الدلالة الإطلاقيّة
الشيخ نجم الترابيّ (دام عزّه)
إن للإطلاق أنحاءً ومناشئ .
أمَّا أنحاءه فمنه اللفظي اللحاظي, واللفظي الذاتي, واللحاظي المقامي, والمنتج للحصَّة, والمنتج للسعة, وغيرها.
وأمَّا مناشئه فمنه ما تقتضيه الضرورة العقلية كما إذا امتنع التقييد فإنه يجب الإطلاق ثبوتاً فيما لو كانا نقيضين أو ضدين لا ثالث لهما, ومنه ما يستدعيه مقام الإمتنان, ومنه ما تستدعيه مقدمات خاصة يُقال لها مقدمات الحكمة ــ وهي تسمية وفق أحد الإتجاهين في تخريج عمدة مقدّماتها كما سيأتي عليك خلال البحث ــ وغيرها.
ومحلُّ بحثنا هو آخر تلك الأنحاء ــ المنتج للسعة ــ ومقصودنا فيه تحقيق مقدمات آخر هذه المناشيء ــ مقدمات الحكمة ــ .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد كل الحمد لولي النعم, والصلاة والسلام على المصطفى محمد وآله سادة الأمم.
الدلالة الإطلاقية
إن للدلالة الإطلاقية دوراً وسيعاً في الاستدلال الفقهي والبحث الأصولي. ولا خلاف من حيث ثبوت أصلها, فعند ذكر اسم الجنس مثلاً فإن الأصل إرادة المطلق منه، وإنما وقع الخلاف في تخريج ذلك، فنُسب إلى المشهور أنهم خرّجوها على أنها دلالة وضعية. ولعل ذلك من جهة عدم معروفية غيرها.
ولكن ذهب سلطان العلماء S (ت: ١٠٦٤هـ) وعموم من تأخر عنه إلى أنها دلالة غير وضعية, فلا يلزم التجوز في لفظ اسم الجنس في حال تقييده أو إطلاقه على سبيل الإجمال. وهؤلاء اختلفوا فيما بينهم في سنخ هذه الدلالة على اتجاهين:
فالمشهور بينهم تخريجها على أساس وجود قرينة حالية عامة بها تثبت الدلالة الإطلاقية اصطُلح عليها بقرينة الحكمة.
وذهب جملة من الأعلام أخيراً إلى أن الدلالة الإطلاقية لا تتوقف على قرينة الحكمة, وإنما هي دلالة لفظية محضة. والبحث عن الخلاف بين مسلك الدلالة الوضعية, ومسلك الدلالة غير الوضعية أشبه بالبحوث التأريخية من جهة وضوح تعين الثاني حتى انقرض القول بالدلالة الوضعية تماماً.
وإنما المقصود في هذا البحث تنقيح مبنى الدلالة الإطلاقية وفق الاتجاهين المذكورين ضمن المسلك الثاني، وتحقيق الراجح بينهما.
وقد ذُكِرَ في كلمات المتأخرين القائلين بمسلك المشهور مقدمات يبلغ مجموعها أربع مقدمات لانعقاد الإطلاق:
الأولى: كون المتكلم في مقام البيان دون الإهمال والإجمال.
الثانية: أن لا يكون في الكلام قيد يمنع من انعقاد الإطلاق.
الثالثة: إمكان التقييد والإطلاق إثباتاً وثبوتاً.
الرابعة: تطابق المراد الجدي والمراد الاستعمالي.
والخلاف بين الاتجاهين المذكورين يتعلق بالمقدمة الأولى, حيث إن الاتجاه المشهور يرى الحاجة إليها, وتوقف الإطلاق على إحرازها، وأما الاتجاه الثاني فلا يجد حاجة إليها.
وأما المقدمات الثلاثة الأخرى فهي مشتركة بين الاتجاهين المذكورين. والمراد بهذا البحث تحقيق القول في شأن المقدمات الأربعة دون التعرض لسائر مباحث الإطلاق والتقييد, من قبيل الحديث عن حقيقة الإطلاق والتقييد ثبوتاً وسنخ التقابل بينهما، وتحليل الإطلاق اللفظي المنتج لإرادة الحصة كالوجوب النفسي عند دوران الأمر بين الوجوب النفسي والغيري، ومن قبيل حقيقة الإطلاق المقامي وغير ذلك من الأبحاث.
محل الدلالة الإطلاقية:
إذا بنينا على أن اسم الجنس مثلاً موضوع للطبيعة المهملة أو ما بحكمها فعند ذكره - أي اسم الجنس- في مقام الجعل تكون عندنا دائرتان في مدلوله:
الأولى: أصل المعنى وهو ما وضِعَ له اسم الجنس، ويتعين من خلال الأصول اللفظية التي تعتمد في الدلالة الوضعية.
الثانية: تمام ذاك المعنى وحدوده وسوره، وبعبارة أخرى القيود والشرائط والموانع التي لو كانت لصيّرت المعنى في دائرة أضيق مما لو لم تكن، وهذا هو المقصود من التعبير بـ(التمام) في المقام.
والدائرة الثانية هذه هي محل الدلالة الإطلاقية دون الأولى، ويتضح مما ذكرنا:
١- إن الإجمال في الدائرة الثانية يحصل بعدم تمامية الدلالة الإطلاقية، أما الإجمال في الدائرة الأولى فيحصل بعدم تمامية الدلالة الوضعية وما يلحق بها.
٢- إن الدائرة الثانية مضافة إلى الدائرة الأولى أي أن السور والحدود إنما هي سور وحدود أصل المعنى، فإذا اختلف أصل المعنى اختلفت الحدود. وسيأتي التعرض لما يترتب عليها في المبحث الرابع.
٣- يظهر النظر في بعض الكلمات التي تذكر بعض الأصول اللفظية المرتبطة بأصل الكلام, والدائرة الأولى. وقد يعم بعضها الدائرة الثانية ضمن مقدمات الدلالة الإطلاقية. فإن المقصود بمقدمات الدلالة الإطلاقية خصوص ما يحتاجه التمام والحدود.
ويقع الكلام في مباحث أربعة:
المبحث الأول:
في أولى مقدمات الدلالة الإطلاقية وعمدتها.
ويقع الكلام تارة في أصلها، وأخرى في سائر شؤونها. فهنا جهتان:
الجهة الأولى: في أصل هذه المقدمة:
وقد انقدح أن فيها اتجاهين. وينبغي الالتفات إلى أن هذين الاتجاهين إنما يتنازعان في مقام إيجاد حلٍّ لإشكالية مفادها:
أن المتكلم ثبوتاً مراده الجدي إما المطلق, أو المقيد, أو المهمل على فرض إمكانه، فإذا ألقى اسم الجنس مثلاً من دون أن يذكر قيداً معه، فإن الاحتمالات الثلاثة قائمة. وتعين الإطلاق ثبوتاً لا يكون إلا بدفع الاحتمالين الآخرين. والاتجاهان المذكوران إنما يحاولان دفع هذين الاحتمالين؛ لأنه ما دام أحدهما باقياً بلا دافع لا مجال للبناء على إرادة الإطلاق الثبوتي.
ويمكن تصوير الإشكالية المذكورة إثباتاً في مقام المراد التفهيمي
ـ الاستعمالي ـ من أن لاسم الجنس في حال عدم ذكر القيد معه حالات ثلاثة(١):
الإجمال ـ ولا يندرج تحته تعمد الإجمال ـ والإهمال والإطلاق، وجميعها تنسجم مع المدلول الوضعي لاسم الجسم، وتعين الإطلاق إثباتاً لا يحصل إلا بدفع احتمالي الإجمال والإهمال الإثباتيين.
الاتجاه الأول:
وهو السائد عند المتأخرين من أن الإطلاق -سنخ ظهور تركيبي من حالٍ ولفظ أو حكم عقلي أو عقلائي- مبني على مقدمة مفادها:
أن غرض كل متكلم من خطابه بيان تمام مراده, لا أنه يبين بعض مراده، ونعني بالتمام ما ذكرناه في محل الدلالة الإطلاقية من أنه جميع القيود والشرائط والموانع المعتبرة في الحكم أو أحد ملابساته من موضوعه أو متعلقه.
وهذه المقدمة يُنتظر منها أن تحل الإشكالية المذكورة. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى أن يقام الدليل على وجودها. ومقدار هذا الوجود من أنها هي الأصل, فيكون الخروج عنها يحتاج إلى دليل أو أنها ثابتة في حالات خاصة.
أما حلها للإشكالية فتوضيحه:
إن نفي الإهمال والإجمال ثبوتاً وإثباتاً إنما يحصل بمجرد إحرازها, فإن منافاة كونه في مقام بيان جميع القيود والشرائط للإهمال والإجمال ثبوتاً وإثباتاً أمر بديهي.
ولا يتوهم أنه أحياناً قد يكون تمام المراد هو الإهمال. وهو منسجم مع المدلول الوضعي لاسم الجنس, ومن ثم لا يحتاج إلى إقامة قرينة عليه.
فإنه مبني على تفسير خاطئ للتمام, لعله هو المنسبق منه إلى الذهن, لا ما ذكرناه من أنه تمام القيود والشرائط. وأيضاً نفي إرادة المقيد ثبوتاً مع عدم ذكر القيد يستلزم نقض الغرض.
وكيف ما كان لا يُحتمل أن أصحاب الاتجاه الثاني ينكرون أن المقدمة محل البحث على فرض وجودها تحل الإشكالية المذكورة. وإنما هم ينكرون أصل وجود هذه المقدمة.
ويمكن أن يُستدل على وجود المقدمة محل البحث بوجهين:
الوجه الأول: ويذكر له في كلماتهم بيانان:
البيان الأول(٢): سيرة أهل المحاورة على التمسك بالإطلاق مع عدم إحراز ـ من خلال القطع والاطمئنان ـ كون المتكلم في مقام البيان. وهذا لا يصح إلا إذا كان الأصل عندهم فيما إذا شُك في كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده هو أنه في مقام البيان.
وهذا في حقيقته انتقال من اللازم ـ وهو التمسك بالإطلاق مع عدم إحراز أنه في مقام البيان ـ إلى الملزوم وهو تمامية مقدمات الحكمة، ولما كان المفروض أن المقدمة محل البحث مشكوكة, فلا مناص من وجود أصل عقلائي يثبتونها به.
وأُورد(٣) عليه:
أنَّه لو سلَّمنا توقف انعقاد الإطلاق على المقدمة محل البحث, فإنه إنما ينعقد في حال إحرازها ، أما في حال الشك في تحققها فلعل تمسك العقلاء لإجل وجه آخر لا يتوقف على إحراز المقدمة المذكورة, ومن ثم السيرة المزبورة أعم من المدعى.
ويلاحظ عليه: أنه سيأتي عدم تمامية ما يذكر كدليل للاتجاه الثاني، فلا يبقى تخريج لا يواجه إشكالاً إلا المقدمة محل الكلام. وبعبارة أخرى إن هذا الإيراد يتم فيما لو احتملنا وجهاً صحيحاً آخر تُخرّج عليه الدلالة الإطلاقية, أما مجرد الاحتمال فلا قيمة له.
البيان الثاني(٤): إن ظاهر حال كل متكلم هو كونه في مقام بيان تمام مراده, ومن ثم كونه في مقام الإهمال أو الإجمال يحتاج إلى الدليل.
ويفترق هذا الوجه عن سابقه:
١. في الوجه الأول انطلق من لازم ثبوت الأصل إلى الأصل والذي هو الملزوم، أما في هذا الوجه فمباشرة ذهب إلى الأصل من دون توسيط لازمه.
٢. في الوجه الأول لم يوضح حقيقة هذا الأصل العقلائي، أما في الثاني فبين أن حقيقته هي ظهور حال.
نعم الوجه الأول يصلح أن يكون دليلاً على حجية الظهور الحالي. هذا بعد الفراغ من ثبوته صغروياً، حجة موضعية وإن لم تثبت حجية الظهور الحالي بصورة عامة أو في دائرة أوسع من الدلالة الإطلاقية.
ومن ثم الوجه الثاني هذا يحتاج إلى بحث صغروي من أن المقام فعلاً ظاهر حال كل متكلم ما ذُكر، وبحث كبروي في حجية الظهور الحالي، وقبلهما نذكر مقدمة في المقصود بظهور الحال وبعض خصوصياته.
أما المقدمة(٥): ظهور الحال هو الكشف المستند إلى حال المتكلم، فالكاشف في المقام هو الحال لا اللفظ ولا الفعل، وما يكشف عنه الحال تارة يكون مدلولاً عرفياً, أي ينسبق إليه ذهن الإنسان العرفي، وأخرى لا يكون كذلك بأن يكون عقلياً أو علمياً، والمقصود هنا هو الأول كما هو الشأن في الظهورات اللفظية، فالنتيجة أن الحال هيئة يكون عليها المتكلم لها مدلول عرفي أو غير عرفي.
والظهور الحالي منه نوعي ومنه شخصي كالظهور اللفظي، وتارة يكون من القرائن المكتنفة بالكلام، وأخرى مكتنفة بالفعل, وثالثة ظهور حالي بحت. وهو المجرد عن كليهما كما في حال السكوت والتقرير.
والإحراز الحالي في نفسه دليل لبي يُقتصر فيه على القدر المتيقن إلا في حالات خاصة تُذكر في محلها، كما أن إحراز هذا الحال الدال على المدلول العرفي قد يبلغ مرتبة القطع, فيكون حجة لحجية القطع، وقد يبلغ الاطمئنان فيكون حجة أيضاً لحجية الاطمئنان العقلائي مطلقاً، وقد يكون ظهوراً فيحتاج إلى إثبات حجية. وهو البحث الكبروي الذي أشرنا إليه. انتهت المقدمة.
أما صغروياً: فإن مصحح الاتصاف بهذا الحال هو التكلم بلفظ يصلح أن يكون مطلقاً. وهو فيما لو كان مدلول اللفظ ماهية وسيعة, كما سيأتي في المبحث الثالث, لا كل لفظ. ولذا لو كان ساكتاً لم يتصف بالحال الخاص أو أن الكلام كان بلفظ لا يصلح أن يكون مطلقاً.
أما كبروياً: أي حجية الظهور الحالي: إن الظهور الحالي الإطلاقي عرفنا الدليل على حجيته بالخصوص, أما حجية الظهور الحالي بصورة عامة فتفصيله في محله إنما نذكر هنا إجماله:
وهو أن الظهور اللفظي المفروغ من حجيته بدؤه من الظهور الحالي وانتهاؤه إليه، فلا قيمة للظهور اللفظي بدون الظهور الحالي.
أما البدء: فالظهور الكاشف عن كون المتكلم عندما يُلقي كلامه أنه في مقام أصل البيان, لا الإجمال والإبهام هو ظهور حال، والظهور الكاشف عن كونه ليس غافلاً عندما صدر الكلام منه, بل ملتفت إليه أيضاً هو ظهور حال، ويعبر عنه بأصالة عدم الغفلة.
وأما الانتهاء: فإن الكاشف عن الإرادة والقصد مطلقاً ـ سواء أكانت إرادة استعمالية أم إرادة جدية، هذا في الألفاظ، أو إرادة في غير مقام الألفاظ ـ ليس إلا الحال بعد عدم أخذ الإرادة في معاني الألفاظ.
وكذلك الكاشف عن متابعة المتكلم لقوانين لغته وعرفه أيضاً ظهور حال.
فالحاصل أننا ما لم نسلم بهذه الحزمة من الظهورات الحالية في البدء والختم, لا مجال للظهور اللفظي إلا أن يدعى القطع من هذه الأحوال أو الاطمئنان بما لا يرجع إلى الاعتماد على ظهور الحال، وهو كما ترى. هذا مضافاً إلى ما ذكرناه من الحجية الموضعية للظهور الإطلاقي، ومن ثم لا يبعد التعميم لكل ظهور حالي.
قد يقال الظهورات الحالية المزبورة مكتنفة بالكلام. ولذا قد لا يستفاد من الوجه الإجمالي هذا في إثبات حجية الظهور الحالي المكتنف بالفعل أو الظهور الحالي البحت.
ولكن لا يخفى بناء العقلاء على أصالة عدم الغفلة في جميع التصرفات من الأفعال والأقوال, وحتى الأحوال. وعرفنا أنها ظهور حال – طبعاً بما لا يلزم معه محذور الدور- .
فتحصل أن حجية الظهور الحالي بصورة عامة أمر لا مفر منه.
الوجه الثاني: حُكي في المطارح: (وهل هناك أصل يُرجع إليه عند الشك في ورود المطلق في مقام البيان؟ قد يقال إن أغلب موارد استعمال المطلقات إنما هو ذلك، فعند الشك يجمل عليه، وليس بذلك البعيد فتأمل)(٦).
وبعبارة أخرى: إذا ألقى المتكلم اسم الجنس مثلاً وشككنا أنه في مقام بيان تمام مراده أم لا؟ فإنه لما كان أغلب الموارد التي يستعمل المتكلم فيها المطلق يكون في مقام البيان لتمام مراده، فإن هذا يستدعي أن نحمل المورد المشكوك على الغلبة المذكورة.
ولا يخفى أن هناك فرقاً بين غلبة استعمال الألفاظ المطلقة في الإطلاق, وبين غلبة كونه في مقام البيان عند استعمال الألفاظ المطلقة. إذ الأولى غلبة خارجية, والثانية غلبة استعمال. ومنه يتضح أن الغلبة المذكورة في هذا الوجه إنما هي غلبة خارجية لا في الاستعمال. والغلبة الخارجية في نفسها لا حجية لها إلا إذا كانت مرتكزة في أذهان أهل المحاورة بحيث يعدونها من القرائن المكتنفة بالكلام الموجبة للظهور على وفقها، ولا دليل على أن المقام كذلك.
وبهذا اتضح أن لدينا أصلاً عقلائياً نحرز به وجود المقدمة - محل البحث- عند الشك في وجودها، وهوية هذا الأصل أنه ظهور حالي.
هذا من جهة, ومن جهة أخرى: قد يقال ما هي النكتة الثبوتية التي دفعت المتكلم إلى أن يكون غرضه بيان تمام مراده بكلامه؟ فقد وقع الكلام في تحليل ذلك من جهة أنه لا مكان للتعبد عند العقلاء, سواء في ارتكازياتهم أم سلوكياتهم أم محاوراتهم، ويمكن أن يذكر لذلك وجهان:
الوجه الأول(٧): إن طبع الكلام والمتكلم يقتضي أن يكون المتكلم في مقام البيان.
توضيحه: إن لكل شيء اقتضاءً يمثل طبعه. فطبع المتكلم مقتضٍ لبيان مقاصده والإفصاح عن مرامه من خلال الكلام وما يلحق به من قرائن حالية ومقامية وسياقية وغيرها، ومنه يظهر تقييد الطبع بالمتكلم من باب التغليب, بل لا يبعد أن المتكلم والكلام أخذا بما يشمل الأمور المذكورة، والكلام بطبعه كاشف عن تلك المقاصد، فالأول أشبه باللم والثاني أشبه بالإن، ولإجل الثاني هذا كان بناء العقلاء على كاشفية الكلام عن مقاصد المتكلم، فتحصل أن طبع المتكلم يقتضي الإفصاح عن تمام مرامه, وجميع ما هو دخيل في مراده, ولا يحيد عن ذلك إلا بمانع عن مقتضى طبعه هذا.
ويُستدرك على كلام المحقق النائيني S أن النافع في المقام هو طبع المتكلم, لا طبع الكلام. ولذا اقتصر عليه المحقق الأصفهاني, والسيد الشاهرودي T والوجه في كونه النافع في المقام هو أننا في مقام بيان السر الذي يدفع المتكلم لبيان تمام مراده لا بعضه، وفي الجملة لا في ما يكشف عن أن ما ذكره تمام مراده.
الوجه الثاني(٨): إن للإنسان التزاماً وتعهداً بجعل الكواشف مطابقة لمراداته الواقعية سعة وضيقاً, وهذا هو معنى تبعية مقام الثبوت للإثبات. فعلى هذه ليس للمتكلم أن يأتي بلفظ مطلق مع أنه أراد في الواقع المقيد؛ لأنه خلاف مقتضى تعهده.
ولكن لا يخفى أن لهذا التعهد والالتزام منشأ وليس هو إلا طبع المتكلم الذي ذكر آنفاً.
الاتجاه الثاني:
ما ذهب إليه أخيراً جملة من الأعلام(٩) من أن الإطلاق سنخ ظهور لفظي محض به تُحلُّ الإشكالية المذكورة، أما مقدمة الاتجاه الأول فلا دليل على وجودها, ولا تجدي على فرض وجودها، فهنا أمران:
الأمر الأول: إقامة الدليل على عدم وجودها، وعلى عدم جدواها على فرض وجودها.
أما عدم وجودها(١٠):
فإنه ليس في أذهان أهل المحاورات والعقلاء من المقدمة المذكورة عين ولا أثر، مما يكشف عن أن بناءهم على الإطلاق لا يدور مدار إحرازها.
ويلاحظ عليه:
إن فهم العرف وبناء العقلاء إنما يكونان وفق ارتكازات عقلائية ثابتة في أعماق أنفسهم، وهم غير ملتفتين لها تفصيلاً, ولا عارفين أنها الموجب لذاك الفهم والباعث لذلك البناء، ووظيفة الأصولي والمتابع للظواهر العقلائية تحليل تلك الارتكازات وإبرازها بصورة واضحة, وصياغتها صياغة علمية محددة كي يمكن الاستفادة منها بصورة أسهل وأكثر.
نعم دعوى الارتكاز العقلائي تحتاج إلى إثبات وجود هذا الارتكاز بالتحليل والاستقراء, ودعمه بالشواهد العقلائية.
ونحن في المقام إنما صنعنا ذلك. فقد أقمنا الدليل الإثباتي والأساس الثبوتي لهذه المقدمة, وستأتي مناقشة كل ما اعتُرض به عليها, ورد ما يطرح كبديل لها، فلا يبقى تخريج في المقام سالماً عن الإيراد إلا هي، وماذا نريد أكثر من ذلك؟
وأما عدم جدواها(١١) على فرض وجودها:
فيمكن أن يُطرح ببيانين:
البيان الأول: وهو يعتمد على الجانب الإثباتي, أعني الدلالة. وتوضيحه: أنه بعد البناء على أن خصوصية الإطلاق غير دخيلة في المعنى الوضعي لاسم الجنس مثلاً, فيكون حاله حال التقييد, كلاهما خارج عن المعنى الوضعي, ونسبة اللفظ إليهما على حد سواء. وحينئذٍ إرادة أي منهما تحتاج إلى بيان زائد على اللفظ، وعليه في حال ذكر اسم الجنس من دون ذكر القيد. فإنه كما لا بيان على القيد, كذلك لا بيان على الإطلاق, ومن ثم حمله على الثاني ليس بأولى من حمله على الأول. فكما لو كان القيد مراداً قبح ترك التعرض له, كذلك لو كان الإطلاق مراداً قبح ترك التنبيه عليه. وهذا يعني أن اسم الجنس لا زال مهملاً فيناقض ما ذكرتموه من كون المتكلم في مقام البيان.
ولا يقال: إن قرينة الحكمة هي الدال على الإطلاق.
فإنه يقال: إن قرينة الحكمة وظيفتها دفع المزاحم, لا إيجاد المقتضي في مدلول اللفظ.
البيان الثاني: إن الإطلاق اللحاظي ثبوتاً أو زائداً على الطبيعة ومن محمولاتها بالضميمة, واسم الجنس نسبة إلى الإطلاق والتقييد على حد سواء, فلا يحكي إلا ذات الطبيعة، وقرينة الحكمة لا تفيد دالاً آخر إثباتاً, وإنما تنفي باقي الاحتمالات كما مضى بيانه في حلّها للإشكالية المذكورة في أول هذا لمبحث، وعليه الكشف عن ذلك الأمر الزائد خارج عن مدلول اسم الجنس, حتى بعد قرينة الحكمة.
ومهم ما يمكن أن يجاب به:
الوجه الأول(١٢): قال المحقق الشيخ حسين الحلي ما لفظه أن (بيان التوسعة والإطلاق إما بما يدل عليه. وإما بالسكوت عن التقييد, مع كونه في مقام البيان وقدرته عليه, ليكون ذلك قرينة على كيفية إيراده الحكم من باب أن سكوته مع تمكنه من بيان القيد هو عبارة أخرى عن لحاظ عدم التقييد، أعني لحاظ الطبيعة مطلقة في مقام الحكم عليها).
فثبوتاً الإطلاق هو لحاظ عدم التقييد, فتكون الطبيعة الملحوظة كذلك في مقام الحكم عليها مطلقة. والدال على ذلك إثباتاً هو إما التصريح بذلك وإما السكوت عن التقييد مع كونه في مقام البيان. فإن هذا السكوت ما يكشف عنه بنحو المطابقة هو عدم إرادة المقيد, أي عدم لحاظ التقييد وما يكشف عنه بنحو الالتزام هو أنه لاحظ عدم التقييد عندما ألقى اسم الجنس, وعليه الدال على الإطلاق موجود أما الدال على التقييد فمنفي, فيكون الأول أولى من الثاني، وأيضاً ظهر أن قرينة الحكمة تمثل دالاً آخر ينضم إلى اسم الجنس. وهو الذي يحكي خصوصية الإطلاق دون اسم الجنس. ومن ثم فليس دورها دفع المزاحم فحسب, بل دخيلة في مقتضى الإطلاق.
فالحاصل: إن القرينة الحالية هي التي تدل على عدم لحاظ القيد والذي هو الإطلاق, ولكن بنحو الالتزام لا المطابقة.
الوجه الثاني: ما ذكره السيد الشهيد S(١٣) وبيانه بمقدمتين بترتيب مني:
المقدمة الأولى: إن في مقام الثبوت عندنا لحاظ وملحوظ, وهو متعلق اللحاظ. وكل منهما له شؤونه الخاصة به, وإذا نُسبت إلى الآخر فبواسطة في العروض ومجاز في الإسناد، وهنا نسأل عن مقدار ما يعكسه مقام الإثبات عن مقام الثبوت؟ هل يعكس تمام ما موجود في ذهنه, حتى ما يرتبط بذات اللحاظ أم يعكس قسماً منه, ومع ذلك يكون وافياً بمراده؟
ما يُحدد ذلك المقدمة محل البحث, أي كونه في مقام بيان تمام مراده بخطابه، وهي تفيد أنه بصدد بيان كل ما يدخل تحت لحاظه, لا كل ما هو في ذهنه مما يرتبط بالقضية, حتى ما يرتبط بذات اللحاظ, بل ليس كل ما تحت لحاظه حتى في مرحلة المدلول التصوري والاستعمالي للفظ, بل خصوص ما يكون داخلاً تحت اللحاظ في مرحلة المدلول الجدي, أي مرحلة الإسناد والحكم.
والسر فيه: أنه على المبنى الذي يرى أن الإطلاق داخل تحت اللحاظ يستلزم أخذ الإطلاق في موضوع الحكم, ومن ثم يكون الموضوع بما هو مطلق ومجرد عن القيد، وواضح أنه ليس من أفراد هذا الموضوع في الخارج ما يكون مطلقاً ومجرداً عن القيد.
فتحصل أن كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده المقصود منه في مقام بيان ما تحت لحاظه, وخصوص ما يكون مراداً جداً.
المقدمة الثانية: إن حقيقة الإطلاق ثبوتاً إما أنها عدم لحاظ القيد, كما اختاره هو S، أو لحاظ عدم القيد, كما عليه السيد الخوئي S.
أما على الأول فواضح أنه إذا كان مراده المطلق فما يدخل تحت لحاظه لا يزيد على ذات الماهية, فلا يحتاج إلى دال إثباتاً وراء ذات الماهية, ومن ثم هو قد بيِّن تمام مراده بخطابه فلا يلزم نقض الغرض. أما إذا كان مراده المقيد فما يدخل تحت لحاظه يزيد على ذات الماهية فيجب عليه إثباتاً أن يأتي بما يدل على القيد وإلا نقض غرضه.
أما على الثاني فهنا احتمالان:
أحدهما: أن الإطلاق الثبوتي يدخل تحت اللحاظ, ولكن في رتبة قبل المراد الجدي فإنه يأتي ما ذكرناه آنفاً.
والآخر: أن يدخل تحت اللحاظ في رتبة المراد الجدي, فلابد من وجود دالٍ عليه إثباتاً. والحال أنه لم يذكر إثباتاً إلا اسم الجنس من دون أي دالٍ عليه وبذلك يكون ناقضاً لغرضه.
ولكن يمكن تعيين المطلق في مقابل المقيد بأصالة عدم العناية الزائدة بناءً على دعوى أن خصوصية الإطلاق أقل مؤونة من خصوصية التقييد، فإن زيادة المطلق على ذات الماهية وإن لم تكن تقل بالنظر الدقيق عن زيادة المقيد؛ لأن الإطلاق يزيد على ذات الماهية بلحاظ عدم دخل القيد، والمقيد يزيد عليها بلحاظ دخل القيد، ولكن النظر العرفي المعتمد في مرحلة الدلالة والظهور يقضي بأقلية زيادة المطلق عن زيادة المقيد؛ لأن زيادة المطلق لحاظ العدم, وزيادة المقيد لحاظ الوجود, ومن ثم إرادة المطلق تصبح أقل عناية وأقل مخالفة للظهور الحالي المذكور من إرادة المقيد بحسب هذا النظر. فيتعين المطلق بالأظهرية.
أقول:
١. يستدرك على السيد الشهيد S أنه لم يتعرض للمسلك الآخر في حقيقة الإطلاق ثبوتاً. وهو لحاظ السريان وله تصويرات ثلاثة:
أ. أن يرجع إلى البشرط شيء, أي الماهية مقيدةً بمفهوم السريان.
ب. لحاظ الماهية في حالة السريان أي بنحو القضية الحينية أي السريان يُلحظ للماهية حال كونها في الذهن لا أنها مقيدة به.
ج. لحاظ السريان مصحح لتسرية الحكم إلى تمام الأفراد. أما موضوع الحكم فهو الطبيعة فحسب. وعلى بيانه S الأول يجري فيه الاحتمال الثاني, أما الأخيران فالاحتمال الأول.
٢. تحصل أنه ثبوتاً إذا كان في مرحلة صب الحكم ليس إلا ذات الطبيعة, بأن كان عدم لحاظ القيد أو لحاظ السريان مصححاً أو بنحو القضية الحينية, ومن ثم يكون قبل هذه المرحلة ومقدمة لها. والغرض منها أن تكون ذات الطبيعة تمام موضوع الحكم وليست جزءً من موضوع الحكم. وعندئذٍ تكفي أصالة التطابق بلا حاجة إلى دال آخر.
أما إذا كان في مرحلة صب الحكم شيء زائد على الطبيعة, سواء أكان لحاظ عدم القيد أم السريان, فإن هذا الزائد والذي يمثل الإطلاق لا يتمثل من خلال دالٍ في مقام الإثبات.
ومن هنا يظهر أن الاعتراض المذكور إن تم فإنما يتوجه على بعض المباني في حقيقة الإطلاق الثبوتي دون جميعها.
ومع ذلك يثبت الإطلاق لما ذكر في الاحتمال الثاني من التمسك بأظهرية المطلق من المقيد؛ لأنه أقل عناية وأقل مخالفة لكون المتكلم في مقام بيان تمام مراده، ويمكن أن نذكر وجهين آخرين لإثبات الإطلاق:
الأول: ما ذكرناه في مقام توضيح مراد المحقق الشيخ حسين الحلي S حيث إن قرينة الحكمة تدل بالالتزام على اللحاظ الإطلاقي ولا يؤثر في ذلك اختلاف المبنى في حقيقة الإطلاق ثبوتاً, فإنه إنما يؤثر فيما لو قلنا إن الدال على خصوصية الإطلاق تمر عبر اسم الجنس, ولكن بتوسط قرينة الحكمة، دون ما إذا كان دال آخر يحكي مباشرة خصوصية الإطلاق فتدبر. وعلى هذا الوجه يكون الإطلاق ظهوراً لفظياً.
الثاني: ما يناسب ما حُكي عن بعض الأعاظم F(١٤) من أن الإطلاق يُستكشف بحكم العقل, من جهة أنه إذا تعلق الحكم في مقام الإثبات بماهية مهملة ولم يقيدها المولى مع تمكنه من التقييد وكان في مقام البيان, فإن العقل يحكم بثبوت الإطلاق في مقام الإثبات, فيكون الإطلاق حكماً عقلياً، لا ظهوراً لفظياً.
فتحصل أن أقصى ما يقتضيه البيانان المذكوران هو أن الإطلاق إن لم يكن ظهوراً لفظياً يكون حكماً عقلياً ودعوى عدم الجدوى لا جدوى فيها.
الأمر الثاني: إثبات الإطلاق وحل الإشكالية المذكورة استناداً إلى الظهور اللفظي المحض ومن دون الاستعانة بقرينة الحكمة.
ويُذكر لذلك تقريبان:
التقريب الأول: ما ذهب إليه المحقق الأيرواني S(١٥) من أنه بعد البناء على أن اسم الجنس إنما وضع للماهية من دون أخذ الإطلاق كحدٍ زائدٍ عليها، فإن هذه الماهية في حد ذاتها مطلقة سيالة سارية في أفرادها، وليست خالية عن وصف الإطلاق كخلوها عن وصف التقييد، وسريانها هذا لكونه ذاتياً لا يتغير وإن لوحظت الماهية مع ألف قيد، ولا معنى لعدّه من اعتبارات الماهية, إذ أنها بلحاظ العوارض المفارقة للماهية.
إن قلت: لازم هذا أن تصدق الماهية المقيدة على فاقد القيد، ولا تتصف بالتقييد ولا بالإهمال إذ المقابل أعني الإطلاق لا يقبل مقابله من التقييد والإهمال. والحال أن الوجدان مخالف لذلك كله.
قلت: أما عدم صدق الماهية المقيدة على فاقد القيد فلأجل عدم صدق قيدها. فحكم الجزء يسري إلى الكل.
وأما توصيف الماهية بأنها مقيدة فهو في الحقيقة توصيف لها باعتبار القيد, ومن باب الوصف بحال المتعلق, ومن جهة قيدها مقيدة فصفة التقييد ذاتية للقيد
وعرض للمقيَّد.
وأما توصيفها بأنها مهملة فأيضاً توصيف لها باعتبار قيدها, فالماهية إذا قُيِّدت بقيد, ثم أُهمل ذكر القيد ولم يعيِّن قيل: إن الماهية مهملة يراد أنها مهملة القيد لا مهملة الذات، فالماهية المهملة من أقسام الماهية المقيدة, وامتازت بأنها لم يذكر قيدها.
هذا في تصوير السريان الذاتي للماهية وما استلزمه.
ومن ثم إذا توجه الحكم إلى نفس الطبيعة المجردة عن كل قيد, كان الحكم مطلقاً, وسرى بسراية موضوعه. فأينما وجد موضوعه أعني تلك الطبيعة توجه الحكم إليه وتعلق به بلا توقف على شيء -كقرينة الحكمة- وراء توجه الحكم في الخطاب إلى نفس الطبيعة. نعم عدم سراية الحكم حيث ما تسري الطبيعة يتوقف على إحراز أن المتكلم في مقام الإهمال, أعني أن الطبيعة مقيدة بقيد زائد أهمل ذكره المتكلم.
ومن أوضح الشواهد على ما ذكرناه أنه لا شبهة في أن وضع اللفظ بإزاء المعنى ضرب من الحكم عليه. فإذا كانت أسماء الأجناس موضوعة بإزاء الماهيات المهملة كان اللازم أن يتوقف عن استعمال اللفظ فيها, ولا يبادر إلى إطلاق ألفاظها عليها حيثما وجدت فإن ذلك شأن تعلق الوضع بالماهيات المطلقة. والوضع بإزاء الماهيات المبهمة المهملة كالحكم عليها يكون في حكم الجزئية, لا يجوز أن يستعمل اللفظ فيها إلا بعد استعلام أنها هي ما وضع لها بعينها. انتهى.
لا يحتمل أن يكون مقصود المحقق المذكور S هو أن السريان الذاتي هذا ينبغي أن يكون مأخوذاً في المعنى الوضعي، وما ذُكر من إيرادات على مسلك الدلالة الوضعية إنما كانت لإجل أن السريان المأخوذ في المعنى الوضعي زائد على الطبيعة لا من صميم ذاتها.
وإنما المقصود هو أن صب الحكم على الطبيعة بمجردها يساوق صبه على سريانها، ومن ثم التفكيك بينها وبين سريانها في صب الحكم هو الذي يحتاج إلى قرينة، وبهذا تحل الإشكالية المذكورة في أول هذا المبحث, من جهة أنه عند ذكر اسم الجنس من دون ذكر قيد معه يكون الأصل هو السريان الذاتي المذكور, وأما باقي الاحتمالات من الإجمال والإهمال وإرادة المقيد فإنه لا يصار إليها إلا بقرينة.
ويلاحظ عليه:
أن السريان الذاتي ليس إلا اتحاد الماهية مع أفرادها وشيوعها فيها. وميدان الاتحاد هو الوجود الخارجي دون عالم الذهن واللحاظ, والذي هو عالم الإطلاق والتقييد، ومن ثم لا يكفي في استحضار السريان الذاتي هذا استحضار الطبيعة, بل لابد من استئناف لحاظ آخر وراء لحاظها وتصورها، فما وقع فيه المحقق المذكور S هو إسراء أحكام الخارج إلى عالم الذهن في المورد الذي لا يشتركان فيه في الأحكام، فإن بعض الأحكام مختصة بالخارج, وأخرى مختصة بالذهن, وثالثة مشتركة بينهما، والسريان الذاتي من مختصات الخارج والإطلاق كما التقييد معنيان ذهنيان فهما من مختصات الذهن.
التقريب الثاني: إن إلقاء اسم الجنس مجرداً عن القيد في مقام جعل الحكم ظاهر في أنه تمام الموضوع فيكون هو الأصل، ولا يصار إلى التقييد الذي يكون فيه اسم الجنس جزء الموضوع, وكذا الإهمال إلا بقرينة.
وما يمكن أن يذكر شاهداً على الظهور المذكور أحد وجهين:
الوجه الأول: ما أفاده المحقق الحائري S(١٦): من أن تمام المراد هو ما تتعلق به الإرادة بالأصالة لا بالتبع، فإذا كانت الطبيعة هي تمام المراد فهذا يعني أن الإرادة تعلقت بها أولاً وبالذات، بخلاف مالو كان تمام المراد هو المقيد, فإن الإرادة تتعلق أصالة بالمقيد وتتعلق بالطبيعة تبعاً، فتكون الطبيعة جزءً للمراد
لا تمام المراد.
وظاهر الخطاب المشتمل على اسم الجنس من دون ذكر القيد أن الإرادة تعلقت أولاً وبالذات بالطبيعة, لا أنها تعلقت بها بتبع تعلقها بالمقيد.
ويقرب منه ما أفاده بعض الأعلام S(١٧) من أنه (لو كانت إرادة المتكلم على المقيد لقيام المصلحة به دون المطلق, لوجب أن يضع له علامة في اللفظ، وحيث لم يفعل ذلك يكشف عن تعليق إرادته واقعاً بالطبيعة أيضاً).
الوجه الثاني: ما أفاده بعض الأعلام S(١٨):
من أن اللفظ المأخوذ في موضوع الحكم موضوع لغة للطبيعة بما هي، وأخذها في موضوع الحكم ظاهر في أنها تمام الموضوع، وهذا الظهور نصطلح عليه بالظهور السياقي، وبهذا يرجع الظهور الإطلاقي إلى ظهور وضعي وظهور سياقي.
ومما يؤيد أن الإطلاق يستفاد مما ذكرناه هو الاصطلاح على ظهور المطلق
بالظهور الإطلاقي, فإنه ظاهر في وجود ظهور للمطلق، وهو إنما يتلاءم مع ما ذكرناه, إذ ليس مرجع مقدمات الحكمة إلى ظهور اللفظ في شيء.
وكلا هذين الوجهين لا يمكن المساعدة عليه:
أما الوجه الأول: فكأن المقصود منه أن خصوصية تعلق الحكم بالطبيعة على سبيل التبع تحتاج إلى بيان زائد, وعلامة في اللفظ بخلاف تعلق الحكم بالطبيعة بالذات, فإنه لا يحتاج إلى أكثر من ذكر الطبيعة مجردة عن القيد.
ولكن:
أولاً: إن ما ذُكر من أنه يجب على المتكلم أن يضع علامة في اللفظ فيما لو كان يريد المقيد, فأنه لم يتضح لنا منشأ هذا الوجوب!
فإنه على الاتجاه الحكمي مقتضى كونه في مقام البيان هو أن يذكر القيد فيما لو كان مراده المقيد, وإلا يلزم نقض الغرض وهو قبيح.
ومن ثم احتمال إرادة المقيد ومع ذلك لم يذكر في كلامه علامة عليه قائم بلا دافع، فيفضي إلى تزلزل الظهور المذكور على سبيل الصالح القرينة لو سلمنا أصل وجوده. وبهذا لا يكون ظهوراً فعلياً.
وثانياً: إن احتمال الإجمال بمعنى أن المتكلم أراد إظهار أصل تعلق الحكم بالطبيعة من غير بيان تعلقه بالمطلق, أو المقيد يطابق ما وضع له اسم الجنس لغةً حيث إن الموضوع له هو الماهية المبهمة المهملة, ومن ثم يكون منسجماً تمام الانسجام مع ذكر الطبيعة مجردة عن القيد، فلا يصار إلى الإطلاق أو التقييد إلا بدال.
وبهذا يظهر التأمل في الوجه الثاني, فإن السياق المذكور أقصى ما يدل عليه أن الطبيعة دخيلة في موضوع الحكم, أما أنها تمام الموضوع فلا يدل عليه.
أما ما ذكره من وجود ظهور إطلاقي فقد اتضح أن قرينة الحكمة تفيد أن الإطلاق ظهور لفظي تركيبي من ظهور حالي وظهور وضعي.
وبهذا انتهى الكلام في أصل المقدمة الأولى, وظهر أن الصحيح ما عليه المشهور من توقف انعقاد الإطلاق على كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده بخطابه.
الجهة الثانية: بعد أن ثبت أن الصحيح هو قرينة الحكمة, نتعرض في هذه الجهة لجملة من شؤونها في جوانب ثلاثة:
الجانب الأول: في صياغتها وتصور مفرداتها, ويعبر عن هذه المقدمة بهذه الصياغة: (كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده من الجهة التي يُراد التمسك بالإطلاق بلحاظها).
فهي مؤلفة من شقين: أصل كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده، وكون تمام المراد من هذه الجهة أو تلك، وثبوتاً لابد من الملازمة بين الشق الأول وإحدى الجهات على الأقل, وإلا يلزم التناقض. إذ لا معنى لكونه في مقام بيان تمام مراده ومع ذلك لا يكون في مقام بيان أي جهة أصلاً، نعم إثباتاً قد يُشك في أنه في مقام البيان من هذه الجهة أو تلك, وسيأتي التعرض لذلك في الجانب الثالث الآتي.
والمقصود بـ(الجهة) في الصياغة المذكورة:
هو الموضوع أو الحكم أو المتعلق, وتوضيحه:
أن في المادة القانونية عناصر ثلاثة: الحكم، متعلقه، وموضوعه، والأولان واضحان. أما الموضوع فالمراد به في قبال المتعلق ما اصطُلح عليه من قبل المتأخرين.
وهو: ما وضع مفروضاً وجوده, وأنيط به الحكم. فلا يكون الحكم فعلياً إلا بعد تحقق الموضوع في الخارج, ولأجل إناطة الحكم به يكون فوق دائرة الطلب, لا أن الحكم محرك إليه.
إذاً الموضوع تعبير عن القيود والشرائط والموانع المعتبرة في فعلية الحكم هذا ثبوتاً.
أما إثباتاً أي في مقام الخطاب, فالقيود المذكورة تارة تكون قيداً للتكليف في ظاهر اللفظ, وأخرى تكون بحسب ظاهر اللفظ متعلقاً للمتعلق, ولكن تكون ثبوتاً ولباً قيداً للحكم, ومن هنا تبرز العلاقة بين الموضوع ومتعلق المتعلق بحسب ظاهر اللفظ فإن منه ما يكون من شؤون المتعلق, ويكون تحت دائرة الطلب, ومنه ما يكون فوق دائرة الطلب, ومن ثم يكون مرجعه إلى أنه مما أُخذ في موضوع الحكم وإن كانت بعض العبائر قد يُستظهر منها المساواة بين متعلق المتعلق إثباتاً والموضوع ولكن بأدنى تأمل يتضح أنه غير مقصود.
وعليه يراد بالجهة عناصر المادة القانونية هذه، فيقال إنه في مقام بيان تمام القيود والشرائط والموانع المعتبرة في ثبوت الحكم أو المعتبرة في تحقق موضوع الحكم أو المعتبرة في متعلق الحكم، وعند الشك في اشتراط التكليف ننفيه بإطلاق الهيئة، وعند الشك في اشتراط الموضوع ننفيه بإطلاق الموضوع, وعند الشك في اشتراط المتعلق ننفيه بإطلاق المتعلق.
الجانب الثاني: إن بيان تمام المراد المذكور في المقدمة محل البحث هل هو المراد الاستعمالي ـ التفهيمي ـ أو المراد الجدي ـ الواقعي ـ ؟
إن طرفي النزاع في هذا الجانب هما خصوص القائلين بأن المأخوذ في مقدمات الحكمة خصوص عدم القرينة المتصلة، فإنه لو بنينا على أن الدخيل في مقدمات الحكمة عدم البيان - ولو منفصلاً- فإن الظفر بالمنفصل لا يُحتمل أن يكشف عن ارتفاع المقدمة محل البحث كما هو مبنى النزاع، وإنما يكشف عن ارتفاع المقدمة الثانية الآتية، ومن ثم أن الشيخ ومن وافقه ممن يبني على أن عدم البيان المنفصل دخيل في مقدمات الحكمة, لا معنى لمثل هذا النزاع على مبناهم، نعم سيأتي الكلام في المبنى وهذا أمر آخر، إلا أن يكون على تقدير التنزل أو على اتجاه آخر في مقدمات الحكمة من إرجاعها جميعاً إلى المقدمة محل البحث فتدبر.
وأولئك القائلون بأن الدخيل في مقدمات الحكمة خصوص عدم القرينة المتصلة اختلفوا في المقام على مسلكين: فذهب المحقق الخراساني وجملة من الأعلام S (١٩) إلى أنه المراد الاستعمالي، ويظهر من بعض آخر كالسيد الحكيم والسيد الشهيد T(٢٠) أنه المراد الجدي.
ومحور الكلام في هذا الجانب هو أن هنا ظاهرة دلالية وفهماً عرفياً لم يختلف فيه اثنان. وهي: عند الظفر بالمقيد المنفصل لا ينثلم الظهور في الإطلاق بالنسبة لبقية الخصوصيات الوجودية أو العدمية التي يُشك في إرادتها من الكلام المطلق, ومن ثم يصح التمسك به لنفيها.
والمسلك القادر على تخريجها من دون لزوم محذور هو المسلك الصحيح، فالقدرة على التخريج هي دليل وبرهان تمامية المسلك.
احتج المحقق الخراساني S على المسلك الأول بقدرته على تخريج الظاهرة الدلالية دون المسلك الثاني, حيث أفاد: أنه لو كان بيان تمام المراد المذكور في المقدمة محل البحث هو المراد الجدي, فإن الظفر بالمنفصل يكشف عن عدم كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده أصلاً، ومن ثم ينثلم الإطلاق. فلا يصح التمسك به لنفي القيود المحتملة. والحال أنه لا خلاف في عدم الانثلام بذلك.
والسر في الملازمة(٢١) أنه إذا لم يُذكر القيد متصلاً وذُكِرَ منفصلاً فهنا احتمالان:
الأول: إنه لم يكن في مقام البيان أصلاً, ومع ذلك كان مراده المقيد, ومن ثم ذكر القيد متأخراً.
الثاني: إنه في مقام البيان وكان مراده المقيد ومع ذلك لم يذكر القيد متصلاً, بل أخّر ذكره. ومن الواضح أن الاحتمال الثاني يستلزم نقض الغرض؛ لأنه كان يجب عليه أن يذكر القيد متصلاً، دون الاحتمال الأول.
وعليه ظهر أن الظفر بالمنفصل يكشف عن أنه في مقام الإهمال, وإلا كان ناقضاً لغرضه.
وهذا المحذور يلزم على المسلك الثاني، ولا يلزم مثله على المسلك الأول إذ الظهور إنما يكشف مباشرة عن المراد الاستعمالي, ثم بأصالة التطابق بينه وبين المراد الجدي يُحدد المراد الجدي، وما يؤثر في الظهور خصوص المقيد المتصل, وأما المنفصل فإنه يؤثر في رفع أصالة التطابق بين المراد الاستعمالي والمراد الجدي, حيث يكشف عن أن المراد الجدي أضيق من المراد الاستعمالي مع بقاء المراد الاستعمالي على إطلاقه وسعته دون انثلام. وعليه فإنه ينكشف عدم الإطلاق على مستوى المراد الجدي من جهة القيد المنفصل المفروض, أما من غير جهة القيد المذكور فالأصل تطابق المراد الاستعمالي والجدي فيحرز إطلاق المراد الجدي من جهة القيود الأخرى, لمكان إطلاق المراد الاستعمالي.
وأما المسلك الثاني فقد أجاب(٢٢) عن المحذور المذكور بما توضيحه:
أنه يجوز أن يكون المتكلم في مقام البيان من حيث قيد, ولا يكون في مقام البيان من حيث قيد آخر، فإذا ورد المقيد المنفصل كشف عن عدم كون المتكلم في مقام البيان من حيث القيد الوارد, ولكنه في مقام البيان من حيث غيره من القيود فيكون مطلقاً من هذا الحيث, ويجوز التمسك بهذا الإطلاق، كما لو قال (أكرم العالم) وتمت قرينة الحكمة فيكون المراد من العالم مَنْ يتصف بصفة العلم, سواء أكان عادلاً أم فاسقاً، وسواء أكان هاشمياً أم غير هاشمي، وسواء أكان عربياً أم غير عربي، وهكذا بالنسبة لبقية التسويات والانقسامات، فإذا ورد بعد ذلك على نحو المقيد المنفصل (لا تكرم الفاسق من العلماء) فإنه يستدعي رفع اليد عن ظهوره في التسوية بين الفاسق والعادل, من جهة أن المقيد المنفصل كشف عن أنه ليس في مقام البيان من جهة التسوية هذه، وأما بقية التسويات والانقسامات فهو في مقام البيان من جهتها فيكون مطلقاً بالنسبة إليها، ويجوز التمسك به لنفي احتمال إرادة أي من هذه القيود.
وفي المقصود بهذا الكلام احتمالان:
الاحتمال الأول: ما يوافق ظاهره من تعدد الأصل العقلائي. وهو كونه في مقام البيان بعدد التسويات والانقسامات, فيكون المقيد المنفصل كاشفاً عن أنه ليس في مقام البيان من جهة التسوية الخاصة به. وأما من حيث باقي التسويات فالأصول العقلائية لا رافع لها، ومن ثم لا ينثلم الإطلاق من جهتها.
ويلاحظ عليه: أنه لا يوافق تفسير التمام المذكور في المقدمة محل البحث من أنه جميع القيود والشرائط والموانع المأخوذة في موضوع الحكم، فإنه إذا كان لقيد عدم الفسق دخل في موضوع الحكم, كان من اللازم أن يذكره في الكلام, وأما كونه ليس في مقام البيان من جهته. فهذا يعني أنه في مقام الإهمال، وعليه هذا الاحتمال يستلزم أن لا يكون المتكلم في مقام البيان من جهة جميع القيود, بل في مقام الإهمال.
الاحتمال الثاني: أن يكون المقصود هو انحلال الأصل العقلائي والمقدمة الأولى إلى أصول عقلائية بعدد التسويات. وما يمكن أن يكون تخريجاً لتعدد الأصول العقلائية - سواء بالإنحلال كما في هذا الاحتمال أم من الأول كما في الاحتمال الأول- هو على أساس أن المقنن عندما يريد أن يحكم حكماً مطلقاً يلحظ القيود المحتمل دخالتها في موضوع حكمه مقدمة لأخذها أو رفضها، وهذا يعني أنه يلحظها قيداً قيداً, وتسوية تسوية, ويرفضها قيداً قيداً إذا لم يكن القيد دخيلاً في موضوع حكمه، وكذلك يكون في مقام البيان.
ويرد على هذا الاحتمال ما ذكرناه على الاحتمال الأول، وأما كونه انحلالياً فلا يفيد في دفعه، مضافاً إلى أننا نمنع الانحلال في مثل ذلك.
بقي شيء: وهو أنه قد تذكر بعض الأبحاث في هذا الجانب كإنكار الإرادة الاستعمالية(٢٣)، أو كون حقيقة التكليف(٢٤) أنه إنشاء بداعي جعل الداعي في نفس المكلف على أساس أنه مراد جدي للمقنن, وأن المراد الجدي هو موضوع الآثار العقلائية، وغيرها من الأبحاث، وهي لما لم تكن مختصة بالدلالة الإطلاقية وإنما يعقد الكلام حولها في بحث العام والخاص وبحث التعارض, وليس للمقام خصوصية لم نتطرق لها في بحثنا هذا.
الجانب الثالث: في حدود الأصل العقلائي:
المقدمة محل البحث تارة تُحرز بالقطع أو الاطمئنان, وأخرى يُشك في تحققها - بمعنى عدم القطع أو الاطمئنان- وفي هذه الحالة أثبتنا في الجهة الأولى من هذه المقدمة وجود أصل عقلائي حقيقته أنه ظهور حالٍ يُرجع إليه عند الشك المزبور, فيثبت به تحقق المقدمة المنظورة، وهذا الأصل من الأهمية بمكان إذ عليه يبتني جواز التعويل على المطلقات من أول كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات, فإنه لا طريق لنا إلى إحراز كون المتكلم في مقام البيان إلا بالأصل العقلائي هذا(٢٥). وقد مضى في الجهة الأولى من هذا المبحث إقامة الدليل على وجوده، وبيان الأساس الثبوتي الذي يدفع المتكلم كي يكون غرضه من الكلام إبراز تمام مراده بكلامه.
وفي هذا الجانب نريد التعرض لحدود الأصل العقلائي المذكور, فنقول:
تارة نحرز أن المتكلم في مقام بيان أصل الحكم, وأخرى نشك أنه في مقام بيان أصل الحكم أم في مقام بيان حدوده، وثالثة نحرز أنه في مقام بيان الحدود، وحينئذٍ تارة نحرز أنه في مقام بيان حدود الحكم فحسب، وأخرى مع هذا الإحراز نشك أنه في مقام بيان حدود حكم آخر أو أحكام أخرى، وثالثة نشك أنه في مقام بيان حدود هذا الحكم, أو حدود حكم آخر, أو جميع الأحكام المتصور تعلقها بالطبيعي.
فهذه حالات خمسة لا يخرج عنها مورد:
١. إحراز أنه في مقام بيان أصل الحكم -أي أصل التشريع-.
٢. الشك أنه في مقام بيان أصل الحكم, أم في مقام بيان حدوده.
٣. إحراز أنه في مقام بيان حدود حكمٍ فحسب.
٤. أن نحرز أنه في مقام بيان حدود حكم, ونشك أنه في مقام بيان حدود حكم آخر أو أحكام أخرى.
٥. أن نشك في أنه في مقام بيان حدود هذا الحكم أو ذاك أو جميع الأحكام المتصور تعلقها بالطبيعي والمستفادة من الخطاب.
ولا يخفى أن تشخيص جريان الأصل العقلائي في أي من هذه الحالات منوط بالوجوه الإثباتية المذكورة في الجهةالأولى.
أما الحالة الأولى: فيما لو أحرزنا أنه في مقام بيان أصل الحكم, أعني أصل التشريع كقوله تعالى: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) فإنه لا يجري الأصل العقلائي المذكور. والوجه فيه ما أفادهُ المحقق النائيني S في أجود التقريرات حيث قال: (بداهة أن كون المولى في مقام التشريع يكون قرينة على أنه ليس في مقام بيان تمام مراده)(٢٦) ومثله في فوائد الأصول(٢٧) وأما ما حرره عنه المحقق الشيخ حسين الحلي S(٢٨) في مقام المقارنة بين الحالة الأولى هذه, والرابعة الآتية أنه قال: يكون بمنزلة القرينة المانعة من الأخذ بهذا الأصل, لا أنه موجب لعدم تحقق موضوع الأصل والسر فيه:
إن موضوع الأصل العقلائي هو أن يكون الكلام صادراً لإفادة شيء, وبعد كونه صادراً لإفادته يكون الأصل أنه مسوق لمقام البيان بالنسبة إلى ذلك الشيء الذي كان الكلام صادراً لإفادته, ومن ثم إذا كان الكلام مسوقاً لإفادة أصل الحكم فإن موضوع الأصل العقلائي متحقق, ولكن منع من الأخذ بذلك الأصل كونه في مقام بيان مجرد المشروعية.
ويبدو أن ظاهر أجود التقريرات أخذ الشك في موضوع الأصل العقلائي حيث قال: (عند الشك فيه)، وقال أيضاً (إذا دار الأمر بين كون المولى في مقام البيان, أو كونه في مقام التشريع فقط)، والصحيح أنه ينبغي التفريق بين موضوع الأصل العقلائي وموضوع الدلالة الإطلاقية, فإن ما ذُكر آنفاً إنما هو موضوع الدلالة الإطلاقية، ومن ثم إحراز أنه في مقام مجرد المشروعية يكون رافعاً لموضوع الأصل العقلائي لأجل رفعه أحد أجزاء الموضوع.
وأما الحالة الثانية: فهي القدر المتيقن من مجرى الأصل العقلائي.
وأما الحالة الثالثة: فلا حاجة فيها للأصل العقلائي المذكور، نعم قد يكون الإحراز بنفس الأصل العقلائي.
أما الحالة الرابعة: أي إذا أحرزنا ـ سواء أكان بالأصل العقلائي أم بغيره ـ أنه في مقام بيان حدود حكمٍ ما، وشككنا أنه في مقام بيان حدود حكم آخر, أو أحكام أخرى كما في قوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن}(٢٩) إذ بعد أن أحرزنا أنه وارد في مقام بيان كون ما عقره الكلب المعلَّم مذكى، نشك في أنه في مقام بيان طهارة موضع الاصطياد أيضاً أم لا؟
وفي هذه الحالة لدينا نقاط ثلاثة:
١. بعد الاتفاق على أن لا أصل عقلائياً في الجهة المشكوكة, ومن ثم الحمل
على الإهمال من جهتها. فإنه يظهر من المحقق النائيني S(٣٠) في فوائد الأصول أن الجهة المحرزة قرينة على أنه ليس في مقام البيان, من الجهة المشكوكة، وقريب منه ما أفاده الشيخ الأعظم S(٣١) من أن العقلاء يبنون على الإهمال من الجهة المشكوكة، أما في أجود التقريرات(٣٢) فأفاد المحقق النائيني S أنه لا دليل على كونه في مقام البيان أي لا يوجد بناء من العقلاء على أنه في مقام البيان من الجهة المشكوكة، وفرق بين وجود بناء من العقلاء على الإهمال، وبين عدم وجود بناء من العقلاء على أنه في مقام البيان.
٢. ذكرنا أن المحقق النائيني S في فوائد الأصول(٣٣) اعتبر الجهة المحرزة قرينة على أنه ليس في مقام البيان من الجهة المشكوكة, وأوضح حقيقة الحال فيما حرره عنه المحقق الشيخ الحلي في أصول الفقه(٣٤) في مقام التمييز بين هذه الحالة والحالة الأولى, بأن هذه الحالة (توجب عدم تحقق موضوع الأصل العقلائي, حيث إن صدور الكلام لبيان الحكم الأول يكفي في الحكم بأنه صدر في مقام البيان, وفي خروج الكلام عن كونه صادراً لبيان الحكم الثاني. وبالجملة: إن الكلام لم يكن مسوقاً لإفادة الحكم الثاني كي يكون من هذه الجهة مورداً لأصالة كون الكلام مسوقاً في مقام البيان, وإنما كان الكلام المذكور مسوقاً لإفادة الحكم الأول، ولما لم يكن الكلام مسوقاً لإفادة الحكم الثاني لم يتحقق بالنسبة إليه موضوع أصالة كون الكلام مسوقاً في مقام البيان, فإن موضوع هذا الأصل هو أن يكون الكلام صادراً لإفادة شيء, وبعد كونه صادراً لإفادته يكون الأصل أنه مسوق لمقام البيان بالنسبة إلى ذلك الشيء الذي كان الكلام صادراً لإفادته، والمفروض أن الحكم الثاني لم يكن الكلام صادراً لإفادته, فلا يكون الأصل المذكور جارياً بالنسبة إليه لعدم تحقق موضوع الأصل المذكور بالنسبة إليه, لا أنه قد تحقق فيه موضوع الأصل المذكور, ولكن منع مانع من الأخذ به).
ويبدو أن الجهة المحرزة أوجبت عدم تحقق موضوع الدلالة الإطلاقية في الجهة المشكوكة, لا عدم تحقق موضوع الأصل العقلائي، إذ لما كان في مقام بيان حدود الجهة المحرزة, أي التذكية في المثال, أي الشروط والقيود التي أُنيطت بها التذكية في قوله تعالى (فكلوا مما أمسكن) فإنه يعني أنه ليس في مقام بيان طهارة موضع الاصطياد أو نجاسته. فكيف يكون في مقام بيان حدود الطهارة أو النجاسة. وعليه موضوع الدلالة الإطلاقية في الحالة هذه غير متحقق لأجل أنه ليس في مقام بيان الحكم ذي الحدود المشكوكة.
٣. بعد الفراغ من عدم جريان الأصل العقلائي في الحالة الرابعة, إلا أنه أحياناً يلزم من التفكيك بين الجهتين في مقام البيان بأن يكون في مقام البيان من جهة, وفي مقام الإهمال أو الإجمال من الجهة الأخرى يلزم محذور. وعندئذ لابد من البناء على أنه في مقام البيان من الجهتين معاً والأخذ بإطلاقهما.
ونذكر لذلك مثالين:
الأول(٣٥): فيما إذا كان بين الجهتين ملازمة عقلية أو عادية أو شرعية في مقام الصدق, بحيث يُفضي التفكيك بينهما في مقام البيان إلى أن تكون موارد الإطلاق في الجهة المحرزة موارد نادرة الوجود. ولا يرتفع هذا المحذور إلا بالبناء على أنه في مقام البيان من كلا الجهتين، ومن هذا الباب كان بناء الفقهاء على طهارة سؤر الهرة, سواء أكان موضع السؤر خالياً من النجاسة أم لا، إذ البناء على خصوص خلو موضع السؤر عن النجاسة أمر نادر. والغالب عدم خلوه منها، ومن ثم اختصاص دليل طهارة سؤر الهرة بما إذا كان موضع السؤر خالياً من النجاسة يلزم حمله على الفرد النادر.
ولذا أفاد المحقق العراقي S في نهاية الأفكار(٣٦) أنه: (لابد أولاً من ملاحظة جهات القضية, وأن الكلام مسوق لبيان أي واحدة من الجهات، ثم بعد ذلك ملاحظة تلك الجهات المهملة التي لم يحرز كون المتكلم بالنسبة إليها في مقام البيان, بأنها من اللوازم غير المنفكة العقلية, أو الغالبية للجهات المطلقة أم لا).
الثاني(٣٧): ما ذكره السيد الأستاذ من أن التفكيك في مقام البيان بين الجهتين قد يوجب محذور الإغراء بالجهل, ووقوع المكلف في خلاف ما هو وظيفته الشرعية. قال ما لفظه: (إن كون المكلف في مقام البيان من جهة دون جهة أخرى, وعدم انعقاد الإطلاق لكلامه عندئذٍ من الجهة الثانية، وإن كان أمراً صحيحاً في أصله، ولكنه لا يتم في جميع الموارد.
مثلاً: إذا سأل المقلد مرجعه في التقليد عن حكم الدجاج المذبوح بالماكنة الآلية الموجود في الأسواق, فالسؤال ظاهر في كونه من جهة الاجتزاء بالذبح الآلي في التذكية وعدم الاجتزاء به. فإذا كانت فتوى المرجع عدم الاشتراط في الذبح أن يكون يدوياً, بل يجوز أن يكون آلياً، ولكن كان الواقع الخارجي أن معظم الدجاج المذبوح آلياً فاقد لشرط آخر في التذكية، والسائل غافل عن ذلك، فليس للمرجع في مقام الجواب وبيان الوظيفة العملية للمستفتي في تلك الواقعة -التي هي موضع ابتلائه- أن يقتصر على قوله: (حلال) من دون التنبيه على فقدان ذلك الشرط الآخر في معظم الدجاج الموجود في السوق بذريعة أنه في مقام البيان من جهة واحدة. وهي عدم كون الذبح باليد شرطاً في التذكية, وليس في مقام البيان من جميع الجهات لينعقد لكلامه الإطلاق من جهة عدم شرطية ذلك الأمر الآخر، فإن هذا غير مقبول في مثل المورد, ويعد إغراءً بالجهل.
وهذا بخلاف ما إذا لم تكن غلبة في فقدان الشرط الآخر في الدجاج المذبوح آلياً. حيث له الاقتصار عندئذ على بيان الحلية من حيث عدم اشتراط أن يكون الذبح باليد).
وأما الحالة الخامسة: فيما إذا لم تكن جهة يُحرز أنه في مقام بيانها, وإنما نشك أنه في مقام بيان هذه الجهة أو تلك أو جميع الجهات.
إذا قيل: بجريان الأصل العقلائي في هذه الحالة فإنه ثبوتاً لابد أن يكون في مقام البيان. ولو من جهة واحدة على الأقل, وإلا يلزم التناقض.
أما إثباتاً فيمكن أن يقال بلزوم البناء على أنه في مقام البيان من جميع الجهات لوجوه:
الأول: البناء على أنه ليس في مقام البيان من جميع الجهات - أي الإهمال أو الإجمال - يستلزم التناقض مع البناء على الأصل العقلائي، والبناء على أنه في مقام البيان من جهة معينة ترجيح بلا رجح، وعندئذ لا مناص من البناء على أنه في مقام البيان من جميع الجهات.
الثاني: الوجوه الإثباتية المذكورة في الجهة الأولى, أي مقام إثبات الأصل العقلائي قد تقتضي أنه في مقام البيان من جميع الجهات. ففي مطارح الأنظار(٣٨) إذا كان في أغلب موارد استعمال المطلقات كونه في مقام البيان من جميع الجهات فلا يبعد البناء عليه.
وحُكي(٣٩) عن السيد الخوئي S في بعض تقريراته الأصولية أن الأصل في كل كلام أن يكون في مقام البيان من جميع الجهات لاستقرار طريقة العقلاء على حمل الكلام على ذلك. ما لم تقم قرينة على عدم كونه في مقام البيان من جهة أو أكثر.
وهذا أيضاً يأتي في الحالة الرابعة؛ لأنه قامت قرينة على أنه في مقام البيان من جهة معينة, ولكن لم تقم قرينة على عدم كونه في مقام البيان من الجهة المشكوكة أو غيرها.
الثالث(٤٠): الغرض النوعي من ضرب القوانين وتأسيسها هو الاهتداء بها, والعمل على وفقها حيث تُحل بها المشاكل الاجتماعية والفردية. وهذا يستدعي أن يكون في مقام البيان من جميع الجهات المتصورة, ومن ثم البناء على الإطلاق. ولا يلزم نقض الغرض المذكور, فليس الوجه في البناء على الإطلاق وإلا يلزم نقض الغرض المذكور, فليس الوجه في البناء على الإطلاق هو الفرار من اللغوية في ضرب القانون حتى يقال بكفاية الإطلاق من جهة واحدة مثلاً. نعم لابد من إحراز كون الكلام ملقى على نحو القانون. وهذا يعرف من الدأب والديدن.
أقول: أما الوجه الثالث فمن الواضح أن الغرض المذكور يكفي فيه أن يكون في مقام البيان من جهة واحدة, ولا ضرورة في أن يكون من جميع الجهات، ويجدر الالتفات إلى أنه في علم القانون يُبحث حول طرق تفسير القانون, ويذكر ضمنها فيما لو كان النص القانوني غامضاً أو مبهماً إذا كانت عبارته تحمل أكثر من مدلول, فهنا يرون أن للفقيه الدستوري أو القاضي اختيار مفهوم واحد يمثل الأقرب للصواب على أنه المراد من المادة القانونية، ومنه يتضح أن البناء على الإطلاق من جميع الجهات يرتبط أيضاً ببحث استظهار أكثر من معنى من اللفظ.
أما الوجه الثاني: فما حُكي عن السيد الخوئي S فكما نبه عليه السيد الأستاذ [ من أن الصحيح ما ذكره S في تقريراته الأصولية(٤١) الأخرى من أنه ليس للعقلاء بناء. هذا بالنسبة للحالة الرابعة أما الحالة الخامسة هذه فقال السيد الخوئي S (لعله لم يتفق في شيء من الآيات والروايات, ولو اتفق في موردٍ فهو نادر جداً)(٤٢).
ومنه يظهر ما في دعوى الغلبة. أما الوجه الأول فإنه على فرض جريان الأصل العقلائي في هذه الحالة، والصحيح كما ظهر أنه لا بناء من العقلاء في هذه الحالة.
المبحث الثاني:
الثانية من مقدمات الدلالة الإطلاقية: أن لا يكون في الكلام قيد يمنع من انعقاد الإطلاق.
وهذه المقدمة ضرورية في انعقاد الإطلاق من جهة أن الإطلاق الثبوتي إنما يكتشف بأصالة التطابق بينه وبين الإطلاق الإثباتي، ولا إطلاق إثباتياً في المقام.
ومرادنا بالقيد ما يشمل القرائن الحالية والمقامية ونحوها.
وما يشمل الظاهر في الاحترازية والقرينية وما يصلح للقرينية، ويقع الكلام في جهات ثلاثة:
الجهة الأولى: في أخذ عدم القرينة المنفصلة في مقدمات الحكمة وعدمه. وفيه أقوال ثلاثة:
الأول: أخذها مطلقاً, وهو ظاهر إطلاق كلمات الشيخ الأعظم, والمحقق النائيني, والسيد الخوئي S (٤٣).
الثاني: عدم أخذها مطلقاً, واختاره جملة من الأعلام كالمحققين الخراساني, والعراقي T (٤٤).
الثالث: أخذها في من عادته بيان مراده بالتدريج معتمداً على القرائن المنفصلة فلا ينعقد الإطلاق إلا بعد مرور الزمان الذي يفرضه لبيان مراده دون مَنْ لا تكون عادته كذلك.
وإليه يرجع ما ذكره المحقق الأصفهاني, وصاحب المنتقى T (٤٥) قال الثاني (فإذا كان المتكلم في مقام بيان مرامه بالتدريج لم ينعقد الإطلاق قبل مرور الزمان الذي يفرضه لبيان مرامه).
أما القول الثالث فقد ذكروا في جوابه أن لا يمنع من انعقاد الإطلاق, وإنما يمنع من حجيته وتمامية أصالة التطابق بين المراد الاستعمالي والمراد الجدي، ولذا قال المحقق النائيني S(٤٦) أنه لا يجوز الحكم بأن ظاهر الكلام هو المراد النفس أمري إذا كان المتكلم ممن عادته الاعتماد على المنفصلات.
أما القول الأول فيمكن أن يُستدل له بوجهين:
الوجه الأول: إن مجرى مقدمات الحكمة هو المراد الجدي, سواء أنكرنا الإرادة الاستعمالية أم أذعنا بها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن القرينة المنفصلة محل تأثيرها المراد الجدي, ومن ثم لا مناص من كون عدمها من جملة مقدمات الحكمة.
ويلاحظ عليه:
٢. التأثير في المراد الجدي تارة يكون من خلال الظهور مباشرة وقبل مرحلة الحجية بأن يؤخذ في الخطاب، وأخرى يكون بتوسط الحجية كما هو الحال في القرائن المنفصلة، ومقدمات الحكمة تفيد الظهور لا الحجية.
الوجه الثاني: دلالة مقدمات الحكمة على الإطلاق الثبوتي إنما يكون بحكم العقل, لا أنها ظهور لفظي، والحكم العقلي معلق على عدم بيان مخالف له، وهو ما يحصل بالقرائن المنفصلة.
ومن ثم عدم القرينة المنفصلة مأخوذ في مقدمات الحكمة. ويمكن أن يُذكر وجهان لكون دلالة مقدمات الحكمة على الإطلاق الثبوتي دلالة عقلية, لا أنها دلالة لفظية.
الوجه الأول: ما يظهر من السيد الخوئي وآخرين S (٤٧) من أن الإطلاق غير داخل في مدلول اللفظ, فإنه موضوع للماهية المهملة، وإنما يثبت بحكم العقل بعد تمامية مقدمات الحكمة.
وجوابه قد ظهر أن مقدمات الحكمة قرينة حالية توجب في اللفظ دلالة على وفقها, وإلا لزم أن أغلب الدلالات عقلية لا لفظية, كما اتضح أن قرينة الحال لابد منها في الدلالة التصديقية.
وبعبارة أوضح إن الظهور الإطلاقي ظهور لفظي تركيبي يستند إلى لفظٍ كاسم الجنس مثلاً, وحال وهي مقدمات الحكمة.
الوجه الثاني: ما حُكي عن بعض أعاظم العصر F(٤٨) من (أن الإطلاق الثبوتي إذا كان أمراً وجودياً -ومن ثم تقابله مع التقييد تقابل التضاد- فإن مقام الإثبات لا يصلح أن يكون كاشفاً له. وذلك لأن الإطلاق الإثباتي لا يوجد فيه إلا عدم التقييد - ولذا اتُفق على أن التقابل بين الإطلاق والتقييد في مقام الإثبات من قبيل الملكة وعدمها- وهو لا يكشف عن ذلك الأمر الوجودي إذ لا ظهور للفظ في مقام الإثبات بذلك، وإنما يستكشف بحكم العقل لأنه لو تعلق الحكم في مقام الإثبات بقضية وماهية مهملة ولم يقيدها المولى مع تمكنه من التقييد, وكان في مقام البيان فيحكم العقل بثبوت الإرسال والإطلاق في مقام الثبوت من خلال ذلك).
ولا يخفى أن هذا البيان يجري فيما لو قلنا إن الإطلاق الثبوتي يناقض التقييد.
ويلاحظ عليه أن لازم هذا البيان أن يكون الإطلاق المنتج للحصة حكماً عقلياً لا ظهوراً لفظياً.
أما القول الثاني فيمكن أن يُستدل له بوجوه:
الوجه الأول: إن مقدمات الحكمة تفيد الظهور الإطلاقي لا حجيته, ومن ثم فالذي يدخل في تكوينه خصوص القرائن المتصلة كبقية الظهورات, ولم يثبت أن للعقلاء بناءً خاصاً في المورد.
الوجه الثاني: الصحيح أن المراد الاستعمالي هو مجرى مقدمات الحكمة، والقرينة المنفصلة إنما تؤثر في خصوص المراد الجدي, ومن ثم تكون خارجة عن حدود مقدمات الحكمة.
الوجه الثالث: إن أخذ عدم البيان المنفصل في مقدمات الحكمة يستلزم تقدم المقيد المنفصل على المطلق مطلقاً, وإن كان أضعف ظهوراً. والتالي باطل
فكذلك المقدم.
أما الملازمة: فلأجل أن المقيد المنفصل سيكون وارداً على المطلق.
وأما بطلان التالي: فلإن الصحيح في مناط التقديم في القرينية النوعية هو الأظهرية, ومن ثم إذا كان المطلق أقوى ظهوراً من المقيد يقدم عليه.
الوجه الرابع(٤٩): لو أُخذ عدم البيان المنفصل في مقدمات الحكمة لما أمكن إثبات الإطلاق في موردٍ. والتالي باطل فالمقدم مثله.
أما الملازمة: فلأجل عدم إمكان إحراز شرط مقدمات الحكمة, ومن ثم عدم انعقاد الإطلاق والشرط هو عدم التقييد بالمنفصل.
وأما بطلان التالي: فلوضوح انعقاد الإطلاق بمجرد انتهاء المتكلم من الكلام.
وقد يُشكل في الملازمة بأنه يمكن إحراز عدم التقييد بالمنفصل من خلال أصالة عدم القرينة.
والجواب: إن أصالة عدم القرينة إنما تجري فيما إذا كان هناك ظهور في مقام الإثبات يقتضي إفادة معنى, واحتمل ورود القرينة على خلافه، ففي مثل ذلك تجري أصالة عدم القرينة, وجعلها لباً إلى أصالة الظهور, وعدم جواز رفع اليد عن كشفه النوعي لمجرد الاحتمال, أما في المقام فلا يوجد - بقطع النظر عن مقدمات الحكمة- أي ظهور يقتضي إفادة الإطلاق.
ولا يخفى أن هذا أحد وجوه ثلاثة في حقيقة أصالة عدم القرينة. والوجه الثاني هو أن أصالة الظهور ترجع إلى أصالة عدم القرينة. والوجه الثالث هو أن كلاً منهما أصل برأسه.
ومحل بحثه حجية الظهور، ولكن يمكن أن يقال إجمالاً هنا: إن الظهور دائرته القرائن المتصلة, فلا اقتضاء له لنفي احتمال القرينة المنفصلة.
الجهة الثانية: إن للقرينة المتصلة أنحاءً من قبيل الوصف مثل (أكرم العالم العادل) والشرط مثل (أكرم العالم إن كان عادلاً) والغاية والجار والمجرور وغيرها، إلا أن بعض القرائن قد يُرتاب في أصل كونه من القرائن المتصلة. وعلى فرض كونها من المتصلة قد يُرتاب في عدم أخذ عدمها ضمن مقدمات الحكمة. فهنا أمران:
الأمر الأول: فيما لو كانت القرينة جملة مستقلة عن جملة ذي القرينة, لكنها متصلة بها في الكلام, سواء أكانت أخص مطلقاً من ذي القرينة أم كانت النسبة بينهما العموم من وجه، وسواء كانا -أي القرينة وذيها- عامين أم مطلقين, أم أحدهما عاماً والآخر مطلقاً.
فهنا وقع الخلاف في كون القرينة المذكورة منفصلة أو متصلة تبعاً للاختلاف في معيار الاتصال والانفصال.
والأول: هو الذي يظهر من جماعة كالمحقق التقي S حيث قال(٥٠) (المراد بالمتصل مالا يستقل بنفسه، وبالمنفصل ما يكون مستقلاً في إفادة الحكم وإن اتصل بالعام لفظاً) وهو قريب مما ذكره من قبل صاحب القوانين S (٥١).
ومفاده: أن المتصل لا يفيد حكماً من دون العام أو المطلق, فلابد منهما حتى تحصل الإفادة, فكأنه جملة ناقصة بدونهما، أما المنفصل فهو يفيد حكماً بنفسه, أي لا يتوقف في إفادته للحكم على وجود المطلق أو العام. فكأنه جملة تامة.
فعلى هذا القول تكون الجملة المستقلة من القرينة المنفصلة.
والثاني: وهو السائد عند المتأخرين, حيث يظهر من كلماتهم أن المعيار(٥٢) فيهما هو الاتصال والانفصال في الكلام، فالقرينة المنفصلة ما كان الدال عليها خطاباً منفصلاً عن الخطاب الدال على العام أو المطلق. وبعكسه القرينة المتصلة.
والفرق بين المعيارين ظاهر, فإن المعيار الأول معنوي والثاني لفظي, كما أن الثاني أعم مطلقاً من الأول, إذ التوقف في المعنى لا يُشبع إلا بالاتصال اللفظي دون العكس.
والصحيح هو الثاني بملاحظة ما اتُفق عليه من أن القرينة المتصلة تمنع من انعقاد الظهور دون المنفصلة. ولذا يتوقف انعقاد الدلالة(٥٣) التصديقية الأولى وهي الكاشفة عن المراد الاستعمالي على فراغ المتكلم من كلامه. دون ما إذا كان بعدُ مشتغلاً بالكلام، مما يعني أن المعيار هو الاتصال والانفصال في الكلام، ومما ذكرنا يظهر الكلام في مورد آخر ربما وقع الترديد في كونه من قبيل القرينة المتصلة أو المنفصلة وهو الاستثناء. فالذي يظهر من كلام أكثر المتأخرين كصاحب الكفاية والمحقق العراقي T(٥٤) أن الاستثناء من قبيل القرينة المتصلة بلا ترديد، ويظهر من كلمات الشيخ S نحو ترديد فيه حيث قال S: (المخصص أن يكون متصلاً كالشرط والغاية وبدل البعض والصفة والاستثناء -على تأمل فيه كما ستعرف الوجه-)(٥٥), ثم قال: (وأما الاستثناء ففيه إشكال من حيث أنه لم يظهر كونه من المخصصات المتصلة أو غيرها ولا يبعد دعوى الاتصال فيه فيلحقه حكمه)(٥٦).
وقال أيضاً: (نعم قد يُشك في بعض المخصصات في أنه ملحق بأي الفرقتين فيشك في حكمه أيضاً كالاستثناء, إذ يحتمل أن يكون من قيود الموضوع كالصفة, ويحتمل أن يكون كالمخصص المنفصل كقولك (لا تكرم زيداً) بعد الأمر بإكرام العلماء. والظاهر إلحاق الاستثناء بالمخصصات المتصلة فإن قولك (ما جاءني القوم إلا زيد) يجري مجرى (ما جاءني غير زيد) ولا يعد عندهم من الكلامين المنفصل أحدهما عن الآخر)(٥٧).
والصحيح أن الاستثناء من القرائن المتصلة بلا فرق بين المعيارين المتقدمين للاتصال؛ لأن الاستثناء لا يستقل بنفسه في إفادة الحكم وهو جزء من الكلام المشتمل على المستثنى منه.
الأمر الثاني: الجملة المستقلة المذكورة فيما إذا كانت مطلقاً نسبتها إلى المطلق الأول العموم من وجه مثل (أكرم العالم ولا تكرم الفاسق)، فإن الصحيح عدم أخذ عدمها في مقدمات الحكمة والسر فيه:
أما إجمالاً: فلأن التنافي البدوي الوجداني لا يكون مالم ينعقد كلا الإطلاقين بل أن التنافي المستقر لا معنى له في المقام لو كانت الجملة المستقلة مأخوذ عدمها في مقدمات الحكمة. ومن الواضح أنه إذا لم يتحقق مناط القرينية فإن التنافي المستقر حاصل لا محالة.
وأما تفصيلاً: فإنه لو كان المطلق الثاني (لا تكرم الفاسق) يصح أن يكون بياناً لتقييد المطلق الأول (أكرم العالم) فإنه إنما يصلح بإطلاق (الفاسق) وشموله للعالم، وإطلاقه متوقف على عدم إطلاق (أكرم العالم) وإلا لو كان مطلقاً لكان بياناً لتقييد (لا تكرم الفاسق) بغير العالم وعدم إطلاق (أكرم العالم) متوقف على إطلاق (لا تكرم الفاسق) فيلزم أن يكون اطلاق (لا تكرم الفاسق) متوقفاً على إطلاق نفسه وهو محال.
وعلى هذا تتم مقدمات الحكمة في كل من المطلقين, ولكن لا ينعقد الإطلاق فيهما معاً لمكان التنافي في مورد الاجتماع, وكون التقييد متصلاً ومؤثراً في الظهور, فيكون الحال فيه كالحال فيما لو كان التنافي بين جزئي كلام واحد.
ومن المحتمل أن البيان المذكور يجري فيما لو كانت الجملة المستقلة مطلقة نسبتها إلى المطلق الأول أخص مطلقاً، وينبغي الالتفات إلى أنه ليس كلامنا في التقديم إذ لا كلام في أن الغالب تقديم إطلاق الأخص مطلقاً، وإنما الكلام في أن عدم الأخص مطلقاً هذا مأخوذ في مقدمات الحكمة أم لا؟
أما إذا كانت الجملة المستقلة عاماً ونسبتها إلى المطلق العموم من وجوه:
فعلى القول بتوقف دلالة العام على مقدمات الحكمة يأتي فيه البيان السابق بعينه، أما على القول المشهور من عدم التوقف فقد(٥٨) يقال إن (ظاهر حال المتكلم بيان الحكم إثباتاً كما هو عليه ثبوتاً, فكما أن الحكم لباً مجعول على نحو التقييد لا على نحو قضيتين كليتين متعارضتين, فكذلك في مقام الإثبات لابد وان يكون بيان القيد بلسان التقييد).
ولا يخفى أن هذا البيان لو تم يأتي بعينه في المطلق الذي هو أعم من وجه أيضاً, بل حتى الأخص مطلقاً.
ويرد عليه: أنه بملاحظة النكتة الثبوتية كما مرَّ يتضح أنه ليس لظهور الحال هذه المساحة من التأثير، وإنما المهم هو أنه هل يوجد دليل على ضرورة التطابق بين مقام الثبوت والإثبات في الكيفية أم لا؟
ويبدو أنه لا دليل على ذلك, أي لا يوجد بناء من العقلاء على ذلك فتأمل.
وبهذا اتضح: أن القرائن المتصلة وإن كان جميعها يؤثر في الظهور الإطلاقي, إلا أن هذا التأثير على نحوين:
الأول: ما يختص به الظهور الإطلاقي عن بقية الظهورات، وهو أن تأثيره في الظهور من جهة أخذ عدمه في مقتضي الظهور أعني مقدمات الحكمة.
الثاني: ما يؤثر في الظهور الإطلاقي كما هو الحال في بقية الظهورات، وهو فيما لو كانت القرينة المتصلة جملة مستقلة بمختلف أنحائها السابقة بناءً على أن الصحيح حاجة العموم الوضعي إلى مقدمات الحكمة وفاقاً لجملة من الأعلام.
ومن ثمار هذا التفريق أن النحو الأول دائماً مقدم على المطلق, وأما النحو الثاني فيشترط في تقديمه أن يكون أظهر.
الجهة الثالثة: إن صاحب الكفاية(٥٩) عدَّ انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب في جملة مقدمات الحكمة, ووافقه جملة من أعلام تلامذته كالمحقق العراقي والأصفهاني والمشكيني والقوجانيS (٦٠).
ونوقع الكلام في أمرين:
الأمر الأول: في المقصود من القدر المتيقن في مقام التخاطب, ووجه اشتراط عدمه في مقدمات الحكمة, وفرقه عن التقييد.
ومن المناسب نقل بعض العبائر الصريحة في تحديد المراد من القدر المتيقن في مقام التخاطب. مبتدئين بتلامذة صاحب الكفاية S.
قال المحقق القوجاني S: (إن المتيقن لابد أن يكون في مقام التخاطب, بحيث يكون الانسباق إلى الذهن من اللفظ مع ما يحف به من القرائن، لا أن يكون بالمقدمات الخارجية العقلية, بحيث لا يستند إلى اللفظ، وإلا يحكم بالإطلاق للزوم نقض الغرض بدونه, حيث إن المراد من كون المتكلم في مقام البيان كونه بصدد بيان المقصود باللفظ, لا بأمرٍ خارج كما هو ظاهر)(٦١).
والمحقق المشكيني S في مقام توضيح عبارة الكفاية من أن القدر المتيقن إذا كان بملاحظة الخارج لا يؤثر في انعقاد الإطلاق قال: (لأن المفروض كون المولى في مقام البيان بحسب مقام التخاطب, فلا يؤثر في رفع الإخلال إلا التيقن بحسب هذا المقام, كما إذا كان الفرد مسؤولاً عنه, أو كان هناك حكم عقلي ارتكازي يحتمل أن يتكل عليه)(٦٢).
والمحقق النائيني S قال: (والمراد من وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب هو ثبوت القدر المتيقن بحسب دلالة اللفظ وظهوره, لا بحسب الحكم وواقع الإرادة, فإن ثبوت المتيقن بحسب واقع الإرادة مما لا يتوهم دخله في صحة التعويل على المطلقات, وإنما الذي يمكن دخله في ذلك هو عدم وجود المتيقن في مقام التخاطب ومرحلة اللفظ وظهوره... إن من أوضح مصاديق القدر المتيقن في مقام التخاطب هو ورود العام والمطلق في موردٍ خاص كقوله g: "خلق الله الماء طهوراً" في مورد السؤال عن ماء بئر بضاعة فإن المورد هو المتيقن والمراد من اللفظ المطلق)(٦٣).
والمستفاد من هذه العبائر بخصوص القدر المتيقن في مقام التخاطب:
١. إن المقدمات الخارجية العقلية بعضها يعد من القرائن المختصة بالكلام, وبعضها لا يُعَّد كذلك، وبتعبير المحقق المشكيني S منه ارتكازي ومنه غير ارتكازي، مع المحافظة على كونها قرائن متصلة، وإلا تكون خارجة عن حدود مقدمات الحكمة.
٢. إن الفرد المسؤول عنه بتعبير المحقق النائيني S من أوضح مصاديق القدر المتيقن في مقام التخاطب, ومن ثم يصح أن يكون هو محور الأخذ والرد كما هو المتعارف في مثل ذلك، كما أنه يعم بمقتضى الإطلاق ما إذا لم يتكرر في الجواب, وإذا أُعيد ذكره فيه.
٣. في عبارة المحقق النائيني S مرحلة اللفظ وظهوره، فإن كان مقصوده منها خصوص الظاهر من اللفظ بحيث لا يشمل ما يصلح للقرينة, فإنه يناقض عبارة صاحب الكفاية S على فرض أنها مرتبطة بالمقام, إذ أنه قال (ولو لم يكن ظاهراً فيه بخصوصه)(٦٤) والنفي المتوجه إلى المركب من المقيد والقيد ظاهر في نفي القيد بخصوصه لا المقيد أيضاً.
ووجه اعتبار(٦٥) انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب من جملة مقدمات الحكمة:
أنه لو فرضنا أن القدر المتيقن في مقام التخاطب هو تمام مراد المتكلم واقعاً، فإنه لو اقتصر عليه في مقام البيان لا يكون ناقضاً لغرضه, ولا مخالفاً للأصل العقلائي والظهور الحالي، حيث إنه بيَّن تمام مراده بخطابه.
ثم إن الفارق(٦٦) بين التقييد والقدر المتيقن في مقام التخاطب هو أن الأول يوجب التقييد بالخصوص, ومن ثم يصح أن يكون معارضاً لمطلق آخر، ولكن الثاني مع أنه لا مجال للأخذ بالإطلاق مع وجوده, وإنما يقتصر عليه دون التعدي إلى غيره, إلا أنه لما لم يكن موجباً للتقييد بخصوص لا يكون معارضاً مع مطلق آخر, بل لعل المطلق الآخر يرفع ما فيه من الإجمال.
وأورد عليه بعض الأعلام بإيرادات نقتصر على ذكر أهمها:
الإيراد الأول: قال المحقق النائيني S: (إن المراد من كون المتكلم في مقام البيان هو كونه في مقام بيان ما تعلقت به إرادته واقعاً... فإذا كانت إرادته مختصة بقسم خاص من المطلق المذكور في كلامه لزمه أن ينصب عليه قرينة متصلة أو منفصلة، ومجرد اليقين بدخول ذلك القسم في موضوع حكمه, أو في متعلقه لا يصلح لأن يكون قرينة على اختصاص الحكم به)(٦٧).
وكأن صاحب الكفاية S كان ملتفتاً إلى هذه الفكرة وأجاب عليها بما توضيحه:
إن الأصل العقلائي المذكور في بحث المقدمة الأولى في مفاده احتمالان:
الاحتمال الأول: كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده بخطابه من دون أن يكون للمتكلم نظر إلى إفهام المخاطب, وإقامة بيان آخر على أن ما بينه هو التمام أي بيان وصف التمامية.
الاحتمال الثاني: أن يكون النظر المذكور ملحوظاً للمتكلم كجزء من الأصل العقلائي, بحيث إذا لم يبين ذلك يكون مخلاً بغرضه, ومخالفاً للظهور الحالي.
فعلى الاحتمال الثاني يتم الإيراد المذكور, إذ كان على المتكلم أن يقيم قرينة على أن ما بينه هو تمام مراده، فإذا لم يقم القرينة فإن القدر المتيقن أقصى ما فيه أنه مراد للمتكلم, أما أنه التمام فمسكوت عنه. ومن ثم لا مانع من الأخذ بإطلاق اسم الجنس من دون أن يضر القدر المتيقن في مقام التخاطب في ذلك.
أما على الاحتمال الأول فلا يتم الإيراد كما عرفنا من أنه لا إخلال بالغرض, ومن ثم احتمال أن القدر المتيقن هو تمام المراد لازم ولا دافع له.
والصحيح هو الاحتمال الأول دون الثاني والوجه فيه:
إن المقدمة الأولى لا طريق لنا لإثباتها إلا الأصل العقلائي الذي سبق بحثه القائم على كون المتكلم في مقام البيان. وهذا الأصل العقلائي بملاحظة مبناه الثبوتي يفيد أن المتكلم بمقتضى طبعه يبين تمام ما تعلقت به إرادته مما هو دخيل في حكمه من الأجزاء والشرائط والموانع، وإفهام السامع أن ما بينه هو التمام ليس دخيلاً في المطلوب، إلا نادراً, ومن ثم يحتاج إلى قرينة خاصة ولا يكون جزءً من الأصل العقلائي المذكور.
ولكن حتى على الاحتمال الثاني هذا ذُكرت عدة بيانات على أنه يتعين القدر المتيقن أيضاً, دون تمام مدلول اسم الجنس مثلاً. وبهذا لا يكون وجهاً للإيراد المذكور أصلاً، وأهمها:
البيان الأول(٦٨) : إن العقل يقضي بأن القدر المتيقن في مقام التخاطب لا إشكال في إرادته من المطلق, أما غيره فمشكوك عنده, ومن ثم من الممكن أن المتكلم يتكل في بيان إرادة خصوص المتيقن على حكم العقل هذا من دون الحاجة إلى إقامة قرينة عليه, بل إن إرادة تمام المدلول هو الذي يحتاج إلى إقامة القرينة للخروج عن حكم العقل هذا.
وقد أجاب عنه المحقق العراقي S بأن الإطلاق والتقييد في الذهن أمران متباينان لرجوع الإطلاق إلى عدم دخل الخصوصية في الغرض, ورجوع التقييد إلى دخلها. وهما متباينان في عالم اللحاظ بلا وجود متيقن بين الاعتبارين.
ويلاحظ عليه: أنه بقطع النظر عن جواب المحقق العراقي أقصى ما يفيده حكم العقل أن هذا متيقن, وذاك مشكوك ولا يدفع الشك، مضافاً إلى أن ما يمنع من انعقاد الإطلاق لا يراد به مطلق ما يحتمل اتكال المتكلم عليه في عدم إرادة الإطلاق, بل خصوص ما يكون لو اتكل عليه المتكلم لكان مقبولاً لدى أبناء المحاورة، وسيرة العقلاء قائمة على ذلك, وإلا كان انعقاد الإطلاق نادراً كما هو واضح، ومن هنا نمنع أن يكون حكم العقل هذا مما يعتمد عليه العقلاء في بيان مقاصدهم.
البيان الثاني(٦٩): إن السيد الشهيد S أفاد: إن إضافة النظر المذكور لا تجدي نفعاً في إثبات الإطلاق؛ لأن ثبوت الحكم على القدر المتيقن معلوم, أما على جميع الأفراد فغير معلوم, فلا يكون مبنياً بتمامه لو كان هو -تمام الأفراد- المراد، وبمقتضى كونه في مقام بيان تمام المراد نستكشف أنه ليس مراداً, وأن تمام المراد هو المقيد المتيقن.
ويلاحظ عليه: أن القدر المتيقن أقصى ما فيه أنه مراد للمتكلم, أما أنه التمام فمسكوت عنه, ومن ثم لا مانع من الأخذ بإطلاق اسم الجنس مثلاً, إذ مقتضي الإطلاق موجود, والمانع وهو إقامة القرينة على كون القدر المتيقن هو تمام المراد مفقود.
وبعبارة أخرى: عند ذكر اسم الجنس مثلاً وتردد تمام المراد منه بين مدلول اسم الجنس الشامل لجميع الأفراد, وبين القدر المتيقن, فإذا لم يذكر قرينة على أن المتيقن هو تمام المراد فإنه يكفي قرينة على أن اسم الجنس هو التمام.
إن قلت: لِمَ لا يقال إن عليه أن يضم قرينة على أن مدلول اسم الجنس هو التمام فإذا لم يقم قرينة يتعين القدر المتيقن؟
قلتُ: ما هو المشكوك أعني غير المتيقن من الأفراد هو المحتاج لدفعه من خلال القرينة إن لم يكن مراداً, فإذا لم تكن قرينة فلا دافع لإرادته من اسم الجنس.
الإيراد الثاني(٧٠): قال المحقق النائيني S: لو كان وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب مانعاً من جواز التمسك بالإطلاق, لكان وجود القدر المتيقن من الخارج أيضاً كذلك، ضرورة أن كون الشيء قدراً متيقناً في مقام التخاطب, لا خصوصية له توجب اختصاصه بالمنع من التمسك بالإطلاق، فلو كان ذلك مانعاً لكان منعه بملاك كونه قدراً متيقناً في ثبوت الحكم له، فيلزم القول بكون وجود القدر المتيقن -ولو كان من الخارج- مانعاً من الأخذ بالإطلاق. وعليه فلا
يبقى مورد للتمسك بالإطلاق إلا نادراً.
ويلاحظ عليه: إن الظهور الحالي والأصل العقلائي مفاده أن المتكلم في مقام بيان تمام مراده بخطابه, لا ما يعم ما يكون بأمرٍ خارج عن الخطاب, كما ذكره جملة من الأعلام(٧١).
الإيراد الثالث: ما نقض به المحقق النائيني Sحيث قال: (لو كان وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب مضراً بالتمسك بالإطلاق لما جاز التمسك بالمطلقات في غير موارد ورودها، إذ المورد من أظهر موارد وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب)(٧٢).
أقول: إن مرجع هذا النقض إلى أن العرف وأهل المحاورة على الإجمال يبنون على الإطلاق مع وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب. مما يكشف عن أنه لا يضر عندهم, ومن ثم الخروج عما عليه العرف لا يكون إلا بدليل.
وبعبارة أوضح: إن ما ذُكر في تقريب شرطية انتفاء القدر المتيقن في انعقاد الإطلاق من جهة احتمال أن يكون المتكلم قد أتكل على كونه قدراً متيقناً في مقام بيان أنه تمام مراده، لا يمكن قبوله؛ لأنه وكما أشرنا سابقاً من أن ما يمنع من انعقاد الإطلاق لا يراد به مطلق ما يحتمل اتكال المتكلم عليه في عدم إرادة الإطلاق, بل خصوص ما يكون لو اتكل عليه المتكلم لكان مقبولاً لدى أبناء المحاورة، وسيرة العقلاء قائمة على ذلك، وإلا كان انعقاد الإطلاق نادراً.
وبناء أهل المحاورة على عدم الاعتناء بالقدر المتيقن في مقام التخاطب كما في النقض المذكور شاهد على أن العرف لا يقبله مانعاً عن انعقاد الإطلاق.
الأمر الثاني: إن في حقيقة أخذ انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب من جملة مقدمات الحكمة احتمالات أربعة:
١. أنه بعنوانه وبنحو الموضوعية فيكون مقدمة برأسه.
٢. أنه يرجع إلى الصالح للقرينة.
٣. أن يكون مختصاً بالقيد المذكور في كلام السائل دون أن يكرر في جواب المجيب, وفرقه عن القيد المذكور في الجواب أنه ظاهر في الاحترازية ومفهوم القيد, أما المذكور في خصوص السؤال فليس له مثل هذا الظهور, بل هو ساكت عما عداه.
٤. أن يرجع إلى القرينة.
والرابع واضح أنه ليس بمراد لصاحب الكفاية S, إذ أنه يدخل في المقدمة الثانية بحسب تعداد الكفاية.
والثالث بخصوصه بعيد, فإن المحقق النائيني والمشكيني T ذكراه على أنه من مصاديق القدر المتيقن في مقام التخاطب, لا أنه هو بخصوصه.
ومن ثم الأمر يكون دائراً بين الاحتمالين الأولين، وما ذكرناه في الأمر الأول كان على أساس أخذه بعنوانه في ضمن مقدمات الحكمة.
ولعل الشواهد إنما هي لصالح الاحتمال الثاني وهي:
١. قال المحقق الخراساني S(٧٣) في مراتب الانصراف (أنه لا إطلاق له ـ للمطلق ـ فيما كان له الانصراف إلى خصوص بعض الأفراد أو الأصناف لظهوره فيه، أو كونه ـ خصوص بعض الأفراد ـ متيقناً منه ـ أي من المطلق ـ ولو لم يكن ـ المطلق ـ ظاهراً فيه ـ أي خصوص بعض الأفراد ـ بخصوصه).
فقوله (أو كونه متيقناً منه، ولو لم يكن ظاهراً فيه بخصوصه) مفاده أن بعض الأفراد أو الأصناف مع أنه متيقن إرادته من ظاهر المطلق إلا أنه ليس ظاهراً فيه بخصوصه. وبهذا يفترق عن التقييد, وليس هذا إلا الصالح للقرينة.
٢. ما ذكره المحقق العراقي(٧٤) في مراتب الانصراف أيضاً فقال (ومنها: ما يكون أنس الذهن بمرتبة يوجب الشك المستقر بنحو لا يزول بالتأمل والتدبر أيضاً كما في القدر المتيقن).
وقال أيضاً: (والثانية: هي المضرة الإجمالية فتمنع عن الأخذ بالإطلاق خاصة, كما في القدر المتيقن في مقام التخاطب).
٣. ما حكيناه من الفارق بين التقييد والقدر المتيقن في مقام التخاطب سابقاً.
فاتضح أن حقيقة انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب أنه يرجع إلى انتفاء ما يصلح للقرينة.
ولكن هنا سؤال: وهو لِمَ طرحه صاحب الكفاية S تحت هذا العنوان, دون عنوان انتفاء ما يصلح للقرينة, مع أن الثاني أعم من الأول؟
بدا لي من متابعة جملة من المباحث الفقهية(٧٥) لصاحب الكفاية S، وللمحقق العراقي S في شرحه على تبصرة المتعلمين(٧٦) كأنهم يرون أن القدر المتيقن في مقام التخاطب مانع عن انعقاد الإطلاق على كل حال, بخلاف(٧٧) الانصراف أو الأنحاء الأخرى من الصالح للقرينة, إذ أنها تختص بحال دون حال، ومن ثم فهو وإن كان من مصاديق ما يصلح للقرينة, إلا أن خصوصيته المذكورة دعت إلى ذكره بعنوانه.
ولكن هذا لا يغفر من أن المناسب أن يذكر عنوان انتفاء الصالح للقرينة, وينبه على أن ما كان من قبيل القدر المتيقن في مقام التخاطب له خصوصية يختلف بها عن بقية أنحاء ما يصلح للقرينة.
وقد ظهر أنه لا خصوصية له أصلاً.
المبحث الثالث:
الثالثة من مقدمات الحكمة هي: إمكان الإطلاق والتقييد ثبوتاً وإثباتاً.
إن امتناع الإطلاق والتقييد يكون على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون على سبيل السالبة بانتفاء الموضوع. بمعنى عدم تحقق موضوع الإطلاق. وذلك أن موضوع الإطلاق هو الماهية الوسيعة. وعليه فلا موضوع للإطلاق فيما لو لم يكن لشيء من قبيل الماهية, بأن كان أمراً موجوداً في الخارج، إذ الإطلاق والتقييد لحاظان ذهنيان فلا يردان على أمرٍ خارجي مضافاً إلى أن الوجود يساوق التشخص, ومن ثم الماهية الخارجية لا تكون إلا على وجه واحد, فلا يكون لها سعة وشمول. كما أنه لا موضوع له فيما إذا كانت الماهية ضيقة في حد نفسها, فالإنسان مثلاً لا يقبل الإطلاق والتقييد بالنسبة للحيوان الناطق لضيق مفهومه في حد نفسه، واعتبار هذا الوجه من إمكان الإطلاق والتقييد في انعقادهما أمر بديهي لاشك فيه.
الوجه الثاني: أن يكون الامتناع على سبيل السالبة بانتفاء المحمول. بمعنى أن موضوع الإطلاق والتقييد ـ وهو الماهية الوسيعة ـ محفوظ إلا أنهما يمتنعان رغم ذلك.
وهنا لا إشكال في اعتبار إمكان الإطلاق ثبوتاً إذ لا يتعلق الجعل بأمرٍ غير ممكن، فإذا لم يكن إطلاق الجعل ممكناً لم يكن موجوداً طبعاً.
وإنما الكلام في اعتبار إمكان التقييد ثبوتاً وإثباتاً وكذلك اعتبار الإطلاق إثباتاً:
وكذلك الحال إذا قلنا إن التقابل بينهما من قبيل الضدين الذين لا ثالث لهما أو النقيضين؛ لأنه إذا امتنع التقييد ثبت الإطلاق بلا حاجة إلى مقدمات الحكمة. وفي هذه الحالات يكون إمكان التقييد ثبوتاً من مقدمات الحكمة؛ لأنه لو امتنع يثبت الإطلاق بلا حاجة إلى مقدمات الحكمة.
أما إذا قلنا إن التقابل بينهما من قبيل الضدين الذين لهما ثالث لإمكان الإهمال ثبوتاً, فلا يكون إمكان التقييد من مقدمات انعقاد الإطلاق؛ لأن امتناع التقييد ثبوتاً لا يوجب تعذر الإطلاق أو تحققه قهراً.
٢. أما إمكان التقييد إثباتاً: فلأن ثبوت الإطلاق واقعاً إنما يحصل بانعقاد أصالة التطابق بين مقام الإثبات ومقام الثبوت. بمعنى كاشفية مقام الإثبات عن مقام الثبوت، فإذا امتنع ذكر القيد إثباتاً لم يكن لعدم ذكره كاشفية عن عدم اعتباره, لجواز أن يكون مراده واقعاً هو المقيد, ولكن لم يستطع كشفه إثباتاً للامتناع المذكور.
٣. ومنه يظهر الوجه في اشتراط إمكان الإطلاق إثباتاً في مقدمات الحكمة, فإنه متى تعذر إمكان الإطلاق تعين على المتكلم إما سوق الكلام على سبيل الإجمال, أو ذكر القيد حتى وأن لم يكن مراداً له، وعلى كلا الحالين لا ينعقد الإطلاق الإثباتي.
بقي هنا أمر ينبغي الالتفات إليه وهو إن المقصود بالإمكان والامتناع هل خصوص العقلي, كما هو المتبادر منه, أو الأعم منه ومن العرفي الدقي؟
والصحيح فيه التفصيل بين اعتبار إمكان الإطلاق والتقييد ثبوتاً وإثباتاً:
فاعتبار إمكانهما ثبوتاً يراد بالإمكان فيه الإمكان العقلي, إذ لا دخل للعرف في مقام الثبوت بالمعنى المنظور ههنا.
وأما اعتبار إمكانهما إثباتاً فهو أعم من الإمكان العقلي والعرفي. نظراً إلى أن ملاك اعتبار ذلك عدم انعقاد الدلالة لعدم ذكر القيد كما تقدم، ويكفي في انتفاء الدلالة وجود عذر للمتكلم ولو كان الحذر والتقية.
والفارق بينهما أنه على الأخير يدخل الاضطرار والإكراه والتقية وما شاكلها, بخلافه على الأول.
المبحث الرابع:
الرابعة من مقدمات الحكمة ما حُكيت اضافته عن بعض أعاظم العصرF وهو ضرورة التطابق بين المراد الاستعمالي والمراد الجدي في ذاتهما. ووافقه السيد الأستاذ [ حيث قال ما لفظه: (إن مرجع الأخذ بالإطلاق اللفظي في أصالة التطابق بين المراد الجدي والمراد الاستعمالي، أي التطابق بين القضية اللفظية والقضية اللبية. بمعنى أنه مالم يذكر في القضية اللفظية ليس له دخل في القضية اللبية، هذا فيما إذا كان التطابق بين المراد الاستعمالي والمراد الجدي في الذات متحققاً ونشك في الحدود، فلو قال الآمر: أكرم عالماً. وشككنا في أن للعدالة دخلاً في ثبوت هذا الحكم أم لا. فنقول: إن مقتضى أصالة التطابق بين المراد الجدي والاستعمالي، هو أن لا يكون للعدالة أي دخل في ثبوت هذا الحكم.
أما لو افترضنا أن المراد الجدي مغاير في الذات للمراد الاستعمالي, بأن ذكر شيئاً وأراد شيئاً آخر لأي مبرر كان, كما هو الحال في باب الكنايات فيقول: (زيد كثير الرماد) يريد بذلك أنه جواد كريم. فليس هناك تطابق أصلاً بين المرادين حتى يكون مجرى لأصالة التطابق والأخذ بالإطلاق اللفظي.
ففي جميع الموارد من هذا القبيل ـ كناية كانت أو غيرها ـ لو شككنا في سعة المراد الجدي وضيقه, فلابد من اللجوء إلى القرائن والمناسبات. فلو قيل: (جئني برجل كريم) وشك في أن المراد الجدي هو مطلق من يعد كريماً في العرف أو خصوص من يتسم بكرم الضيافة مثلاً، يمكن الأخذ بالإطلاق، ومقتضاه كفاية الإتيان بأي رجل كريم, سواء أكان كرمه في الضيافة أم في غيرها من المجالات. وذلك لأن التطابق بين المرادين الجدي والاستعمالي في الذات معلوم. وحيث لم يقيد بخصوصية معينة فمقتضى أصالة التطابق هو أن لا تكون أي خصوصية غير مذكورة معتبرة في المراد الجدي.
واما لو قال: (جئني برجل كثير الرماد) وشككنا في أن المراد خصوص الكريم في مجال الضيافة أو أعم من ذلك، فلا يؤخذ بالإطلاق؛ لأن المراد الجدي هو الرجل الكريم وليس كثير الرماد، فلا تطابق بين المرادين الاستعمالي والجدي في الذات ليبنى على تطابقهما في الحدود. فلا محيص من الرجوع في مثل ذلك إلى الشواهد والمناسبات. ولعل مقتضاها في المورد إرادة خصوص كرم الضيافة, فلابد من الاقتصار عليه ولا مجال للأخذ بالإطلاق على كل حال)(٧٨).
وبعبارة أخرى: موضوع الدلالة الإطلاقية ـ كما ذكرنا ـ هو حدود المعنى وهي مضافة إلى معنى معين. وهو ما عبرنا عنه سابقاً بأصل المعنى المفاد من الحكم أو متعلقه أو موضوعه, ومن ثم فإن حدود المراد الاستعمالي يصح أن تمثل حدود المراد الجدي فيما لو كان المراد الاستعمالي هو هو المراد الجدي في أصل المعنى. فيقال كما أن الأصل أن يكون المراد الاستعمالي مطابقاً للمراد الجدي, فإن الأصل أن تكون حدوده مطابقة لحدود المراد الجدي، أما إذا اختلفا فلا دليل على أن حدود المراد الاستعمالي هي حدود للمراد الجدي أيضاً ـ إذ أنه معنى آخرـ ومن ثم لا مكان لأصالة التطابق في حدود المعنيين بعد عدم التطابق بين أصلهما. ومن هنا يظهر التأمل في ما يعبر عنه في كلماتهم بإطلاق التنزيل إذ أنه لا إطلاق فيه أصلاً, ومن ثم حمله على أبرز الجهات دون جميعها لأجل عدم انعقاد الإطلاق من أصل, لا لأجل انعقاد الإطلاق, ولكن عدم إحراز أن يكون من جميع الجهات.
المصادر
١. أجود التقريرات, تقرير بحث المحقق النائيني S بقلم السيد الخوئي S, مؤسسة صاحب الأمر قم المقدسة.
٢. أصول الفقه, المحقق الشيخ حسين الحلي S.
٣. الأصول في علم الأصول, المحقق الإيرواني S, بوستان كتاب قم المقدسة.
٤. بحوث في علم الأصول, تقرير بحث السيد الشهيد S, بقلم السيد محمود الهاشمي, مركز الغدير للدراسات الإسلامية.
٥. بحوث في شرح مناسك الحج, للسيد محمد رضا السيستاني دامت بركاته بقلم الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف.
٦. تحريرات في الأصول, للسيد مصطفى الخميني S, مؤسسة تنظيم ونشر آثار السيد مصطفى الخميني.
٧. تعارض الأدلة واختلاف الحديث, تقرير بحث السيد السيستاني مد ظله بقلم هاشم الهاشمي.
٨. تعليقة القوجاني, للشيخ علي القوجاني S, مؤسسة آل البيت i لإحياء التراث.
٩. حقائق الأصول, للسيد محسن الحكيم S, مكتبة بصيرتي.
١٠. الحلقة الثالثة, للسيد الشهيد الصدر S. المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر.
١١. الحلقة الثانية, للسيد الشهيد الصدر S, المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر.
١٢. درر الفوائد, المحقق عبد الكريم الحائري S, مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة.
١٣. فوائد الأصول, تقرير بحث المحقق النائيني S بقلم الشيخ محمد علي الكاظمي S, مؤسسة النشر الإسلامي.
١٤. القوانين المحكمة في الأصول, للميرزا أبي القاسم القمي S, دار المحجة البيضاء.
١٥. كفاية الأصول, المحقق الخراساني S, مؤسسة آل البيت i لإحياء التراث، ومؤسسة النشر الإسلامي.
١٦. محاضرات في أصول الفقه, تقرير بحث السيد الخوئي S بقلم الشيخ الفياض مد ظله, طبعة مؤسسة السيد الخوئي.
١٧. المحكم في أصول الفقه, السيد محمد سعيد الحكيم مد ظله, مؤسسة المنار.
١٨. المحاضرات, تقرير السيد محمد الداماد S بقلم السيد جلال الدين الطاهري, انتشارات مبارك.
١٩. مصابيح الأصول, تقرير بحث السيد الخوئي Sبقلم السيد علاء الدين بحر العلوم S, دار الزهراء.
٢٠. مطارح الأنظار, تقرير بحث الشيخ الأنصاري S بقلم الكلانتري الطهراني, مجمع الفكر الإسلامي.
٢١. مقالات الأصول, المحقق العراقي S, مجمع الفكر الإسلامي.
٢٢. منتقى الأصول, تقرير بحث السيد محمد الروحاني S بقلم السيد عبد الصاحب الحكيم S, مطبعة الهادي.
٢٣. نهاية النهاية, المحقق الأيرواني S, مكتب الأعلام الإسلامي قم المقدسة.
٢٤. نهاية الأفكار, المحقق العراقي S, مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة.
٢٥. نهاية الدراية في شرح الكفاية, المحقق الأصفهاني S, مؤسسة آل البيت i لإحياء التراث.
٢٦. نتائج الأفكار, تقرير بحث السيد محمود الشاهرودي S بقلم السيد محمد جعفر المروج S, آل المرتضى للتحقيق والنشر.
٢٧. الهداية في أصول الفقه, تقرير بحث السيد الخوئي S بقلم الشيخ حسن الصافي الاصفهاني S, مؤسسة صاحب الأمر.
٢٨. هداية المسترشدين, للشيخ محمد تقي الاصفهاني S, مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة.
٢٩. حاشية المشكيني على كفاية الأصول, للميرزا أبي الحسن المشكيني S, منشورات دار الحكمة بقم المقدسة.
٣٠. شرح تبصرة المتعلمين, للمحقق العراقي S ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة.
٣١. اللمعات النيّرة, للشيخ الآخوند الخراساني S, مدرسة ولي العصر l العلمية, قسم الدراسات والبحوث.
(١) وهناك احتمالان آخران: تعمد الإجمال وإرادة تفهيم المقيد, مع أنه لم يذكر القيد. والأول مدفوع بأصالة البيان العامة، والثاني مدفوع بأصالة الحقيقة, إذ إرادة تفهيم المقيد من خلال اسم الجنس واستعماله فيه بما هو مقيد تجوز، والحال أن الدلالة الإطلاقية قائمة على تعدد الدال والمدلول.
(٢) كفاية الأصول: ٢٤٨، الهداية في الأصول: ٢/ ٤٠٣ وغيرها.
(٣) المحكم في أصول الفقه: ٢/ ٦٢، المحاضرات للسيد الداماد: ١/ ٥١٠.
(٤) فوائد الأصول: ١-٢/ ٥٧٤، أجود التقريرات: ٢/ ٤٣٠.
(٥) الحلقة الثانية: ٢٦٧، الحلقة الثالثة: ٢١٥، بحوث في علم الأصول: ٤/ ٢٥٤.
(٦) مطارح الأنظار: ٢/ ٢٦٠-٢٦١.
(٧) فوائد الأصول: ١-٢/ ٥٧٤، نتائج الأفكار: ٢/ ٣٩٩، نهاية الدراية: ٢/ ٤٩٨ هامش٣.
(٨) الهداية في أصول الفقه: ٢/ ٤٠٣.
(٩) درر الفوائد: ١-٢/ ٣٣٤، الأصول في علم الأصول: ١٩٠، نهاية النهاية: ١/ ٣٠٧، محاضرات السيد محمد الداماد: ١/ ٥٠٩، منتقى الأصول: ٣/ ٤٣٣، المحكم في أصول الفقه: ٢/ ٦٢.
(١٠) الأصول في علم الأصول: ١٩١.
(١١) درر الفوائد: ١-٢/ ٢٣٥، الأصول في علم الأصول: ١٩١، منتقى الأصول: ٣/ ٤٣٢، بحوث في علم الأصول: ٣/ ٤١٢ .
(١٢) أصول الفقه: ٥/ ٤٢٤ .
(١٣) بحوث في علم الأصول: ٣/ ٤١٢.
(١٤) تعارض الأدلة واختلاف الحديث: ٢/ ٣٤٢.
(١٥) الأصول في علم الأصول: ١٩٠، نهاية النهاية: ١/ ٣٠٧.
(١٦) درر الفوائد: ١ - ٢/ ٢٣٤.
(١٧) محاضرات السيد الداماد: ١/ ٥٠٩.
(١٨) منتقى الأصول: ٣/ ٤٣٣.
(١٩) كفاية الأصول: ٢٤٨، نهاية الأفكار: ١-٢/ ٥٧٣.
(٢٠) بحوث في علم الأصول: ٣/ ٤١٣ – ٤١٤، حقائق الأصول: ١/ ٥٥٩- ٥٦٠.
(٢١) منتقى الأصول: ٣/ ٤٣٥، حاول توجيه كلام الكفاية بما لا حاجة إليه, ولا يخلو من تكلف ونظر.
(٢٢) حقائق الأصول: ١/ ٥٦٠، نهاية الدراية: ٢/ ٤٩٨، حكاه عن المطارح في تعليقة القوجاني: ١/ ٥٣٨، الهداية في الأصول: ٢/ ٤٠٢.
(٢٣) فوائد الأصول: ١ - ٢/ ٥١٧، أصول الفقه ٥/ ٤٣٠.
(٢٤) أصول الفقه: ٥/ ٤٣٠ في ما حرره عن المحقق النائيني S، نهاية الدراية: ٢/ ٤٩٨، منتقى الأصول: ٣/ ٤٣٧، حقائق الأصول: ١/ ٥٥٨.
(٢٥) فوائد الأصول: ١/ ٥٧٤، أجود التقريرات: ٢/ ٤٣٠.
(٢٦) أجود التقريرات: ٢/ ٤٣٠.
(٢٧) فوائد الأصول: ١-٢/ ٥٧٣.
(٢٨) أصول الفقه: ٥/ ٤٢٥.
(٢٩) المائدة: ٤.
(٣٠) فوائد الأصول: ١/ ٥٧٣.
(٣١) مطارح الأنظار: ٢/ ٢٦٧.
(٣٢) أجود التقريرات: ٢/ ٤٣٠، أصول الفقه: ٥/ ٤٢٥.
(٣٣) مصدر سابق.
(٣٤) مصدر سابق.
(٣٥) مطارح الأنظار: ٢/ ٢٦٩.
(٣٦) نهاية الأفكار: ١ - ٢/ ٥٧٨.
(٣٧) بحوث في شرح مناسك الحج: ٦/ ٥٢٢.
(٣٨) مصدر سابق.
(٣٩) مباني الاستنباط: ١/ ٣٢٦، نقلاً عن بحوث في شرح مناسك الحج: ٢/ ١٠.
(٤٠) تحريرات في الأصول: ٥/ ٤٣٧.
(٤١) محاضرات في أصول الفقه: ٤٦/ ٥٣٦ ط. الموسوعة، مصابيح الأصول: ٢/ ١٧٠-١٧١.
(٤٢) محاضرات في أصول الفقه: ٤٦/ ٥٣٤ ط. الموسوعة.
(٤٣) مطارح الأنظار: ٢/ ٢٥٩، أجود التقريرات: ٢/ ٤٣١، محاضرات في أصول الفقه: ٤٦/٥٣٦.
(٤٤) كفاية الأصول: ٤٥٠، نهاية الأفكار: ١ - ٢/ ٥٧٠.
(٤٥) نهاية الدراية: ٢/ ٥٠٠، ٥ - ٦/ ٣٤٣، منتقى الأصول: ٣/ ٤٣٩- ٤٤٠.
(٤٦) فوائد الأصول: ٤/ ٧١٧.
(٤٧) بالإضافة إلى المصدر السابق, انظر: مقالات الأصول: ١/ ٥٠٤، الأصول في علم الأصول: ١٩٢، مصباح الأصول: ٤٨/ ٥١٦-٥١٧.
(٤٨) حُكي عن بعض أعاظم العصر F في تقرير بحثه (تعارض الأدلة واختلاف الحديث): ٢/ ٢٨٣ و ٣٤٢-٣٤٤.
(٤٩) بحوث في علم الأصول: ٣/ ٤٢٢ و٧/ ١٨١.
(٥٠) هداية المسترشدين: ٣/ ٢٥٦.
(٥١) القوانين المحكمة في الأصول: ٢/ ٧.
(٥٢) بحوث في علم الأصول: ٧/ ١٩٣.
(٥٣) فوائد الأصول: ٤/ ٧١٦.
(٥٤) كفاية الأصول: ٢/ ١٥٧ ط. جماعة المدرسين، مقالات الأصول: ١/ ٤٣٧.
(٥٥) مطارح الأنظار: ٢/ ١٥٤.
(٥٦) المصدر السابق: ١٥٦.
(٥٧) مطارح الانظار: ٤/ ٥٧٠.
(٥٨) بحوث في علم الأصول: ٣/ ٤٢٠-٤٢١.
(٥٩) كفاية الأصول: ٢٤٧.
(٦٠) نهاية الأفكار: ١-٢/ ٥٧٤، مقالات الأصول: ١/ ٥٠٧، نهاية الدراية: ٢/ ٤٩٧، حاشية المشكيني على كفاية الأصول: ٢/ ٤٩٠، تعليقة القوجاني على كفاية الأصول: ١/ ٥٣٧.
(٦١) مصدر سابق.
(٦٢) مصدر سابق.
(٦٣) فوائد الأصول: ١-٢/ ٥٧٤.
(٦٤) كفاية الأصول: ٢٤٩.
(٦٥) كفاية الأصول: ٢٤٧، نهاية الأفكار: ١-٢/ ٥٧٤، مقالات الأصول: ١/ ٥٠٨، حاشية المشكيني على كفاية الأصول: ٢/ ٤٩٠.
(٦٦) نهاية الأفكار: ١-٢/ ٥٧٥، نهاية الدراية: ٢/ ٤٩٧، حاشية المشكيني على كفاية الأصول: ٢/ ٤٩٢.
(٦٧) أجود التقريرات: ٢/ ٤٣٣.
(٦٨) مقالات الأصول: ١/ ٥٠٧.
(٦٩) بحوث في علم الأصول: ٣/ ٤٢٦.
(٧٠) أجود التقريرات: ٢/ ٤٣٣.
(٧١) مصدر سابق.
(٧٢) فوائد الأصول: ١-٢/ ٥٧٥، أجود التقريرات: ٢/ ٤٣٤.
(٧٣) مصدر سابق.
(٧٤) نهاية الأفكار: ١-٢/ ٥٧٦.
(٧٥) اللعمات النيرة: ١٣، حاشية المكاسب: ١٥١ و٢٤٣.
(٧٦) شرح تبصرة المتعلمين: ١/ ١٣٩ و١٤٣ و٣٣١، ٢/ ٤٦ و١٠٦، ٥/ ٤١ و٢٨٧ و٣٨٦.
(٧٧) مصدر سابق.
(٧٨) بحوث في شرح مناسك الحج: ١/ ١٠٨.