أبي عبد الله g: سئل عن الرجل يقول عاوضني بفرسي فرسك وأزيدك؟ قال: (فلا يصلح، ولكن يقول: أعطني فرسك بكذا وكذا وأعطيك فرسي بكذا وكذا)(٢٧).
مناقشة الروايات في المسألة
أما روايات الطائفة الخامسة وهي من أدلّة القائلين بجريان الربا في المعدود، كالمفيد وسلّار وغيرهم، والتعبير فيها تارة بالكراهة وأخرى بعدم الصلاحية ظاهر في الحرمة والفساد في المعاملة، فلا تنهض حجّة على عدم جواز التفاضل في المعدود مطلقاً حتى نقداً، وإنْ كانت ظاهرة في ذلك، وذلك لنصّ الطائفة الثانية على جواز التفاضل في الجنس الواحد نقداً. فتصلح لتقييد إطلاق الطائفة الخامسة وحملها على صورة النسيئة.
كما أنّ الطائفة الرابعة صالحة لتقييد إطلاق الطائفة الأولى الظاهرة في جواز المعاوضة على الجنس الواحد متفاضلاً مطلقاً، وحمله على صورة النقد، لنصها على ذلك، وظهورهافي عدمالجواز فيخصوص النسيئةالمفهوم من التعبير بـ(عدم الصلاح).
فإنّ التعبير بـ: (لا يصلح)، وإنْ ورد في بعض الموارد وأريد به مطلق المرجوحيّة الأعم من الحرمة، إلّا إنّه في غالب استعمالات الروايات جاء وأريد به المعنى المساوق لعدم الجواز خصوصاً في المعاملات لظهوره في الإرشاد إلى فساد المعاملة.
ولكنه لا يأبى الحمل على الكراهة الاصطلاحيّة بالقرينة، ومن هنا أمكن القول بكون روايات الطائفة الأولى الناصَّة على جواز بيع المعدودات بجنسها مع التفاضل قرينة على حمل الكراهة وعدم الصلاح الواردة في الطائفة الخامسة على الكراهة الاصطلاحية. وهي المرجوحيّة المجتمعة مع الجواز، بقرينة نصوصيّة الطائفة الأولى على الجواز.
ولكن ما ذكرنا من الجمع بين الطائفة الأولى والرابعة أولى بعد إمكان تقييد الحكم في الطائفة الأولى، وتقييده في الطائفة الخامسة مع المحافظة على ظهوره، فإنّ الجمع العرفي يقدّم الخاص على العام، والمقيّد على المطلق قبل الجمع في ظهور نفس الحكم.
وبذلك تصلح الطائفة الرابعة لتقييد إطلاق الطائفة الأولى في حدود بيع المعدود بجنسه متفاضلاً نقداً فقط، وأما النسيئة فخارجة عن الحكم بالجواز بالتخصيص المستفاد من الطائفة الرابعة.
كما لا معارض للطائفة الرابعة، وإنْ نصَّت الطائفة الثالثة على الجواز بنقل الشيخ الصدوق S لذيل صحيحة زرارة عن أبي جعفر g: وقال لا بأس بالثوب بالثوبين يداً بيد، ونسيئة اذا وصفتهما. وذلك لأنّ هذه الزيادة لم تثبت لعدم وجودها في نقل الكافي، ولا في نقل الشيخ، مع أنّهما روياها بنفس الإسناد بطرقهما عن صفوان وابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة عن أبي جعفر g، ولا يحتمل تعدّد الرواية مع وحدة السند والراوي.
نعم, يحتمل أنّ الشيخ الصدوق أشار بهذا إلى صحيحة محمّد بن مسلم التي نقلناها ضمن الطائفة الأولى. فقد جاء فيها بأنه لا بأس ببيع الثوب بالثوبين إذا وصفت الطول والعرض. فإنّ تعليق الإمام للجواز على الوصف كناية عن وقوع البيع نسيئة، فهو المحتاج الى الوصف لوضوح أنّ التقابض يداً بيد لا يحتاج إلى ذلك. لكن ذلك ليس واضحاً، فيمكن أن يجتمع فرض الوصف مع النقد أيضاً، لدخالة الوصف في البيع وعدم تحقّق الغرر في المعاملة، ولذا جُعل حق الخيار لمن تخلّف وصف مبيعه.
فيظهر من ذلك أنّ الطائفة الثالثة لا وجود لها حقيقة، أو لم تثبت بحجّة معتبرة، وإنّما ذكرناها في طوائف الروايات لنستوفي النقل في ذلك.
ومن العجيب ما أورده صاحب الجواهر S في ذيل صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله التي ذكرناها في الطائفة الثانية، فقد نقلها وفيها النص على جواز التفاضل في بيع الحيوان بالحيوان (نسيئة). ولم أجد كلمة (نسيئة) في مصادر الحديث، ولا في نقل صاحب الحدائق، فإنّ الوارد في كتب الحديث (لا بأس بالحيوان كلّه يداً بيد) من دون كلمة (ونسيئة)، ولعلَّ الزيادة من سهو قلمه، أو كانت النسخة من المصدر الذي اعتمده في نقل الرواية فيه هذه الزيادة. وفي بالي أنَّه حدث مثل هذا للشيخ صاحب الجواهر S في موضعٍ من كتاب الحج أيضاً.
ومن هنا جعل S هذه الرواية ــ بالزيادة المذكورة ــ دليلاً على حمل الروايات الناهية عن النسيئة في الطائفة الرابعة على الكراهة، جمعاً بين ظاهر النهي ونصوصيّة الجواز. وقد عرفت عدم ثبوت الزيادة في الرواية وبالتالي بطلان الحمل المذكور.
فنتيجة الجمع استفادة الحكم بعدم جواز بيع المعدود بجنسه متفاضلاً نسيئة من الطائفة الخامسة بعد تقييدها وحملها على خصوص هذه الصورة.
النص على عدم جواز بيع المعدود بجنسه نسيئة
استفدنا من الجمع بين الروايات استبعاد احتمال عدم جواز التفاضل في المعدود نقداً, وأمَّا حكم النسيئة فيمكن استفادة عدم جواز التفاضل فيه ـ بالإضافة لما مرَّ ـ من صحيحة سعيد بن يسار، وصحيحة الحلبي في الطائفة الرابعة، كما يمكن استفادته من تقييد الحكم في الطائفة الثانية بالنقد (يداً بيد).
أمَّا الأولى، فيستفاد الحكم منها بعدم الجواز في النسيئة من أمر الإمام g الراوي ـ سعيد بن يسار ـ بالخط على النسيئة ـ وظاهره الشطب على النسيئة الواردة في كلام السائل، لئلا يتوهّم شمول الجواز في الجواب لها ـ ، وهذا الفعل منه g ظاهر في تقييد الحكم بالنقد الحال، وعدم الجواز في النسيئة.
وما ورد في ذيل الرواية من تعليل الخط بأنَّه من أجل التقيّة من المخالفين في رواية الصدوق، فالظاهر أنَّه من الشيخ الصدوق R نفسه بتفسير منه، كما هو دأبه في بعض مواضع كتابه الفقيه، والذي حمله على ذلك، ذهاب العامَّة إلى عدم الجواز، وإلّا فالرواية بنقل الكليني والشيخ (عليهما الرحمة) خالية من هذا الذيل.
وعلى تقدير كون الزيادة من الراوي بنقل الصدوق فلا يمكن البناء عليه، إذ لا أصل عقلائي في موارد تعارض الزيادة في النقل مع النقيصة يساعد على إثبات هذه الزيادة، فإنّ أصالة عدم الزيادة لا تتقدّم على أصالة عدم النقيصة. كما أنَّ العامَّة – كما مرَّ عند نقل أقوالهم – قائلون بالجواز في بيع المعدود بجنسه متفاضلاً نسيئة، إلّا أبا حنيفة، ومن تبعه من مدرسته، وقد مرَّت روايتهم عن النبي e وأمير المؤمنين بالقول بالجواز. وهكذا نسب الشيخ الطوسي إلى العامَّة القول بالجواز(٢٨).
وعلى هذا لا وجه لحمل أمر الإمام بالخط على النسيئة على التقيّة، كما صنع الشيخ الصدوق، وتبعه صاحب الحدائق S. هذا حال الصحيحة الأولى.
وأما الصحيحة الثانية في الطائفة الرابعة، صحيحة الحلبي بسند الشيخ عن الحسين بن سعيد، فقد تقدَّم استفادة الحكم منها بعدم جواز بيع المعدود بجنسه نسيئة من التعبير الوارد فيها: (فأمَّا نظرة فلا يصلح) فإنَّه ظاهر في عدم الجواز، بل الفساد ــ كما مرَّ ــ ولا يُصغى إلى القول بظهورها في الكراهة.
بل الصحيحة توسّع دائرة عدم الجواز في النسيئة إلى المختلف من الأجناس في المعدود، ولا معارض لها من الطوائف الأخرى، أو مِنْ صحيح سعيد بن يسار في نفس الطائفة، وإنْ نصَّ على قصر الحكم بعدم الجواز في النسيئة على تساوي الجنس، لأنَّ الحكمين مثبتان، ولا معارضة بينهما إلّا مع اتحاد موضوع الحكم، والحكم هنا انحلالي على المختلف بالجنس والمتّحد فلا معارضة.
يبقى الكلام عن الطائفة الثانية في دلالتها على عدم الجواز في النسيئة، فإنْ قلنا بظهور القيد في الاحتراز بقاعدة الاحترازية في القيود، أو ما يعبّر عنه بالمفهوم من المرتبة الثانية، إشارة إلى مفهوم الوصف كمرتبة أولى من المفهوم، والذي لم يثبت ظهوره من الوصف، فالظاهر أنَّ الحكم بالجواز لا يشمل النسيئة، لأنّ القيد ظاهر في الاحتراز عن ثبوت الحكم لطبيعي الموضوع على إطلاقه وسريانه، وإلّا كان ذكر القيد لغواً، وبلا مبّرر، فيكون نتيجة تقييد الحكم بجواز المعاوضة على المعدود بجنسه متفاضلاً بكونه نقداً المفهوم من قوله g: (يداً بيد) هو عدم جواز المفاضلة في البيع في حال تأجيل الثمن في النسيئة، بل الحكم مقيّد بحال النقد المعبّر عنه بـ(يداً بيد).
أما احتمال كون القيد جيء به للإشارة إلى الحالة الغالبة كما في قوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم} فيحتاج إلى قرينة، وهي مفقودة هنا.
وتؤيّد هذا التقييد الطائفة الرابعة بعد عطف الحكم بعدم الصلاح في التفاضل نسيئة على الجواز يداً بيد، كما في صحيحة الحلبي.
والنتيجة:
لا يوجد في الروايات المتعرّضة لبيع المعدود بجنسه متفاضلاً ما يظهر منه الجواز في صورة النسيئة، بل ظاهر بعضها عدم الجواز بظاهر التعبير بـ(لا يصلح) أو (نكرهه) وغيره، أو بقاعدة احترازية القيود. والظاهر من سياقها تحقّق الربا في بيع المعدود بجنسه أو بغيره متفاضلاً، نسيئة.
نعم, لو ثبتت الزيادة التي يرويها الصدوق في بيع الثياب بجنسها نسيئة لدلَّ على الجواز، وكان قرينة على حمل الروايات المانعة على الكراهة، ولكن حتى لو ثبت ذلك فهو في خصوص الثياب.
وعلى ذلك فلا مبالغة من الشيخ في كتابه الخلاف – على ما وصف الشهيد في الدروس ونقلناه سابقاً – عندما حكم بالمنع من بيع الثياب بالثياب، والحيوان بالحيوان نسيئة مع التفاضل. نعم المنع منه في حال عدم التفاضل لا دليل عليه.
كما أنَّ اعتماد العلامة S في كتابه التذكرة في الحكم بالكراهة ـ تبعاً للمشهور ـ على إطلاق قول الصادق g: (لا يكون الربا إلّا فيما يكال أو يوزن)، وعلى الأصل في المسألة, ويقصد به الأصل اللفظي كإطلاق قوله تعالى: {أحَلَّ الله البيع}، و: {تجارة عن تراض}، لا يمكن الاعتماد عليه بعد ورود الروايات المخصّصة في المنع من النسيئة، وظاهرها تحقّق الربا فيه.
ولعله من هنا ذكر ابن زهرة – على ما مرَّ النقل عنه في الغنية –: (ولا يجوز بيع الحيوان بالحيوان متماثلاً ومتفاضلاً نسيئة في الظاهر من روايات أصحابنا) فإنَّه استفاد عدم الجواز في النسيئة من الروايات. وعلى هذا فإذا لم يكن القول بعدم جواز بيع المعدود بجنسه متفاضلاً نسيئة هو مقتضى النص في المسألة، فلا ريب أنَّه موافق لمقتضى الاحتياط، بعد ورود الأخبار به، وإن استشكلنا في دلالتها، وعمل الأصحاب المتقدمين عليه، كما احتاط صاحب الشرائع بقوله: (وفي النسيئة تردد والمنع أحوط) وكذلك الفقيه ابن زهرة.
ثمرة البحث في ربا المعدود
تقدَّم في صدر البحث عن حكم بيع الرصيد بالآجل إنَّه داخل في كبرى حكم بيع المعدود متفاضلاً نسيئة مع اتّحاد الجنس فيه. وعلى هذا فإنْ كان الرصيد متّحد الجنس مع عوضه المشترى به كالدينار العراقي, أو الدولار, فقد باع كلّيّاً معدوداً في الذمة بأكثر منه مؤجلاً – نسيئة –. فإنْ بنينا على فتوى المشهور بالكراهة جازت هذه المعاملة وصحّت, وإنْ قلنا بالفساد، للنهي عنها في بعض الأخبار، أو احتطنا في المسألة تبعاً لمن احتاط كالمحقّق وابن زهرة رعاية لبعض الوجوه فيكون المنع من هذه المعاملة أحوط.
وأما مع اختلاف جنس الرصيد عن عوضه, فقد عرفت دلالة صحيحة الحلبي، وكذلك إطلاق صحيحة محمّد بن مسلم في الطائفة الخامسة على عدم الجواز، ويبقى الإشكال من جهة أخرى كما سيأتي بحثها في الجهة الثانية من هذه المسألة.
شبهة القرض الربوي
يُذكر في مسألة بيع الأوراق النقدية إشكال مفاده: إنَّ المعاملة بها نسيئة تكون قرضاً بصورة البيع، فمن باع مائة ألف دينار مقبوضة نقداً بـ مائة وخمسين ألف مؤجلة, فهو في الحقيقة يقرض الـمائة ألف بزيادة خمسين ألف، ومن هنا يمنع الفقهاء هذه المعاملة مع اتحاد الجنس.
والجواب عنها: ما ذكره غير واحد من الفقهاء من أنَّ هناك فارقاً بين البيع والقرض في معناهما, فالبيع تمليك مال بعوض، والقرضُ تمليكُ مالٍ مع ضمان مثله في الذمّة, والضمان غير المبادلة بالعوض، فهما مختلفان عرفاً وحقيقةً. وإذا اعتبرت المغايرة بين الثمن والمثمن في البيع دون القرض كفى في كون أحد العوضين كلياً في الذمّة والآخر عيناً شخصيّة, فإنّ وعاء الاعتبار غير الخارجيّ الشخصيّ, وفي بيع الأوراق النقدية كون المعوض كلياً في الذمّة في مغايرته للثمن من ناحية كون الثاني مشخّصاً خارجيّاً والأوّل اعتبارياً. ومن هنا اعتبروا بيع عشرين كيلو من الحنطة شخصيّة أو كليّة بعشرين كيلو مؤجلة من الربا المحرّم مع أنَّه لو كان قرضاً لم يكن ربوياً، لتقوّم القرض بالمثليَّة, وصدق الزيادة في الكلّيّ المؤجّل بالبيع.
بحث الجهة الثانية في المسألة الثانية
تقدَّم في عنوان المسألة الثانية وهي بيع الرصيد بثمن مؤجّل (نسيئة) أنَّ هناك جهتين من الإشكال. الجهة الأولى تقدَّم الكلام فيها تفصيلاً. وأمَّا الجهة الثانية فهي دخول بيع الرصيد بعملة من غير جنسه نسيئة تحت مسألة بيع الدين بالدين والمشهور عند الفريقين حرمته.
نعم, وقع الكلام في شمول كبرى الحكم للدين الذي تحقّق بنفس العقد ولم يكن سابقاً عليه، كما هو فرض مسألتنا، باعتبار أنّ ثمن بطاقة الرصيد المبيعة بالآجل صار ديناً بعقد البيع، ولم يكن سابقاً عليه. نظير ما لو باعه ثمانمائة دولار ديناً في ذمة شخص آخر بمليون دينار كلّيّة ومؤجّلة إلى شهر أو أكثر, فهذا المليون دين بعقد البيع ولم يكن سابقاً عليه, فبعد تحقّق عقد البيع أصبحت المليون مضمونه على المشتري في ذمّته مؤجّلة. فدخول هذه الصورة في كبرى الحكم بالبطلان وإطلاقه محلّ كلام بين الأعلام.
والصورة المتيّقنة للحكم المذكور، هي ما إذا كان لكلِ واحدٍ من المتبايعين دين بذمّة شخص ثالث، أو كان دين أحدهما في ذمّة شخص رابع، فباع أحدهما دينه الذي في ذمّة المدين للآخر، فكلا الدينين قبل عقد البيع، وهذه هي الصورة المتيّقنة من بطلان بيع الدين بالدين.
وأصلُ الحكم بفساد بيع الدين بالدين وبطلانه ثابت من طرقنا بما رواه طلحة بن زيد عن الإمام الصادق g قال: قال رسول الله e: (لا يُباع الدين بالدين)(٢٩).
وقد تلقّى الأصحاب الرواية بالقبول ولا يوجد في السند من يقدح فيه سوى طلحة بن زيد الراوي عن الإمام g فهو بتري فاسد المذهب، إلّا أنّ الشيخ الطوسي قال: (إنّ كتابه معتمد). والظاهر أنَّ الاعتماد عليه جاء من وثاقة صاحبه، فيعدّ ذلك توثيقاً للراوي، فضلاً عن أنَّه من مشايخ صفوان بن يحيى المعروف بأنَّه لا يروي إلّا عن ثقة. فلا إشكال من جهة السند. كما وأنَّ الحكم مجمع عليه.
وأمَّا العامَّة فقد رووا عن النبي e أنَّه قال: (لا يجوز بيع الكالي بالكالي). والكالي فُسِّر بالنسيئة وبالدين. وإنَّما الكلام في شمول الحكم لصورة ما إذا كان أحد الدينين ثابتاً بالعقد، ولم يكن سابقاً عليه .
وهل مثل هذه المعاملة مشمولة بحرمة بيع الدين بالدين؟
ذهب المشهور والأكثر ـ كما في تعبير بعضهم ـ إلى الحرمة، وأنَّها مشمولة للحديث, ومنع جماعة من ذلك كالمحقّق في الشرائع، والشهيد الثاني في المسالك في كتاب الدين(٣٠)، وفي الروضة، وهكذا بعض المتأخّرين كالأردبيلي(٣١)S,
والسبزواري(٣٢) S، وهكذا يستفاد من بعض كلمات العلّامة الحلّيّ S وإنْ يظهر منه القول بالحرمة في التذكرة(٣٣)، والمختلف(٣٤).
وأكثر المتأخرين على الحرمة لشمول النصّ لصورة تحقّق الدين بالعقد. وغاية ما قيل في عدم الشمول ما ذكره الشهيد الثاني S في المسالك وفي الروضة، وحاصله:- إنّ الدين الممنوع منه ما كان عوضاً حال كونه ديناً بمقتضى تعلّق الباء به, والمضمون عند العقد ليس بدين وإنّما يصير ديناً بعده, فلم يتحقّق بيع الدين بالدين.
وقد استجود هذا الكلام السيّد الطباطبائي S في الرياض(٣٥)، وكذلك صاحب الحدائق وإنْ لم يجزم بالمسألة(٣٦).
إلّا أنَّ الشيخ صاحب الجواهر S ردَّ على ذلك بأنَّه: ليس المراد من النصّ بأنْ يكون الدينان قبل العقد، لأنَّ تعلّق الباء أعمّ, فهي لا تقتضي أزيد من كون العوض حين جعله عوضاً ديناً, ولا يلزم في هذا الإطلاق كونه ديناً سابقاً.
فيمكن أنْ يُراد بالدين مقابل العين والحال ـ أي الكلّيّ الحال مقابل الكلّيّ المؤجّل الذي هو الدين المقصود ـ أي لا تبع الدين بهذا الصنف من البيع, فأل التعريف للإشارة إلى هذا القسم من البيع المعهود في الذهن, دون البيع بالكلّيّ الحال الذي لا يسمّى ديناً عرفاً, فلا يصحّ النقض به(٣٧).
قال الفقيه اليزدي S في حاشيته على المكاسب: بيع الدين بالدين أقسام ثلاثة:
أحدها: أنْ يبيع الكلّيّ المؤجّل بالكلّيّ المؤجّل، وهو بيع الكالئ بالكالئ.
الثاني: أنَّه يبيع ديناً سابقاً على العقد بعد حلوله أو قبله، بدين كذلك.
الثالث: أنَّه يبيع ديناً سابقاً بكلّيّ مؤجّل أو بالعكس. وكلّ هذه الأقسام باطلة لقول الصادق g في خبر طلحة بن زيد: قال رسول e: لا يباع الدين بالدين(٣٨).
فتحصَّل من ذلك: أنَّ ثمن بطاقة الرصيد المبيع بالآجل هو دين تحقّق بنفس عقد بيع الرصيد، والمُثمن الذي بُذل بإزائه هذا الثمن دين كلّيّ في ذمّة الشركة لبائع البطاقة، فهو مشمول لإطلاق ما دلّ على النهي عن بيع الدين بالدين وفساده، على حسب رأي الأكثر، وهو الأحرى بالقبول.
المسألة الثالثة: بيع الرصيد مؤجلاً بثمن معجّل (بيع السَلَف أو السَلَم)
السَّلف أو السَّلم هو بيع كلّيّ مؤجل بثمن حال مقبوض، على عكس النَّسيئة، ويعتبر فيه أنْ يكون الأجل مضبوطاً والمبيع مقدَّراً بمقدار من دون جهالة توجب الغرر، وأن يُقبض الثَّمن قبل التفرُّق من مجلس البيع, وإلّا بطل البيع.
ثم إنَّ إطلاق النهي عن بيع المعدود بجنسه متفاضلاً يشمل الزيادة في طرف المُثمن كما ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله g: (ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شيء من الأشياء يتفاضل فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يداً بيد، فأمَّا نظرة فلا يصلح).
والمؤيَّد برواية الشيخ S لحديث زياد بن أبي غياث بإسناده عن الحسن بن محمَّد بن سماعة، عن صالح بن خالد وعبيس بن هشام، عن ثابت بن شريح عنه عن الصادقg: (ما كان من طعام مختلف...), وهو بنفس المتن السابق، ولكن في ذيله: (فأمَّا نسيئة فلا يصلح) بدلاً من قوله g : (فأمّا نظرة فلا يصلح).
وكذا إطلاق ما دلّ على كراهتهم (عليهم السلام) لبيع الأجناس ببعضها مع الزيادة في صحيح محمّد بن مسلم الوارد في الطائفة الخامسة من الروايات الآنفة.
وفي مرسلة علي بن إبراهيم الطويلة: (وما عدّ عدّاً، أو لم يُكل ولم يوزن، فلا بأس به اثنان بواحد يداً بيد, ويكره نسيئة).
والكراهة في لسان الروايات خصوصاً في المعاملات ظاهرة في الفساد، لا الكراهة التنزيهيّة.
والحاصل قد دلّت الروايات الصحيحة وغيرها على النهي عن بيع المعدود وغيره ــ ممّا لا يكال ولا يوزن ــ متفاضلاً مع تأجيل أحد العوضين, وهو قانون واحد سواء في النسيئة بتأجيل الثمن، أو في السلف بتأجيل المُثمن مع الزيادة, وتقدَّم أن ظاهر هذا النهي هو التحريم المؤيَّد بفتوى القدماء كالمفيد، وسلّار، وابن الجنيد وابن البرّاج، والشيخ في بعض كتبه. نعم، على فتوى المشهور في بيع المعدود نسيئة وسلفاً الحكم هو الكراهة لا غير. فبيع الرصيد سَلَماً مع تعجيل الثمن بزيادة لو لم يكن غير جائز فتوىً فمقتضى الاحتياط المنع منه.
المسالة الرابعة : تحويل الرصيد بين المشتركين
تقوم شركات الاتصال بتوفير بعض الخدمات لمشتركيها، ومنها ما يُسمّى بتحويل الرصيد، وذلك بخصم مقدار مالي مِنْ رصيد مَن يطلب تلك الخدمة وإضافته إلى رصيد مشترك آخر ليتمكن من إتمام مكالماته، وتتمّ تلك العملية مجّاناً من الواهب، وتأخذ الشركة من رصيد المعطي جزءاً لقاء قيامها بذلك التحويل، ويمكن أنْ يبيع مالك الرصيد ذلك المقدار المحوّل إلى غيره لقاء عوض مالي نقداً أو نسيئة، أو حتّى سلفاً.
ويمكن تصوير الحكم الشرعي لتقاضي الشركة مبلغاً من رصيد المحوّل لإتمام عملية التحويل، على أنَّه جُعالة من المحوِّل المعطي، أو أجرة على عمل الشركة بالتحويل، وأمَّا امتلاك المحوَّل إليه للرصيد في ذمة الشركة، فهو جائز بعملية بيع، أو هبة يقوم بها المحوِّل لجزءٍ من المبلغ الكلّيّ للرصيد الذي له في ذمة الشركة، فتنتقل ملكيته إلى المستفيد الآخر المحوَّل إليه، فهو بيع للمملوك في ذمَّة الغير، أو هبة.
ولا إشكال في صحَّة المعاملة حالة البيع مع كون الثمن نقديّاً من جنسه كالدينار العراقي بمثله، وفي حال كون الثمن مؤجلاً من نفس جنس الرصيد يأتي إشكال الربا في النسيئة السابق بمقتضى المنع عن المعاوضة بين الأجناس بالتفاضل آجلاً، أو الكراهة على فتوى المشهور.
هذا، ويمكن إتمام المعاملة بين الباذل للرصيد والمستفيد المحوَّل إليه عن طريق (الهبة المشروطة بالعوض) من المستفيد، والأرجح عدم جريان حكم الربا فيها، وإنْ كان العوض من جنس الرصيد كالدينار أو غيره، إذ لا يكون العوض المشروط في الهبة المشروطة عوضاً عن نفس المال الموهوب، وإنَّما هي – على الرأي الصحيح – هبة مجّانية مقابل هبة أخرى، والعوض المشروط شرط في التمليك وليس في مقابل المال الموهوب.
قال الشيخ الأعظم الأنصاري S: (وأمَّا الهبة المعوّضة ـ والمراد بها هنا: مااشترط فيها العوض ـ فليست إنشاء تمليك بعوض على جهة المقابلة، وإلّا لم يعقل تملّك أحدهما لأحد العوضين من دون تملّك الآخر للآخر، مع أنَّ ظاهرهم عدم تملّك العوض بمجرّد تملّك الموهوب الهبة، بل غاية الأمر أنَّ المُتهب لو لم يؤدّ العوض كان للواهب الرجوع في هبته، فالتمليك في الهبة المعوّضة مستقل كما في الهبة غير المعوّضة، فإنَّ حقيقة المعاوضة غير مقصودة)(٣٩).
وقال الفقيه اليزدي S في معنى الهبة: (إنَّ الهبة تمليك مجاني صرف لم يلاحظ فيه خصوصيّة وعنوان آخر، ولا تخرج الهبة المعوّضة عن التعريف؛ لأنَّها أيضاً مجّانيّة إذ العوض فيها ليس في مقابل المال الموهوب، بل هو شرط في التمليك، ففي الحقيقة هبة مجّانيّة في مقابل هبة مجّانيّة أخرى، هذا إذا اشترط العوض، وإلّا فلو لم يشترط التمليك لكن المُتَّهب عوَّض عنها، فعدم خروجها عن التعريف أوضح)(٤٠).
وقال في حاشيته على المكاسب: (في جواز هبة المُصحف بالهبة المعوّضة: يمكن الجواز فيها من جهة أنّ العوض إنَّما هو في مقابل الهبة لا المُصحف)(٤١).
ووافق المحقق النائينيS على كلام العلمين المتقدِّم كما في منية الطالب(٤٢).
ويلاحظ أنَّ إتمام معاملة المعاوضة على الرصيد بطريقة الهبة المعوَّضة لا تتحقّق مع قصد البيع، فلا تفي هذه الطريقة إلّا في الحالات التي تناسب قصد الهبة وإنْ كان مع شرط التعويض. كما يمكن الفرار بها من إشكال الربا في البيع، كما مرّ المنع منه أو الاحتياط فيه.
مصادر البحث
١- القرآن الكريم.
٢- الوسيلة: ابن حمزة.
٣- النهاية: الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠هـ)، انتشارات قدس محمّدي.
٤- التهذيب: الشيخ الطوسي محمّد بن الحسن, انتشارات قدس محمّدي.
٥- المختلف: العلّامة الحلّيّ (ت ٧٢٦)، مؤسسة النشر الإسلامي.
٦- شرائع الإسلام: نجم الدين بن سعيد المحقّق الحلّيّ (ت ٦٧٦).
٧- التذكرة: العلّامة الحلّيّ (ت ٧٢٦)، مؤسسة آل البيت.
٨- المقنعة: الشيخ المفيد محمّد بن النعمان (ت ٥٨٧)، مؤسسة النشر الإسلامي.
٩- بدائع الصنائع: أبو بكر الكاشاني (ت ٥٨٧)، المكتبة الحبيبيّة باكستان.
١٠- المغني: ابن قدامة عبد الله (ت ٦٢٠)، دار الكتاب العربي ـ بيروت.
١١- غنية النزوع: ابن زهرة (ت ٥٨٥)، مؤسّسة الإمام الصادق.
١٢- الخلاف: الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي، مؤسّسة النشر الإسلامي.
١٣- الدروس الشرعيَّة: محمّدبن مكي الشهيد الأوّل(ت ٧٨٦)، مؤسسة النشر الإسلامي.
١٤- إرشاد الأذهان: مؤسّسة النشر الإسلامي.
١٥- مجمع الفائدة والبرهان: المقدَّس الأردبيلي.
١٦- الكافي: محمَّد بن يعقوب الكليني (ت ٣٢٩هـ) دار الكتب الإسلامية ـ طهران.
١٧- من لايحضره الفقيه:محمّد بنعلي بنبابويه (ت٣٨١)، مؤسسةالنشر الإسلامي.
١٨- وسائل الشيعة: محمّد بن الحر العاملي مؤسسة آل البيت.
١٩- السرائر: ابن أديب الحلّيّ (ت ٥٩٨)، مؤسسة النشر الإسلامي.
٢٠- جواهر الكلام: محمّد بن الحسن الجواهري (ت ١٢٢٦)، دار الكتب الإسلامية ـــ طهران.
٢١- العروة الوثقى: السيد كاظم اليزدي (ت ١٣٣٧)، مؤسسة النشر الإسلامي.
٢٢- حاشية على المكاسب: السيد كاظم اليزدي.
٢٣- منية الطالب: تقريرات الخوانساري للنائيني في المكاسب (ت ١٣٥٥)، مؤسسة النشر الإسلامي.
(١) ذكر ذلك بعض علماء العامة حينما جعلوا بيع الرصيد بيعا للمنفعة .
(٢) مستند العروة الوثقى، كتاب الإجارة ص٧٩.
(٣) وسائل الشيعة (طبعة آل البيت) ج ١٨ص ١٣٣ ح٣.
(٤) وسائل الشيعة (طبعة آل البيت) ج ١٨ص ١٣٢ ح١.
(٥) وسائل الشيعة (طبعة آل البيت) ج ١٨ص ١٥٩ح١٥.
(٦) كتاب النهاية للشيخ الطوسي ص ٣٧٥.
(٧) كتاب الوسيلة ص ٢٥٤.
(٨) غنية النزوع ص ٢٢٦.
(٩) الخلاف ج ٣ ص٤٦.
(١٠) كتاب الخلاف ج ٣ ص٤٦.
(١١) كتاب الخلاف ج ٣ ص٥٠.
(١٢) الدروس الشرعية ج ٣ ص ٢٩٥.
(١٣) التذكرة ج ١٠ ص ١٩٤.
(١٤) إرشاد الأذهان ج ١ ص ٣٧٩.
(١٥) المغني لابن قدامة ج ٤ ص ١٣١.
(١٦) بدائع الصنائع ج ٥ ص ١٨٥.
(١٧) التهذيب ج ٧ ص ١١٩.
(١٨) التهذيب ج ٧ ص ١١٩.
(١٩) التهذيب ج ٧ص ١١٩.
(٢٠) الكافي ج ٥ص ١٩٠، التهذيب ج ٧ ص ١١٨.
(٢١) الفقيه ج ٣ ص ٢٧٩.
(٢٢) الكافي، التهذيب ج ٧ ص ١١٨.
(٢٣) الفقيه ج ٣ ص ٢٧٩.
(٢٤) التهذيب ج ٧ ص ١١٨، الفقيه ج ٣ ص ٢٨١.
(٢٥) التهذيب ج ٧ ص ٩٣.
(٢٦) التهذيب ج ٧ ص ١٢٠.
(٢٧) التهذيب ج ٧ ص ١٢٠.
(٢٨) كتاب الخلاف ج ٣ ص ٤٦.
(٢٩) الكافي ج ٥ص ١٠٠.
(٣٠) مسالك الإفهام ج ٣ ص ٤٣٣.
(٣١) مجمع الفائدة ج ٩ ص ٩٥.
(٣٢) كفاية الأحكام ج ١ص ٥٣٥.
(٣٣) تذكرة الفقهاء ج ١١ص ٣٣٨.
(٣٤) مختلف الشيعة ج ٥ص ٣٧١.
(٣٥) رياض المسائل ص ٨.
(٣٦) الحدائق ج ٢٠ص ١٨.
(٣٧) جواهر الكلام ج ٢٤ص ٣٤٧.
(٣٨) حاشية المكاسب ج ٢ ص ١٧٤ (الطبعة القديمة).
(٣٩) كتاب المكاسب ج ٣ ص ١٣.
(٤٠) العروة الوثقى ج ٦ ص ١٩.
(٤١) حاشية المكاسب ج ١ ص ٣١.
(٤٢) منية الطالب ج ١ ص ٩١.