إبداء المرأة وجهها وكفّيّها
ونظر الرّجل إليهما
الحلقة الثانية
الشيخ جعفر اليعسوبي (دام عزّه)
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكرنا في الحلقة السابقة أنّ في المسألة المبحوث عنها أقوالاً خمسة، وكان القول الأوّل حرمة كشف المرأة لشيءٍ من جسدها للأجنبي، وحرمة نظر الأجنبي إليه، واستُدلّ لذلك بعدّة أدلّة، كان أوّلها الكتاب العزيز الذي استُدلّ بأربع آيات منه. ووصل الكلام إلى الدليل الثاني وهو السُنّة الشريفة:
الدليل الثاني على حرمة النظر إلى وجه المرأة ويديها هو السُنّة:
وهو عدّة روايات:
الرواية الأولى: خبر الخثعمية: أتت رسول الله e في حجة الوداع تستفتيه في الحج وكان الفضل بن عباس رديف النبي e، فأخذ ينظر إليها وأخذت تنظر إليه، فصرف النبي e وجه الفضل عنها، وقال: (رجل شاب وامرأة شابّة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان)(١).
ونظراً إلى ضعفها السندي مال المحقّق الداماد إلى صلاحيّة هذه الرواية لتأييد ما ذهب إليه؛ باعتبار أنّ صرف النبي e وجه الفضل كان من باب النهي عن المنكر، وهو بهذا العمل قد نهى الخثعميّة عن كشف الوجه أيضاً(٢).
أقول: إنّه ـ مع قطع النظر عن ضعفها سنداً ـ لو جعل هذا الخبر مؤيّداً لأدلّة الجواز لكان أقرب من جعله مؤيّداً لأدلة المنع؛ وذلك من وجوه:
الوجه الأوَّل: أنّ اكتفاء النبي e بصرف وجه الفضل وعدم ذمّه له على هذا النظر يدلّ على عدم حرمته؛ لأنّ الردع ينبغي أن يكون بما يناسب ما ردع عنه في شدّة القبح.
الوجه الثاني: أنّ قوله e: (خشيت أن يدخل بينهما الشيطان) يدلّ على أنّ صرف وجهه لم يكن لأجل حرمة النظر، بل لأجل الخوف من الوقوع في الحرام.
الوجه الثالث: أنّ النبي e لم ينه الخثعميّة عن كشف الوجه، وهو تقرير من المعصوم على الجواز، وصرف وجه الفضل لا يلازم ردعها عن عملها.
الوجه الرابع: أنّ هذا يدلّ على أنّ عدم ستر المرأة المسلمة لوجهها كان أمراً طبيعيّاً ولم يكن منكراً شرعيّاً.
الرواية الثانية: معتبرة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله g، قال: (قال أمير المؤمنين g: لا تبدأوا النساء بالسلام، ولا تدعوهنّ إلى الطعام؛ فإنّ النبي e قال: النساء عيّ وعورة، فاستروا عيّهنّ بالسكوت، واستروا عوراتهنّ بالبيوت)(٣).
فقد يقال بدلالتها على حرمة الكشف عن الوجه واليدين؛ لإطلاق كون النساء عيّاً وعورة، ومطلق وجوب الستر يستلزم حرمة مطلق النظر إلى البدن.
ولكنّ هذا الكلام غير تامّ؛ فإنّ الرواية لا تدلّ على حرمة كشف وجه المرأة أمام الأجانب، وإنَّما هو ترغيب وحثّ على عدم خروج النساء من البيوت، ولا يمكن الالتزام بحرمة خروجهنّ من البيت مطلقاً كالدعوة إلى الطعام؛ فإنّه غير محرّم في الشريعة، فغاية ما تدلّ عليه الرواية هو استحباب بقاء المرأة في داخل المنزل، أو كراهة خروجها، فهي مثل ما ورد عن علي g في معتبرة غياث بن إبراهيم، قال مخاطباً لأهل العراق (يا أهل العراق، نُبّئتُ أنّ نساءكم يدافعن الرجال في الطريق، أما تستحيون)(٤).
فإنّ اختلاط النساء مع الرجال في الطريق أو السوق لم يكن في حدّ نفسه محرّماً، لكنّه ممّا يكره في الإسلام، فلا مساس لأمثالها من الروايات بمقامنا.
الرواية الثالثة: صحيحة الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا عبد الله g عن الذراعين من المرأة، هما من الزينة التي قال الله g: >وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ<؟ قال: (نعم، وما دون الخمار من الزينة، وما دون السوارين)(٥).
قال السيّد الخوئي S: (إنَّ ظاهرها هو كون الوجه واليدين من الزينة التي لا يجوز إبداؤها إلَّا للزوج، حيث ألحق (ما دون الخمار) و(ما دون السوارين) إلى الذراعين، فجعل المجموع من مصاديق الآية الكريمة الدالّة على حرمة إبداء الزينة)(٦).
أقول: الاستدلال بهذه الصحيحة على الحرمة مبني على أنّ قوله g: (ما دون الخمار) يشمل الوجه أيضاً، وكذلك (ما دون السوارين) هو ما يكون دونهما إلى أطراف الأصابع. وهذا غير تام:
أوَّلاً: لأنَّ المتفاهم العرفي من مثل هذا الكلام هو الموضع الذي يستره الخمار والسوار.
توضيحه: أنَّ كلمة (دون) تستعمل في معانٍ، أحدها هو الأسفل وتحت، المقابل للفوق، كما ذكر في الصحاح، حيث قال: (دون: نقيض فوق، وهو تقصير عن الغاية)(٧)، قال في لسان العرب: (دون: نقيض فوق، وهو تقصير عن الغاية، ويكون ظرفاً)(٨).
وكذلك تأتي بمعنى خلف وقُدّام، كما ذكره ابن منظور والفيروزآبادي(٩).
ولها معنى ثالث، وهو بمعنى (عند، وأدنى مكان من شيء) كما يقال: (دونك هذا).
ولكن المدّعى أنّ المراد في الحديث هو أحد المعنيين الأوّلين.
وعلى كلّ حال يكون المراد هو ما يستره الخمار والسواران من بدن المرأة، فهذا المقدار من بدنها يكون من الزينة التي يجب سترها. أمّا الوجه والكفّان فهما خارجان عن هذه الزينة، بل هي زينة ظاهرة، فالإمام g كان في مقام تحديد آخِر منطقة من جسم المرأة التي يحرم عليها إبداؤها للأجانب، وهو ما يستره الخمار والسوار، فيصحّ استعمال كلمة (دون) لأداء هذا المعنى؛ لأنَّ هذا المكان هو تحت الخمار والسوار، وكذلك هو خلف الخمار والسوار.
إن قلت: لِمَ لا يكون المقصود هو المعنى الثالث الذي قيل إنّه هو المعنى الحقيقي لكلمة (دون)، فيكون المراد: أنَّ الـمكان القريب من الخمـار والسوار ـ وهو الوجه والكفّان ـ من الزينة الـمحرّم إبداؤها، بل حتَّى لو أريد الـمعنى الأوَّل والثاني فمـن المناسب إرادة الوجه والكفّين منهما؛ لأنّ الوجه هو خلف الخمار وأسفل منه، وكذلك الكفّان بالنسبة إلى السوار، فماذا يمنع من قصد الوجه والكفّين من هذا التعبير؟
قلت: أمّا إرادة الوجه والكفّين باستعمال (دون) في الخلف أو الأسفل فهو بعيد جدّاً؛ فإنّ الوجه ليس أسفل من الخمار، بل ما يحيطه الخمار بشكل دائري، وليس خلف الخمار أيضاً، وكذلك الكفّ لا يقال فيه إنّه خلف السوار. نعم، يمكن أن يصدق عليه أنَّه أسفل من السوار، وكذلك يمكن قصد الوجه والكفّين لو استعمل (دون) بمعنى (قريب) و(عند)، ولكن ندّعي أنّ هذا التعبير ظاهر فيما قلناه.
والوجه فيه: أنّ هناك أموراً أربعة الالتفات إليها يقرّب هذا المعنى، ولاسيّما بضمّ بعضها إلى البعض الآخر.
الأوَّل: هو أنَّ كلمة (دون) إذا أضيفت إلى شيء ملبوس على بدن الإنسان أو غيره تكون ظاهرةً في المكان الذي تحت هذا الملبوس، أي محاطاً به من جسم اللابس، وقصد المعنى الآخر يحتاج إلى قرينة، كما ورد في معتبرة جميل، قال: سألته عن الجريدة توضع من دون الثياب أو من فوقها؟ قال: (فوق القميص ودون الخاصرة)(١٠). فهنا استعمل (دون) بمعنى المكان المستور بالثياب، أي توضع الجريدة ملتصقة بالبدن.
وفي صحيحة إسحاق بن عمّار، قال: قلت: لأبي عبد الله g: المرأة الحائض تعرق في ثوبها؟ قال: (تغسله). قلت: فإن كان دون الدّرع إزار فإنّما يصيب العرق ما دون الإزار؟ قال: (لا تغسله)(١١). يعني أصاب العرق ما تحت الإزار فقط، ولم يصل إليه أصلاً وإلى الجانب الظاهري منه.
قال الشاعر أبو زبيد الطائي:
نِعْمَتْ بِطانةُ يَوْمِ الدَّجْنِ تَجْعَلُها دُونَ الثِّيابِ وقد سَرَّيْتَ أَثْواباً(١٢)
أي تحت الثياب.
وأمّا ما ذكره السيّد عليّ نقي النقويّ S ـ من أنّ تعبير (دون الخمار) و(دون القناع) كان يستعمل لإرادة الوجه منه(١٣)ـ فهو بلا شاهد؛ لأنَّ الشاهد الذي ذكره غير صالح، وهو قول الشاعر:
فأَلْقَت قِناعاً دونه الشمسُ واتّقَتْ بأحسَن موصولَين كفّ ومعصم
فقال: إنّ المراد من الشمس هو الوجه.
ووجه عدم صلاحيّته للشهادة على مدّعاه: هو أنّه هنا توجد قرينة على أنّ المتغزّل بها كانت ساترةً وجهها بالقناع، فلمّا ألقته احتاجت إلى ستر وجهها بالكفّ والمعصم، وعلى هذا يكون البيت المذكور شاهداً لنا، لا له؛ لأنّ دون القناع أريد منه ما كان مستوراً به.
الثاني: أنّه لو كان مراد الإمام g هو بيان أنّ الوجه والكفّين أيضاً من الزينة المنهي عن إبدائها لكان من المناسب جدّاً أن يقول: (نعم، بل الوجه والكفّان من هذه الزينة)؛ لأنّه يكون في مقام دفع توهّم السائل بعدم وجوب ستر الوجه والكفّين. وأمّا التعبير عن هذا المعنى بقوله: (ما دون الخمار) و(ما دون السوارين) فيشبه أن يكون من باب الأكل من القفا، ولم أفهم ما ذكره السيّد عليّ نقي النقويّ من وجه التناسب بين هذا التعبير وبين هذا المعنى من قوله: إنّه لو لم يرد الإمام g هذا المعنى لما ذكر حرف العطف في قوله: (نعم، وما دون الخمار)، بل كان المناسب حينئذٍ أن يقول: (نعم، ما دون الخمار) بدون الواو العاطفة(١٤).
وقد تبيّن من خلال ما تقدّم الاحتياج إلى ذكر حرف العطف؛ لبيان المعنى الذي اخترناه للرواية، وهو بيان آخر منطقة من جسد المرأة يجب ستره عن الأجانب من جهة الرأس واليدين، فكان من المناسب جدّاً أن يعبّر عنه بهذا التعبير.
الثالث: أنّ هذا المعنى هو المنسجم مع بقية الروايات الواردة في تفسير هذه الآية كما في موثّقة زرارة، وصحيحة أبي بصير(١٥)، ومرسلة مسعدة(١٦).
الرابع: أنّـهـا تـدلّ علـى وجـود الارتكاز عـند السائل بعـدم كـون الوجـه والكفّـين من الزينة، والشكّ في الذراع، وإلّا لسأله عنهما، ولـم يُعلم ردع الإمام g عن هذا الارتكاز.
ولعلّ بالنظر إلى هذا أو ذاك ذهب كثير من الأعلام إلى ما اخترناه من المعنى، حتّى أنَّ بعض مَن ذهب منهم إلى عدم جواز إبداء الوجه والكفّين سلّم دلالة هذه الرواية على الجواز..
منهم: الفيض الكاشاني S في الوافي(١٧)، وكذلك السيّد الحكيم S (١٨).
واحتمل هذا المعنى للرواية صاحب الجواهر S (١٩).
وبهذا فسّر الرواية صاحب الحدائق S أيضاً(٢٠)، والمجلسيّ S في مرآة العقول(٢١).
وقد جعل الشيخ الكلينيّ والشيخ الحرّ العامليّ T في الكافي(٢٢) والوسائل(٢٣) هذه الرواية من الروايات الدالّة على استثناء بعض أعضاء بدن المرأة من حكم حرمة النظر.
وعلى هذا فالرواية تصلح للاستدلال بها على القول بالجواز لا الحرمة. هذا أوّلاً.
وثانياً: أنَّه على تسليم عدم ظهور الرواية في المعنى الذي ادّعيناه، فإنّها لا أقل مجملة غير صالحة للاستدلال بها على شيء من الأقوال، كما اعترف به بعض آخر من القائلين بالحرمة(٢٤).
الرواية الرابعة: خبر أبي هريرة وعبد الله بن عباس، قال: خطبنا رسول الله e قبل وفاته ... وقال: (ومن اطّلع في بيت جاره فنظر إلى عورة رجل، أو شعر امرأة، أو شيء من جسدها كان حقّاً على الله أن يدخله النار مع المنافقين)(٢٥).
وقد أيّد الخاجوئي مدّعاه بها(٢٦).
ولكن يمكن المناقشة فيها من جهات:
١. من جهة السند؛ فإنَّ الرواية ضعيفة لوجود أكثر من مجهول في سندها، ومن ثَمَّ فهي غير صالحة للاستدلال بها.
٢. يحتمل أنّ الحرمة من جهة الاطّلاع على بيت الجار، لا لمجرّد النظر كما يقتضيه سياق الرواية.
٣. وعلى تسليم أنّ الحرمة من جهة النظر، فلعلّها لأجل أنّ هذا النظر كان بالتعدّي وخرق الستر، ولا مانع من أن يُلتزم بحرمة مثل هذا النظر حتّى إلى الوجه واليدين، وليس هذا هو محلّ الكلام؛ لأنّ كلامنا في النظر إلى وجه المرأة ويديها إذا كانت هي كاشفة عنهما لا مطلقاً.
الرواية الخامسة: خبر محمّد بن سنان، قال: إنّ الرضا g كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: (حرّم النظر إلى شعور النساء المحجوبات بالأزواج وغيرهن من النساء؛ لما فيه من تهييج الرجال، وما يدعو التهييج إليه من الفساد والدخول فيما لا يحلّ ولا يجمل، وكذلك ما أشبه الشعور)(٢٧).
قال المحقّق الداماد S: (ووجه الدلالة: أنّه g حكم بأنّ ما أشبه الشعور في التهييج فقد حرّم لذلك، ومعلوم أنّ النظر إلى جسد المرأة كلّه يهيّج الرجال فيدعو إلى الفساد)(٢٨).
وفيه: أوّلاً: أنّ سند الخبر ضعيف بمحمّد بن سنان.
وثانياً: أنّه لم يعلم أنّ المراد بـ(ما أشبه الشعور) هو الوجه والكفّان؛ إذ إنَّ هذا اللفظ مجمل.
وثالثاً: لو أراد الإمام g الوجه والكفّين لكانا أولى بالتصريح بهما، ويذكر الشعر بقوله (وشبههما) لا العكس.
ورابعاً: أنَّ الإمام g في ذيل الرواية استثنى من هذا الحكم النظر إلى شعور العجائز، فيعلم منه أنّ النظر إلى الوجه والكفّين لم يكن داخلاً في المستثنى منه، وإلّا لذكر في الاستثناء بالنسبة إلى العجائز.
الرواية السادسة: موثّقة سماعة عن أبي عبد الله g: أنّه سأله عن المحرمة، فقال: (إنْ مرّ بها رجل استترت منه بثوبها)(٢٩).
فدلّت بالأولويّة على وجوب ستر الوجه لغير المحرمة(٣٠).
لكنّه أمر ورد مورد الحظر فلا دلالة له على اللزوم، فالرواية تحمل على أنّ مَن أرادت من النساء المحجّبات ستر وجهها فلها أن تفعل بهذه الطريقة، ولا مجال لحملها على الاستحباب ـ كما فعله المحقّق الداماد(٣١) ـ؛ لوجود روايات أخرى تدلّ على رجحان كشف الوجه للمرأة تكون قرينة على أنَّ المراد من هذه الرواية هو الجواز لا أكثر.
هذا، وهناك طوائف أُخر من الروايات استدلّ بها على حرمة نظر الأجنبي إلى وجه المرأة ويديها..
الطائفة الأولى: ما دلّ على جواز النظر إلى وجه وكفّي بعض أقسام النساء كاستثناءٍ عن الحكم العامّ بعدم جوازه في غيرها. وهذه النساء أقسام..
القسم الأوَّل: المرأة التي أريد الزواج بها.
فإنّ هناك مجموعة من الروايات دلّت على جواز نظر الرجل إلى المرأة التي يريد الزواج بها، مثل صحيحة عبد الله بن سنان أنَّه سأل أبا عبد الله g عن الرجل يريد أن يتزوج المرأة، أينظر إلى شعرها؟ فقال: (نعم، إنّما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن)(٣٢).
وصحيحة هشام بن سالم وحمّاد بن عثمان وحفص بن البختري كلّهم عن أبي عبد الله g، قال: (لا بأس بأن ينظر إلى وجهها ومعاصمها إذا أراد أن يتزوجها)(٣٣).
وهناك روايات أُخر دلّت على هذا الحكم.
قال السيّد الخوئي S: (الروايات الدالّة على جواز النظر إلى وجه المرأة ويديها إذا أراد تزويجها على نحو القضية الشرطيّة، فإنّ مفهومها هو عدم الجواز إذا لم يكن مريداً تزويجها، وحمل النظر في هذه الروايات على المقترن بالتلذّذ فلا تدلّ بمفهومها على عدم جواز النظر المجرّد إذا لم يكن قاصداً تزويجها بعيد جدّاً، ولا موجب له)(٣٤).
قال المحقّق الداماد S: (إنّ المرتكز في ذهن السائل والمجهول حكمه له هو النظر إليها، فكان في ذهنه أنّ النظر إلى المرأة إلى أيّ موضع منها محظور في سائر الموارد، فسأل عن جوازه عند إرادة النكاح، وهو g قرّره على هذا الارتكاز)(٣٥).
أقول: لا يتيسّر الاستدلال بهذه الطائفة من الروايات على المدّعى؛ وذلك لوجود فارقين بين النظر الذي جوّز لمن يريد التزويج، وبين النظر الذي هو مورد البحث:
الفارق الأوَّل: أنّ النظر إلى مَن أريد التزوج بها ليس نظراً عامّاً عابراً عادياً، بل نظر تأمّل وفحص عن الميزات التي يريد وجودها في المرأة من الحُسن والجمال، ومن السمن أو الهزل، ومن الطول والقصر، وغير ذلك من الخصوصيات حتّى يستطيع أن يقدّر إمكان العيش معها أو عدمه، وهو لا يفارق حصول التلذّذ وإن لم يكن قاصداً له من الأوَّل، كما هو ظاهر قوله g: (إنّما يشتريها بأغلى الثمن).
وليس مثل هذا النظر هو مورد للبحث، فنفيه عن غير مَن يريد التزوّج بها لا يستلزم نفي النظر الخالي عن كلّ قصد.
الفارق الآخر: أنّ النظر الجائز بالنسبة إلى المرأة التي يريد الزواج بها لا يقتصر على الوجه والكفّين، بل يجوز النظر إلى جميع محاسنها وشعرها كما ورد في بعض الروايات.
واستفادة عدم جواز مثل هذا النظر الشامل للوجه والمعاصم والمحاسن والشعر إلى غير مَن يريد أن يتزوّجها لا يستلزم حرمة النظر إلى الوجه والكفّين فقط وإن كان بلا تلذّذ وخوف ريبة.
أمّا قضيّة الارتكاز فهو لا يظهر إلَّا بمقدار أنّه كان المرتكز عند السائل أنّ النظر إلى جسد المرأة ومحاسنها مع التأمّل فيه بهدف معرفة ملاءمتها معه أو لا، لا يجوز بالنسبة إلى الأجنبي إذا لم يكن يريد الزواج بها، وهذا غير ما نحن فيه.
إلى هنا تبيّن أنّه لا إطلاق لهذا القسم من الروايات في حرمة النظر إلى الأجنبية.
القسم الثاني: النساء التي لا حرمة لهن؛ إمّا لكفرهن، وإمّا لأنّهن لا ينتهين بالنهي عن كشف محاسنهنّ أمام الرجال، فإنّ هناك روايات دلّت على جواز النظر إليهنّ..
منها: موثقة عبّاد بن صهيب، قال: سمعت أبا عبد الله g يقول: (لا بأس بالنظر إلى رؤوس نساء أهل تهامة، والأعراب، وأهل السواد، والعلوج؛ لأنّهم إذا نهوا لا ينتهون)(٣٦).
ومنها: خبر السكوني، عن أبي عبد الله g، قال: (قال رسول الله e: لا حرمة لنساء أهل الذمّة أن ينظر إلى شعورهنّ وأيديهنّ)(٣٧).
قال السيّد الخوئي S: (وأوضح من هذه الأخبار [الواردة في جواز النظر إلى من يريد التزوج بها في الدلالة على الحرمة] ما ورد في جواز النظر إلى وجه الذمّيّة ويديها معلّلاً: بأنّهنّ لا حرمة لهنّ، فإنّه كالصريح في أنّ منشأ الجواز إنَّما هو عدم وجود حرمة لأعراضهنّ، فيدلّ على عدم الجواز إذا كانت المرأة مسلمة وذات حرمة)(٣٨).
وقال الـمحقّق الداماد S: (منها: ما فـي الـمستدرك عن «الـجعفريات» قال رسول الله e: «ليس لنساء أهـل الذمّـة حـرمـة، لا بأس بالنظـر إلـى وجـوههنّ وشعـورهنّ ونحورهنّ وبدنهنّ ما لم يتعمّد ذلك»، فإنّ تفريع جواز النظر إلى المواضع المزبورة ـ التي منها الوجه ـ على عدم الحرمة لهنّ يدلّ بالمفهوم على عدم جوازه إليها في المسلمات التي لهنّ حرمة في الشريعة)(٣٩).
ولكنّك خبير بأنّ التركيز في هذه الروايات ليس على النظر إلى وجوههنّ، بل على رؤوسهنّ وشعورهنّ، فاختصاص جواز النظر إلى شعورهنّ لا يستلزم عدم جواز النظر إلى وجه غيرهن.
نعم، ذُكر الوجه في خبر المستدرك، ولكنّه ضعيف سنداً ودلالةً ..
أمّا الأوّل فلأنّه مأخوذ من الجعفريّات، ولم تثبت صحّة النسخة الموجودة منه.
وأمّا الثاني فلأنّ مفهومه ـ إذا قلنا به ـ مجمل، والقدر المتيقّن هو عدم جواز نظر الرجل إلى جميع هذه الأعضاء المذكورة من المرأة المسلمة، وأمّا إرادة حرمة النظر إلى كلّ عضو من هذه الأعضاء من المسلمة فهو مجرّد احتمال.
فاتّضح ممّا تقدّم عدم تمامّية دلالة الطائفة الأولى على مرام مَن ذهب إلى الحرمة.
الطائفة الثانية: ما دلّ على جواز كشف المرأة لوجهها لإقامة الشهادة عليها أو عدم جوازه، وفي هذه الطائفة روايات..
الرواية الأولى: مكاتبة الصفّار، قال: كتبت إلى الفقيه g في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها بمحرم، هل يجوز له أن يشهد عليها وهي من وراء الستر ويسمع كلامها إذا شهد رجلان عدلان أنّها فلانة بنت فلان التي تشهدك وهذا كلامها، أو لا تجوز له الشهادة حتّى تبرز ويثبتها بعينها؟ فوقّع g: (تتنقب وتظهر للشهود)(٤٠). ومثلها في الفقيه(٤١).
الرواية الثانية: الصدوق بسنده، عن علي بن يقطين، عن أبي الحسن الأوّل g، قال: (لا بأس بالشهادة على إقرار المرأة وليست بمسفرة إذا عرفت عينها، أو يحضر من عرفها، ولا يجوز عندهم أن يشهد الشهود على إقرارها دون أن تسفر فينظر إليها)(٤٢).
قال الخاجوئي S: فهما صحيحان صريحان في عدم جواز النظر حتّى وقت تحمّل الشهادة، وأنّ شهادة المرأة على إقرارها ليس من الضرورات التي توجب إباحة كشف وجهها ونظر الشهود إلى وجهها مكشوفاً، بل ذلك حرام عليها وعليهم(٤٣).
فهو اكتفى بدعوى وجود هذه الدلالة، ولم يقرّب وجهها.
وذكر السيّد الخوئي S في مكاتبة الصفّار: (فإنّ أمره g بالتنقّب ـ الذي هو عبارة عن لبس ما يستر مقداراً من فوق الأنف فما دونه ـ عند الشهادة يدلّ بوضوح على عدم جواز النظر إلى وجه المرأة في حدّ نفسه، وإلّا فلم يكن وجه لأمرها بالتنقّب، وحمل الأمر على استحياء المرأة خارجاً مع قطع النظر عن الحكم الشرعي لا وجه له بالمرّة؛ فإنّ ظاهر الأمر هو بيان التكليف والوظيفة الشرعيّة، فحمله على غيره يحتاج إلى القرينة والدليل)(٤٤).
وهذا التقريب غير سليم من الإشكال؛ وهو أنّ الأمر في مثل هذا المورد لا يدلّ على اللزوم؛ لأنّه قد فرض في المسألة أنّ المرأة محجّبة لا تظهر أمام الأجانب مكشوفة الوجه عادةً، فالسؤال وقع عن كيفيّة الشهادة عليها، والسائل ردّدها بين الاثنين: إمّا من وراء الستر، وإمّا بخروجها أمام الأجانب كاشفة وجهها، ولمّا كانت الكيفيّة الأولى غير جائزة، والكيفيّة الثانية توقع المرأة المحجّبة في حرج، طرح الإمام g كيفيّة ثالثة، وهي أن تخرج متنقّبة. وبهذا تصحّ الشهادة عليها، وتراعى مشاعرها وأحاسيسها.
فالإمام g لم يكن بصدد بيان جواز نظر الأجنبي إلى وجه المرأة وعدمه أصلاً، بل كان بصدد بيان عدم جواز الشهادة على المرأة من وراء الستر، بل يجب أن تُرى بعينها إذا كانت المرأة محجّبة وأرادت الحفاظ على تستّرها عن الأجانب، فيكون خروجها بطريقة تلائم حياء المرأة المحجّبة، فهي تجمع بين الأمرين بخروجها متنقّبة، فلا ظهور لكلامه g بأنّ النساء يجب عليهن ستر الوجه إذا خرجن أمام الأجانب، ويحرم على الأجنبي النظر إليهن.
وهذا مثل ما إذا سأل أحد الإمام g: إذا حكم الحاكم بالعيد، ولم يثبت عندنا هلال شوال، فهل يجوز أن أفطر مع القوم، أو يجب عليّ الصوم، وإلّا تلزم الكفارة؟ فأجابه g: سافر وأفطر.
فهـذا الكلام غير ظاهر فـي أنّه كلّمـا صار كذلك يـجب السفر والإفطار ولا يـجوز الصيام.
والوجه فيه: أنّ الإمام g لمّا لم يرَ جواز الإفطار في هذه الصورة ذكر له أمراً ثالثاً يجمع به بين التكليف بالصوم وبين رفع ما يجد فيه نوعاً من الحزازة من انفراده عنهم في موسم العيد.
وبتعبير آخر: إنّ هذا يشبه الأمر الوارد مورد الحظر؛ لأنَّه كان يحتمل عدم جواز ستر الوجه للمرأة في مقام الشهادة عليها ولزوم كشفه، فالأمر بالتنقّب لا يكون ظاهراً في اللزوم.
ومن الممكن أن يقرّب الاستدلال بها: بدلالتها على وجود السيرة للمتديّنين على أنّ نساءهم لم يكنّ يخرجن كاشفات الوجوه أمام الأجانب.
ولكنّه غير تام؛ فإنّ غاية ما دلّت عليه هذه الرواية وأمثالها هو وجود بعض النساء كنّ يتحجبنّ عن الرجال الأجانب في الجملة، وأمّا أنَّ هذه كانت سيرة المتديّنين كلّهم، وعن جميع الأجانب حتّى لو كانوا أقرباء، وكانت على نحو الالتزام الشرعي، فلا يمكن استفادته منها، وتفصيل الكلام فيه سيأتي في دليل السيرة.
كما يمكن أن يقرّب الاستدلال بوجه آخر: وهو أنّ الرواية تدلّ على وجود ارتكاز عند السائل بعدم جواز كشف وجه المرأة أمام الأجانب، ولكنّه يسأل عن كون الشهادة من الأمور المجوّزة له أو لا؟
ولكن ـ أيضاً ـ لا دلالة فيها على مثل هذا الارتكاز؛ فإنّ السائل يسأل عن كيفيّة الشهادة الجائزة عند الشرع مع وجود هذه الحالة، وهل يجب أن تسفر المرأة المحجّبة عن وجهها أو تُمضى شهادتها وهي على حالها؟ لا إشعار في هذا السؤال على الارتكاز المذكور.
ومثلها في الاستدلال بها والجواب عنه خبر ابن يقطين عن أبي الحسن الأوَّل g(٤٥).
فاتّضح أنّ هذا القسم أيضاً لا يصحّ الاستدلال به على المدّعى.
الطائفة الثالثة: وهي التي دلّت على أنّ النظر سهم من سهام إبليس، أو من الشيطان، أو أنّه يوجب الفتنة، أو الحسرة، وهي أيضاً روايات..
الرواية الأولى: خبر عقبة بن خالد عن أبي عبد الله g، قال: سمعته يقول: (النظر سهم من سهام إبليس مسموم، وكم من نظرة أورثت حسرة طويلة)(٤٦).
الرواية الثانية: مرسلة الصدوق، قال: قال رسول الله e: (يا أيّها الناس، إنَّما النظرة من الشيطان، فمَن وجد من ذلك شيئاً فليأتِ أهله)(٤٧).
الرواية الثالثة: خبر أبي جميلة عن أبي جعفرٍ وأَبي عبدِ اللَّه h، قَالا: (ما من أحد إلّا وهو يصيب حظّاً من الزنى، فزنا العينين النظر، وزنى الفم القبلة، وزنى اليدين اللمس)(٤٨).
استدلّ بها الخاجوئي S(٤٩)، وببعضها المحقّق الداماد على حرمة النظر المبحوث عنه.
وتقريب الاستدلال بها بما يقرب من ألفاظ المحقّق الداماد(٥٠): هو أنّ القدر المتيقّن من النظر المذكور في هذه الروايات هو النظر إلى الجنس المخالف، ولازم كون هذا النظر من الشيطان، أو من سهام إبليس، أو من زنا العينين، أو فتنة، أنّه حرام، ولمّا لم يقيّد بقيد الشهوة واللّذة فالحرمة تثبت مطلقاً، وكذلك ليس بمقيّد بما عدا الوجه والكفّين فيكون شاملاً لهما.
ويجاب عنه..
أوّلاً: أنّه لم يتمّ من هذه الطائفة رواية واحدة من حيث السند، فهي غير صالحة للاستدلال بها من هذه الجهة.
وثانياً: أنّها غير ظاهرة في الحرمة، بل هذه التعبيرات أقرب إلى الموعظة الأخلاقية منها إلى الحكم التكليفي. نعم، هي ظاهرة في أنّ النظر قد يؤدّي إلى الفتنة والحسرة، ويسبب الوقوع في شباك الشيطان، ولكن لا دلالة لها على أنّ النظر في حدّ نفسه حرام.
وثالثاً: وإذا سلّمنا دلالتها على الحرمة مع التسليم بالإطلاق فإنّها تدلّ على حرمة النظر إلى الوجه واليدين بالإطلاق، وهو قابل للتقييد إذا تمّ الدليل عليه، وسيأتي الكلام في المقيّد، وأنّه تامّ.
الطائفة الرابعة: وهي التي دلّت على المنع من تكرار النظر وتتابعه..
وهي عدّة روايات..
الرواية الأولى: معتبرة الكاهلي، قال: قال أبو عبد الله g: (النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة)(٥١).
الرواية الثانية: مرسلة الشعيري، قال: قال أمير المؤمنين g: (مَن أطلق ناظره أتعب خاطره، مَن تتابعت لحظاته دامت حسراته)(٥٢).
الرواية الثالثة: مرسلة الصدوق، قال: قال g: (أوّل نظرة لك، والثانية عليك ولا لك، والثالثة فيها الهلاك)(٥٣).
الرواية الرابعة: خبر أبي بصير ومحمّد بن مسلم عن علي g، قالا: قال g: (لكم أوّل نظرة إلى المرأة، فلا تتبعوها بنظرة أخرى، واحذروا الفتنة)(٥٤).
قال المحقّق الداماد S ـ مستدلّا ً بمعتبرة الكاهلي على مرامه ـ: (والحاصل: أنّ نطاق الحكم سعة وضيقاً ليس بيد المكلّف، بكون المورد زارعاً للشهوة أو غير زارع له، بل الشارع حيث إنّه لاحظ كون النظر بذاته ولو خلّي وطبعه عرضة لزرع الشهوة حكم بعدم جوازه مطلقاً إذا كانت النظرة ثانية، أو مستدامة من الأولى)(٥٥).
وقال السيّد الخوئي S: (إنّ هذه النصوص ليست في مقام الفرق بين النظرة الأولى والثانية من حيث العدد، إنَّما هي بصدد الفرق بينهما من حيث إنّ الأولى اتّفاقيّة وغير مقصودة، بخلاف الثانية فإنّها مقصودة للناظر، فتحرم الثانية دون الأولى، ولا بُدَّ من تقييد إطلاق هذه الروايات؛ لأنّها تدلّ بإطلاقها على جواز النظرة الأولى متعمّداً إلى جميع أجزاء بدن المرأة، وهو ممّا لا يقول به أحد، وأمر التقييد يدور بين تقييدها بالوجه واليدين وبين تقييدها بالاختيار وعدمه، ولمّا كان الثاني بنظر العرف هو الأظهر تعيّن التقييد به)(٥٦).
ويمكن الجواب عنها:
أوّلاً: بأنّها غير معتبرة سنداً ما عدا الأولى، وهي غير ظاهرة في الحرمة، بل غاية ما دلّت عليه هو أنّ النظرة المتكرّرة قد تؤدّي إلى الحرام بسبب خلقها شهوة في القلب، وتوجب الوقوع في الفتنة، وهذا وحده لا يستلزم الحرمة، بل يمكن دعوى عدم ظهور أيّ واحدة منها في الحرمة ما عدا الأخيرة؛ فإنّ العمل الذي قد يسبّب الوقوع في عمل آخر يوجب الندامة أو الهلاك أو الحسرة لا يكفي هذا في حرمته؛ فإنّ المتفاهم العرفي أنّ النظر بنفسه لا يوجب الهلاك أو الندامة والحسرة، بل ما يؤدّي إليه من الفجور والخيانة، بل حتّى الأخيرة يمكن الخدش في ظهورها في الحرمة.
والوجه فيه: هو أنّ قول الإمام g: (ولا تتبعوها) وإن كان نهياً عن تكرار النظر، وهو ظاهر في نفسه في الحرمة، لكن تعقيب النهي بقوله: (واحذروا الفتنة) سلب هذا الظهور؛ لأنّه دلّ على أنّ المنع من تكرار النظر لأجل الحذر من وقوع الفتنة، فالحرام هو تلك الفتنة وليس النظر في نفسه. فغاية ما يستفاد من الروايات هو كراهة هذا العمل ومبغوضيّته.
وثانياً: إذا سلّمنا دلالتها على الحرمة فنقول: إنّها تختصّ بالنظرة مع الشهوة واللّذة، لا مطلقاً؛ لأنّها هي التي توجب الشهوة في القلب، أو الحسرة والندامة.
وثالثاً: إذا سلّمنا إطلاقها لبدن المرأة كلّه فتصلح للتقييد إذا تمّ المقيّد، وهو تامّ كما سيأتي.
وقد اتّضح ممّا تقدّم أنّه لا توجد رواية تامّة سنداً ودلالة يمكن الاستدلال بها على حرمة النظر إلى وجه المرأة وكفّيها ولو بدون قصد التلذّذ والشهوة. وعلى تقدير التسليم فهي مطلقات يمكن تقييدها بما دلّ على جواز النظر إليها إن تمّ هذا المقيّد، وهو تامّ كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الدليل الثالث على الحرمة: الإجماع
اختار الفاضل المقداد القول بحرمة كشف المرأة عن وجهها وكفّيها للرجل الأجنبي في تفسير آية الإبداء مدّعياً إطباق الفقهاء على أنّ بدن المرأة كلّه عورة إلّا على الزوج والمحارم(٥٧).
وفيه..
أوّلاً: أنّ هذا الإجماع حجّة عليه، لا علينا.
وثانياً: كيف يمكن دعوى الإجماع مع ذهاب بعض الأعلام إلى خلافه، كما عرفت عندما ذكرنا الأقوال في المسألة.
وثالثاً: كيف يمكن دعوى الإجماع مع أنّه قد ادّعى الشيخ الطوسي S إجماع الفرقة على الجواز(٥٨).
ورابعاً: أنّه لو كانت هناك شبهة إجماع لما انفرد هو في دعوى وجوده.
الدليل الرابع على الحرمة: العقل
وله تقريبان:
التقريب الأوّل: أنّ النظر يهيّج الوساوس، وربّما يتعلّق القلب ويتعذّر الوصول، فيفضي إلى تعب شديد وهو ضرر يجب دفعه، ولا يمكن إلّا بكفّ النفس عن النظر(٥٩).
أقول: إنَّ مآل هذا الكلام إلى أنّ النظر إلى الأجنبيّة مطلقاً يؤدّي إلى إدخال الضرر، وهو حرام فيجب دفعه، وهو متوقّف على ترك النظر فيجب تركه. أو المراد أنَّ النظر يؤدّي إلى الحرام فهو حرام.
وفيه:
أوَّلاً: أنّ ليس كلّ ضرر يحرم على الشخص إدخاله على نفسه، ويجب دفعه.
وثانياً: على تسليم كلّيّته يكون إدخال الضرر هو الحرام لا النظر؛ لأنّ مقدّمة الحرام ليست بحرام.
وثالثاً: على تقدير تسليم حرمة المقدّمة ليس كلّ نظر كذلك، بل كثيراً ما لا يؤدّي النظر إلى الضرر، وهو النظر الخالي عن قصد التلذّذ والشهوة، فلا يكون حراماً.
ورابعاً: أنّه حتّى النظر مع الشهوة لا يكون دائماً موجباً لإدخال الضرر، فلا يكون حراماً دائماً بهذا البيان وإن ثبتت حرمته بدليل آخر.
التقريب الآخر: ذكر البعض أنّ النظر إلى الوجه يوجب التفتّن والشهوة في القلب، وهو يؤدّي بالأخير إلى الفساد وارتكاب الحرام، فلا يمكن أن يسمح لنا الشارع بالنظر إلى وجه المرأة الأجنبيّة، وقد عرفنا من ذوقه وبقيّة الأحكام المتعلّقة بالنساء أنّه يحتاط احتياطاً تامّاً في هذا الأمر، ويجنّب المكلّفين عن كلّ فعل له أدنى مساس بهذه القضيّة ككراهة السلام على الشابّة، وكراهة الجلوس في مكان المرأة ما دامت الحرارة فيه، وحرمة إظهار ما خفي من الزينة على المرأة بضرب رجلها، وكراهة الخروج إلى الجمعة والجماعة، وكراهة اختلاطهنّ مع الرجال في الأسواق وغيرها، ومع كلّ هذا كيف يمكن أن يجوّز النظر إلى وجوههن، وهو مركز الجمال ومثار الفتنة، والنظر إليه من مواقع التهلكة غالباً!!(٦٠).
والجواب: أنّ هذا الكلام لا يصل إلى مستوى البرهان؛ لأنّنا لا نعلم ملاكات الأحكام الشرعيّة ومقتضياتها ومزاحماتها، فمن أين لنا أن نثبت أنّ في هذا الأمر ـ أي في كشف المرأة عن وجهها وكفّيها، ونظر الرجل إليها بدون شهوة ـ مفسدة تقتضي الجعل الشرعي بحرمته، وليس فيه مصلحة ـ ولو مصلحة التسهيل على العباد وعدم التضييق عليهم ـ تزاحم تلك المفسدة، وبدون الجزم بهذا الأمر كيف نجزم بالحرمة! وليس كلّ نظر يستتبع الافتتان، بل هو النظر مع الشهوة وقد حرم.
نعم، يمكن دعوى كراهة النظر إلى الأجنبية مطلقاً عند الشارع؛ بالنظر إلى مجموع الآيات والروايات الواردة في هذا المجال، والبيان المذكور لا يقتضي أكثر من هذا.
الدليل الخامس على الحرمة: السيرة
ادّعى أكثر من واحد وجود سيرة للمتشرعة على عدم خروج نسائهم من منازلهن سافرات الوجوه، منهم العلّامة، قال في التذكرة ناقلاً عن الشافعية: (يحرم "النظر إلى الوجه والكفّين مطلقاً" لاتّفاق المسلمين على منع النساء من أن يخرجن سافرات، ولو حلّ النظر لنزّلن منزلة الرجال). ثُمَّ قال: (وهو الأقوى عندي)(٦١). وذكر مثل ذلك السيّد البروجردي أيضاً(٦٢).
ويمكن أن تناقش دعوى السيرة بوجوه..
الأوّل: أنّها لم تثبت على نطاق واسع بحيث التزم بها جميع المتشرعة، بل يمكن أن يدّعى وجود السيرة على العكس من هذه الدعوى كما سوف يأتي بيانها. نعم، بعض البيوت التزمت بذلك مثل بيوت العلماء.
الثاني: بعد التنزّل وقبول السيرة نقول إنّها لم تكن على الستر عن غير المحارم كلّهم، بل عن غير الأقارب من الرجال فقط، وأمّا الأقارب مثل: أخ زوج المرأة، وابني عمّها وخالها فلم تكن تلتزم بستر الوجه عنهم.
الثالث: أنّنا لا نعلم ما هي النكتة في انعقاد السيرة، فهل هي مستمدّة من الشارع، أم كانت لأجل المبالغة في الاحتشام والغيرة؟
الرابع: وعلى تسليم عموم السيرة وأنّها كانت متلقّاة من الشرع لكن لا نعلم اتّصالها بزمن المعصوم g، فلّعلها حدثت نتيجة فتاوى العلماء.
أدلّة القول الثاني: وهو الجواز
لمّا لم يثبت عندنا تماميّة الأدلّة على وجوب ستر المرأة وجهها وكفّيها عن الأجانب، وكذلك حرمة نظر الأجنبي إلى هذين الموضعين منها بدون قصد التلذّذ والشهوة وبدون خوف الفتنة والريبة نستعرض أدلّة القائلين بالجواز حتّى نرى هل أنّها تامّة أو لا؟ فإن تمّت فبها ونعمت، وإلّا تصل النوبة إلى الأصل العملي.
وهي عدة أدلّة:
الدليل الأوَّل: الكتاب
وهو آيتان استدلّ بهما على جواز كشف المرأة لوجهها وكفّيها، وعدم حرمة نظر الأجنبي إليهما.
الآية الأولى: قوله سبحانه وتعالى: >وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا<(٦٣).
وقد عرفت فيما سبق أنّ الظاهر من لفظ الزينة مطلق ما تتزيّن به المرأة الشامل لأعضاء بدنها، وما تتجمّل به من الحلي والأصباغ، وقد حُرّم عليها إبداؤها إلّا ما ظهر منها، والذي هو ظاهر بالوضع الطبيعيّ للإنسان هو الملابس، ثُمَّ الوجه واليدان فلا يكون إظهارها محرّماً على المرأة، ثُمَّ ما حرّم على المرأة إبداؤه جُوّز لها الكشف عنه لبعض الأقسام من الرجال بقوله تعالى: >وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ <.
وللحصول على مزيد اطمئنان بأنّ هذا المعنى هو المراد بالآية نذكر الروايات الواردة في تفسير هذه الآية..
الرواية الأولى: خبر أبي الجارود عن أبي جعفر g: (في قوله: >وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا< فهي الثياب والكحل والخاتم وخضاب الكفّ والسوار)(٦٤).
تقريب الاستدلال: ـ مضافاً إلى التصريح بتطبيق ما يجوز إظهاره على خضاب الكفّ ـ أنّ جواز إظهار الكحل والخاتم أيضاً مستلزم لجواز إظهار الوجه والكفّين كما لا يخفى. وأمّا السوار فلا يمكن الالتزام بجواز إظهاره؛ لمعارضة هذه الرواية مع صحيحة الفضيل الآتية.
الرواية الثانية: معتبرة زرارة عن أبي عبد الله g في قول الله تبارك وتعالى: (>إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا< قال: الزينة الظاهرة: الكحل والخاتم)(٦٥).
وعبّرنا عنها بالمعتبرة مع وجود القاسم بن عروة، وهو لم يوثّق في الكتب الرجاليّة، ولكنّه قد روى عنه ابن أبي عمير عدّة روايات كما في الكافي(٦٦)، وكذلك روى عنه ابن أبي نصر البزنطي(٦٧)، فتثبت وثاقته بناءً على وثاقة من يروي عنه المشايخ الثلاثة، فيتمّ السند، وهذه الرواية أيضاً دلّت باللازم على جواز إبداء الوجه والكفّين.
الرواية الثالثة: معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله g، قال: سألته عن قول الله تعالى: >وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا< قال: (الخَاتَمُ وَالمَسَكَةُ وهي القُلْبُ)(٦٨). وهي واضحة الدلالة على المدّعى.
وأمّا من حيث السند ففيه سعدان بن مسلم، وهو غير موثّق في الكتب الرجاليّة، لكن يمكن الاعتماد على رواياته بالنظر إلى عدّة أمور:
الأوَّل: وجود رواية لابن أبي عمير عنه في الكافي(٦٩).
الثاني: قال الشيخ في الفهرست: (سعدان بن مسلم، له أصل أخبرنا جماعة عن أبي المفضّل، عن ابن بطّة، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن صفوان بن يحيى، عن سعدان)(٧٠). فصفوان بن يحيى هو راوي كتاب سعدان، أو على الأقل إجازةً، وصفوان من المشايخ الثلاثة الذين لا يروون ولا يرسلون إلَّا عن ثقة.
الثالث: أنّ أكثر من روى عن (سعدان بن مسلم) هو (أحمد بن إسحاق الأشعري) الذي قال الشيخ في حقّه في الفهرست: (كان كبير المنزلة من خواص أبي محمّد)(٧١).
وكلُّ من روى عنه (أحمد بن إسحاق) غير (سعدان) هو ثقة ـ وهم: ياسر الخادم، وعبـد الله بن ميمون، وبكـر بن مـحمّـد ـ مضـافاً إلـى روايتـه عن الإماميـن الهـادي
والعسكري h؛ فبالنظر إلى مكانته وإلى عمله يبدو بعيداً جدّاً أن يكثر عن شخص ضعيف، أو مجهول في نظره.
وعلى هذا يمكن اعتبار هذه الرواية.
الرواية الرابعة: صحيحة الفضيل، قال: سألت أبا عبد الله g عن الذراعين من المرأة هما من الزينة التي قال: >وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ<؟ قال: (نعم، وما دون الخمار من الزينة، وما دون السوارين)(٧٢). فهي دلّت على أنّ آخر حدّ من الزينة الواجب سترها من بدن المرأة هو ما يستره الخمار والسواران، فتدلّ بمفهوم الغاية على خروج الوجه والكفّين من هذا الحدّ.
وقد تقدّم تقريب وجه اختيار هذا المعنى للرواية دون ما ذهب إليه السيّد الخوئي وغيره من الأعلام T من شمول هذا التعبير للوجه والكفّين، وجعلهما من الزينة المحرّم إبداؤها.
الرواية الخامسة: موثّقة مسعدة بن زياد، قال: وسمعت جعفراً g وسئل عمّا تظهر المرأة من زينتها؟ قال: (الوجه والكفّين)(٧٣).
والرواية معتبرة السند، واضحة الدلالة على عدم وجوب ستر الوجه والكفّين على المرأة.
الرواية السادسة: مرسلة تفسير جوامع الجامع، قال: عنهم i في تفسير: >إِلَّا مَا ظَهَرَ< (الكفّان والأصابع)(٧٤).
فبالنظر إلى مجموع هذه الروايات الواردة في تفسير الآية وأكثرها معتبر سنداً يحصل الاطمئنان بأنّ الزينة التي يجوز إبداؤها، وهي مصداق الزينة المذكورة في قوله سبحانه: >إِلَّا مَا ظَهَرَ< شاملة للوجه والكفّين.
الآية الثانية: قوله سبحانه وتعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ}(٧٥).
وقد تقدّم الكلام مفصّلاً حول هذه الجملة من الآية في أدلّة القول الأوّل، وقد قرّبنا دلالتها على القول الثاني، ومنعنا الاستدلال بها على الأوّل، فلا حاجة إلى إعادة الكلام فيها.
الآية الثالثة: قوله سبحانه وتعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}(٧٦).
وجه الاستدلال: أنّ الاكتفاء بالأمر بإدناء الجلباب عند بروز النساء أمام الأجانب يدلّ على عدم لزوم ستر الوجه عنهم؛ لأنّه قد عرفت فيما تقدّم عدم إفادة هذا التعبير للزوم ستر الوجه، فلو كان ستره واجباً لكان من المناسب جدّاً ذكره هنا، فيُفهم من عدم ذكره عدم لزومه.
الدليل الثاني: الروايات
وهي ـ مضافاً إلى ما تقدّم من الروايات في تفسير قوله سبحانه وتعالى: >وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا< التي قرّبنا دلالتها على أنّ المراد من الزينة الظاهرة التي لا يحرم إبداؤها هو الوجه والكفّان ـ روايات كثيرة، قيل أو يمكن أن يقال بدلالتها على أنّ ستر الوجه والكفّين لم يكن واجباً على المرأة في حدّ نفسه، وكذلك النظر إلى هذين الموضعين منها لم يكن محظوراً إذا كان بلا شهوة وتلذّذ.
والروايات هي:
الرواية الأولى: مرسلة مروك بن عبيد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله g، قال: قلت له: ما يحلّ للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن مَحرماً؟ قال: (الوجه والكفّان والقدمان)(٧٧).
وهذه الرواية واضحة الدلالة على جواز نظر الرجل الأجنبي إلى الوجه والكفّين. والكلام في إلحاق القدمين بالوجه والكفّين يأتي في القول الخامس.
هذا من حيث الدلالة.
وأمّا من حيث السند فإنّها ضعيفة السند؛ لإرسالها.
الرواية الثانية: صحيحة علي بن سويد، قال: قلت لأبي الحسن g: إنّي مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة، فيعجبني النظر إليها. فقال لي: (يا علي، لا بأس إذا عرف الله من نيّتك الصدق، وإيّاك والزنا؛ فإنّه يمحق البركة ويهلك الدين)(٧٨).
والمراد من النيّة الصادقة هو أنّ النظر يكون بعدم قصد التلذّذ والريبة، بل لمجرّد إدراك حُسن المرأة، فهي دلّت على عدم البأس في هذا النظر من الأجنبي إلى جسد المرأة، وتقيّد بالنظر إلى الوجه والكفّين؛ لثبوت الحرمة قطعاً في ما عداهما ـ على كلام في القدمين ـ، وحذّرت من عواقب هذا العمل؛ لأنَّه قد يوقع الناظر في ما لم يكن قاصداً له في البداية من المحرّمات، وإليه أشار الإمام g بقوله: (وإيّاك والزنا..).
ولكن ناقش جماعة من الأعلام في دلالة هذه الصحيحة على الجواز.
منهم: المحقّق النراقي S في المستند، حيث قال: (الظاهر من الابتلاء الاضطرار إليه، وعدم إمكان التحرّز، وقد يحمل على الاتّفاقي أيضاً)(٧٩).
وفيه:
أوّلاً: أنّ هذا الكلام خلاف ظاهر الرواية جدّاً؛ فإنّ ظاهر الكلام أنَّه عرض حالته النفسية ـ الموجبة لارتكاب النظر ـ على الإمام g حتى يعلم حكمه، فإن كان جائزاً فهو، وإلّا يتركه.
وثانياً: هل من الممكن أن يعتبر مثل هذا العذر اضطراراً ليسوّغ ارتكاب الحرام لو كان النظر محرّماً في حدّ نفسه.
وثالثاً: أنّ حمل هذا النظر على الاتّفاقي بعيد عن الظاهر كلّ البعد؛ فإنّ الظاهر هو تقصّده النظر لإعجابه بجمال النساء؛ ولذا قيّد النظر بالنظر إلى الجميلة من النساء التي تعجبه.
ومنهم: السيّد الداماد S في كتاب الصلاة، فإنّه فسّر الابتلاء بـ: الابتلاء الناشئ عن نوع عمل وكسب يؤدّي قهراً وضرورة إلى النظر، وفسّر الإعجاب بـ: الإعجاب الحاصل بعد الانتهاء عن النظر.
فالمسؤول عنه في الرواية هو لزوم التحفّظ، وقطع الربط المنتهي إلى النظر قهراً أو اختياراً عن ضرورة الكسب ونحوه، فأجاب g بنفي البأس، وعدم لزوم التحفّظ الكذائي بقطع الربط إذا علم من نيّته عدم الانتهاء إلى الفاسد، وأنّ الإعجاب اللاحق لا يتعدّى عن طور الخيال إلى عالم الخارج. وعلى هذا لا مساس لهذه الرواية باستثناء الوجه والكفّين.
والوجه في حمله S الابتلاء المذكور في الرواية على الابتلاء القهري، أو الابتلاء الناشئ عن ضرورة الكسب هو: أنّ تفسير الابتلاء بمعنى الاشتياق المانع عن ترك النظر بحيث يكون مصبّ السؤال هو الاعتياد بالنظر المعجب، ويكون مفاد الجواب هو تجويزه ممّا لا يمكن الالتزام به؛ لحرمته قطعاً واتّفاقاً(٨٠)، فتحمل الرواية على المعنى المذكور وإن لزم منه مخالفة ظاهرها.
وفيه:
أوّلاً: أنّ الحمل على الابتلاء القهري ـ كما قلنا ـ خلاف الظاهر، وكذلك حمل الإعجاب على الإعجاب الحاصل بعد النظر خلاف الظاهر، لا يصار إليه مع إمكان الحفاظ على ظاهر المعنى.
وثانياً: أنّ كون المرأة في الجوار أو المعاملة معها لا يستلزم النظر المتكرّر قهراً، ولا يعتبر هذا ضرورة مسوّغة للنظر، والظاهر من السؤال أنّه يكرّر النظر متعمّداً للإعجاب بالمرأة الجميلة لا لأجل الضرورة، ولو كان النظر ناشئاً عن ضرورة أو قهر لم يكن خاصّاً بالجميلة فقط.
وثالثاً: أنّ النظر الناشئ عن الشوق إلى جمال النساء لم تثبت حرمته بالاتّفاق والقطع إذا لم يقصد الشهوة، ولم يكن هناك خوف فتنة أو ريبة، فلا وجه لحمل الرواية على خلاف ظاهرها؛ فإنّ ظاهر الرواية هو أنّه كان يحبّ أن ينظر إلى جمال النساء، لكنّه بلا قصد شهوة وتلذّذ، كما يظهر من قوله g: (إذا عرف الله من نيّتك الصدق).
وبتعبير آخر: التلذّذ الحاصل من النظر إلى الأجنبية على قسمين يمكن إدراكهما وجداناً:
الأوَّل: التلذّذ والشهوة المحرّكة للغريزة الجنسيّة.
والآخر: التلذّذ غير الشهوي الذي لا يحرّك الغريزة، وهو التلذّذ الحاصل من النظر إلى أيِّ أمرٍ جميل بغضّ النظر عن كونه إنساناً أو غيره.
والمحرّم اتّفاقاً هو الأوَّل.
وكذلك حمل الإعجاب على الإعجاب اللاحق بعد الانتهاء عن النظر لا المقارن له للاتّفاق على حرمة هذا الأخير، وهذا الحمل غير واضح؛ فإنّ النظر إلى وجه المرأة مع الإعجاب بها وحده لم تثبت حرمته بالاتّفاق إذا لم يكن مقارناً للشهوة وخوف الريبة، فلا وجه لارتكاب هذا التكلّف.
وقريب ممّا ذكره المحقّق الداماد S ما ناقش به السيّد الحكيم S دلالة الرواية في المستمسك(٨١). والجواب عنه هو الجواب.
ومن الغريب أنّ السيّد الخوئي S ـ بعدما سلّم وضوح دلالة هذه الرواية على الجواز في كتاب الصلاة(٨٢) ـ ناقش في دلالتها في كتاب النكاح بمناقشات أجاب عنها في كتـاب الصلاة: من لا بُدَّيـة حـمـل الرواية علـى النظـر الاتّفاقي؛ لعـدم إمكـان الأخـذ بظاهرها، وهو جواز النظر عمداً مع قصد التلذّذ من الأوَّل؛ لحرمته اتّفاقاً، وعدم إمكان صدوره عن مثل علي بن سويد، وعدم إمكان إقرار الإمام g لعمله. فراجع كلامه في كتاب النكاح من شرحه على العروة الوثقى(٨٣).
وقد عرفت الجواب عنه.
إن قلت: سلّمنا هذا، لكن كيف عرف الإمام g أنَّ علي بن سويد لا ينظر بقصد الشهوة والريبة مع تصريحه أنّه تعجبه المرأة الجميلة؟ وكيف لم يمنعه الإمام عن هذا النظر ولو من باب الاحتياط وأخذ الحذر؟ فإنّ النظر قد يجرّ صاحبه إلى ما لم يكن قاصداً له من الأوَّل، فقوله g: (لا بأس) في مثل هذا المورد خلاف طريقة الأئمّة i، وهذا كلّه إن دلّ فهو يدلّ على خلل في الرواية يسلب الوثوق عنها.
قلت: إنّ هذه قضيّة في واقعة لا نعلم ملابساتها، فيحتمل أنّ جلالة ومكانة (علي ابن سويد) كانت تمنع من احتمال كون نظره مع الشهوة والريبة، ولم يكن من الممكن أن يتجرّأ مثله على السؤال عن جواز مثل هذا العمل القبيح.
وأمّا عدم منعه g عنه ورفع البأس فلعلّه لرعاية مقتضى عمله وكسبه، وأنّه كان يبتلى بالنساء كثيراً أو غير ذلك. وأمّا تقديم النصح فإنّه قد قدّم بقوله: (إذا عرف الله من نيّتك الصدق)، وبقوله: (إيّاك والزنا فإنّه يمحق البركة، ويهلك الدين).
وهناك رسالة من الإمام الكاظم g إلى علي بن سويد يظهر منها جلالته، رواها الكشّي(٨٤)، ورواها الكليني بطرق ثلاثة(٨٥)، وهذه الطرق وإن كانت كلّها ضعيفة، لكنّه يمكن الوثوق بها لتعدّدها، وفيها يقول الإمام g: (أمّا بعد فإنّك امرؤ أنزلك الله من آل محمّد بمنزلة خاصّة مودّة بما ألهمك من رشدك). مضافاً إلى توثيق الشيخ له في رجاله(٨٦).
فالمحصّل: أنّ الرواية تامّة السند والدلالة على الجواز.
الرواية الثالثة: خبر علي بن جعفر، عن أخيه موسى g، قال: سألته عن الرجل ما يصلح له أن ينظر إليه من الـمـرأة التي لا تـحـلّ لـه؟ قال: (الوجـه والكـفّ وموضـع السوار)(٨٧).
وهذه الرواية واضحة الدلالة على جواز نظر الأجنبي إلى وجه المرأة وكفّها. واشتمالها على موضع السوار لا يضرّ، وتسقط عن الحجّيّة في هذا المفاد بمعارضة ما دلّ على وجوب ستر موضع السوار ـ وهي صحيحة الفضيل ـ، وبوجود الإجماع على وجوبه.
ولكنّها ضعيفة السند؛ لعدم ثبوت وثاقة راوي مسائل علي بن جعفر، وهو عبد الله ابن الحسن، فهي لا تصلح إلَّا للتأييد.
وناقش السيّد الخوئي S في دلالة هذه الرواية، واستغرب من صاحب الجواهر S تسليمه دلالة الرواية على الجواز، قائلاً: (إنّها واردة في المرأة التي يحرم نكاحها، ومن الواضح أنّها ليست إلّا المحرم، فلا يبقى لها ارتباط بمحلّ كلامنا، أعني الأجنبيّة، بل يمكننا استفادة الحرمة منها؛ نظراً إلى تخصيص الجواز بالمحارم)(٨٨).
وهذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنّ تعبير (المرأة التي لا تحلّ) يعبّر به عن المرأة الأجنبيّة لا المحرم، وأمّا المحرم فيعبّر عنها: إمّا بالمحرم، أو التي تحرم، أو يحرم نكاحها وأمثالها، فقوله: (لا تحلّ له) ليس معناه لا يحلّ له نكاحها، كما فسّر به السيّد الخوئي S، بل معناه لا يحلّ له مسّها ولا النظر إلى جسدها.
ويؤيّد ما اخترناه من التفسير أمور:
الأوَّل: أنّ سياق الأسئلة يقرّب هذا التفسير؛ لأنّ السؤال السابق على هذا السؤال هو سؤال عن مقدار ما تستره المرأة الحرّة من بدنها في الصلاة، والسؤال اللاحق لهذا السؤال هو سؤال عن حكم الرجل من حيث ستر بدنه، فالمناسب هو أن يسأل عن حكم المرأة من حيث ستر بدنها ونظر الأجنبي إليها مع قطع النظر عن الصلاة.
الثاني: أنّ الإمام g جوّز النظر إلى الوجه والكفّ وموضع السوار فقط، مع أنّه من الثابت أنّ النظر إلى المحارم لا يقتصر جوازه على هذه الأعضاء.
الثالث: أنّ الأعلام من الفقهاء لم يحتملوا التفسير الذي ذهب إليه السيّد S، مثل: المحقّق الداماد في كتاب النكاح(٨٩)، والسبزواري في الكفاية(٩٠)، والسيّد الطباطبائي في الرياض(٩١)، والنراقي في المستند(٩٢)، والشيخ الأنصاري في كتاب النكاح(٩٣)، السيّد الحكيم في المستمسك(٩٤)، وغيرهم S.
ولم أجد مَن احتمل هذا المعنى فضلاً عن الجزم به كما حصل ذلك للسيّد S.
فالرواية معتبرة السند واضحة الدلالة على عدم وجوب ستر الوجه والكفّين على المرأة.
الرواية الرابعة: صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: سألت أبا إبراهيم g عن الجارية التي لم تدرك متى ينبغي لها أن تغطّي رأسها ممّن ليس بينها وبينه محرم؟ ومتى يجب عليها أن تقنّع رأسها للصلاة؟ قال: (لا تغطّي رأسها حتّى تحرم عليها الصلاة)(٩٥).
فهي دلّت على أنّ ما كان واجباً على المرأة بعد بلوغها بينها وبين غير المحرم هو تغطية الرأس، فلو كان يجب عليها ستر الوجه أيضاً لكان أولى بالسؤال، ولا أقلّ كان من المناسب جدّاً أن يضيفه الإمام g إلى الرأس في وجوب التغطية.
الرواية الخامسة: صحيحة البزنطي عن الرضا g، قال: (يؤخذ الغلام بالصلاة وهو ابن سبع سنين، ولا تغطّي المرأة شعرها منه حتّى يحتلم)(٩٦).
فهي دلّت بوضوح على أنّ الغلام إذا بلغ تُكلّف المرأة بتغطية الشعر عنه، وبالأولويّة بقيّة بدنها، وأمّا الوجه فلو كان ـ أيضاً ـ واجبَ التغطية لكان أولى بالذكر، أو يقع السؤال بلا تخصيص، فيقول ـ مثلاً ـ: (متى تغطّي المرأة عن الرجل).
والمراد من المرأة في الرواية هي الأجنبيّة قطعاً؛ لأنّ المحرم لا يجب على المرأة ستر رأسها عنه.
ومثلها صحيحة أخرى للبزنطي عن الرضا g، قال: (لا تغطّي المرأة رأسها عن الغلام حتّى يبلغ الحلم)(٩٧).
الرواية السادسة: صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر g، قال: سألته عن المرأة المسلمة، يصيبها البلاء في جسدها: إمّا كسر، أو جراح في مكان لا يصلح النظر إليه، ويكون الرجال أرفق بعلاجه من النساء، أيصلح له أن ينظر إليها؟ قال: (إذا اضطرّت إليه فليعالجها إن شاء الله)(٩٨).
دلّت على وجود الارتكاز عند أبي حمزة الثمالي على أنّه ليس بدن المرأة كلّه ممّا لا يجوز النظر إليه، حيث قال: (في مكان لا يصلح النظر إليه)، والإمام g قرّره عليه، والقدر المتيقّن من المكان الذي يجوز النظر إليه هو الوجه والكفّان.
لا يقال: إنّ ذكر هذه الصفة إنّما هو لمجرّد التوضيح، وليس لبيان أنّ المكان المصاب هو ممّا لا يجوز النظر إليه.
لأنَّه يقال: الأصل في القيد الاحتراز، فلو كان جسد المرأة كلّه غير صالح للنظر لكان من المناسب جدّاً أن يقول: (المرأة المسلمة يصيب البلاء جسدها: إمّا كسر أو جراح، ويكون الرجال أرفق بعلاجه) بدون ذكر قوله (في مكان لا يصلح النظر إليه)، بل لا يتيسّر حمل مثل هذا التعبير على مجرّد التوضيح، كما لا يخفى على المتأمّل.
وقد ناقش المحقّق الداماد S في دلالة هذه الرواية قائلاً: (إنّ التقييد بملاحظة جنس النساء بمعنى أنّ المرأة يجوز للرجل النظر إلى بعض أفرادها، وهي الزوجة والمحرم، ولا يجوز إلى بعض، وهي الأجنبية، فالتقييد لعلّه بهذه الملاحظة، فلا يصحّ الاستشهاد)(٩٩).
وفيه ما لا يخفى؛ فإنّه خلاف الظاهر جدّاً؛ لأنّ قول السائل: (ويكون الرجال أرفق بعلاجه) ظاهر في أنّ السؤال عن علاج الرجل الأجنبي لا مطلق الرجل، وكذلك قوله: (المرأة المسلمة) ظاهر في أنّ مورد الابتلاء هو المرأة المحجّبة، حيث إنّ المرأة الملتزمة كانت تلتزم بعدم الكشف للمعالج الأجنبي مع إمكان العلاج بمراجعة النساء، أمّا غير المسلمة أو غير الملتزمة فما كانت تكترث بهذا الأمر، فالسؤال وقع عمّا إذا كان الرجل الأجنبي أرفق بالعلاج، فهل يجوز لها أن تكشف عن مكان من بدنها الذي لا يجوز النظر إليه في الحالة الطبيعية؟
ومن ثَمَّ قال السيّد الحكيم S: (فإنّ الرواية كالصريحة في أنّ من جسد المرأة ما يصلح النظر إليه وما لا يصلح)(١٠٠).
الرواية السابعة: صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع، قال: سألت أبا الحسن الرضا g عن قـناع الـحرائر من الـخصيان. فقـال: (كانـوا يدخلون علـى بنات أبـي
الـحسن g ولا يتقنّعـن). قلت: فكانـوا أحراراً؟ قـال: (لا). قـلت: فالأحـرار يتقنّـع مـنهم؟ قـال: (لا)(١٠١).
فهذه واضحة الدلالة على أنّ الواجب على المرأة أن تتقنّع عن الأجنبي إذا لم يكن خصيّاً، وأمّا إذا كان خصيّاً فلا يجب القناع سواء كان حرّاً أو عبداً.
والقناع هو ثوب يستر الرأس دون الوجه، كما ورد في صحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر g، يقول: (ليس على الأَمة قناع في الصلاة، ولا على المدبّرة)(١٠٢).
فدلّت بالمقابل على أنّ الحرّة يجب عليها القناع في الصلاة، ومعلوم أنّ الواجب في الصلاة هو ستر الرأس فقط دون الوجه، فلازم هذا الكلام أنّ القناع لا يستر الوجه.
وكذلك صحيحة حريز، قال: سألت أبا عبد الله g عن محرم غطّى رأسه ناسياً. قال: (يلقي القناع عن رأسه، ويلبّي، ولا شيء عليه)(١٠٣). فأطلق القناع على ثوب يغطّي الرأس فقط.
وصحيحة محمّد بن مسلم الأخرى، قال: قلت: رحمك الله، الأَمَة تغطّي رأسها إذا صلّت؟ فقال: (ليس على الأَمَة قناع)(١٠٤).
وأمثال هذه الروايات روايات أخرى تدلّ على أنّ القناع في الروايات يعبّر به عن ثوب يغطّي الرأس فقط، لا الوجه معه.
وكذا ذكره أهل اللغة، ففي جمهرة اللغة: (وكلّ مغطٍّ رأسه فهو مقنّع)(١٠٥).
وفي تهذيب اللغة: (قال الليث: المقنعة: ما تقنّع به المرأة رأسها. قال: والقناع أوسع منها. قلت: ولا فرق بينهما عند العرب، وهما مثل لحاف وملحفة، وقرام ومقرمة)(١٠٦).
وفي المعجم: (وقناع المرأة معروف؛ لأنّها تديره برأسها)(١٠٧).
قال في المخصّص: (المقنعة التي تغطّي بها المرأة رأسها، والقناع أوسع منه، وقد تقنّعت به، قال أبو علي: ومنه المقنِّع والمقنَّع وهو الذي قد لبس البيضة والمغفر. وقال: الصوقعة: خرقة تجعلها المرأة على رأسها كالقناع)(١٠٨).
وفي النهاية في غريب الحديث: (أتاه رجل مقنّع بالحديد: هو المتغطّي بالسلاح. وقيل: هو الذي على رأسه بيضة، وهي الخوذة؛ لأنّ الرأس موضع القناع)(١٠٩). وغيرهم من أهل اللغة على ذلك.
وعلى هذا تمّت دلالة الصحيحة على أنّ الواجب على المرأة أمام الرجل غير الخصي هو ستر الرأس دون الوجه.
وهذه الرواية وإن كان لها معارض في حكم المرأة تجاه الخصيّ، وهي معتبرة محمّد ابن إسحاق، قال: سألت أبا الحسن موسى g، قلت: يكون للرجل الخصيّ يدخل على نسائه فيناولهنّ الوضوء، فيرى شعورهنّ؟ قال: (لا)(١١٠).
ولكن كلاهما يؤكّدان على أنّ الفارق الموجود أو الذي احتمله السائل هو جواز الكشف للمرأة عن رأسها أمام الخصيّ وعدمه، وحُملت الأولى على التقيّة للجمع بينها وبين هذه الثانية.
الرواية الثامنة: صحيحة البزنطي عن الرضا g، قال: سألته عن الرجل أيحلّ له أن ينظر إلى شعر أخت امرأته؟ فقال: (لا، إلّا أن تكون من القواعد). قلت له: أخت امرأته والغريبة سواء؟ قال: (نعم). قلت: فما لي من النظر إليه منها؟ فقال: (شعرها وذراعها)(١١١).
فلمّا حرّم الإمام g النظر إلى شعر أخت الزوجة فَهِم البزنطي أنَّه حينئذٍ لا فرق بينها وبين الغريبة، والإمام g أيضاً أقرّه على هذا الفهم، فهي دلّت على أنّ الثابت المعلوم عندهم في الغريبة هو عدم جواز النظر إلى شعرها، ولا يحتمل الفرق بينهما بحرمة النظر إلى وجه الغريبة دون أخت الزوجة، بل أصل السؤال عن النظر إلى شعر أخت الزوجة فيه دلالة على أنّ المحرّم المرتكز عند السائل هو النظر إلى شعر المرأة دون الوجه. ولا يحتمل أنَّه لم يسأل عن النظر إلى وجهها للارتكاز عنده بعدم الجواز؛ لأنَّه مع هذا الارتكاز لا يشكّ في حرمة النظر إلى الشعر فإنّه أولى من الوجه، وكذلك ذيلها وهو قوله: (فما لي من النظر إليه منها؟) أي من القواعد بقرينة الصدر. فقال: (شعرها وذراعها) دلّ على أنّ غير القواعد يحرم النظر إلى الشعر والذراع منها دون الوجه.
الرواية التاسعة: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر g في قوله g: >وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا< ما الذي يصلح لهنّ أن يضعن من ثيابهن؟ قال: (الجلباب)(١١٢).
ومثلها صحيحة الحلبي مع إضافة الخمار إلى الجلباب(١١٣).
فالمرخّص للقواعد هو وضع الجلباب والخمار دون الشابّة، وقد تقدّم أنّ الجلباب وكذلك الخمار لا يستر الوجه، فلو كان ستر الوجه واجباً على الشابّة لكان أولى بالذكر فيما يجوز وضعه للقواعد من ثياب المرأة.
ومثلها في الدلالة على المطلوب صحيحة حريز(١١٤)، ومعتبرة محمّد بن أبي حمزة(١١٥).
وقد ناقش السيّد الزنجاني G في دلالتها: بأنّه لا يلزم من عدم ذكر جواز الكشف للقواعد عن وجوههن أنّه ليس من مختصّاتهنّ، بل لعلّه أيضاً من مختصّاتهنّ ومع هذا لم يذكر(١١٦).
لكنّك قد عرفت أنّه من غير المناسب جدّاً عدم ذكر جواز كشف الوجه للقواعد مع فرض حرمته لغيرها، بل كان هو أولى بالذكر، ولم يذكر ولا في رواية واحدة، فهذا إن دلّ فهو يدلّ على وضوح عدم لزوم ستره على المرأة، ومعلوميّة هذا الأمر بين السائل والمجيب.
الرواية العاشرة: صحيحة محمّد بن مسلم، قال: وسألته عن الأَمَة إذا ولدت، عليها الخمار؟ قال: (لو كان عليها لكان عليها إذا حاضت، وليس عليها التقنّع في الصّلاة)(١١٧).
فبلحاظ أنّ أمّ الولد تعتبر مشرفة على الحرّيّة تكون لها أحكام تختلف عن الأَمَة غير أمّ الولد، مثل جواز البيع وعدمه، فاحتمل السائل أنّ حكمها من جهة الحجاب حكم المرأة الحرّة، فقال هل عليها الخمار؟ فأجاب الإمام g بعدم وجوبه، فتدلّ الرواية على أنّ الواجب على المرأة غير الأَمَة هو الخمار الذي يستر الرأس دون الوجه، فلو كان ستر الوجه أيضاً واجباً لكان أولى بالذكر.
ولا يحتمل أنّ ستر الوجه للحرّة كان واجباً، لكن لمّا احتمل السائل أنّ الواجب في حقّ الأَمَة هو ستر الرأس فقط، سأل عنه دون الوجه؛ لأنَّه لا وجه يستند إليه هذا الاحتمال المبني على أنّ حكم المرأة الأَمَة أمّ الولد هو بين الحرّة وبين الأَمَة غير أمّ الولد.
الرواية الحادية عشرة: خبر القاسم الصيقل، قال: كتبتْ إليه أمّ علي تسأل عن كشف الرأس بين يدي الخادم، وقالت له: إنّ شيعتك اختلفوا عليّ في ذلك، فقال بعضهم: لا بأس، وقال بعضهم: لا يحلّ. فكتب g: (سألتِ عن كشف الرأس بين يدي الخادم، لا تكشفي رأسك بين يديه، فإنّ ذلك مكروه)(١١٨).
دلّت على أنّ المُسلّم الثابت عند الشيعة أنّ ما وجب ستره على المرأة أمام الأجنبي هو الرأس لا الوجه، ولكنهم اختلفوا في استثناء الخادم عن هذا الحكم وعدمه، ولا يحتمل أنَّه مع الاتّفاق على حرمة الكشف عن الوجه مطلقاً ـ للخادم وغيره ـ اختلفوا في جواز كشف الرأس للخادم وعدمه؛ لوضوح بطلانه، كما لا يحتمل أنّهم اتّفقوا على حرمة الكشف عن الوجه للأجنبي غير الخادم، وكذلك لا يحتمل أنّهم اتّفقوا على جوازه للخادم، واختلفوا في حكم الرأس تجاهه؛ لأنَّ هذا الاحتمال مبنيٌّ على أنّهم احتملوا في حكم الخادم تفصيلاً بين وجه المرأة ورأسها، وأنّه يجوز الكشف عن الأوّل ولا يجوز عن الثاني، مع الاتّفاق على حرمة كليهما بالنسبة إلى غير المحارم، وهذا الاحتمال ممّا لا وجه يوجبه، لا رواية، ولا فتوى.
فالخبر واضح الدلالة على المطلوب، لكنّه ضعيف سنداً؛ لجهالة الراوي المباشر وهو القاسم الصيقل.
الرواية الثانية عشرة: خبر عبد العظيم الحسنيّ عن الإمام الجواد عن آبائه عن النبي eالوارد فيما رأى عند معراجه من النساء المعذّبات، قال e: (أمّا المعلّقة بشعرها فإنّها كانت لا تغطي شعرها من الرجال)(١١٩).
ولا وجه للاقتصار على الكشف عن الشعر في عذابها لو كان ستر الوجه واجباً.
والخبر ضعيف السند؛ لوجود سهل بن زياد فيه، ومع هذا فهو صالح للتأييد.
الرواية الثالثة عشرة: خبر المفضّل بن عمر عن أبي عبد الله g، قال: قلت: جعلت فداك فما تقول في المرأة تكون في السفر مع الرجال ليس معهم ذو محرم، ولا معهم امرأة فتموت المرأة فما يصنع بها؟ قال: (يغسل منها ما أوجب الله عليه التيمم، ولا تمسّ، ولا يكشف شيء من محاسنها الذي أمر الله g ستره). قلت: كيف يصنع بها؟ قال: (يغسل بطن كفّيها ووجهها، ويغسل ظهر كفّيها)(١٢٠).
وهذه الرواية دلّت على أنّ محاسن المرأة على قسمين: قسم أمر الله بستره فلا يجوز الكشف عنه للرجل الأجنبي حتّى لضرورة غسلها مع عدم وجود المماثل، وقسم لم يأمر الله g بستره فيجوز غسله منها وهو الوجه والكفّان.
واستدلّ بها على جواز النظر إلى الوجه والكفّين كل من المحقّقَين النراقي والتستري T في المستند والنجعة(١٢١).
ولكن الرواية ضعيفة السند أوَّلاً. ولها ما يعارضها من روايات الباب ثانياً. ولا يوجد مَن عمل بها ثالثاً، فلا يمكن الاستدلال بها على شيء. وهذا هو حال ما ورد في هذا المعنى من الروايات الأُخر.
الرواية الرابعة عشرة: مرسلة الشيخ الصدوق S، قال: (والمرأة إذا توضّأت ألقت قناعها عن موضع مسح رأسها في صلاة الغداة والمغرب، وتمسح عليه، ويجزيها في سائر الصّلوات أن تدخل إصبعها فتمسح على رأسها من غير أن تلقي عنها قناعها)(١٢٢).
والتفريق بين صلاة المغرب والغداة وبين سائر الصلوات وهي الصلوات النهارية حيث أمر بإلقاء القناع عن موضع الرأس في الأولى، ونهى عنه في الثانية لا وجه له ظاهراً، إلَّا أنّ الأخيرة هي في وقت مظنّة ظهور شعرها للرجال الأجانب إذا ألقت القناع دون الأولى، فدلّت على أنّ المهمّ في ستر المرأة هو ستر شعر الرأس دون الوجه، وإلَّا لو كان ستر الوجه أيضاً واجباً لما كان لهذا التفريق وجه؛ لأنّ الكشف عن الوجه حاصل في كلّ صلاة، فلو كان ستره أيضاً واجباً فمع حصول الكشف عنه لا وجه لهذا الاحتياط في شعر الرأس. ولكن الرواية مرسلة لا تصلح إلَّا للتأييد.
الرواية الخامسة عشرة: قال الطبرسي روي عن النبي e أنَّه قال: (للزوج ما تحت الدرع، وللابن والأخ ما فوق الدرع، ولغير ذي محرم أربعة أثواب: درع، وخمار، وجلباب، وإزار)(١٢٣).
وهذه الثياب الأربعة التي يجب على المرأة أن تكون لابسة لها إذا خرجت للرجال الأجانب تستر بدن المرأة كلّه ما عدا الوجه، ومن الممكن أن تستر الكفّين والقدمين أيضاً.
فهي دلّت على عدم لزوم ستر الوجه على المرأة، وبالتلازم بينه وبين الكفّين يثبت الجواز للكفّين أيضاً.
ولكنّها ضعيفة بالإرسال، ومع ذلك فهي تؤيّد المطلوب.
الرواية السادسة عشرة: موثقة عبّاد بن صهيب، قال: سمعت أبا عبد الله g يقول: (لا بأس بالنظر إلى رؤوس نساء أهل تهامة والأعراب وأهل السواد والعلوج؛ لأنّهم إذا نهوا لا ينتهون)(١٢٤).
فالفارق بحسب ظاهر هذه الرواية بين النساء المحجّبات وبين النساء اللاتي لا ينتهين بالنهي هو جواز النظر إلى شعر الأخيرة دون الأولى، وليس من جهة النظر إلى الوجه؛ فإنّ حكمه مشترك بينهما، وهو جواز النظر إليه؛ لأنّه لو كان الفرق في حكم الوجه أيضاً لكان أولى بالذكر.
ومثلها في الدلالة خبر السكوني عن أبي عبد اللَّه g، قال: (قال رسول اللَّه e: لا حرمة لنساء أهل الذمّة أن ينظر إلى شعورهن وأيديهن)(١٢٥). وخبر أبي البختري، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب i، قال: (لا بأس بالنظر إلى رؤوس أهل الذمّة)(١٢٦).
وهذه الروايات وإن كانت كلّ واحدة منها ضعيفة، لكن لتعدّد طرقها عَمَل الفقهاء بها من الزمان الأوَّل إلى يومنا هذا ـ ما عدا البعض منهم ـ فيحصل الاطمئنان بصدورها، ولم تذكر واحدة منها الوجه، فلو كان النظر إلى وجه المسلمة حراماً لكان من المناسب أن يقال يجوز النظر إلى وجوه نساء أهل الذمّة ـ مثلاً ـ ورؤوسهن.
الرواية السابعة عشرة: عن أمير المؤمنين g: أنّه كان جالساً في أصحابه فمرّت بهم امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم. فقال g: (إنّ أبصار هذه الفحول طوامح، وإنّ ذلك سبب هبابها، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله فإنّما هي امرأة كامرأته)(١٢٧).
فدلّت على جواز الكشف للمرأة على الأقل عن وجهها، ولو لم يكن جائزاً لزجرها، أو وبّخ الرجال على إذنهم لنسائهم بالخروج كاشفات الوجه، وكذلك لم يزجرهم عن النظر إليها؛ لعلمه بأنّ نظرهم لم يكن بقصد الشهوة والتلذّذ.
ولكنّها ضعيفة السند فتكون مؤيّدة للمطلوب.
الرواية الثامنة عشرة: خبر البزنطي عن أبي الحسن g، قال: (مرّ أبو جعفر g بامرأة مُحرِمة قد استترت بمروحة فأماط المروحة بنفسه عن وجهها)(١٢٨).
وغيرها من الروايات التي دلّت على لزوم كشف المُحرِمة بعض الوجه، وعلى رجحان كشف كلّه، مثل صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله g، قال: مرّ أبو جعفر g بامرأة متنقّبة وهي مُحرِمة، فقال: (أحرمي وأسفري وأرخي من فوق رأسك فإنّك إن تنقّبتِ لم يتغيّر لونكِ)، فقال رجل: إلى أين ترخيه؟ قال: (تغطي عينيها). قال: قلت: تبلغ فمها؟ قال: (نعم)(١٢٩).
فهي دلّت على أنّ عامّة النساء لم تكن متنقّبة في أيام الحج، وأمر المتنقّبة بالإسفار: أيّ الكشف عن الوجه، ثُمَّ رجّح الإمام g أوّلاً أن يكون إرخاء الثوب إلى حدّ العينين، ثُمَّ لمّا سأله رجل عن إرخائه إلى الفم أجازه.
وكذا صحيحة ابن ميمون، عن جعفر، عن أبيه g، قال: (المُحرِمة لا تتنقّب؛ لأنّ إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه)(١٣٠).
فهي واضحة الدلالة على لزوم كشف المرأة عن وجهها ولو في الجملة.
وكذا صحيحة يحيى بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله g: (أنَّه كره للمُحرِمة البرقع والقّفازين)(١٣١).
فلو كان الكشف عن الوجه واليدين أمام الأجانب محرّماً في الإسلام لما جوّز في حالة الإحرام أبداً، كما لا يخفى؛ ولذا لم يأمر الشارع المرأة بالكشف عن رأسها في الإحرام مع أمره به للرجال.
هذه مجموعة روايات تدلّ على جواز كشف المرأة وجهها وكفّيها، وكذلك على جواز نظر الأجنبي إليها، وهناك روايات أخرى يمكن الاستدلال بها على الجواز، ولكنّا تركناها خوف الإطالة، وهذه الروايات وإن كان بعضها ضعيفاً، ولكن كثيراً منها صحيح، وإذا نظر الناظر في مجموعها أوجبت الاطمئنان بالحكم إن لم توجب القطع به.
الدليل الثالث: السيرة
ادّعى غير واحد إطباق الناس في كلّ عصر على خروج النساء المسلمات على وجه يحصل ظهور الوجه والكفّين بدون أن ينكر عليه أحد(١٣٢).
ويشكل على هذه الدعوى بالقطع بعدم خروج نساء كثير من العوائل المتديّنة إلَّا مستورات الوجه، فلم تثبت سيرة كلّ المتشرعة على الجواز.
ولكن يمكن أن يجاب عنه: بأنّ ستر الوجه للنساء عند بعض البيوت ـ كبيوت العلماء ـ لا ينافي سيرة عامّة المتشرعة على الكشف وعدم إنكار أحد عليهم، فما ذكر في الاعتراض لا يمنع الدعوى الأولى؛ لأنَّه من الممكن أن يكون الالتزام بستر الوجه من نساء بعض البيوت لا من جهة إلزام شرعيّ، بل لمرغوبيّته عند الشارع قطعاً، وللاحتياط في حفظ العرض عن تعرّض الأجانب لرؤية وجوههن.
وإن أبيتَ وجود مثل هذه السيرة فعلى الأقل يمكن الدعوى وبكل وثوق أنّ النساء لم يكن يلتزمن غالباً ـ حتّى من البيوت الشريفة وبيوت العلماء ـ بستر وجوههن أمام غير المحارم من أقربائهن، مثل: ابن العمّ والعمّة، أو ابن الخال أو الخالة، أو أخ الزوج، أو زوج الأخت وأمثالهم. وهذه سيرة المتشرعة في كلّ عصر متّصلة بزمن الأئمة i، وهذا كافٍ في إثبات المطلوب.
ويمكن تأييد وجود السيرة على كشف الوجه ببعض الشواهد:
الأوَّل: نقل الشيخ المفيد كلاماً لعلي g في مقام حثّ أصحابه على القتال مع أهل الشام لمّا سمع إغارتهم على منطقة الأنبار، قال g: (إنّ العصبة من أهل الشام كانوا يدخلون على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة، فيهتكون سترها، ويأخذون القناع من رأسها)(١٣٣).
فيستفاد من هذا الكلام أنّ حجاب المرأة كان في ذاك العصر في ستر رأسها؛ ولذا اعتبر الهتك في أخذ القناع عن الرأس.
الثاني: مرسلة نهج البلاغة التي تقدّمت في أدلّة الجواز؛ فإنّها ظاهرة في أنّ السائد آنذاك هو كشف الوجه.
الثالث: عدم وجود لفظ في الروايات يعبّر عن ستر الوجه، وكلّ ما ورد فيها ممّا تستر به المرأة هو ممّا يستر غير الوجه، مثل: الخمار، والجلباب، والقناع، والمقنعة، والملحفة.
الرابع: هناك روايات تاريخيّة تدلّ على حضور النساء في المعارك، كمعركة أُحد، وكربلاء، وغيرهما من الساحات التي فيها الرجال وهي مكشوفة الوجه قطعاً؛ لأنّ كلّ واحدة منهنّ كانت تُعرف من وجهها أنّها فلانة.
الخامس: أنّ من لاحظ روايات الباب يجد أنّ أصحاب الأئمّة لم يسألوهم عن حكم الوجه، بل وقع السؤال منهم دائماً عن الرأس و الشعر والذراع.
السادس: هناك روايات متعدّدة تحكي حضور بعض النساء عند المعصوم للسؤال عن شيء وهي كاشفة الوجه؛ لأنّ الحضور قد عرفها في المجلس، مثل: رواية الخثعميّة التي تقدّمت في أدلّة الحرمة.
وعلى هذا يحصل الاطمئنان بوجود سيرة عند نساء المسلمين على كشف الوجه واليدين ولاسيّما أمام أقربائهن بدون فرق بين المحارم وغير المحارم.
إلى هنا قد اتّضح جليّاً تماميّة أدلّة القول الثاني كتاباً وسُنّة وسيرة.
أدلّة القول الثالث
وهو أنَّه يجوز للمرأة الكشف عن وجهها وكفّيها لقيام الأدلّة عليه، ولكنّه لا يجوز نظر الأجنبي إليها.
والوجه فيه: أنّهم قالوا بتماميّة أدلّة جواز كشف المرأة عن وجهها وكفّيها، وأمّا بالنسبة إلى الرجل فالتامّ هو دليل الحرمة، لا الجواز، وهي نفس الأدلّة التي تقدّم ذكرها في القول الأوَّل.
أقول: مضافاً إلى عدم تماميّة أدلّة حرمة نظر الرجل إلى الأجنبيّة ـ كما تقدّم ـ، ووجود ملازمة عرفيّة بين جواز الكشف للمرأة وجواز نظر الرجل إليها، فما يحرم النظر إليه من جسد المرأة يجب عليها ستره، وما يجوز لها كشفه من جسدها أمام الأجانب يجوز للرجل النظر إليه بدون شهوة وقصد تلذّذ، ويشير إلى هذا التلازم بين الحكمين قوله سبحانه وتعالى: >وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا< أي يجوز أن يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ الظَاهر مِنْها، والإبداء ـ كما تقدّم ـ هو الإظهار للغير، وفي الفهم العرفي جواز الإظهار للغير يلازم جواز نظر الغير إليه، ولاسيّما بقرينة ذيل الآية: >وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ< عُلِم منه أنّ الإبداء الأوَّل ـ وهو إبداء ما ظهر منها ـ كان للجميع.
مضافاً إلى هذا وذاك قد تمّت بعض الأدلّة الناصّة على جواز النظر، مثل: صحيحة علي بن سويد، وصحيحة أبي حمزة الثمالي، وصحيحة البزنطي، وبعض الروايات الأخرى المتقدّمة في أدلّة القول الثاني.
ويمكن أن يقال: إنّ هذا قول مستبعد في حدّ نفسه؛ فإنّه خلاف مقتضى الطبع الذي خلق الله تبارك وتعالى عليه البشر من ذكر وأنثى، فإنّ الرجل بالنظر إلى خلقته الطبيعيّة والوظائف التي كلّف بها يُبتلى بالخروج كثيراً إلى الأسواق ومحلّ العمل والأمور الأخرى الفرديّة والاجتماعيّة، والمرأة بالعكس قد رجّح لها شرعاً البقاء في داخل المنزل مهما أمكن، فإذا جوّز للمرأة الكشف عن وجهها وكفّيها وحرّم على الرجل النظر إليها ـ ولو بدون شهوة ولذّة ـ لزم منه الضيق على الرجل الذي يحتاج إلى رفع القيود عنه مع الإمكان بمقتضى عمله، ولزم توسعة الشارع على المرأة التي لا تحتاج إليها بمقدار حاجة الرجل إليها.
ولذا يمكن دعوى أنّ هذا القول خلاف مقتضى السنن الكونيّة في الظاهر، وخلاف مرتكزات المتشرّعة وإن ذهب إليه بعض أعلام المذهب، مثل: صاحب الجواهر S. نعم، لو قام عليه دليل واضح وجب الالتزام به، ولكنّك عرفت أنّ الدليل على خلافه.
أدلّة القول الرابع
وهو أنّه يجوز للرجل أن ينظر مرّة ولا يجوز التكرار
ومستند هذا القول الروايات التي حذّرت من تكرار النظر، وهي الطائفة الرابعة من طوائف الروايات التي استدلّ بها للقول الأوَّل، فهي دلّت على جواز النظرة الأولى، وحرمة النظرة الثانية والثالثة.
أقول: هذا القول غير واضح مفهوماً ومستنداً.
أمّا مفهوماً فلم يتّضح مقصود القائل من النظرة الأولى وكذا من النظرة الثانية، فهل مقصوده من النظرة الأولى هي النظرة الاتّفاقيّة فقط، أو حتّى العمديّة؟ وكذلك هل مقصوده من النظرة الثانية هي نظره بشهوة، أو مطلقاً حتّى بدون شهوة؟
فإن كان المقصود من النظرة الأولى الاتّفاقيّة فقط فحينئذ رجع هذا القول إلى القول الأوَّل تماماً. وعلى هذا التقدير يتعيّن أن تكون النظرة الثانية حراماً مطلقاً حتّى بدون شهوة.
وإن كان المقصود من النظرة الأولى أعمّ لتشمل العمديّة أيضاً فحينئذٍ إن كان المراد من الثانية هي نظرة شهوة وتلذّذ رجع إلى القول الثاني تماماً، وإن كان المراد مطلقاً، أي حتّى بدون قصد التلذّذ فحينئذٍ لا بُدَّ أن نقول ـ حتّى يكون قولاً قبال الأوَّل والثاني ـ إنّ المقصود من النظرة الأولى هي أعمّ من العمديّة، والمراد من الثانية أعمّ من الشهويّة، فالأولى جائزة مطلقاً، أي حتّى مع القصد والتعمّد، والثانية وما بعدها حرام مطلقاً حتّى بدون شهوة ولذّة.
وأمّا مستنداً فهذا القول استند إلى أربع روايات ـ تقدّمت في الطائفة الرابعة من أدلّة القول الأوَّل ـ وقد ناقشناها جميعاً من جهة ضعف سندها ما عدا الأولى منها، وهذه الأولى غير ظاهرة في الحرمة. وتقدّم الكلام في مفادها، وأنّها لا تثبت الحرمة، فلا تصلح لمعارضة أدلّة الجواز.
أدلّة القول الخامس
هو جواز كشف المرأة للقدمين أيضاً مضافاً إلى الوجه والكفّين
ومستند هذا القول في الوجه والكفّين هو ما تقدّم في القول الثاني من الأدلّة على الجواز. وأمّا القدمان فاستندوا فيهما إلى مرسلة مروك المتقدّمة التي سأل فيها الراوي أبا عبد الله g، قال: قلت له: ما يحلّ للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرماً؟ قال: (الوجه والكفّان والقدمان)(١٣٤).
لكن فيه:
أوَّلاً: أنّ هذا الخبر ضعيف سنداً؛ لإرساله.
وثانياً: خلو بقيّة روايات الباب ـ التي بعضها صحاح ـ عن القدمين يؤكّد ضعفها.
وثالثاً: أنّها غير صالحة لتقييد ما دلّ على حرمة الكشف عمّا عدا الوجه والكفّين، فيبقى إطلاقها هو المعمول به.
ورابعاً: قد ادّعى جماعة إجماع المسلمين على عدم استثناء غير الوجه والكفّين، منهم: فخر المحقّقين في الإيضاح، والمحقّق الكركي في جامع المقاصد، والشهيد الثاني في المسالك، والمحقّق السبزواري في الكفاية، والفاضل الهندي في كشف اللثام، والسيّد الطباطبائي في الرياض S(١٣٥).
ولكن ناقش مفصّلاً في دعاوي الإجماع السيّد الزنجاني G(١٣٦)، وقرّب أنّ رأي الكليني والصدوق على استثناء القدمين أيضاً.
وعلى كلّ حالٍ لا يمكن الالتزام باستثناء القدمين؛ لعدم وجود مستند واضح له، وفي قباله قد تمّ ما يدلّ ـ ولو بالإطلاق ـ على حرمة الكشف عن القدمين.
فرع
للمسألة فروع نذكر فرعاً واحداً منها لأهمّيّته..
وهو أنّ الحكم بجواز كشف المرأة عن وجهها للأجانب مقيّد ببعض القيود نذكر بعضها:
الأوَّل: أن لا يكون وجهها مزيّناً بزينة خارجيّة وإلّا لوجب ستره؛ لأنّ المستثنى من حرمة الإبداء هو ما ظهر بمقتضى الطبيعة، وهو الوجه الطبيعيّ، وأمّا إذا زيّن بالمكياج فيدخل في عموم >لَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ<(١٣٧).
ولمّا أصبح في العصر الراهن مكياج الوجه جزءاً من حياة المرأة الذي لا يتجزأ انتفى موضوع جواز خروج المرأة كاشفة للوجه إلّا بالنسبة إلى بعض المؤمنات، حيث تتعرّض لنظر الأجانب، ولا يجوز لها أن تبرّر فعلها والحال هذه بفتوى الفقهاء وأنّهم لا يوجبون ستر الوجه؛ فإنّ الإقرار بالذنب أهون من التحايل على الدين وتحريف مفاهيمه، فإنّ الفقهاء الذين جوّزوا خروج المرأة من البيت كاشفة وجهها قيّدوا هذا الحكم بهذا الأمر المذكور.
إن قلت: إنّ استثناء الكحل والخاتم عن الحكم بوجوب الستر يدلّ على أنّ الزينة الخارجيّة للوجه واليدين لا يجب سترها عن الأجانب، فهو داخل في قوله سبحانه وتعالى: >إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا <وإنَّما ذكر الكحل والخاتم في الروايات كالمصداق البارز لتزيين الوجه واليدين في ذاك الزمان، وإلَّا فالمراد هو مطلق ما يزيّن به هذان العضوان.
قلت: هذا خلاف ظاهر الروايات؛ فإنّ ظاهرها أنّها ذكرت الكحل والخاتم على نحو الحصر، وأنّهما موضوع الحكم بالجواز، وهذا هو المطابق للقاعدة العامّة في كلّ كلام ذكر فيه الحكم متعلقاً بعنوان، فإنّه يحمل على أنّ هذا العنوان هو موضوع الحكم، لا أنَّ الموضوع الحقيقي هو شيء آخر وما ذُكر مصداق له، فإنّ هذا يحتاج إلى قرينة واضحة لارتكاب خلاف الظاهر.
فالإشكال المذكور مبنيّ على دعوى أنّ الموضوع الحقيقي للجواز هو كلّ ما يتزيّن به الوجه والكفّان يجوز للمرأة إبداؤه، وذكر الكحل والخاتم كمثال له.
ولكن ـ كما قلنا ـ ظاهر الكلام أنّ الجواز مختصّ بهما؛ ولذا لم يذكر في روايةٍ شيء آخر مع وجود أنواع ممّا كانت النساء يزينّن به الوجه والكفّين، مثل استخدام مساحيق التجميل والمكياج وتلوين الأظافر وغيرها، بل حتّى الكحل والخاتم لو لم يكن عليه نصّ لقلنا بحرمة إظهارهما؛ لأنّهما ليسا ممّا هو ظاهر بطبيعة الحال، بل هو إظهار للزينة؛ لأنَّه لو لم تتزيّن بهما المرأة لا يظهر أنّ الشكّ في استثناء غيرهما شكّ في تخصيص زائد، فيبقى تحت عموم >لَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ<.
الثاني: أن لا تكون المرأة خائفة من وقوعها في الفتنة، وكذلك لا تقصد إيقاع الآخرين فيها، وإلَّا فإن علمت بمقتضى الحال التي تعيش فيها أنّها إذا خرجت كاشفة الوجه تتعرّض للمضايقة والإيذاء؛ لأنّها فائقة الجمال ـ مثلاً ـ أو خرجت وهي قاصدة هذا الأمر فلا يجوز حينئذٍ أن تخرج سافرة الوجه؛ لأنّها لو خرجت ـ والحال هذه ـ تكون من مصاديق المتعاونة على الإثم والعدوان، وموجبة لإحداث فتنة حرّم الله إيقاعها، كما قيّد جواز النظر للرجل أن لا يكون قاصداً به التلذّذ والشهوة، ولم يكن خائفاً من الفتنة، وإلَّا فلا يجوز.
ومحصّل ما حرّر في البحث: أنّ مقتضى الأدلّة هو صحّة القول الثاني، وهو جواز نظر الرجل إلى وجه المرأة الأجنبية وكفّيها في حدّ نفسه، كما يجوز لها كشف هذين الموضعين من جسمها أمام الأجانب مع بعض الشرائط والقيود.
والحمد لله ربِّ العالمين، وهو وليّ التوفيق.
المصادر
القرآن الكريم
(١) المبسوط في فقه الإماميّة: ٤/ ١٦٠، تذكرة الفقهاء: ٢/ ٥٧٣ (ط. ق).
(٢) يلاحظ: كتاب الصلاة: ٢/ ٧٠.
(٣) الكافي: ٥/ ٥٣٤ ـ ٥٣٥باب التسليم على النساء، ح١.
(٤) الكافي: ٥/ ٣٣٦ ـ ٣٣٧ باب الغيرة، ح٦.
(٥) الكافي: ٥/ ٥٢٠ ـ ٥٢١، باب ما يحلُّ النظر إليه من المرأة، ح١.
(٦) موسوعة السيّد الخوئي S: ٣٢/ ٤٨.
(٧) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: ٥/ ٢١١٥.
(٨) لسان العرب: ١٣/ ١٦٤. ويلاحظ أيضاً: مجمع البحرين: ٦/ ٢٤٨.
(٩) يلاحظ: لسان العرب: ١٣/ ١٦٥، القاموس المحيط: ٤/ ٢١٣.
(١٠) الكافي: ٣/ ١٥٤، باب الجريدة، ح١٣.
(١١) تهذيب الأحكام: ١/ ٢٧٠ ح٧٩٤.
(١٢) نقلاً عن لسان العرب: ١/٢٦٦.
(١٣) يلاحظ: إثبات الحجاب باللغة الأورديّة: ٤٧. الناشر: مصباح الهدى سنة ١٤١١هـ.
(١٤) يلاحظ: إثبات الحجاب باللغة الأورديّة: ٤٧.
(١٥) يلاحظ: الكافي: ٥/ ٥٢١ باب ما يحلّ النظر إليه من المرأة، ح٣، ٤.
(١٦) يلاحظ: قرب الإسناد: ٧٢.
(١٧) يلاحظ: كتاب الوافي: ٢٢/ ٨١٧.
(١٨) يلاحظ: مستمسك العروة الوثقى: ١٤/ ٢٦.
(١٩) يلاحظ: جواهر الكلام: ٢٩/ ٧٩.
(٢٠) يلاحظ: الحدائق الناضرة: ٢٣/ ٧٩.
(٢١) يلاحظ: مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول: ٢٠/ ٣٤٠.
(٢٢) يلاحظ: الكافي: ٥/ ٥٢٠، باب: ما يحلّ النظر إليه من المرأة.
(٢٣) يلاحظ: وسائل الشيعة: ٢٠/ ٢٠٠ باب: ما يحلّ النظر إليه من المرأة بغير تلذّذ وتعمّد، وما لا يجب عليها ستره.
(٢٤) يلاحظ: كتاب الصلاة للمحقّق الداماد: ١/ ٣٥٥.
(٢٥) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: ٢٨٢.
(٢٦) يلاحظ: الرسائل الفقهيّة: ١/ ٤٧.
(٢٧) علل الشرائع: ٢/ ٥٦٥، عيون أخبار الرضا g: ٢/ ٩٧.
(٢٨) كتاب الصلاة: ١/ ٣٣٩.
(٢٩) يلاحظ: من لا يحضره الفقيه: ٢/ ٣٤٤ ح٢٦٣٥.
(٣٠) هكذا قرّب الاستدلال بها الشيخ علي الصافي الكلبايكاني G في تعليق له على تقريراته لبحث السيّد البروجردي المطبوعة باسم تبيان الصلاة. يلاحظ: تبيان الصلاة: ٣/ ٢٥٨.
(٣١) يلاحظ: كتاب الصلاة: ١/ ٣٦٠.
(٣٢) من لا يحضره الفقيه: ٣/ ٤١٢، ح٤٤٣٩.
(٣٣) الكافي: ٥/ ٣٦٥ باب: النظر لمن أراد التزويج، ح٢.
(٣٤) موسوعة السيّد الخوئي: ٣٢/ ٤٨.
(٣٥) كتاب النكاح: ١/ ٣٣٩.
(٣٦) الكافي: ٥/ ٥٢٤ باب النظر إلى نساء الأعراب وأهل السواد، ح١، وفي الفقيه (٣/٤٧٠ ح٤٦٣٦): (لأنّهن إذا نهين لا ينتهين).
(٣٧) الكافي: ٥/ ٥٢٤باب النظر إلى نساء أهل الذمّة، ح١.
(٣٨) موسوعة السيّد الخوئي S: ٣٢/ ٤٨.
(٣٩) كتاب الصلاة: ١/٣٤٠.
(٤٠) تهذيب الأحكام: ٦/ ٢٥٥ح٦٩٦.
(٤١) يلاحظ: من لا يحضره الفقيه: ٣/ ٦٧ ح٣٣٤٧.
(٤٢) من لا يحضره الفقيه: ٣/ ٦٧ح٣٣٤٦.
(٤٣) يلاحظ: رسائل فقهيّة: ١/ ٣٦، بتصرّف.
(٤٤) موسوعة السيّد الخوئي: ٣٢/ ٤٨.
(٤٥) يلاحظ: تهذيب الأحكام: ٦/ ٢٥٥ح٦٦٥.
(٤٦) الكافي: ٥/ ٥٥٩ باب النوادر، ح١٢.
(٤٧) من لا يحضره الفقيه: ٤/ ١٩ ح٤٩٧٥.
(٤٨) الكافي: ٥/ ٥٥٩ باب النوادر، ح١١.
(٤٩) يلاحظ: رسائل فقهيّة: ١/ ٣٧.
(٥٠) يلاحظ: كتاب الصلاة: ٢/ ٢٦.
(٥١) من لا يحضره الفقيه: ٤/ ١٨ ح٤٩٧٠.
(٥٢) جامع الأخبار: ٩٤.
(٥٣) من لا يحضره الفقيه: ٣/ ٤٧٤ ح٤٦٥٨.
(٥٤) الخصال: ٢/ ٦٣٢ حديث الأربعمائة.
(٥٥) كتاب الصلاة: ٢/ ٢٨.
(٥٦) موسوعة السيّد الخوئي: ٣٢/ ٥١.
(٥٧) يلاحظ: كنز العرفان في فقه القرآن: ٢/ ٢٢٢.
(٥٨) يلاحظ: كتاب الخلاف: ٤/ ٢٤٧.
(٥٩) يلاحظ: الرسائل الفقهيّة: ١/ ٣٨.
(٦٠) ممّن ذكر مثل هذا الكلام السيّد الخوئي في الموسوعة: ١٢/ ٨١، والخاجوئي في رسائله: ١/ ٤٥، والعلّامة في التذكرة: ٢/ ٥٧٣، والسيّد علي نقي في إثبات الحجاب.
(٦١) تذكرة الفقهاء: ٢/ ٥٧٣ (ط. ق).
(٦٢) يلاحظ: نهاية التقرير: ١/ ٢٦٢.
(٦٣) سورة النور: ٣١.
(٦٤) تفسير القمي: ٢/ ١٠١.
(٦٥) الكافي: ٥/ ٥٢١ باب: ما يحلّ النظر إليه من المرأة، ح٣.
(٦٦) يلاحظ: الكافي: ٢/ ٢٣٢، ٤/ ١٠٠، ٥/ ٤٧٠، وغيرها من الموارد الأخرى.
(٦٧) كما في تهذيب الأحكام: ٢/ ٢٧، والاستبصار: ١/ ٢٦٢.
(٦٨) الكافي: ٥/ ٥٢١ باب: ما يحلّ النظر إليه من المرأة، ح٤. والقُلب ـ بضم القاف ـ: السوار.
(٦٩) الكافي: ١/ ١٧٨.
(٧٠) الفهرست: ٢٢٦.
(٧١) الفهرست: ٦٣.
(٧٢) الكافي: ٥/ ٥٢٠ باب: ما يحل النظر إليه من المرأة، ح١.
(٧٣) قرب الإسناد: ٨٢.
(٧٤) تفسير جوامع الجامع: ٣/ ١٠٣.
(٧٥) سورة النور: ٣١.
(٧٦) سورة الأحزاب: ٥٩.
(٧٧) الكافي: ٥/ ٥٢١ باب: ما يحلّ النظر إليه من المرأة، ح٢.
(٧٨) الكافي: ٥/ ٥٤٢ باب الزاني، ح٦.
(٧٩) مستند الشيعة: ١٦/ ٥٠.
(٨٠) يلاحظ: كتاب الصلاة: ٢/ ٣٦.
(٨١) يلاحظ: مستمسك العروة الوثقى: ١٤/ ٣١.
(٨٢) يلاحظ: موسوعة السيّد الخوئي: ١٢/ ٨٠.
(٨٣) يلاحظ: موسوعة السيّد الخوئي: ٣٢/ ٤٣.
(٨٤) يلاحظ: اختيار معرفة الرجال: ٤٥٤.
(٨٥) يلاحظ: الكافي: ٨/ ١٢٤. وهي: عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن محمّد بن منصور الخزاعي، عن علي بن سويد، ومحمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمّه حمزة بن بزيع، عن علي بن سويد، والحسن بن محمّد، عن محمّد بن أحمد النهدي، عن إسماعيل بن مهران، عن محمّد بن منصور، عن علي بن سويد.
(٨٦) الأبواب (رجال الطوسي): ٣٩٥.
(٨٧) قرب الإسناد: ٢٢٧.
(٨٨) موسوعة السيّد الخوئي: ٣٢/ ٤٤.
(٨٩) يلاحظ: كتاب النكاح: ٢/ ٤٥.
(٩٠) يلاحظ: كفاية الأحكام: ٢/ ٨٦.
(٩١) يلاحظ: رياض المسائل: ١١/ ٥٠.
(٩٢) يلاحظ: مستند الشيعة: ١٦/ ٤٧.
(٩٣) يلاحظ: كتاب النكاح: ٤٨.
(٩٤) يلاحظ: مستمسك العروة الوثقى: ٥/ ٢٤١.
(٩٥) الكافي: ٥/ ٥٣٣ باب: متى يجب على الجارية القناع، ح٢.
(٩٦) من لا يحضره الفقيه: ٣/ ٤٣٦ ح٤٥٠٧.
(٩٧) قرب الإسناد : ٣٨٥.
(٩٨) الكافي: ٥/ ٥٣٤ باب: المرأة يصيبها البلاء في جسدها فيعالجها الرجال، ح١.
(٩٩) كتاب الصلاة: ١/ ٣٤٦.
(١٠٠) مستمسك العروة الوثقى: ١٤/ ٢٧.
(١٠١) الكافي: ٥/ ٥٣٢ باب الخصيان، ح٣.
(١٠٢) الكافي: ٥/ ٥٢٥ باب: قناع الإماء وأمهات الأولاد، ح٢.
(١٠٣) الاستبصار: ٢/ ١٨٤.
(١٠٤) الكافي: ٣/ ٣٩٤.
(١٠٥) جمهرة اللغة: ٢٠/ ٩٤٣.
(١٠٦) تهذيب اللغة: ١/ ١٧٤.
(١٠٧) معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٣٣.
(١٠٨) المخصّص: ٤/ ٣٨.
(١٠٩) النهاية في غريب الحديث: ٤/ ١١٤.
(١١٠) الكافي: ٥/ ٥٣٢ باب الخصيان، ح٢.
(١١١) قرب الإسناد: ٣٦٤.
(١١٢) الكافي: ٥/ ٥٢٢ باب القواعد من النساء، ح٣.
(١١٣) الكافي: ٥/ ٥٢٢ باب القواعد من النساء، ح١.
(١١٤) الكافي: ٥/ ٥٢٢ باب القواعد من النساء، ح٤.
(١١٥) الكافي: ٥/ ٥٢٢ باب القواعد من النساء، ح٢.
(١١٦) يلاحظ: كتاب النكاح: ٢/ ٥٩٨، باللغة الفارسية.
(١١٧) من لا يحضره الفقيه: ١/ ٣٧٣ ح١٠٨٦.
(١١٨) تهذيب الأحكام: ٧/ ٤٥٧ ح١٨٢٨.
(١١٩) عيون أخبار الرضا g: ٢/ ١١.
(١٢٠) الكافي: ٣/ ١٥٩باب: الرجل يغسل المرأة والمرأة تغسل الرجل، ح١٣.
(١٢١) يلاحظ: مستند الشيعة: ١٦/ ٤٩، النجعة في شرح اللمعة: ٨/ ٣١١.
(١٢٢) يلاحظ: من لا يحضره الفقيه: ١/ ٤٩.
(١٢٣) مجمع البيان: ٧/ ٢٤٣.
(١٢٤) الكافي: ٥/ ٥٢٤ باب: النظر إلى نساء الأعراب وأهل السواد، ح١.
(١٢٥) الكافي: ٥/ ٥٢٤ باب: النظر إلى نساء أهل الذمّة، ح١.
(١٢٦) قرب الإسناد: ٦٢.
(١٢٧) نهج البلاغة: رقم: ٤٢٠ص: ٥٥٠، تحقيق صبحي صالح.
(١٢٨) الكافي:٤/ ٣٤٧ باب: ما يجوز للمحرمة أن تلبسه من الثياب والحلي وما يكره لها من ذلك، ح٩.
(١٢٩) الكافي: ٤/ ٣٤٤ باب: ما يجوز للمحرمة أن تلبسه من الثياب والحلي وما يكره لها من ذلك، ح٣.
(١٣٠) الكافي: ٣/ ٣٤٥ باب: ما يجوز للمحرمة أن تلبسه من الثياب والحلي وما يكره لها من ذلك، ح٧.
(١٣١) من لا يحضره الفقيه: ٢/ ٣٤٤ ح٢٦٣٠.
(١٣٢) يلاحظ: نهاية المرام: ١/ ٥٦، كشف اللثام: ٧/ ٢٦.
(١٣٣) الإرشاد: ١/ ٢٨٣.
(١٣٤) الكافي: ٥/ ٥٢١ باب ما يحل النظر إليه من المرأة، ح٢.
(١٣٥) يلاحظ: إيضاح الفوائد: ٣/ ٦، جامع المقاصد: ١٢/ ٣٨، مسالك الأفهام: ٧/ ٤٦، الكفاية في الفقه: ٢/ ٨٦، كشف اللثام: ٧/ ٢٥، رياض المسائل: ٢/ ٧٤.
(١٣٦) يلاحظ: كتاب النكاح: ٢/ ٥٨٣ باللغة الفارسية.
(١٣٧) سورة النور: ٣١.