حديث الحجب
الشيخ منذر الخزاعي (دام عزّه)
إذا كان النزاع في مسألة البراءة قد حُسم تقريباً لصالح القائلين بها, فإنَّ البحث لا زال جارٍ بينهم حول الدليل على ذلك, وإذا كانت بعض الأدلة عليها باتت شبه متفق عليها فإنَّ الكلام لا زال على أشدّه في البعض الآخر بين النافين والمثبتين له.
ومن الأدلّة التي وقع البحث في تماميتها (حديث الحجب), وفيما يأتي محاولة لتسليط الضوء على ما جرى من البحث حوله بين الأصوليين.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
مقدمة:
اختلفت كلمات الأصحاب حول حديث الحجب لفظاً وسنداً ودلالةً, فمنهم من رواه مشتملا على لفظة (علمه), ومنهم من رواه بدونها, وثالث رواه مزيدا في أوله (كل) وفي آخره (حتى يُعرّفهموه), كما أن منهم من ذهب إلى تماميته سنداً, وآخر عدّه ساقطا من حيث السند, وبعضهم ذهب إلى عَدِّه من أدلة البراءة, بل من خير ما يُستدل به عليها من الأخبار, وعدَّه بعض آخر أجنبيا عنها.
وعليه فالكلام يقع في مقامات ثلاث:
المقام الأول: في لفظ الحديث.
المقام الثاني: في سند الحديث.
المقام الثالث: في دلالة الحديث.
المقام الأول
(لفظ الحديث)
ورد الحديث في كتب الأصحاب الحديثية والفقهية والعقائدية بألفاظ ثلاث:
اللفظ الأول: ما رواه الصدوق S في توحيده, حيث قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار عن أبيه عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن فضال عن داود بن فرقد عن أبي الحسن زكريا بن يحيى عن أبي عبد الله g, أنَّه قال: (ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم)(١).
كما رواه بهذا اللفظ في اعتقاداته(٢) مرسلا عن أبي عبد الله g.
ونقله عنه بهذا اللفظ غير واحد من المتأخرين, منهم الفيض الكاشاني S في الأصول الأصيلة(٣), والحر العاملي S في الوسائل(٤) وفي الفصول المهمة في أصول الأئمة(٥).
كما نقله الحر العاملي S في فصوله أيضاً عن الكافي بهذا اللفظ بقرينة الحديثين السابقين عليه, فقد نقلهما عن الكليني S عن محمد بن يحيى, كما أنه بعد نقل حديث التوحيد في الوسائل, قال: (ورواه الكليني في الكافي عن محمد بن يحيى).
ولكن لم نجده بهذا اللفظ في ما راجعناه من نسخ الكافي المطبوعة والمخطوطة, كما لم ينبّه عليه محققوا الكافي في طبعته الأخيرة, وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.
وممن نقله عن التوحيد الفاضل التوني S في الوافية, حيث قال: (وذكر في باب التعريف والحجة والبيان: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن فضال عن داود بن فرقد عن أبي الحسن زكريا بن يحيى عن أبي عبد الله g)(٦).
وساق الحديث متضمنا لفظة (علمه) ولا شك أن في سند الحديث سقطا؛ لأن أحمد محمد بن يحيى العطار مضافاً إلى أنه لا يروي عن أحمد بن محمد بن عيسى مباشرة فقد روى هذا الحديث عن أبيه كما تقدم.
ثم أنه بعد أن نقل حديث التوحيد بلفظه المذكور قال: (وهذه الرواية في الكافي في باب حجج الله على خلقه) من غير تنبيه على اختلاف اللفظ.
اللفظ الثاني: ما رواه الكليني S في الكافي – غير مشتمل على لفظة (علمه)- عن محمد بن يحيى العطار أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن فضال عن داود بن فرقد عن أبي الحسن زكريا بن يحيى عن أبي عبد الله g, قال: (ما حجب الله عن العباد فهو موضوع عنهم)(٧).
اللفظ الثالث: ما رواه في تحف العقول مزيدا في صدره وذيله, ومجردا عن لفظة (علمه), عن الصادق g قال: (كل ما حجب الله عن العباد فهو موضوع عنهم حتى يُعرفهموه)(٨).
هذا ما عثرنا عليه من لفظ الحديث, والعمدة هما الصيغتان الأولى والثانية, لما في مصدر الصيغة الثالثة من إرسال، والبحث فيهما يقع في نقطتين:
الأولى: في أن ما نقلاه (قدهما) هل هو حديث واحد أم حديثان؟
الثانية: على تقدير كونهما حديثا واحدا, فهل حصلت زيادة في رواية التوحيد أم أن هناك سقطا في رواية الكافي ؟
النقطة الأولى: الظاهر أن اللفظين حديث واحد وذلك لوحدة السند ابتداء من محمد بن يحيى العطار إلى الإمام g، وتطابقُ الألفاظ تماما لولا لفظة (علمه), وعدم التنبيه من قبل نقلة الحديث على ذلك مع وصوله إليهم، ولم أقف على من قال إنهما حديثان إلا ما حكاه البعض(٩) عن ضوابط الأصول من غير أن يذكر وجهه, ولعله من جهة وجود لفظة (علمه) في أحدهما دون الأخر وليس ذلك مما يوجب القول بالتعدد مع جميع هذه القرائن.
النقطة الثانية: فلأجل ترجيح أحد الأحتمالين على الأخر لا بد أولاً من معرفة مصدر الخلل، والمقبول من الاحتمالات اثنان:
الأول: أن تكون لفظة (علمه) قد سقطت من قلم الشيخ الكليني S سهواً.
الثاني: أن تكون لفظة (علمه) قد أضافها الصدوق S أو شيخه أحمد بن محمد S غفلة, بناء على أنه أكثر من شيخ إجازه بل كان له أثر حقيقي في وصول الحديث الى الصدوق S كما سياتي.
وقد يقال بترجيح نقل الصدوق S على نقل الكليني S بناء على تقديم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة.
ولكن يمكن أن يقال: إن المقام ليس من موارد الأصل المذكور على ما يـتـحصـل من كـلمـات جـمـلـة من الأعـلام في مـوارد متفـرقة حتى لـو تـم الأصـل المذكور في نفسه.
وتوضيح ذلك:
أن من الأصول المقررة عند العقلاء أصالة عدم الغفلة في القول والفعل, بمعنى أن الأنسان إذا قال شيئا أو فعل شيئا فإنه لا يلتفت الى احتمال صدوره منه غفلة, بل يبنى على أن يكون قد قاله أو فعله عن قصد والتفات, ومنشأ هذا الأصل أن الغفلة والسهو في الفعل والقول خلاف طبيعة الإنسان، إذ الإنسان بطبعه يفعل ما يفعل عن التفات، ويقول ما يقول عن التفات، ولذا استقر البناء من العقلاء على عدم الإعتناء باحتمال الغفلة.
وهناك أصلان يرجعان الى هذا الأصل العام, وهما: أصالة عدم النقيصة, وأصالة عدم الزيادة في النقل, أو قل: أصالة عدم النقيصة غفلة, وأصالة عدم الزيادة غفلة, ومورد الأول احتمال وجود نقص في النقل دون احتمال الزيادة, ومورد الثاني احتمال وجود زيادة في النقل دون النقيصة.
ولكن قد يحصل أحيانا ورود كلا الاحتمالين - أي الزيادة أو النقيصة- في المنقول, وذلك إذا اختلف النقل في الزيادة والنقيصة مع وحدة المنقول بحيث يحرز خطا أحد النقلين وأن أحدهما هو الواقع دون الأخر, وقد ادعي التسالم على تقدم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة, فيُقدّم النقل المشتمل على الزيادة على الآخر.
والذي ينبغي أن يقال بعد كون الأصول المتقدمة أصول عقلائية لا تعبد فيها وإنما منشؤها نكتة ارتكازية, هي استبعاد الغفلة والسهو وغلبة الالتفات, فإن ما يُقدّم ينبغي أن يكون هو الأبعد وقوعا من جهة الغفلة عند العقلاء, فتكون العبرة بحصول الوثوق بأحد الطرفين, ولا عبرة بالأصل المذكور مع كون احتمال النقيصة معتدا به عند العقلاء.
وحصول الوثوق بعدم الزيادة يتوقف على أمور متعددة:
الأول: شخصية القضية المنقولة, فإنه تارة تحرز شخصية القضية المختلف في نقلها, وأخرى يحتمل التعدد, كما اذا كان أحد الكلامين صدر في قضية والأخر صدر في قضية أخرى ومورد الأصل هو الأول دون الثاني, فإنه لو لم تكن القضية واحدة أمكن أن يتعدد المروي, تارة مع الزيادة, وأخرى بدونها, كما ادعي ذلك في حديث (لا ضرر) على أساس أنه تكرر من الرسول e في أكثر من مناسبة, وحينئذ فلا تنافي بين ما يشتمل على الزيادة وما لا يشتمل عليها.
الثاني: أن لا تكون الزيادة جملة تامة, لا يؤثر حذفها على معنى الرواية وإنْ كان مؤثرا على عموم المعنى وشموله.
كما إذا كان الزائد بمثابة العلّة للمذكور, فإن ما اشتمل على العلّة والمُعلَّل لا ينافي ما اشتمل على المعلَّل وحده, ومثاله جملة (لا ضرر ولا ضرار) المعلَّل بها الحكم في قضية سمرة مثلا في بعض الروايات, فلا يكون حذفها مؤثرا على معنى بقية الرواية، لكنه مؤثر على عموم المعنى المعلَّل بها, ومن الواضح أنه لاتنافي بين ماتضمن ذكر العلّة والآخر الخالي عن ذكرها.
أو كانت الزيادة معنى إضافيا لا ربط له بالمعنى الأول, كما إذا قال المولى (يستحب في ليلة الجمعة زيارة الحسين g وقراءة دعاء كميل) فنقل شخص المقطع الأول دون أن يكون لكلامه إطلاق مقامي, ونقل الأخر تمام الكلام.
الثالث: أن لا يكون في المقام خصوصية تقضتي زيادة احتمال الغفلة من جهة الزيادة، لأن منشأ حجية هذين الأصلين في حد أنفسهما ليس تعبديا صرفا كما عرفت، بل هو من باب بناء العقلاء وأبعدية الغفلة من جهة الزيادة بالنسبة الى الغفلة من جهة النقيصة.
ومن الخصوصيات التي تقتضي ذلك ما يلي:
الأولى: أن تكون الزيادة من المعاني المأنوسة والأمور المألوفة لسبب ما, كارتكاز الأشباه والنظائر مما يقرب احتمال الوقوع في الغفلة، مثلا قد تكون زيادة (في الأسلام) في حديث (لا ضرر) بسبب ارتكازية نظائره نحو (لا رهبانية في الأسلام)، و(لا مناجشة في الأسلام)، و(لا اخصاء في الأسلام).
الثانية: أن تكون الزيادة من المعاني القريبة من الأذهان بحسب مناسبات الحكم والموضوع الأرتكازية، بحيث ينساق إليها الذهن عند التلقي ثم انعكاسها في مقام النقل فان مثل هذه الزيادة لا يكون احتمال خطأ الراوي في نقلها أبعد من احتمال خطأ الراوي الأخر في ترك نقلها.
الثالثة: تعدد الراوي من جانب النقيصة مع وحدة الراوي من جانب الزيادة، لأن غفلة المتعدد أبعد من غفلة الواحد, فلو حضر ثلاثة اشخاص مجلس الإمام g ونقلوا جميعا كلاما واحداً له, ولكن اثنين منهم نقلوه بلا زيادة والثالث نقله مع زيادة, فإن احتمال غفلة الإثنين عن النقيصة أبعد عن احتمال غفلة الواحد عن الزيادة.
وكذلك التعدد الطولي للنقل في جانب الزيادة, كما اذا حضر شخصان مجلس الإمام g ونقل أحدهما لنا مباشرة كلاماً للامام g بلا زيادة, ونقل لنا شخص عن آخر عمّن حضر ذلك المجلس الكلام نفسه مع الزيادة, فإن التعدد الطولي في النقل يزيد من احتمال الغفلة خلافا للنقل المباشر.
الرابعة: أن يكون أحد الراويين أضبط من الآخر المزيد, بحيث تكون غفلته أبعد من غفلة الآخر, مثلا المعروف أن الكليني S أضبط من الشيخ S في النقل, ومعه لا يحصل الوثوق بأصالة عدم الزيادة في نقل الشيخ لتقدّم على أصالة عدم النقيصة في نقله.
الخامسة: أن لا يكون النقل بالمعنى, إذ معه يحتمل أن تكون الزيادة عن عمد من الناقل تفصيلا للكلام, كما يحتمل أن تكون النقيصة إجمالاً من الآخر.
وبناء عليه نقول: إن احتمال الزيادة في نقل الصدوق S ليس بأبعد عن الغفلة من احتمال النقيصة في نقل الكليني S وذلك لاجتماع ثلاثة أُمور:
الأول: التعدد الطولي في النقل من جانب الزيادة يرفع من احتمال حصول الغفلة, فإن الكليني S نقل الحديث عن محمد بن يحيى العطار مباشرة, ونقله الصدوق S عنه بواسطة ابنه أحمد.
الثاني: أوثقية الكليني S على أساس ما عرف به من دقّة في النقل وضبط للأحاديث, قياسا بأحمد بن محمد بن يحيى الذي لم يعرف عنه ذلك, وإنْ قيل بوثاقته في نفسه, وقياسا بالصدوق S لما عرف عنه من قوة الحافظة التي لاشك في اعتماده عليها أحيانا, ولعل المورد منها.
الثالث: أن لفظة (علمه) نفسها تقوي احتمال ذلك فإنها مقتضى المناسبات, بل لعلها من دلالة الاقتضاء على أساس أن حجب الأحكام إنما يكون بحجب العلم بها, وحينئذ قد يكون الصدوقS قد ذكر هذا العنصر المقدّر في الكلام سهوا بسبب انعكاس انطباعه عن الحديث وفهمه له في مقام النقل والرواية.
هذا كله بناء على عدم ثبوت لفظة (علمه) في الكافي.
ولكن قد يقال باختلاف نسخ الكافي في ذلك, وتقريبه:
أن الفاضل التوني S قد نسب عين رواية التوحيد إلى الكافي, حيث قال في عبارته المتقدمة:
(وذكر - أي الصدوق S- في باب التعريف والبيان والحجة: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار عن أحمد بن محمد بن عيسى..) إلى أن قال – بعد ذكر تمام الرواية المتضمنة لفظة (علمه) –: (وهذه الرواية في الكافي باب حجج الله على خلقه) (١٠).
كما أن الحر العاملى S قال في الوسائل بعـد نقل حديث التوحيد (ورواه الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى..)(١١), وظاهر قوله (ورواه) أن رواية الكافي عين رواية التوحيد وإلاّ كان يقول (ونحوه) مثلا, بل قال في الفصول المهمة (٣- وعن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن فضال عن داود بن فرقد عن أبي الحسن زكريا بن يحيى عن أبي عبد الله g قال: (ما حجب الله علمه)(١٢).
علما أنه نقل الحديث الأول عن الكليني S عن محمد بن يحيى وغيره, ونقل الحديث الثاني عن الكليني S عن العطار مما يدل بوضوح على أنه بصدد نقل رواية الكافي محل الكلام.
والحاصل: أن كلام الفاضل التوني وصاحب الوسائل (قدهما) يدل بوضوح على ثبوت لفظة (علمه) في نسختي الكافي التي اعتمدا عليها، واحتمال أن يكون مقصود الفاضل التوني S وجود الحديث إجمالاً في الكافي أو أنه لم يلتفت الى خلوه من لفظة (علمه) إن تم فلا يتم في نقل صاحب الوسائل S بعد نقله له عن الكافي في اكثر من موضع من كتبه, بل صرح أن نقله عن الكافي بدون اللفظ المذكور غير صحيح كما في فوائده(١٣) في مقام الرد على من استدل بالحديث على البراءة الأصلية.
ولكن مع كل هذا فإن عدم نقل أحد غير العلمين اللفظ المذكور عن الكافي بما فيهم بعض معاصريهم كالمولى المازنداني في شرحه(١٤) والمولى رفيع الدين النائيني في حاشيته, وعدم وجود اللفظ المذكور في شيء من نسخ الكافي المتوفرة بأيدينا, مخطوطة ومطبوعة, كما لم ينبّه عليه في طبعة دار الحديث يوجب الوثوق بأن الصحيح ما في الكافي المطبوع.
والخلاصة من جميع ما ذكرناه: أن كلا من الكليني والصدوق (قدهما) نقلا حديثا واحدا, لا أكثر, وأن لفظة (علمه) ثابتة في النص على الأرجح لو ثبت اختلاف نسخ الكافي, وإلاّ فلا وثوق بثبوت اللفظ المذكور في متن الحديث.
المقام الثاني
(سند الحديث)
وأمّا من حيث السند, فرجال السند هم:
وهو محل بحث معروف, فمنهم من اعتمد عليه, ولعلَّه الأكثر على ما في المعجم(١٥), ومنهم من لم يعتمد عليه.
وقد يصحح الاعتماد على الحديث من جهته وإنْ لم تثبت وثاقته على أساس ما ذكره بعض أساتيذنا (دام عزه) في شرح (المسالة ١٤٣) من مناسك الحج في مقام تصحيح طريق الشيخ الى كتاب أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري, من أن: (أحمد بن محمد بن يحيى العطار وإن لم يوثّق في كتب الرجال, إلا أن الظاهر أنه كان من شيوخ الإجازة الذين ليس لهم دور حقيقي في نقل الروايات، وإنما دوره شكلي محض، لئلا تنقطع سلسلة الأسانيد, فلا يضرّ عدم إثبات وثاقته بالاعتماد على الرواية المنقولة عن طريقه).
وكلامه (دام عزه) في هذا الموضع وإن كان مطلقا, إلا أنه قال (دام عزه) في شرح (المسالة ٧٨) من المناسك - بعد أن نقل عن السيد بحر العلوم S كلاما في شيخوخة الإجازة بالنحو المتقدم - ما حاصله: أنه يمكن الاستغناء عن وثاقة شيخ الإجازة بشرطين:
الأول: أن لا يكون شيخ الإجازة صاحب كتاب يحتمل اشتماله على الأحاديث المروية, كما لو كان كتابه في العقيدة مثلا وروى أحاديث في الفروع عن صاحب كتاب, فإنه لايحتمل أن تكون تلك الأحاديث من كتابه هو.
الثاني: أن يكون أصل الكتاب بالإجازة مشهورا, ونسخه كثيرة التداول بحيث
يضعف احتمال الدس في النسخة الواصلة للراوي.
ولكنّ بين الموردين فرقاً واضحاً, فحتى لو تمَّ هذا الوجه في نفسه فإنّه لا ينفع في الاعتماد على روايات أحمد بن محمد بن يحيى العطار في ما نحن فيه ونظائره حتى مع مراعاة هذين الشرطين؛ وذلك لأن الرجل لم يكن مجرد شيخ إجازة بالنسبة الى الصدوق S بل كان له أثر حقيقي في وصول الرواية, توضيحه:
إن الصدوق S كثيرا ما يبدأ النقل عنه بقوله: (حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار), ومن ذلك الحديث المبحوث عنه, فقد تكرر منه قوله: (حدثني أحمد بن محمد بن يحيى العطار, قال: حدثني سعد بن عبد الله..) كما في التوحيد (ص١٢٣ و١٢٨ و١٤١ و٢٨٦) والأمالي (ص١٨٣ و١١٩ و١٥٨) وغيرها من الموارد, وقوله: (حدثني أحمد بن محمد بن يحيى العطار قال حدثني أبي) كما في التوحيد (ص٣٠٥ و٣٣٨), وهكذا في الأمالي (ص١٨٧ و٨٥) وفي كثير من الموارد الأخرى.
والتعبير المذكور ظاهر عرفا في السماع, والأكثر استعمالها عند أهل الفن في التلقي عنه بطريق السماع, بل عدّها بعضهم أقوى دلالة على ذلك من (سمعت) كما ذكره علماء الدراية(١٦).
بل إنَّ الصدوق S صرَّح بتلقيه عنه عن طريق السماع, حيث قال: ( قال مصنف هذا الكتاب J: قد روي هذا الخبر بغير هذا اللفظ إلا أن مسموعي ما قد ذكرته)(١٧), وهذا صريح في التلقي عن طريق السماع.
وحـيـنـئـذ يـكـون للـرجـل دور حـقيـقي في روايـات الصـدوق S, لا أن دوره شكلي محض, ولا أقل من الظن بذلك.
هذا من جهة.. ومن جهة اخرى لا يمكن أن نحرز أنّ الصدوق S في ما نحن فيه أخذ الحديث من كتاب مشهور كثير النسخ بحيث يضعف حصول الدس فيه مع أن جميع المذكورين في السند أصحاب كتب يحتمل ورود الحديث فيها, كنوادر محمد بن يحيى العطار, ونوادر أحمد بن محمد بن عيسى وتوحيده, وكتاب داوود بن فرقد الذي نجهل موضوعه.
فلا بد إذاً من البحث عن وثاقة الرجل, وعمدّة ما يستدل به على وثاقته ما اختاره (دام عزه) من أن الترضي من مثل الصدوق S على شخص آية الجلالة والوثاقة, حيث قال عند البحث عن وثاقة عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيشابوري العطار:
(والذي أراه تامّا منها – اي من طرق توثيقه – هو أن الصدوق x ترضى عليه في بعض المواضع من كتبه, واستعمال الترضي في كلمات القدماء كان مختصا بحق العظماء والأجلاء, وهو وإن كان بحسب مدلوله اللغوي دعاء ولكنه تحوّل الى لفظ تعظيم وتكريم في لسان المتشرعة, ونظير ذلك
لفظ (g) الذي لا يطلق عند عموم المسلمين إلا في حق النبي e, ولا يطلق عندنا إلا في حق الأئمة i ومن يدانيهم في الرتبة كالعباس g وبعض الشهداء وإن كانت بحسب المدلول اللغوي لا تحمل هذه الخصوصية)(١٨).
وقد ترضى الصدوق على أحمد بن محمد بن يحيى العطار في كثير من الموارد, منها عند نقل هذا الحديث عنه, ومنها في الفقيه (ج٤ ص٥٢٨) في طريقه الى أمية بن عمرو, وفي (ج٤ ص٥٠٨) في طريقه الى عمرو بن سعيد الساباطي(١٩).
على أن البحث عن وثاقة أحمد بن محمد بن يحيى يمكن الاستغناء عنه في ما نحن فيه بطريق الكليني S.
٢ - محمد بن يحيى العطار:
قال النجاشي: (محمد بن يحيى أبو جعفر العطار القمي شيخ أصحابنا في زمانه, ثقة, عين, كثير الحديث, له كتب, منها كتاب مقتل الحسين, وكتاب النوادر)(٢٠).
وقال الشيخ في الرجال في من لم يروِ عنهم: (محمد بن يحيى العطار روى عنه الكليني قمي كثير الرواية)(٢١).
٣ - أحمد بن محمد بن عيسى:
قال النجاشي: (.. وقال ابن نوح: .. أحمد بن محمد بن عيسى.. أبو جعفر رحمه الله شيخ القميين ووجههم وفقيههم غير مدافع .. وله كتب .. فمنها كتاب التوحيد, كتاب فضل النبي e, كتاب المتعة, كتاب النوادر - وكان غير مبوب فبوّبه داود بن كورة -, كتاب الناسخ والمنسوخ, كتاب الأظلة, كتاب المسوخ, كتاب فضائل العرب, قال ابن نوح: رايت له عند الدبيلي كتابا في الحج)(٢٢).
وقال الشيخ في أصحاب الرضا g: (أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمي, ثقة, له كتب)(٢٣).
وقال في الفهرست: (أحمد بن محمد بن عيسى .. وأبو جعفر هذا شيخ قم, ووجهها, وفقيهها, غير مدافع, وكان أيضاً الرئيس الذي يلقى السلطان بها, ولقي أبا الحسن الرضا g, وصنف كتبا, منها كتاب التوحيد, كتاب فضل النبي e, كتاب المتعة, كتاب النوادر - وكان غير مبوب فبوّبه داود بن كورة-, وكتاب الناسخ والمنسوخ)(٢٤).
٤ - ابن فضال:
وهو الحسن بن علي بن فضال, بقرينة رواية أحمد بن محمد بن عيسى عنه وروايته عن داود بن فرقد.
قال الشيخ في الفهرست: (كان جليل القدر, عظيم المنزلة, زاهدا, ورعاً, ثقة (في الحديث) في رواياته)(٢٥).
وقال في الرجال: (كوفي ثقة)(٢٦).
٥- داود بن فرقد:
قال عنه الشيخ في أصحاب الكاظم g: ( ثقة, له كتاب..)(٢٧).
وقال عنه النجاشي: (كوفي ثقة.. قال ابن فضال: داود, ثقة, ثقة, له كتاب)(٢٨).
٦- أبو الحسن زكريا بن يحيى:
وهذا الرجل هو نقطة الاشكال في سند الحديث, فهو مشترك بين عدَّة أشخاص من أصحاب الصادق g, ذكر الشيخ S أربعة منهم في من روى عنه g, هم(٢٩):
(٧٣- زكريا بن يحيى الكلابي الجعفري كوفي) و(٧٩- زكريا بن يحيى النهدي [في المعجم ج٨ ص٢٩٩: الهندي] مولاهم كوفي) و(٨٢- زكريا بن يحيى الحضرمي الكوفي أسند عنه) و(١٠٥- زكريا بن يحيى وكان يحيى نصرانيا).
وذكر النجاشي: (زكريا بن يحيى الواسطي)(٣٠).
هذا ولم يوثق من المذكورين إلا الأخير, فقد وثقه النجاشي قائلاً:
(زكريا بن يحيى الواسطي, ثقة, روى عن أبي عبد الله g, ذكره ابن نوح، له كتاب)(٣١).
ومن ثَمَّ فقد حكم غير واحد بضعف السند؛ لاشتراك الرجل بين الثقة وغيره.
ولكن وثقه صاحب جامع الرواة على أساس أنه الواسطي الثقة، إذ قال:
(زكريا بن يحيى الواسطي, ثقة, روى عن أبي عبد الله g, ذكره ابن نوح [صه. نجش] والذي في [ق] و[ست]: (زكار), وقد تقدم (مح)، له كتاب روى عنه: إبراهيم بن محمد بن إسماعيل [جش] [س]. داود بن فرقد عن أبي الحسن زكريا بن يحيى عن أبي عبد الله g في [في] في باب حجج الله على خلقه في أخر كتاب التوحيد. بكر بن صالح عن زكريا بن يحيى عن أبي الحسن g في باب الفقاع)(٣٢). إلا أنه لم يكشف عن سر ذلك.
كما لم يذكر السيد الشهيد S - الذي وصف سند الحديث بأنَّه تام(٣٣)- وجهاً لذلك, بعد ما عرفت من اشتراك العنوان, ولكن احتمل بعض أعلام تلامذته(٣٤) أنه على أساس انصراف (أبو الحسن زكريا بن يحيى) إلى زكريا بن يحيى التميمي أوالواسطي, وكلاهما ثقة, ثُمَّ ناقش فيه على أساس مانعية الكنية إذ لعل قول الراوي (ابو الحسن) لتمييزه من الواسطي والتميمي.
ولكن دعوى الانصراف – في نفسها- محل تأمل.
أما من جهة زكريا بن يحيى التميمي فممنوعة جداً؛ لأنه ليس من الرواة عن الصادق g أصلا, وإنما يروي عنه بوساطة مثل الحارث بن عمران(٣٥), وعبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله(٣٦), ويحيى بن العلاء البجلي(٣٧), ويوسف بن يعقوب(٣٨) بقرينة رواية ايراهيم بن سليمان الخزاز عن زكريا بن يحيى عن المذكورين في كتبهم وزكريا بن يحيى الذي يروي عنه ابراهيم بن سليمان الخزاز هو التميمي, كما صرح به النجاشي في ترجمة زكريا بن يحيى التميمي(٣٩).
فالرجل ممن لا يروي عنه g مباشرة, بل لم يرو عن أحد من الأئمة i مباشرة, فلا مقتضي للانصراف إليه في المقام كي يتمسك بمانعية الكنية.
وأما دعوى الانصراف إلى الواسطي فقد يتأمل فيها بأن الرجل ليس من أصحاب الإمام g المشهورين بالرواية عنه كي تتم دعوى الأنصرف, بل لعل الرجل ليس بمشهور اصلا, لا في الأسانيد, ولا في كتب الرجال.
أما في أسانيد الروايات فإنه لم تعهد له أيَّة رواية في ما وصل الينا عن الإمام الصادق g, وغاية ما يوهم ذلك موردان:
الأول: ما في الوسائل: (محمد بن يعقوب, عن عدة من أصحابنا, عن أحمد بن أبي عبد الله, عن محمد بن عيسى أو غيره, عن عبد الرحمن بن حماد, عن زكريا, عن أبي عبد الله g((٤٠).
ولكن الظاهر: أن في السند تصحيفاً, فإن ما في الكافي (عن عبد الرحمن, عن حماد بن زكريا, عن أبي عبد الله (g(٤١), وهو الموافق لما في المحاسن المطبوع, وإنْ كان الصحيح كما يظهر من متابعة أسانيد المحاسن (عن أبي عبد الرحمن عن حماد بن زكريا) فقد جاء فيه رواية أبي عبد الرحمن بن قتيبة بن مهران النخعي, عن حماد بن زكريا وعن أبي عبد الرحمن, عن حماد بن زكريا وعن قتيبة بن مهران, عن حماد بن زكريا(٤٢).
فالظاهر أن الراوي عن الإمام g هو حماد بن زكريا, والراوي عنه هو أبو عبد الرحمن قتيبة بن مهران النخعي, كما فصلّه صاحب المحاسن أولاً, ثُمَّ اكتفى بالكنية تارة, وبالاسم أخرى, كما يشهد له وحدة الراوي - وهو محمد بن عيسى اليقطيني أو غيره في الجميع – والمروي عنه, ولكن وقع الخلل تارة في الكافي إذْ ذكر: ( عن عبد الرحمن عن حماد بن زكريا), وأخرى في الوسائل إذْ ذكر: (عن عبد الرحمن بن حماد عن زكريا..), بل لعل الخلل حتى في المحاسن, حيث جاء فيه: (عن أبي عبد الرحمن بن قتيبة بن مهران النخعي عن حماد بن زكريا), في حين ذكر غير مرة: (عن محمد بن عيسى أو غيره عن قتيبة بن مهران عن حماد بن زكريا).
وكيف كان, فالظاهر أن الراوي عن الإمام g هو حماد بن زكريا.
الثاني: ما في الوسائل أيضاً(٤٣): (وعن محمد بن علي, عن أحمد بن الحسن الميثمي, عن زكريا, عن أبي عبد الله g, قال: عليكم بالسواك فإنه يجلو البصر).
ولا دلالة فيه على أنه الواسطي, كما لا يخفى.
وأما في كتب الرجال فلم يذكر (زكريا بن يحيى الواسطي) إلا ابن نوح, كما هو ظاهر عبارة النجاشي المتقدّمة, حيث قال:
(زكريا بن يحيى الواسطي, ثقة, روى عن أبي عبد الله g, ذكره ابن نوح).
إذْ يظهر أن النجاشي لم يعثر على من عدّه في أصحاب الصادق g غير شيخه ابن نوح, ولو كان الرجل مشهورا بحد يقتضي الإنصراف إليه لتكرر ذكره في كتب الرجال أو ارسل ارسال المسلمات, واما ما ذكره النجاشي بعد ذلك من أن له كتاباً وذكر طريقه اليه فهو لايقتضي أن يكون مشهوراً.
بقي شيء وهو أن صاحب جامع الرواة كما حكم باتحاد أبي الحسن زكريا بن يحيى مع الواسطي, حكم أيضاً بانه زكريا بن يحيى الذي يروي عنه بكر بن صالح, والظاهر انه زكريا بن يحيى الشعيري الراوي عن الحكم بن عيينة والذي روى عنه جميل بن دراج ولكن وقع فيه الكثير من التصحيف, تارة في اسمه, واخرى في لقبه, وثالثة في من يروي عنه, كما نبّه عليه السيد الخوئي S في المعجم(٤٤), وكيف كان فالرجل هو زكريا بن يحيى الشعيري.
وقد يقرّب ما ذكره في جامع الرواة من أنه أبو الحسن زكريا بن يحيى على أساس أن أحمد بن الحسن الميثمي قد روى عن زكريا عن عن ابي عبد الله g, كما في الحديث المتقدم عن الوسائل, كما روى عن أبي الحسن الشعيري في طريقه إلى الأصبغ بن نباتة, كما في توحيد الصدوق(٤٥), وزكريا بن يحيى الشعيري من طبقة أصحاب الصادق g, بقرينة روايته عن الحكم بن عيينه ورواية جميل بن دراج عنه كما في الفقيه(٤٦).
ولكن هذا الوجه لا يزيد على كونه احتمالاً لا سبيل الى الاطمئنان به.
المقام الثالث
(دلالة الحديث)
تقرب دلالة الحديث على البراءة عادة بأن حرمة (كذا) غير معلومة لنا, فهي محجوبة عنا, وما كان محجوبا عن العباد فهو موضوع عنهم, فيدل الحديث على نفي الكلفة ووجوب الاحتياط.
الأيراد على الاستدلال:
وقد أورِد على الاستدلال بالحديث على البراءة بما ذكره الشيخ الأنصاري S – وتبعه عليه غير واحد منهم المحقق الخراساني والمحقق النائيني والسيد الخوئي S في أحد تقريرات بحثه الشريف - ولفظه:
(إن الظاهر من (ما حجب الله علمه) ما لم يبيّنه للعباد, لا ما بيّنه واختفى عليهم بمعصية من عصى الله تعالى في كتمان الحق وستره, فالرواية مساوقة لما ورد عن مولانا أمير المؤمنين g: (إن الله حدّ حدودا فلا تعتدوها, وفرض فرائض فلا تعصوها, وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم)(٤٧).
وتوضيحه: أن ما يصدق عليه أنه محجوب عنا على ثلاثة أقسام:
الأول: ما اختص الله تعالى بعلمه, ولم يطلع عليه أحدا, حتى أنبيائه ورسله عليهم وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام.
الثاني: ما أوحاه تعالى الى نبيه e, ولكن لم يامره بتبليغه الى الناس.
الثالث: ما بلغه النبي e الى المؤمنين, ولكن خفي علينا بسبب ظلم الظالمين ونحوه.
ومقصود الشيخ S ومن تابعه أن الحديث ظاهر في القسم الأول وحده أو مع الثاني, وغير ناظر الى القسم الثالث, وحينئذ لا يكون في الحديث ما يدل على البراءة المتنازع عليها بين الأخباريين والأصوليين, فإن محل الكلام بينهم هي الأحكام المحجوبة بعد بيانها من النبي e وأوصيائه i بسبب ظلم الظالمين ونحوه, لا ما لم يؤمر ببيانه أصلا, وبحسب تعبير المحقق العراقي S: (مورد النزاع إنما هي الأحكام المجهولة التي نقطع بفعليتها على تقدير ثبوتها..)(٤٨).
ومنشأ الظهور المدعى في كلام الشيخ S ومن تابعه عدّة أمور:
الأمر الأول: ما نسبه بعض الأعلام S في المنتقى الى صاحب الكفاية S من دعوى عدم صحة نسبة الحجب الصادر من العباد ظلماً وعدواناً إليه تعالى ثبوتا, قال: (أحدهما: ما أشار إليه صاحب الكفاية S من أن الجهل بالحكم بالنحو الثاني – أي ما كان حكما فعليا بلغ إلى الناس ولكنه خفي علينا بسبب ظلم الظالمين ونحوه – لم يكن سبب خفائه الله تعالى إذ هو أمر بتبليغه وقد بلغ وإنما نشأ من إخفاء الظالمين للأحكام ومنعهم من انتشارها وتدليس المدلسين وغير ذلك من الأسباب الخارجية, بخلاف الجهل بالنحو الأول فانه ناشىء من عدم أمر الله تعالى بتبليغه وبيانه. وعليه فلا يصح نسبة الحجب إلى الله سبحانه بلحاظ النحو الثاني, ويصح بلحاظ النحو الأول من الأحكام)(٤٩).
وقد أجاب عنه S بقوله: (أما إذا كان سبب الخفاء هو الفعل الاختياري للعبد فتصح نسبته إلى الله تعالى بلحاظ ما هو المذهب الحق من الالتزام بالأمر بين الأمرين, فإن الفعل الصادر من العبد كما تكون له نسبة إلى العبد تكون له نسبة إلى الله سبحانه بملاحظة أن بيده وجود العبد, كما حقق في محله)(٥٠).
وما ذكره في الجواب واضح لو كان التقريب بالنحو المذكور, ولكن في نسبة هذا الوجه إلى المحقق الخراساني S تأمل, وذلك لأنّ عبارته المنظورة هي قوله: (ربما يشكل – على الاستدلال بالحديث على البراءة – بمنع ظهوره في وضع ما لا يعلم من التكليف بدعوى ظهوره في خصوص ما تعلقت عنايته –تعالى- بمنع إطلاع العباد عليه لعدم أمره رسله بتبليغه حيث إنه بدونه لما صح إسناد الحجب إليه)(٥١).
والظاهر أن مراده بقوله (لما صح إسناد الحجب) هو عدم صحة إسناده إليه تعالى عرفا بلا قرينة على أن الإسناد بنحو المجاز.
وبتعبير آخر: أن كلام صاحب الكفاية في مقام التمسك بقرينة اثباتية, لا ثبوتية, وأن الممنوع حينئذ هو صحة الأستعمال عرفا, وإلاّ لو كان مراده عدم صحة نسبة خفاء ما اختفى من الأحكام بسبب الظلم والعصيان ونحوهما إليه تعالى عقلا لتمسك بالقرينة القطعية - أي عدم صحة النسبة - على منع ظهور الحديث في ما يدل على البراءة, لا الاستناد إلى (دعوى ظهوره في خصوص ما تعلقت عنايته تعالى بمنع إطلاع العباد عليه), مضافا إلى أنه من البعيد تمسك مثل الأخوند S بمثل هذا الوجه بعد وضوح موقف الإمامية اعزهم الله تبعاً للأئمة i من مسألة نسبة أفعال العباد إلى الله c.
فالظاهر أن مقصوده S هو عين الوجه الرابع الآتي.
الأمر الثاني: ما يمكـن أن يقال من أن ظاهر ذيل رواية تحف العقول (حتى يعّرفهموه) نظر الحديث إلى ما لم يبين من الأحكام, وتقريبه:
أن المتفاهم العرفي من تعريفه تعالى لأحكامه بحسب المرتكز من طريقة المشرع في بيان أحكامه والمعروف من سنته في إبلاغ مراده لخلقه هو ما كان بواسطة أنبيائه وأوصيائه صلوات الله عليهم, وكون التعريف بأمره تعالى لرسله وأوصيائه بالبيان والتعريف, ومقتضى ذلك أن الحكم المغيى هو ما لم يؤمر الرسول وأوصيائه صلوات الله عليهم ببيانه وإبلاغه إلى الناس, لا ما خفي علينا بعد البيان.
والجواب عنه ظاهر بعد سقوط الحديث باللفظ المذكور سندا.
الأمر الثالث: ما يظهر من أجوبة جملة من الأعلام(٥٢) من ظهور الجمع المعرف (العباد) في العموم المجموعي أو العموم الأستغراقي, مما يعني نظر الحديث إلى الأحكام المحجوبة عن مجموع العباد أو جميعهم, وما ذلك إلا الأحكام التي لم تبيّن لهم؛ لأن الأحكام التي حجبت بعد بيانها غير محجوبة عن مجموع العباد أو جميعهم فيكون الحديث ظاهر في ما ذكره الشيخ S.
وقد أجاب عنه السيد الخميني S بأن:
(الظاهر من حجب العلم عن العباد ليس هو الحجب عن مجموع المكلفين أو جميعهم على وجه الاستغراق, بل الظاهر: إن كل من كان محجوبا عن الحكم فهو موضوع عنه ولو كان معلوما لغيره)(٥٣).
وبعبارة اخرى: أن الظاهر أن العموم انحلالي راجع الى وضع التكليف عن كل من حجب عنه.
أقول: أمـا ظهور الجمع المعـرف بالأداة في العمـوم المجموعي فهو بعيد في نفسـه وذلك لما تقرر في محله من مباحث الألفاظ من أن الجمع المعرف بالأداة ظاهر في العموم الاستغراقي لأفراد الطبيعة, كما بنى عليه S في مباحث الألفاظ.
واما العموم الانحلالي فهوفرع دلالة الحديث على البراءة, وليس قرينة على تلك الدلالة ولا أقل من عدم ظهوره بغير قرينة.
وأما ظهوره في العموم الاستغراقي فهو مقتضى ما ذكروه في مباحث الألفاظ, ولا سبيل الى رفع اليد عنه إلا بقرينة.
الأمر الرابع: أن ظاهر الإسناد اليه تعالى عرفا هو صدور الحجب منه بأمره وإرادته, قال في المنتقى:
(الوجه الأخر: أنه وإن صحّ نسبة الحجب إليه تعالى, لكن الظاهر العرفي من إسناد الحجب إليه تعالى هو إرادة ما إذا كان الإخفاء بأمره, إذ لا يسند الحجب إليه عرفا إذا كان الإخفاء على خلاف أمره, بل كان بواسطة الظلم المحرم المبغوض إليه)(٥٤).
وهذا الوجه هو العمدة في انكار دلالة الحديث على البراءة, لذا اعتنى بالجواب عنه جملة من الأعلام, والجواب عنه يكون جوابا عن الوجه الثاني أيضاً, ويمكن تقسيم هذه الأجوبة على قسمين:
القسم الأول: ما يعترف في الجملة بنظر الحديث إلى الأحكام التي لم يؤمَر بإبلاغها إلى الناس.
القسم الثاني: ما ينكر ذلك مشددا على نظر الحديث إلى الأحكام المبلغة فعلا ثم خفيت.
القسم الأول من الأجوبة: ويمكن أن تُصنّف تحت هذا القسم ثلاث محاولات:
المحاولة الأولى: ما ذكره المحقق العراقي S بقوله:
(إن ما أفيد من عدم فعلية الأحكام مع السكوت عنها إنما يتم في فرض السكوت عنها بقول مطلق حتى من جهة الوحي الى النبي e, وأما في فرض إظهارها النبي e بتوسيط خطابه ووحيه فيمكن دعوى كونها من الأحكام الفعلية, إذ لا نعني بالحكم الفعلي إلا ما تعلقت الإرادة الأزلية بحفظه من قبل خطابه, حيث إنه يستكشف من تعلّق الإرادة بإيجاد الخطاب فعليةالارادة بالنسبة إلى مظمون الخطاب ولو مع القطع بعدم إبلاغ النبي e إياه إلى العباد إما لعدم كونه مأمورا بإبلاغه أو من جهة اقتضاء بعض المصالح لإخفائه).
إلى أن قال S بعد دفع ما قد يوهم عدم فعلية هذا النحو من الأحكام:
(وحينئذ بعد كفاية هذا المقدار في فعلية الخطاب نقول: إن رواية الحجب وإن لم تشمل هذا النحو من التكاليف المجهولة التي كان السبب في خفائها معصية من عصى الله تعالى ولكن بعد شمول إطلاقها إلى الأحكام الواصلة إلى النبي e بتوسيط خطابه إليه التي لم يؤمر من قبله سبحانه بإبلاغها إلى العباد بملاحظة صدق إسناد الحجب فيها إليه سبحانه يمكن التعدي إلى غيرها من الأحكام المجهولة التي كان سبب حفائها الأمور الخارجية بمقتضى عدم الفصل بينهما بعد صدق التكليف الفعلي على مضامين الخطابات المنزلة على النبي e ولو مع عدم الأمر بإبلاغها إلى العباد) (٥٥).
ويمكن تلخيص جوابه S في نقطتين:
النقطة الأولى: إن الأحكام التي تظهر للنبي e بتوسيط الوحي والخطاب من الأحكام الفعلية شأنها شان الأحكام المبلغة وإن لم يؤمر بإبلاغها إلى الناس, وليست أحكاما إنشائية محضة.
النقطة الثانية: إن الحديث وان كان ناظرا إلى الأحكام المنزلة التي لم يؤمر ببيانها, إلا أنه يمكن تعديته إلى الأحكام المجهولة- بعد بيانها- بسبب الأمور الخارجية, وذلك بمقتضى عدم الفصل بين هذين النحوين من الأحكام بعد صدق التكليف الفعلي على كل منهما.
ويمكن المناقشة في النقطة الثانية من كلامه S وذلك بأن يقال:
إن كون الأحكام التي تظهر للنبي e بتوسيط الوحي والخطاب من الأحكام الفعلية شأنها شأن الأحكام المبلغة, ولا موجب للفصل بين هذين النحوين من الأحكام بعد صدق التكليف الفعلي على كل منهما إنما يتم لو كان عنوان الحكم الفعلي مأخوذا في لسان الدليل أو أن نلتزم بأن درجة الإرادة من حيث الشدة والضعف فيهماعلى حد واحد.
ولا سبيل إلى أيٍ منهما, أما الأول فواضح, وأما الثاني فلأن الإرادة المتعلقة بمضامين الخطابات المبلغة إلى النبي e التي لم يؤمر ببيانها للناس قد لا ترقى إلى درجة الإرادة المتعلقة بالتكاليف المبلغة إلى الناس, وذلك لاحتمال أن يكون عدم الأمر بالتبليغ لضعف المقتضي وعدم تمامية الملاك في تلك الأحكام وبلوغ المصلحة الكامنة فيها الدرجة المفروضه في الأحكام الألزامية – كما احتمله هو S - مما يوجب ضعفا في الإرادة المتعلقة بها.
بل احتمال ضعف الإرادة واردٌ حتى لو كان عدم الأمر بالتبليغ لأجل وجود المانع, كعدم توفر الظروف الموضوعية المناسبة لنشر تلك الأحكام وإبلاغها إلى الناس حتى على تقدير كون إرادته لها ورغبته فيها من حيث هي لا تقل عن إرادته ورغبته في الأحكام المبلغة, فإن الإرادة الحكيمة المنزهة عن الانفعالات النفسية ونحوها لا تكون على مستوى واحد في ظرف وجود المانع وعدمه, إذ قد يرغب شخص في شيء من حيث هو تمام الرغبة ولكن رغبته تقل وتضعف إذا لاحظه في ظرف معين أو وضع معين، فقد يرغب الأب في أن يجدّ ولده في دراسته كي يبلغ أعلى المراتب كما أنه يرغب في أن يزور أرحامه ويتواصل مع أصدقائه وتكون كلتا الرغبتين من حيث هما عنده بالدرجة نفسها, إلا أنه تضعف إرادته المتعلقة بزيارة أرحامه وأصدقائه عندما يلاحظ ما يقتضيه تحقيق رغبته هذه من جهد نفسي وجسدي من قبل ولده حال اشتغاله بالدراسة فتضعف رغبته فيها.
وهذا التفاوت المحتمل – في الأقل – في قوة الإرادة وضعفها يوجب فرقا بين هذين النحوين من الأحكام – المبلغة وتلك التي لم يؤمر ببيانها - بما يسوّغ الفصل بينهما وعدم جر الموقف من أحدهما إلى الأخر, فقد لا يرضى المشرّع بتفويت المصلحة الكامنة في الأحكام المبلغة للناس عند الشك بها لسبب أو لآخر في حين يتساهل في ما لم يبلّغ لهم أصلا.
المحاولة الثانية: ما ذكره السيد الخوئي S في المصباح بعد أن التزم بورود الإشكال في الدراسات إذ قال:
(وهذا الإشكال أيضاً مدفوع: بأن الموجب لخفاء الأحكام التي بيّنها الله تعالى بلسان نبيه e وأوصيائه i وان كان هو الظالمين, إلا انه تعالى قادر على بيانها بأن يأمر المهدي g بالظهور وبيان تلك الأحكام فحيث لم يأمره بالبيان لحكمة لا يعلمها إلا هو صح إسناد الحجب إليه تعالى, هذا في الشبهات الحكمية، وكذلك الحال في الشبهات الموضوعية, فإن الله تعالى قادر على إعطاء مقدمات العلم الوجداني لعباده, فمع عدم الإعطاء صح إسناد الحجب إليه تعالى)(٥٦).
ويمكن المناقشة في ما ذكره S من وجوه:
الوجه الأول: أن ما ذكره S من أن عدم أمر المهدي g بالظهور وعدم إعطاء مقدمات العلم الوجداني يصحح إسناد الحجب إليه تعالى لو تم فإنما يتم في مقام تصحيح إسناد الحجب إليه تعالى, ولكنك عرفت أن المهم هو ظهور نسبة الحجب إليه تعالى عرفا في صدوره منه بإرادته وأمره, كما في تقريبه هو S للإشكال في الدراسات إذْ قال: (فان المراد مما حجب الله علمه على ما هو ظاهر إسناد الحجب إلى الله خصوص ما لم يبيّن من الأحكام)(٥٧).
ولكن يمكن أن يقال: إن مقصوده S أن ما ذكره يكفي في صدق الحجب المنسوب إليه تعالى عرفاً على ما نحن فيه.
الوجه الثاني: إن ما ذكره S من عدم الأمر بالظهور والبيان وعدم إعطاء مقدمات العلم الوجداني لو كان يكفي مسوغا لنسبة الحجب إليه تعالى عرفا لساغ كذلك أن ننسب اليه كل مظلمة وهتك حرمة لقدرته على رفع الظلم وصون الحرمات ولكنه لم يفعل, مع ما يثيره هذا الكلام من حزازة واستهجان لدى العرف, فكيف يصح نسبة الحجب الصادر من العصاة والظلمة إليه سبحانه في نظر العرف؟!
الوجه الثالث: أن مقصوده S بقضية ظهور الإمام g إن كان هو الظهور الكبير لإقامة دولة العدل والحق فهو رهن بشروطه الخاصة التي قد لا تكون متوفرة في هذا الزمان, وإن كان مقصوده منها ظهوره لبعض الأصحاب ليظهره على ما خفي من أحكام فإنّه قد يكون مزاحما بمصلحة أهم تمنع منه, وقد يكون ما روي عن آخر السفراء –رض – من أنه من ادعى المشاهدة فهو كذّاب تعبيرا عنها.
وعلى كلا التقديرين فإن عدم أمره بالظهور يكون لوجود المانع, ومعه لا يصح نسبة الحجب الصادر من الظلمة إليه تعالى عرفاً؛ لعدم إمكان الأمر بالظهور والبيان, فإن من الواضح أن من يمنعه مانع من رفع حيف لا ينسب اليه ذلك الحيف عرفا.
المحاولة الثالثة: ما قد يقال من الاستدلال بالحديث على البراءة مع التسليم في الجملة بما ذكروه من ظهور الحديث في النظر إلى الأحكام الإنشائية, وتوضيحه بذكر مقدمتين:
المقدمة الأولى: إن نسبة الحجب إلى الله تعالى ظاهرة عرفا في صدوره منه بأمره وإرادته, ويقع تحت هذا العنوان أحكام عدَّة:
الأول: الأحكام التي أنزلت على النبي e ولكن لم يؤمَر ببيانها مطلقاً.
الثاني: الأحكام التي قام النبي e ببيانها إلى الناس على نحو الإجمال لحكمة اقتضته.
الثالث: الأحكام التي قام e ببيانها للناس ولكنها خفيت علينا بسبب آفة سماوية أو ارضية.
الرابع: الأحكام التي بلّغها e للمسلمين ولكنها خفيت علينا بسبب توهمات الرواة الثقات أو اشتباههم.
فهذه الأحكام جميعا مما يجوز نسبة حجبها إلى الله تعالى, أما الثلاثة الأولى فواضح, وأما الأخير فلأن الخفاء فيه كان نتيجة أمره تعالى بالأخذ بخبر الثقة فتامل!
المقدمة الثانية: أن نتمسك بقرينة مناسبات الحكم والموضوع لإدخال الأحكام محل الكلام, بأن يقال من مناسبة الحكم والموضوع يفهم أن الحجب لا بتقصير من المكلف بل بأمر غير اختياري يكون تمام الموضوع لرفع الحكم.
القسم الثاني من الأجوبة: ويمكن أن تُصنّف تحت هذا القسم عدَّة محاولات:
المحاولة الأولى: ما ذكره السيد الخميني S من أن ظاهر الحديث النظر إلى الأحكام المجعولة دون الأحكام الإنشائية بقرينة قوله g (موضوع عنهم):
(الظاهر في أن الموضوع حكم مجعول وفعلي قبل الوضع عنهم).
وتأتي مناقشة هذه الدعوى في جواب المحقق الروحاني S.
والمهم في المقام ما ذكره S في آخر كلامه بقوله: (مع أن نسبة مطلق الأفعال إلى الله تعالى قد شاعت في الكتاب والسنة بحيث صارت من المجازات الراجحة التي كأنه لا يعد ارتكابها مخالفة بنظر العرف فلا تصادم الظهورات الأخر)(٥٨).
ويمكن مناقشة ما ذكره S بوجهين:
الوجه الأول: إن دعوى بلوغ نسبة مطلق الأفعال إلى الله تعالى حدّ المجاز المشهور لو تمت فإنما تتم في مثل أفعال الخير والصلاح مما أمر الله تعالى به أو أحرز رضاه بها, لا في مثل أفعال الظلم و العصيان التي منها اخفاء أحكام الله تعالى وكتمانها.
وإن شئت فاعتبر بما يثيره نسبة المعاصي الى الله تعالى من حزازة واستهجان قد يشعر المؤمن معها إلى الحاجة إلى الأستغفار والتوبة وما ذلك إلا لشعوره الوجداني بصدورها منه تعالى عند نسبتها إليه.
الوجه الثاني: إن كان مقصوده بما ذكره S من بلوغ تلك النسبة حدّ المجاز المشهور بلوغها ذلك في زماننا هذا او ما يقرب منه فإنه لا يجدي نفعا, إذ العبرة بدلالات الألفاظ وظهوراتها في زمان النص, وان كان مقصوده بلوغها ذلك في زمان النص – كما هو الظاهر - فهو ممنوع بشهادة الروايات الحاكية لسؤال البعض عن نسبة التوفي إلى الله تعالى تارة, والى غيره أخرى, كما في قوله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها}(٥٩), وقوله تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم}(٦٠), وقوله تعالى: {الذين تتوفاهم الملائكة}(٦١), فلو كانت نسبة الأفعال مطلقا إلى الله تعالى قد بلغت حدّ المجاز المشهور بحيث لا يعد ارتكابها خلاف الظاهر لما وقع السؤال عنها إلى حدّ توهم البعض وقوع الاختلاف في القرآن, كما توهمه ذلك الزنديق(٦٢) حتى جاء يحاجج به أمير المؤمنين g, مع أن الرجل من أهل زمان النص, وكان يسعى لإثبات بطلان عقيد الكثرة من المسلمين وهم أهل اللسان والمحاورة وجاء يناظر زعيمهم فلا شك أنه كان يشعر باستناده إلى حجة قوية.
كما وقع السؤال عن هذه الأيات في زمان الإمام الصادق g, وهو زمان حديث الحجب, مما يكشف عن أن الأمر لم يبلغ هذا الحدّ في ذلك الزمان, قال في الفقيه:
(وسئل الصادق g عن قول الله a: {الله يتوفى الأنفس حين موتها}(٦٣), وعن قول الله a: {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم}(٦٤), وعن قول الله a: {توفته رسلنا}(٦٥), وعن قول الله a: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة}(٦٦), وقد يموت في الساعة الواحدة في جميع الآفاق ما لا يحصيه إلا الله a فكيف هذا ؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى جعل لملك الموت أعوانا من الملائكة يقبضون الأرواح بنزلة صاحب الشرطة له أعوانا من الأنس يبعثهم في حوائجه فتتوفاهم الملائكة ويتوفاهم ملك الموت من الملائكة مع ما يقبض هو, ويتوفاهم الله c من الملائكة)(٦٧).
فالسائل ذكر أمرين:
أحدهما: نسبة التوفي (تارة) إلى الله تعالى, (وأخرى) إلى غيره.
ثانيهما: كثرة المتوفين بما لا يحصيه إلا الله c مما يوجب استغراب تصدي غير الله تعالى لقبض الأرواح.
وقد أجابه g عن كلا الأمرين بجواب واحد, ولو لم يكن منظوره ما ذكرناه لم يكن لذكر الأيات دخل في السؤال, بل كان يكفي ذكر آية نسبة التوفي إلى ملك الموت وتفريع السؤال عليها ومحل الشاهد هو الأمر الأول.
وبالجملة: إن تكرر السؤال عن هذه الآيات واعتناء الأئمة i بالجواب عليها, وتقريب الفكرة إلى حدّ الاستعانة بوسائل الإيضاح كالتمثيل, يكشف عن أن نسبة الأفعال إلى الله تعالى ظاهرة عرفا في صدورها منه سبحانه حتى في ذلك الزمان.
المحاولة الثانية: ما ذكره المحقق العراقي S(٦٨), وقرّبه السيد الشهيد S: بأن الحديث ظاهر في نسبة الحجب الى الله تعالى بما هو خالق, لا بما هو مشرّع, والحجب المنسوب إليه تعالى بما هو كذلك يصدق على الحجب الصادر من العباد تمردا وعصيانا, ومنشأ هذا الظهور أمران:
الأول: دعوى ظهور لفظ الجلالة في التركيز على صفة الخالقية دون صفة المشرّعية والحاكمية.
الثاني: ان الحجب الصادر من الله تعالى بما هو مشرع لا مجال لتوهم المسؤلية تجاهه كي يخبر الإمام g بانه موضوع عن العباد فأن إخباره حينئذ يكون مستهجنا عرفا, وانه من قبيل الأخبار بثبوت أحد الضدين لانتفاء الآخر وهذا بنفسه يبعد احتمال ملاحظته تعالى بما هو مشرع.
قال S: (والصحيح في دفع الشبهة أن الحجب اذا أضيف الى الله تعالى بما هو خالق لا بما هو مولى مشرع يكون صادقا على عدم الوصول الى المكلف؛ لأن الأحتجاب عنه أيضاً مضاف اليه بما هو خالق كل شيء, بل يشمل على هذا حتى الشبهات الموضوعية؛ لأن حجب الموضوع أيضاً يضاف إليه بما هو خالق، ويمكن تعيين أن المضاف اليه هو ذلك, تارة بدعوى ظهور اسم الجلالة فيه, وأخرى باعتبار أن ارادة حجب الشارع بما هو شارع في نفسه غير مناسب مع سياق الحديث, إذ ما يكون الشارع نفسه في مقام إخفائه من التكاليف لا يكون في معرض توهم مسؤلية العباد عنها ويكون عرفا مناقضا مع فرض المسؤلية والإدانة فيكون مفاد الحديث على هذا كأنه الأخبار عن ثبوت الضد بانتفاء الآخر وهو مستهجن عرفا, وهذا بنفسه يبعد هذا الأحتمال ويعيّن أن تكون الإضافة اليه بما هو خالق) (٦٩).
ويمكن المناقشة في ما ذكره S من جهات:
الأولى: أن ما ذكره S من ظهور الحديث في نسبة الحجب اليه تعالى بما هو خالق, لا بما هو مشرع, لا يحل المشكلة, إذ لنا أن نقول:
هب أن الحجب أسند اليه تعالى بما هو كذلك, ولكن هل يقتضي ذلك ظهور إسناد الحجب اليه في صدوره منه بإرادته واختياره المباشرين أم أنه يكون ظاهرا في الحجب الصادر بتوسط ارادة العباد واختيارهم؟ إذ المدعى ظهور الأسناد في الأول دون الثاني.
وبعبارة أخرى: إنا نمنع صدق الحجب المسند اليه تعالى -حتى بما هو خالق- على الحجب الصادر من العباد إلا بنحوالمجاز, ولا قرينة عليه.
الثانية: إن دعوى ظهور لفظ الجلالة في الخالق دون المشرع غير واضحة, لا لغة, ولا عرفا:
اما لغة: فإن هذا الاسم الشريف علم على الذات المقدسة الجامعة لجميع صفات الجلال والكمال.
واما عرفا: فإن ظهوره في صفة معينة من صفات الذات المقدسة منوط بالمناسبات والقرائن الحافة بالكلام, فظهوره في التركيز على صفة الخالقية -مثلاً– في قوله تعالى: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحيكم ثم اليه ترجعون}(٧٠) لقرينة الحديث عن الموت والحياة والكفر والإيمان, وظهوره في التركيز على صفة المشرعية في قوله تعالى: {الذين ينقضون عهد الله بعد ميثاقه ويقطعون ما امر الله به أن يوصل}(٧١) لقرينة الحديث عن العهد والأمر المرتبطين
بصفة التشريع, ولا نشعر بالفرق بين الموردين.
وهكذا فإن هذا الاسم الشريف ظاهر في صفة الرحمة إذا جاء في سياق الحديث عنها, وفي صفة الشدّة إذا جاء في سياق الحديث عنها, وفي صفة القدرة إذا جاء في سياق الحديث عنها.. الخ, ولا يكاد يكون له ظهور عرفا في صفة معينة.
نعم, قد يكون كذلك بنحو الاستئناس الخارج عن حاق اللفظ.
الثالثة: أن ما ذكره S من أنه لا موهم للمسؤلية تجاه هذا النحو من الأحكام, وبالتالي يعد الإخبار بوضعها عن العباد تناقضا عرفا, يمكن جوابه نقضا وحلا:
أما نقضا: فبأن هذا الحديث ليس وحيدا في بابه – أي النظر الى الأحكام غير المبلغة – إذ يقف الى جانبه جملة احاديث من طرق العامة والخاصة لا اشكال في دلالتها على المدعى.
فممـا ورد من طـرق الخاصـة مرسـلة الفقيـه والعـوالي وعيون الحكم والمواعظ عن أمير المؤمنين g من أن الله تعالى ( سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم)(٧٢).
وقريب منه لفظا ما في النهج (وسكت لكم عن أشياء لم يدعها نسيانا فلا تتكلفوها)(٧٣).
ونحوه ما في أمالي المفيد S بسنده عن أمير المؤمنين g, قال: (قال رسول الله e إن الله تعالى حدّ حدودا فلا تعتدوها, وفرض عليكم فرائض فلا تضيعوها, وسن لكم سننا فاتبعوها, وحرّم عليكم حرمات فلا تنتهكوها, وعفا لكم عن أشياء رحمة منه لكم من غير نسيان فلا تتكلفوها)(٧٤).
ومرسلة القطب الراوندي S عن الصادق g, قال: (قال علي g: إن الله حدّ حدودا فلا تعتدوها وفرض فرائض فلا تنقضوها وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا لها فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها)(٧٥).
ومن هذا الباب مرسلة الشيخ S في الخلاف (وروي عنهم i: اسكتوا عما سكت الله)(٧٦) ومثلها مرسلة السرائر(٧٧).
ومن هذا الباب قول أبي جعفر الثاني g في رواية ابن الحريش: (لا يحلّ لك أن تسأل عن هذا).
وأما من طرق العامة فروايات كثيرة, نذكر منها رواية سلمان (رض), قال: (سئل رسول الله e عن السمن والجبن والفراء فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرّم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنكم)(٧٨).
ورواية أبي الدرداء (قال سمعت رسول الله e يقول: إن الله افترض فرائض فلا تضيعوها, وحدّ حدودا فلا تعتدوها, وسكت عن كثير من غير نسيان فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم)(٧٩).
وفي روايته الأخرى (ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها, وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تتكلفوها رحمة من الله لكــم)(٨٠).
وقريبة منها رواية ابي ثعلبة, قال (قال رسول الله e: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحدّ حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها)(٨١).
وكثرة هذه الروايات من طرق الفريقين مرسلة ومسندة مع تقارب ألفاظها مما يوجب الاطمئنان بصدور بعضها, فلا مجال لأن يقال إن روايات الأصحاب أكثرها مرسلة وروايات العامة لا يعتمد عليها.
وعليه كيف يمكن أن يقال: إن الأخبار بوضع هذه الأحكام يعد تناقضا عرفا.
وأما حلّاً: فبأحد وجهين:
الأول: أن يحمل الحديث على ما حملت عليه تلك الروايات من النظر إلى البراءة الأصلية, أو يكون الحديث واردا للنهي عن الاشتغال بالبحث عن أمور
القضاء والقدر التي شاعت بين المسلمين في تلك الفترة, فهو على حد ما روي عن أمير المؤمنين g (هذه غرة شعبان وشعب خيراته: الصلاة، والصوم، والزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، والقرابات، والجيران، وإصلاح ذات البين، والصدقة على الفقراء والمساكين، تتكلفون ما قد وضع عنكم، وما قد نهيتم عن الخوض فيه، من كشف سرائر الله، التي من فتش عنها كان من الهالكين)(٨٢).
الثاني: أن يقال لا يبعد حصول توهم المؤاخذة على هذا النحو من الأحكام فعلا, بسبب ما ذكرته بعض المدارس الفكرية من صحة معاقبة المطيع وإخلاده في النار, وإثابة العاصي وإخلاده في الجنة, فكيف بمن يخالف هذه الأحكام خصوصا إذا كان عدم بيانها بسبب وجود المانع, فلعل ما ذكره g دفعا لهكذا توهمات.
المحاولة الثالثة: ما ذكره بعض الأعلام S في المنتقى, من ظهور بعض فقرات الحديث في النظر الى الأحكام الفعلية بدرجة توجب رفع اليد عن ظهور إسناد الحجب اليه تعالى في النظر إلى الأحكام الإنشائية, وذلك لقرينتين:
الأولى: أن الحجب في الحديث تعلق بالعلم الظاهر في أن المحجوب له نحو تقرر وثبوت في الواقع, وما ذلك إلا الحكم الفعلي.
الثانية: أن قوله g (موضوع عنهم) مقابل للوضع عليهم, فلا يجري إلا في الأحكام القابلة للجعل عليهم وتكليفهم بها. والحكم الإنشائي لا يقبل الجعل على المكلّفين حال حجبه وعدم العلم به بإيجاب الاحتياط تجاهه, بل هو لا يقبل الجعل على المكلّفين حتى على تقدير العلم به كما أنه لا موهم لذلك, وحينئذ لا يصح أن يقال عنه (موضوع عنه) وهذا بخلاف الحكم الفعلي فإنه قابل لأن يجعل عليهم حال الشك به عن طريق إيجاب الاحتياط تجاهه.
قال S: (ولكن يمكن أن ينحل الأشكال بأن ظاهر قوله g (ما حجب الله علمه) هو ثبوت الحكم في نفسه في الواقع, إذ الحجب متعلق بالعلم به, فإنه ظاهر في أن الحكم له تقرر وثبوت في الواقع, فيراد من الموصول هو الحكم الثابت المجهول.
كما أن ظاهر قوله g (فهو موضوع عنهم) أنه في مقابل الوضع عليهم, وحينئذ يختص بالأحكام التي تكون قابلة للوضع على العباد, فوضعها الله تعالى عنهم إرفاقا بهم.
والحكم القابل للوضع على العباد هو الحكم الفعلي الصادر المبيّن لبعض الناس وإن خفي علينا بعد ذلك, فإنه قابل للوضع الظاهري في حال الجهل به بإيجاب الاحتياط، أما الحكم الإنشائي المختص بعلم الله تعالى أو مع علم النبي e والأئمة i الذي لم يبيّن لأحد لمصلحة تقتضي ذلك فليس هذا بقابل للوضع على العباد ليرفع عنهم ولا موهم لوضعه عليهم بعد فرض عدم تبليغه وبيانه لقصور في مقتضيه أو غير ذلك, ولذا لو تعلّق العلم به فرضاً لا يجب امتثاله وطاعته, بل قد لا يسمى حكما لدى العرف, فلا يكون الكلام لديهم ظاهرا في كونه هو المنظور به.
ومع هذا الظهور لا مجال لدعوى الظهور السابق – أي ظهور إسناد الحجب إليه تعالى في صدوره منه – الذي أريد به دفع دلالة الحديث على البراءة)(٨٣).
ويمكن المناقشة في كلا القرينتين اللتين ذكرهما S:
أما القرينة الأولى: فبأن يقال إن ما اوحاه الله تعالى الى نبيه e له أيضاً نحو تقرر وثبوت في نفسه, فقد أنزل على الرسول e وأبلغه إلى الأئمة i, فما الفرق بينه وبين ما بلّغ للناس ليكون للأخير نحو تقرر وثبوت يصحح التعبير عن اخفائه بحجب علمه دونه, وانكار التقرر للحكم الإنشائي – كما هو مبناه S- غير ضائر في ما نحن فيه, فإن مدعاه عدم مناسبة التعبير بحجب العلم.
هذا فضلا عن عدم ثبوت لفظة (علمه) في الحديث كما تقدم عند البحث عن لفظ الحديث, ولكن يمكن أن يقال: إن التعبير بالحجب وحده كاف في إفادة مراده كما هو ظاهر.
وأما القرينة الثانية: فلعل الأصل فيها ما ذكره المحقق العراقي S بقوله:
(مع إمكان دعوى شمول الموصول في (ما حجب الله) للأحكام المبينة عن النبي e أو الوصي g المجهولة بسبب الأمور الخارجية).
الى أن قال: (كما يؤيده لفظ (موضوع عنهم) الظاهر في وضع الأحكام الفعلية عند الجهل بها عن العباد بعدم إيجاب الاحتياط في ظرف الجهل)(٨٤).
ولكن المؤيد الذي ذكره S يختص بالأحكام المبيّنة دون الأحكام غير المبيّنة, ومعه لا وجه لدعوى التعميم على تقدير تمامية هذا المؤيد.
ولعله من أجل ذلك عدل من جاء بعده عن دعوى الشمول الى دعوى الأختصاص بالأحكام الفعلية المجعولة على المكلفين, قال السيد الخميني S:
(كما أن الظاهر من قوله (موضوع عنهم) أن الحكم المجعول بحسب الواقع موضوع عن الجاهل)(٨٥),من دون أن يقرّب وجه الظهور, كما فعل السيد الروحاني S.
وأيّاً كان فقد يناقش ما ذكره صاحب المنتقى S بوجوه:
الوجه الأول: أن يقال بمنع دعوى اختصاص صيغة (موضـوع عنهم) برفع مـا كان قابلا للجعل, قال في نهاية الدراية - بعد ان ذكر الوجه المذكور بعنوان (إن قلت)- : (قلت: ليس الوضع بمعنى الرفع بل الوضع بمعنى الجعل والأثبات، فان تعدى بحرف الأستعلاء كان المراد منه جعل شئ على شئ واثباته عليه، وان تعدى بحرف المجاوزة كان المراد صرفه عنه إلى جانب، فقد يكون ثابتا حقيقة فصرفه عنه يكون مساوقا للرفع، وقد لا يكون ثابتا بل مقتضيه ثابت فيتمحض في الصرف والجعل عنه إلى جانب، فإذا كان مقتضى جعل الحكم مقتضيا لاثباته على العباد ولكن مصلحة التسهيل أو مصلحة أخرى منعت من أمره بتبليغه وتعريفه فقد صرف عنهم وجعل عنهم إلى جانب..)(٨٦).
وحاصل مراده أن هذا التعبير كما يحتمل أن يكون بمعنى الرفع يحتمل أن يكون بمعنى الصرف, ولا مرجح لأحدهما على الآخر و يشهد لما ذكره S استعمال صيغة (موضوع عنهم) ونحوها في التعبير عن عدم التكليف بما لا يطاق, وهو مما لا يقبل الجعل كما في خبر محمد بن علي الحلبي عن الصادق g, قال: (ما أمر العباد إلا بدون سعتهم, فكل شي أمر الناس بأخذه فهم متسعون له, وما لا يتسعون له فهو موضوع عنهم, ولكن الناس لا خير فيهم)(٨٧), على ما استظهره صاحب الحاشية على المعالم. ونحوه في تفسير العياشي [عن الحلبي] عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم, عن أبي جعفر وأبي عبد الله h.
ومرسل تحف العقول عن الحسين g: (قال g: ما أخذ الله طاقة أحد إلا وضع عنه طاعته، ولا أخذ قدرته إلا وضع عنه كلفته)(٨٨).
ولكن يمكن أن يقال إن المتفاهم العرفي من الوضع المتعدي بحرف التجاوز هو ما يساوق الرفع المقتضي للثبوت والأستقرار في رتبة سابقة, غايته أن الثبوت تارة يكون ثبوتا حقيقيا شرعا اوعرفا, وحينئذ يكون استعمال الصيغة المذكورة ونظائرها بلا عناية, كما في الكثير من نصوص الكتاب والسنة كقوله تعالى: {ويضع عنكم اصركم والأغلال}, وقوله تعالى: {ووضعنا عنك وزرك}, وكما في خطبة الزهر عليها السلام: (ثم قبض الله نبيه e قبض رأفة واختيار، رغبة بأبي e عن هذه الدار، موضوع عنه العبء والأوزار)(٨٩),والكثير من النصوص الأخرى.
وتارة يكون الأستعمال بنحو من العناية لثبوت مقتضي الجعل مثلاً كما في قضية الجواد g مع يحيى بن أكثم, حيث قال: (وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء وفي العمد عليه المآثم، وهو موضوع عنه في الخطأ)(٩٠), أو لتوهم الثبوت كما في كلام أمير المؤمنين g: (هذه غرة شعبان وشعب خيراته: الصلاة، والصوم، والزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، والقرابات، والجيران، وإصلاح ذات البين، والصدقة على الفقراء والمساكين، تتكلفون ما قد وضع عنكم، وما قد نهيتم عن الخوض فيه، من كشف سرائر الله، التي من فتش عنها كان من الهالكين)(٩١), ونحو ذلك من المناسبات.
وأما الخبران المذكوران فالظاهر أن الأول ناظر الى قاعدة نفي الحرج بقرينة الأية التي عقّب بها g، (وقال: وما أمروا إلا بدون سعتهم، وكل شئ أمر الناس به فهم يسعون له، وكل شئ لا يسعون له فهو موضوع عنهم، ولكن أكثر الناس لا خير فيهم)، ثم قال: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله (فوضع عنهم) ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم.. الآية} فوضع عنهم لأنهم لا يجدون)(٩٢).
وأما مرسلة التحف فبعناية سبق الطاقة والقدرة.
والحاصل: أن التعبير بالوضع المتعدي بحرف المجاوزة إنما هو بمعنى الرفع بعد الثبوت حقيقة أو مجازا وكونه بمعنى الصرف غير واضح.
نعم, مما تقدّم يظهر الجواب عمّا ذكره صاحب المنتقى S من ترجيح ظهور (موضوع عنهم) على ظهور (ما حجب الله), وأنها تمثّل قرينة على التجوّز في الإسناد, فإنّ العكس هو الأقرب, وذلك لوقوع التعبير بهذه الصيغة عن عدم التكليف مع وجود المقتضي للجعل أو توهم المسؤلية تجاه هذه الأحكام, هذا كله من غير حزازة أو استهجان عرفا. بخلاف نسبة كتمان أحكام الله تعالى عصيانا وتمردا الى المولى سبحانه فإنه مما لا يكاد يراه العرف لائقاً بعد قبحه ولو مع القرينة.
وبالجملة: فإن ظهور إسناد الحجب إليه تعالى في صدوره منه بإرادته وأمره أكثر وضوحا وأشد استحكاما من ظهور (موضوع عنهم) في الأحكام الفعلية فيصلح لأن يكون قرينة عليه دون العكس على تقدير التصادم بين الظهورين ولا أقل من الإجمال.
الوجه الثاني: أن يقال: إنه يمكن أن يكون استعمال صيغة (موضوع عنهم) في التعبير عن عدم تكليفهم بالمحجوب لتوهم البعض بأن الناس قد يكونون مطالبين بهذا النحو من الأحكام خصوصاً إذا كان عدم تبليغهم بها لوجود المانع ولا ينبغي استبعاد هذا التوهم بعد رواج بعض المدارس الفكرية التي لا تستنكر محاسبة الله تعالى لعبده على مثل هذه المخالفات ولا تستقبح معاقبة المطيع وإثابة العاصي.
بل لا ينبغي لمثل هذا المحقق S خاصة إنكار وجود الموهم للمسؤولية إزاء تلك الأحكام بعد ما ذكره في بحث قاعدة قبح العقاب بلا بيان من أنه لا أساس لها وأن ملاك العقوبة الأخروية غير محرز, وأن الله تعالى يعاقب عباده المطيعين في الدنيا رغم طاعتهم فضلاً عن مخالفتهم عن جهل, قال S في بحث قاعدة قبح العقاب بلا بيان: (المقام الثاني: في صحة مؤاخذة المولى الشرعي في النشأة الدنيوية .. أما بين المولى الحقيقي ومخلوقاته فلا يتصور أن للعبد حقا خاصا على مولاه إذ هو ملكه ومخلوقة يتصرف به ما يشاء يفقره ويمرضه ويهمه وغير ذلك مع علم العبد بالمخالفة وجهله بل مع طاعته لمولاه وخضوعه لأوامره ونواهيه. ولا يتنافى ذلك مع بناء العقلاء كما لا يتنافى مع القوة العاقلة).
الى أن قال: (المقام الثالث: في صحة مؤاخذة المولى لشرعي في النشأة الأخروية.. وعليه فمن المحتمل ثبوت الملاك – أي ملاك العقوبة الأخروية – في مورد المخالفة فكيف يُدّعى منافرته للقوة العاقلة أو أنه مع بناء العقلاء لأجل حفظ النظام)(٩٣).
فمع عدم تمامية قاعدة قبح العقاب بلا بيان وعدم إحراز ملاك العقوبة الأخروية ومع معاقبة المولى عبده مطلقا في هذه الحياة كيف يأمن العبد لو خلّي وعقله من احتمال مسائلته عن تلك الأحكام التي هي في الأخير مرادات المولى ومحبوباته وإن لم تسمَ عرفا أحكاما.
الوجه الثالث: أن ما ذكره S من ظهور قوله g: (موضوع عنهم) في الاختصاص بالأحكام الفعلية – لو تم – لا يصادم ظهور إسناد الحجب اليه تعالى في صدوره منه بإرادته وأمره وإنما يصادم ظهور الموصول (ما) في الأطلاق الشامل للأحكام غيرالمبلغة الى الناس وغاية ما يقتضيه ذلك رفع اليد عن هذا الأطلاق وتخصيصه بالأحكام المبلغة فيكون المعنى حينئذ أن: الأحكام الفعلية التي حجبها الله تعالى عن العباد - دون ما حجبه الظالمون – موضوعة عنهم وعليه لا سبيل للاستدلال بالحديث – بنفسه – على البراءة ما لم تضم اليه مقدمة أخرى من مناسبات الحكم والموضوع ونحوها.
المصادر:
(١) التوحيد: ٤٠١, ب٦٤, ح٩.
(٢) الاعتقادات في دين الامامية: ٣٧.
(٣) الأصول الأصيلة: ٦٦.
(٤) وسائل الشيعة: ١٨/١٦٤.
(٥) الفصول المهمة: ١/٦٣٨.
(٦) الوافية: ١٨.
(٧) الكافي, كتاب التوحيد, باب حجج الله على خلقه, ح ٣.
(٨) تحف العقول:٣٦٥, باب ما روي عن الصادق g.
(٩) حكاه محقق (تحريرات الأصول) في الهامش.
(١٠) الوافية: ١٨.
(١١) وسائل الشيعة: ١٨/١٦٤.
(١٢) الفصول المهمة: ١/٦٣٨.
(١٣) الفوائد الطوسية: ٢١٠.
(١٤) شرح المازندراني: ٥/٧٩.
(١٥) معجم رجال الحديث: ٣/١٢١.
(١٦) يُنظر: مقباس الهداية: ٢/١٨٤, نهاية الدراية: ٤٤٦, رسائل في دراية الحديث.
(١٧) كمال الدين وتمام النعمة: ٣١٨ – ٣١٩.
(١٨) بحوث في شرح مناسك الحج: ١/١٣٣.
(١٩) يُلاحظ أيضاً معاني الأخبار: ٢٥٠ و٢٣٤ و١٧٧ ، كمال الدين وتمام النعمة: ٦٥٤ و٥٠٩ و٤١٢ و٤٠٩ و٤٠٨ و٣٩٣ و٣٧١ و٣٤٢ و٣٤١ و٣١٨ و٣١١ و٢٨٢ و٢٣١ و٢٢١، عيون أخبار الرضا (ع): ١/٢٤٠, ٢/٢٥٢ و١٢٢ و٥٢، علل الشرائع: ٢/٤٣٩ و٣٢٤، الخصال: ٦٤٦ و٥٨١ و٥٤٦) والكثير من الموارد الأخرى.
(٢٠) رجال النجاشي: ٣٥٣.
(٢١) رجال الطوسي: ٤٣٩.
(٢٢) رجال النجاشي: ٨١.
(٢٣) رجال الطوسي: ٣٥٢.
(٢٤) الفهرست: ٦٠.
(٢٥) الفهرست: ١٢٣.
(٢٦) رجال الطوسي: ٣٥٤.
(٢٧) رجال الطوسي: ٣٣٦.
(٢٨) رجال النجاشي: ١٥٨.
[٢٩)) رجال الطوسي: ٢١٠-٢١١.
(٣٠) رجال النجاشي: ١٧٣.
(٣١) رجال النجاشي: ١٧٣.
(٣٢)جامع الرواة: ١/٣٣٤.
(٣٣) بحوث في علم الاصول: ٥/٦٤.
(٣٤) مباحث الاصول (القسم الثاني): ٣/٢٦٧.
(٣٥) النجاشي: ١٣٩ .
(٣٦) النجاشي: ٢٣٧ .
(٣٧) النجاشي: ٤٤١ .
(٣٨) النجاشي: ٤٥١ .
(٣٩) النجاشي: ١٧٣.
(٤٠) وسائل الشيعة: ٢٥/١٩٠, كتاب الأطعمة, باب الكرّاث, ح ١.
(٤١) الكافي: ٦/٣٦٥, ح ٥.
(٤٢) المحاسن: ٢/٥٠٨ - ٥١٧.
(٤٣) وسائل الشيعة: ١/٣٥٢, أبواب السواك, ح ٣٨.
(٤٤) معجم رجال الحديث: ٧/٢٩٨.
(٤٥) التوحيد: ٢٧٥, باب ذكر عظمة الله c, ح١٠.
(٤٦) الفقيه: ٤/٢٢٣.
(٤٧) معجم رجال الحديث: ٧/٢٩٨، الفرائد: ٢/ ق٤١، ويُنظر أيضاً الكفاية: ٣٨٨، أجود التقريرات: ٣/٢١٤، دراسات في علم الأصول: ٣/٢٤٧.
(٤٨) نهاية الأفكار: ٣ /٢٢٦.
(٤٩) المنتقى: ٤/٤٢١-٤٢٢.
(٥٠) المنتقى: ٤/٤٢١-٤٢٢.
(٥١) الكفاية: ٣٨٨.
(٥٢) لاحظ أنوار الهداية: ٢/٧١.
(٥٣) أنوار الهداية: ٢/٧١.
(٥٤) المنتقى: ٤/٤٢١-٤٢٢.
(٥٥) نهاية الأفكار: ٣/٢٢٦.
(٥٦) المصباح: ٢/٢٧٢.
(٥٧) الدراسات: ٣/٢٤٧.
(٥٨) أنوار الهداية: ٢/٧٢.
(٥٩) الزمر: ٤٢.
(٦٠) السجدة: ١١.
(٦١) النحل: ٢٨, ٣٢.
(٦٢) الاحتجاج: ٢/٣٦٧.
(٦٣) الزمر: ٤٢.
(٦٤) النحل: ٢٨.
(٦٥) الأنعام: ٦١.
(٦٦) الأنفال: ٥٠.
(٦٧) الفقيه: ١/١٣٧.
(٦٨) نهاية الأفكار: ٣/٢٢٦.
(٦٩) بحوث في علم الاصول: ٥/٦٤.
(٧٠) البقرة: ٢٨.
(٧١) البقرة: ٢٧.
(٧٢) الفقيه: ٢/٥٧، عوالي اللآلي: ٥٤٨، عيون الحكم والمواعظ: ١٥٦.
(٧٣) نهج البلاغة, الحكمة ١٠٥.
(٧٤) الأمالي – المجلس العشرون – ح ١.
(٧٥) فقه القرآن: ٢/٣٦٤ باب الحدود.
(٧٦) الخلاف: ١/١١٧.
(٧٧) السرائر: ١/٢٦، ٣/١٦٦, وغيرها.
(٧٨) نيل الأوطار: ٨/٢٧٣ كتاب الأطعمة والصيد والذبائح, باب أن الأصل في الأعيان والأشياء الإباحة.
(٧٩) المصدر السابق.
(٨٠) مجمع الزوائد: ١/١٧١.
(٨١) المصدر السابق.
(٨٢) مستدرك الوسائل: ٧/٥٤٢ – ٥٤٣.
(٨٣) المنتقى: ٤/٤٢١-٤٢٢.
(٨٤) نهاية الأفكار: ٣/٢٢٦.
(٨٥) أنوار الهداية: ٢/٧٠.
(٨٦) نهاية الدراية: ٢/٤٤٧.
(٨٧) التوحيد: ٣٣٨ باب الاستطاعة.
(٨٨) تحف العقول: ٢٤٦.
(٨٩) مواقف الشيعة: ١/٤٨١.
(٩٠) وسائل الشيعة: ١٣/١٥.
(٩١) مستدرك الوسائل: ٧/٥٤٢ – ٥٤٣.
(٩٢) أصول الكافي: ١/١٦٤ باب حجج الله على خلقه ح ٤، المحاسن: ١/٣٢٦, التوحيد: ٤١٣ – ٤١٤.
(٩٣) منتقى الأصول: ٤/٤٤٠.