حجيّة الاطمئنان (القسم الاول)

احدث المقالات

PDF
نص المقال

 

 

 

حجّيّة الاطمئنان 

(القسم الأوّل)

 

الشيخ أمجد رياض  (دام عزّه)

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين خير الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد, فهذه رسالة في حجية الاطمئنان تحتوي على مقدمة في ذكر معنى الاطمئنان والوثوق والعلم العادي وفي تحرير محل النزاع وذكر الأقوال، ومقصد في ذكر ما يستدل به على الحجية، وتنبيهات حول حدود حجية الاطمئنان..

وقبل ذكر ذلك أود التنبيه على أن موضوع هذا البحث وهو حجية الاطمئنان من الأمور المهمة جداً ــ كما سيتضح ذلك ــ ولكن عند استقراء ما كتبه الأعلام السابقون لم أجد من فصّل البحث عنه، وإنما تجد بعض الإشارات والأبحاث المختصرة هنا وهناك، في حين أن جملة من أساتذتنا فصّل الحديث عنه، ولذا كان من المهم تتبع كلمات الأعلام في شأن الاطمئنان المتناثرة في أبحاثهم وتصنيفها من أجل استيضاح مواقفهم وكذلك إثراءً للبحث، وكان لا بد أيضاً من عرض ما ذكره بعض أساتذتنا تفصيلاً ــ على الرغم مما فيه من التوسع ــ إتماماً للفائدة وإغناءً للبحث.

وكذلك اعتمدت النقل باللفظ وابتعدت عن النقل بالمعنى تجنباً للاختلاف في فهم عبارات الأعلام، وكذلك توثيقاً لما ذكره بعض أساتذتنا (دامت بركاته)وتثمنياً للجهود التي بذلها في هذا المبحث، إذ تقريراته في هذه المطالب لم تطبع بعد، وهي قد تضمنت مباحث مفيدة جداً تنفع الباحث في مجالات عدة كما سيتبين إن شاء الله.

وقد تضمن هذا البحث مواضيع مفصلة لها منافع متعددة وسيالة كالبحث عن المراد من العلم العادي في كلماتهم، وكذا المراد من اليقين الوارد في الآيات والروايات وغير ذلك مما سيأتي في مطاوي البحث، والغاية من تفصيل هذه المباحث أن تكون مرجعاً للباحث والمؤلف يغنيه عن مراجعة مصادر أخرى.

 

المقدّمة تحتوي على أمور..

الأمر الأول: في تحديد المعنى اللغوي للاطمئنان.

ذكر أرباب اللغة أن المراد بالاطمئنان هو سكون النفس، قال الخليل O: (طمن اطمأن الرجل واطمأن قلبه واطمأنت نفسه إذا سكن واستأنس)(١). وقال ابن دريد: (وقد اطمأن الرجل اطمئناناً إذا سكن)(٢).

ولا يبعد أن لفظ الاطمئنان ومشتقاته كانت تطلق على الاستقرار الحسي في مقابل الاضطراب، الملحوظ في مثل إطلاقهم(٣) المطمئنة على السفينة المستقرة وكذلك الأرض المنخفضة، إلا أن الظاهر أن توصيفها بالمطمئنة توسع بالنظر إلى اطمئنان السائر عليها وعدم اضطرابه، قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولاً} (٤). ثم تطور إلى المعنى النفسي في مقابل الخوف والقلق من قبيل قوله تعالى: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(٥)، وقوله تعالى: {وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا}(٦) وغير ذلك من الآيات.

وربما يدعى أنه تطور منه إلى المعنى الإدراكي بمعنى الإدراك الذي يركن إليه ويعتمد عليه الإنسان في مقام تنفيذ مقاصده، وذلك لنوع من العلاقة بين الخوف والقلق والاعتماد وبين الحالة الإدراكية. 

هذا, وقد قيل: إن (الاطمئنان هو الاستقرار والسكون بعد الانزعاج)(٧).

ولكن لم يثبت دخالة كونه بعد الانزعاج في أصل المعنى، بل لا يبعد أن يكون من خصوصيات بعض موارد الاستعمال، كما يشهد استعماله خالياً من ذلك في مثل إطلاقه على السفينة المطمئنة والأرض المطمئنة، وكذا إطلاقه في شأن الملائكة والناس في مثل قوله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ}(٨)، وقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ}(٩), وغيرها من موارد الاستعمالات(١٠).

وعليه فالظاهر أن استفادة سبق عدم الاستقرار منه ليس من جهة أصل المادة، بل هو ــ على فرضه ــ مما يتضمنه الفعل أو خصوص الماضي، حيث لوحظ استفادة الحدوث كثيراً كما هو الحال في مادة (علم) من قبيل ما لو قيل: (علم فلان بكذا). 

بل قد يقال: إن دلالته عليه أيضاً إنما هي بتعدد الدال والمدلول بقرينة تجرده عنه في مثل: (علم الله تعالى بذلك) كما ورد مثله في الآيات الشريفة. 

وكيف كان, فقد عرّف الأصوليون الاطمئنان بأنه درجة عالية من الظن تقارب اليقين والعلم على نحو يكون احتمال الخلاف احتمالاً وهمياً لا يعتنى به عند العقلاء كواحد في المائة، أو أنه (قيمة احتمالية كبيرة تقابلها في الطرف المقابل قيمة احتمالية ضئيلة جداً)(١١).

وربما يقال: إنه لا يعدو هذا كونه تحديداً للاطمئنان الإدراكي وليس هو معنى اصطلاحياً له، حيث إن ما ذكروه إنما هو تحديد للقيمة الاحتمالية المستلزمة لسكون النفس واستقرارها. وهو محل نظر، بل الظاهر أن هناك معنى اصطلاحياً للأصوليين في هذا اللفظ، وذلك..

أولاً: لاختصاص اصطلاحهم بالاستقرار الإدراكي دون النفسي في مقابل الخوف والقلق. 

وثانياً: أنه يطلق في اصطلاح الأصوليين في خصوص مورد الإدراك غير الجازم، مع أن صفة الاطمئنان تحصل في مورد العلم أيضاً. 

وثالثاً: أن الاطمئنان عندهم يفسر ــ بالظن العالي ــ كما تقدم في حين أن المعنى اللغوي ينطبق على الاستقرار والسكون الذي هو لازم الظن وليس نفسه.

وقد يعبر عن الاطمئنان في كلماتهم بالعلم العادي(١٢)ــ كما سيأتي ــ أو العلم العرفي(١٣)، أو الظن المتاخم للعلم(١٤)، أو اليقين العقلائي(١٥).

 

الأمر الثاني: في بيان معنى الوثوق، وذلك للعلاقة بينه وبين الاطمئنان حتى قيل بوحدة معناهما..

ذكر الخليل O أن الوثيق هو المحكم ومنه الوثاق بمعنى الحبل، (والوثيقة في الأمر إحكامه والأخذ بالثقة، والجمع وثائق. والميثاق من المواثقة والمعاهدة، ومنه الموثق، تقول: واثقته بالله لأفعلن كذا)(١٦).

وقال ابن فارس: (وثق الواو والثاء والقاف كلمة تدل على عقد وإحكام، ووثقت الشيء أحكمته.. والميثاق العهد المحكم)(١٧).

وقال الراغب: (وثق وثقت به أثق ثقة سكنت إليه واعتمدت عليه)(١٨).

ومن المعلوم أن أصل مادة (وثق) كانت حسية من الإحكام، ومنه قول الشاعر: 

أو قارِبٌ بالعَرا هاجَتْ مراتِعُه

 

 

وخانه مُوثِقُ الغُدْرانِ والثَّمَرُ

 

قال بعض أساتيذنا (دامت بركاته): (إن الوثوق في الأصل من الاستيثاق المادي حيث يربط الشيء بالحبل ربطاً يمنع معه أن ينفلت، والإيحاء في الصوت الصادر عند شدّ الحبل يساعد على هذا المعنى. ومنه الوثاق بمعنى ما يشدّ به من قيد وحبل ونحوهما، وأوثق الأمر إذا أحكمه. وبهذا الاعتبار يطلق الميثاق على العهد)(١٩).

ومن ثم تطور استعماله شيئاً فشيئاً ليعبر عن المعنى الإدراكي وهو الظن القوي، ولكن اختلف في أنه هل هو عين الاطمئنان أو أنه مختلف عنه؟

ظاهر كلمات جمع(٢٠) اتفاقهما، في حين أن ظاهر كلمات آخرين(٢١)ــ منهم أستاذنا السيد الحكيم  (٢٢) ــ اختلافهما في درجة الإدراك، فالوثوق أدنى من الاطمئنان. 

والاختلاف بين الوثوق والاطمئنان مفهوماً واضح بمراجعة ما ذكره أرباب اللغة، فإن الاطمئنان هو السكون والاستئناس في حين أن الوثوق هو الإحكام والاعتماد.   

وربما يقال: إن (الوثوق والاطمئنان يشتركان في سكون النفس وركونها للشيء، ولذا قال الزمخشري: (اطمأن إليه سكن إليه ووثق به)، وقال صاحب أقرب الموارد في وثق: (رأيته متعدياً بـ(إلى) في عبارة واردة في التاج هذا نصها: من العلماء الموثوق إليهم، كأنه على معنى اطمأن إليهم). فوثق يتعدى بالباء فيقال: وثق به، واطمأن يتعدى بـ (إلى) فيقال: اطمأن إليه، وتعديته بالباء في الألسن لتضمنه معنى وثق المتعدي بها، كما في تعدية وثق بـ(إلى) لتضمنه معنى اطمأن المتعدي بها.. فبناءً على أن الوثوق هو الاطمئنان وأنه حجة مطلقاً أو في محل البحث خاصة يثبت حجية الخبر الذي حصل الوثوق بصدوره عن المعصوم g من تلك الشهرة أو غيرها.. وأما لو نوقش في اتحاد المعنى بين الاطمئنان والوثوق فقيل بأن الثاني أضعف من الأول..)(٢٣).

وما ذكر وإن كان يتراءى منه اتحاد الوثوق والاطمئنان مفهوماً ولكن من البعيد أن يكون هذا مراده، فإن التباين بينهما مفهوماً واضح بمراجعة ما ذكره أرباب اللغة، وإنما المراد هو التقارب في المعنى ولو على أن يكونا من قبيل اللازم والملزوم، بمعنى أن الاستقرار النفسي إنما يحصل بما تعتمد عليه النفس بطبيعتها، كما أن ما تعتمد عليه النفس من الإدراك إنما يكون من حيث إنه يوجب السكون النفسي. 

ولكن يستبعد ذلك أيضاً، فإن لكل من المفردتين خصوصية قد تجتمع مع الآخر وقد لا تجتمع، فالملحوظ في الوثوق هو الاعتماد والإحكام سواء أوجب استقراراً نفسياً أو لا، والمنظور في الاطمئنان هو هذا السكون والاستقرار النفسي سواء كان قد حصل مما ينبغي الاعتماد عليه أو لا، وقد تقدم عن الخليل O قوله: (استحكم الأمر وثق)(٢٤)، و (الوثيق المحكم)(٢٥). وعن ابن فارس أن مادة وثق تدل على عقد وإحكام. كما يشهد له ما تقدم عن الراغب من أنه الاعتماد على الشيء. وقال الأزهري: (الوثاقة مصدر الشيء الوثيق المحكم)(٢٦). وقال الصاحب بن عباد: (استحكم الأمر وثق)(٢٧)

فإن من الواضح أن مادة (وثق) تختلف عن مادة (طمن)، فالإحكام المأخوذ في الأول غير موجود في الثاني، كما أن الجانب النفسي المنظور في الثاني لم يكن هو المراد في الأول. ويتأكد ذلك في تضاعيف مادة (وثق) كالوثيق والموثق والوثيقة وغير ذلك.

ويشهد لذلك تتبع موارد استعمال هذه المادة حيث يدل على وجود أمر محكم يستند إليه بغض النظر عن سكون النفس.

قال الله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا}(٢٨)

وقد جاء عن أمير المؤمنين g قال: ((أيها الناس من عرف من أخيه وثيقة في دين وسداد طريق فلا يسمعن فيه أقاويل الرجال. أما إنه قد يرمي الرامي وتخطئ السهام، ويحيل ]يحيك.خ[ الكلام وباطل ذلك يبور، والله سميع وشهيد))(٢٩).

وعنه g  أنه قال: ((وأديت إليكم ما أدت الأوصياء إلى من بعدهم، وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا. وحدوتكم بالزواجر فلم تستوثقوا))(٣٠).

وفي رواية عبد الله بن مسكان عن رجل قال: قال أبو عبد الله g: ((عليك بالتلاد، وإياك وكل محدث لا عهد له ولا أمان ولا ذمة ولا ميثاق، وكن على حذر من أوثق الناس عندك))(٣١).

وفي معتبرة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله g: عن المرأة الحرة تحج إلى مكة بغير ولي. فقال: ((لا بأس تخرج مع قوم ثقات))(٣٢).

وفي مرسلة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله g عن رجل تكارى دابة إلى مكان معلوم فنفقت الدابة. قال: ((إن كان جاز الشرط فهو ضامن وإن دخل وادياً لم يوثقها فهو ضامن، وإن سقطت في بئر فهو ضامن، لأنه لم يستوثق منها))(٣٣).

وأما تبادل التعدي في الاطمئنان والوثوق الكاشف عن اشتراكهما معنى فلا يكفي ذلك في حدِّ ذاته شاهداً، إذ اختلاف نحو التعدي باب واسع في اللغة، وهو يقع على وجوه ثلاثة..

الأول: أن يقع من باب تبادل حروف الجر في مواضعها، وقد ذكر لذلك شواهد..

منها: قوله تعالى: {لأُصَلِّبَنَّكُم في جُذوعِ النَّخْل}قال ابن سيده: (أي على جذوع النخل) وذكر شاهداً على ذلك قول الشاعر: 

هُمُ صَلَبوا العَبْدِيَّ في جِذْعِ نَخْلَةٍ 

 

فلا عَطَسَتْ شَيْبانُ إلاّ بأَجْدَعا 
 

ومنها: قولهم: (رَضيت عليكَ) بمعنى (عَنْكَ)، قال الشاعر:

إذا رضِيَتْ عليَّ بَنو قُشَيْرٍ 

 

لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبني رِضاها 

 

ومنها: قولهم: (رميت على القوس) بمعنى (عن القوس). قال الراجز:

أَرْمي عَلَيْها وهْيَ فَرْعٌ أَجْمَعُ 

 

وقد ذكر ابن سيده باباً كاملاً في ذلك، فليراجع(٣٤).

ولو فرض أن تبادل الاطمئنان والوثوق في التعدي من هذا الباب لم يكن فيه حجة طبعاً.

الثاني: أن يقع على سبيل التضمين وهو إشراب الفعل معنى فعل آخر مما يقتضي أن يتعدى بالحرف المناسب للفعل المضمن.

ولو كان تبادل الاطمئنان والوثوق في التعدي من هذا الباب كان ذلك أدل على اختلافهما مفهوماً ــ على عكس ما هو المدعى ــ:

قال ابن هشام: (قد يشربون لفظاً معنى لفظ فيعطونه حكمه ويسمى ذلك تضميناً.. ومن مثل ذلك قوله تعالى: {الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ضمّن الرفث معنى الإفضاء، فعدى بـ (إلى) مثل: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ}وإنما أصل الرفث أن يتعدى بالباء، يقال: أرفث فلان بامرأته)(٣٥)

الثالث: أن يقع من جهة تعدد وجوه استعمال الفعل في نفسه حيث إن الفعل الواحد قد يرد في اللغة على وجهين: متعدٍّ ولازم، والمتعدي قد يتعدى بأكثر من حرف من حروف الجر وذلك معروف في اللغة. 

ولم يثبت تماثل التعدي بين الاطمئنان والوثوق على هذا الوجه، ولو ثبت لم يكفِ دليلاً على وحدة معناهما مفهوماً.

هذا عن اتحاد الاطمئنان والوثوق أو تقاربهما كما هو المدعى.

وأما دعوى الملازمة بينهما فقد قربها بعض أساتيذنا (دامت بركاته) بـ (أن الاطمئنان بالشيء لا ينفك عن وثوق النفس بحصوله كما أن وثوق النفس بشيء لا ينفك عن السكون إليه والاطمئنان به. 

ويشهد لذلك إجمالاً المنافاة بين إثبات أحدهما ونفي الآخر، فلو قيل: (إني أطمئن بأن زيداً جاء ولكن لا أثق بذلك)، أو قيل: (إني أثق بأن زيداً جاء ولكني لا أطمئن بذلك) لكان تهافتاً ظاهراً. 

كما أنك لا تجد صحة إطلاق أحدهما في مورد انتفاء الآخر، فلا تقول: (إني أثق بمجيء زيد) إذا كنت غير مطمئن بذلك، كما لا تقول: (إني أطمئن بمجيء زيد) إذا كنت غير واثق بذلك. 

ويؤيد ذلك ذكر أحدهما أو ما يقاربه في تفسير الآخر في كلمات اللغويين كالراغب، فإنه بعد وضوح تفاوتهما مفهوماً يفيد صحة تبادلهما في مواضعهما.

كما يساعد على ذلك أيضاً استعمال الوثوق كثيراً في كلمات المتأخرين(٣٦) ويراد منه الاطمئنان.

وأما تفصيل ذلك فبيانه أن منشأ دعوى افتراق الوثوق والاطمئنان بحسب مواردهما هو أن مادة الوثوق لا تعبر عن جانب نفسي بحت كما في الاطمئنان الذي يعني الاستقرار النفسي، بل هي تعبر عن وجود مدرك محكم له يشدّ المرء به، ومن ثم فسّر الوثوق في كلمات اللغويين بالإحكام، ومنه التعبير بـ(الوثيقة) عن المستند المحكم و(خبر الثقة) في من عرف منه سداد نقل ودقة حكاية، فلا يصدق الوثوق فيما إذا لم يتم الاستيثاق من الشيء من خلال مدرك محكم.

وبهذا الاعتبار يقال تارة بأن الوثوق أدنى من الاطمئنان لأنه يكفي فيه الاستناد إلى مدرك محكم، وأخرى بأن الوثوق أخص من الاطمئنان من جهة أنه يقتضي وجود مدرك محكم، وأما الاطمئنان فهو الاستقرار النفسي من أي جهة حصل.

والجواب عن ذلك بالنقض على ما ذكر بأن القائل قد يقول في مقام الاعتذار: (إني وثقت بقول زيد) فيرد عليه (بأن زيداً لا يوثق بمثله)، فإن هذا الرد ليس من باب التخطئة اللغوية لمكان استعمال كلمة الوثوق، بل هو تخطئة في حصول الوثوق لعدم كون مدركه محكماً.

وبالحل بأن مادة الوثوق تارة تطلق بالنظر إلى الاستيثاق الخارجي مثل شدّ الدابة بالحبل القوي، أو وجود دليل خارجي محكم يسمى بالوثيقة. وأخرى تطلق بالنظر إلى الاستيثاق النفسي بمعنى أن النفس أحكمت الاعتقاد بالشيء، كما تطلق العقيدة بهذا الاعتبار، فإذا قال القائل: (إن هناك دليلاً موثوقاً أو وثيقةً على الدين) فهو بالنظر إلى المدرك الخارجي، ومنه ما لو قيل: (توثقت من تسديده للمبلغ). وأما إذا قال: (وثقت بأن زيداً مديون) فليس فيه ما يدل على وجود وثيقة خارجية قوية بل هو تعبير عن استحكام الاعتقاد بهذا المعنى في النفس, واستحكام الاعتقاد بالشيء لا يستلزم خارجاً وجود وثيقة خارجية عليه. 

هذا, ولو فرض أنه يعتبر في الوثوق وجود منشأ محكم له خارجاً فهو يساوق الاطمئنان الناشئ من المبادئ العقلائية ولا يكون أعم منه. 

وأما مجرد وجود شيء محكم لدى العقلاء فلا يصحح إطلاق حصول الوثوق به، فإذا أخبر الثقة بشيء مريب بحيث لا يحصل الاطمئنان به بل يشك فيه أو يظن بخلافه لا يقال: (إني أثق بكذا)، نعم يوصف المخبر بأنه ثقة من باب شأنية الوثوق به بلحاظ ما علم من حاله لا لحصول الوثوق به فعلاً، فهذا أشبه بأسماء الآلة حيث يقال: (مكنسة) ما يكنس به، و(المصباح) ما يستضاء به.. وهكذا، فلا ينافي تخلف الصفة أحياناً، فلاحظ)(٣٧).

وقد يستشهد لما ذكره g بما ورد في خطبة أمير المؤمنين g في وصف الدنيا: ((كم من واثق بها فجعته، وذي طمأنينة إليها قد صرعته))(٣٨)

ولكن قد يقال: إن ما ذكره g لا يرفع الاختلاف بين الكلمتين لغة، فإننا لا نمنع من أن يراد منهما معنى واحد في بعض الاستعمالات مع القرينة الدالة على ذلك أو تسامحاً فيه كما هو الحاصل في كلمات الأصوليين المتأخرين. ولكن بمراجعة كلمات اللغويين من جانب ومراجعة موارد استعمال تضاعيف مادة (وثق) من جانب آخر يصعب البناء على اتحادهما أو الملازمة بينهما أو المقاربة المقتضية لحمل أحدهما على معنى الآخر.

وكما أن هناك موارد تشهد بالتلازم بينهما فهناك موارد عديدة يمكن الاستشهاد بها على الافتراق وعدم التلازم بينهما، من قبيل قول أمير المؤمنين g في خطبته: ((فيا عجباً وما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها.. المعروف فيهم ما عرفوا والمنكر عندهم ما أنكروا، وكل امرئ منهم إمام نفسه، آخذ منها في ما يرى بعرى وثيقات وأسباب محكمات فلا يزالون بجور ولن يزدادوا إلا خطأ..))(٣٩).

فلذا لا يمكن الجزم بأن المراد من الوثوق في النصوص ما يفيد الاطمئنان إلا إذا كانت هناك قرينة تدل على ذلك.

 

الأمر الثالث: في تحديد المراد بالعلم العادي وهل هو الاطمئنان أو لا؟

يستعمل العلم العادي  ــ كما ذكر بعض أساتيذنا (دامت بركاته) (٤٠)ــ في كلمات المتقدمين في معنيين..

الأول: العلم اليقيني الحاصل مع تجويز العقل للخلاف، كما لو كان عدم وقوع الشرك من باب الامتناع الوقوعي لعدم وجود علته.

الثاني: الظن الغالب المتاخم للعلم الذي لا يمنع من احتمال الخلاف.

وقد وقع الخلط بينهما في كلماتهم، ويحتمل أن يكون منشؤه الخلط بين اصطلاح المتكلمين حيث كانوا يطلقونه على ما يشمل الاطمئنان واصطلاح المناطقة حيث كانوا يطلقونه على ما يقترن بتجويز الخلاف عقلاً وإن لم يكن هناك احتمال للخلاف أصلاً. 

ويشهد لذلك ما وقع في كلمات التفتازاني حيث أجاب عن الاعتراض على تعريف العلم الذي هو الاعتقاد الذي لا يحتمل النقيض بالعلوم العادية، مثل العلم بكون الجبل حجراً فإنه يحتمل النقيض بأن لا يكون حجراً بل قد انقلب ذهباً بأن يخلق الله تعالى مكان الحجر الذهب بقوله: (إن المراد بعدم احتمال النقيض في العلم هو عدم تجويز العالم إياه لا حقيقة ولا حكماً.. 

أما في التصور فلعدم النقيض، أو لأنه لا معنى لاحتمال النقيض بدون شائبة الحكم. 

وأما في التصديق فلاستناد جزمه بالحكم إلى موجب بحيث لا يحتمل الزوال أصلاً. والعاديات كذلك لأن الجزم بها مستند إلى موجب هو العادة، وإنما يحتمل النقيض بمعنى أنه لو فرض وقوعه لم يلزمه منه محال لذاته لكونه في نفسه من الممكنات التي يجوز وقوعها أو لا وقوعها، وذلك كما يحكم ببياض الجسم المشاهد قطعاً مع أنه في نفسه ممكن أن يكون وأن لا يكون. 

والحاصل: أن معنى احتمال النقيض تجويز الحاكم إياه حقيقة وحالاً كما في الظن لعدم الجزم بمتعلقه)(٤١)، ونحوه كلام الأيجي(٤٢).

وقد أرجع المحقق الأردبيلي S أحدهما إلى الآخر قائلاً: (لأن العلم متبع بالعقل والنقل.. وإن فسرت بما أفاد الظن الغالب المتاخم للعلم، بل هو العلم العادي العرفي الذي لا يضره الاحتمال البعيد الذي هو مجرد التجويز العقلي فالظاهر أنه كذلك)(٤٣).

وقد أورد عليه الشيخ الأعظم S (٤٤) بأن في ظاهره تدافعاً، حيث جمع بين جعل الظن المتاخم للعلم مقابلاً للاستفاضة العلمية وبين كونه علماً عادياً لكون احتمال الخلاف بمجرد تجويز العقل.

وقد نسب صاحب الفصول S ذلك إلى الأخباريين قائلاً: (ومن الأخبارية من وجّه مقالة أصحابه فحمل العلم في كلامهم على العلم العادي وفسره بما يطمئن به النفس، قال: وهو يحصل بإخبار الضابط المتحرز عن الكذب وإن كان فاسقاً، وزعم أن الأصولية لا ينكرون هذا المعنى لكنهم يسمونه ظناً فجعل النزاع بينهم لفظياً. وفيه ما فيه..)(٤٥).

وقد استعرض بعض أساتيذنا (دامت بركاته)(٤٦) مواقف فقهائنا تجاه العلم العادي في عدة مراحل بدءاً بما قبل الحركة الأخبارية وانتهاءً إلى ما بعد الشيخ الأنصاري S، ولا بأس بذكر بعضها..

قال الشهيد الثاني S: (وبقيد (العادة) يندفع تخيل كون ما هو معدوم الآن مستصحب العدم فلا يحصل بوجوده في ثاني الحال إلا الظن، فإن هذا الظن الغالب المستند إلى قرائن الأحوال المستمرة يفيد العلم العادي وإن لم يفد العلم الحقيقي)(٤٧).

وقال المحقق الأردبيلي S: (نعم يمكن ذلك في مثل الوكالة بقرائن بحيث يعلم أو يقرب من العلم بحيث ما يبقى إلا الاحتمال الذي باقٍ في العلوم العادية)(٤٨).

وقد حكى السيد علي خان المدني O كلاماً طويلاً عمن عبر عنه ببعض المحققين نذكر منه ما ينفع في المقام، قال: (قال بعض المحققين من أصحابنا المتأخرين: اعلم أن لفظ العلم يطلق في اللغة على الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع، وهذا يسمى اليقين، وعلوم الأنبياء والأئمة i من هذا القبيل. ويطلق أيضاً على ما تسكن إليه النفس وتقضي العادة بصدقه، وهذا يسمى العلم العادي. ويحصل بخبر الثقة الضابط المتحرز عن الكذب بل وغير الثقة إذا علم من حاله أنه لا يكذب أو دلت القرائن على صدقه، كما إذا أخبر الإنسان خادماً له عرفه بالصدق عن شيء من أحوال منزله فإنه يحصل عنده من خبره حالة توجب الجزم بما أخبره به بحيث لا يشك في ذلك)(٤٩).

وقال المحقق النراقي S في بيان العلم الذي هو حجة في الشرعيات: (اعلم أن العلم الذي هو الحجة في الشرعيات من غير احتياج إلى دليل وبرهان هو العلم العادي، وهو الذي لا يلتفت أهل العرف ومعظم الناس إلى احتمال خلافه ولا يعتبرونه في مطالبهم ولا يعتنون به في مقاصدهم)(٥٠)

وقال المحقق الحائري S في الكلام عن حجية الاطمئنان: (الاطمئنان الذي يسمى بالعلم العادي من أي سبب حصل، والذي يدل على اعتبار ذلك معاملة العقلاء مع هذا معاملة العلم الحقيقي من دون ردع من ناحية الشارع..)(٥١).

وقال المحقق النائيني S في الكلام عن وسائل تحديد القبلة: (ومنها العلائم المنصوبة لذلك من مهرة أهل الفن.. فهي إن لم تكن مفيدة للعلم فلا أقل من إفادتها الاطمئنان الملحق بالعلم المعبر عنه بالعلم العادي في بعض الكلمات)(٥٢).

وعليه فالعلم العادي الوارد في كلمات الأعلام يمكن أن يراد به الاطمئنان الذي هو موضوع البحث أو العلم القطعي اليقيني الذي لا يمتنع نقيضه أو بما يكون شاملاً لكلا المعنيين، ولا بد من أجل تحديد المقصود منه من وجود قرينة على المعنى المطلوب(٥٣).

 

الأمر الرابع: قد يقال: إن الاطمئنان وإن كان له وجود في أول الأمر إلا أنه نتيجة لطبيعة العقل البشري الذي يلغي الاحتمال الضعيف يتحول الاطمئنان إلى علم فيكون من أفراده ومصاديقه. ومن ثم لا يبقى محل لهذا البحث، إذ الاطمئنان علم حقيقة ولكن بإعمال عقلي تلقائي لا يلتفت إليه. 

قال السيد الصدر S : (إن تراكم القيم الاحتمالية في محور واحد يؤدي إلى تحول القيمة الاحتمالية الكبيرة الناتجة عن ذلك التراكم إلى يقين، وفناء القيمة الاحتمالية الصغيرة المضادة.. وهكذا نعرف أن محوراً معيناً قد يمتص الجزء الأكبر من قيمة علم عن طريق تجمع القيم الاحتمالية التي تمثّل ذلك الجزء فيه، وهذا يعني حصوله على قيمة احتمالية كبيرة وتتحول هذه القيمة إلى يقين. وأما القيمة الاحتمالية الصغيرة المضادة التي لم يمتصها فتفنى لضآلتها أمام تلك القيمة الاحتمالية الكبيرة)(٥٤).

وقد أورد بعض أساتيذنا (دامت بركاته) عليه بعدة أمور.. 

(الأول: أنه لو سُلِّم حصول العلم على أساس التوالد الذاتي فهو دون المقدار الذي يجري عليه العمل من الأخبار المتواترة وأخواتها، فإن الجاري من العمل بها والإذعان بحجيتها فوق المقدار الذي يمكن أن يقال فيه بأن الذهن يلغي فيه احتمال الخلاف إذا كان بدرجة ضئيلة. نعم, الذهن العرفي قد لا يلتفت إلى احتمال الخلاف في مطلق هذه الموارد التي يأخذ فيها بالاعتقاد الحاصل، لعدم تأثيره في مقام العمل. واعتياد العرف على أن الاحتمال متى كان ضعيفاً لا يلتفت إليه في مقام العمل إنما هو لغض النظر عنه, ولكن لا يعني ذلك أنه لا يرى وجوده لو نُبِّه عليه إن لم يكن متسرعاً.

الثاني: إن إلغاء الذهن البشري للاحتمالات الضئيلة قهراً أمر غير ظاهر في مطلق الحالات المدعى ذلك فيها، فإنه مع التركيز في ذلك نجد أن الحالة في جملة من الموارد أشبه بإهمال الاحتمال وعدم الاعتناء به وتهميشه النفسي منه بإلغائه أصلاً. ومن ثم يشعر علماء حساب الاحتمالات بوجود مثل هذا الاحتمال.

الثالث: أنه لا تبدو نكتةٌ لتكوين النفس البشري على أساس إلغاء الاحتمال الضئيل، فإنه لو كان القانون الفطري يقتضي عدم حجية ما سوى العلم لكان في تكوين النفس على إلغاء الاحتمال حكمة ظاهرة، لأجل حصوله على ما هو الحجة لديه. أما والقانون الفطري يقتضي حجية الاطمئنان ــ على ما يقرّ به هذا القائل ــ فلا أثر لإلغاء احتمال الخلاف فعلاً وعدمه)(٥٥).   

على أن ما ذكره السيد الصدر S لو تم لم ينفِ حصول الاطمئنان مطلقاً، لأن ما ذكره من إلغاء الذهن البشري للاحتمال الضعيف إنما يناسب درجة عالية من الاطمئنان من قبيل (٩٩٩٩٩ من ١٠٠٠٠٠) وليس الدرجات الدنيا منه كـ (٩٧%) فإنه من البعيد القول بأن العقل يلغي الاحتمال في مثل ذلك.

 

الأمر الخامس: في تحرير محل النزاع. 

ويقع الكلام فيه من عدّة جوانب..

١. في أن البحث في حجية مطلق الاطمئنان أو في بعض مراتبه الدنيا فقط. 

قال بعض أساتيذنا (دامت بركاته) : (إن للاطمئنان عرضاً عريضاً، فإنه يتحقق إذا كان الاحتمال ضعيفاً بنسبة (١\١٠٠) أو (١\١٠٠٠) أو (١\١٠٠٠٠) أو (١\١٠٠٠٠٠) أو واحد في المليون أو المليار أو التريليون أو ما دون ذلك، فما يقابل الاحتمال في جميع ذلك يكون من درجات الاطمئنان. 

ومن البعيد للغاية أن يبني أحد على أن أي احتمال مهما كان ضئيلاً لا يكاد يكون الظن معه حجة، فإنه يقتضي أن جميع علومنا قطعية لا تحتمل الخلاف بأي درجة من الدرجات المذكورة، وهذا بعيد جداً، بل أكثر علومنا اطمئنانية بدرجة أو أخرى.

ومن ثم قد تحمل كلمات من أنكر حجية الاطمئنان على أن نظره الحقيقي إلى درجات دنيا من الاطمئنان وليس في أصل حجيته في الجملة.

وإن فرض أن أحداً ينكر حجية الاطمئنان بمعناه الواسع الذي يشمل مورد كون احتمال الخلاف واحداً في تريليون ــ مثلاً ــ فمن المحتمل جداً أنه ينفي وجود مثل هذا الاحتمال أصلاً ويجعله أمراً غير عقلائي.

وهذا أمر غير صحيح، لأن للاحتمال مناشئه والمفروض وجود ما يكون منشأً لهذا الاحتمال، كما لو لوحظ طرو حالة نادرة في بعض النمل بمثل تلك النسبة فيكون احتمال طروه على كل نملة كذلك لا محالة. 

وربما يقع الخلط في مثل هذه الاحتمالات الضعيفة بين وجود الاحتمال بلغة الرياضيات وبين الاعتناء به، فيظن أن عدم الاعتناء به من جهة نفي وجوده فعلاً)(٥٦).

وما ذكره g أضفى توضيحاً يصعب معه البناء على عدم حجية الاطمئنان، إذ مع فرض وجود دجاجة واحدة غير مذكاة ــ مثلاً ــ من مليون دجاجة فهل من المقبول أن يعتنى بمثل هذا الاحتمال؟! وهكذا لو فرض مزيد انخفاض في درجة الاحتمال.

ولكن صرح أستاذنا السيد الحكيم N بأن المنظور في إنكار حجيته هو جميع مستوياته، حيث قال: (إن ما هو الحجة الذاتية خصوص اليقين الاصطلاحي المساوق للعلم والقطع ونحوهما والذي هو عبارة عن الوصول للواقع بنحو لا يجتمع مع احتمال الخلاف، وحجية غيره تحتاج إلى الدليل وإن تم صدق اليقين عليه)(٥٧).

نعم ذكر N أن الفروض الممكنة عقلاً لا توجب تدني العلم وعدم الركون النفسي فيه كي تندرج في الاطمئنان، قال: (كما لا إشكال في حجية القطع وعدم التوقف عن العمل عليه من أجل الفروض الممكنة عقلاً إذا لم تكن مورداً للاحتمال, أو كان عدم الركون للقطع بسبب الوساوس التي هي نحو من المرض النفسي المستلزم لسلب ثقة الإنسان بنفسه وبحساباته اليقينية أو بسبب التراكمات أو التعصب أو نحو ذلك مما يمنع النفس من الركون للعلم والإذعان للدليل، نظير قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ}.

لكن ذلك لا يخرج العلم عن حقيقته التي هي وصول الواقع وانكشافه ولا يرجع إلى الاطمئنان الذي لا ينفك عن احتمال الخلاف وجداناً وإن ضعف، فلاحظ)(٥٨).

ومن ذيل عبارته يعلم أن مراده جميع مستويات الاطمئنان وما يقابله من الاحتمال، فكل ما دون العلم يكون محلاً للبحث ولا بد من مثبت لحجيته. 

٢. في أن البحث في حجية الاطمئنان وعدمها في حدّ ذاته، لا في الاطمئنان الذي يكون بسبب ما كالخبر وحسن الظاهر، أو في خصوص مورد معين لقيام الدليل عليه. ومن ثم لا يجدي بناء الفقيه على حجية الاطمئنان وعدمها في مسألة معينة شاهداً على القول بحجيته أو بعدمها مطلقاً، إلا أن يكون ما استدل به يعم مورد المسألة وغيره.

وقد حكي عن المحقق الداماد S ــ وكذا بعض أعلام تلامذته  (٥٩) ــ البناء على عدم حجية الاطمئنان في شأن النجاسات، وكذلك مـال إلى ذلك بعـض أساتيـذنـا (دامت بركاته). ولكن لا يعني ذلك التشكيك في حجيته في بقية الأبواب. 

٣. في أن البحث في المقام إنما هو في حجيته في نفسه بخصوصه لا من باب انسداد باب العلم والعلمي، فإنه مع فرض الانسداد يكون داخلاً في بحث حجية الظن بشكل مطلق ويجري فيه ما ذكر في مبحث حجية الظن، وقد صرحوا بذلك بل فصلوا الحديث فيه، فليراجع.

٤. في أن البحث هنا يعم الاطمئنان في الأحكام والموضوعات والامتثال، أي أن النزاع في حجية الاطمئنان القائم على الحكم أو موضوع الحكم ومتعلقه أو امتثاله، فهل هو حجة فيها أو لا أو هناك تفصيل في المقام.

 

الأقوال في المسألة

اختلف الأصوليون في حجية الاطمئنان على أقوال..

القول الأول: حجيته مطلقاً، كما هو صريح المحقق النراقي  (٦٠)، ونسب(٦١) إلى صاحب الجواهر والشيخ الأنصاري S، بل هو ظاهرهما(٦٢)، وهو ظاهر السيد اليزدي(٦٣) والميرزا النائيني(٦٤) والسيد الحكيم(٦٥) والسيد الشاهرودي(٦٦) والسيد الخوئي(٦٧) والسيد الصدر(٦٨) (قدّس الله أسرارهم) بل جمهور المتأخرين(٦٩).

القول الثاني: عدم حجيته مطلقاً، كما هو صريح جمع منهم صاحب المفاتيح والمحقق الأصفهاني S (٧٠) وأستاذنا السيد الحكيم F (٧١) وغيرهم، كما أنه يناسب كلام المحقق العراقي S(٧٢).

القول الثالث: التفصيل في حجيته بين كون مناشئه عقلائية فيكون حجة وعدم كون مناشئه كذلك, بل هي من قبيل الميول والأهواء النفسية فلا يكون حجة، وهو ما ذهب إليه بعض أعلام محققي العصر O (٧٣).

القول الرابع: التفصيل بين الاطمئنان في الأحكام فيقال بحجيته وبينه في موضوعاتها فيتوقف في حجيته، وهو ما قد يوهمه كلام المحقق العراقي S في موضع(٧٤).

القول الخامس: التفصيل فيه بوجه ثالث وهو بملاحظة مدى أهمية المحتمل ومؤونة العمل، فهذه العناصر الثلاثة: (درجة الإدراك، أهمية المدرَك، مؤونة تحصيل المدرك) تلاحظ جميعاً، فيعتمد عليها في حال بلوغها مجموعاً درجة مناسبة، وليس هناك إدراك يعتدّ به في جميع الموارد بغض النظر عن أهمية المدرَك ومؤونة تحصيله ولو كان قريباً من العلم جداً. وهذا هو الذي اختاره بعض أساتيذنا (دامت بركاته) كما سيأتي(٧٥).

 

الأدلة على حجية الاطمئنان

ويمكن الاستدلال على حجيته في الجملة بوجوه..

الوجه الأول: حكم العقل بحجيته الذاتية.

وقد أشار السيد الصدر S إلى ذلك قائلاً: (وأما الاطمئنان فقد يقال بحجيته الذاتية عقلاً تنجيزاً وتعذيراً كالقطع، بمعنى أن حق الطاعة الثابت عقلاً كما يشمل حالة القطع بالتكليف كذلك يشمل حالة الاطمئنان به، وكما لا يشمل حالة القطع بعدم التكليف كذلك لا يشمل حالة الاطمئنان بعدمه، فإن صحت هذه الدعوى لم نكن بحاجة إلى تعبد شرعي للعمل بالاطمئنان، مع فارق، وهو إمكان الردع عن العمل بالاطمئنان مع عدم إمكانه في القطع كما تقدم)(٧٦).

ولعل هذا هو مراد المحقق الأردبيلي S، حيث ذكر في ضمن حديثه عن الاستفاضة: (إن فسرت بإخبار جماعة تفيد العلم اليقيني فلا نزاع فيه بل هو أقوى من الشاهدين، لأن العلم متبع بالعقل والنقل. وإن فسرت بما أفاد الظن الغالب المتاخم للعلم، بل هو العلم العادي العرفي الذي لا يضره الاحتمال البعيد الذي هو مجرد التجويز العقلي، فالظاهر أنه كذلك)(٧٧).

وقد يقال: إن ما ذكره المحقق الأردبيلي S في آخر عبارته إنما أراد به أصل حجيته لا أنه متبع بالعقل والنقل.

والظاهر أن المراد بهذا الوجه ليس حجية الاطمئنان على حدّ حجية العلم بمعنى العلية التامة، لمنافاته مع ما ذكر في ذيل عبارته من الفارق بينهما بإمكان الردع عن العمل بالاطمئنان دون القطع. 

بل المراد هو حجيته الاقتضائية، ومن ثم يلاحظ عليه بأنه لا يتوجه بناءً على أن سرّ حجية القطع هو أن عدم الالتزام بحجيته يوقع القاطع في تناقض في نظره وهو محال، فإن هذه النكتة تقتضي حجيته بنحو العلية التامة التي لا شك في عدم ثبوتها في الاطمئنان. 

نعـم لو قيـل بأن مبنـى حجيـة القطـع هـو بناء العقلاء ــ كما عليه الـمحقـق الأصفهاني S ــ كان لهذا القول وجه، فيقال: إن حجية العلم والاطمئنان من باب واحد وهو بناء العقلاء. وكذا لو قيل بأن حجيته من جهة حق الطاعة الثابت للمولى فيقال: إن حق الطاعة الثابت عقلاً كما يشمل حالة القطع بالتكليف كذلك يشمل حالة الاطمئنان به. 

إلا أنه لا بد من البناء على أن هذا الحق لا يختص بالشارع بل يجري في المولى العرفي أيضاً، وإلا لم تتم التسوية بينه وبين القطع أيضاً.

ويضاف إلى ذلك أن ما ذكر من إمكان الردع عن حجية الاطمئنان لا يناسب دعوى كون حجيته عقلية بل يناسب الاستدلال له بالسيرة العقلائية، وذلك أن العمل بالسيرة هو الذي يتوقف على عدم الردع من الشارع. ولو كان حكماً اقتضائياً عقلياً لم يمكن الردع عنه، بل يمكن إبداء المانع منه. 

والفرق بين الرادع والمانع أن الرادع إلغاء لحكم باتّ والمانع التوصل إلى انتفاء حكم مشروط بالحيلولة دون تحقق شرطه. فالحكم العقلائي حيث إنه باتّ تكون مخالفة الشارع له ردعاً، وأما حكم العقل الاقتضائي فإن فعليته مشروطة بعدم مزاحم يفرضه الشارع أو ترخيص منه فإذا حصل هذا الترخيص أو كشف عن وجود مزاحم له لم يكن الحكم الاقتضائي فعلياً عقلاً.

الوجه الثاني: ما ذكره بعض أساتيذنا (دامت بركاته) من (أن حجية الحجج مطلقاً بما فيها العلم تابعة للوقع النفسي الحاصل من درجة الإدراك والمُدرَك والمؤونة، ولكن الإدراك في العلم تام فيكفي في مورده من حيث المدرَك أدنى النصاب بالقياس إلى سائر الحالات الإدراكية. وأما المؤونة كالضرر والحرج فهو رافع لحجية العلم ووقعه ولزوم التحرك على أساسه طبعاً، والمشهور على أن عدم الحرج والضرر في الأحكام الشرعية حدود للحكم فيكون من شؤون المدرَك في الحقيقة، ولا مشاحة في البين)(٧٨).

وهذه القاعدة تجري في الاحتمال، فإن محركية الاحتمال تعتمد على ملاحظة قوة الاحتمال وأهمية المحتمل والمؤونة التي يحتاج إليها لتحصيله. 

وقد ذكر g في المقام: (إن مثل هذا المعنى يجري في الاطمئنان، فإن للظن المتاخم للعلم وقعاً نفسياً معتداً به مع ملاحظة مدى أهمية ما يُطمأن به ومؤونة رعاية الاطمئنان ما يصلح أن يكون محركاً فطرياً، وبذلك يكون موضوعاً للتحسين والتقبيح العقليين من حيث تمام الحجة على الإنسان بحسب سننه النفسية ولياقة المدرَك بالعناية به بحسبها، فلا معنى لإلغائها).

ثم ذكر ما يتفرع على هذا الوجه..

(أولاً: إن حجية الاطمئنان قد تتأثر بدرجة أهمية المحتمل، كما قد يكتفي بالاطمئنان في شيء له مستوى من الأهمية ولا يكتفى به في آخر له مستوى أعلى منها، فجانب الكشف وإن كان مهيمناً على اعتبار الاطمئنان في النظر البدوي إلا أنه بالتأمل والمقارنة تكون درجة المحتمل ملحوظة بنحو خفي، ومن ثم تُعد حالة إدراكية اطمئناناً في شأن شيء دون شيء آخر.

مثلاً: قد يكتفي الإنسان في مراعاة الجوانب الأمنية لنفسه بالاطمئنان ولا يعتني باحتمال الخلاف في حين أنه يعتني بهذا الاحتمال بالنسبة لشخص وافد عليه. وهكذا في تعقيم الماء فإنه قد لا يعتني الشخص باحتمال عدم التعقيم بالنسبة لشربه هو للماء في حين يهتم بهذا الاحتمال عند مراجعة المفتش العام مثلاً.

ومن هنا ينقدح ملحظ على القائلين بحجية الاطمئنان مطلقاً، لأنهم ركزوا على مستوى الكشف من دون عناية بالمكشوف، مع أن من الظاهر بالتأمل أن المحتمل كلما كان أهم كفى في تحريكه احتمال ضعيف، وعليه فإن الاحتمال الموهوم الذي لا يعتدّ به في الأمور الاعتيادية مما يعتدّ به في الأمور التي هي في غاية الأهمية, ولاسيما إذا كان في رعايتها مؤونة قليلة.

مثلاً: احتمال الواحد في الألف موهوم لا يعتدّ به ويُطمأن بخلافه، ولكن إذا احتمل تحقق انفجار نووي بهذه النسبة فإنه يعتدّ به، ولا سيما إذا كانت الحيلولة دونه مما يكفي فيها شيء بسيط كإطفاء المحطة مثلاً. 

وثانياً: أن حجية الاطمئنان في مساحة أولية تكون عقلية لا سبيل إلى الردع عنها، فإنها من جملة دساتير الحياة ولولاها لاختلت أمور العباد والبلاد.

نعم في مساحة ثانوية يمكن الردع عنها، وهذا نظير ما ذكرناه في العلم الإجمالي والاحتمال عند أهمية المحتمل، فإن مساحة من التأثير تكون فيه عقلية وقد تكون مساحة أدنى منها عقلائية منوطة بتقدير قيمة المحتمل عند الشارع، فيمكن للشارع إلغاؤها بالنسبة إلى خصوصية المحتمل الشرعي في الجملة.

وعليه فلا يتم البناء على أن حجية الاطمئنان عقلائية بجميع مستويات الاطمئنان وفي جميع المحتملات، بل هو في الجملة عقلي وقد يكون عقلائي، وقد يفرض له مساحة قد لا يعتبرها العقلاء حجة، ولكن للشارع أن يكتفي بها في بعض الموارد).

وما ذكره g يستند في أصله إلى مبحث حجية القطع حيث بنى هو فيها على حجيته من باب الوقع النفسي إلحاقاً بالاحتمال، كما أنه أضاف عنصر المؤونة في الجميع، حيث كان المذكور في كلام من قبله كبعض أعلام محققي العصر O هو ملاحظة الاحتمال والمحتمل، فالمعادلة ــ على المعروف ــ كانت ثنائية فصارت ثلاثية بإضافة المؤونة، وتفصيل هذا البحث موكول إلى مقام آخر(٧٩).

وقد يناسب ذلك ما نقله السيد الصدر S (٨٠) عن المحقق النائيني والسيد الأستاذ ــ يعني السيد الخوئي ــ S من أنهما اعترضا على الشيخ الأعظم S في دعواه في بعض كلماته لحجية الاطمئنان على انتفاء الضرر الأخروي بأن الاطمئنان إنما يتبع في مثل الأغراض الدنيوية، وأما إذا كان المحتمل بدرجة من الأهمية كعقاب الآخرة فلا معنى لحجية الاطمئنان في قباله، بل لا بد من الاحتياط في قبال احتمال العقاب بالغاً ما بلغ من الضآلة، وضآلة الاحتمال هنا لا تبرر الاقتحام.

الوجه الثالث: إطلاق أدلة حجية العلم من الآيات الكريمة والروايات الشريفة بضميمة أن الاطمئنان علم عرفاً.

قال المحقق الخوانساري S في حديثه عن الشياع في رؤية الهلال: (ولو اكتفى بحصول الظن فإن اعتبرت غلبته بحيث صار احتمال العدم بعيداً جداً ويحصل ما يقرب العلم العادي فلا يبعد ادعاء كونه في حكم العلم عرفاً وشرعاً)(٨١).

وقال المحقق النراقي S: (إن العلم الذي هو الحجة في الشرعيات من غير احتياج إلى دليل و برهان هو العلم العادي، وهو الذي لا يلتفت أهل العرف ومعظم الناس إلى احتمال خلافه، ولا يعتبرونه في مطالبهم ولا يعتنون به في مقاصدهم)(٨٢).

ومرادهم من ذلك أن الاطمئنان من أفراد العلم ومصاديقه العرفية فيكون حجة بحجية العلم. 

وما ورد في كلماتهم لا يمكن المساعدة عليه..

أولاً: إنه إن ادعي أن العلم هو ما لا يحتمل الخلاف ومع ذلك يندرج فيه الاطمئنان، فيلاحظ عليه: أن نفي وجود الاحتمال الضعيف عرفاً إنّما هو على سبيل المسامحة لا الدقة فيكون الاطمئنان من أفراد العلم تسامحاً لا حقيقة، ولا عبرة بالتسامح العرفي في تطبيق المفاهيم وإنما يكون للعرف مدخلية في تحديد نفس المفاهيم.

وإن أريد أنّ مفهوم العلم لغة أعم من وجود الاحتمال المخالف إذا كان ضعيفاً جداً كما يناسب بعض كلماتهم(٨٣)التي تدل على أن الاطمئنان من أفراد العلم ومصاديقه حقيقة، فهو داخل فيه موضوعاً، فما يدل على حجية القطع يكون دليلاً عليه.

فيتوجه عليه أن مفهوم العلم لغة وعرفاً هو اليقين والقطع الذي لا يحتمل خلافه. 

ولا بأس بنقل ما ذكره صاحب المفاتيح S في هذا الشأن، حيث قال: (إنا نمنع من إطلاق لفظ العلم على مطلق ما يطمئن النفس إليه أو الاعتقاد الراجح الشامل للظن حقيقة، بل هو حقيقة في الاعتقاد الجازم الذي لا يشوبه شك ولا يعتريه ريب مطلقاً ولو بحسب العادة. وذلك لتبادره عند الإطلاق وصحة سلب لفظ العلم عن الظن، وجعله مقابلاً للعلم في العرف والعادة، وعدم صحة امتثال الأمر المعلق على العلم بتحصيل الظن، ولغير ذلك. 

وبالجملة: لا شبهة في أن لفظ العلم موضوع لمعنى غير ما وضع له لفظ الظن، وذلك المعنى هو الذي ذكره الأصوليون والمتكلمون. 

واحتمال أن ذلك من مصطلحاتهم مما يُقطع بفساده، ولو كان كذلك لأشاروا إلى المعنى اللغوي وصرّحوا بمخالفته للمعنى المصطلح عليه بينهم، كما هو طريقتهم في سائر الألفاظ التي لهم فيها اصطلاح خاص..)(٨٤).

وثانياً: لو سُلِّم أنّه حجة فهو مجدٍ فيما إذا أخذ العلم ونحوه في موضوع الحكم لا فيما إذا أخذ الواقع.

قال المحقق الأصفهاني S: إنّ (الحكم إنْ كان مرتباً على الموضوع المعلوم صح أن يدعي أن المراد من العلم والمعرفة عرفاً ما يعم الوثوق والاطمئنان، وأما إذا كان الحكم مرتباً على الواقع فالتوسعة في مفهوم العلم غير مجدية في إحراز موضوع الحكم حقيقة، بل لا بد من دليل على تنزيل ما يوثق به منزلة الواقع)(٨٥).

وقد يلاحظ عليه بما ذكره بعض أساتيذنا (دامت بركاته) من (أن الذين ذكروا الاطمئنان والوثوق من قبيل العلم العادي في الإطلاق العرفي لم يقصدوا بذلك إثبات حجية الاطمئنان بهذا المقدار، وإنما كانوا ناظرين إلى شمول ما يدل على اعتبار العلم من الآيات الشريفة مثل قوله تعالى: {أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} أو إلى قيام سيرة العقلاء ــ ومنهم المتشرعة ــ على الاعتماد على الاطمئنان كاعتمادهم على العلم مقروناً بعدم الردع من الشارع. واندراجه تحت مفهوم العلم يخرجه عن الأدلة الناهية عن العمل بالظن وبذلك لا يثبت الرادع عنه، ويخرج عن حالات الشك التي هي موضوع الأصول العملية.

وينبغي الالتفات إلى أن (العرف) في كلمات فقهاء الفريقين من قبل لم يكن يطلق على خصوص المجال اللغوي كما هو الجاري عند المتأخرين، بل بما يشمل العقلاء
ــ كما يظهر بتتبع كلماتهم ــ ومن ثم ما يظهر من تلقي غير واحد كلمة العرف في هذا المورد بما يعني العرف اللغوي ليس تلقياً دقيقاً، فإن الشواهد تشير إلى أن المنظور هو العرف العقلائي. فيكون مرادهم هو التقنين العقلائي للاطمئنان على أنه بحدّ العلم وليس مجرد إطلاق عرفي، فيرجع في الحقيقة إلى الاستدلال بسيرة العقلاء)(٨٦).

ولكن ما ذكره أخيراً من إطلاق العرف على بناء العقلاء وإن كان يناسب بعض ما تقدم من كلماتهم ــ ككلام المحقق النراقي S ــ إلا أنه لا يجري في بعض آخر من كلماتهم عن العلم العادي، حيث يتضح بمراجعتها أن مرادهم من ذلك هو العرف بالمعنى المستعمل عند المتأخرين. 

فقد حكى صاحب المفاتيح Sعن الشيخ شهاب الدين أنه قال: (اعلم أن لفظ العلم يطلق في اللغة على الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع، وهذا يسمى اليقين، وعلوم الأنبياء والأئمة من هذا، ويطلق أيضاً على ما يسكن إليه النفس وتقضي العادة بصدقه، وهذا يسمى العلم العادي.. ومن تتبع كلام العرب ومواقع لفظ العلم في المحاورات جزم بأن إطلاق لفظه على ما يحصل به الجزم عندهم حقيقة، وأنه كلي يقال على أفراده بالتشكيك، وأن تخصيصه باليقين فقط اصطلاح حادث لأهل المنطق دون أهل اللغة.. يدلّك على ذلك تعريف السيد المرتضى في الذريعة للعلم بأنه ما اقتضى سكون النفس، وهذا التعريف يشمل نوعي العلم أعني اليقيني والعادي، فهذا هو العلم الشرعي، فإن شئت سمّه علماً وإن شئت سمّه ظناً فلا مشاحة في الاصطلاح بعد أن تعلم أنه كافٍ في ثبوت الأحكام الشرعية..)(٨٧).

ومنه يظهر أن مراد جملة من المتقدمين من العرف هو ما يستعمل عند المتأخرين. 

الوجه الرابع: بناء العقلاء وسيرتهم على العمل بالاطمئنان بضميمة عدم الردع عن تلك السيرة. 

قال الميرزا النائيني S: (وأما بالنسبة إلى كفاية الاطمئنان فلما تقرّر في محله من استقرار طريقة العقلاء على الاكتفاء به في إحراز مقاصدهم، وإلغائهم بفطرتهم لاحتمال خلافه بالكلية، وجريهم عليه من حيث إحرازهم الواقع، وسقوطه عن الوسطية عندهم... وبضميمة عدم الردع عنه في إحراز الأغراض الشرعية في غير ما اعتبر فيه خصوص البينة يتم المطلوب. 

ولا يعتبر فيه الحصول عن سبب خاص كالعلم، بل الظاهر دوران طريقية أغلب الأسباب المعوّل عليها عندهم مدار حصوله. نعم يعتبر فيه عدم الاستناد إلى ما يُعدّ الركون عندهم من السفه كالنوم ونحوه)(٨٨).

وقال السيد الروحاني S: (أمّا أصل حجية الاطمئنان فهو ليس محل تشكيك وبحث، وذلك لأن السيرة من البشر جميعاً في أعمالهم، سواء ما يرتبط بتشخيص الأحكام أو الموضوعات جارية على الأخذ بالاطمئنان، إذ قل وندر مورد يحصل لهم العلم الجزمي الذي لا يقبل التشكيك، بل كل مورد يرتبون آثار الواقع فيه عملاً ناشئ عن حصول الاطمئنان دون القطع، لإمكان إثارة التشكيك فيه، فلولا الاطمئنان لتوقف العقلاء ــ بل غيرهم ــ في أغلب أمورهم العملية، إذ لا طريق لديهم إلى حصول القطع. 

وإذا ثبت هذا المعنى لدى أهل السيرة ثبتت حجيته بنظر الشارع أيضاً، إذ لو كان له طريق آخر غير الاطمئنان جعله لتشخيص أحكامه التكليفية والوضعية وموضوعات أحكامه في جميع موارد العمل والحكم والقضاء وغير ذلك لكان عليه نصبه وبيانه، وهو أمر مقطوع العدم، وبدونه يختل نظام الشرع الشريف ويقف العمل)(٨٩).

وقد أوردوا على هذا الوجه بإيرادين رئيسين: التشكيك في قيام السيرة، ودعوى الردع عنها..

الإيراد الأول: التشكيك في قيام سيرة العقلاء على العمل بالاطمئنان والاكتفاء به.. 

قال المحقق الأصفهاني S: (والالتزام بالثاني ــ أي سيرة العقلاء وبناؤهم ــ لا يخلو من تأمل، وإلا لزم القول به في جميع الموارد، فيكتفى به في تنجز كل حكم لم تقم عليه حجة شرعية أو عقلية بل كان مما يوثق به، ويكتفى به في الخروج عن عهدة ما تنجز ولو مع التمكن من العلم الحقيقي في كلا المقامين)(٩٠).

وقال أستاذنا السيد الحكيم N في التعليق على هذا الوجه: (لكنه لا يخلو من خفاء، إذ لم يتضح من العقلاء حجية الاطمئنان بنفسه مطلقاً بما هو وإن كان ابتدائياً أو مستتبعاً إلى ما ليس حجة بنفسه كالرؤيا والفأل ونحوهما. غاية الأمر أنه كثيراً ما يكتفى به ــ بل بما دونه من مراتب الاحتمال ــ في الاحتياط للواقع. وهو أمر آخر غير حجيته المستلزمة لجواز متابعته حتى في ما لا يحسن الاحتياط فيه، كاستيفاء الحقوق ممن يُطمأن بثبوتها عليه بالقصاص في النفس والطرف والمقاصة في المال وغير ذلك)(٩١).   

وما ذكراه من مبعّد يرجع في أساسه إلى عدم وضوح قيام السيرة على حجية الاطمئنان مطلقاً، بل استبعاد ثبوت ذلك على إطلاقه بالنظر إلى أن الاطمئنان على أقسام ثلاثة..

الأول: ما نشأ عن منشأ معتبر.

الثاني: ما نشأ عن منشأ غير معتبر بعنوانه كالفأل والمنام. ودعوى بناء العقلاء على حجية الاطمئنان الناشئ عن مثله بعيد.

الثالث: ما حصل ابتداءً من غير منشأ له. ودعوى بناء العقلاء فيه أيضاً بعيد.

وإنما المقدار الثابت في شأن الاطمئنان أحد أمرين..

أحدهما: حجيته في بعض الموارد من قبيل الخبر الذي يوثق بصدوره.

والآخر: عملهم وفق الاطمئنان أحياناً من جهة موافقته للاحتياط، أو من جهة وجود منشأ معتبر له في نفسه سواء حصل الاطمئنان به أو لا.

وقد أجاب بعض أساتيذنا (دامت بركاته) عن مثله بأن بعض ما ذكر إنما يتوجه لو قيل بحجية الاطمئنان مطلقاً لا في خصوص ما لو نشأ عن منشأ عقلائي.

على أنه قد يقال: إن القائل بحجية العلم الحاصل من تلك المناشئ لا ينبغي أن يستوحش من البناء على حجية الاطمئنان الحاصل منها لو تحقق فعلاً.

وما يذكر من نشوء الاطمئنان بلا منشأ إدراكي معتبر أو غير معتبر مما لم يظهر مورده، ولعل المراد به ما يحصل في بعض الحالات النفسية المرضية وشبهها، وإلا فإن الاطمئنان لا ينفك عن منشأ له وإن صعب استخراجه أحياناً لثبوته في مرحلة من الارتكاز النفسي العميق.

هذا وأمّا في ما لو نشأ الاطمئنان عن منشأ عقلائي فلا يبعد البناء على حجيته مطلقاً(٩٢)

كما وجه g قيام السيرة العقلائية بقوله: (إن بناء العقلاء أمر حسي استقرائي يمكن متابعته، والذي نراه بالتأمل الاستقرائي ثبوت هذا البناء، بل من ينكر البناء عليه فإنه يعتمد عليه في أمور حياته واستنباطه بنفسه ولكنه يقول عن الاحتمال الضعيف أنه احتمال غير عقلائي، ولكن الذي يظهر بالدقة أن الاحتمال غير العقلائي ما كان الاعتناء به غير عقلائي لا البناء على وجوده، فلاحظ. 

ومن المؤشرات عليه أن عامة المتأخرين مالوا إلى حجية الاطمئنان، فالشيخ الأنصاري والمجدد الشيرازي والسيد اليزدي O وغيرهم بنوا على حجيته ــ حسب ما يظهر من ذكرهم إياه في ثنايا المباحث الفقهية ــ والذين توقفوا في مورد معين بنوا عليه في غيره، فالسيد الحكيم S في بعض كلماته في أوائل المستمسك يشكك في حجية الاطمئنان ولكنه يقول بحجيته في جملة من الموارد. وكذلك يلاحظ في بعض كلمات المحقق الأصفهاني S فإنه في معرض ذكره للاطمئنان يظهر منه عطفه على العلم من غير إنكار فيه. ومن ثَمَّ الذي نعتقده أن الممارسة الفقهية والتأمل في مطلق الموارد يفضي إلى أن بناء الفقهاء على العمل على أساس الاطمئنان).

وقال بعض آخر من أساتيذنا (دامت بركاته) : (أما التشكيك في قيام السيرة العقلائية على العمل بالاطمئنان والاعتماد عليه في مختلف المجالات فهو في غير محله جداً، فإن من تتبع الطريقة التي يجري عليها العقلاء في أمور دينهم ودنياهم لا يكاد يشك في أن معظم اعتمادهم فيها على الاطمئنان الناشئ من المبادئ الصالحة لذلك. وأما القطع
ــ الذي ينافيه احتمال الخلاف مهما كان ضئيلاً ولو كان بنسبة واحد من ألف ــ فهو قَلّ ما يحصل في غير المتواترات وأمثالها إلا للمتسرعين)(٩٣).

هذا، ودعوى السيرة العقلائية في المقام ونفيها أو عدم عمومها لجميع الموارد والأسباب تبقى محلاً للجدل إن لم نستعن باستبيان لشرائح مختلفة من المجتمع ويكون مستوعباً لموقفهم من الاطمئنان بالحكم وموضوعه وفي موارد مختلفة ولأسباب مختلفة(٩٤).

نعم، لعله لا يمكن إنكار قيام سيرة العقلاء في بعض درجات الاطمئنان العالية كما لو كانت نسبة الاحتمال واحد من عشرة آلاف أو واحد من مائة ألف أو أدنى من ذلك.

هذا، ويمكن أن يقال: إن البناء على حجية الاطمئنان عند القائلين به إنما نشأ من تصورهم عدم تحصيل العلم وصعوبة ذلك بل تعذره في أغلب الحالات، ولعل هذا هو الوجه في السيرة العقلائية، فلذا من لا يقول بحجية الاطمئنان واهم، إذ لا يحصل لديه العلم إلا بتكلف مجانب للواقع.

وهنا يَشْكُل الفريق النافي لحجيته على المثبتين بأن كلامكم إنما يتناسب مع فرض الانسداد فيكون هذا خروجاً عن المقام، إذ البحث في حجية الاطمئنان في حدّ نفسه

لا في فرض الانسداد كما هو معلوم.

وكيف كان، فإنه من البعيد إنكار أن طريقة العقلاء هي الاكتفاء به في إحراز مقاصدهم كما هو مشهود في جملة من الموارد، ولعله لذلك تجد أن الأغلب قد بنوا على حجيته.

وبالجملة: إن قيام سيرة العقلاء على العمل بالاطمئنان مما يصعب إنكاره جداً، وما ذكر في الكلمات المتقدمة كافٍ في الجواب عما أثير من التشكيك في ذلك.   

الإيراد الثاني: أنه لو سُلِّم قيام السيرة العقلائية، إلا أنه يقع الكلام في إمضائها ودعوى الردع عنها، حيث بنى جمع ــ منهم المحقق العراقي S كما سيأتي ــ على وجود الرادع، ولكنهم اختلفوا في أن الرادع عن هذه السيرة في جميع مواردها وعن جميع أسباب الاطمئنان أو بعضها. 

والرادع المتصور في المقام على نحوين: ما ورد بنحو العموم، وما ورد في بعض الموارد الخاصة..

١. أما ما ورد بنحو العموم فهو عدة أمور..

الرادع الأول: عموم الأدلة الناهية عن العمل بغير العلم واليقين، أو الظن من جهة اندراج الاطمئنان فيه، فالاطمئنان ضرب من الظن اللغوي لعدم توفر عنصر الجزم واليقين فيه، ومن ثَمَّ يكون مشمولاً لتلك الأدلة الرادعة عن العمل بالظن.

وهذه الأدلة على أصناف ثلاثة..

١. النهي عن العمل بالظن كما في الآيات المتقدمة وغيرها.

قال تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا}(٩٥).

وقال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ}(٩٦), ومثلها آيات أُخر(٩٧).

وقال تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}(٩٨), ومثلها آيات أُخر(٩٩).

٢. النهي عن العمل بغير العلم، كقوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ}(١٠٠)، وقوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}(١٠١).

قال علي بن إبراهيم عند ذكر هذه الآية: (قال: لا ترمِ أحداً بما ليس لك به علم، فقال رسول الله e : من بهت مؤمناً أو مؤمنة أقيم في طينة خبال أو يخرج مما قال)(١٠٢)

٣. النهي عن العمل بغير اليقين، كقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}(١٠٣).

قال الشيخ المفيد S : (قد نهى الله تعالى عن العمل على الظن في الدين وحذر من القول فيه بغير علم ويقين، فقال: {وأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّه ما لا تَعْلَمُونَ}, وقال:{إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وهُمْ يَعْلَمُونَ} ــ وذكر جملة من الآيات المتقدمة والآتية ــ ومن أمثال ذلك في القرآن مما يتضمن الوعيد على القول في دين الله بغير علم والذم والتهديد لمن عمل فيه بالظن واللوم له على ذلك)(١٠٤)

وقد يقال: إن مفاد هذه الآيات يتجاوز الردع عن اتباع غير العلم؛ لأنها تدل بلحنها على عدم حجية غير العلم لدى العقلاء بحسب مرتكزاتهم حيث شُنّع على فريق الناس باتباع الظن والتخرص. 

قال أستاذنا السيد الحكيم N: (إن ورود كثير من النصوص الناهية عن العمل بغير العلم في مقام الاحتجاج والتشنيع على الآخرين يوجب ظهورها في كون ذلك من المستنكرات العقلائية الارتكازية. وقد يكون شاهداً على عدم بناء العقلاء على حجية ما دون العلم من مراتب الانكشاف للنفس، ومنه الاطمئنان، فلاحظ)(١٠٥).

وقد أجيب عن هذا الرادع..

أولاً: بأن الظن الوارد في الآيات المتقدمة غير شامل للاطمئنان، فإن العرف لا يطلق الظن على الاطمئنان بل يطلق عليه العلم. 

قال السيد الخوئي S : (ولا يحتمل أن تكون الأدلة الناهية عن العمل بالظن رادعة عنه، لأنه لا يطلق الظن على الاطمئنان لدى العرف قطعاً. نعم، الظن لا يعتمد عليه لأنه ليس له أثر يترتب عليه مثل الشك، كما أنه بمعنى الشك لغة)(١٠٦).

وقال بعض أساتيذنا (دامت بركاته): (الأدلة الناهية عن العمل بالظن لا تشمل الاطمئنان، لأنه يُعدّ علماً عند العرف، فإن العلم في المفهوم اللغوي والعرفي لا يختص بالحالة الجازمة التي تكون (١٠٠%)، وإنما هي الدرجة الراقية من الإثبات التي تستوجب الوثوق بالمورد. وقد فسر العلم بهذا المعنى غير واحد، ومن ثَمَّ عبروا عنه بالعلم العادي، وقد جرى على ذلك كثير من المتكلمين والأصوليين من قبل وتبعهم في ذلك متأخرو المتأخرين كالمحقق النائيني والسيد الخوئي S.

ويؤيد ذلك ما لاحظناه في بعض الموارد في مقام السؤال من الأئمة i، حيث إن السائل في بعضها يسأل عن مورد عدم العلم، وفي بعضها الآخر يسأل عن مورد عدم وجود خبر ثقة في البين. فتارة يرد في الحديث هل يصلي خلف من لا يعرف، وأخرى يرد هل يصلي خلف من لا يثق به)(١٠٧).

ويلاحظ على هذا الجواب بأن الآيات المتقدمة وغيرها تضمنت المقابلة بين الظن وبين العلم واليقين، كقوله تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا}(١٠٨)، وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}(١٠٩)، فلا يصح القول بأن الاطمئنان أحد أفراد العلم واليقين، إذ لو سلّم ذلك في العلم فلا ينبغي الشك في عدم عموم اليقين له، فإذا قوبل الظن باليقين كان الظن شاملاً للاطمئنان.

قال الطبرسي O في تعليقه على بعض الآيات المتقدمة: (إن الحق إنما ينتفع به مَن عَلِمه حقاً وعَرَفه معرفة صحيحة، والظن يكون فيه تجويز أن يكون المظنون على خلاف ما ظن، فلا يكون مثل العلم)(١١٠).

وقد يدعى(١١١)أن المراد هو المقابلة بين الظن الضعيف واليقين كمثله قولهم: (أظن بذلك ظناً ضعيفاً ولست بمستيقن به). 

ولكن هذا التوجيه غير صحيح، فإنه خلاف الظاهر، ومن ثَمَّ ذكر غير واحد(١١٢): أن المقصود بالآية هو المقابلة بين القطع والجزم وبين مطلق الظن، قال أبو السعود: (وقيل: ما نظن إلا ظناً ضعيفاً. ويرده قوله تعالى: {وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} أي لإمكانه، فإن مقابل الاستيقان مطلق الظن لا الضعيف منه)(١١٣).

قال الراغب: (يقال استيقن وأيقن، قال تعالى: {إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}.. وقوله a{وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا}أي ما قتلوه قتلاً تيقنوه بل إنما حكموا تخميناً ووهماً)(١١٤)

وثانياً: ما ذكره بعض أساتيذنا (دامت بركاته) من (أن الأدلة الناهية عن العمل بالظن ليست أدلة في مقام الردع عن شيء مما جرى عليه العقلاء، فمن تأمل الآيات والروايات الناهية عن العمل بالظن وجد أنها تحاكم المعتمدين عليه بنفس اعتمادهم على أساس غير عقلائي لا ينبغي التعويل عليه. فسياق الآيات الناهية عن العمل بالظن ــ وأغلبها متعلقة بأصول الدين ــ كلها سياق نوع من المحاكمة على الأساس العقلائي وعلى الأساس الفطري لمناط الإثبات والنفي وأنهم كانوا يعتمدون في ما يتلقونه من العقائد على أن آباءهم قالوا هكذا، أو على أن الله سبحانه لو شاء لأرسل ملائكة، أو أن النبي e لو كان صادقاً لأجرى من تحتهم عيوناً، وما إلى ذلك من الاقتراحات التي كانوا يذكرونها ويبنون على موجبها.

فطريقة المحاكمة القرآنية للكفار في ما يتعلق باعتمادهم على الظن محاكمة عقلائية بحتة منبهة وموقظة لهم على أنه لا ينبغي الاعتماد على مثل هذا الشيء عقلاءً، وهذا بحث مفصل منوط بالكلام في أول حجية الظن، ومن ثَمَّ لا رادعية لمثل هذه الأدلة بالنسبة إلى شيء من الحجج العقلائية المبنية على أسس متينة)(١١٥).

وقد اقتصر كلامه g في دفع رادعية الآيات المتقدمة عن خصوص ما دلّ على حجية الاطمئنان الناشئ من المبادئ العقلائية، ومن ثَمَّ فمآل ما ذكره إلى أن هذه الأدلة تنفي دعوى حجية الاطمئنان الناشئ من المبادئ غير العقلائية دون ما كان ناشئاً من مبادئ عقلائية ــ الذيذهب إليه بعض أعلام محققي العصر O كما تقدَّمــ فيكون الاستدلال بها على عدم حجية الاطمئنان مطلقاً أخص من المدعى. 

وما ذكره ــ لو تمّ ــ إنما يتم في بعض الآيات المتقدمة دون جميعها لاسيما قوله تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا}، وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} حيث يلاحظ أنها تنظر إلى اليقين والظن في حدّ ذاتهما دون ما يستندان إليه.

قال الشريف الرضي O: (وفى هذه الآية استعارتان.. 

إحداهما: قوله سبحانه: {إِلا اتِّباعَ الظَّنِّ} لأن الظن جعل هاهنا بمنزلة الداعي الذي يطاع أمره والقائد الذي يتبع أثره، مبالغة في صفة الظن بشدة الاستيلاء عليهم وقوة الغلبة على قلوبهم. 

والاستعارة الأخرى: أن يكون قوله تعالى: {وما قَتَلُوه يَقِيناً}راجعاً إلى الظن لا إلى المسيح g(١١٦)، فكأنه سبحانه قال: (وما قتلوا الظن يقيناً) كما يقول القائل:

(قتلتُ الخبرَ علماً). ومن أمثالهم: (قَتَل أرضاً عالمُها) و(قتلتْ أرضٌ أهلَها). 

والمراد بقولهم: (قتلتُ الخبرَ علماً) أي استقصيت معرفته واستخرجت دخيلته فلم يفتني شيء من علمه فكنت بذلك كأني قاتل له، أي لم أبقِ شيئاً يعلم من كنهه كما لم يبق القاتل من المقتول شيئاً من نفسه)(١١٧).

وقال الشيخ الطوسي S : (وقوله: {إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} استثناء منقطع، وتقديره: لم يكن لهم بمن قتلوه علم لكنهم اتبعوه ظناً منهم أنه عيسى، ولم يكن به. وقوله: {وما قَتَلُوه يَقِيناً }معناه: وما قتلوا ظنهم الذي اتبعوا المقتول الذي قتلوه وهم يحسبونه عيسى يقيناً أنه عيسى ولا أنه غيره، لكنهم كانوا منه على ظن وشبهة، كما يقول القائل: (ما قتلتُ هذا الأمر علماً)، و(ما قتلته يقيناً) إذا تكلم فيه بالظن على غير يقين)(١١٨)

ثم حكى عن الزجاج القول بأن (الهاء) راجعة إلى عيسى g دون الظن ليكون المعنى نفي الباري a القتل عنه على وجه التحقيق واليقين.

هذا، وقد فصّل بعض أساتيذنا (دامت بركاته) (١١٩) في الجواب عن المراد بالعلم واليقين قائلاً: (إن الأدلة التي تضمنت لفظ العلم والتي استفيد منها اعتباره بالخصوص دون الظن يمكن الجواب عنها بأن العلم يصدق على الاطمئنان عرفاً، مضافاً إلى أن مساق أدلة اعتبار العلم إنما هو اعتباره بما أنه يمثل الهدى والبصيرة، فإنه يقال: (فلان يمشي بغير علم) أي من دون هدى وبصيرة.

وعليه فلا يكتفى بمثله في الردع عن سائر ما يعتبر العمل به هدى وبصيرة لدى العقلاء بمثل ما تقدم في الظن، نظير اعتماد أهل الرجل إذا رجع إليهم بعد النفر للتفقه لأجل إنذارهم ووعظهم حيث كان موجباً للوثوق عندهم، لأن الرائد لا يكذب أهله.

وأما الأدلة التي تتضمن ذكر اليقين والتي استفيد منها اعتباره على وجه الخصوص دون ما سواه كدليل الاستصحاب فقد يجاب عنه بما في بعض كلمات السيد الخوئي S(١٢٠) من أن الاطمئنان يقين عقلائي ويطلق عليه اليقين في لسان أهل المحاورة والعامة، كما أنه يقين بحسب اللغة، لأن اليقين من يقن بمعنى سكن وثبت كما أن الاطمئنان بمعنى سكن واستقر فهو يقين لغة وعرفاً، وإن كان بحسب الاصطلاح لا يطلق عليه اليقين، فمع حصوله يرفع اليد عن اليقين السابق لا محالة.

وقد يشكل على ما ذكره S ابتداءً بالنظر إلى ما في كتب اللغة مما يدل على أن اليقين لا يجامع الاحتمال المخالف، قال الخليل O: اليقين هو (إزاحة الشك وتحقيق الأمر)(١٢١)، وقال الجوهري: (اليقين العلم وزوال الشك.. وربما عبروا عن الظن باليقين وباليقين عن الظن، قال الشاعر:

تَحسَّبَ هَوَّاسٌ وأَيْقَنَ أَنّني

 

 

بها مُفْتَدٍ من واحدٍ لا أُغامِرُهْ 

 

يقول: تشمم الأسد ناقتي يظن أني أفتدي بها منه وأستحمي نفسي فأتركها له ولا أقتحم المهالك بمقاتلته)(١٢٢). وقال ابن فارس: اليقين (زوال الشك)(١٢٣).

ولكن يمكن توجيه ما أفاده بأن اليقين في اللغة لا يعبر عن الجزم الإدراكي في مقابل الاحتمال الإدراكي، بل هو نفوذ الاعتقاد في النفس حتى يملك قلب الإنسان وتترتب عليه آثاره، وهو مما يمكن أن يتصف به الاعتقاد الحاصل في مورد الاطمئنان. وعدم نفوذ الاعتقاد في النفس قد يكون لموانع لائقة من قبيل عدم تمامية الحجة عليه، وقد يكون لموانع نفسية مذمومة مثل التعلقات النفسية المضادة لروح الحكمة والتعقل.

وهذا الإطلاق وارد في النصوص، ومنه ما ورد في حديث الإمام الصادق g: ((إن الإيمان أفضل من الإسلام، وإن اليقين أفضل من الإيمان، وما من شيء أعز من اليقين))(١٢٤). وفي حديث آخر عن الرضا g: ((الإيمان فوق الإسلام بدرجة، والتقوى فوق الإيمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة، وما قُسِّم في الناس شيء أقل من اليقين))(١٢٥).

وهذا الإطلاق ورد مكرراً في نهج البلاغة كقوله  g في من شبه الله سبحانه وتعالى بخلقه: ((ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ندّ لك))(١٢٦)، وقوله g في معاتبة الناس: ((قد تكفل لكم بالرزق وأمرتم بالعمل، فلا يكونن المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله، مع أنه والله لقد اعترض الشك ودخل اليقين حتى كأن الذي ضمن لكم قد فرض عليكم، وكأن الذي قد فرض عليكم قد وضع عنكم. فبادروا العمل وخافوا بغتة الأجل، فإنه لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرزق))(١٢٧).

وإلى ذلك يرجع ما وصف به اليقين في بعض الكلمات من قبيل الثبات والوضوح وبرودة الصدر به والاستقرار والسكون والاستحكام والإبرام، قال الفيومي: (يقن الأمر.. إذا ثبت ووضح)(١٢٨).

وقال أبو هلال العسكري: (الفرق بين العلم واليقين أن العلم هو اعتقاد الشيء على ما هو به على سبيل الثقة، واليقين هو سكون النفس وثلج الصدر بما علم. ولهذا لا يجوز أن يوصف الله تعالى باليقين. ويقال: ثلج اليقين وبرد اليقين ولا يقال: ثلج العلم وبرد العلم)(١٢٩).

وقال أبو البقاء: (اليقين الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع، وقيل: عبارة عن العلم المستقر في القلب لثبوته من سبب متعين له بحيث لا يقبل الانهدام، من (يقن الماء في الحوض) إذا استقر ودام)(١٣٠).

وقال أبو حيان الأندلسي: (الإيقان التحقق للشيء لسكونه ووضوحه، يقال: يقن الماء سكن وظهر ما تحته)(١٣١).

وذكر الآلوسي: (وفي الإحياء(١٣٢)ــ والقلب إليه يميل ــ أن اليقين مشترك بين معنيين.. 

الأول: عدم الشك، فيطلق على كل ما لا شك فيه سواء حصل بنظر، أو حس، أو غريزة عقل، أو بتواتر، أو دليل، هذا لا يتفاوت. 

الثاني: وهو ما صرح به الفقهاء والصوفية وكثير من العلماء، وهو ما لا ينظر فيه إلى التجويز والشك بل إلى غلبته على القلب حتى يقال: (فلان ضعيف اليقين بالموت وقوي اليقين بإثبات الرزق)، فكل ما غلب على القلب واستولى عليه فهو يقين، وتفاوت هذا ظاهر)(١٣٣).

وذكر جمع من الأصوليين في بحث الاستصحاب أن إسناد النقض إلى اليقين في قوله g : ((لا تنقض اليقين بالشك ولكن انقضه بيقين آخر)) إنما هو بلحاظ إبرامه واستحكامه، لأنه إنما يسند النقض إلى الشيء المحكم كالحبل. ولعل في مادة (يقن) كأختها (تقن) ما يوحي صوتياً بالاستحكام.

وقد يؤيد ما ذكرنا أن علماء اللغة صرحوا بأن اليقين يقابل الشك، كما أن العلم يقابل الجهل ــ لاحظ كلام ابن منظور(١٣٤)ــ والشك في الشيء إنما يطلق على التردد في الشيء أو الوهن فيه، ولا يخلو شموله لحالة الاطمئنان والوثوق النفسي عن بعد.

كما يؤيده أن اليقين لا ينسب إلى الباري سبحانه وتعالى كما هو واضح رغم أن العلم والمعرفة ينسبان له سبحانه، فإن الأشبه في وجهه عند التأمل أن اليقين تعبير عن نفوذ الاعتقاد في النفس، وهذا المعنى لا محل له عنده سبحانه وتعالى. 

وربما قيل في تعليل ذلك وجوه أخرى ضعيفة..

منها: أن إطلاق الأسماء عليه سبحانه وتعالى توقيفية ولم يرد النقل بذلك.

وهذا خطأ، لأن الاستدلال إنما هو بما نجده من عدم صدق اليقين في حقه سبحانه لا بلزوم تركه احتياطاً لعدم ورود النقل به، وعامة ما نجد عدم صدقه في حقه سبحانه يكونمن هذا القبيلعند التأمل، وهذا منبه على خصوصية إنسانية لا تصح في حقه تعالى.

ومنها: أن اليقين يتقوّم بالنظر والاستدلال وهو متعذر في حقه تعالى. 

وهذا خطأ واضح، لصدق اليقين في الأمور البديهية ولا دلالة له على حصول الاعتقاد بالنظر والاستدلال.

ومما يؤيد ما ذكرنا أنه ينحل به الاضطراب الذي يتراءى في بادي النظر في استعمالات اليقين، حيث إن الظاهر من قوله تعالى: {قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}(١٣٥) ــ مثلاً ــ نفي حصول اليقين حتى الموت، بينما ورد في آية أخرى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}(١٣٦)، وعامة الآيات تصف المؤمنين دون غيرهم باليقين، وهكذا نجد الروايات تجعل اليقين قليلاً في الناس على تفاوت، فبعضها يجعل اليقين بعد الإيمان مما يقتضي انطباقه على التقوى، وبعضها يجعل اليقين بعد التقوى التي هي بعد الإيمان، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف.

ووجه الانحلال أن النفوذ في القلب المأخوذ في اليقين ذو عرض عريض، وأول مراحله أن يتضح الحق للإنسان وإن جحده كما في الآية، وأعلى مراتبه أن يكون نفوذه فيه حتى كأنه يعايشه كما قال تعالى: {كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ٥ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ٦}(١٣٧)، وعليه فربما ينفى بلحاظ انتفاء مرتبة من النفوذ كان ينبغي الاتصاف بها، أو يثبت بلحاظ وجود مرتبة منه في مقابل الفاقد لتلك المرتبة، فلاحظ.

وينبه على ذلك أيضاً أن فحوى الأدلة التي تركز على اليقين أن إناطة الحجة به أمر لا يقبل التخصيص، إذ ليس وراء اليقين إلا الشك، كما أنه ليس وراء الحق إلا الباطل، وليس وراء الهدى إلا الضلال، نظير ما لو قيل: (فلان يمشي على غير علم ويقين)، و(فلان يعوّل على ما لا يقين له به)، وهو طعن يتكرر تصريحاً وتلويحاً في
 الآيات الشريفة(١٣٨)، وإليه أشير في قوله: {إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}، فالمراد دفع الإيراد عن أنفسهم بأن الأمر ليس يقينياً عندنا وإنما هو مجرد ظن فلا يعاب علينا بأننا تركنا اليقين بل تركنا أمراً مظنوناً.

وهذا لا يناسب جُلَّ موارد التركيز على اليقين، لأنه يرد في موارد ثلاثة..

الأول: الأمور المهمة التي لا يعذر المرء فيها إذا أخطأ ما لم يكن قد أخذ بالجزم، كما في أصول العقيدة.

الثاني: الأمور المتوسطة التي يتعارف عقلاءً الاعتماد فيها على أمارات أخرى كالخبر الموثوق به والبينة، كما هو الحال في ما يرد في باب التحريم والتحليل في الأطعمة والأشربة واللحوم ونحوها.

الثالث: ما يرد في عامة الأمور معبرة عن البُنية المعرفية الحكيمة للإنسان، ومن هذا القبيل بعض الآيات الشريفة.

ومن المعلوم أن التركيز على اليقين على نحو حصر الحجة به إنما يصح في المورد الأول دون الثاني والثالث، من جهة جواز التعويل على حجج غير يقينية فيها وتعارفه عقلاءً وشرعاً.

مثلاً: في مورد دليل الاستصحاب لا يصح التركيز على اليقين على وجه حاصر، لوضوح جواز الاعتماد في الطهارة على البينة والخبر الموثوق به، بل يكفي ثبوت الطهارة باستصحاب الطهارة كما لو توضأ أو غسل الشيء بماء مستصحب الطهارة، بل يجوز التعويل على أصالة الطهارة. 

ومنه يعلم أن قوله g : ((لا تنقض اليقين بالشك)) تعبير عن أنه لا يجوز رفع اليد عن الحجة المتقنة بالشكوك والاحتمالات المحضة التي لا ترقى إلى درجة الحجية.

بل ذكرنا في بحث الاستصحاب أنه استعير في أدلة الاستصحاب جملة (لا تنقض اليقين بالشك) من إطلاقها في المجال التربوي والأخلاقي حيث لا ينبغي للإنسان أن تثبطه عما يتيقن به تعلقات ذميمة على ما تكرر في كلمات أمير المؤمنين g ، فاستعيرت هذه الجملة على سبيل تشبيه التمثيل لمورد رفع اليد عمّا قامت عليه الحجة بقاءً من جهة الشك الطارئ مبالغة في إقناع المخاطب، ومن ثَمَّ فالمراد الجدي هنا رفع اليد عن الحجة بغير الحجة.

ومنه يعلم أن قوله تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} يشير إلى انتفاء اليقين في المورد من جهة العوز في الحجة، وهذا أيضاً هو المراد في ما حكي عن الكفار من قولهم عن الساعة: {إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}، فالمراد أن هناك عوز إدراكي يمنع من حصول اليقين. 

ولكن نفي اليقين المفهوم من آيات أخرى مثل: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ٤٦ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ}(١٣٩)، و: {كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ٥ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ٦}(١٤٠)، و: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}(١٤١) ، إنما يراد به اليقين الذي لم يتحقق لا من جهة عوز في الحجة بل من جهة حيلولة التعلقات والحواجب، كما أن المراد بمثل قوله: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}(١٤٢)، أو قوله: {لِلْمُوقِنِينَ}(١٤٣) من قامت لديه الحجة ومن ثم منعت تعلقات هذه الحياة والتشبث بها عن نفوذ الاعتقاد في قلبه). انتهى كلامه g.

وما ذكره g يفي بحسم هذه النقطة.

وثالثاً: إنه لا يتحقق الردع عن ظاهرة واسعة الانتشار في المجتمع ومعتمدة لدى أبنائه يعملون عليها في أمور حياتهم عامة إلا بأن يكون ذلك الردع عن الظاهرة بنفسها لا عن عموم يشملها أو نحو ذلك. 

قال بعض أساتيذنا (دامت بركاته) : (إن الردع عن ظاهرة بهذه الدرجة من السعة لا يكاد يحصل إلا بالتركيز عليه، نظراً إلى أن هناك تناسباً وموازنة عقلائية بين أداء المتكلم البليغ والرسالة التي يهدف إلى إيصالها للمخاطب، فكلما كان المعنى الذي يريد إبطاله ومحوه من ذهن المخاطب أكثر استقراراً وثبوتاً فيه احتيج في مقام الأداء إلى تركيز أكثر ولسان أقوى. ومن ثَمَّ قالوا: إن أدلة رادعية العمل بالظن لا تنفي حجية الحجج العقلائية من قبيل الظهور، بل ومن قبيل خبر الواحد، لأنه لو أريد الردع بها لركّز عليها ولا يكاد يفهم العقلاء من النهي عن الظن النهي عن مثل هذه الحجج. ومثل هذا المعنى يجري بالنسبة إلى الوثوق والاطمئنان أيضاً فإذا بني على أن العقلاء يعتمدون على الوثوق والاطمئنان بدرجة واسعة في حياتهم فلا تكون الأدلة الناهية عن العمل بالظن بمجردها رادعاً واضحاً. مع عدم التركيز في شيء منها على الظن الاطمئناني بخصوصه، فليتأمل)(١٤٤).

والمحصل من ذلك أنه لا ينفع في الردع عن السيرة العامة والواسعة للعقلاء على العمل بالاطمئنان أن ينهى الشارع عن العمل بالظن عموماً الشامل للاطمئنان في عرفهم، فإن الردع عن ظاهرة بمثل هذه السعة يحتاج إلى تركيز عالٍّ ونهي مباشر وواضح عن نفس الظاهرة لا ما يعمها، وإلا فإنه لا ينفع ذلك في تحقق الفائدة المرجوة من هذا الردع وهو إيقاف مثل هذه الظاهرة.

نعم، قد يقال: إن دلالة غير واحد من هذه الآيات ــ وكذا بعض الأحاديث الآتية ــ على أنه لا ينبغي العمل إلا بالعلم واليقين ولا يكفي غيره في الاعتبار قد يكون كافياً في إلفات نظر المجتمع إلى عدم حجية غيره.

ولكن الإنصاف أن ما ذكر من شواهد على الردع لا يناسب السعة والشمول في سيرة العقلاء للعمل بالاطمئنان في أمورهم. 

الرادع الثاني: أدلة الأصول العملية التي أخذ في موضوعها الشك وجعل غايتها العلم من قبيل ((رفع عن أمتي ما لا يعلمون))، أو اليقين من قبيل ((لا تنقض اليقين بالشك)) وغير ذلك. 

فيقال: إن هذه الأدلة أيضاً تكون رادعة عن العمل بالاطمئنان، فإنه يظهر من عموم هذه الأدلة المتضمن لعدم رفع اليد عن مقتضى الأصل إلا بالعلم أو اليقين أو الاستبانة أو نحو ذلك عدم كفاية الاطمئنان المقارن لاحتمال الخلاف في رفع اليد عن مقتضى الأصل.

وقد أجيب عنه بوجوه عدَّة..

الجواب الأول: ما تقدم من أن الاطمئنان من أفراد العلم. 

وقد تقدم الإيراد عليه بأنه ليس كذلك إلا تسامحاً، ولو فرض ذلك فهو ليس من اليقين المأخوذ في مثل دليل الاستصحاب قطعاً. 

الجواب الثاني: ما ذكره أستاذنا السيد الحكيم N(١٤٥)من أن العلم في أدلة الأصول ليس مأخوذاً بما هو صفة خاصة، بل بما هو طريق فتقوم مقامه سائر الطرق؛ لأن الموضوع في الحقيقة هو مطلق الطريق، ولا تنهض حينئذٍ تلك الأدلة ببيان عدم طريقية غير العلم لتصلح للردع في المقام. 

ففي دليل الاستصحاب ــ مثلاً ــ وإن أُخذ فيه اليقين وقيل: ((لا تنقض اليقين بالشك))، إلا أن اليقين لوحظ فيه كحجة مثبتة للواقع، ومن ثَمَّ فأي أمارة أخرى ثبت اعتبارها تكون موسعاً لموضوع دليل الاستصحاب ورافعاً لغايته وهي حصول اليقين بالانتقاض.

وقد أجاب هو N عن ذلك قائلاً: (إن هذا إنما يتم بالطرق الخارجية غير القائمة بالنفس ــ كخبر الثقة واليد ــ دون الطرق القائمة بالنفس، فإن الاقتصار في بيان ما هو الطريق فيها على العلم الذي هو أتم مراتب الانكشاف ظاهر جداً في عدم حجية ما دونه من المراتب ومنها الاطمئنان. 

نظير عطف البينة على العلم في حديث مسعدة بن صدقة ونحوه، فإنه ظاهر في عدم حجية خبر الثقة الواحد، لأن الاقتصار في بيان ما هو الحجة من الخبر الحسي بما هو خبر على خبر العدلين ظاهر في عدم حجية ما دونه، كخبر العدل الواحد، فضلاً عن خبر الثقة غير العدل. 

نعم، لا تنهض بالردع عن حجية مثل خبر صاحب اليد مطلقاً، أو الخبر الحدسي من أهل الخبرة في حق الجاهل، أو غيرهما مما كانت حجيته لخصوصية زائدة على كونه خبراً؛ لعدم أخذ العلم والبينة فيهما بخصوصيتهما بل بما هما طريق نظير ما سبق).

وحاصله: أن اعتبار شيء ما حجة يقتضي عدم حجية ما هو من سنخه مما يكون دونه، ولا يقتضي عدم حجية شيء آخر لا يكون من سنخه، فدليل حجية البينة ينفي حجية ما هو دونه من سنخه كخبر العدل أو الثقة الواحد؛ لأن البينة هو إخبار عدلين معاً. ولكنه لا ينفي حجية اليد أو سائر الأمارات التي ليست من سنخه.

وعليه فما يستفاد من أدلة الأصول العملية من حجية العلم ينفي حجية الاطمئنان الذي هو من سنخ العلم ولا ينفي حجية سائر الأمارات التي ليست من سنخه.

وقد لاحظ على مثل ذلك بعض أساتيذنا (دامت بركاته)..

(أولاً: بأن لازمه عدم حجية الاطمئنان ولو كان الاحتمال بنسبة واحد في التريليون، ولا سبيل للالتزام به. ونفي وجود مثل هذا الاحتمال مما يندفع بالتأمل.

وثانياً: أنّ المدعى إن كان دلالة هذه الأدلة بالإطلاق على حدّ دلالة الآيات الناهية عن اتباع الظن فقد مرّ عدم كفاية الإطلاق في الردع عن مثل ذلك. وإن أريد به انعقاد دلالة خاصة على عدم حجية الاطمئنان في هذه الأدلة من جهة الاقتصار على إخراج العلم من مورد الأصل فيمكن أن يجاب عنه: بأن العلم حيث كان أمُّ الحجج والذي تكون حجية كل أمارة بتنزيلها منزلة العلم واعتبارها طريقاً تاماً على حده لا يكون الاقتصار على ذكره تعريضاً بما دونه من الحجج حتى لو كانت هذه الحجج من سنخ العلم؛ لأن اعتبار تلك الحجج يكون بتنزيلها منزلة العلم بحسب ما دل على ذلك. 

وبذلك يظهر الفرق بين هذه الأدلة وبين دليل حجية البينة، لأن البينة ليست أمّ الحجج حتى يكون ذكرها بهذا الاعتبار.

ويضاف إلى ذلك: أن لذكر البينة دلالة خاصة على عدم حجية خبر العدل الواحد بنكتة أخرى لا تجري في العلم، وهو أن خبر العدل الواحد هو جزء البينة فلو كان حجة لم يكن معنى لجعل البينة حجة، لسقوطها عن الموضوعية تماماً، لاسيما أنه كلما وجدت البينة وجد خبر العدل الواحد بطبيعة الحال، فيكون ذكر البينة في قوة تقييد خبر العدل بانضمام خبر آخر إليه.

وهذا المعنى لا يجري في العلم، بالنظر إلى أن حجية الاطمئنان لا تلغي دخالة العلم في الحجية بعنوانه عرفاً، لأن العلم يبقى سيد الحجج العقلائية التي تكون حجيتها ارتكازاً بنحو من تنزيله منزلته بالإغماض عن وجود الاحتمال المخالف. 

كما أن وجود العلم في المورد لا يقتضي وجود الاطمئنان فيه فإن الاطمئنان ليس جزءاً حقيقياً من العلم كما هو ظاهر). 

ولكن يمكن أن يقال: إنه لا يكفي ما ذكر فارقاً ما بين البينة والعلم، إذ تبقى السنخية محفوظة ما بين البينة وخبر الواحد، فليس المراد من السنخية المعنى المعقولي لها لكي يرد عليه بأنه ليس كذلك، بل مراده أن حجيتهما واعتمادهما إنما هو بلحاظ الإخبار كما أن حجية العلم والاطمئنان ــ لو قيل به ــ إنما هو من ناحية الإدراك. 

وقد أراد أستاذنا السيد الحكيم N بهذا التنظير أن يشير إلى لحاظ خصوصية العنوان المأخوذ في الدليل وأنه حتى لو كان العنوان لم يؤخذ بما هو هو، ولكن لا يعني ذلك إلغاء خصوصيته بالمرة.

فلو قال الطبيب إرشاداً لمن يعاني من علة ما: (إنه ما ينفعك شيء مثل الجَرْي) فهو نفي لوجود المنفعة في غير الجَرْي، ولو كان لهذا الطبيب كلام آخر يفيد أن رفع

الأثقال أيضاً ينفع في هذه الحالة، فالمستفاد هو أن الجَرْي وما يقوم مقامه من الرياضات الأخرى كالتنفس الصحي أو اليوغا ينفع في ذلك، ولكن هذه التوسعة لا تعني التنزل من الجَرْي إلى المشي، وإلا فلا معنى للخصوصية المأخوذة في العنوان.

وكون العلم أمّ الحجج واعتبار كل الحجج بتنزيلها منزلته لا ينفع في ردّ ما تقدم، فإن الكلام بعد ملاحظة دليل تنزيل غير العلم منزلته في أن النفي الوارد في الروايات المتقدمة هل يشمل كل ما دون العلم من مستويات الإدراك، أو خصوص ما لا يكون منزّلاً منزلة العلم؟ ولا علاقة لكون العلم أمّ الحجج.. إلخ في حل النزاع في ذلك.

نعم، ينفع في الجواب عن هذا الرادع ما تقدم من بيان معنى اليقين الوارد في هذه الأحاديث، فراجع.

الرادع الثالث: دليل حجية البينة.

فقد روى الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله g قال: سمعته يقول: ((كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قِبَلِ نفسك. وذلك مثل الثوب يكون ]عليك . تهذيب[ قد اشتريته وهو سرقة، أو المملوك عندك ولعله حُرّ قد باع نفسه، أو خَدِعَ فبيع، أو قُهِرَ، أو امرأة تحتك وهي أختك، أو رضيعتك. والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة))(١٤٦).

وقد نقلها الحـر العاملـي(١٤٧)عن علي بن إبراهيـم عن هارون مباشـرة، ورواها الشيخ S (١٤٨) بسنده عن علي بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة.

وهناك عدد كبير من الروايات الدالة على حجية البينة في باب القضاء، ولكنها تختص بهذا الباب ولا يستفاد منها حجيتها في الموضوعات.

فيمكن أن يقال: إنه قد ثبت الردع عن السيرة القائمة على العمل بالاطمئنان في خصوص الموضوعات، وهذا الردع من خلال رواية مسعدة المتقدمة حيث دلت على حصر الحجة بها دون غيرها، فخرج مثل الاطمئنان عن الحجية. 

قال المحقق العراقي S: إنه لا دليل على حجية مطلق الاطمئنان خصوصاً في الموضوعات، وبناء العقلاء على العمل به ــ على فرض تماميته ــ مردوع بعموم اعتبار البينة في الموضوعات وظهور دليلها في حصرها إلا ما خرج بالدليل من سيرة أو غيرها، كما لا يخفى على من لاحظ ذيل رواية مسعدة بن صدقة(١٤٩).

وقد يقرب مزيد تقريب: بـ(أن هذه الروايات الحاصرة للحجية في البينة والتي لم تذكر الوثوق رغم أن البينة تتكون من خبري ثقة وخبر الواحد الثقة ربما يستوجب الوثوق، ولكن مع ذلك لم ينبه في هذه الروايات على حجية الاطمئنان والوثوق الحاصل من خبر الثقة أو من غيره)(١٥٠).

وقد أُورد عليه..

أولاً: ما ذكره بعض أساتيذنا (دامت بركاته) من أنه لا دلالة في شيء من أدلة البينة على الحصر المدعى في مقابل الاطمئنان. بل حتى رواية مسعدة بن صدقة ــ التي هي غير تامة السند لعدم ثبوت وثاقة مسعدة بن صدقة(١٥١)ــ لا تفيد ذلك، فإن (المذكور فيها هكذا: ((كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون قد اشتريته وهو سرقة، أو المملوك عندك ولعله قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهر، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك، والأشياء كلها على هذا حتى تستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة)).

ومن الواضح أن الاستبانة المذكورة في ذيل الرواية لا تختص عرفاً بمورد حصول القطع والجزم بل تصدق حتى في مورد الاطمئنان، فكيف يستفاد من هذه الرواية الردع عن حجيته في الموضوعات؟!)(١٥٢).

ويقع الكلام في الإشكال السندي والدلالي..

أما من ناحية السند فقد اختلف الأعلام في وثاقة مسعدة بن صدقة، فبنى الأكثر على وثاقته ــ حتى عبّر عن روايته هذه في كلماتهم بالموثقة ــ ومنهم المجلسي الأول والسيد البروجردي S (١٥٣) وأستاذنا السيد الحكيم N(١٥٤).

قال المجلسي الأول O: (الذي يظهر لي من أخباره التي في الكتب أنه ثقة، لأن جميع ما يرويه في غاية المتانة، موافقة لما يرويه الثقات من الأصحاب، ولذا عملت الطائفة بما رواه وأمثاله من العامة. بل لو تتبعت وجدت أخباره أسند وأمتن من أخبار مثل جميل بن دراج، وحريز بن عبد الله).

وقال أستاذنا السيد الحكيم F في التعليق على هذه الرواية: (لا يبعد الاعتماد عليها ــ رغم عدم التصريح بوثاقة مسعدة بن صدقة ــ مع علو متنها، ورواية الكليني والشيخ لها، وظهور قبولها بين الأصحاب، بل قبول روايات مسعدة).

والرجل لم يرد فيه توثيق، ولكن ذكرت عدة طرق لتوثيقه..

الطريق الأول: وروده في كامل الزيارات(١٥٥)، وهذا على مبنى من يرى وثاقة كل من جاء في أسانيد روايات كامل الزيارات كأستاذنا السيد الحكيم N (١٥٦).

الطريق الثاني: ما سلكه السيد البروجردي M(١٥٧) من البناء على اتحاده مع مسعدة بن زياد الموثق في كتب الرجال.

ويمكن الجواب عنه بما أجاب به السيد الخوئي(١٥٨) وصاحب القاموس(١٥٩) على اتحاد مسعدة بن صدقة مع مسعدة بن اليسع من أن النجاشي والشيخ ذكراهما مستقلاً وهذا آية التعدد. وقد فصّل الكلام في ذلك بعض أساتيذنا (دامت بركاته) في بعض بحوثه(١٦٠).

الطريق الثالث: وقوعه في أسانيد تفسير القمي، وذلك على مبنى من يرى وثاقة من يقع في أسانيده، كما هو مسلك السيد الخوئي S (١٦١) اعتماداً على عبارة وردت في مقدمة التفسير.

وقد ناقش بعض أساتيذنا (دامت بركاته) ــ تبعاً لبعض أعلام محققي العصر O  ــ في الموضع المتقدم هذا الطريق صغرى وكبرى، فهو يشكك في صحة نسبة هذه العبارة إلى علي بن إبراهيم القمي، مضافاً إلى عدم استفادة التوثيق منها. وأما الصغرى فقد اشترط السيد الخوئي S في التوثيق أن يكون الراوي شيعياً، ومسعدة بن صدقة عامي أو بتري(١٦٢). وقد ذكر محاولتين لدفع هذا الإيراد وردّهما.

 الطريق الرابع: ما تقدم عن المجلسي الأول S وأستاذنا السيد الحكيم N من أن جميع ما يرويه في غاية المتانة، موافقة لما يرويه الثقات من الأصحاب، ولذا عملت الطائفة بما رواه وأمثاله من العامة. بل لو تتبعت وجدت أخباره أسند وأمتن من أخبار مثل جميل بن دراج، وحريز بن عبد الله.

ولعله من خلال هذه الطرق يمكن القول بوثاقته وفق المنهج المتساهل في علم الرجال، وليس الأمر كذلك وفق غيره من المناهج لاسيما المنهج المتشدد.

وأما الإشكال في الدلالة فيمكن أن يقال في جوابه: إن المراد من الاستبانة في المقام ما يرادف اليقين والعلم، والقرينة على ذلك ما ورد في صدر الرواية حيث قال g: ((حتى تعلم أنه حرام بعينه))، فإنه الأنسب لمطابقة المثال للكبرى المذكورة.

وثانياً: ما ذكره بعض أساتيذنا (دامت بركاته) أيضاً، وهو أنه (لو سلّم ظهور هذه الرواية في انحصار الحجة في باب الموضوعات بالبينة، إلا أنها لا تصلح أن تكون رادعة عن السيرة العقلائية القائمة على حجية الاطمئنان فيها، فإن السيرة إذا كانت متسعة جداً يجب أن يكون الردع متسعاً أيضاً وبصورة واضحة ليقع مؤثراً، ولا يمكن الردع عن البناء العقلائي على العمل بالاطمئنان في جميع أمورهم حتى ما يتعلق منها بالجوانب الدينية إلا مع تكرار المنع على لسان النبي e والأئمة (عليهم الصلاة والسلام) عن الاعتماد عليه في الأمور الشرعية. ولو كان كذلك لتمثل لا محالة في عدد غير قليل من النصوص والروايات، كما هو الحال في كل أمر تكرر الحديث بشأنه وتم التأكيد عليه بصورة موسعة على ألسنة المعصومين i ولا ينحصر الأمر في رواية واحدة)(١٦٣).

وما ذكره g تام فيما لو كان المنظور هو رواية مسعدة بالخصوص ــ كما هو محل نظر المحقق العراقي S ــ ولكن لو ضم إلى ذلك جميع ما يستفاد منه الردع من قبيل النهي عن اتباع الظن الذي كان في دستور الإسلام وهو القرآن العظيم والذي له الحاكمية على كل التشريعات الواردة في الدين الحنيف، كما أن مستوى التبليغ الوارد فيه لا يوازي أي مستوى آخر، ربما يقال بأنه يصلح ذلك بنفسه رادعاً رغم سعة السيرة وانتشارها.

ولكن تقدم أن الإنصاف أن ما ذكر من شواهد على الردع لا يناسب السعة والشمول في سيرة العقلاء للعمل بالاطمئنان في أمورهم، فيكون ما ذكره g تاماً.

وثالثاً: بما ذكره السيد الخوئي S(١٦٤) من أن المراد بالبينة هو المعنى اللغوي أي ما يتبين به الشيء، فيكون المراد منها مطلق الدليل، وهذا هو المراد من البينة على إطلاقها في الآيات والروايات كقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي}. ويتضح ذلك من مراجعة استعمال الكلمة في جملة من الروايات(١٦٥).

وقد قيل(١٦٦): إن دعوى دلالة خبر مسعدة بن صدقة على حصر ثبوت الموضوعات بالعلم أو بالبينة موقوف على أمرين: أحدهما: ثبوت الحقيقة الشرعية للبينة في شهادة العدلين في زمان صدور هذا النص، وذلك غير معلوم. ثانيهما: صيرورة معناها اللغوي العرفي وهو الحجة مهجوراً في ذلك الزمان، وهو ممنوع؛ لأن لازم مهجورية هذا المعنى إقامة القرينة عليه عند إرادته في الاستعمال ولم نشاهدها.

ولكن يمكن أن يقال: إن التعبير بـ(تقوم) قرينة على إرادة البينة بمعناها الاصطلاحي، هذا إذا لم يقل بأنه قد ثبتت الحقيقة الشرعية لها في ذلك، وإليك جملة من استعمالاتها في ذلك العصر بهذا المعنى..

ففي رواية الحسن بن زياد عن أبي عبد الله g قال: ((إذا دخل الرجل بامرأة ثم ادعت المهر وقال: قد أعطيتك. فعليها البينة وعليه اليمين))(١٦٧).

وفي رواية الجعفريات: سألته عن رجل طلق قبل أن يدخل بامرأته فادعت أنها حامل منه ما حالها؟ قال: ((إن قامت البينة أنه أرخى ستراً ثم أنكر الولد لاعنها وبانت منه، وعليه المهر كاملاً))(١٦٨).

وفي رواية الجعفريات الأخرى: وسألته عن رجل استأجر دابة فوقعت في بئر فانكسرت ما عليه؟ قال: ((هو ضامن، كان عليه أن يستوثق منها، فإن أقام البينة أنه ربطها واستوثق منها فليس عليه شيء))(١٦٩).

ورواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر g قال: ((الغائب يقضى عنه إذا قامت البينة عليه، ويباع ماله ويقضى عنه وهو غائب، ويكون الغائب على حجته إذا قدم. ولا يدفع المال إلى الذي أقام البينة إلا بكفلاء إذا لم يكن ملياً))(١٧٠).

ورواية زرارة قال: قلت لأبي جعفر g: الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثم يجيء رجل فيقيم البينة على أنها جاريته لم تُبَعْ ولم تُوهبْ. قال: فقال لي: ((يرد إليه جاريته ويعوضه مما انتفع))(١٧١).

وغيرها من الروايات الكثيرة(١٧٢).

هذا كله في ما ذكر من الروادع الواردة على نحو العموم.

وبهذا ينتهي القسم الأول من البحث، ونبتدأ في القسم الثاني إن شاء الله بما ورد من الروايات مما يستفاد منه الردع عن العمل بالاطمئنان في بعض الموارد الخاصة، ومن ثم يتم الكلام في بقية الأدلة التي سيقت على حجية الاطمئنان مذيلاً بخاتمة تشتمل على عدة تنبيهات نذكر فيها أقسام الاطمئنان ومستوياته والموارد التي استثناها الأعلام من حجيته.

 

 

 

 

(١) كتاب العين: ٧/٤٤٢.

(٢) جمهرة اللغة: ٢/١٠٨٩.

(٣) لاحظ كتاب العين: ٧/٤٤٢، ومعجم مقاييس اللغة: ٣/٤٢٢، وأساس البلاغة: ٥٩٥، وتاج العروس: ١٨/٣٥٩.

(٤) الإسراء: ٩٥. 

(٥) الرعد: ٢٨. 

(٦) يونس: ٧. 

(٧) موسوعة الفقه الإسلامي: ١٤/٢٢١. 

(٨) الإسراء: ٩٥. 

(٩) الحج: ١١. 

(١٠) لاحظ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار: ٧/١٩١، ٢١/٣٥٢، وغيرها. 

(١١) دروس في علم الأصول: ١/٢٥١.

(١٢) لاحظ العناوين: ١/٥٣١، ٢/٢٠٢، وكتاب الصلاة (الحائري): ٢٣، وأجود التقريرات: ٢/٢١، ومصباح الأصول: ٢/٢٠١، ومنتقى الأصول: ٦/٤٣٢، ومصباح الهدى في شرح العروة الوثقى: ١/١٨٠، ٢/٤٢٢، ٥/٣٨٤، وغيرهم.

(١٣) لاحظ الفصول الغروية في الأصول الفقهية: ٣٩٣، وأوثق الوسائل في شرح الرسائل: ١٦٩.

(١٤) لاحظ مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان: ٧/٥٣٣، وكتاب القضاء (الرشتي): ١/٩٥، وتفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة (الخمس والأنفال): ١٥٠، (كتاب الحج): ١٩٤، وفقه الصادق g: ٢٥/٣٣٤.

(١٥) لاحظ التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الطهارة): ٥/٥٠٣.

(١٦) كتاب العين: ٥/٢٠٢، ونحوه ما في الصحاح: ٤/١٥٦٣. 

(١٧) معجم مقاييس اللغة: ٦/٨٥. 

(١٨) المفردات في غريب القرآن: ٥١١ــ٥١٢. 

(١٩) مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط). 

(٢٠) قال المحقق النائيني S: (الوثوق المأخوذ موضوعاً لجواز الائتمام إنما هو الاطمئنان المعبر عنه بالعلم العادي) (أجود التقريرات: ٢/٢١)، كما أنه S عطف أحدهما على الآخر في بعض كلماته (لاحظ: ٢/٩٦). 

وقال المحقق الأصفهاني S: (ويمكن الاستدلال له عموماً بأن الوثوق والاطمئنان علم عادي في نظر العرف والعقلاء.. وبناء العقلاء على المعاملة مع الوثوق والاطمئنان معاملة العلم الحقيقي) (الاجتهاد والتقليد: ١٤٥). 

ولاحظ أيضاً مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى: ١١/٣٩٨، وكتاب الحج (تقريرات السيد الشاهرودي): ٢/٢١. 

(٢١) قال المحقق الداماد (طاب ثراه): (إن هذه الأدلة لو سُلِّمت دلالتها كما ترى كالصريح في عدم اعتبار العدالة، إذ موردها العامة الذين ليسوا عدولاً بكونهم عامة. نعم يعتبر فيه الوثوق بحدٍّ يوجب الاطمئنان) (كتاب الصلاة (تقريرات المحقق الداماد): ١/٢٠٨). 

وقال صاحب الكفاية S: (أما آية النبأ فالظاهر منها عدم كفاية مطلق الظن بالصدق ما لم يصل مرتبة الاطمئنان، وذلك لعدم صدق التبيّن بدونه، حيث إنه من (بان) بمعنى ظهر مع صدق الإصابة بالجهالة عليه وإن كان الوثوق الحاصل منه بمقدار ما يحصل من خبر الثقة، إذ الظاهر أنهم يعتنون بالوثوق الحاصل منه وإن لم يصل حدّ الاطمئنان، ولا يعتنون بالوثوق من الخارج ما لم يصل هذا الحد) (درر الفوائد في الحاشية على الفرائد: ٢/٥٦٦ــ٥٦٧).

(٢٢) الكافي في أصول الفقه: ٢/٦٤، المحكم في أصول الفقه: ٣/٣٥٦ (النسخة الثانية)، مصباح المنهاج (كتاب التقليد): ٢٤٣. 

(٢٣) قواعد الحديث: ١١٨ــ١١٩. 

(٢٤) العين: ٣/٦٧. 

(٢٥) العين: ٥/٢٠٢. 

(٢٦) تهذيب اللغة: ٩/٢٠٦. 

(٢٧) المحيط في اللغة: ٢/٣٨٧. 

(٢٨) النساء: ٢١.

(٢٩) نهج البلاغة: ٢/٢٤، ونقله عنه في وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: ١٦/٣٧٩.

(٣٠) نهج البلاغة: ٢/١٠٨. 

(٣١) الكافي: ٢/٦٣٨ــ٦٣٩.

(٣٢) الكافي: ٤/٢٨٢.

(٣٣) الكافي: ٥/٢٨٩ــ٢٩٠.

(٣٤) المخصص: ٤ ق:٢ (السفر الرابع عشر)/٦٤ وما بعدها.

(٣٥) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: ٢/٦٨٥.

(٣٦) لاحظ مصباح الفقيه: ٢ ق:٢/٦٦٧، وكتاب الحج (تقريرات السيد الشاهرودي): ٢/٢١، ٤/١٠١، ومنتهى الأصول: ١/٤٥٩، ومحاضرات في أصول الفقه: ٣/٢٢٩، وبحوث في شرح العروة الوثقى: ٢/٩٢، وتفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الديات): ٢٢٧، وغيرها من المصادر.

(٣٧) مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط). 

(٣٨) نهج البلاغة: ١/٢١٨. 

(٣٩) الكافي: ٨/٦٤. 

(٤٠) مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط). 

(٤١) شرح المقاصد: ١/١٨، ولاحظ: ٢/٥٥، ١٧٨.

(٤٢) لاحظ شرح المقاصد: ١/١٨، ومثله في: ٢/٥٥، ١٧٨، شرح المواقف: ١/٥٧، ٣/٨٢، ٣٥٢، ٣٥٦، ٣٦٢،  ٣٧١.

(٤٣) مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان: ١٢/٣٢. 

(٤٤) كتاب القضاء والشهادات: ٧٣. 

(٤٥) الفصول الغروية في الأصول الفقهية: ٤٠٣. 

(٤٦) مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط). 

(٤٧) مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام: ٣/٤١٦. 

(٤٨) مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان: ٩/٥٩٢. 

(٤٩) رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين: ٢/٣٧٢. 

(٥٠) عوائد الأيام: ٤٣٥. 

(٥١) كتاب الصلاة: ٢٣. 

(٥٢) كتاب الصلاة: ١٥٢. 

(٥٣) هذا وقد فرّق بعضهم بين الظن القوي المتاخم للعلم وبين الاطمئنان حيث جعل الأول أخص، قال السيد القزويني O : (وهل المعتبر من الظن المطلق مطلقه ولو في أول درجات الرجحان، أو الظن القوي البالغ حدّ الوثوق والاطمئنان، أو الظن القوي المتاخم للعلم؟ وجوه أوسطها أقواها) (رسالة في العدالة: ١١٥)، ونظير ذلك ما في (١١٨ــ ١١٩)، وقد فسر ذلك في عبارة أخرى له قائلاً: (.. مرتبة الوثوق والاطمئنان وهو سكون النفس على وجه لا يبقى لها تزلزل واضطراب) (١١٧). ولكن ما ذكره خلاف المتعارف في كلماتهم من أن الاطمئنان هو الظن القوي المتاخم للعلم.       

(٥٤) الأسس المنطقية للاستقراء: ٤٢٤ (الطبعة الثانية).

(٥٥) مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).

(٥٦) مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).

(٥٧) المحكم في أصول الفقه: ٣/٣٥٤.

(٥٨) المحكم في أصول الفقه: ٣/٣٦٠. 

(٥٩) وهو السيد موسى الشبيري الزنجاني F.

(٦٠) عوائد الأيام: ٤٣٥، العائدة: ٤٤. 

(٦١) لاحظ بحر الفوائد في شرح الفرائد: ١/٢٧٤، وحقائق الأصول: ٢/٢٠٩. 

(٦٢) لاحظ جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ١٤/٢٠٤، ٢٢/١٥٤، ٣٢/١٧٧، ٣٥/٣٩٥، ٤٠/٥٥، ٤٣/٢٢٣، وكتاب الصلاة (الشيخ الأنصاري): ١/٥٨٤، ٢/٣٣٤، ٤٣١،  وكتاب الخمس: ٢٨١. 

(٦٣) فقد استدل بالاطمئنان في مواضع من العروة، لاحظ العروة الوثقى: ١/٣٧، ٣٧٥، ٥٢٩، ٣/٤٢٤، وغيرها. 

(٦٤) أجود التقريرات: ٢/٣٤٠، كتاب الصلاة: ١/١٥٢، فوائد الأصول: ١/٢٠٧.

(٦٥) لاحظ مستمسك العروة الوثقى: ٢/٤٢٦، ٧/٢٠٦، ٢٤٤، وغيرها.   

(٦٦) كتاب الحج: ١/٣١٣. 

(٦٧) مصباح الأصول: ٢/٢٤٠، ٤٩٥.

(٦٨) قال S في الفتاوى الواضحة: ٤٥ (كلمة اليقين والعلم تعني الجزم الذي لا يبقى معه مجال لأي تردد واحتمال للعكس. والظن يعني أن احتمال هذا الشيء أكبر من احتمال العكس، فحينما نقول: (نظن أن المطر سينزل) نعني أن احتمال المطر أكبر من خمسين في المائة. والاطمئنان يعني درجة عالية من الظن يقارب العلم واليقين على نحو يبدو احتمال العكس ضئيلاً جداً إلى درجة يلغى عملياً عند العقلاء، كما إذا كان احتمال العكس واحداً في المائة مثلاً.

وكلما جاءت كلمة اليقين والعلم بصدد حكم شرعي في الأحكام الشرعية الآتية فنريد بها الجزم والاطمئنان معاً، فما يثبت للجزم والعلم من آثار شرعاً يثبت للاطمئنان أيضاً).

(٦٩) لاحظ: مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).

(٧٠) مفاتيح الأصول: ٣٣٤، الاجتهاد والتقليد: ١٤٥، ولكن قد يتراءى من بعض كلمات المحقق الأصفهاني S حجية الاطمئنان، لاحظ بحوث في الفقه (صلاة الجماعة): ٤٣ـ ٤٤، ٩٢، ١٧٣، ونهاية الدراية في شرح الكفاية: ٢/٤٩٣.

(٧١) المحكم في أصول الفقه: ٣/٣٥٩. 

(٧٢) راجع العروة الوثقى: ٣/٤٨٢ــ٤٨٣ التعليقة: ٣، قال S : (لا بأس به ما دام يحتمل بقاءه ولو ضعيفاً لمجال جريان الاستصحاب المزبور بعد عدم الدليل على حجية مطلق الاطمئنان خصوصاً في الموضوعات. وبناء العقلاء على العمل على فرض تماميته مردوعة بعموم اعتبار البينة في الموضوعات وظهور دليلها في حصرها إلا ما خرج بالدليل من سيرة أو غيرها كما لا يخفى على من لاحظ ذيل رواية مسعدة بن صدقة).

(٧٣) لاحظ التعليقة على العروة الوثقى: ١/٢٣، ٢/٢١٨، ٤٥٧، ٤٨٧، وغيرها. 

(٧٤) لاحظ العروة الوثقى: ٣/٤٢٤ التعليقة: ٢، قال S : (ومن المعلوم أن قيام شيء آخر مقام هذا اليقين فرع حجيته، وفي حجية الاطمئنان في الموضوعات نظر). 

(٧٥) لاحظ الوجه الثاني من وجوه حجية الاطمئنان.

(٧٦) دروس في علم الأصول: ١/٢٥١. 

(٧٧) مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان: ١٢/٣٢ (بتصرف يسير).

هذا, وقد حكي عن السيد الأصفهاني S: (أن الوثوق والاطمئنان الذي لا يعتني العقلاء باحتمال خلافه وينزلونه منزلة العدم حجة منجعلة بنفسه، بل وجه كون العلم حجة بنفسه إنما هو من جهة  الوثوق والاطمئنان. ولو كان فرق بين العلم وبينه من جهة أن احتمال الخلاف منسدّ في العلم تكويناً ولكن فيه موجود، إلا أنه من جهة عدم الاعتناء بهذا الاحتمال صار كالعلم، لأن وجود الاحتمال الذي لا يعتنى به كالعدم، فلو كان على الوثوق والاطمئنان فهو لا يختص بباب دون باب بل يجري في تمام الأبواب). (وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول: ٨١٠).

وقال الشيخ الإيرواني S : (كون بناء العقلاء دائراً مدار الاطمئنان وسكون النفس بلا دخل شي‏ء من الأسباب فيه من الواضحات التي لا تنكر، بل عملهم بالعلم أيضاً بهذا الملاك لا بما هو علم غير محتمل للخلاف). (نهاية النهاية في شرح الكفاية: ٢/٦٣).

(٧٨) مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).

(٧٩) لاحظ ما كتبه g في مباحث الاشتغال مبحث العلم الإجمالي حقيقته ومنجزيته عقلاً (١/٢٧٣) وما بعدها.

(٨٠) مباحث الأصول: ٤/١٣٧.

(٨١) مشارق الشموس في شرح الدروس: ٢/٤٦٣. 

(٨٢) عوائد الأيام: ٤٣٥. 

(٨٣) لاحظ فرائد الأصول: ١/٤٧٥، وبحر الفوائد في شرح الفرائد: ١/٢٠٧.

(٨٤) مفاتيح الأصول: ٣٣٤.

(٨٥) الاجتهاد والتقليد: ١٤٥. 

(٨٦) مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط). 

(٨٧) مفاتيح الأصول: ٣٢٨.

(٨٨) رسالة الصلاة في المشكوك: ٤٩٣ــ٤٩٤. 

(٨٩) منتقى الأصول: ٤/٣٢ــ٣٣. 

(٩٠) الاجتهاد والتقليد: ١٤٥. 

(٩١) المحكم في أصول الفقه: ٣/٣٥٥ــ ٣٥٦. 

(٩٢) مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).

(٩٣) بحوث في شرح مناسك الحج: ١/٣٣٥.

(٩٤) وقد سعينا في ذلك ولكن واجهنا عدة عقبات..

منها: صعوبة تكييف مواد الاستبيان لتناسب الشريحة التي يراد استقراء آرائها، وذلك لاختلاف الصياغات العلمية المستخدمة في الحوزة عما يستخدم في الدراسات الأكاديمية، مما يتطلب ذلك توضيح هذه المفردات لهم في جلسات متعددة، وهو أمر يحتاج إلى استقطاع وقت منهم ليس بقليل.

ومنها: صعوبة تحليل البيانات الناتجة من الاستبيان، إذ لا يكفي مجرد تصويت البعض على اعتماده على نسبة محددة من الاحتمال للبناء على أنه بنى عليها لأنه يرى حجيته في حدّ ذاته، وإنما لعل ذلك ناشئ من باب انسداد باب العلم، أو للاحتياط، أو غير ذلك.

(٩٥) النساء: ١٥٧.

(٩٦) الأنعام: ١١٦.

(٩٧) لاحظ الأنعام: ١٤٨، و يونس: ٦٦.

(٩٨) يونس: ٣٦.

(٩٩) النجم: ٢٨.

(١٠٠) الجاثية: ٢٤.

(١٠١) الإسراء: ٣٦.

(١٠٢) تفسير القمي: ٢/١٩.

(١٠٣) الجاثية: ٣٢. 

(١٠٤) عدم سهو النبي e : ٢١ــ٢٢.

(١٠٥) المحكم في أصول الفقه: ٣/٣٥٧.

(١٠٦) التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الطهارة): ١٠/٨٩.

(١٠٧) مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).

(١٠٨) النساء: ١٥٧.

(١٠٩) الجاثية: ٣٢. 

(١١٠) مجمع البيان في تفسير القرآن: ٥/١٨٨.

(١١١) وهو المحكي عن صاحب التقريب، لاحظ تفسير الآلوسي: ٢٥/١٥٨.

(١١٢) قال الشيخ الطوسي S : (ما ندري ما الساعة أي لا نعرفها، إن نظن إلا ظناً ليس نعلم ذلك، وما نحن بمستيقنين أي لسنا بمستيقنين ذلك). (التبيان في تفسير القرآن: ٩/٢٦٤). ولاحظ فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير: ٥/١١، وتفسير الآلوسي: ٢٥/١٥٨.

(١١٣) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم (المعروف بتفسير أبي السعود): ٨/٧٥.

(١١٤) المفردات في غريب القرآن: ٥٥٢.

(١١٥) مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).

(١١٦) فلو كان مرجع الضمير إلى المسيح g لكان مجرد تأكيد للخبر بأنه لم يقتل لا غير.

(١١٧) تلخيص البيان في مجازات القرآن: ١٢٩.

(١١٨) التبيان في تفسير القرآن: ٣/٣٨٤ــ٣٨٥، ونحوه ما ورد في مجمع البيان في تفسير القرآن: ٣/٢٣٠. 

(١١٩) مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط). وقد نقلت كلامه g هنا بطوله لما فيه من فوائد.

(١٢٠) التنقيح في شرح العروة (كتاب الطهارة): ٦/٤٠٣ (موسوعة السيد الخوئي).

ويناسبه ما في كلام الوحيد البهبهاني S عند تعرضه لأدلة الاستصحاب في الشك في الركعات حيث قال: (لأن الشك لا يعرض عادة إلا بعد اطمئنان نفس وبناء على أنه كذلك، ثم يعرض الشك بعد اليقين الذي هو في مقابل الشك والتزلزل، والمراد من اليقين الاطمئنان وعدم التزلزل). (مصابيح الظلام في شرح مفاتيح الشرائع: ٩/٢٣١).

(١٢١) العين: ٥/٢٢٠.

(١٢٢) الصحاح: ٦/٢٢١٩.

(١٢٣) معجم مقاييس اللغة: ٦/١٥٧.

(١٢٤) الكافي: ٢/٥١.

(١٢٥) الكافي: ٢/٥١، لاحظ أيضاً سائر أحاديث باب فضل اليقين على الإيمان وباب حقيقة الإيمان واليقين وباب فضل اليقين. 

(١٢٦) نهج البلاغة: ١/١٦٤. 

(١٢٧) نهج البلاغة: ١/٢٢٥ــ٢٢٦. 

(١٢٨) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: ٢/٦٨١. 

(١٢٩) الفروق اللغوية: ٣٧٤. 

(١٣٠) الكليات: ٩٧٩ــ٩٨٠. 

(١٣١) تفسير البحر المحيط: ١/١٦٦. 

(١٣٢) إحياء علوم الدين للغزالي. 

(١٣٣) روح المعاني (تفسير الآلوسي): ١/١٢٢. 

(١٣٤) لسان العرب: ١٣/٤٥٧.

(١٣٥) الجاثية: ٣٢.

(١٣٦) النمل: ١٤.

(١٣٧) التكاثر: ٥ــ ٦.

(١٣٨) كقوله تعالى: {وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ}(الأنعام: ١٠٠)، وقوله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}  (الأنعام: ١٠٨)، وقوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ}(الأنعام: ١١٩)، وقوله تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}(الأنعام: ١٤٠)، وقوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ}(الأنعام: ١٤٤)، وقوله تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ}(النحل: ٢٥)، وقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (الحج: ٣ــ ٨،  لقمان: ٢٠)، وقوله تعالى: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (الروم: ٢٩)، وقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (لقمان: ٦)، وقوله تعالى: {وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} (الفتح: ٢٥). 

وفي الحديث: ((من أفتى الناس بغير علم ولا هدى لعنته ملائكة الرحمة..)) (الكافي: ١/٤٢، ٧/٤٠٩)، وفي حديث آخر: ((من دخل في هذا الأمر بغير يقين ولا بصيرة خرج منه كما دخل فيه)) (بصائر الدرجات الكبرى: ٥٥٠).

وقال الزبيدي: (قال شيخُنا: هذا الكلامُ مَبْنَاه على الحَدْسِ والتَّخْمِينِ والحُكْمِ بغير يَقِينٍ) (تاج العروس: ٦/٢٠٧).   

(١٣٩) الكوثر: ٤٦ــ٤٧.

(١٤٠) التكاثر: ٥ــ ٦.

(١٤١) الحجر: ٩٩.

(١٤٢) البقرة: ١١٨، المائدة: ٥٠، الجاثية: ٤، ٢٠. 

(١٤٣) الذاريات: ٢٠. 

(١٤٤) مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).

(١٤٥) المحكم في أصول الفقه: ٣/٣٥٦ــ٣٥٧.

(١٤٦) الكافي: ٥/٣١٣ــ٣١٤.

(١٤٧) وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: ١٢/٦٠، وكذا فعل في الفصول المهمة: ١/٦٣٣.

(١٤٨) تهذيب الأحكام: ٧/٢٢٦.

(١٤٩) تعليقة استدلالية على العروة الوثقى: ١٥٥ (بتصرف), ٢١٩.

(١٥٠) مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).

(١٥١) لاحظ وسائل الإنجاب الصناعية: ٦٤٧. 

(١٥٢) بحوث في شرح مناسك الحج: ١/٣٣٥.

(١٥٣) لاحظ خاتمة مستدرك الوسائل: ٥/٢٥٢، الموسوعة الرجالية: ١/٢١٧، ٤/٣٥٧، وتنقيح العروة الوثقى (كتاب الطهارة): ٦/٤٠٥. 

(١٥٤) مصباح المنهاج (الاجتهاد والتقليد): ١٣٩. 

(١٥٥) كامل الزيارات: ٣٠٦. 

(١٥٦) مصباح المنهاج (الاجتهاد والتقليد): ١٣٩. 

(١٥٧) كما عن الموسوعة الرجالية: ١/٢١٧، ٤/٣٥٧، (لاحظ وسائل الإنجاب الصناعية: ٦٥٤). 

(١٥٨) معجم رجال الحديث: ١٩/١٥٥. 

(١٥٩) قاموس الرجال: ١٠/٥٦. 

(١٦٠) وسائل الإنجاب الصناعية (الملحق الحادي عشر): ٦٥٤ــ٦٥٦.

(١٦١) معجم رجال الحديث: ١/٤٩. 

(١٦٢) معجم رجال الحديث: ١٩/١٥١، قال الكشي (اختيار معرفة الرجال: ٣٠٧ــ٣١١ ح: ٤٢٢، ٤٢٩):  (والبترية هم أصحاب كثير النوا، والحسن بن صالح بن حي، وسالم بن أبي حفصة، والحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وأبي المقدام ثابت الحداد. وهم الذين دعوا إلى ولاية عليg ثم خلطوها بولاية أبي بكر وعمر، ويثبتون لهما إمامتهما وينتقصون عثمان وطلحة والزبير [وعائشة.خ]، ويرون الخروج مع بطون ولد علي بن أبي طالبg. يذهبون في ذلك إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويثبتون لكل من خرج من ولد علي g عند خروجه الإمامة.. عن سدير قال: دخلت على أبي جعفر g ومعي سلمة بن كهيل، وأبو المقدام ثابت الحداد، وسالم بن أبي حفصة، وكثير النوا، وجماعة معهم، وعند أبي جعفر g أخوه زيد بن علي، فقالوا لأبي جعفر g: نتولى علياً وحسناً وحسيناً ونتبرأ من أعدائهم؟ قال: نعم، قالوا: نتولى أبا بكر وعمر ونتبرأ من أعدائهم؟ قال: فالتفت إليهم زيد بن علي، قال لهم: أتبرءون من فاطمة؟! بترتم أمرنا بتركم الله، فيومئذٍ سموا البترية). 

(١٦٣) بحوث في شرح مناسك الحج: ١/٣٣٥.

(١٦٤) مصباح الأصول: ٢/٢٧٤. 

(١٦٥) لاحظ قرب الإسناد: ٢٥٢، والكافي: ٣/٥٠٣، ٦/٨٠ ،٧/١٣١، ٣٥٥، ٤٢٦، ومن لا يحضره الفقيه: ٣/٢١، وغيرها من الموارد. 

(١٦٦) الاجتهاد والتقليد (رضا الصدر): ٢٦٤.

(١٦٧) تهذيب الأحكام: ٧/٣٦٠. 

(١٦٨) الجعفريات: ١٣٤. 

(١٦٩) الجعفريات: ١٩٦. 

(١٧٠) الكافي: ٥/١٠٢. 

(١٧١) الكافي: ٥/٢١٦. 

(١٧٢) لاحظ المحاسن: ١/١١٢، ٣٠٣،  ٣٠٧، والنوادر: ١٥٣، والكافي: ٥/٢١٧، ٢٣٧،  ٢٣٩، ٢٤٢،  ٤٠٥،  ٥٥٨،  ٥٦٣،  ٦/١١١، ١١٢، ٧/٥٧،  ٥٨، ٨٣، ١٨٥، وغيرها.