مشروعية البرلمانات في ظل الانظمة السياسية المعاصرة

احدث المقالات

PDF
نص المقال

 

 

مشروعية البرلمانات في ظل الأنظمة السياسية المعاصرة 

 

الشيخ حيدر السهلاني (دام عزّه)

 

دراسة تبحث في مدى شرعية سلطة البرلمان في عصر الغيبة وفي ظل غياب الدولة الدينية, ومَن الذي أعطى لتلك السلطة هذا الدور من تشريع القوانين مع العلم أن أغلب أعضاء تلك المجالس ليسوا أهل اختصاص في تشريع وسن القوانين.

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لا يخفى أن البرلمانات أو مجالس الشعب من الأمور المستحدثة في بناء الدولة, وليس لها تأسيس شرعي يحددها ويضع أسس التعامل معها من الناحية الشرعية الإسلامية, فظهورها مع ظهور تجربة الديمقراطية في الحكم, وتعني حكم الشعب نفسه بنفسه ومن خلال البرلمانات المنتخبة, وقد أسس الغرب لهذه التجربة, واعتمدها في بناء الدولة وجعلها قاعدة ثابتة في الدستور, وسارت على هذا النهج بعض الدول الإسلامية التي اعتمدت الديمقراطية في بناء الدولة ومنها تجربتنا البرلمانية في العراق.

فما مدى مشروعية قيام تلك السلطة في ظل غياب الدولة الدينية ؟

ومَن الذي أعطى لتلك السلطة هذا الدور من تشريع القوانين مع العلم أن أغلب أعضاء تلك المجالس ليسوا أهل اختصاص في تشريع وسن القوانين ؟

 

هذه الدراسة تجيب عن تلك الأسئلة ضمن مبحثين:

 

المبحث الأول

مشروعية الدولة في عصر الغيبة إذا لم تكن الدولة دينية بل دولة مدنية.

 

اتخذ علماء الإمامية (أعلى الله شأنهم) من شكل الحكومة وسلطتها على الفرد والمجتمع في عصر الغيبة اتجاهين:

الاتجاه الأول: عدم مشروعية إقامة الحكومة في عصر الغيبة, بمعنى أن أي دولة لا يمكن إعطاؤها صفة الشرعية من الفقيه, وأن الشارع المقدس أبقى الدولة منوطة بالإمام الغائب صاحب الزمان l, ولهذا قال بعض علماء الامامية بتحريم إقامة السلطة من قبل السلطان وبعدم مشروعيتها تحت عنوان أنها غصبية(١).

وهذه الرؤية صرح بها أبو الحسن الأشعري (ت ٣٣٠ هـ): (وأجمعت الروافض على إبطال الخروج وإنكار السيف ولو قتلت حتى يظهر لها الإمام الغائب وحتى يأمر بذلك)(٢).

وسبب رؤية فقهاء الامامية في هذا الاتجاه بعدم التصدي هو رؤية دينية (أن إقامة نص الحكومة الإسلامية هو حق خاص بالإمام المعصوم g فلا ولاية للفقيه على الحكم ولا شورى للأمة)(٣).

ولأن حقيقة السلطة قائمة على أساس العدل والمساواة, والمتصدون لها أمناء عليها بعدم التجاوز على تلك الحدود, فلا بد أن تتوافر في المتصدي العصمة (وأعلى وسيلة يمكننا تصورها في حفظ هذه الحقيقة ـ السلطة ـ وأداء هذه الأمانة, الورع عن الارتكابات الشهوية, والاستئثارات الاستبدادية هي العصمة العاصمة)(٤).

وبما أن هذه المَلكة غير متوافرة في المتصدين فالنعت بالغصبية يصح في حقهم.

وأمّا الروايات الواردة والحاثة على الرجوع إلى الفقهاء منها:

أولا: مقبولة عُمر بن حنظلة:

روى الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين, عن محمد بن عيسى, عن صفوان بن يحيى, عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله الصادق g عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاء أيحل ذلك ؟ فقال: (مَن تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً, وإن كان حقه ثابتاً, لأنه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يُكفر به) قلتُ: فكيف يصنعان؟ قال: (ينظران إلى مَن كان منكم ممن قد روى حديثنا, ونظر في حلالنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما, فاني قد جعلته عليكم حاكما, فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه, فإنما استخف بحكم الله, وعلينا ردّ, والراد علينا كالراد على الله وهو على حد الشرك بالله)(٥).

فالظاهر من الرواية ثبوت الولاية للفقهاء وذلك من خلال لفظ (الحاكم) وليس المراد به (القاضي) الذي يفصل بين الخصومات فقط لان هذا المنصب من تعيين الحاكم أصلا.

ثانياً: مشهورة أبي خديجة, سالم بن مكرم الجمال:

روى الشيخ الطوسي بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب, عن أحمد بن محمد, عن الحسين بن سعيد, عن أبي الجهم عن أبي خديجة قال: بعثني أبو عبد الله g إلى أصحابنا فقال: (قل لهم, إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تداري – أي تدافع في الخصومة ـ بينكم في شيء من الأخذ والعطاء, أن تتحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق, اجعلوا بينكم رجلا ممّن قد عرف حلالنا وحرامنا, فإني قد جعلته قاضياً وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر)(٦).

فظاهر الرواية أن الشارع المقدس جعل للفقيه الجامع للشرائط منصب الفقهاء, وهذا المنصب يوجب منحه جميع صلاحية الولاية العامة, وذلك من خلال المقابلة بأن تلك الوظائف كانت لسلاطين الجور فما كان من شأن سلاطين الجور فهو ثابت للفقيه العادل في زمن الغيبة.

ثالثاً: التوقيع الصادر من الإمام الحجة صاحب الزمان l:

عن الشيخ الطوسي, (قال: أخبرني جماعة عن جعفر بن محمد بن قولويه, وأبي غالب الرازي وغيرهما, عن محمد بن يعقوب, عن إسحاق بن يعقوب, قال: سألت محمداً بن عثمان العمري (وهو النائب الثاني لإمام العصر في عصر الغيبة الصغرى) أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل, فورد التوقيع بخط مولانا صاحب العصر, وفيها: (.. وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم)(٧).

وهذه الرواية كسابقتها من حيث جعل الفقيه ذا ولاية لأنهم أصحاب حجة.

وقد ناقش جلّ الفقهاء في تلك الروايات وغيرها ولم يحملوها على منح الولاية العامة للفقيه بل هي تشير بالرجوع إلى الفقيه في الأمور الحسبية المقيّدة كرعـايـة القاصـر وحـفـظ مال السـفيـه والنظـارة على الأوقـاف والقضـاء والفتـوى وغيرها وليست في مقام إثبات الولاية لهم.

قال السيد الخوئي (ت ١٤١٣ هـ): (لا تثبت الولاية للفقهاء في عصر الغيبة بأي دليل, وإن الولاية تختص بالنبي e والأئمة iوما يمكن إثباته من الروايات أن للفقهاء أمرين هما: نفوذ القضاء وحجية الفتوى, وليس لهم حق التصرف في أموال القاصرين وغيرهم من شؤون الولاية إلا في الأمور الحسبية التي لهم الولاية فيها)(٨).

الاتجاه الثاني: مشروعية السلطة وإقامة الدولة في عصر الغيبة:

وهذا الاتجاه يؤمن بالنظريات التي تؤسس لشرعية الدولة في عصر الاجتهاد, ويجعل عدة نظريات أو أنظمة تجمع بين الاجتهاد والنظام النيابي, ويؤسس لعلاقة بين المجتهد والبرلمان, والفقهاء ينظّرون لقيام تلك الدولة على أساس تنظيرين:

التنظير الأول: الدولة الدينية(٩),وليس المراد منها الدولة الدينية التي تكون حكومتها الثيوقراطية ونظامها السياسي المستند على التفويض الإلهي الخارج عن إرادة البشـر, حـيـث يختـار الله الرؤسـاء مباشـرة لحكـم الشعب, وإنـمـا المـراد هـو النظام السياسي الذي يكون على رأس سلطته الفقيه الجامع للشرائط.

وللمرجعية الشيعية عدة نظريات(١٠) أشهرها نظرية ولاية الفقيه, وهي النظرية التي منحت الفقيه الجامع لشرائط الفتوى أن يكون نائباً من قبل الأئمة iفي حال الغيبة ليس في الأمور الحسبية المقيدة, بل في جميع ما للنيابة من أمور.

وقد نظّر لهذه النظرية الشهيد الأول محمد بن مكي (ت ٧٨٦ هـ) حينما قال بنيابة الفقيه عن الإمام في صلاة الجمعة في زمن الغيبة(١١) ويُعد المحقق الثاني الكركي (ت ٩٤٠ هـ) أول فقيه يتقلّد منصب النيابة العامة فعلياً والمصدر الرئيس لإمضاء الشرعية على السلطة(١٢).

وتحولت هذه الولاية من كونها موقفاً فقهياً إلى نظرية سياسية فقهية متكاملة على يد المحقق أحمد النراقي (ت ١٢٤٤هـ) (١٣), والشيخ صاحب الجواهر (ت ١٢٦٦هـ) أبرز رموزها حيث أثبت أن كل ما كان للنبي e من الولاية فهو ثابت للفقيه(١٤) وتصبح الولاية في عصر الغيبة من البديهيات وخاصة عند السيد الخميني (ت ١٤١٠هـ) الذي أثبت أنها من الأمور التي لا يحتاج إثباتها إلى برهان(١٥).

ولا نريد الدخول في مناقشات الأدلة النقلية والعقلية إثباتاً أو نفياً, بل الأمر موكول إلى محله(١٦) بقدر ما أريد ذكره, أن الدولة في عصر الغيبة المعتمدة على نظام (ولاية الفقيه) أقرّت مشروعية الفصل بين السلطات الثلاث, ومنحت المشروعية لسلطة البرلمان والحق في سنّ القوانين وتشريعها على أساس مشروعية الدولة.

التنظير الثاني: الدولة المدنية:

وللمرجعية الدينية أيضاً عدة نظريات عالجت فيها قضية السلطة في عصر الغيبة عندما لا يكون على رأسها الولي الفقيه, ولكنهم في نفس الوقت أمضوا عمل السلطات بما فيها السلطة التشريعية (البرلمان) ومنها:

أولاً: نظرية الحكومة المشروطة بإذن الفقهاء.

شهدت بدايات القرن الرابع الهجري حركة تطالب بالدستور وسميت هذه الحركة بـ(المشروطة) التي يعتبر العلامة الميرزا محمد حسين النائيني S (ت ١٣٥٥هـ) مفكر الحركة المشروطة والمنظّر لها في كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملّة) والذي جمع فيه عشرات الأدلة على مشروعية الحكومة المشروطة ورد إشكالات المعارضين لها.

وهي أول عمل نظري ومعمق في مجال الحياة السياسية الدستورية الشعبية وفي تأهيل المجتمع الإسلامي لتقبل الديمقراطية.

وهي مرحلة من مراحل بروز الأسس النظرية للنظام الإسلامي والقول به والخروج من مرحلة القول بالتقية, بل يؤسس فيها لحكومة إسلامية شرعية تعتمد القانون أو الدستور أساسا لعملها, ولو على نحو البديل البشري الاضطراري لمقام العصمة لغاية رفع الاستبداد وإنشاء حكومة عادلة (لما كان الأمران كلاهما
ـ العصمة والحكمة الفردية ـ غير متيسرين ولا مطردين, فان البديل الممكن هو إيجاد وسائل أخرى تساعد على توفير الحدّ المقبول من الصفات في الحاكم والسلطة) (١٧).

ومن الوسائل التي تساعد على رفع الاستبداد وإنشاء حكومة عادلة عنده توجد ضمانتان:

الضمانة الأولى: الدستور, وهو مجموعة من القوانين التي تحدد طبيعة السلطة وواجباتها وتميّز السلطات الثلاث, وتؤسس لعدم التعدي والتجاوز على حدودها.

وبما أن لفظ الدستور مصطلح غربي حديث على مسامع العامة ومثير للشبهات والتشكيكات الخاصة أورده الشيخ لجهتين:

الجهة الأولى: تقريبية للعامة, لبيان أن منزلة هذا الدستور ومكانته أشبه بالرسائل العملية حتى يكون العامة على علم بحرمة مخالفة بنوده.

الجهة الثانية: تحليلية, وتتكفل الرد على الاتهامات التي سجلت على نظريته.

وقد جعل الميرزا النائيني S عدداً من اللوائح ضمن الدستور الغاية منها مقاومة الاستبداد وهي:

١ـ الفصل بين السلطات الثلاث: القضائية والتنفيذية والتشريعية, (بحيث تتميز الوظائف التي يلزم السلطات بإقامتها عن المجالات التي لا يحق له التدخل فيها والتصرف بها)(١٨).

٢ـ الأخذ بمبدأ الشورى(١٩): والأخـذ بهذا المبـدأ يكون مقـتضاه الأخـذ برأي الأكثرية, لأن الأخذ من لوازم الشورى وبه يتحقق النظام العام وهو حفظه وتحقق الحرية والمساواة.

الضمانة الثانية: أمّا البرلمان, فهو الجزء الثاني والمهم في مقارعة الاستبداد وتصحيح عمل السلطة بشروط, منها: أن يكون البرلمان مكوّناً من مجموعة من المجتهدين أو من ينوب عنهم.

وبهذا نقل الشيخ النائيني S الخطاب الدستوري الشيعي من الانحسار في المشروعية السياسية إلى المشروعية المدنية المستمدة من الدين, وذلك من خلال نظريته بتشكيل حكومة عدل نسبية تتم عن طريق الانتخاب والبرلمان والدستور, مقابل عجزنا عن التمتع بحكومة العدل المطلق للمعصوم(٢٠).

وهذا النقل للخطاب الديني لا يعني تخلي النائيني S عن القول بولاية الفقيـه, بل هو تخـلٍ عن الثـابت فيـها, وهـو أنه يمكـن أن تنفـك عن الفقيـه الجامع للشرائط وأن تكون لغيره, ولو لم يكن فقيهاً ولكن تحت إشرافه وإمضائه.

ثانياً: نظرية ولاية الأمة على نفسها, وهي النظرية التي أسس لها الشيخ محمد مهدي شمس الدين (ت ١٤٠١هـ) حيث استدل على نظريته بعدة أدلة اعتبرها أصلا أولياً سواء على مستوى الأدلة العقلية أو النقلية وهو عدم ولاية أحد على أحد: (أن الأصل الأولي العقلي والنقلي في قضية السلطة على البشر من قبل أي شخص كان هو عدم المشروعية, فلا ولاية لأحد على أحد, ولا ولاية لأحد على جماعة, أو مجتمع ولا ولاية لجماعة أو مجتمع على أحد)(٢١).

ولكن هذا الأصل يجعل إمكانية إعماله في زمن الغيبة دون زمن حضور المعصوم g لوجود النص, كقوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}(٢٢), وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}(٢٣).

وأن آية: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}(٢٤) وسّعت من مفهوم (الولاية) لتشمل معنى التدبير السياسي وعدم الاقتصار على النصر والمعونة؛ لأن الأمة في مطلق الأحوال معنية بتدبير نفسها, لأنه لا يُعقل ترك الأمة من دون تدبير, وعلى هذا يحق للأمة من خلال ممارستها للسلطة إنشاء المؤسسات الإدارية وتعيين الأشخاص الذين يمارسون السلطات على الأنفس والأموال من دون أن يتوقف ذلك على فتوى الفقيه لعدم وجود دليل قطعي من الكتاب أو السنة يمنحان الفقيه سلطات المعصوم في حقل التشريع والسياسة نحو الحاكمية(٢٥).

ومن الأدلة الأخرى التي اعتمد عليها الشيخ شمس الدين أصل ثابت عند فقهاء المذاهب والإمامية وهو وجوب الشورى أو المشاورة وجعله أصلاً آخراً على مشروعية ولاية الأمة (مبدأ الشورى في الشؤون العامة من أهم المبادئ الدستورية السياسية على الإطلاق عند جميع المسلمين: عند الشيعة الامامية في عصر المعصوم g وعند أهل السنة وسائر المسلمين منذ وفاة النبي e ولا تستقيم شرعية أي حكم سياسي لحاكم غير معصوم ولا تستقيم شرعية أي تصرف في الشؤون العامة للمجتمع دون أن يكون قائماً على الشورى)(٢٦).

وإذا كان القرآن الكريم قد بيّن ضرورة إجراء الشورى في زمن الرسول e بقوله: (وشاورهم في الأمر)(٢٧)  فإن الناس أحوج ما يكونون إلى ذلك في عصر غياب الإمام g.

ثالثاً: نظرية إرادة الأمة(٢٨), ويمكن قراءة هذه النظرية من خلال ثنايا البحوث الفقهية والأصولية والفتاوى التي تعالج الوضع السياسي وخاصة الوضع العراقي بعد سقوط النظام الدكتاتوري عام ٢٠٠٣م حيث أوجب على المرجعية الدينية العليا في النجف الاشرف الإلقاء بثقلها للإرشاد إلى نوع الحكم الذي يصلح للمحافظة على المصالح العليا وأهمها رفع الظلم وتحقيق العدل والمساواة وضمان إمرار دستور وتشريعات روحها المحافظة على الهوية الدينية للأغلبية المسلمة وضمان حقوق الأقليات.

وهذا يكشف عن أنها تقول بالولاية ولكن ليست الولاية المطلقة فهي تمسك عصا الولاية من المنتصف, ومحلها الولاية العامة التي تكون بين المطلقة وبين الأمور الحسبية في أدنى درجاتها, وبالنسبة إلى الولاية العامة فإنها تميّز ما بين (الولاية العامة) و(الولاية في الأمور العامة).

والولاية العامة تكون ثابتة في المواضيع التي لا يتوقف عليها حفظ النظام, بل تكون أحكاماً أولية قائمة على أساس المصالح والمفاسد في ذوات الأشياء, ويلحظها الشارع المقدس ويصدر حكمه فيها ويكون طريق إيجادها بالرجوع إلى الولي, بينما الولاية في الأمور العامة التي توجب تدخّل الفقيه المنتخب من قبل الفقهاء وبحسب تصديه في تلك الأمور التي يتوقف عليها حفظ النظام من باب الأحكام الولائية, ويعلّل فعل النبي e في قلع نخلة سَمرة بن جندب وبناء قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) عليها بأن يكون فعله في قلع النخلة ولائياً بلحاظ ولايته في الأمور العامة, لأنها صارت وسيلة للإضرار, وقلعُها من الأمور العامة التي يتوقف عليها حفظ النظام(٢٩)  وليس من باب الولاية العامة, لأنه لا يجوز التصرف في مال أحد بدون إذنه.

بل الحكم الولائي ينشؤه الولي على أساس المصالح العامة لحفظ النظام والملاكات الأهم التي يدركها الحاكم الشرعي وفقاً لمقتضيات المصلحة ويُعلن إنشاء تطبيق لا من جهة تنجيز الواقع, بل من جهة إنشاء تكليف واقعي على المجتمع.

ومن خلال التمييز بين الولايتين لا يمكن اكتشاف رأي المرجعية الديـنـيـة العليـا وأنها تقول بالولاية العامة أو لا تقول بها, فلعلّها تقول بها ولكن لا تعمل بها لوجود موانع منها تعدد أطياف الشعب العراقي ممّن لا يعترف بها أصلا, وإرادة الأمة تنافي فرض واقع علمي أو عملي عليها.

مباني نظرية إرادة الأمة:

يمكن قراءة هذه النظرية لتتضح معالمها من خلال ثلاثة أسس(٣٠):

الأساس الأول: الالتزام بالعهود والمواثيق, حتى يحقّق الإنسان إرادة نفسه ويكون مُلزماً لنفسه بفعل أو ترك نحو الغير, ويجعل على المخالفة حكماً جزائياً مقابل التزام الغير له, فلا بدّ لتحقيق إرادته من الالتزام بالعهود والمواثيق التي يجعلها على نفسه انطلاقا من حقيقة أولوية كل أحد بالنسبة إلى نفسه وما يعد من شؤونه, والأصل عدم وجود ولاية لأحد على أحد, وهذا الحق بالإلزام والالتزام, وما يترتب عليه من الأحكام قد يمارسه الإنسان بنفسه, وقد يفوضه للغير من قبيل إعطاء ولاية الحكم في مقام التحكيم.

ومن هذا التفويض تستمد شرعية الحكم من فئة من الشعب للشعب وينسجم مع الأصول التشريعية للمسلمين وتشمله أدلة {وأوفوا بالعقود}(٣١), و(المؤمنون عند شروطهم إلا شرطاً محلا للحرام أو محرّماً للحلال) ولكي لا تكون هذه الولاية في عَرض ولاية الله سبحانه الثابتة له في الحكم لا تكون الأحكام الصادرة بموجب تلك الولاية محلّلة للحرام ومحرّمة للحلال, أي لا تتصادم مع التشريع الإلهي في الوقائع في مرحلة سنّ القوانين, كما تكون في طول عدم إمكان ثبوت الولاية من الله سبحانه للفقيه الجامع للشرائط.

الأساس الثاني: تغليب رأي الأكثرية, (أي الشورى).

والشورى في النظام الديمقراطي تعني وجوب الأخذ بمبدأ الأكثرية, وهي موافقة للشورى الإسلامية من جهة وجوب العمل بها لا من جهة وجوب الأخذ بمبدأ الأكثرية, وقد جعلت المرجعية الدينية العليا كلا الوجوبين - إمكانية العمل بها- معتمدة ومراهنة على إرادة الأمة, والمتمثلة بالشعب العراقي ذي الغالبية ـ الأكثرية ـ المسلمة, فمن المؤكّد أنهم سيختارون من خلال مجالسهم الشوروية نظاماً يحترم الشريعة الإسلامية مع حماية الأقليات.

ولهذا جعل الشورى أحد الأسس التي يجب أن يقوم عليها عراق المستقبل (مبدأ الشورى والتعددية والتداول السلمي للسلطة في جنب مبدأ العدالة والمساواة بين أبناء البلاد في الحقوق والواجبات, وحيث إن أغلبية الشعب العراقي من المسلمين فمن المؤكد أنهم سيختارون نظاما يحترم ثوابت الشريعة الإسلامية مع حماية الأقليات) (٣٢).

ومبدأ هذا الأساس موجود في الأساس الأول بمقتضى ولاية الإنسان على نفسه في تفويض الحكم للغير وإنما اعتمد رأي الأكثرية لكونه من الناحية العقلية موضع رضا الجميع وملزماً لهم باعترافهم والتزامهم ويحصل التصالح به بين جميع الفئات.

وهذا التفويض لاختيار الأكثرية لا مانع منه في مجال تشريع القوانين مادامت الأكثرية مسلمة, ولم تختر ما يصدم ثوابت المسلمين, ويكون الشرط والعقد الذي يحصل بموجبه أصل التفويض أو تحكيم الأكثرية في التفويض لمن له الحكم والتنفيذ لا يحلل حراماً ولا يحرم حلالا.

الأساس الثالث: الأخذ بمبدأ الانتخاب.

الانتخاب: لغة بمعنى الاختيار(٣٣), وفي القانون بأنه: (تدبير قانوني يتم من خلاله اختيار شخص أو عدة أشخاص من بين مرشحين لمنصب ما, ويجري التصويت عليه بواسطة أوراق تحمل أسماء المرشحين, وتودع في صندوق الاقتراع, ليصار عند انتهاء فرزها إعلان نتيجة الاقتراع) (٣٤).

ولمّا كان المكلف بحاجة إلى مَن يُعينه في إدارة شؤونه العامة, أو ما تدعو إليه الضرورة لاستنقاذ حق أو دفع باطل كان بإمكانه وتبعا لإرادة نفسه أن يفوّض أو يـنـيـب غيـره من الأكـفـاء عـلـى إدارة المـهـمـة بآليـة الانتـخـاب في مجـال تشـريع القوانين وغيرها.

وعليه يمكن اعتماد مبدأ الانتخاب مبدأ تعويضياً عن البيعة, منح فيه المكلف ممارسة حقه بحسب ولايته على نفسه من جهة, ومن جهة أخرى قبول المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف بحق الانتخاب على وفق مبدأ الأكثرية ـ الديمقراطية ـ كآلية عمل من خلال ممارسة الأمة لدورها وتقبلها أيضاً كمصطلح وافد من الغرب, ليُلزم الآخر ويرغمه على تنفيذها خصوصا بعد معارضة القوى السياسية الانتخابات معارضة شديدة بحجج واهية استطاعت المرجعية الدينية العليا إبطالها.

وقد جعلت فتاوى الانتخاب كحق معبّر عن إرادة الأمة, لأن لهم الولاية على أنفسهم في اختيار شكل الحكومة ومَن يمثلهم, وجاءت تلك الفتاوى من قبل المرجعية الدينية العليا لتؤكد على ذلك الحق, كما في فتوى ٢٩/حزيران/ ٢٠٠٣م بوجوب الانتخابات للمجلس التشريعي لكي يكتب الدستور, وأنه لا بديل عن إجراء انتخابات عامة لكتابة الدستور واختيار أعضاء المؤتمر الدستوري(٣٥), وأن الانتخابات هي الطريقة المثلى لتمكين الشعب العراقي من تشكيل حكومة ترعى مصالحه(٣٦), وأكد مكتب المرجعية الدينية العليا مراراً على ضرورة أن تكون الحكومة العراقية ذات سيادة منبثقة من انتخابات حرة ونزيهة يشارك فيها أبناء الشعب العراقي بصورة عامة (٣٧), وكذلك أوجب المكتب التحقق من إدراج أسماء الناخبين المؤهلين بصورة صحيحة للتصويت من الذكور والإناث في سجل الناخبين(٣٨).

وكل هذا وغيره في سبيل أن يشارك أبناء الشعب مشاركة واسعة ويعبّرون فيها عن إرادتهم وولايتهم على أنفسهم.

هذه أهم النظريات التي تؤسس لمشروعية الدولة في ظل الأنظمة الوضعية المعاصرة, وأن ما يميّز هذه النظريات الثلاث التي اتفقت في النتيجة من حيث جعل الشورى أساساً للحكم في عصر الغيبة وإن اختلفت المباني, حيث جعل الميرزا النائيني S ولاية الأمة من الأمور التي تحتاج إلى إمضاء من الفقيه في الأمور الحسبية الراجعة إليه, بينما وسّع الشيخ شمس الدين S حق ممارسة السلطة من دون الرجوع إلى الفقيه وولايته.

ويمكن القول إن نظرية المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف جمعت بين الإمضاء من قبل الحاكم الشرعي للسلطة التي ذهب إليها الميرزا النائيني S, وبين ولاية الأمة على نفسها التي قال بها الشيخ شمس الدين S, ولكن وفق رهان الإرادة المعبّرة عن ضمير الأمة على أساس ثوابت الشريعة الإسلامية, ولهذا أوجبت تلك الإرادة تدخّل الفقيه في الأمور العامة للأمة, خصوصاً إذا ما تجاوزت الأمة حدودها وانحرفت إرادتها في اختيار نظام الحكم.

والبحث يميل إلى النظريات البديلة عن ولاية الفقيه, التي متى ما تحققت عند زوال المانع من إقامتها كانت لها الصدارة في قيادة الأمة ويمكن ـ بالإضافة إلى ما تقدم من مبانٍ للنظريات الثلاثة ـ اعتماد عدد من الأدلة التي توجب تقدم النظريات البديلة على نظرية ولاية الفقيه, وهي:

أولا: الإطلاقات والعمومات, نحو قوله تعالى: {وأوفوا بالعقود}(٣٩), وقوله تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا}(٤٠).

فهذه الإطلاقات والعمومات الفوقانية توجب على المسلم الوفاء بالشرط بمقتضى العقد الاجتماعي إلا ما خالف كتاب الله a أو سنة رسوله e, وهذا واضح في نظرية إرادة الأمة كما مر الإيعاز إليه.

ثانياً: دليل العقل, حيث يحكم بوجوب حفظ النظام وقبح الفوضى, ويمكن تحقيق هذا الغرض حتى على أساس النظريات غير الشرعية فضلا عن نظرية ولاية الفقيه, لكن لا شرعية لمَن لا شرعية له, وولاية الفقيه غير ثابتة عند مَن يقول بكفاية أدلة الولاية المطلقة, ويعضد هذا الدليل اللابدية العقلية المروية عن أمير المؤمنين g: (لا بدّ للناس من أمير برّ أو فاجر) (٤١).

ثالثاً: قاعدة السـلطنة, ومفادها أن العقل العملي مثلا حكم بقوله e: (الناس مسلّطون على أموالهم) (٤٢), ولا يحق لأحد التصرف به إلا عن طيب نفسه, فمن الأولى أن تكون له السلطة على نفسه, فليس لأحد أن يحدّ من حرياته إلا إذا كان هناك تفويض من قبله في التصرف, وهذا التفويض هو الانتخاب نفسه الذي أشارت إليه النظريات المتقدمة.

رابعاً: قاعدة التزاحم, والمراد منه ليس التزاحم المصطلح بين واجبين يعجز عن الجمع بينهما, بل قيام دستور يحكم البلاد تكون له الأولوية في إدارة شؤون حكم الدولة وقيامها, وهو يزاحم قيام دولة يحكم فيها المستبد ويكون أهلها عرضة لمطامع الظالمين.

خامساً: العناوين الثانوية, كتقديم المرجوح على الراجح أو تقديم الفاسد على الأفسد وغيرها من العناوين المبتنية على المصالح الناشئة عن الظروف الجديدة في إعطاء الأمة حقها الدستوري لتقرير ما يحقق لها المصلحة, وحفظ السلطة في عصر الغيبة كما يظهر من ثنايا نظرية ولاية الأمة, فقد أباح الميرزا النائيني S هذا الحق الدستوري حتى مع افتراض المغصوبية لمقام الإمام g في زمن الغيبة(٤٣).

وعلى هذا فإن الأخذ بنظرية الشورى أو ولاية وإرادة الإنسان على نفسه والتنازل عن نظرية (ولاية الفقيه) وامتناع إعمال هذه الولاية لجهات خارجية يوجب على الأمة العمل بها ما دام لم يكن هناك نص خاص خلاف ما تقدم من نظريات.

(للأمـة صلاحيـة ممارسـة أمـورهـا عن طـريق الشـورى ما لم يرد نـص خـاص خلاف ذلك)(٤٤), فيصح الأخذ بمبدأ الشورى عند الإمامية خصوصاً بعد ما ميّزوا بين عصر المعصوم g وعصر الاجتهاد.

 

 

المبحث الثاني

أدلة شرعية إقامة المجالس النيابية ـ البرلمان ـ من غير الفقهاء.

 

بعد فرض تمكين الحاكم بالانتخاب وغيره للنظم السياسية المعاصرة وإضفاء الصفة الشرعية لتوليه السلطة, وهو بالأخير يعكس مشروعية السلطات الثلاث, خصوصاً السلطة النيابية المتولّدة عن التمثيل النيابي بالانتخاب لإدارة شؤون الأمة.

وعليه فهل يمكن الاستدلال على أصل مشروعية إنشاء المجالس النيابية أو قيامها بدليل شرعي أو عقلي أو عُرفي بما يفرضه واقع التجربة الميدانية خلال مسيرة الأمم وقد أمضاه الشارع المقدس وهذا ما يجيب عليه هذا المبحث.

فبعد أن أثبتنا مشروعية المجالس النيابية والبرلمان بالتفويض ممّن كان لهم الحق في  التفويض للغير في الحكم وصحة الالتزام بين الناخبين والمنتخبين ونفوذه حتى في عرض القول بولاية الفقيه العامة ووجود الدليل عليها ولكن في حال عدم القدرة على إقامتها لأسباب خارجية قاهرة أو عدم ثبوت أصل الولاية العامة للفقيه وقصور الأدلة عن إثباتها أو إثبات مجلس فقهاء منتخب يقع الكلام في أدلة شرعية إقامة تلك المجالس وصحة تصرفاتها وتشريعاتها الملزمة والتي تكون موضوعا لأحكام شرعية بعدم جواز مخالفتها, وهي:

الدليل الأول: العمومات والاطلاقات, كقوله تعالى: {يا أيها الذين امنوا أوفوا بالعقود}(٤٥), وقوله تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا}(٤٦).

وجه الدلالة فيهما أن الله سبحانه وتعالى أمر بالوفاء بالعقود والعهود, وهما كلمتان عامتان تشملان كل عقد مسمّى أو غير مسمّى, والأمر بالوفاء دليل على مشروعيتهما, وكل شرط شَرَطه الإنسان على نفسه في شيء يفعله في المستقبل يلزم به, والتعامل مع إنشاء المجالس النيابية وقيامها بواسطة نوابها يمكننا ومن خلال تلك العمومات الفوقانية الإلزام والالتزام بموجبها, وقد تقدم شطر من الكلام حول الاستدلال بالآية في المبحث السابق.

الدليل الثاني: أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فإن الدخول في مجالس النواب يمكن أن يكون من باب ما لأفراد المجتمع من دور فعال وكبير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وهو وجوب عيني(٤٧)   في بعض مراتبه يوجب على كل فرد يشعر بأن هذا الواجب ملقى في عاتقه التصدي والامتثال له في موارده {كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}(٤٨), ومن جملة تلك الموارد الدخول في تلك المجالس من باب أداء الوظيفة العامة في رقابة الأمة على الشأن العام السياسي والاجتماعي, لأن الرقابة وظيفة عامة كفائية بأدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمنع استبداد الحاكم والقوى التنفيذية, وإصدار القوانين الجائرة والمخالفة لتعاليم الدين والدستور, ولمّا كان دخول الجميع متعذراً, أمكن النيابة عنهم للبعض في توليف شـؤون الأمـة وتوكيلهم في ما أقرّ الدسـتور لما لهم من أعمـال وصلاحيات, فتخير  لهم المكنة على إتيان هذا العمل على أساس إحياء هذه الشعيرة.

قال تعالى: {الذين إن مكّناهم في الأرض أقامـوا الصـلاة وآتـوا الزكـاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}(٤٩).

والتمكين في اللغة ـ كما قال الراغب ـ المكان عند أهل اللغة, الموضوع الحاوي للشيء, ويقال مكنته وتمكنت منه فتمكن(٥٠).

وأمّا القدرة على التمكين – المكنة– فالآية الكريمة المتقدمة لا توجب الاختصاص بالحاكم السياسي, بل الأمر بالحكم يختص بجميع الأفراد, وذلك من عدة وجوه:

الوجه الأول: إطلاق أدلة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الوجه الثاني: ما ذكره علماء الأصول من أن الوصف لا مفهوم له(٥١), فالتقييد بالمكنة وحصره بالحاكم السياسي ترجيح بلا مرجح.

الوجه الثالث: وجوبية وعينية(٥٢) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع عدم وجود الحاكم العادل على كل فرد من الأفراد المكلفين ولكن يؤدى بقدر الاستطاعة.

والنظرية الإسلامية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائمة على أساس أن الحق واحد والعدل واحد, لا على أساس التعددية في رغبات الناس وميولهم ومصالحهم الخاصة, حيث إن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد, فقد يختار الإنسان الأشياء على خلاف مصلحته ومصلحة الجماعة إذا كانت رغبته ذلك, كما في قضية تحريم الخمر في أمريكا من سنة ١٩١٨ حيث حرّم الكونغرس الأمريكي الخمر بقرار؛ لأن مصلحة الحكومة والناس أن لا يتناولوا الخمر واستمر التحريم حتى سنة ١٩٣١, وبعد ذلك تبيّن أن القرار بعد تلك المدة على خلاف إرادة الناس ورغباتهم اتخذ الكونغرس مرة أخرى قرارا بإلغاء التحريم(٥٣).

وقد جوّز الفقهاء المشاركة مع السلطان العادل على نحو الاستحباب أو الوجوب, قال الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠هـ): (تولي الأمر من قبل السلطان العادل, الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر, الواضع الأشياء ومواضعها جائز مرغوب فيه, وربّما بلغ حدّ الوجوب لما في ذلك من التمكين من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ووضع الأشياء مواضعها) (٥٤). واستدلوا لهذا الوجه بعدة روايات, مضافاً لحاكمية العقل, وسيرة العقلاء(٥٥).

كما لا شبـهة في تحريـم التـولـي والتصـدي للأمـور من قبل السـلطان الجـائر, بل مطلق الارتباط به (وهي صيرورته واليا على قوم منصوبا من قبله)(٥٦).

وهذه الرتبة من الولاية حكم الفقهاء بالجملة(٥٧), وبلا خلاف(٥٨), بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه(٥٩) بالحرمة, لكونها إعانة للظالم موجبة لتقويته, وإعلاء لشانه وشوكته, ويدل على ذلك العقل والنقل:

أمّا العقل فوضوحه يكمن في أن الظلم مثلما هو في حدّ ذاته قبيح عقلا, فتقوية الظالم قبيحة أيضاً.

وأمّا النقل فمن الكتاب فقد وردت عدَّة من الآيات, كقوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار}(٦٠), ذكر في الكشاف أن النهي الوارد في الآية (متناول للانحطاط في هواهم والاندفاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم والرضا بأعمالهم والتشبّه بهم والتزيّن بزيهم, ومدّ العين إلى زهرتهم, وذكرهم بما فيه تعظيم لهم, وتأمل قوله {ولا تركنوا} فإن الركون هو الميل اليسير وقوله "إلى الذين ظلموا" إلى الذين وجد منهم الظلم ولم يقل إلى الظالمين) (٦١).

وقال في مجمع البيان: (الركون إلى الشيء هو السكون إليه بالمحبة له, والإنصات إليه ونقيضه النفور عنه)(٦٢).

وأمّا الروايات الواردة في المقام فكثيرة, فقد عقد صاحب الوسائل لها باباً خاصا في أبواب ما يكتسب به(٦٣) وهي مسألة الولاية من قبل الجائر.

ومنها: خبر سليمان الجعفري, (قال: قلت لأبي الحسن الرضا g: ما تقول في أعمال السلطان ؟ فقال: يا سليمان الدخول في أعمالهم والعون لهم والسعي في حوائجهم عديل الكفر, والنظر إليهم على العمد من الكبائر التي يستحق بها النار)(٦٤).

ومنها: خبر السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه, (قال: قال رسول الله e: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين أعوان الظلمة ؟ ومن لاق بهم دواة أو ربط كيساً أو مدّ لهم مدة قلم فاحشروهم معهم)(٦٥).

وبالمقابل هناك من الروايات الدالة والحاثة في بعض الأحيان على جواز التولي للمؤمنين من قبل السلطان وإن كان جائراً, ولكن قيّدت بشروط تكفلتها طوائف من الروايات منها(٦٦):

الطائفة الأولى: ما دلّ على الجواز من دون شرط.

الطائفة الثانية: ما يدلّ على الجواز بشرط إذن من الأئمة i.

الطائفة الثالثة: ما دلّ على دخالة النية والقصد في ذلك الأمر.

الطائفة الرابعة: ما يدلّ على الجواز بشرط الاحتجاز من الظلم.

الطائفة الخامسة: ما يدلّ على الجواز في صورة الاضطرار.

الطائفة السادسة: ما دلّ على الجواز بشرط الاتقاء من أموال الشيعة.

الطائفة السابعة: ما دلّ على الجواز بشرط نفع المؤمنين.

الطائفة الثامنة: ما يدلّ على الجواز بشرط كون القصد هو إدخال المكروه على عدوهم.

فهذه الطوائف من الروايات المعتمدة مع غيرها تدل على جواز الولاية من قبل السلطان الجائر, ولسنا في مقام محاكمة الروايات متناً وسنداً ودلالة, وذكر تفاصيل تلك الولاية وشروطها, بقدر ما نحن بصدد تصحيح عمل المجالس بنية الأمر بالمعروف ودفع الفساد والمنكر مع ملاحظة جميع الأقوال في شرعية قيام الدولة مع غياب الفقيه على رأسها, وحتى على تقدير كون مثل هذه الدولة جائرة بالاصطلاح الفقهي.

وقد أوجد الفقهاء صيغة جمع بين تلك الروايات المانعة والمجوّزة من جهة, وحمل المجوّزة أو تصحيحها في حالتين وهما:

الحالة الأولى: جواز الدخول للقيام بمصالح المؤمنين وعدم ارتكاب ما يخالف الشرع المبين, ويدخل في ذلك ما ذكره جماعة(٦٧) من توقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الوسط العام على التوالي والاستمرار وهي كثيرة:

فمنها: ما رواه الصدوق عن علي بن يقطين قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر g, (إن لله تبارك وتعالى مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه)(٦٨).

ومنها: وما رواه الصدوق عن الصادق g, (قال: كفّارة عمل السلطان قضاء حوائج الإخوان)(٦٩).

ومنها: ما رواه زياد بن أبي سلمة, (قال: دخلت على أبي الحسن موسى g, فقال لي: يا زياد إنك لتعمل عند السلطان, قال: قلت: أجل قال لي: ولم؟ قلت: أنا رجل لي مروءة وعليّ عيال وليس وراء ظهري شيء, فقال لي: يا زياد لئن أسقط من حالق فأتقطع قطعة قطعة أحب إليّ من أن أتولى لأحد منهم عملا أو أطأ بساط رجل منهم إلا لماذا ؟ قلت: لا أدري جُعلت فداك, قال: إلا لتفريج كربة عن مؤمن, أو فك أسره, أو قضاء دينه, يا زياد إن أهون ما يصنع الله a بمن تولّى لهم عملا أن يضرب عليه سرادق من نار إلى أن يفرغ الله من حساب الخلائق, يا زياد فإن وليت شيئا من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك فواحدة بواحدة, والله من وراء ذلك, يا زياد أيّما رجل منكم تولى لأحد منهم عملا ثم ساوى بينكم وبينه فقولوا له أنت منتحل كذاب, يا زياد, إذا ذكرت مقدرتك على الناس, فاذكر مقدرة الله عليك غداً, ونفاد ما أتيت إليهم عنهم وبقاء ما أبقيت إليهم عليك)(٧٠).

الحالة الثانية: جواز الدخول مع الإكراه والتقية وعدم ترتب مفسدة مع الترك أهم من القبول.

ووفق تلك الحالتين أوجد الفقهاء أوجه جمع بين الأخبار الصحيحة:

١ ـ قال صاحب مفتاح الكرامة في معرض جمعه لتلك الأقسام, فقد اختار أقساماً ثلاثة للجمع اشتمل القسم الثالث على وجهين من تلك الطوائف من الأخبار:

(الثالث: أن لا قصد له إلا محض فعل الخير أما ليقوم بما لزمه من إقامة الأحكام التي نصب لها من الإمام, كان يكون فقيها أو ليتمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنهما واجبان عليه إذا لم يكن فقيها, ولا غرض له غير ذلك من مال أو جاه أو لولده أو أقاربه. وقد يكون المراد من أخبار هذا القسم انه بفعل ذلك كله مع الاضطرار إلى الدخول في عملهم تقية, وعلى هذين الوجهين يحمل دخول علي بن يقطين, ومحمد بن إسماعيل بن بزيع, والنجاشي وكذلك علم الهدى, والخواجة نصير الدين الطوسي وابنـه أصيـل الدين والمحـقـق الثاني والبهائي والمجلسي ونحوهم "رحمهم الله" كل بحسب حاله)(٧١).

وأيدّ هذا الجمع أيضاً السيد الخميني S (٧٢).

٢ ـ وذكر صاحب الجواهر جمعاً آخر: (والأحسن منه الجمع بحمل نصوص المنع على الولاية على المحرمات أو الممزوجة بالحرام والحلال, ونصوص الجواز على الولاية على المباح كجباية الخراج ونحوه مما جوز الشارع معاملة الجائر فيه معاملة العادل, وأمّا نصوص الترغيب فعلى الدخول للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وحفظ أنفس المؤمنين وأموالهم وأعراضهم وإدخال السرور عليهم)(٧٣).

ولعلّ من جملة الأسباب في حفظ كيان الشيعة وتقويته هي اتصال مجموعة من رجال الشيعة بجبابرة زمانهم والدخول في أعمالهم وقبول المناصب من قبلهم, ومن المعلوم أن تقلّدهم للوزارة وتصديهم لأمور الدولة لم يكن كله بدون إذن ورضا من الأئمة g.

فقد تقلّد الوزارة من قبل السفاح أول ملوك بني العباس أبو سلمة الخلال الكوفي الهمداني, وبعده محمد بن إسماعيل بن بزيع من قبل المنصور, وعلي بن يقطين وجعفر بن محمد بن أشعث الخزاعي من قبل هارون الرشيد, وكان الفضل بن سهل ذو الرئاستين وأخوه وزيرين للمأمون, وجعفر بن محمود الاسكافي وزيراً للمعتز والمهتدي.

وتصدى للوزارة من جانب المعتصم آخر ملوك بني العباس أبو طالب محمد بن أحـمـد العلـقـمـي, وتقلد هو منـصب الوزارة بعـد انقراض العباسيين لهولاكو المغولي(٧٤).

وقد روى الكشي في ترجمة محمد بن إسماعيل بن يزيع عن مولانا الرضا g: (أن لله تعالى بأبواب الظالمين من نور الله به البرهان, ومكّن له في البلاد, ليدفع بهم عن أوليائه ويصلح الله تعالى به أمور المسلمين لأنهم صلحاء المؤمنين.. إلى أن قال: أولئك المؤمنون حقا أمناء الله في أرضه, أولئك نور الله في رعيتهم, يوم القيامة يزهر نورهم لأهل السماوات كما تزهر الكواكب الزهرية لأهل الأرض, أولئك من نورهم نور القيامة تضيء, خلقوا والله للجنة, وخلقت الجنة لهم فهنيئا لهم ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كله, قال: قلت بماذا جعلني الله فداك؟ قال: يكون معهم فيسروا بإدخال السرور على المؤمنين من شيعتنا فكن منهم يا محمد)(٧٥).

كما أن منهم مَن تقلّد الإمارة أو الكتابة أو الخزانة كإمارة آل أبي فراس الشيباني وإمارة عبد الله النجاشي على الأهواز وفارس, وقيادة طاهر بن الحسين الخزاعي وأولاده من جانب المأمون. وكان عبد الله بن سنان خازنا للمنصور والهادي للمهدي, وهو من ثقات أصحاب أبي عبد الله g.

إذاً مسألة تسلّم منصب أو وظيفة نائب في المجالس البرلمانية أمر جائز, وعلى هذا تتشكل المجالس النيابية لغرض إدارة شؤون الأمة بعد عدم تصدي الحاكم الشرعي لسبب أو لآخر من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الدليل الثالث: ولاية عدول المؤمنين أو ثقاتهم, حيث يمكن استفادة تشكيل المجالس النيابية من باب وصول النوبة بالولاية إلى ولاية عدول المؤمنين من بعد عدم تصدي الولي الشرعي أو الحاكم لتلك المهمة إلى ولاية عدول المؤمنين, وقد استدل لها بوجهين:

أولا: ما عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: مات رجل من أصحابنا ولم يوص, فرفع أمره إلى قاضي الكوفة فصير عبد الحميد القيم بماله, وكان الرجل خلف ورثة صغاراً ومتاعاً وجواري, فباع عبد الحميد المتاع, فلمّا أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهن إذ لم يكن الميت صير إليه وصيته, وكان قيامه فيها بأمر القاضي لأنهن فروج, قال: فذكرت ذلك لأبي جعفر, وقلت له: يموت الرجل من أصحابنا, ولا يوصي إلى أحد, ويخلف جواري فيقيم القاضي رجلا منا فيبيعهن, أو قال: يقوم بذلك رجل منا فيضعف قلبه لأنهن فروج, فما ترى في ذلك؟ قال: فقال: (إذا كان القيم به مثلك ومثل عبد الحميد(٧٦) فلا بأس)(٧٧).

ومن المعلوم أن جو الرواية يوحي بالانتقال الترتيبي إلى القاضي المنصوب من قبل الحاكم الرسمي للعباسيين وليس من قبل ولي الفقيه الإمام, لأنه لم تكن له اليد المبسوطة في الحكم.

ثانياً: أن تلك الولاية متضمنة للوثاقة والأمانة وذلك من خلال كلام الإمام g لابن بـزيـغ بعـدم البـأس إذا كـان القيـام بـهذه المـهمـة ـ الـقيـمـومة ـ لمثـلـك أو مثل عبـد الحميد يحتمل منه أن القيم مثلك عدة احتمالات:

(١) التماثل في المذهب.

(٢) العدالة.

(٣) الفقاهة لكون محمد بن إسماعيل بن بزيغ من الفقهاء ومن مشايخ ابن  شاذان.

(٤) مجرد الوثاقة.

ولا سبيل إلى الأول لأن القيام بهذه المهمة أحد طرق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يثبت ذلك لمن كان مؤمناً, كان الإيمان بالمعنى الأعم أو الأخص.

كما لا سبيل إلى الثاني العدالة بمعناها الاصطلاحي وهي (الملكة) فإن العمل على أساس ذلك المعنى يوقف الكثير من الأعمال, والعُرف لا يساعد على ذلك.

وهكذا الثالث لعدم اعتبار الفقاهة مجردة عن غيرها العدالة أو الوثاقة.

فيبقى الاحتمال الأخير وأن المراد من المثلية هو المثلية في الوثاقة, فالعُرف يرى أن المراد بتلك العدالة: الاستقامة والوثوق, لعدم الدليل على غيرهما, وأكّد هذا المعنى السيد السبزواري S: (ولا دليل على تعيين العدالة, والمنساق العُرفي من الوثاقة والأمانة وإتيان العمل على طبق الوظيفة الشرعية) (٧٨).

وتدل على ذلك صحيحة علي بن رئاب (قال: سألت أبا الحسن موسى, عن رجل بيني وبينه قرابة, مات وترك أولاداً صغاراً وترك مماليك وله غلمان وجواري ولم يوصِ, فما ترى في من يشتري منهم الجارية يتخذها أم ولد ؟ ما ترى في بيعهم؟ قال: فقال: إن كان لهم ولياً يقوم بأمرهم باع عليهم ونظر لهم وكان مأجوراً فيهم, قلت: فما ترى في من يشتري منهم الجارية فيتخذها أم ولد؟ فقال: لا بأس بذلك إذا أنفـذ ذلك القيـم لهم النـاظـر في ما يصـلحهم, وليـس لهم أن يرجعوا في ما صنع القيم لهم الناظر في ما يصلحهم) (٧٩).

فالصحيحة تحدد من خلال (الناظر في ما يصلحهم) عمله, وتقتضي وظيفته الشرعية كفاية الوثاقة والأمانة.

وأيضا تدل على الوثاقة: موثقة زرعة(٨٠) عن سماعة (قال: سألته عن رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية, وله خدم ومماليك وعقد(٨١) كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث؟ قال: إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا باس)(٨٢).

وهذه الموثقة تدل صراحة على كفاية الوثاقة والأمانة في تصرف المتصدي لتلك الأعمال وهو الناظر, فتتشكل مجالس النواب من ثقات الأمة لحل قضاياها.

الدليل الرابع: دفع الأفسد بالفاسد.

وبهذه الأولوية يمكن تصحيح عمل المجالس النيابية التشريعية ضمن مقارنة بين أفضلية الحكم الدستوري بالحكم الاستبدادي, وتكون الدرجة الكسبية للحكم الدستوري الفساد عند مقارنته بحكومة الأنبياء مطلقا, أو حكومة النبي e خصوصاً(٨٣).

وكما تدل عليه الآيات في ضمن مجموعات ثلاث:

المجموعة الأولى: ما تنص على وجوب إطاعة الرسول محمد e مطلقا مثل قوله تعالى: {ومَن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتولّ يعذبه عذاباً أليماً}(٨٤).

المجموعة الثانية: الآيات التي توبّخ وتحذّر الذين يسلكون طريق عصيان الرسول الأكرم e كقوله تعالى: {ومَن يعصِ الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله

ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين}(٨٥).

المجموعة الثالثة: الآيات التي تصرح بأن قضاء النبي الأعظم محمد e وإطاعته أمر واجب في ظل حكومته وقضائه, نحو قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا}(٨٦).

أو مقارنتها ـ أي الحكومة الدستورية ـ بحكومة (أولي الأمر) في القرآن الكريم بقوله تعالى: {يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فـإن تنـازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}(٨٧).

فقد دلّت مصادر علماء الشيعة على أن (أُولي الأمر) هم الأئمة الاثنا عشر i, أي الإمام علي وأبناؤه المعصومين i.

وبالإضافة إلى مفاد الآية فقد وردت آيات وروايات كثيرة في تفسير الآية كلها تثبت أن هذا التفسير نحو آية التصدق بالخاتم بقوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}(٨٨), وغيرها من الآيات والروايات التي توافر عليها صاحب الميزان في تفسيره(٨٩) والدالة على الولاية بمعنى الرئاسة والتصرف والقيادة المادية والمعنوية.

والأفسد من ذلك ـ أي من الحكومة الدستورية – حكومة الطواغيت والاستعباد والاستبداد المبني على الهوى والتحكم الشخصي في السلطة حيث يكون البديل الأفضل من حكومة الاستبداد هي الحكومة الدستورية المبنية على حلّ معضلة مشروعية الحاكم من خلال إيجاد دستور يحدد وظائف السلطان وكيفية إقامتها وعدم التدخل في غير ما يحدده الدستور إليه من وظائف, مضافاً إلى إنشاء هيأة مراقبة تراقب وتحاسب عمل السلطان عند انحرافه عن جادة الصواب.

وقد نبّه الميرزا النائيني S على تلك الصورة ـ دفع الفاسد بالأفسد ـ في معرض كلامه عن الظالم أو المستبد باعتلائه منصب الحكم حيث تكون المغصوبية لذلك المقام وفق منظورين:

أولاً: غصب مقـام الإمامة حسب التصور الامامي, لأن هذا المنصب الرئاسي لا يشغله إلا إمام أو نائب للإمام.

ثانياً: غصب حقوق الآخرين وعدم إطلاق حرية الآخرين في الاعتراض, وإبـداء الرأي ربمـا يحـقـق العـدالة بيـن النـاس بـيـنـمـا في ظـل الحـكـومـة الدسـتـورية  ـ المشروطة ـ تكون الغصبية لمقام الإمامة فقط.

قال S: (وغاية ما يمكن إيجاده ونهاية ما يمكن تصوره اطراده كبديل بشري طبيعي عن تلك العصمة العاصمة – حتى مع مغصوبية المقام – هو حل يكون بمثابة المجاز عن تلك الحقيقة وظل تلك الصورة, ويتوقف الحل على أمرين)(٩٠), وهما إيجاد دستور وأحكام المراقبة والمحاسبة.

الدليل الخامس: الحسبة, ويمكن استفادة تشكيل المجالس النيابية وشرعية ممارسة أعضائها من خلال أدلة الأمور الحسبية, والحسبة هي: (كل معروف عُلم إرادة وجوده في الخارج شرعاً من غير موجد معين)(٩١).

و(المعروف) الوارد في التعريف لا يراد منه المعروف الذي كان متعلقاً بالواجبات والمستحبات والمحرمات أو ما يتعلق بقضايا الأشخاص(٩٢) من قبيل القاصرين باليتم أو الجنون, حيث دلّت أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, بأدلة خاصة أوجبته ووجهت المكلف إلى تلك الأمور بل المعروف المراد به في هذا المقام هو (الأمور التي يتوقف عليها انتظام حياة الجماعة والمجتمع, بحيث يعم أثرها إذا وجدت, ويعم ضرر فقدانها ولم يتوجه التكليف بها إلى شخص معين أو جـماعة معيـنـة, وإنما كـلّف بالقيـام لها من الأمة, ولو فقد القادرون والمؤهلون لوجب إعدادهم وتأهيلهم من باب الحسبة, ومن باب وجوب حفظ النظام)(٩٣).

وهذا التكليف الموجه إلى الفرد أو الجماعة قائم حتى مع وجود المعصوم, إلا أن تطبيقه معلّق لأنه هو الحكم السياسي الفعلي, أما مع عصر الغيبة والقول بها, ذهب الشيخ شمس الدين (ت ١٤١٥هـ) من خلال أن ولاية الأمة على نفسها توجب للإنسان عادلا كان أم فاسقاً, ومن باب الحسبة التدخل في ما يتعلق بقضايا النظام العام في المجتمع, لأنها من الولايات الأصلية غير المتفرعة عن ولاية أحد إماماً كان أو فقيهاً أو غيرهما.

فتكون الحسبة شاملة لكل مورد فيه إيجاد للمعروف بمعناه المتقدم, وهي درجة تصل النوبة إليها مع تعذّر الحاكم العادل على رأس السلطة, أو كان موجوداً ولكن يتعذّر الوصول إليه حتى يرجع إليه.

والحسبة ثابتة مواردها بالكتاب والسنة والإجماع والعقل:

أمّا من الكتاب فالعمومات نحو قوله تعالى: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}(٩٤), وقوله تعالى: {ما على المحسنين من سبيل}(٩٥), بعد معلومية التصدي من قبل نواب الأمة على أن عملهم هذا إحسان.

وأمّا من السنة فما دلّت عليه روايات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتكون الحسبة داخلة تحت عنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكن (المعروف) ما كان بالمعنى الثاني.

مضافاً إلى أن مشروعية الحسبة قد دلّ عليها الإجماع بقسميه ـ المحصّل والمنقول ــ, بل وبضـرورة العـقـل الحـاكـم بـوجـوب حفظ النظام(٩٦).

وعلى هذا تكون الحسبة مشروعاً آخر لتشكيل المجالس النيابية على غرارها, واختلفوا في المحتسب هل يكون من أهل الاجتهاد الشرعي أو العُرفي؟ على وجهين:

(أن يكون من أهل الاجتهاد العُرفي دون الشرعي, والفرق بينهما أن الاجتهاد الشرعي ما روعي فيه أصل ثابت ثبت حكمه بالشرع, والاجتهاد العُرفي ما ثبت حكمه بالعُرف لقوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعُرف(٩٧)})(٩٨).

قال الماوردي عن عمل المحتسب: (هو منصوب لإزالتها ـ أي المنكرات ـ واختصاصها بمعروف بيّن هو مندوب إلى إقامته, لأن موضوع الحسبة إلزام الحقوق والمعونة على استيفائها)(٩٩).

بل استطاع الميرزا النائيني S من خلال الحسبة التأسيس لمشروعية السلطة في عصر الغيبة إضافة إلى سلطتها, حيث عدّ الحسبة من الواجبات الكفائية التي لا تسقط في أي حال حتى لو لم يتمكن الفقيه ـ باعتباره نائباً عن الإمام g ـ منها أو عدم قيامه بها, خصوصاً عناصرها المهمة مثل حفظ نظام الأمة وحفظ بيضة الإسلام فإن هذه واجبات لا تسقط عن بقية المسلمين(١٠٠).

هذا أهم ما يمكن الاستدلال به لمشروعية إقامة المجالس النيابية من غير الفقهاء بالأدلة العامة بعد أن كان هذا النظام مستحدثاً في أنظمة بناء الدولة الحديثة.

 

 

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. أجوبة المسائل الحاجبية, الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المفيد S ت (٤١٣هـ)، تحقيق: على اكبر الخراساني، مجمع البحوث الاسلامية: بيروت، الطبعة الاولى: ١٤١٤هـ.
  3. الاحكام السلطانية والولايات الدينية، علي بن محمد بن حبيب الماوردي ت (٤٥٠هـ)، دار الكتب العلمية: بيروت، الطبعة الأوّلى.
  4. اساس الحكومة الاسلامية، السيد كاظم الحائري: مطبعة الطهور: ايران، الطبعة الثانية: ١٤٢٧هـ.
  5. الاسلام يقود الحياة، السيد محمد باقر الصدر S: مؤسسة الهدى الدولية للنشر، ايران، الطبعة الاولى: ١٤٢١هـ.
  6. اصول الفقه، الشيخ محمد رضا المظفر S ت (١٣٨٨هـ)، مؤسسة النشر الاسلامي: قم المقدسة.
  7. الأصول من الكافي, الشيخ ابي جعفر محمد بن يعقوب بن اسحاق الرازي الكليني S: ت (٣٢٩هـ)، تحقيق: علي اكبر الغفاري، مطبعة: حيدري، الطبعة الخامسة: طهران: ١٣٦٣ش.
  8. اكمال الدين واتمام النعمة، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الصدوق S ت (٣٨١هـ)، تحقيق: علي اكبر الغفاري، ١٤٠٥هـ، نشر: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة.
  9. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, السيد محمد باقر الحكيم S، مطبعة ستارة: قم، ط١، ١٤٢٨هـ.
  10. بحار الأنوار، الشيخ محمد باقر المجلسي S ت (١١١هـ), مؤسسة الوفاء: بيروت، الطبعة الثانية: ١٩٨٣م.
  11. بلغة الفقيه, السيد محمد بحر العلوم S ت (١٣٢٦هـ)، ، تحقيق السيد حسين بحر العلوم S، منشورات مكتبة الصادق، طهران، الطبعة الرابعة: ١٤٠٣هـ.
  12. تأريخ الشيعة.
  13. التبيان في تفسير القرآن ، ابي جعفر محمد بن الحسن الطوسي S ت (٤٦٠هـ)، مطبعة مكتب الاعلام الاسلامي: قم المشرفة الطبعة الأولى: ١٤٠٩هـ.
  14. التقريرات الأصولية لسماحة السيد محمد باقر السيستاني دامت إفاداته (الدورة الأولى: مخطوط).
  15. تنبيه الأمّة وتنزيه الملّة، الميرزا النائيني S, تعريب: عبد الحسن ال نجف، تحقيق: عبد الكريم ال نجف، مطبعة سبهى، ط١، ١٤١٩هـ.
  16. التنقيح في شرح العروة الوثقى, الشيخ علي الغروي S, كتاب الاجتهاد والتقليد، تقريرات بحث آية الله العظمى السيد ابو القاسم الخوئي S، الناشر: دار الهادي للمطبوعات: قم، الطبعة الثالثة: ١٤١٠هـ.
  17. تهذيب الاحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد S، الشيخ محمد بن الحسن الطوسي S ت (٤٦٠هـ)، مطبعة خورشيد: طهران، الطبعة الرابعة: ١٤٠٦هـ.
  18. جامع الرواة وازاحة الاشتباهات عن الطرق والاسناد، الشيخ محمد بن علي الاردبيلي ت (١١٠١هـ): منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم المقدسة، ١٤٠٣هـ.
  19. جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام (الجواهر)، الشيخ محمد حسن النجفي S ت (١٢٦٦هـ): دار الكتب الاسلامية: طهران، الطبعة الثانية: ١٤٠٧هـ.
  20. الحدائق الناضرة، الشيخ يوسف البحراني S ت (١١٨٦هـ)، مطبعة دار الأضواء: بيروت، الطبعة الثالثة: ١٩٩٣هـ.
  21. الحقوق والسياسة في القرآن, الشيخ مصباح يزدي، دار التعارف للمطبوعات: بيروت، الطبعة الاولى: ١٤٢١هـ.
  22. الحكومة الاسلامية, السيد روح الله الخمينيS ت (١٤١٠هـ)، الطبعة الرابعة، قم المقدسة.
  23. رسائل الكركي، المحقق علي بن الحسين الكركي S ت (٩٤٠هـ), تحقيق الشيخ محمد الحسون، اشراف: السيد محمود المرعشي، الطبعة الاولى، ١٤٠٩هـ، مطبعة: الخيام، الناشر: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي: قم.
  24. رياض المسائل، السيد علي الطباطبائي S، ت (١٢٣١هـ): مطبعة دار الهادي: بيروت، الطبعة الاولى: ١٩٩٢هـ.
  25. الشافي في الامامة، السيد المرتضى S, تحقيق: السيد عبد الزهرة الخطيب، مطبعة شريعت: طهران، ط٢: ١٤٢٦هـ.
  26. شرائع الاسلام في مسائل الحلال والحرام، المحقق نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي S، ت (٦٧٦هـ): مطبعة أمير: قم المقدسة، الطبع الثانية: ١٤٠٩هـ.
  27. عوائد الايام, الشيخ احمد بن محمد النراقي S ت (١٢٤٥هـ), تحقيق مركز الابحاث والدراسات الاسلامية، الناشر: مركز النشر التابع لمكتب الاعلام الاسلامي، الطبعة الاولى: ١٤١٧هـ.
  28. الغيبة ، محمد بن الحسن الطوسي S ت (٤٦٠هـ)، تحقيق: الشيخ عبد الله الطهراني، الطبعة الاولى، ١٤١١هـ، المطبعة: بهمن، نشر: مؤسسة المعارف الاسلامية: قم المقدسة.
  29. الفقيه والدولة, فؤاد ابراهيم، دار احياء التراث: بيروت، ط١: ٢٠١٠م.
  30. في الاجتماع السياسي, الشيخ محمد مهدي شمس الدين S، دار الهادي: بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٩هـ.
  31. قاعدة لا ضرر ولا ضرار, السيد علي السيستاني F, مطبعة: مهر، قم المقدسة، ط١، ١٤١٤هـ.
  32. القاموس القانوني الثلاثي, موريس نحلة، روسي البلجيكي، صلاح مطر: منشورات الحلبي الحقوقية: بيروت، الطبعة الاولى: ٢٠٠٢م.
  33. كتاب معالم القربة في احكام الحسبة, محمد احمد القرشي ت (١٣٢٩هـ)، تحقيق: د. محمد محمود شعبان واحمد المطبعي، المطبعة المصرية العامة: مصر، الطبعة الاولى: ١٩٧٦.
  34. الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الاقاويل في وجوه التأويل، جار الله محمود الزمخشري ت (٥٣٨هـ)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي: مصر: ١٩٦٦م.
  35. لسان العرب، جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور ت (٧١١هـ)، دار الكتب العالمية: بيروت، الطبعة الاولى: ٢٠٠٥م.
  36. مجمع البيان في تفسير القرآن, الطبرسي S.
  37. مستند الشيعة في احكام الشريعة, الشيخ احمد بن محمد النراقي S ت (١٢٤٤هـ)، مطبعة ستارة: قم المقدسة، الطبعة الاولى: ١٤١٥هـ.
  38. مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، محمد جواد الحسيني
    العاملي S ت (١٢٢٦هـ)، مطبعة مؤسسة النشر الاسلامي: قم المقدسة، الطبعة الاولى: ١٤١٩هـ.
  39. المفردات في غريب القرآن (المفردات)، ابي القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني ت (٥٠٢هـ)، الناشر: دفتر نشر الكتاب، قم، الطبعة الثانية: ١٤٠٤هـ.
  40. مقاربات استدلالية في الفقه المقارن, د. عبد الامير زاهد، دار الضياء للطباعة والنشر: النجف الاشرف، الطبعة الاولى، بلا.
  41. مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين, علي بن اسماعيل الاشعري ت (٣٢٤هـ)، دار نشر فرانز ستانيز: قيسبادان، الطبعة الثالثة: ١٤٠٠هـ.
  42. المكاسب المحرمة، السيد روح الله الخميني S، ت (١٤١٠هـ): مؤسسة اسماعيليان للطباعة والنشر: قم المشرفة، الطبعة الثالثة: ١٤١٠هـ
  43. المكاسب المحرمة، الشيخ مرتضى الانصاري S ت (١٢٨١هـ), مطبعة باقري: قم المقدسة، الطبعة الاولى: ١٤١٥هـ.
  44. ملكية الدولة, جعفر الحكيم واحمد الماحوزي, محاضرات الشيخ محمد السند، دار الغدير: قم، الطبعة الاولى: ١٤٢٣هـ.
  45. مهذب الاحكام في بيان الحلال والحرام، السيد عبد الاعلى السبزواري ت (١٤١٤هـ): مطبعة الآداب: النجف الاشرف، ١٩٧٧م.
  46. الميزان في تفسير القرآن, السيد محمد حسين الطباطبائي S.
  47. النصوص الواردة عن سماحة السيد السيستاني F في المسألة العراقية، حامد الخفاف, دار المؤرخ العربي: بيروت، ط١، ٢٠٠٦.
  48. نظام الحسبة في الاسلام بين التنظير والتطبيق, موسى نصار، مطبعة دار الهادي: بيروت، الطبعة الاولى: ١٤٢٣هـ.
  49. نظام الحكم والادارة في الاسلام، الشيخ مهدي شمس الدين S، المؤسسة الدولية للدراسات والنشر: بيروت، الطبعة السابعة: ١٤٢٠هـ.
  50. نظرية الحكم في الفقه الشيعي, محسن لكديفر، ترجمة دار الجديد: بيروت، الطبعة الاولى: ٢٠٠٠م.
  51. نظرية الدولة الاسلامية الحديثة, علي المؤمن: كتاب النكاح، كتاب المنهاج مجموعة من الباحثين: الدين والسياسة، الغدير للطباعة والنشر، الطبعة الاولى: ١٤٢٤هـ.
  52. النهاية في مجرد الفقه والفتاوى (النهاية)، الشيخ محمد بن الحسن الطوسي S، ت (٤٦٠هـ): مطبعة قدس محمدي: قم المقدسة.
  53. نهج البلاغة, خطب الامام علي ت (٤٠هـ)، شرح الشيخ محمد عبده مطبعة النهضة: قم المقدسة، الطبعة الاولى: ١٤١٢هـ.
  54. وسائل الشيعة في تحصيل الشريعة (الوسائل)، محمد بن الحسن الحر العاملي S ت (١٠١٤هـ)، مؤسسة آل البيت E لأحياء التراث: قم المقدسة، الطبعة الثانية: ١٤١٤هـ.
  55. ولاية الفقيه العامة في الميزان, محمد جميل العاملي، مطبعة مركز العترة للدراسات والبحوث: بيروت، الطبعة الاولى: ١٤٢٤هـ.

 

 

 

(١) ينظر: الشافي في الإمامة للسيد المرتضى S: ١/١٠-١٢, أجوبة المسائل الحاجبية للشيخ المفيد S: ٨٩.

(٢) مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري: ٥٨.

(٣) نظريات الدولة الاسلامية الحديثة, علي المؤمن: كتاب المنهاج: ٣٤٢.

(٤) تنبيه الامة وتنزيه الملة للميرزا النائيني S : ٣١٣.

(٥) الكافي للشيخ الكليني S: ج١: باب اختلاف الحديث: حديث: ١٠.

(٦) تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي S: ج٦، باب في القضايا والاحكام، حديث: ٥٣. الوسائل ج١٨ باب١١ من ابواب صفات القاضي، حديث: ٦.

(٧) الغيبة, الشيخ الطوسي S: ١٧٧. إكمال الدين واتمام النعمة, الشيخ الصدوق S، باب ٤٥ التوقيعات، التوقيع الرابع: ٤٨٤.

(٨) التنقيح في شرح العروة الوثقى, بحوث السيد الخوئي S, بقلم الميرزا علي  الغروي S : ٤٢٤.

(٩) الدولة الدينية: ان الضوابط في اثبات تلك الدولة دينية أو غير دينية تكون على أمور: أولاً: الشعب: فان كان الاكثرية متدينة فهو ديني وإلا فلا.

ثانياً: الشرعية: فان حازت الدولة على الشرعية الدينية من قبل الجهات الدينية فتكون دينية وإلا فلا.

ثالثاً: الالتزام بالدين: فالدولة الملتزمة في ادائها السياسي القانوني والاقتصادي فهي دينية وإلا فلا. ينظر: فلسفة الدولة في الفكر السياسي الشيعي, د. محمد شقير: ٨٠.

(١٠) ينظر: نظريات الحكم في الفقه الشيعي, محسن لكديفر: ٨.

(١١) ينظر: الفقيه والدولة, فؤاد ابراهيم: ١١٩.

(١٢) الرسائل, المحقق الكركي S : ١/ ١٤٢.

(١٣) عوائد الايام, الشيخ احمد النراقي S : ٥٣٦.

(١٤) جواهر الكلام, الشيخ محمد حسن النجفي S : ٢/٣٩٧.

(١٥) ينظر: الحكومة الإسلامية, السيد الخميني S : ٧.

(١٦) ينظر: المكاسب, الشيخ مرتضى الانصاري S : ٣/٥٤٧: تحقيق السيد محمد كلانتر. ولاية الفقيه في الميزان, محمد جميل العاملي: ٢٧٣.

(١٧) تنبيه الأمة وتنزيه الملَّة للميرزا النائيني S : ٢٨٤.

(١٨) تنبيه الأمة وتنزيه الملَّة للميرزا النائيني S : ١٠٥.

(١٩) موقف فقهاء الامامية من نظرية الشورى في عصر الغيبة له ثلاثة اتجاهات: 

 الاتجاه الأول: رفض نظرية الشورى في الحكم مطلقا, وعدّها البعض منهج المعادين لأهل البيت i، وأنها وافدة من الغرب. (ظ: السيد كاظم الحائري: أساس الحكومة الإسلامية: ٢٩-٣٠).

الاتجاه الثاني: الجمع بين ولاية الامة (الشورى) وبين ولاية الفقيه (النص) والتي تبناها السيد محمد باقر الصدر S. (ظ: الصدر: الإسلام يقود الحياة: ١٣- ١٤).

الاتجاه الثالث: التمسك بنظرية الشورى: والتي دعا لها الميرزا النائيني S في احدى لوائح الدستور, وقال بها الشيخ شمس الدين، وغيره,  وانها لا تكون معادية لولاية أمير المؤمنين g ولا تصح خلافة المنازعين له لوجود النص عليه, أما في عصر الإجتهاد فالنصوص الدالة على منح الفقيه سلطات المعصوم g فهي محل نظر.

(٢٠) ينظر: الفقه الدستوري في مدرسة النجف, د. عبد الأمير زاهد, بحث منشور ضمن ابحاث كتاب: مقاربات استدلالية في الفقه المقارن: ٢٤١.

(٢١) ينظر: نظام الحكم والادارة في الاسلام, شمس الدين: ٤٣٠.

(٢٢) سورة الأحزاب: ٦.

(٢٣) سورة النساء: ٥٩.

(٢٤) سورة التوبة: ٧١.

(٢٥) ينظر: نظام الحكم والادارة في الاسلام, شمس الدين: ٤١٠.

(٢٦) في الاجتماع السياسي, محمد مهدي شمس الدين: ١٠٧.

(٢٧)سورة آل عمران: ١٥٩.

(٢٨) وهي النظرية التي تبنتها المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف المتمثلة بالسيد السيستاني F, بعدما أوجب عليه الواجب الشرعي التدخل في الأمور العامة.

(٢٩) قاعدة لا ضرر ولا ضرار, للسيد السيستاني F : ٢٠٤.

(٣٠) اقتبستُ هذه الأسس - بتصرف- مما ورد في التقريرات الأصولية لسماحة السيد محمد باقر السيستاني دامت إفاداته (الدورة الأولى: ٢٦١-٢٦٢) في تحليلٍ لحقيقة الحكم لسماحة السيد السيستاني F.

(٣١) سورة المائدة: ١.

(٣٢) النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية, حامد الخفاف: ٩٣. مقابلة شبكة CNN في ٢٤/ ذي الحجة/ ١٤٢٤هـ.

(٣٣) ينظر: لسان العرب, ابن منظور: ج١٤: مادة: نخب.

(٣٤) القاموس القانوني الثلاثي, موريس نحلة: ٣٠٢.

(٣٥) مقابلة مراسل واشنطن بوست في ٢٧ شعبان/١٤٢٤هـ

(٣٦) مقابلة شبكة س أن أن في ١٣/ربيع٢/١٤٢٥هـ.

(٣٧) سؤال جمع من المؤمنين في ١٤/ربيع٢/١٤٢٥هـ.

(٣٨) سؤال جمع من المؤمنين في ٢٦/شعبان/١٤٢٥هـ.

(٣٩) سورة المائدة: ١.

(٤٠) سورة الاسراء: ٣٤.

(٤١) ينظر: نهج البلاغة: ٦٥.

(٤٢) بحار الأنوار, المجلسي S: ج٢: باب ما يمكن ان يستنبط من الآيات: حديث: ٧.

(٤٣) ينظر: تنبيه الأمة وتنزيه الملّة, الميرزا النائيني S: ٤٧.

(٤٤) الاسلام يقود الحياة, السيد محمد باقر الصدر S : ١٦٢.

(٤٥) سورة المائدة : ١ .

(٤٦) سورة الإسراء : ٣٤ .

(٤٧) ينظر : الطوسي : التبيان ، ج٢ : ٢٤٨ .

(٤٨) سورة آل عمران : ١١٠ .

(٤٩) سورة الحج: ٤١.

(٥٠) المفردات, الراغب الأصفهاني: ٤٧١.

(٥١) أصول الفقه, الشيخ محمد رضا المظفر S : ١/١٧٢.

(٥٢) التبيان, الشيخ الطوسي S : ٢/٢٤٨.

(٥٣) ينظر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, السيد محمد باقر الحكيم S : ٢٩.

(٥٤) النهاية, الشيخ الطوسي S : ٣٥٦.

(٥٥) المكاسب المحرمة, الشيخ الانصاري S : ٢/٦٧.

(٥٦) المكاسب المحرمة, الشيخ الانصاري S : ٢/٦٩.

(٥٧) منهم المحقق الحلي S , يُنظر: شرائع الاسلام: ٢/١٢, والطباطبائي S , يُنظر: رياض المسائل: ١/٥٠٦.

(٥٨) ينظر: الحدائق الناضرة , الشيخ يوسف البحراني S : ١٨/١٣٤.

(٥٩) ينظر: مستند الشيعة, الشيخ أحمد النراقي S : ١٤/١٩٦.

(٦٠) سورة هود: ١١٣.

(٦١) الكشاف, الزمخشري: ٢/٢٩٦.

(٦٢) مجمع البيان, الطبرسي S : ٥/٢٠٠.

(٦٣) الوسائل, الحر العاملي S ، ج١٢، باب ٤٥ من ابواب ما يُكتسب به، حديث: ١٢.

(٦٤) الوسائل, الحر العاملي S ، ج١٢، باب ٤٥ تحريم الولاية من قبل الجائر إلا ما استثنى، حديث: ١٢.

(٦٥) الوسائل, الحر العاملي S ، ج١٢، باب ٤٢ تحريم معونة الظالمين، حديث: ١١.

(٦٦) الوسائل, الحر العاملي S ، ج١٢، باب ٤٥ تحريم الولاية من قبل الجائر إلا ما استثنى ١ ــ ١٢ رواية.

(٦٧) ملكية الدولة, محاضرات الشيخ السند, جعفر الحكيم واحمد الماحوزي: ٥٢.

(٦٨) الوسائل, الحر العاملي: ج١٢، باب ٤٦ من ابواب ما يكتسب به، حديث: ١.

(٦٩) الوسائل, الحر العاملي: ج١٢، باب ٤٦ من ابواب ما يكتسب به، حديث: ٣.

(٧٠) الوسائل, الحر العاملي: ج١٢، باب ٤٦ من ابواب ما يكتسب به، حديث: ٩.

(٧١) مفتاح الكرامة, محمد جواد العاملي S : ٤/١١٣.

(٧٢) ينظر: المكاسب المحرّمة, السيد الخميني S : ٢/١٢٢.

(٧٣) جواهر الكلام, الشيخ محمد حسن النجفي S : ٢٢/١٦٢.

(٧٤) ينظر: تاريخ الشيعة: ٦٩.

(٧٥) جامع الرواة: ٢/٦٩.

(٧٦) الظاهر كون عبد الحميد هو ابن سالم الصفار الذي نص على وثاقته كثير من علماء الرجال وقيده به في التهذيب ولم نعثر على نص وثاقة عبد الحميد بن سعيد البجلي، إلا أن الوحيد البهبهاني S استغرب كونه هو واستبعد كونه ابن سالم، معللاً بان أبا جعفر هو الامام الجواد, وابن سالم من أصحاب الامام الصادق والكاظم، ولم يدرك الجواد. وفيه: أنه على القول باتحاد الاسم وأنه من أصحاب الكاظم والرضا أن عبد الحميد ليس راوياً عن الجواد حتى يلزم كونه حياً، وإنما الراوي ابن بزيغ فلا تعارض بالرواية. (ينظر: بلغة الفقه, بحر العلوم S : ٣/٢٩٣).

(٧٧) الوسائل, الحر العاملي, ج١٢, باب ١٧ من ابواب عقد البيع وشروطه، حديث: ٢.

(٧٨) مهذَّب الأحكام, السيد عبد الأعلى السبزواري S: ١٦/٤٢.

(٧٩) الكافي, الشيخ الكليني S : ج٧: باب من مات على غير وصية، حديث: ٢.

(٨٠) الرواية موثقة من حيث درجتها ليست من جهة زرعة فهو ثقة بتصريح النجاشي وانما من جهة سماعة فانه واقفي وقد وثقه النجاشي والطوسي. (ينظر: معجم رجال الحديث, السيد الخوئي S : ٩/٣١٢).

فعليه تكون الرواية موثقة لأنه لا اشكال في وثاقة زرعة وسماعة وحجية روايتهما بناءً على الصحيح مِنْ حجيَّة خبر الثقة وان لم يكن عدلاً، واما بناءً على اختصاص الحجية بخبر العادل فربما يتوهم عدم حجية الرواية من جهة وقف سُماعة.

(٨١) العقد: جمع عقدة: وهي الضيعة والمكان الكثير الشجر. (ينظر: الصحاح: ٢/٥١).

(٨٢) الوسائل, الحر العاملي: ج١٩ باب ٨٨ من أبواب احكام الوصايا، حديث: ٢.

(٨٣) ينظر: الحقوق والسياسة في القرآن, الشيخ محمد تقي المصباح اليزدي: ١٨٧.

(٨٤) سورة الفتح: ١٧.

(٨٥) سورة النساء: ١٤.

(٨٦) سورة الاحزاب: ٣٦.

(٨٧) سورة النساء: ٥٩.

(٨٨) سورة المائدة: ٥٥.

(٨٩) ينظر: الميزان في تفسير القرآن, السيد محمد حسين الطباطبائي S : ٤/٣٨٩ ــ ٤٠٨.

(٩٠) تنبيه الامة وتنزيه الملة, الميرزا النائيني S : ١٠٥.

(٩١) بلغة الفقيه, السيد محمد بحر العلوم S : ٣/٢٩٠.

(٩٢) ينظر: نظام الحسبة في الاسلام, موسى نصار: ١/١٩٥.

(٩٣) نظام الحكم والادارة في الاسلام, محمد مهدي شمس الدين S : ٤٤٢.

(٩٤) سورة البقرة: ١٩٥.

(٩٥) سورة التوبة: ٩١.

(٩٦) ينظر: بلغة الفقيه, محمد بحر العلوم S : ٣/٢٩٠.

(٩٧) سورة الأعراف: ١٩٩.

(٩٨) معالم القرية في احكام الحسبة, أحمد القرشي: ٩.

(٩٩) الاحكام السلطانية, الماوردي: ٢٢٠.

(١٠٠) ينظر: تنبيه الامة وتنزيه الملة, الميرزا النائيني S : ١٠٣.