حدود مرجعية العرف
السيّد محمّد البكّاء (دام عزّه)
لاشك ان من أبرز البحوث التي تدور حولها سجالات كثيرة في المحافل الدينية والقانونيّة هو موضوع العرف، بل لا تكاد مسألة أو موضوع فقهي أو أصولي إلاّ والكلام حول ثنايا العرف أو الاستدلال به له الحظ الأوفر منها ..
وهذه الدراسة تتضمن مبحثين: الأول موجز عن حقيقة العرف والارتكاز العرفي ومبنى حجيّته، والثاني تفصيليّ في تحديد المجالات العامة للتدخّل العرفي، حيث ان للعرف تدخّلاً في كلٍّ من: مجال التشريع، والاعتبار العرفي، والفهم العرفي، ومجال النظر العرفي وسعة حدوده .
تمهـيــــد
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين
والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
وبعد:
يمثّل النص عنصراً أساسياً مقوماً لعملية الاستنباط الفقهي والقانوني، وحيث كانت النصوص متناهية والوقائع لا متناهية كان لابد وأن تخرج هذه النصوص عن خصوصيتها في مواردها لتمثّل عنصراً مشتركاً في استنباط أحكام متعددة. والعرف هو أحد عوامل التعميم في النص لغير المورد الذي ورد فيه النص ، والذي يعتمد على الظهور العرفي بشكل أساس دون أن يكون هذا التعميم معتمداً على وسائل التعميم المتعارفة عند الفقهاء والأصوليين كالعموم والإطلاق اللفظي أو المقامي، بل هو عامل آخر يسهم إسهاماً حقيقياً في الدراسات والبحوث الفقهيّة التي يكون الفقيه فيها بصدد إحراز الملاكات واستنباط الأحكام، كما أنه يغيّر من موقف الفقيه إزاء التعاطي مع النصوص، بل قد يكون تغيّر الأعراف والسيرة موجباً للّبس, فيقع كثير من الناظرين في الأخبار والآثار في الخطأ والاشتباه.
يضاف الى ذلك أن جملة من المفاهيم كانت تتغير باستمرار تحت وطأة الزمان والمكان. الأمر الذي جعلها سبباً لاختلاف الفقهاء والأصوليين والقانونيين.
ولاشك أن من أبرز البحوث التي تدور حولها سجالات كثيرة في المحافل الفقهيّة والقانونيّة هو موضوع العرف، بل لا تكاد مسألة أو موضوع فقهي أو أصولي إلاّ والكلام حول ثنايا العرف أو الاستدلال به له الحظ الأوفر منها ..
ولعل هذا البحث المتواضع وإن لم يأت بالجديد، ولكنه قد يسهم - وباختصار- في تسليط الضوء على أهم المسائل المتعلقة بالعرف وحدود مرجعيته.
كما أنه معقود لبيان آراء علمائنا الذين يرون حجية العرف في الجملة، لا بالجملة كما هو رأي أكثر العامة والجماعة الذين جعلوه أصلاً أصيلاً.
ثم إن البحث يشتمل على مبحثين:
الأول تمهيديّ، ويتضمن مطلبين:
الأول في معنى الارتكاز العرفي لغة واصطلاحاً.
والثاني بحث كبروي موجز عن مبنى حجيّة العرف.
وأما المبحث الثاني، فهو حول المجالات العامة للتدخّل العرفي، وهي على الإجمال أربعة: التشريع العرفي، والاعتبار العرفي، والفهم العرفي، والنظر العرفي من حيث سعة حدود مرجعيّته ..
وما توفيقي الاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
المبحث الأول (تمهيدي)
في حقيقة العرف عند الأصوليين
ذكرت للعرف تعاريف مختلفة، ولعل أفضلها - كما قيل- ما ذكره الأستاذ خلاف: (العرف ما تعارفه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك)(١).
وإن شئت قلت: العرف: هو كل ما اعتاده الناس وساروا عليه باعتباره قانوناً غيرَ مدوّن من فعل شاع بينهم أو قول تعارفوا عليه .
والعرف - على الإجمال - هو ما تعارف عليه الناس وجروا عليه وفق طباعهم, أو عاداتهم أو إدراكهم للأشياء من غير أن يختصّ به شخص أو أشخاص معدودون، بل يكون ذلك ظاهرة نوعيّة واجتماعية باختلاف مستوياتها وعلى نحو العموم .
ويكون العرف بهذا المعنى ذا أصول ضاربة في نفوس تلك الفئة, وفي أثر الغرائز والعادات والتلقيات التي تربّوا عليها. ومن ثمّ قد يعبّر عن العرف في كلمات المتأخرين بالارتكاز العرفي.
وعلى ضوء ما تقدم ينبغي التمهيد ببيان المقصود من الارتكاز لغةً واصطلاحاً:
(المطلب الأول)
في بيان المقصود من الارتكاز عند الأصوليين
ليس للبحث عن الارتكاز موطن خاص عند الأعلام، لأن الأصوليين لم يبحثوا في ذلك, وإنما اعتبروه من الأدلة - إجمالا - في كتبهم الفقهية والأصولية، ومن جملة ذلك البحث عنه في دليلية السيرة على حجية الخبر الواحد وموضوع الاستصحاب.. فأقول:
١- (الارتكاز لغة): وهو من الركز: وهو الصوت الخفي. قال الله تعالى:
[أو تسمع لهم ركزا]. والركاز: دفين أهل الجاهلية، كأنه ركز في الأرض ركزا. وفى الحديث: (في الركاز الخمس). تقول منه: أركز الرجل، إذا وجده. و يقال: ركزت الرمح، أي: غرزته في الأرض، وركز شيئا في شيء: أقره وأثبته فيه، ولذلك يقال للمعدن: ركاز لأنه ثابت ومستقر في باطن الأرض، ويقال للثابت في العقول: مركوز فيها، والارتكازي: الأمر المركوز في العقول(٢).
والارتكاز إجمالاً: هو ارتكاز مفهوم خاص في ذهن طائفة من الناس أو أغلبهم أو كلهم. فالمفهوم المرتكز في الأذهان قد يكون مفهوما نظرياً صرفاً، مثل ارتكاز أن الاثنين أكثر من الواحد، وقد يكون مفهوماً نظرياً يبتني عليه العمل، مثل ارتكاز حجية قول الثقة وإخباره عند عقلاء العالم، فإنهم يبنون حياتهم المعيشية وأعمالهم على هذا الأصل المرتكز في أذهانهم. ومثل ارتكاز حرمة الكعبة والقرآن عند المسلمين قاطبة، فإنهم يعملون طبقا لهذا الارتكاز، ويلومون أشد اللوم من يهتك حرمتهما ولم يحفظها. ومثلهما حرمة الأئمة i عند الإمامية.
٢ - (منشأ الارتكاز): ويمكن أن يكون منشأ الارتكاز أحد الأمرين التاليين:
أولهما: الفطرة والغريزة، فهناك أمور فطرية وغريزية مركوزة في أذهان جميع أفراد الإنسان، قال الشيخ الطوسي S: (الطريق إلى معرفة الأشياء أربعة لا خامس لها: أولها، أن يعلم الشيء ضرورة، لكونه مركوزا في العقول، كالعلم بأن الاثنين أكثر من واحد)(٣). وجعل في مكان آخر: (قبح التكليف بما لا يطاق مما هو مركوز في الأذهان أيضَا)(٤). وقال الشهيد بالنسبة إلى النية: (إنها مركوز في جبلة العقلاء، حتى أن الإنسان لا يكاد يفعل فعلا خالياً عن القصد والداعي)(٥). وقيل: (إن العمل على الحالة السابقة أمر مركوز في النفوس حتى الحيوانات)(٦).
ثانيهما: القوة التشريعية: فربما يحصل الارتكاز على أثر القوة التشريعية، ومهما كانت هذه القوة أكثر نفوذا في القلوب كان الارتكاز أكثر عمقاً ودواماً، وأما لو كانت قوة قهرية غير نافذة في القلوب فلا تتحقق الأرضية المناسبة للارتكاز، بل ربما يسير الناس وفق القوة القهرية, لكن من دون حصول ارتكاز أصلا.
وقد أشار المحقق النائيني S الى الأمرين معاً قائلاً: (إن مبدأ الطريقة العقلائية لا يخلو: إما أن يكون لقهر قاهر وجبر سلطان جائر قهر جميع عقلاء عصره على تلك الطريقة واتخذها العقلاء في الزمان المتأخر طريقة لهم واستمرت إلى أن صارت من مرتكزاتهم، وإما أن يكون مبدؤها أمر نبي من الأنبياء بها في عصر حتى استمرت، وإما أن تكون ناشئة من فطرتهم المرتكزة في أذهانهم حسب ما أودعها الله تعالى في طباعهم بمقتضى الحكمة البالغة حفظا للنظام. ولا يخفى بعد الوجه الأول، بل استحالته عادة، وكذا الوجه الثاني، فالمتعين هو الوجه الثالث)(٧). ومقصوده من نفي أن يكون النبي سبباً للارتكاز إنما هو بالنسبة للمرتكزات العقلائية - التي هي محل الكلام عنده - لا المرتكزات الشرعية فإنها لا بد من أن تنتهي إلى تشريع الأنبياء كما هو واضح.
وقال بعض الأعلام S بالنسبة إلى منشأ ارتكاز المتشرعة: (وتكوين الارتكاز في نفوس الرأي العام لا يحتاج من وجهة نفسية إلى أكثر من إمرار فتوى ما في جيلين أو ثلاثة على الحرمة مثلاً، ليصبح ارتكازاً في نفوس العاملين عليها)(٨).
وقال في موضع آخر: (والظاهر أنهم يريدون به بالإضافة إلى توفر السيرة على الفعل أو الترك بالنسبة إلى شيء ما، شعور معمق بنوع الحكم الذي يصدر عن فعله أو تركه المتشرعون لا يعلم مصدره على التحقيق)(٩).
ويلاحظ أن بعض الارتكازات قد تمثّل مادة تشريعيّة مستقلة، وأخرى قد تكون عاملاً مساعداً على فهم النص. وذلك كما في مناسبات الحكم والموضوع الارتكازية التي يتداولها الفقهاء والأصوليون. فإنها من القرائن ذات الشعور المعمق بنوع الحكم المتوافق والمتناسب مع الموضوع.
ومما ذكرنا يمكن تقسيم الارتكاز - بحسب من يتحقق فيهم - إلى أربعة أقسام:
١ - ارتكاز العقلاء: وذلك إذا كان من تحقق فيهم الارتكاز هم العقلاء بما هم عقلاء، مع غض النظر عن دينهم كارتكاز قبول خبر الثقة عندهم .
٢ - ارتكاز العرف -لا بما هم عقلاء أو مسلمون-: وذلك كما في نشوء الارتكاز عن عوامل أخرى توجب تكوّن العادات والتقاليد الجارية عندهم، سواء أكانت تلك العوامل قانوناً سابقاً أم مشاعر أم عواطف انسانيّة أم غير ذلك.
٣ - ارتكاز المسلمين: ويتحقق ذلك فيما إذا كان المرتكز عند المسلمين بما هم مسلمون مع غض النظر عن مذاهبهم الخاصة بهم، كارتكاز لزوم استقبال القبلة عند الصلاة عندهم، فهذا الارتكاز موجود مع غض النظر عن الأدلة القائمة على ذلك، وكارتكاز حرمة هتك القرآن والكعبة .
٤ - ارتكاز المتشرعة - ومنه مناسبات الحكم والموضوع الارتكازية -: ويقصد به ما هو المرتكز عند خصوص الملتزمين بالمذهب والمتشرعين، كارتكاز مطلوبية استقبال القبلة حال النوم، ومذمومية حلق اللحية عندهم.
(المطلب الثاني)
في حجية العرف: سيرة العقلاء، سيرة المتشرعة، ارتكاز المتشرعة
لا خلاف بين الأعلام في حجية العرف في الجملة, سواء أكان متمثلاً بسيرة العقلاء أم بسيرة المتشرعة ..
أما (بناء العقلاء) فحجيته إنما تتم إذا تمّ كشفه عن مشاركة المعصوم لهم في هذا الصدور فيما تمكن فيه المشاركة، أو إقراره لهم على ذلك فيما لم تمكن فيه. وسرّ احتياجنا إلى الكشف عن مشاركة المعصوم، أو إقراره ولو من طريق عدم الردع فيما يمكنه الردع عنه مع اطلاعه عليه، أن هذا البناء ليس من الحجج القطعية في مقام كشفه عن الواقع، لجواز تخطئة الشارع لهم في هذا السلوك.
والفرق بينه وبين حكم العقل: أن العقل إذا حكم في مورد فإن حكمه فيه ناشىء عن اطلاع على المصلحة أو المفسدة الواقعية، وهذا بخلاف بناء العقلاء فإنه لا يشترط فيه ذلك, لكونهم يصدرون عنه صدوراً تلقائياً غير معلل، فهو لا يكشف عن واقع متعلقه من حيث الصلاح والفساد، ولعل قسماً كبيراً من الظواهر الإجتماعية منشؤها هذا النوع من البناء. ومع عدم كشفه عن الواقع فهو لا يصلح للاحتجاج به على المولى لكونه غير ملزم له، ومع إقراره أو عدم ردعه, أو صدوره هو عنه يقطع الإنسان بصحة الاحتجاج به عليه.
وأما (حجية سيرة المتشرعة): فهي إنما تكون بعد إثبات امتدادها تأريخيا إلى زمن المعصوم, وإثبات مشاركته لهم في السلوك فيما يمكن صدوره منه أو إقرارها من قبله، ولو من قبيل عدم ردعه عنها مع إمكان الردع والاطلاع عليها فيما لم يمكن صدورها منه. ومع عدم إثبات ذلك لا مجال للتمسك بها بحال، وما أكثر السير المنقطعة من وجهة تأريخية لكونها حادثة، أو لا يمكن إثبات امتدادها لذلك الزمن، والمقياس في حجيتها كشفها عن فعل المعصوم أو إقراره كشفاً قطعياً ليصح الاحتجاج بها. وبهذا ندرك قيمة ما يحتج به أحيانا من ادعاء قيام السيرة القطعية على فعل شيء أو تركه, مع عدم إمكان إثبات امتدادها تأريخياً إلى زمن المعصوم، وقد يكون منشؤها فتوى سائدة يمر عليها جيل أو جيلان، تتخذ طابع السيرة لدى الناس, بل وكثير من الأعراف والعادات التي تشيع في بلد ما، أو بيئة معينة حسابها نفس هذا الحساب، وإن أصبح لها في نفوس العوام طابع الشعار المقدس .
وعلى أي حال فما كشف عن السنة منها قولاً أو فعلاً أو إقراراً، كان حجة، وإلا فلا دليل على حجيته قطعاً، لوضوح أن كل حجة لا تنتهي إلى القطع فهي ليست بحجة، وأن الشك في حجية شيء ما كاف للقطع بعدمها .
والفرق بين سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة: أن السيرة المتشرعية لا احتمال للردع فيها من قبل الشارع, لأنها إذا كانت صادرة عن منشأ شرعي فيها فهو منتف، وهذا بخلاف السيرة العقلائيّة لأن المنشأ فيها ليس شرعياً فاحتمال الردع فيها يبقى وارداً.
وأما (حجية الارتكاز): فحكمها حكم السيرة من حيث الحجية، فإذا كان الارتكاز متصلاً بزمان أحد المعصومين وكان بمرأى ومسمع منه ولم ينه عنه مع تمكنه منه يكون حجة، وإلاّ فالارتكاز الحاصل بعد زمان المعصومين لا يكون حجة إلا إذا أحرز رضاه بذلك بطريق ما، وهو بعيد عادة. وشأن الارتكاز شأن سائر الأدلة اللبية - كالإجماع والسيرة- من حيث إنها لا تدل إلاّ على القدر المتيقن، وليس فيها إطلاق.
نعم الفارق بين الارتكاز وبين سيرة العقلاء والمتشرعة: أن سيرة العقلاء أو المتشرعة بحكم كونها فعلاً أو تركاً لا لسان لها، فهي مجملة من حيث تعيين نوع الحكم، وإن دلت على جوازه بالمعنى العام عند الفعل, أو عدم وجوبه عند الترك، لكن ارتكاز المتشرعة بمقتضى مناسبات الحكم والموضوع يعين نوعه من وجوب أو حرمة أو غيرهما.
المبحث الثاني
المجالات العامة للتدخّل العرفي
إن الانطباعات التي لها نحو عموم سواء أكانت نظريّة أم عمليّة مما تتعلق بمختلف مجالات الحياة كلها تندرج تحت عنوان العرف بالمعنى العام، ولكن المقصود هنا بالعرف هو قيمة النظر العرفي في ما يتعلق بالتشريع والتقنين في أحد مجالات أربعة:
(المجال الأول) التشريع العرفي: والمراد به القوانين التي يبني عليها العرف ويأخذ بها وإليه يستند الأخذ بسيرة العقلاء .
(المجال الثاني) الاعتبار العرفي: والمراد به الانطباع العرفي في شؤون الأمور الاعتبارية وملابساتها من قبيل تلقي العوارض المأخوذة في موضوع الحكم كحيثيات تعليليّة، كما بحث عنه في تحديد موضوع الاستصحاب .
(المجال الثالث) الفهم العرفي: والمراد به التلقي العرفي لأحد أمور ثلاثة :
(ب) التلقي لفهم النص بحسب مناسبات الحكم والموضوع وهو ما يعبّر عنه بالفهم العرفي.
(ج) التلقي من حيث تعامل الشارع الاجتماعي فيما يتكون في بيئة شرعيّة محاطة بتوجهات الشارع وإرشاداته، وهو ما يعبّر عنه بسيرة المتشرعة.
(المجال الرابع) النظر العرفي: والمراد به تشخيص العرف لمصاديق المفهوم العام وانطباعه في ما يدخل فيه ويخرج عنه .
أما (المجال الأول): وهو التشريع العرفي المعبّر عنه ببناء العرف والعقلاء أو سيرة العقلاء فقد مرّ الكلام حوله في ضمن حجيّة سيرة العقلاء.
وأما (المجال الثاني) الاعتبار العرفي: فالمراد به تحكيم نظر العرف في شؤون الأمور الاعتبارية وملابساتها من قبيل تلقي العوارض المأخوذة في موضوع الحكم كحيثيات تعليليّة.
فقد ذكر الأعلام من محققي الأصول في باب الاستصحاب أن تحديد موضوع الحكم يختلف باختلاف المعيار فيه، فقد يكون المعيار فيه أحد أمور: (العقل، لسان الدليل، العرف).
الأول: (العقل)، ومقتضاه رجوع جميع القيود المأخوذة أو الواردة في الخطاب إلى الموضوع بحيث ينتفي بانتفائها، لأنه ليس في القضية الشرعية سوى المحمول والموضوع، فترجع القيود إلى الموضوع. أو كما ذكر عن المحقق الإصفهاني S من أن جميع القيود والجهات بنظر العقل جهات تقييدية لا تعليلية، فيتعين أن تكون قيوداً للموضوع .
وفيه، أولاً: إن من القيود ما يكون سبباً لعروض العرض على معروضه من دون أن يكون مقوماً للمعروض(الموضوع)، كالعلل الغائية، فعدمها يوجب تخلف عدم العروض من دون مساس بنفس المعروض، وقس على ذلك العوارض والمعروضات الخارجية من الأجسام ونحوها.
وثانياً: إن هذا لو سلِّم فإنما يسلَّم في الاحكام العقلية المبتنية على التحسين والتقبيح, لا في الأحكام الشرعية الصرفة غير المبتنية على الأحكام العقلية أصلاً. مع أنه غير مسلّم في الأحكام العقلية أيضاً. إذن: فما أفيد من رجوع جميع القيود إلى الموضوع غير مسلم .
ومهما يكن فمقصودهم من النظر العقلي هو ما ذكر في مقابل الأمرين الآتيين.
الثاني: (لسان الدليل)، بأن يكون الميزان ما يفهمه العرف من الدليل وان الموضوع هو هذا، فيفرق بين ما إذا أخذ الوصف بنحو الشرط، نحو: (الماء إذا تغير ينجس). وما إذا أخذ بنحو النعت، نحو: (الماء المتغير ينجس). فيكون الموضوع في الأول هو ذات الماء، وفي الثاني هو الماء المتلبس بالتغير.
الثالث: (العرف)، والمراد به ما يفهمه العرف بحسب مرتكزاته من قياسات الأحكام والموضوعات في قبال ما يفهمه بحسب متفاهم الألفاظ, وفي مقام المحاورة الذي هو مفاد تحكيم الدليل، فقد يفهم العرف بحسب لفظ الدليل كون الموضوع للحكم هو الأمر الكذائي، ولكن بحسب مرتكزاته من مناسبة الحكم وموضوعه، يرى عدم تبدل الموضوع عند زوال بعض صفاته المقومة بحسب الدليل، وأن الحكم ثابت للأعم، فهو يرى بحسب الدليل أن الحنطة هي موضوع الحلية، ولكنه بحسب مرتكزاته يرى ان عروض الحلية لا يختص بالحنطة بل يعمها ويعم الدقيق، كما يرى بحسب مرتكزاته ان موضوع النجاسة هو ذات الماء وان التغير يؤثر فيه بنحو العلية.
والحاصل: إن للعرف نظرين: أحدهما: بما هو من أهل المحاورة وفي مقام التفاهم. والآخر: بحسب ما يرتكز لديه من مناسبات الأحكام وموضوعاتها. وأنه قد يختلفان في تعيين الموضوع وقد يتفقان، وأن المراد من تحكيم الدليل هو تحكيم العرف بنظره الأول، ومن تحكيم العرف تحكيمه بالنظر الثاني.
قال المحقق الإصفهاني S: (إن نظر العقل والعرف - بكلا وجهيه - طريق إلى الواقع. فتارة: يكون البرهان العقلي طريقاً إلى ثبوت الحكم لموضوع خاص واقعاً. وأخرى: يكون مفاد الدليل بحسب المتفاهم العرفي طريقاً إلى ثبوته واقعاً. وثالثة: تكون المناسبة المرتكزة في ذهن العرف مثلاً طريقاً إلى ثبوته له واقعاً، إلا أن هذه المناسبة الارتكازية ليست بحد تكون قرينة عقلية ولا عرفية تمنع عن انعقاد الظهورية أو تقتضي صرف الظهور ورفع اليد عنه، بل بحد لو خلي العرف وطبعه لحكم بأن الحكم المتيقن أصله ثابت لمثل هذا الموضوع، فالشخص - بما هو عاقل برهاني- يقطع بثبوت الحكم لموضوع خاص واقعاً، وبما هو من أهل فهم الكلام يقطع بثبوت الحكم لموضوع آخر متخصص بخصوصية أخرى، وبما ارتكز من المناسبات في ذهنه وبطبعه يقطع بثبوت الحكم لموضوع ثالث مثلاً)(١٠).
واشترط الأعلام في هذا التقسيم بأن لا يكون الفهم العرفي المذكور من القوة بحيث يكون من القرائن المتصلة أو المنفصلة الموجبة لانقلاب ظهور اللفظ من معناه وانعقاده في المفهوم العرفي، أو المانعة عن حجيته في ما هو ظاهر فيه، والاّ رجع الى الامر الثاني - أعني: لسان الدليل-.
وفي مقابل ذلك فإن جملة من المحققين لم يرتضوا هذا التقسيم, وأنكروا المقابلة بحيث يكون للعرف نظران أحدهما بحسب لسان الدليل والآخر بحسب مرتكزاته، بل عدّوهما نظراً واحداً .
ولذا فقد أشكلوا على المقابلة المذكورة: بأن نظر العرف في تعيين موضوع الحكم إن بلغ حدّاً يقطع بأنه المراد للشارع، فهو يوجب التصرف في حجية لسان الدليل، لأن الظاهر إنما يكون حجة فيما إذا لم يحصل القطع بخلافه، أو كان بمنزلة القرينة الحالية، فهو يوجب التصرف في ظهور الدليل وبالتالي فهو راجع الى لسان الدليل. وإن لم يبلغ حد القطع, بل كان ظنياً، فلا دليل على اعتبار هذا الظن لا شرعاً ولا عقلائياً، إذ لا دليل على اعتبار العقلاء للنظر العرفي في المصداق المبتني على الظن في تعين الموضوع .
والذي يقرب صورته المحقق العراقي: (بأنه. . إن أريد من الرجوع إلى العرف الرجوع إليه في مقام تعين مفهوم اللفظ، فهذا يرجع إلى تحكيم الدليل وليس قسما آخر. وان أريد منه الرجوع إليه في مقام التطبيق وصدق المفهوم على مصاديقه، فلا عبرة بالعرف في هذا المقام كي يحتمل انه المحكم والمرجع في تعين الموضوع)(١١).
ومثله ما ذكره السيد الخوئي S - ناهجاً به ما ذكره شيخه المحقق النائيني S كما في أجود التقريرات(١٢) - على المقابلة بين الأنظار والذي قرره بما محصله:
إن المراد من نظر العرف إن كان ما يفهمه من الدليل الشرعي بمعونة القرائن، فهو المراد من لسان الدليل, وإن كان المراد ما يتسامح به في تطبيق الكلي على مطابقه الخارجي، فلا ريب في عدم الاعتماد عليه.
ويبدو ظاهراً من منكري المقابلة ان نظر العرف الثاني إن لم يرجع الى تحكيم لسان الدليل فأقصى ما يدل عليه هو الظن وهو لا يغني من الحق شيئاً.
وأما شيخنا الأستاذ (دامت إفاضاته) فقد أشكل على هذه المقابلة بوجه آخر، بما حاصله(١٣): إن هذه المناسبات الارتكازية ليست في مقابل ظهور الألفاظ في معانيها بالنظر العرفي الواقعي، بل إن هذه المناسبات الارتكازية في أذهان العرف والعقلاء في المرتبة السابقة قد تغير مجرى الظهور, لأن المتبادر من اللفظ عند الإطلاق قد يكون معنى بقطع النظر عن المناسبات المذكورة, ولكن بالرجوع الى تلك المناسبات المرتكزة في الأذهان وملاحظة الحال والمقام يزول هذا التبادر البدوي ويستقر ظهوره في معنى على طبق هذه المرتكزات.
وعليه، يقال: ما هو السر في اعتبار الفهم العرفي المذكور في قبال لسان الدليل الظاهر في خلافه ؟!
ولذا توقف وتأمل المحقق الشيخ حسين الحلي S كثيراً فيما أفاده المحقق الإصفهاني Sمن التقسيم والمقابلة المذكورة: قائلاً (ولننظر الى حالنا أو حال ذلك العاقل الذي حصل له القطع بأن موضوع الحكم الشرعي هو الخاص ..الخ، فقد تثلّث موضوع ذلك الحكم الشرعي عنده، وهو قاطع بكل من الثلاثة، فهل بقي على هذا الحال من التناقض، أو أن ما أحاط بذلك العاقل من عقل برهاني وفهم لساني وذوق طبعي استحساني قد غلب بعضها على بعض، أو انه لا تناقض بين هذه الأقطاع، وليست لي القدرة على الجواب عن هذه الأسئلة)(١٤).
ومهما يكن فالظاهر أن النزاع بينهم ثبوتي, وأنه هل يثبت للعرف هذان النظران أو لا يثبت له الاّ نظر واحد ؟
يبقى التنبيه على أمر: وهو أن ما طرح من النظر العرفي في هذا المجال إنما يتحقق في موضوعات الأحكام دون متعلقاتها كما أوضح بعض الأعلام S(١٥): ان المسامحة(١٦) المعتبرة عند العرف هي المسامحة في موضوعات الأحكام دون المسامحة في متعلقات الأحكام .
بيان ذلك: ان المراد بالمسامحة العرفية والنظر العرفي هو ما يراه العرف بحسب مرتكزاته, وبحسب ربطه بين الحكم وموضوعه موضوعاً للحكم، فهو يرى ان الموضوع في مثل: (أطعم العالم) ذات العالم، وجهة العلم جهة تعليلية، إذ لا ربط للإطعام بجهة العلم، بل يرتبط بالذات نفسها، فإذا زال العلم لا يزول الموضوع بنظر العرف، وانما يرى أنه قد زالت بعض حالاته. أما في مثل: (قلّد العالم) فإنه يرى ان الموضوع العالم بما هو عالم، لارتباط التقليد وأخذ الأحكام بجهة علمه لا بذاته خاصة. فمع زوال العلم يزول الموضوع عرفاً. ومن الواضح أن هذا الاختلاف في النظر انما يتأتى في موضوعات الأحكام، إذ ارتباط الحكم بها بلحاظ متعلقه وارتباط المتعلق بها ارتباط تكويني، فيمكن ان يختلف نظر العرف في تشخيصه بحسب اختلاف الموارد وان اتحد لسان الدليل كما عرفت في المثالين.
أما بالنسبة إلى متعلقات الأحكام، فلا يتأتى فيها المسامحة العرفية، إذ ارتباط الحكم بمتعلقه جعلي يرتبط بالمولى الجاعل نفسه وان كان المولى عرفياً، فإذا أثبت الحكم لمركب ذي أجزاء عشرة لا يرى العرف وجوب التسعة وان متعلق الحكم هو الجامع بين العشرة والتسعة، بل نظر العرف هاهنا يتبع ما قرره المولى داعياً إلى أي مقدار كان من الاجزاء. فإذا أوجب المولى المركب ذا الأجزاء العشرة، كان المركب ذو الأجزاء التسعة مبايناً لمتعلق الحكم عرفاً لا متحداً معه، وإن كان الجزء المفقود ضئيلاً جداً.
وبعبارة أخرى: ان ما يؤخذ قيداً للموضوع قد يعدّ عرفاً من مقوماته بحيث ينتفي معروض الحكم بانتفائه. وقد يعدّ من حالاته وعوارضه فلا ينتفي عرفاً بانتفائه. وهذا يختلف بحسب اختلاف ارتباط الحكم بالقيد. فالأول نظير وجوب تقليد العالم، فان جهة العلم من مقومات وجوب التقليد عرفاً، لأن التقليد إنما هو لجهة علمه. والثاني نظير وجوب الصلاة خلف العالم, أو أطعم العالم، فإن العلم لا يعدّ عرفاً من مقومات الموضوع، بل يعد من حالاته، لأن جهة العلم عرفاً من الجهات التعليلية للحكم بوجوب الصلاة خلفه او إطعامه، ولكنها تعدّ من الجهات التقييدية بالنسبة إلى الحكم بوجوب تقليده. ولكن هذا إنما يأتي في موضوعات الأحكام لاختلاف نسبة الحكم وكيفية ارتباطه بالقيد .
وأما بالنسبة إلى متعلق الحكم، فكل قيد فيه يكون مقوماً بنظر العرف، إذ متعلق الحكم ما أخذ الحكم داعياً إليه ومحركاً نحوه، فإذا كان المدعو إليه هو الفعل الخاص كانت الخصوصية مقومة عرفا، فمع انتفائها ينتفي الفعل, لأنه بنظر العرف هو الفعل بخصوصياته لا ذات الفعل. وعليه فالقيد إن كان قيداً للمتعلق فهو قيد مقوم احترازي دائماً، فمع تخلفه وانتفائه ولو يسيراً لا يحصل الامتثال الاّ مجازاً وادعاءً.
وأما (المجال الثالث) الفهم العرفي، فتفصيل الكلام فيه يقع بأموره الثلاثة :
(أ) التلقي للمفهوم الأفرادي للنص وهو ما يعبّر عنه بالمفهوم .
وفي هذا المورد لا إشكال عند الفقهاء والأصوليين في أن المرجع في مفاهيم الألفاظ ومداليلها إنما هو العرف العام، لأن الخطابات الشرعية في القرآن الكريم والسنة الشريفة لمّا كانت موجهة الى العرف فهي محمولة على ما هو المتفاهم العرفي من الألفاظ المستخدمة فيها, وسواء أوافقت عرف اللغة أم خالفته، ولا عبرة باللغة إذا كان العرف العام على خلافها، فان الألفاظ تنصرف إلى مفاهيمها العرفية بحسب ما ارتكز في أذهان أهل المحاورات، فعند تعارض العرف واللغة في مفهوم اللفظ يحمل على المفهوم العرفي، سواء أكان أعم من المفهوم اللغوي أو أخص منه، بل ولو كان مبايناً معه لو اتفق ذلك، فمثلاً مفهوم الموت الذي هو موضوع لأحكام كثيرة من الغسل والكفن والدفن والأرث وغيرها لا يتحقق عرفاً الاّ مع توقف القلب والرئتين عن العمل توقفاً نهائياً، ولكن المناط في الموت عند الأطباء هو تلف خلايا الدماغ وإن استمر القلب والرئتان في العمل عن طريق تركيب أجهزة الإنعاش الصناعية، وكذلك الجنون الذي هو أحد أسباب الحجر وأحد العيوب التي يسمح لأجلها أن يفسخ الزوج عقد النكاح وله العديد من الأحكام الأخرى يشمل بحسب الفهم والتعريف الطبي قائمة طويلة من ضروب الاختلال الفكري والنفسي والعصبي مع أنه لا يصدق الجنون عرفاً على جملة منها(١٧).
وهكذا موارد كثيرة أخرى، كمفهوم الحنطة والزبيب والعنب والحطب وغير ذلك من الموضوعات الخارجية, فلابد من الرجوع إلى العرف في تشخيصها.
فالعبرة في الجميع بالصدق العرفي للعنوان المأخوذ موضوعاً أو متعلقاً في لسان الدليل لا صدقه بحسب المقاييس العلميّة ومصطلحاتها.
(ب) التلقي لفهم النص بحسب: مناسبات الحكم والموضوع الارتكازية .
من المصطلحات الأكثر تداولاً بين الفقهاء والأصوليين هو قرينيّة مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية - وهي القرينة اللبيّة التي ببركتها يمكن للفقيه من خلالها تعدية الحكم لغير مورد النص الذي ورد فيه بمقتضى الارتكاز، سواء أكان هذا الإرتكاز عقلائياً أم شرعياً أم متشرعيّاً.
والعبرة في هذا الارتكاز الشرعي (المتشرعي) ما يفهمه الفقهاء ؛ لأن ملاك الاستظهار من الخطابات الشرعية هو فهم الفقهاءِ بحسب ذوقهم العرفي، نظراً إلى قدرتهم على تحليل فهم أهل العرف وتوجيه ملاك فهمهم وتشخيص سرّ ارتكاز المعنى المعيّن من الموضوع المأخوذ في الخطاب في أذهانهم. فلذا لا اعتبار بفهم أيّ فرد سوقي أو عاديّ من عوام الناس في الاستظهار من الخطابات وفهم موضوعات الأحكام الشرعية. فإنّ الفقيه هو الذي يفهم بذوقه العرفي الأحكام الشرعية للأنس بها, ووقوفه على شدّة مناسبة ارتباطها بموضوعاتها وهو لا يتيّسر لغيره، وهذا واضح.
مضافاً الى ذلك فإن المناسبة أوالتوافقية أو قل السنخيّّة بين الحكم والموضوع تحتّم على الفقيه توخي الحذر وتوجيه النظر وفق نوعية الارتكاز سلباً وإيجاباً، لأن بعضاً من مناسبات الحكم والموضوع ربما تشتبه بظواهر فكرية غير مقبولة لدى الإماميّة من وجوه الاجتهاد بالرأي من القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغيرها، مما يحتاج الى اعمال دقّة من الفقيه في الفصل بين ما يكون مناسبة حكم وموضوع مساعدة على الاستظهار من النص، وبين ما يكون ضرباً من الاستنباط العقلي غير الموثوق به في تناول مبادئ الحكم الشرعي.
ثم إنهم اختلفوا في قرينيّة مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية من حيث قوتها وصلاحيتها, لأن تكون بمثابة القرينة المتصلة أو المنفصلة فتكون مقيّدة للسان الدليل وعدمه، ولعل الخلاف يرجع إلى أن نظر العرف وفق ارتكازاته ما لم يصل الى درجة من القوة هل يصلح لأن يكون قرينة متصلة أو منفصلة, أو لا يكون هذا النظر ذا قيمة لأنه نظر مسامحي لا عبرة به؟
بخلاف النظر العرفي الذي يصلح لأن يكون بمثابة القرينة المتصلة أو المنفصلة, فهو نظر عرفي واقعي يعيّن مدلول اللفظ من حاقه وظهوره فيه، وهو حجة ما لم تقم قرينة على خلافه.
وظاهر الخلاف يبتني على نفس الخلاف في أصل ثبوت النظرين للعرف - كما مرّ في مورد النظر العرفي في تحديد موضوع الاستصحاب - أحدهما بما هو من أهل المحاورة وفي مقام التفاهم، والآخر بحسب ما يرتكز لديه من مناسبات الحكم والموضوع، وكذلك يبتني على أصل اشتراط ألاّ يكون الفهم العرفي المذكور من القوة بحيث يكون من القرائن المتصلة أو المنفصلة الموجبة لانقلاب ظهور اللفظ من معناه, وانعقاده في المفهوم العرفي، أو المانعة عن حجيته في ما هو ظاهر فيه .
- (إلغاء الخصوصيّة وتنقيح المناط) :
هنالك نوع آخر من وسائل التعميم عند الفقهاء والأصوليين ينتمي الى مناسبات الحكم والموضوع, يعبّر عنه بإلغاء الخصوصيّة, لا يخرج عن إطار الفهم العرفي يمكن للفقيه أن يستعين به وبشكل مستقل لتعدية الحكم لمورد آخر دون الاعتماد على أدوات العموم المعروفة في الأصول, كأدوات العموم أو الإطلاق اللفظي أو المقامي، بل هو عامل يساعد الفقيه وبمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية على إلغاء الخصوصية عن مورد النص.
وقد يشتبه بينه وبين تنقيح المناط بيانه. أما تنقيح المناط فهو بمعنى استخراج علّة الشيء، فالتنقيح معناه تهذيب الشيء أو تشذيبه أو تقشيره أو استخراجه(١٨). والمناط: اسم مكان الإناطة، والإناطة: التعليق. قال: ناط الشيء ينوطه نوطاً وإناطة : علق. والمناط: العلَّة. فيكون المعنى لغة تهذيب العلة أو استخراجها.
ومن ثمّ عرّف تنقيح المناط عند الأصوليين: (بأن يضيف الشارع الحكم إلى سببه فتقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة, فيجب حذفها عن الاعتبار ليتسع الحكم) بعد تهذيب العلة وتصفيتها بإلغاء ما لا يصلح للتعليل واعتبار الصالح له.
ومثلوا له بقصة الأعرابي الذي قال للنبيe: (هلكت يا رسول الله ! فقال له: ما صنعت؟ قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان، قال: أعتق رقبة) حيث استفادوا عدم الخصوصية في كونه أعرابياً، فألحقوا به جميع المكلفين، ولا في كون المرأة التي وقع عليها أهلاً له فألحقوا به الزنا، ولا خصوصية لخصوص شهر رمضان الذي وقع فيه على أهله فألحقوا به جميع أشهر الصيام، إلى ما هنالك من الخصوصيات التي يعلم بعدم مدخليتها. وهذه التعميمات وأمثالها مما تقتضيها مناسبة الحكم والموضوع، وهناك تعميمات مظنونة وقعت موقع الخلاف، كالقول بأن النكاح لا خصوصية له، فلا بد ان يعمم إلى كل مفطر، وهي مبنية على حجية القياس المظنون)(١٩).
ثم إن المعتبر من تنقيح المناط هو القطعي منه, وتحصيله مشكل, بل هو غير ممكن في الشرعيات، وغاية ما يحصل منه الظن، إذ ربما يكون الذي يفهمه الفقيه بسبب ما رسخ في ذهنه يكون مبنياً على قاعدة ليست بحجة عنده، إذ الخطأ غير مأمون على الظنون، و كل مجتهد مكلف بما أدى إليه ظنه بعد ما استفرغ وسعه .
وأما في مورد إلغاء الخصوصية فإن التعدي والخروج عن مورد النص إلى الموارد الأخرى بحاجة إلى الاستظهار من نفس اللفظ, من خلال ما تمليه مناسبة الحكم والموضوع, فيحكم به في كل موضوع وجدت فيه تلك المناسبة.
وحصر المحقق البهبهاني S الدليل الذي يتعدّى به عن النص بالإجماع والعقل، قائلاً: (والدليل الذي يخرج بسببه عن النص بأن يتعدّى عنه، أو يحمل على خلاف ظاهره، لا بملاحظة نص هو الإجماع غالباً بسيطاً أو مركباً، فلا بد من ملاحظة دليل الإجماع و تحققه. وربما يخرج عن النص بحكم العقل، مثلاً: إذا ورد في امرأة اشتبه دم حيضها بالعذرة إن خرجت القطنة مطوقة فهو عذرة... إلخ نجزم أن هذه حالة جميع النساء، لأن خلقتهن واحدة، لا خصوصية لامرأة فيه، و ربما يخرج بقاعدة تنقيح المناط، وهو مثل القياس، إلا أن العلة المستنبطة فيه يقينية، بناءً على القاعدة المسلمة عند الشيعة من كون الحسن والقبح عقليين، وعدم جواز تخلف المعلول عن العلة التامة، و التنقيح لا يحصل إلا بدليل يقيني شرعي، فينحصر دليله في الإجماع والعقل، ومن هذا لا يذكر فقهاؤنا في كتبهم الاستدلالية اسم (تنقيح المناط غالباً لأن الحجة في الحقيقة هي تنقيح المناط بعنوان اليقين، وهو منحصر فيما ذكر. وإنما قلنا:
بعنوان اليقين، لان الظني: إن كان بغير النص فهو بعينه القياس الحرام، وإن كان النص فهو القياس المنصوص العلة)(٢٠).
ويشبه إلغاء الخصوصيّة مفهوم الموافقة، إلا أن الفرق بينهما أن مفهوم الموافقة
- بالمعنى المصطلح- هو ظهور الكلام في نفسه في ذكر الخصوصيّة على سبيل أدنى ما يستوجب الحكم، فلا يحتاج الوقوف عليه على تعمّل إضافي من الواقف على الكلام، وهذا بخلاف إلغاء الخصوصيّة على أساس مناسبات الحكم والموضوع .
وبالجملة: إن إلغاء الخصوصية له عوامل أخرى كثيرة يمكن للفقيه من خلالها بمقتضى مناسبات الحكم والموضوع الارتكازية ان يعمّم الحكم لغير مورد النص.
كما أن إلغاء الخصوصية في مناسبات متعددة قد يكون من جهة السائل أو الواقعة، أو من جهة موضوع الحكم وقيوده وغير ذلك. قال المحدّث صاحب الحدائق: (فإن مدار الاستدلال في جلّ الأحكام الشرعية على ذلك، إذ لو لوحظ خصوصية السائل أو الواقعة لم يثبت حكم كلي في مسألة شرعية الاّ نادراً)(٢١).
هذا، ومما يساعد على إلغاء الخصوصية أحياناً: إمكان حمل النص على النظر الى مورد الغالب، أو مورد التمثيل، وملاحظة النصوص الواردة في موارد متعددة فالنظر في هذه الموارد يساعد على إلغاء الخصوصية، وكذلك النظر الى موارد الجمع العرفي بين النصوص المتعارضة يساعد بمجموعه على تكوين فهم متكامل للموقف الشرعي وإلغاء الخصوصية في بعض تلك النصوص.
فتحصّل من جميع ما تقدم: أن إلغاء الخصوصية هو أحد الأدوات العرفية التي يمكن بها للفقيه توسعة وتعميم الموارد بمقتضى مناسبات الحكم والموضوع الارتكازية.
بيد أنه ليس لذلك ضابط معين، بل يختلف رصده من فقيه الى آخر بحسب اختلاف الارتكازات لديهم الناشئة من التفاوت في الطبيعة الذهنيّة, أو منهج التفكير أو من حيث اختلاف تراكم الرصيد الفكري، أومن حيث فهم كبريات ملاكات الأحكام أو مذاق الشارع أو ما يسمى عند البعض الأخر بمقاصد الشريعة، وقد يكون الاختلاف ناشئاً عن فهم لقراءتين مختلفتين للنص الديني ومن رؤيتين مختلفتين للدين والشريعة أو غيرهما .. ويشهد لذلك الاختلاف ما نرى من بعضهم الالتزام بالتعميم اعتماداً على صغرى تنقيح المناط، بينما ينكر عليه آخر ذلك، ولذا اشتهر لدى الفقهاء بأن (دعوى تنقيح المناط عهدتها على مدعيها)، مع تسليمهم الأخذ بكبرويته.
(ج) التلقي العرفي من حيث تعامل الشارع الاجتماعي فيما يتكون في بيئة شرعيّة محاطة بتوجهات الشارع وإرشاداته، وهو ما يعبّر عنه بسيرة المتشرعة. وقد مرّ الكلام حولها في ضمن البحث عن حجية سيرة المتشرعة .
(المجال الرابع) النظر العرفي - حدود مرجعيّته - وتمييزه عن النظر المسامحي العرفي، والنظر الدقيق العقلي.
إن النظر ينقسم الى قسمين: نظر عرفي، ونظر عقلي. وقد وقع الخلاف في أن العبرة في تشخيص المصاديق هل هو بالنظر العرفي أو العقلي ..
وينبغي الإلتفات - تحريراً لمحل الكلام- قبل الخوض في الخلاف المذكور الى أن المقصود بالنظر العرفي المختلف في الاعتماد عليه إنما هو النظر العرفي الدقّي دون المسامحي.
ولبيان ذلك نقول: إن النظر على ثلاثة أقسام: النظر الدقيق العقلي, والنظر الدقيق العرفي, والنظر المسامحي العرفي. ولابد من التمييز بين هذه الأنظار الثلاثة, ويمكن ذلك بملاحظة المثال التالي:
إذا وضع شخص كمية من الحناء على يده فتلونت بلونها, ثم غسل يده ولكن بقيت أجزاء صغيرة جداً من مادة الحناء في بعض شقوق الكف, لم يمكن نفي بقاء الحناء فيها إلاّ وفق النظر المسامحي العرفي, فإن العرف يتسامح في الأجزاء الصغيرة جداً, ويعتبر وجودها وعدمها سواء, ولكن مقتضى النظر الدقيق العرفي هو بقاء قليل من الحنّاء في الموضع، فلو كان مانعاً عن وصول الماء الى البشرة لم يصح الوضوء إلاّ بعد إزالته.
وهكذا لا يؤخذ بالمسامحات العرفية في سائر مواردها كالماء الذي يقلّ عن مقدار الكر ولو بقدر غرفة واحدة, فإنه وإن صدق عليه الكر بالنظر المسامحي العرفي إلاّ أنه لا عبرة به ولا يترتّب عليه حكم الكر من حيث كونه معتصماً مثلاً.
وإذا فرض في المثال المذكور أنه قام الشخص بغسل يده جيداً حتى أزال الأجزاء الصغيرة جداً من الحنّاء من بين شقوق الكف أمكن عندئذٍ نفي بقاء الحنّاء في يده, ويكون ذلك بالنظر الدقيق العرفي, لا بالنظر الدقيق العقلي لفرض بقاء لون الحنّاء في البشرة, واللون من الأعراض, والثابت في محله استحالة انتقال العرض من محله الى محل آخر. أي أن وجود اللون في الكف دليل عقلي على بقاء جزيئات من الحنّاء على البشرة, وهي التي تعطي لها هذا اللون ,ولكن هذا بالنظر الدقيق العقلي, وأما العرف فلا يرى ـ حتى بالنظر الدقيق ـ بقاء شيء من الحنّاء في الموضع, بل يرى بقاء لونها فقط.
وهكذا يتضح الفرق بين النظر الدقيق العرفي والنظر المسامحي العرفي من جانب, وبينه وبين النظر الدقيق العقلي من جانب آخر، ومن المعلوم أن ما به العبرة في تشخيص موضوعات الأحكام الشرعية وما يتعلق بها من جوانب أخرى إنما هو النظر الدقيق العرفي، وأما المسامحات العرفية فلا عبرة بها كما تقدّم، وكذلك ما تقتضيه الدّقة العقلية والعلمية ويكون بعيداً عن الأذهان العرفية فإنه لا يؤخذ به في هذا الباب(٢٢).
هذا، ولكن يبدو أن مصطلح (النظر المسامحي العرفي) قد أفرط في استعماله من البعض بما يعمّ النظر الدقيق العرفي ، مما أوجب لبساً وخطأً في التطبيق بين الأعلام، بل وربما طعن البعض منهم بمن تمسك بالنظر العرفي لتسامحه، ولكنه في مقام الاستدلال استشهد بالمسامحة الادعائية غير المعتبرة عند العرف نفسه.
وكل هذا غير سديد .. فإن الوقوف على اصطلاح المسامحة المتداول بينهم، والتركيز على هذا الأمر ورفع الالتباس فيه يسهم اسهاماً حقيقياً في كشف ملابسات النزاع عند الفقهاء والاصوليين كما سيظهر قريباً.
فإن النظر المسامحي العرفي غير معتبر حتى عند العرف نفسه؛ لأنه أدعائي مجازي وليس بحقيقي - كما مرّ في مثال الحناء - بخلاف تسامح النظر الدقيق العرفي فهو معتبر عند العرف نفسه؛ لأنه حقيقي وهو مما تقتضيه طبيعة النظر العرفي في مقابل لسان الدليل ونظر العقل كما مرّ في مجال الاعتبار العرفي.
فالمراد بتسامح النظر الدقيق العرفي : ليس بمعنى ان العرف يعمّم الموضوع من باب الحقيقة الادعائية والمجازية، بل المراد من المسامحة بنظر العرف هو ان الموضوع إذا كان بحسب لسان الدليل أو نظر العقل خاصاً، فتعميمه بنظر العرف هو تسامحه فيما كان موضوعاً بحسب نظر العقل ولسان الدليل، وانه يتسامح عمّا هو الموضوع فيهما، لأنه يرى بحسب ارتكازه ان الموضوع أعم. فالمراد بتسامح العرف هو تسامحه في مقابل نظر العقل ولسان الدليل لا مطلقاً بحيث يشمل الحقيقة الادعائية والمجازية، لوضوح ان العرف لا يرى ثبوت الموضوع إدعاءً ومجازاً؛ لأنه من قبيل اطلاقهم الأسد على الرجل الشجاع.
وبعبارة أخرى: ان التسامح العرفي المقصود هو تعميم الموضوع بحسب ارتكازات نظر العرف، في مقابل نظر العقل ولسان الدليل اللذين لا يسمحان بالتعميم لخصوصيته.
إذا تبيّن هذا، فنقول: ان الكلام في مرجعية النظر العرفي في باب التطبيق يقع في موردين:
الأول: في الأمور الاعتبارية.
الثاني: في الأمور التكوينيّة.
أما المورد الأول: فالظاهر أنه لا ينبغي الإشكال في إمكان التعويل على النظر العرفي في تحقق مصداق المفهوم الاعتباري إذا لم ينبّه الشارع على مخالفة نظره مع نظر العرف. والوجه فيه أن النظر العرفي في الأمور الاعتبارية كالبيع ونحوه إنما هو ضرب من التقنيين العرفي، وعليه فإذا رتّب الشارع أحكاماً على المفهوم من غير بيان خلافه في التقنيين حول موارد تحققه مع العرف دلّ ذلك على إقرار القانون العرفي. ومن ثمّ ذكر جميع الأصوليين المتأخرين جواز التمسك بالإطلاق المقامي لـ(أحلّ الله البيع) بناءً على القول بالوضع للصحيح.
وقد نبّه على هذا المعنى - وهو ظهور الدليل في التعويل على النظر العرفي في الأمور الاعتبارية - غير واحد من الأصوليين.
فقد ذهب السيد الحكيم S الى أن عدم صحة الاعتماد على العرف في مرحلة التطبيق انما يكون في الأمور الواقعية التي يحتمل خطأ العرف في تشخيصها، كما في تطبيق الكرّ على الماء الخارجي، بخلاف الأمور الاعتبارية التي لامانع من الرجوع فيها الى العرف بمقتضى الإطلاقات المقامية كما في تطبيق مفهوم البيع على مصاديقه الخارجية، فقال S:
(إلا أن مقتضى الإطلاق المقامي للكلام الوارد في مقام البيان الذي لا طريق إلى معرفة موضوعه إلا نظر العرف هو إمضاء نظرهم كما هو الحال في أمثال المقام(٢٣) ونظائره .
وما اشتهر من أن نظر العرف إنما يتبع في تنقيح المفهوم لا في تنقيح المصداق يختص بما له واقع محفوظ في نفسه يخطؤه العرف تارة ويصيبه أخرى, لا ما إذا لم يكن له واقع محفوظ ويختلف اعتباره باختلاف الأنظار، وما ذكرنا يطرد في جميع الاعتباريات التي تؤخذ موضوعاً للأحكام الشرعية في لسان الشارع, فإن مقتضى الإطلاق فيها إمضاء الأسباب العرفية فلاحظ)(٢٤).
وكلامه S صريح في أن الميزان في تشخيص الخطأ والتسامح هو وجود الواقعية للأشياء. أما الأمور الاعتبارية التي لا واقع لها خارج دائرة الاعتبار فهي موكولة بمقتضى الإطلاقات المقامية الى العرف تشخيصاً وتطبيقاً.
والمعروف عندهم ان معيار الأمور الواقعية في تشخيص الخطأ هو خصوص العقل النظري الذي يدرك الواقعيات، فلابد وان يكون الحكم العقلي مطابقاً للواقع ولا يمكنه الحكم خلاف الواقع والخارج ؛ وذلك لأن العقل النظري انعكاس لنفس ما في الواقع والخارج.
وكذلك ما ذكره بعض المحققين S في تقريراته، والذي قد حصر حجية العرف في باب التطبيق إذا كان نظره إنشائياً لا إخبارياً.
فقال S: (إن نظر العرف المسامحي إنما يكون حجة في موردين: الأول - في باب المفاهيم وتحديد الدلالات. الثاني - في باب التطبيق إذا كان نظره إنشائياً لا إخبارياً كما إذا قلنا بان أسامي المعاملات وضعت بإزاء المسببات لا الأسباب، فان العرف لو شخص صحة معاملة المعاطاة مثلا كانت بيعاً، وأما في المقام فحيث إن النّظر العرفي إخباري في مجال التطبيق فمع خطئه دقة وعقلاً لا حجية لنظره)(٢٥).
ويقصد من قوله (في المقام) هو حجية الأصل المثبت مع الواسطة. وقد مثّل لخطأ العرف في باب الإخبار في موضع آخر، فقال: (كما إذا تصور العرف نتيجة نظرته المسامحية أن زيداً مصداق للعالم باللَّه لمجرد كونه معتقداً بوجوده تعالى. ولا إشكال أنه لا عبرة بمثل هذه العناية العرفية بعد فرض أنه من باب الخطأ في التطبيق والإخبار بحيث لو التفت إليه العرف لتنبه إلى خطئه)(٢٦).
والظاهر من كلامه S: أن الإنشاء هو بمعنى إيجاد ما لا يكون موجوداً, فهو لا صدق ولا كذب فيه, لعدم الواقعية له بالمعنى المعتبر في الصدق والكذب حتى يلاحظا بالنسبة إليه. فالمعيار في حصر مرجعية العرف في باب التطبيق هو نسبة الصدق والكذب وهما لا يلحظان بالنسبة للإنشاء، بل هما يختصّان بباب الإخبار.
وهذا التفصيل الذي اختاره S يرجع الى نفس اختيارالسيد الحكيم S الذي جعل واقعية الأشياء ميزاناً للخطأ والصواب دون الأمور الاعتبارية، فلاحظ.
وأما المورد الثاني فهو محل الكلام بين الأعلام، وقد اختلفوا في سعة دائرة مرجعية العرف من حيث شمولها لحالة تطبيق المصاديق وعدمها على قولين:
- (القول الأول): مرجعية العرف في تعيين المفاهيم ،لا في تطبيقاته. وهو قول المشهور من محققي الأصول منهم المحقق الخراساني والمحقق النائيني والمحقق السيد الخوئي (قدّس الله أسرارهم)، وهو مختار شيخنا الأستاذ الشيخ الفياض (دامت إفاضاته).
- (القول الثاني): مرجعية العرف مطلقاً تشخيصاً وتطبيقاً. وهو اختيار السيد الخميني تبعاً لأستاذه الشيخ عبد الكريم الحائري T، وهو مختار سيدنا الأستاذ السيد محمد سعيد الحكيم (دامت إفاداته) .
أما مستند (القول الأول)، فحاصله: إن العرف إنما يكون مرجعا في تعيين المفاهيم؛ لأن الألفاظ تنصرف إلى مفاهيمها العرفية بحسب ما ارتكز في أذهان أهل المحاورات، ولا يرجع إلى العرف في تشخيص المصاديق بعد تشخيص المفهوم، لأن العرف قد يتسامح في استعمال الألفاظ وإطلاقها على مالا يكون مصداقا لمعانيها الواقعية. نعم، قد يرى العرف توسّعاً في نفس المفهوم، فيكون الانطباق حينئذٍ من باب انطباق المفهوم الواسع، لا من باب المسامحة في التطبيق.
وقد تكرر هذا المعنى ببيانات مختلفة في كلمات الأعلام :
فقد ذكر المحقق الخراساني S في بحث المشتق - إن الصفات الجارية عليه تعالى يكون المبدأ فيها مغايراً له تعالى مفهوماً، وقائماً به عيناً، لكنه بنحو من القيام، لا بأن يكون هناك اثنينية، وكان ما بحذائه غير الذات، بل بنحو الاتحاد والعينية، وكان ما بحذائه عين الذات -: (وعدم اطلاع العرف على مثل هذا التلبس من الأمور الخفية لا يضر بصدقها عليه تعالى على نحو الحقيقة، إذا كان لها مفهوم صادق عليه تعالى حقيقة، ولو بتأمل وتعمّل من العقل. والعرف إنما يكون مرجعاً في تعيين المفاهيم، لا في تطبيقها على مصاديقها)(٢٧).
وفي مورد جواز اجتماع الأمر والنهي أفاد قائلاً: (إنه لا سبيل للعرف في الحكم بالجواز أو الامتناع، إلا طريق العقل، فلا معنى لهذا التفصيل إلا ما أشرنا إليه من النظر المسامحي غير المبتني على التدقيق والتحقيق، وأنت خبير بعدم العبرة به، بعد الاطلاع على خلافه بالنظر الدقيق)(٢٨).
وأفاد المحقق النائيني في وجه ذلك، بما حاصله: (لا عبرة بالمسامحات العرفية في شيء من الموارد، ولا يرجع إلى العرف في تشخيص المصاديق بعد تشخيص المفهوم، فقد يتسامح العرف في استعمال الألفاظ وإطلاقها على مالا يكون مصداقاً لمعانيها الواقعية، فإنه كثيراً ما يطلق لفظ "الكر" و "الفرسخ" و "الحقة" وغير ذلك من ألفاظ المقادير والأوزان على ما ينقص عن المقدار والوزن أو يزيد عنه بقليل. فالتعويل على العرف إنما يكون في باب المفاهيم، ولا أثر لنظر العرف في باب المصاديق، بل نظره إنما يكون متبعاً في مفهوم "الكر" و "الفرسخ" و "الحقة" ونحو ذلك، وأما تطبيق المفهوم على المصداق: فليس بيد العرف، بل هو يدور مدار الواقع، فان كان الشيء مصداقاً للمفهوم ينطبق عليه قهرا، وإن لم يكن مصداقاً له فلا يمكن أن ينطبق عليه، ولو فرض أن العرف يتسامح أو يخطئ في التطبيق، فلا يجوز التعويل على العرف في تطبيق المفهوم على المصداق مع العلم بخطئه أو مسامحته أو مع الشك فيه، بل لابد من العلم بكون الشيء مصداقا للمفهوم في مقام ترتيب الآثار)(٢٩).
وتابع السيد الخوئي أستاذه المحقق النائيني T في ذلك، فأفاد في معرض ردّه على صاحب العروة - الذي يرى عدم قدح الفصل اليسير من عروض الجنون آناً مّا في صدق كون المكلف في تمام الحول عاقلاً، فإنّه يطلق عليه لدى العرف أنّه عاقل في تمام الحول، فتشمله الإطلاقات- قائلاً:
(ولكنّه كما ترى في غاية الإشكال، لعدم ابتناء التحديدات الشرعيّة على المساهلات والمسامحات العرفيّة حسب ما هو مذكور في موارد كثيرة من الفقه، مثل: عدّة الوفاة والمسافة الشرعيّة والكرّ وأيّام الاعتكاف وأقلّ الحيض، ونحو ذلك ممّا لا يتسامح فيه بعد وضوح المفهوم، بل يراعَى كمال التدقيق في مقام التطبيق، لعدم الدليل على حجّيّة نظر العرف في هذه المرحلة. ومن ثمّ يحكم ببطلان العقد بل الحرمة الأبديّة مع العلم فيما لو تزوّجت قبل انقضاء العدّة ولو بساعة، وبانفعال ما نقص عن الكرّ ولو بغرفة، وبعدم التقصير فيما دون المسافة ولو بخطوة، وهكذا. مع ضرورة صدق تلك العناوين بالنظر العرفي، توسّعاً وتسامحاً منهم في مقام التطبيق، غير أنّه لم ينهض أيّ دليل على اتّباعه بعد اتّضاح حدود المفهوم من حيث السعة والضيق.
نعم، قد يرى العرف توسّعاً في نفس المفهوم، فيكون الانطباق حينئذٍ من باب انطباق المفهوم الواسع، لا من باب المسامحة في التطبيق، وهذا كما في مفهوم الحنطة والشعير، فإنّ العرف يرى سعة المفهوم وشموله للمشتمل على الخليط من ترابٍ ونحوه غير المنفكّ عنه في الخارج غالباً، ولا يخصّه بالخالص الذي هو فردٌ نادرٌ جدّاً.
ومن ثمّ كان المناط في النصاب بلوغ الخليط وإن كان الخالص بعد التصفية ناقصاً عنه، كما أنّه لو باع منّاً من الحنطة تحقّق التسليم بدفع المخلوط بالمقدار المتعارف )(٣٠).
وأفاد شيخنا الأستاذ الفياض (دامت إفاضاته) في سياق ذلك: (انه لا شبهة في أن المتبع في تعيين معاني الألفاظ وظهوراتها فيها ولو بملاحظة القرائن الحالية والمقامية والمناسبات الارتكازية هو النظر العرفي الواقعي دون المسامحي، فإنه ملغى في باب الألفاظ.
نعم التسامح انما يتصور من العرف في مقام التطبيق في باب المقادير والأوزان، كالكر والفرسخ والميل وحدّ الترخص والذراع والشبر وما شاكل ذلك، لأن العرف يطلق الكر على ماء يكون أقل منه بمثقال أو أكثر، مع انه لا يترتب عليه أحكام الكر)(٣١).
والحاصل: إن كلام المشهور صريح في عدم مرجعية العرف في باب تطبيق المصاديق.
وقد يتوهّم أن المشهور قد خالف مبناه في باب الاستصحاب وغيره حيث حكّم نظر العرف في تشخيص موضوع الاستصحاب ..
حيث تصدّى المحقق النائيني S لدفعه: (وما قرع سمعك: من اتباع نظر العرف في باب الاستصحاب وأخذ الموضوع منه، فليس المراد منه اتباع نظره المسامحي، بل المراد منه أن الاتحاد المعتبر بين القضية المشكوكة والقضية المتيقنة إنما يرجع فيه إلى العرف بحسب ما هو المرتكز في ذهنه من مناسبة الحكم والموضوع)(٣٢).
وبعبارة أوضح: إن التعويل على العرف في بقاء الموضوع في باب الاستصحاب ليس من التعويل عليه في مسامحاته وخطئه في التطبيق، بل الوظيفة في أمثال المقام هو التعويل على العرف ؛ لأنه يرى توسعاً في مفهوم الاتحاد المعتبر بين القضية المشكوكة والقضية المتيقنة، فيكون نظره هو المتبع .
والحاصل من هذا القول: إن المشهور في المفاهيم العرفية يلجؤن الى توسعة المفهوم بمناسبات الحكم والموضوع الارتكازية، وبالتالي يحكمون النظر العرفي تحت غطاء حجية مرجعية العرف في تشخيص المفاهيم من دون ارتكاب توسعة في دليل الحجية كما هو مبنى القول الآخر، وهذه هي النكتة الفارقة بينهم وبين مبنى غيرهم.
ويمكن تلخيص مستند أدلة القول الأول من مجموع كلامهم (قدّس الله أسرارهم) بما يلي:
١ - إنه لا يمكن التعويل على العرف في تطبيق المصاديق لتسامحه وخطئه، لأنهم يعدون الناقص كاملاً، ولا مسوّغ للأخذ بهذه المسامحة، فان الرجوع إلى العرف إنما هو لتعيين مفهوم اللفظ عند الشك فيه, أو في ضيقه وسعته مع العلم بأصله في الجملة، لأن موضوع الحجية هو الظهور العرفي، فالمرجع الوحيد في تعيين الظاهر هو العرف، سواء أكان الظهور من جهة الوضع أم من جهة القرينة المقالية والحالية أو المناسبات الارتكازية، ولا يجوز الرجوع إلى العرف والأخذ بمسامحاتهم بعد تعيين المفهوم وتشخيص الظهور اللفظي. والظاهر أن مستندهم في مرجعية العرف هو خصوص السيرة العقلائية (حجية الظهور) وهي دليل لبُي يقتصر فيه على مورد التفاهمات العرفية ،وأما تطبيق المفهوم على المصداق فليس بيد العرف، فلا بد من مداراة الواقع ومراعاة كمال التدقيق فيه.
٢- إنه لو تمّ التعويل على المسامحة العرفيّة لزم من ذلك قبول المسامحة في الأوزان والمقادير وهو مما لايمكن المساعدة عليه.
وقد يلاحظ على هذا القول، أولاً: إن العناوين المأخوذة في مواضيع الأحكام ليست على نمط واحد, بل هي مختلفة. فمنها الواقعي ومنها الاعتباري، ونظر العرف إنما لا يتبع في تنقيح المصداق - كما هو المدعى - إنما يختص بما له واقع محفوظ في نفسه يخطؤه العرف تارة ويصيبه أخرى، كالتحديدات الشرعيّة مثل المقادير والأوزان (كالكر والفرسخ والحقًة) وهي مما لا خلاف فيها بمراعاة النظر الدّقي لأن لها واقعاً محفوظاً في نفسه يمكن من خلاله كشف خطأ العرف ومسامحته. ولهذا فإن ما ساقه المشهور من الشواهد لخطأ العرف في تطبيق المصاديق هي أمثلة لمواضيع ومعانٍ واقعية، بل هي بخصوص المقادير والأوزان.
أما إذا لم تكن العناوين لها واقع محفوظ يصح الاتكال عليه في معرفة خطأ العرف، كالاعتباريات التي تختلف باختلاف الأنظار فليس الأمر كذلك، لعدم وجود الضابط والميزان في معرفة الخطأ والمسامحة، فلابد من تحكيم النظر العرفي الدقّي فيها دون المسامحي.
ويمكن الجواب عنه: بأن الوظيفة في أمثال الاعتباريات, بل حتى التكوينيات - غير المقادير والأوزان - هو التعويل على العرف في تحديد مفهومها بحسب ما هو المرتكز في ذهنه من مناسبات الحكم والموضوع، لأنه المنساق من الإطلاق في المحاورات العرفية ومنها الخطابات الشرعية، فحينئذ يرى العرف توسّعاً في نفس المفهوم، فيكون الانطباق حينئذٍ من باب انطباق المفهوم الواسع ،لأن نظره هو المتبع، كما هو الملاحظ في تطبيقات المشهور في موضوع الاستصحاب وغيره كمفهوم الحنطة والشعير والدم.
وإن شئت قلت: إن الاعتبارات العقلائية لها حدود معلومة, فإذا تسامح العرف في تطبيقها لم يؤخذ بها.
وقد يلاحظ عليه ثانياً: إن صحة الاستشهاد بالمسامحة العرفية في خصوص المقادير والأوزان من قبيل المسامحة الادعائية، وهي لا تنفع في المقام ؛ لأنها ليست حقيقية، بل هي مسامحات مجازية حتى عند العرف نفسه ؛ لأن الالفاظ في المقادير والأوزان موضوعة للحدّ المخصوص التام بشرط عدم الزيادة والنقصان، ولذا يصح ان يقال: إن هذا المقدار حقة تنقص مائة حبة، أو حقة ومائة حبة فيما لو زادت، وإطلاق الحقة عليها عند العرف من باب التسامح، أو من باب الخطأ في التطبيق ولا حجة للإطلاق العرفي في أمثال ذلك، فإنه يرجع اليه في تشخيص المفاهيم لا في إطلاقها التسامحي، بل إطلاقها التسامحي دليل المجازية إما في الإسناد، أو في الكلمة، ولعله: أي الأول، وهو المجاز في الإسناد يرجع إليه كثير من موارد الإطلاقات عند العرف التي يقال في مقام الجواب عنها: إنها من الخطأ في التطبيق.
والحاصل: إنه في مورد التسامح المدعى لا يصدق الاّ التسامح المجازي دون الحقيقي منه.
(القول الثاني): وهو عكس القول الأول حيث يرى سعة مرجعية العرف وأنها لاتقف عند حدود تشخيص المفاهيم بل تتعداه الى تطبيقاته. ومستندهم بذلك كما يظهر من صريح كلماتهم أن الأحكام المتعلقة بالعناوين تتعلق بها بلحاظ مصاديقها العرفية, لأن الشارع إنما يتكلم بلسان العرف وهو حين التكلم كأحد أفراد العرف يحمل كلامه على ما هو مصداق عند أهل العرف، لأنه بعد فرض كون القضية عملية وتوقف العمل بها على تطبيق العناوين المأخوذة فيها، وفرض عدم تعرضه لذلك، فالظاهر منه بمقتضى الإطلاقات المقامية إيكال تطبيقها للعرف المخاطبين بها بحسب ما يتيسر لهم, ويصلون إليه بالوجه المتعارف لهم.
ولنذكر بعض كلمات القائلين به :
قال السيد الخميني S : (ثم إن المراد بالعرف في مقابل العقل ليس هو العرف المسامح، حتى يكون المراد بالعقل العرف غير المسامح الدقيق، ضرورة أن الألفاظ كما أنها وضعت للمعاني النفس الأمرية تكون مستعملة فيها أيضا عند إلقاء الأحكام، فالكر والميل والفرسخ والدم والكلب وسائر الألفاظ المتداولة في إلقاء الأحكام الشرعية لا تكون مستعملة إلا في المعاني الواقعية الحقيقية، فالكر بحسب الوزن ألف ومائتا رطل عراقي من غير زيادة ونقيصة، لا الأعم منه وما يسامح العرف، وكذا الدم ليس إلا المادة السيالة في العروق التي تكون بها الحياة الحيوانية، لا الأعم منها وما يطلق عليه اسم الدم مسامحة، وليس التسامح العرفي في شيء من الموارد ميزاناً لا في تعيين المفاهيم، ولا في تشخيص المصاديق. بل المراد من الأخذ من العرف هو العرف مع دقته في تشخيص المفاهيم والمصاديق، وأن تشخيصه هو الميزان، مقابل تشخيص العقل الدقيق البرهاني.
مثلاً: لا شبهة في أن الدم عبارة عن المائع المعهود - الجاري في القلب والعروق، والمسفوح منه - موضوع للحكم بالنجاسة، وليس ما يتسامح فيه العرف ويطلق عليه الدم تسامحا موضوعاً لها، لكن العرف مع كمال دقته في تشخيص مصاديقه يحكم بأن اللون الباقي بعد غسل الثوب ليس بدم، بل هو لون الدم، لكن البرهان العقلي قام على امتناع انتقال العرض، فيحكم العقل لأجل ذلك بأن اللون هو الأجزاء الصغار من جوهر الدم. والكلب ليس عند العرف إلا الجثة الخارجية، والحياة من حالاتها، وميتة الكلب كلب عندهم حقيقة، وعند العقل البرهاني لما كانت شيئية الشيء بصورته، وصورة الكلب نفسه الحيوانية الخاصة به، فإذا فارقت جثته سلب منها اسم الكلب، وتكون الجثة جمادا واقعة تحت نوع آخر غير النوع الكلبي، بل يسلب عنها اسم جثة الكلب وبدنه أيضا، ويكون إطلاق بدن الكلب على الجثة المفارقة لها الروح مسامحة لدى العقل، كما هو المقرر في محله من العلوم العالية، مع أنها كلب لدى العرف حقيقة.
وبالجملة: ليس المراد من كون تشخيص المفاهيم ومصاديقها موكولاً إلى العرف هو التسامح العرفي، فالتسامح العرفي في مقابل الدقة العقلية البرهانية ،لا في مقابل دقة العرف. نعم: قد يكون بين المتكلم والمخاطب في عرف التخاطب وتعارف التكلم بعض المسامحات التي تكون مغفولاً عنها لديهم حال التكلم، ويحتاج التوجه إليها إلى زيادة نظر ودقة، ومع الدقة والنظرة الثانية يتوجه المتكلم والمخاطب إلى التسامح، ففي مثل ذلك يكون المعنى المتفاهم ابتداءً موضوعاً للحكم، فإذا قال المولى: " إذا قمت إلى الصلاة فول وجهك شطر المسجد الحرام " لا يفهم المخاطب من هذا الكلام إلا استقبال المسجد بالنحو المتعارف، وإن كانت الدقة العرفية أيضا تقتضي كونه أضيق مما هو المتفاهم عرفاً، فالمناط في أمثاله هو التفاهم العرفي، لا الدقة العقلية إن قلنا: بأن الميزان هو العرف.
ثم إنه لا إشكال: في أن الميزان في تشخيص جميع المفاهيم ومصاديقها وكيفية صدقها عليها هو العرف، لأن الشارع كواحد من العرف في المخاطبات والمحاورات، وليس له اصطلاح خاص، ولا طريقة خاصة في إلقاء الكلام إلى المخاطب، فكما يفهم أهل المحاورات من قول بعضهم: " اجتنب عن الدم " أو " اغسل ثوبك من البول " يفهم من قول الشارع أيضا، وليس مخاطبة الشارع مع الناس إلا كمخاطبة بعضهم بعضاً، فإذا قال: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) لا يكون المراد منه إلا الغسل بالنحو المتعارف، لا الغسل من الأعلى فالأعلى بنحو الدقة العقلية، فكما أن العرف محكم في تشخيص المفاهيم محكم في صدقها على المصاديق وتشخيص مصاديقها، فما ليس بمصداق عرفاً ليس بمصداق للموضوع المحكوم بالحكم الشرعي.
فما أفاده المحقق الخراساني: من أن تشخيص المصاديق ليس موكولاً إلى العرف, وتبعه غيره ليس على ما ينبغي، فالحق ما ذكرنا تبعاً لشيخنا العلامة(٣٣) أعلى الله مقامه)(٣٤).
وقريب منه ما أفاده سيدنا الأستاذ السيد محمد سعيد الحكيم (دامت افاداته) في المقام بما ملخصه:
(الأول: أن الشك في العنوان المأخوذ في القضايا الشرعية التي تقع، مورداً لعمل المكلف. تارة: يتعلق بمفهومه، كالشك في مفهوم الحج، والصلاة، والصعيد، والغناء. وأخرى: بتطبيقه مع وضوح مفهومه كالشك في تحقق البيع، والإقالة، والطلاق ببعض الألفاظ الخاصة. وفي كليهما إن أمكن الرجوع للشارع، لتعرضه للجهة المشكوك فيها فهو، وإلا كان مقتضى الإطلاقات المقامية الإيكال للعرف فيهما، لأنه بعد فرض كون القضية عملية وتوقف العمل بها على تطبيق العناوين المأخوذة فيها، وفرض عدم تعرضه لذلك، فالظاهر منه إيكال تطبيقها للعرف المخاطبين بها بحسب ما يتيسر لهم, ويصلون إليه بالوجه المتعارف لهم. وإرادة خلاف ذلك تحتاج إلى عناية وتنبيه ولا مجال للبناء عليها بدونه.
نعم، لابد من كون التطبيق حقيقياً بنظر العرف، ولا مجال للاكتفاء بتطبيقاتهم التسامحية المبنية على نحو من المجاز وإعمال العناية، لخروجها عن ظاهر الإطلاق، حيث لا يعوّلون عليها في خطاباتهم وأحكامهم وامتثالاتهم. ومن هنا أفتى الفقهاء بعدم التسامح في موارد التحديد، كالأوزان أو المسافات ونحوها. كما لا مجال للبناء على أن المعيار هي التطبيقات العقلية المبنية على البحث والتدقيق المغفول عنه عند العرف بحسب طبعهم المتعارف لهم، لخروجه عن مقتضى الإطلاق المقامي المشار إليه، لأن الغفلة المذكورة لا تمنع من التطبيق الحقيقي على خلاف التطبيق الدقي، بخلاف التسامح، فإن التطبيق معه مجازي.
ومن ثم لا إشكال ظاهراً في جواز امتثال التكليف بصاع الحنطة - مثلا - بما يكون منها مخلوطا بقليل من التراب أو التبن بالوجه المتعارف، وإن كان دون الصاع دقة، وكذا الحال في سائر موارد الاستهلاك. ولو فرض عدم تيسر تشخيص المفهوم أو المصداق للعرف لخفاء الحال عليهم في مورد لزم التوقف عن العمل بالدليل فيه, والرجوع لمقتضى الأصول والقواعد الأخر)(٣٥).
وما ذكر في هذا القول لا يخلو من إشكال كما نبه عليه سيدنا الأستاذ (دامت افاداته): (فإنه كيف يمكن الجمع بين عدم التصرف في المفهوم وبين كون الاطلاق على ما ينقص بمقدار قيراط واحد في المثال إطلاقاً حقيقياً, بل هو مسامحي قطعاً ولا عبرة به. وأما ما يلاحظ من اغتفار خلط غرام واحد من التراب في كيلو غرام من الحنطة فليس من جهة الأخذ بالمسامحة العرفية في مرحلة التطبيق بل من جهة ان العرف يرى توسعا في المفهوم نفسه, فيكون الانطباق حينئذ من قبيل انطباق المفهوم الواسع على مصاديقه الحقيقية من دون مسامحة)(٣٦).
وقد يرد - أيضاً- على ما ذكروا، أولاً: ان ما ذكر في مستندهم من حجية النظر العرفي في تطبيق المفهوم على المصداق بمقتضى الإطلاقات المقامية..
ففيه: إن عدم تقييده بمصداق مخصوص كاشف عن إمضاء جميع أفراد المؤثر واقعاً، لا أنه كاشف عن إرادة المؤثر بنظر العرف كما هو المدعى، ومع هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال.
وثانياً، قد يقال: إن مقتضى الإطلاق المقامي لا ينفع أكثر من إرجاع تحديد المفهوم الى العرف، لأن الشارع قاصد للعرف في خطاباته ومحاوراته وبه يحصل تمام غرضه، وأما بيان المصداق فلم يكن العرف داخلا في غرضه ولامعنى لتحكيم العرف فيه, لعدم إحاطة العرف بالخصوصيات الدقيقة في المصاديق، فقد يكون هناك مصداق لا يراه العرف مصداقاً لخفاء بعض الخصوصيات، وبالتالي فلا بد من مراعاة الدقة العقلية في التطبيق، فلا عبرة بعدم رؤيتهم بعد حكمهم بالمفهوم وحدوده.
وعلى فرض كون القضية عملية وتوقف العمل بها على تطبيق العناوين المأخوذة فيها, فإنه يمكن في مقام العمل الاقتصار على القدر المتيقن في حجية العرف في تشخيص المفاهيم واللجوء الى ارتكاب التوسعة في المفهوم بمقتضى مناسبات الحكم والموضوع، لأنها مسوقة بلحاظ الأنظار العرفية - كما هو مبنى المشهور - من دون الحاجة الى الإطلاق المقامي وارتكاب التوسعة في حجية العرف بما يشمل حال التطبيق.
وأما ما ذكره السيد الخميني S: من أن بقاء الأثر كاللون والريح وغيرهما يكشف عن بقاء العين لا محالة، لأن البرهان العقلي قام على امتناع انتقال العرض من معروضه، فيحكم العقل لأجل ذلك بأن اللون هو الأجزاء الصغار من جوهر الدم.
فقد أجيب عنه كما عن السيد الخوئي S (أولا): (بأن الأحكام الشرعية لا تبتني على التدقيقات الفلسفية, وإنما تدور مدار صدق العناوين المأخوذة في موضوعاتها عرفاً. وبما أن الأثر المتخلف من العين من قبيل الأعراض لدى العرف, والنجاسة مترتبة على عنوان الدم والعذرة ونحوهما ولا يصدق شيء من هذه العناوين على الأوصاف والأعراض, فلا يمكن الحكم بنجاسة الآثار المتخلفة في المحل.
و(ثانيا): (بأن كبرى استحالة انتقال العرض وإن كانت مسلمة إلا أنها غير منطبقة على المقام، لأن عروض الرائحة أو اللون أو غيرهما من آثار النجس على الثوب مثلاً, كما يحتمل أن يكون مستنداً إلى انتقال أجزاء ذلك النجس إلى الثوب لاستحالة انتقال العرض من دون معروضه، كذلك يحتمل أن يكون مستنداً إلى المجاورة، لأنها ربما تسبب استعداد الشيء للتأثر بآثار مجاورة, وهذا لا بمعنى انتقال أعراض ذلك النجس إليه, حتى يدفع باستحالته, بل بمعنى تأهل الشيء لأن يعرض عليه مثل ذلك العرض من الابتداء كما عرض على النجس، وهذا كما إذا جعلنا مقداراً قليلا من الميتة في حبّ من الماء فإن الماء يكتسب بذلك رائحة الجيفة إذا مضى عليه زمان، ولا يحتمل أن يكون ذلك مستنداً إلى انتقال أجزاء الجيفة إلى الماء، حيث أن الجيفة لقلتها لا يمكن أن تنتشر في تلك الكمية من الماء, فليس ذلك إلا من جهة تأهل الماء بالمجاورة لعروض الرائحة عليه من الابتداء، ويمكن مشاهدة ما ادعيناه بالعيان فيما إذا ألقينا كمية قليلة من اللبن على أكثر منها من الحليب لأنها تقلبه لبناً لا محالة من دون أن يكون ذلك مستنداً إلى انتشار الأجزاء اللبنية في الحليب, فلا وجه له سوى التأهل بالمجاورة)(٣٧).
وقد يجاب عنه كما عن المحقق الشيخ حسين الحلي S: (إن موضوع النجاسة وإن لم يتبدل إلاّ أنه جرت السيرة على الطهارة بمقدار هذا التبدّل والتغيّر، فيكون ذلك بمنزلة الدليل الدال على حصول الطهارة بسبب شرعي، فلاحظ وتأمل)(٣٨).
وثالثاً: إن نسبة القول للمشهور بالتزامه بتشخيص الموضوع بنظر العقل الدقيق البرهاني فقد ظهر أنها غير صحيحة، أولاً: لأن الأمثلة المذكورة ليست برهانية, أولم يقم البرهان عليها، فلاحظ.
وثانياً: ان المشهور ينفي ذلك- كما مرّ آنفاً - عن السيد الخوئي S. نعم هم أوجبوا في تعيينه مراعاة الواقع مع كمال الدّقة في التطبيق في قبال التسامح العرفي، والفرق بينهما واضح.
(توجيه .. وتعقيب)
أقول: لاشك في ما للسلوك العرفي من صلة وثيقة بالعقل، وقد دفعت هذه الصلة الفقهاء ورجال القانون الى الاعتقاد بوجود انسجام تام بين العرف والعقل بحيث لا يصدر عن العرف سلوك يخالف العقل ولذلك أطلق الأصوليون على العرف السيرة العقلائية لمماثلتها لدور العقل من حيث كونه يستهدف السلوك العقلائي العام بالبحث والتنقيب.
ومن جانب آخر فإن تأثر الفكر الأصولي بالمفاهيم الفلسفية واختلاط مصطلحاته بالمصطلحات الفلسفية - كما هو الملاحظ في الكتب الأصولية بصفة عامة- قد أدى الى اكتساب بعض المفردات والمركبات اللغوية مدلولاً جديداً، وهذا مما يؤدي الى اختلاط المعاني عند استنطاق النصوص والروايات..
فكان من أهم نتائج التأثير وقوع الخلط بين القوانين التكوينية والاعتبارية، واختلاط الأحكام العقلائية بالعقلية البرهانية، والعرفية بالعقلية.
ومنها المقام المبحوث عنه حيث يظهر أن سبب الاختلاف والتدافع بين القولين ليس اختلافا جوهريا, بل هو اختلاف ناشئ من ضبابية وتساهل في توظيف الاصطلاح ؛ وذلك لأن الجميع متفقون - كما هو ظاهر كلماتهم - على لزوم مراعاة الدّقة العرفية وعدم الإفراط أو التفريط في إحراز المصاديق, إلاّ أن طريقة بيانهم تختلف باختلاف المناسبات, وكذلك بحسب اختلاف رؤيتهم لمصطلح العقل, أو المسامحة العرفية المقصودين في محل النزاع. فالطرفان كما أنهما يتبرءان من المسامحة العرفية الساذجة، كذلك يتبرءان من التدقيقات الفلسفية البرهانية.
فالمشهور عندما يواجهون فكرة المسامحة المطلقة في التطبيق يردّونها بضرورة الالتزام بالدقة في تحصيل المصاديق، وكان نظرهم متوجهاً لنوع خاص من المسامحة وهي المسامحة في خصوص المحدّدات الشرعية كالمقادير والأوزان، وهي مما لا شبهة فيها من مراعاة كمال التدقيق في مرحلة التطبيق ،لأنها موضوعة للمفاهيم بشرط عدم الزيادة والنقصان.
وفي مقابل ذلك فإن القائلين بحجية العرف مطلقاً- أيضاً- يتبرؤن من المسامحة العرفية الساذجة ويؤكدون على أن النظر العرفي المعتبر هو النظر غير المبتني على المسامحة.
كما أنهم عندما يواجهون فكرة الدّقة البرهانية في التطبيق يردّونها بكفاية الاعتماد على العرف في تشخيص المصاديق.
وكل هذا يكشف عن مدى تساهل الأعلام في إطلاق المسامحة العرفية أو إطلاق الدّقة البرهانية، وعدم تحديد محور النزاع منهما، بل وعدم تبديلهما بكلمة أخرى تمنع من تداخل هذين المفهومين .
والحاصل: إن كلا القولين ناظر الى ضرورة إحراز المصاديق إحرازاً دقيّاً متعارفاً بعيداً عن المسامحة العرفية الساذجة والبراهين العقلية الفائقة.
وعلى ضوء ما تقدّم - من التقريب بين القولين - يمكن القول: إن قول المشهور فيه غنى وكفاية لشموليته من حيث الحجيّة, وهي مرجعية العرف في تعيين وتشخيص المفاهيم التي هي القدر المتيقن من الحجية، وكذلك من حيث مقام العمل فهم يردّون المفاهيم العرفية الواردة بلسان الشارع الى التوسعة المفهوميّة ببركة مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية، من دون الحاجة الى التشبث بتوسعة دليل الحجيّة تمسكاً بالإطلاق المقامي كما هو مبنى القول الآخر.
نتائج البحث
١- العرف عبارة عن كل ما اعتاده الناس وساروا عليه كقانون غير مدوّن من فعل شاع بينهم أو قول تعارفوا عليه. والعرف - على الإجمال - هو ما تعارف عليه الناس وجروا عليه وفق طباعهم أو عاداتهم أو إدراكهم للأشياء من غير أن يختصّ به شخص أو أشخاص معدودون، بل يكون ذلك ظاهرة نوعيّة واجتماعية باختلاف مستوياتها وعلى نحو العموم.
ويكون العرف بهذا المعنى ذا أصول ضاربة في نفوس تلك الفئة وفي أثر الغرائز والعادات والتلقيات التي تربّوا عليها. ومن ثمّ قد يعبّر عن العرف في كلمات المتأخرين بالارتكاز العرفي.
٢- يمكن أن يكون منشأ الارتكاز أحد الأمرين التاليين:
أولهما: الفطرة والغريزة، فهناك أمور فطرية وغريزية مركوزة.
ثانيهما: القوة التشريعية: فربما يحصل الارتكاز على أثر القوة التشريعية، كارتكاز المتشرعة التي منها مناسبات الحكم والموضوع التي يتداولها الفقهاء والأصوليون, فإنها من القرائن ذات الشعور المعمق بنوع الحكم المتوافق والمتناسب مع الموضوع. وهي القرينة اللبيّة التي ببركتها يمكن للفقيه من خلالها تعدية الحكم لغير مورد النص الذي ورد فيه بمقتضى الارتكاز، ويقصد به ما هو المرتكز عند خصوص الملتزمين بالمذهب والمتشرعين، كارتكاز مطلوبية استقبال القبلة حال النوم، ومذمومية حلق اللحية عندهم.
ومنه ارتكاز المسلمين: ويتحقق ذلك فيما إذا كان المرتكز عند المسلمين بما هم مسلمون مع غض النظر عن مذاهبهم الخاصة بهم، كارتكاز لزوم استقبال القبلة عند الصلاة عندهم.
٣- لا خلاف بين الأعلام في حجية العرف في الجملة سواء أكان متمثلاً بسيرة العقلاء أم بسيرة المتشرعة.
وأما حجية الارتكاز: فحكمها حكم السيرة من حيث الحجية، فإذا كان الارتكاز متصلا بزمان أحد المعصومين وكان بمرأى ومسمع منه ولم ينه عنه مع تمكنه منه يكون حجة، وإلاّ فالارتكاز الحاصل بعد زمان المعصومين لا يكون حجة إلا إذا أحرز رضاه بذلك بطريق ما، وهو بعيد عادة. وشأن الارتكاز شأن سائر الأدلة اللبية - كالإجماع والسيرة - من حيث إنها لا تدل إلا على القدر المتيقن، وليس فيها إطلاق.
٤- يمكن تقسيم المجالات العامة للتدخّل العرفي الى أربعة:
(المجال الأول) التشريع العرفي: والمراد به القوانين التي يبني عليها العرف ويأخذ بها وإليه يستند الأخذ بسيرة العقلاء.
(المجال الثاني) الاعتبار العرفي: والمراد به الانطباع العرفي في شؤون الأمور الاعتباريّة وملابساتها من قبيل تلقي العوارض المأخوذة في موضوع الحكم كحيثيات تعليليّة، كما بحث عنه في تحديد موضوع الاستصحاب.
(المجال الثالث) الفهم العرفي: والمراد به التلقي العرفي لأحد أمور ثلاثة:
(أ) التلقي للمفهوم الأفرادي للنص وهو ما يعبّر عنه بالمفهوم العرفي أو الحقيقة العرفيّة في مقابل الحقيقة اللغوية أو الشرعيّة.
(ب) التلقي لفهم النص بحسب مناسبات الحكم والموضوع وهو ما يعبّر عنه بالفهم العرفي.
(ج) التلقي من حيث تعامل الشارع الاجتماعي فيما يتكون في بيئة شرعيّة محاطة بتوجهات الشارع وإرشاداته، وهو ما يعبّر عنه بسيرة المتشرعة.
(المجال الرابع) النظر العرفي: والمراد به تشخيص العرف لمصاديق المفهوم العام وانطباعه في ما يدخل فيه ويخرج عنه.
٥- من المصطلحات الأكثر تداولاً بين الفقهاء والأصوليين هو قرينيّة مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية وهي القرينة اللبيّة التي ببركتها يمكن للفقيه من خلالها تعدية الحكم لغير مورد النص الذي ورد فيه بمقتضى الارتكاز، سواء أكان هذا الإرتكاز عقلائياً أم شرعياً أم متشرعيّاً.
والعبرة في هذا الارتكاز الشرعي (المتشرعي) ما يفهمه الفقهاء؛ لأن ملاك الاستظهار من الخطابات الشرعية فهم الفقهاءِ حسب ذوقهم العرفي، نظراً إلى قدرتهم على تحليل فهم أهل العرف, وتوجيه ملاك فهمهم وتشخيص سرّ ارتكاز المعنى المعيّن من الموضوع المأخوذ في الخطاب في أذهانهم. فلذا لا اعتبار بفهم أيّ فرد سوقي أو عاديّ من عوام الناس في الاستظهار من الخطابات وفهم موضوعات الأحكام الشرعية. فإنّ الفقيه هو الذي يفهم بذوقه العرفي الأحكام الشرعية للأنس بها ووقوفه على شدّة مناسبة ارتباطها بموضوعاتها وهو لا يتيّسر لغيره، وهذا واضح.
٦- هنالك نوع آخر من وسائل التعميم عند الفقهاء والأصوليين ينتمي الى مناسبات الحكم والموضوع يعبّر عنه بإلغاء الخصوصيّة لا يخرج عن إطار الفهم العرفي يمكن للفقيه أن يستعين به وبشكل مستقل لتعدية الحكم لمورد آخر دون الاعتماد على أدوات العموم المعروفة في الأصول كأدوات العموم أو الإطلاق اللفظي أو المقامي، بل هو عامل يساعد الفقيه وبمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية على إلغاء الخصوصية عن مورد النص.
٧- إن الكلام في مرجعية النظر العرفي في باب التطبيق يقع في موردين:
الأول: في الأمور الاعتبارية.
الثاني: في الأمور التكوينيّة.
أما المورد الأول: فالظاهر أنه لا ينبغي الإشكال في إمكان التعويل على النظر العرفي في تحقق مصداق المفهوم, إذا لم ينبّه الشارع على مخالفة نظره مع نظر العرف. والوجه فيه: أن النظر العرفي في الأمور الاعتبارية كالبيع ونحوه إنما هو ضرب من التقنين العرفي، وعليه فإذا رتّب الشارع أحكاماً على المفهوم من غير بيان خلافه في التقنين حول موارد تحققه مع العرف دلّ ذلك على إقرار القانون العرفي. ومن ثمّ ذكر جميع الأصوليين المتأخرين جواز التمسك بالإطلاق المقامي لـ[أحلّ الله البيع] بناءً على القول بالوضع للصحيح.
وقد نبّه على هذا المعنى - وهو ظهور الدليل في التعويل على النظر العرفي في الأمور الاعتبارية - غير واحد من الأصوليين.
٨- اختلف العلماء الأعلام في سعة دائرة مرجعية العرف من حيث شمولها لحالة تطبيق المصاديق وعدمها على قولين:
(القول الأول): مرجعية العرف في تعيين المفاهيم ،لا في تطبيقاته. وهو قول المشهور من محققي الأصول منهم المحقق الخراساني والمحقق النائيني والمحقق السيد الخوئي (قدّس الله أسرارهم)، وهو مختار شيخنا الأستاذ الشيخ الفياض (دامت إفاضاته). ومستندهم: إن العرف إنما يكون مرجعا في تعيين المفاهيم ؛ لأن الألفاظ تنصرف إلى مفاهيمها العرفية بحسب ما ارتكز في أذهان أهل المحاورات، ولا يرجع إلى العرف في تشخيص المصاديق بعد تشخيص المفهوم، لأن العرف قد يتسامح في استعمال الألفاظ وإطلاقها على مالا يكون مصداقا لمعانيها الواقعية. نعم، قد يرى العرف توسّعاً في نفس المفهوم، فيكون الانطباق حينئذٍ من باب انطباق المفهوم الواسع، لا من باب المسامحة في التطبيق .
(القول الثاني): مرجعية العرف مطلقاً تشخيصاً وتطبيقاً. وهو اختيار السيد الخميني تبعاً لأستاذه الشيخ عبد الكريم الحائري T، وهو مختار سيدنا الأستاذ السيد محمد سعيد الحكيم (دامت إفاداته). وهو عكس القول الأول حيث يرى سعة مرجعية العرف وأنها لاتقف عند حدود تشخيص المفاهيم بل تتعداه الى تطبيقاته. ومستندهم بذلك كما يظهر من صريح كلماتهم أن الأحكام المتعلقة بالعناوين تتعلق بها بلحاظ مصاديقها العرفية, لأن الشارع إنما يتكلم بلسان العرف وهو حين التكلم كأحد أفراد العرف يحمل كلامه على ما هو مصداق عند أهل العرف، لأنه بعد فرض كون القضية عملية وتوقف العمل بها على تطبيق العناوين المأخوذة فيها، وفرض عدم تعرضه لذلك، فالظاهر منه بمقتضى الإطلاقات المقامية إيكال تطبيقها للعرف المخاطبين بها بحسب ما يتيسر لهم ويصلون إليه بالوجه المتعارف لهم.
٩- الظاهر أن سبب الاختلاف والتدافع بين القولين ليس اختلافاً جوهرياً, بل هو اختلاف ناشىء من ضبابية وتساهل في توظيف الاصطلاح ؛ وذلك لأن الجميع متفقون - كما هو ظاهر كلماتهم - على لزوم مراعاة الدّقة العرفية وعدم الإفراط أو التفريط في إحراز المصاديق, إلا أن طريقة بيانهم تختلف باختلاف المناسبات وكذلك بحسب اختلاف رؤيتهم لمصطلح العقل أو المسامحة العرفية المقصودين في محل النزاع. فالطرفان كما أنهما يتبرءان من المسامحة العرفية الساذجة، كذلك يتبرءان من التدقيقات الفلسفية البرهانية.
وكل هذا يكشف عن مدى تساهل الأعلام في إطلاق المسامحة العرفية أو إطلاق الدّقة البرهانية، وعدم تحديد محور النزاع منهما، بل وعدم تبديلهما بكلمة أخرى تمنع من تداخل هذين المفهومين.
والحاصل: ان كلا القولين ناظر الى ضرورة إحراز المصاديق إحرازاً دقيّاً متعارفاً بعيداً عن المسامحة العرفية الساذجة والبراهين العقلية الفائقة.
١٠- يمكن القول: إن قول المشهور فيه غنى وكفاية عن القول الآخر لشموليته من حيث الحجيّة وهي مرجعية العرف في تعيين وتشخيص المفاهيم والتي هي القدر المتيقن من الحجية، وكذلك من حيث مقام العمل فهم يردّون المفاهيم العرفية الواردة بلسان الشارع الى التوسعة المفهوميّة ببركة مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية، من دون الحاجة الى التشبث بتوسعة دليل الحجيّة تمسكاً بالإطلاق المقامي كما هو مبنى القول الآخر.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين.
مصادر البحث
(١) علم الأصول, عبد الوهاب خلاف: ٩٩.
(٢) يلاحظ: الصحاح (٣/٨٨٠). لسان العرب (٥/٣). العين (٥/٣). تاج العروس (٨/٧١-٧٣). مجمع البحرين (٤/٢١-٢٢).
(٣) الاقتصاد: ٩.
(٤) المصدر السابق: ٦١.
(٥) روض الجنان: ٢٥٩.
(٦) فرائد الأصول (٢/٥٨٢).
(٧) فوائد الأصول (٣/١٩٢-١٩٣).
(٨) الأصول العامة للفقه المقارن: ٢٠١.
(٩) المصدر السابق : ٢٠٠.
(١٠) نهاية الدراية في شرح الكفاية (٣ /٢٧٧- ٢٧٨).
(١١) نهاية الأفكار ( ٤/١٠).
(١٢) أجود التقريرات (٢/٤٤٩).
(١٣) المباحث الأصولية (١٢/٤٠٤).
(١٤) أصول الفقه : المحقق الشيخ حسين الحلي S (١١/٩٣-٩٤).
(١٥) منتقى الأصول ( ٥/٢٨١-٢٨٢).
(١٦) لا يخفى ان مراده S بالمسامحة في ذلك ما يقابل النظر الدقيق العقلي وليس ما يقابل النظر الدقيق العرفي كما هو واضح بملاحظة سياقه .
(١٧) يلاحظ وسائل الإنجاب الصناعية: ١٣٢-١٣٣.
(١٨) لاحظ: تاج العروس (٤/٢٣٩). الصحاح (١/٤١٣).
(١٩) يلاحظ: الأصول العامة للفقه المقارن: ٣١٥ بتصرف .
(٢٠) الفوائد الحائرية: ١٤٧.
(٢١) الحدائق الناضرة (١ /٥٦).
(٢٢) يلاحظ: بحوث في شرح مناسك الحج (١/٤٧٥).
(٢٣) المقصود مقام البيع .
(٢٤) نهج الفقاهة: ٢٨ .
(٢٥) بحوث في علم الأصول (٦/١٩٣).
(٢٦) المصدر السابق (٥/٤٨٦).
(٢٧) كفاية الأصول: ٥٧.
(٢٨) المصدر السابق: ١٦٧.
(٢٩) فوائد الأصول ( ٤/٥٧٤).
(٣٠) المستند في شرح العروة الوثقى (٢٣/ ١٨ – ١٩).
(٣١) المباحث الأصولية (١٢/٤٠٥) بتصرف.
(٣٢) فوائد الأصول (٤/٤٩٥ ).
(٣٣) وهو الشيخ عبد الكريم الحائري S .
(٣٤) الاستصحاب, السيد الخميني S (٢١٨ – ٢٢٠).
(٣٥) المحكم في أصول الفقه (٥/ ١٠٤ – ١٠٥).
(٣٦) بحوث في شرح مناسك الحج (١٠/٥١٥).
(٣٧) كتاب الطهارة, السيد الخوئي S (٣/٧).
(٣٨) أصول الفقه, المحقق الشيخ حسين الحلي S (١١/٩٩).