حرمة قطع صلاة الفريضة اختياراً
الشيخ علي أيوب (دام عزّه)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين, والصلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, محمَّد وعترته الطَّيبين الطَّاهرين, واللَّعنة الدَّائمة على أعدائهم أجمعين.
الكلام في هذه المسألة بخصوص صلاة الفريضة ولا يشمل النافلة.
والبحث يقع في مقامين:
المقام الأول: في ذكر الأقوال في المسألة.
المقام الثاني: في ذكر الوجوه التي استدل بها على حرمة قطع الصلاة.
المقام الأول: وفيه ثلاثة أقوال.
القول الأول: التحريم.
ذهب إلى التحريم كما عن مفتاح الكرامة جملة من الفقهاء كما في (الذكرى وجامع المقاصد والروض ومجمع البرهان والذخيرة والكفاية وغيرها. وفي الذخيرة ذكره المصنف والمتأخرون. وتحريم قطع الصلاة الواجبة اختياراً من بديهيات الدين كما في (شرح المفاتيح) ومحل وفاق كما في موضع من (الذخيرة وشرح نجيب الدين) ولا أعرف فيه خلافاً كما في (المدارك والمفاتيح والكفاية) وموضع من (الذخيرة) وفي (مجمع البرهان) كأنه إجماعي وفي (كشف اللثام) الظاهر الاتفاق عليه)(١).
وسوف نستعرض بعض الأقوال بشكل تفصيلي..
منها: ما ذكره الشيخ في النهاية ومثله في المبسوط: (وإذا عرض للمصلي شيء يخافه على نفسه من عقرب، أو حية، أو سبع، أو غير ذلك فليدفعه عن نفسه أو يقتله، ولا يقطع الصلاة. فإن لم يمكنه إلا بقطع الصلاة قطعها، ثم استأنف الصلاة بعد ذلك)(٢).
ومنها: ما ذكره ابن حمزة: (وأما ما يجوز له قطع الصلاة فثلاثة أشياء: دفع الضرر عن النفس، وعن الغير، وعن المال، إذا لم يكن إلا بقطع الصلاة)(٣).
ومنها: ما ذكره المحقق: (يحرم قطع الصلاة إلا لخوف الضرر)(٤).
ومنها: ما ذكره العلامة: (يحرم قطع الصلاة الواجبة اختياراً، ويجوز لحفظ المال والغريم والطفل وشبهه)(٥).
ومنها: ما ذكره الشهيد الثاني: (يجوز للمصلي أن يقطع صلاته إذا خاف تلف المال أو فرار غريم أو تردي طفل وما شابه ذلك. ولا يجوز قطع الصلاة اختياراً)(٦).
ومنها: ما ذكره المحدث البحراني: (المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف هو تحريم قطع الصلاة اختياراً، وقيّده جملة من الأصحاب منهم العلامة في بعض كتبه بالفريضة)(٧).
هذه جملة من أقوال الفقهاء في حرمة قطع صلاة الفريضة اختياراً.
القول الثاني: جواز قطع صلاة الفريضة اختياراً.
ذكر صاحب الحدائق عن بعض معاصريه، الفتوى بجواز قطع الصلاة اختياراً.
القول الثالث: التوقف.
ذكر السيد الخوئي S: أنه (لا يجوز قطع الفريضة اختياراً على الأحوط ويجوز لضرورة دينية أو دنيوية)(٨).
و مثله ما ذكره السيد السيستاني F(٩).
وكيف كان: فقد ظهر من عرض الأقوال في المسألة أن المشهور ولاسيما المتأخرين، بل عن غير واحد دعوى الإجماع على حرمة قطع الصلاة اختياراً، بل عدّه في شرح المفاتيح من بديهيات الدين.
المقام الثاني: في ذكر الوجوه التي استدلّ بها على التحريم.
الوجه الأول: إن الإتمام واجب وهو ينافي القطع فيحرم، بتقريب: أن المكلّف إذا شرع في الصلاة فيجب عليه إتمامها ويحرم عليه قطعها؛ لأن القطع ينافي الإتمام الواجب.
وفيه:
من أن الإتمام واجب وهو ينافي القطع فيحرم، فهذا أشبه بالمصادرة فإن وجوب إتمام الصلاة أول الكلام، فكيف يستدل به على حرمة قطع الصلاة.
الوجه الثاني: قوله تعالى {ولا تبطلوا أعمالكم}(١٠)، بتقريب: أن حبط العمل بمعنى بطلان العمل فإن قطع الصلاة يكون من إبطال العمل المنهي عنه. وقد ذُكِرَ في تفسير هذه الآية كما عن التبيان: (ولا تبطلوا أعمالكم] بأن توقعوها على خلاف الوجه المأمور به فيبطل ثوابكم عليها وتستحقون العقاب)(١١).
وفي مجمع البيان: (ولا تبطلوا أعمالكم] بالشكّ والنفاق ـ عن عطاء ـ وقيل بالرياء والسمعة ـ عن الكلبي ـ وقيل بالمعاصي والكبائر ـ عن الحسن ـ)(١٢).
وفي الميزان: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم]..الآية، وإن كانت في نفسها مستقلة في مدلولها مطلقة في معناها حتى استدل الفقهاء بقوله فيها [ولا تبطلوا أعمالكم] على حرمة إبطال الصلاة بعد الشروع فيها، لكنها من حيث وقوعها في سياق الآيات السابقة المتعرضة لأمر القتال وكذا الآيات اللاحقة الجارية على السياق وخاصة ما في ظاهر قوله: [إن الذين كفروا]..إلخ من التعليل، وما في قوله [فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم].. إلخ من التفريع.
وبالجملة: الآية بالنظر إلى سياقها تدل على إيجاب طاعة الله سبحانه فيما أنزل من الكتاب وشرّع من الحكم، وإيجاب طاعة الرسول فيما بلّغ عن الله سبحانه، وفيما يصدر من الأمر من حيث ولايته على المؤمنين في المجتمع الديني، وعلى تحذير المؤمنين من إبطال أعمالهم، بفعل ما يوجب حبط أعمالهم كما ابتلي به أولئك ضعفاء الإيمان المائلون إلى النفاق الذين انجر أمر بعضهم أن ارتدوا بعد ما تبيّن لهم الهدى. فالمراد بحسب المورد من طاعة الله طاعته فيما شرع وأنزل من حكم القتال، ومن طاعة الرسول طاعته فيما بلغ منه وفيما أمر به منه ومن مقدماته بما له من الولاية فيه، وبإبطال الأعمال التخلف عن حكم القتال كما تخلف المنافقون وأهل الردة.
وقيل: المراد بإبطال الأعمال إحباطها بمنّهم على الله ورسوله بإيمانهم كما في قوله تعالى: [يمنون عليك أن أسلموا]، وقيل: إبطالها بالرياء والسمعة، وقيل: بالعجب، وقيل: بالكفر والنفاق، وقيل: المراد إبطال الصدقات بالمنّ والأذى كما قال:[ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى] وقيل: إبطالها بالمعاصي، وقيل: بخصوص الكبائر.
ويرد على هذه الأقوال: أن كل واحد منها على تقدير صحته وتسليمه مصداق من مصاديق الآية، مع الغض عن وقوعها في السياق الذي تقدمت الإشارة إليه، وأما من حيث وقوعها في السياق فلا تشمل إلا القتال كما مر)(١٣).
وقد ورد في تفاسير العامة كما عن الثعلبي: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم] بمعصيتها. قال مقاتل والثمالي: لا تتمنوا على رسول الله فتبطلوا أعمالكم. وقيل بالعجب والرياء) (١٤).
وفي تفسير الرازي: (قوله: [ولا تبطلوا أعمالكم] يحتمل وجوهاً:
أحدها: دوموا على ما أنتم عليه ولا تشركوا فتبطل أعمالكم، قال تعالى:[لئن أشركت ليحبطن عملك].
الوجه الثاني: [لا تبطلوا أعمالكم] بترك طاعة الرسول، كما أبطل الكتاب أعمالكم بتكذيب الرسول وعصيانه، ويؤيده قوله تعالى:[يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم] إلى أن قال: [أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون].
الوجه الثالث: [لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى] كما قال تعالى:[يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليّ إسلامكم]، وذلك أن من يمن بالطاعة على الرسول كأنه يقول هذا فعلته لأجل قلبك ولولا رضاك به لما فعلت. وهو مناف للإخلاص، والله لا يقبل إلا العمل الخالص) (١٥).
هذا ما ذكر في تفسير هذه الآية.
وقد استدل بعض فقهائنا بهذه الآية على عدم جواز قطع الصلاة، كما عن الجواهر حيث قال: (قد استدل غير واحد من الأصحاب بقوله تعالى:[ولا تبطلوا أعمالكم).
وفيه:
كما عن الجواهر(١٦) ومصباح الفقيه(١٧) وغيرهما أن المراد من الإبطال: إحداث البطلان في العمل الصحيح وجعله لغواً لا يترتب عليه الأثر كالعدم، أو يكون المراد منه إيجاده باطلاً لاقترانه بما يمنع عن الصحة، أو لافتقاده ما يقتضيها نحو (ضيق فم الركية) والنهي على هذين الوجهين ظاهر في الإرشاد؛ إذ لا يترتب على إحداث البطلان في العمل المنعقد صحيحاً أو إيجاده باطلاً شيءٌ عدا فوات مصلحة العمل الصحيح فلا نهي مولوي، أو أن يكون المراد قطع العمل ورفع اليد عنه ـ كقطع الصلاة والصوم والحج ـ في الأثناء. ولازم هذا تخصيص الأكثر المستهجن لجواز ذلك في عامة الواجبات والمستحبات التعبديّة والتوصليّة.
والأقرب من هذه الوجوه هو الأول، لكونه هو المعنى الحقيقي، وعلى هذا لا يمكن الاستدلال بهذه الآية على عدم جواز قطع الصلاة.
الوجه الثالث: الروايات التي استدل بها على التحريم، وهي على طوائف أربع:
الطائفة الأولى:
النصوص التي دلت على أن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم:
منها: رواية القداح عن أبي عبد الله g: (افتتاح الصلاة: الوضوء، وتحريمها: التكبير، وتحليلها: التسليم)(١٨)، وهذه الرواية ضعيفة السند بـ (سهل بن زياد) وسوف يأتي الكلام في دلالتها.
ومنها: ما عن الصدوق S, قال: وقال أمير المؤمنينg: (افتتاح الصلاة: الوضوء، وتحريمها: التكبير، وتحليلها: التسليم)(١٩).
ومنها: الـحسـن بن علـي العسكـري فـي (تفسـيـره) عـن آبائــه i، عـن رسـول الله e قال: (مفتاح الصلاة: الطهور، وتحريمها: التكبير، وتحليلها: التسليم, ولا يقبل الله صلاة بغير طهور...) إلى آخر الرواية (٢٠)، وهذه الرواية مرسلة لا اعتبار بها.
وأما من حيث الدلالة فيمكن أن يكون المراد من التحريم والتحليل هو الافتتاح والاختتام كما ورد في كثير من الروايات.
منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر g قال: سألت أبا جعفر g عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح. قال: (يعيد) (٢١).
ومنها: رواية محمد بن سهل عن الرضا g قال: (الإمام يحمل أوهام من خلفه إلا تكبيرة الافتتاح)(٢٢)، وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة السند بـ (محمد بن سهل) فإنه لم يرد فيه توثيق لكن تصلح للتأييد.
ومنها: رواية الفضل بن شاذان عن الرضا g قال: (إنما صارت التكبيرات في أول الصلاة سبعاً لأن أصل الصلاة ركعتان واستفتاحها بسبع تكبيرات، تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة الركوع...)(٢٣)، إلى آخر الرواية وهذه الرواية كسابقتها فإنها ضعيفة بـ (علي بن محمد القتيبي) فإنه لم يرد فيه توثيق. ولكن يكفينا في المقام صحيحة زرارة المتقدّمة.
ولو غضضنا النظر عن هذا الاحتمال لقلنا: ليس المراد من تحريمها التكبير هو تحريم ما كان محللاً على المصلّي قبل التكبير وأنه بالدخول فيها بالتكبير تحرم عليه تلك الأمور من المنافيات، وأن هذه الأشياء إنما تحل عليه بالتسليم.
وبعبارة أخرى: إن مبنى الاستدلال هو التحريم والتحليل الوضعيين؛ لشمولها لما يجوز قطعه كالنافلة ولا حرمة فيها بالضرورة، وإن أبيت عن ذلك فلا أقل من الإجمال، فلا يمكن الاستدلال بها على المطلوب.
الطائفة الثانية:
ما ورد في نصوص كثير الشك، كصحيحة زرارة وأبي بصير كلاهما (قالا: قلنا له: الرجل يشك كثيراً في صلاته حتى لا يدري كم صلى ولا ما بقي عليه؟
قال: يعيد.
قلنا له: فإنه يكثر عليه ذلك كلما عاد شك؟
قال: يمضي في شكه، ثم قال: لا تعودا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة فتُطمعوه، فإن الشيطان خبيث يعتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم، ولا يكثرن نقض الصلاة، فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك.
قال زرارة: ثم قال: إنما يريد الخبيث أن يطاع فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم)(٢٤).
وجه الاستدلال:
إن النهي عن النقض ظاهر في الحرمة فتكون هذه الرواية دالة على حرمة قطع الصلاة.
وفيه:
إن المنهي عنه لم يكن مجرد النقض، بل تعويد الخبيث منه بإكثاره الكاشف عن إطاعته والركون إليه، ومن ثَمَّ يسري الحكم إلى النافلة والوضوء وغيرهما مما لا ريب في جواز قطعه، بل يمكن أن يقال: إنها على خلاف المطلوب أدلّ لكشفها عن جواز النقض في حدّ نفسه وإلا لكان النهي عنه أولى من النهي عن التعويد المزبور.
الطائفة الثالثة:
النصوص الآمرة بالمضي في الصلاة وعدم قطعها لدى عروض بعض الأمور من رعاف ونحوه:
منها: صحيحة معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبد الله g عن الرعاف أينقض الوضوء؟ قال g: ( لو أن رجلاً رعف في صلاته وكان عنده ماء أو من يشير إليه بماء فتناوله فقال (فمال) برأسه فغسله فليبنِ على صلاته ولا يقطع)(٢٥).
وجه الاستدلال،هو أن هذه الصحيحة ظاهرة في عدم جواز قطع الصلاة في غير حال الضرورة، حيث إن الإمام g قال: (فليبنِ على صلاته ولا يقطع).
وفيه:
إنها ظاهرة في الحكم الوضعي لا الحكم التكليفي حيث إنها ناظرة إلى الإرشاد إلى صحة الصلاة وعدم لزوم إعادتها.
ومنها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا عبد الله g عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه وهو يستطيع أن يصبر عليه، أيصلي على تلك الحال أو لا يصلي؟ فقال: (إن احتمل الصبر ولم يخف إعجالاً عن الصلاة فليصلِ وليصبر)(٢٦).
وجه الاستدلال: هو عدم جواز قطع الصلاة في حال الاحتمال حيث قال:g (فليصلِّ وليصبر)، وهذا يعني أن الأمر بالصلاة والصبر هو حقيقة في الوجوب، ولولا حرمة القطع لما وجب.
وفيه:
أولاً: إن ظاهر الأمر هو إرشاد إلى عدم المانعية، لما ذُكر من أن الأوامر والنواهي في المركبات هي إرشاد إلى الجزئية والشرطية والمانعية.
ثانياً: احتمال إرادة الرخصة في البقاء على الصلاة، حيث إن الأمر بالصبر في مورد توهم انقطاعٍ بالمدافعة لا يفيد أكثر من الجواز.
الطائفة الرابعة:
النصوص الناهية عن ارتكاب المنافيات أثناء الصلاة.
منها: صحيحة حريز عن أبي عبد الله g: (إذا كنت في صلاة فريضة فرأيت غلاماً لك قد أبق، أو غريماً لك عليه مال، أو حية تتخوفها على نفسك، فاقطع الصلاة فاتبع غلامك، أو غريمك، واقتل الحية)(٢٧).
ووجه الاستدلال، هو عدم جواز قطع الصلاة وارتكاب المنافي إلا في حال الضرورة. والبحث في هذه الصحيحة يقع في جهتين:
الأولى: في سند هذه الرواية.
إذ وردت فـي الكافـي(٢٨)، وكذلك في التهذيـب(٢٩) حريـز عمّـن أخبـره عـن أبـي عبد الله g، ونقلها صاحب الوسائل عن الصدوق بإسناده إلى حريز هكذا (حريز عن أبي عبد الله g) والصدوق له عدة طرق إلى حريز ذكرها في المشيخة الطريق الأول والثاني كلاهما معتبر، والطريق الثالث ضعيف بـ (إسماعيل بن سهل) فإنه لم يوثق.
والإشكال من جهة أن حريزاً تارةً يرويها مباشرة عن أبي عبد الله g وأخرى يرويها بالواسطة.
وعلى هذا تكون الرواية ساقطة عن الاعتبار لاحتمال الإرسال هذا من جهة. ومن جهة أخرى يمكن أن يقال: إن جميع روايات حريز مراسيل لما ذكره يونس من أن حريزاً لم يروِ عن الإمام gإلا حديثاً أو حديثين(٣٠).
ويمكن المناقشة من جهتين:
الجهة الأولى: إنّا لا نسلم بأن روايات حريز عن أبي عبد الله g كلها مراسيل، فإن روايات حريز عن الإمام الصادق g كثيرة في كتاب الحج وباقي الأبواب الفقهية، وهي واردة من طرق معتبرة وفي بعضها: سألت، وفي البعض الآخر: سمعت أو نحو ذلك، ولا نطيل في هذا المقام ما دام يوجد طريق آخر لاعتبار روايات حريز.
الجهة الثانية: مع التسليم بأن روايات حريز كلها مراسيل، لكن يمكن اعتبارها لما ذكره أستاذنا السيد محمد رضا السيستاني B من الاعتماد على نظرية حساب الاحتمال بلحاظ المروي لا بلحاظ الراوي. وعلى هذا فتكون الرواية معتبرة سنداً، بل جميع روايات حريز كذلك(٣١).
الثانية: في دلالة الرواية.
إذ تدل على عدم جواز قطع الصلاة إلا في حال الضرورة، ومع عدمها فلا يجوز القطع.
وقد يُتراءى: أن القضية مسوقة لبيان تحقق الموضوع فلا مفهوم لها - كما عن السيد الخوئي S- إذ الشرط هو الكون في الفريضة، وعدم القطع لدى انتفائه من باب السالبة بانتفاء الموضوع. كما أن الجزاء هو القطع لإتباع الغلام، أو الغريم، أو قتل الحية لا مطلق القطع، فإذا كان في الصلاة ولم يكن شيء من ذلك فانتفاء الجزاء حينئذٍأيضاً كذلك أي من بابالسالبة بانتفاء الموضوع. فلم يعدمفهوم لهذه القضية بوجه.
ومقتضى كلامه S:
أن الشرط مركب من الكونفي الصلاة والضرورة فحينئذٍ تكون القضية لا مفهوم لها.
والشاهد على ذلك: ما ذكره في جملة كلامه: من أنه لو صلى ولم تحصل الضرورة فلا يقطع من باب السالبة بانتفاء الموضوع. ولا معنى لهذا الكلام لو لم نفرض شرطية الضرورة وأنها أيضاً أخذت موضوعاً للحكم باعتبار أن الجزاء ليس هو القطع فقط، بل القطع لأجل رفع الضرورة تماماً كما لو لم يصلِ فلا معنى للقطع.
وفيه:
أولاً: أخذ الضرورة داعياً للقطع لا يدل بوجه على أن تكون الضرورة موضوعاً للحكم بالقطع حتى تكون القضية مسوقة لبيان تحقق الموضوع.
ثانياً: كون الشرط مركباً من الكون في الصلاة والضرورة خلاف الظاهر، وإلا لعطف بالواو والحال أنه عطف بالفاء (فرأيت غلاماً...).
إن قلت: إن العطف بالفاء لا ينافي تركب الشرط منها ما دام يوجد ترتب زماني أو رتبي بين الكون في الصلاة ورؤية الغلام، فالعطف لأجل هذا الترتب.
قلت: إن الترتب إنما هو بلحاظ ذاتي الكون في الصلاة والضرورة وبما هما في نفسيهما فيصح العطف بالفاء، وأما بلحاظ كونها جزئي الشرط فلا طولية بينهما، بل عرضية فلا بد من العطف بالواو.
وعليه: فإن موضوع القضية هو الصلاة والضرورة شرطها، فمع عدم الضرورة لا موجب للقطع، فيكون المعنى هكذا (الصلاة التي كنت مشتغلاً فيها لا تقطعها ما لم يكن هنالك ضرورة)، وعليه فالقضية ليست مسوقة لبيان تحقق الموضوع فيثبت لها مفهوم وهو عدم جواز القطع إلا في حال الضرورة.
وعلى هذا فإن القضية الشرطية ليست مسوقة لبيان تحقق الموضوع فهي تدل على الانتفاء عند الانتفاء فيثبت لها المفهوم، ومع ثبوت المفهوم لها فهي لا تدل على حرمة القطع كما عن السيد الحكيم S حيث قال: (إن من الجائز أن يكون الترخيص في الموارد المذكورة في قبال الحزازة الحاصلة في رفع اليد عن الصلاة، التي هي معراج المؤمن لأجل بعض المصالح، وليس الصحيح وارد لتشريع المنع؛ كي يستظهر من إطلاقه كون المنع إلزامياً لا كراهتياً)(٣٢).
توضيحه: إن الأمر بالقطع واردٌ مورد توهم الحظر لما يتوهم من عدم جواز رفع اليد عن الصلاة، وعلى هذا فالالتزام بثبوت المفهوم لا يدل على حرمة القطع.
بل يمكن أن يقال: إن الأمر بوجوب القطع إرشادي، فيكون إرشاداً إلى ما استقل به العقل من الحفاظ على النفس أو المال، وعليه ينتفي وجوب القطع عند انتفاء الشرط دون جوازه، ومن ثَمَّ لا يمكن إثبات حرمة القطع من مفاد هذه الصحيحة.
ومنها: موثقة سماعة (قال: سألته عن الرجل يكون قائماً في الصلاة الفريضة فينسى كيسه، أو متاعاً يتخوف ضيعته، أو هلاكه؟ قال: يقطع صلاته ويحرز متاعه ثم يستقبل الصلاة. قلت: فيكون في الفريضة فتغلب عليه دابته فيخاف أن تذهب أو يصيب بها عنت؟ فقال: لا بأس بأن يقطع صلاته ويتحرز ويعود إلى صلاته)(٣٣). والكلام فيها هو نفس الكلام المتقدم في صحيحة حريز.
الوجه الرابع: دعوى الإجماع التي ذكرها غير واحدٍ من الفقهاء كما تقدمت الإشارة إليه.
وفيها: أنه لا يمكن الإصغاء إليها في مثل هذه المسألة المعلوم مداركها ويُطمأن استناد المجمعين إليها ولا أقل من احتماله.
فالمتحصّل من جميع ما تقدم: عدم تمامية الوجوه التي ذُكرت للبناء على عدم جواز قطع الصلاة اختياراً.
نعم, يمكن أن يقال: إن المركوز في أذهان المتشرعة عدم جواز قطع الصلاة الواجبة اختياراً، فهذا الارتكاز يصلح أن يكون دليلاً على عدم جواز قطع الفريضة، ويمكن استفادة ذلك من بعـض الروايات كمـا في موثقـة سماعـة المتقدمة التي يُسأل فيـها الإمام g عن الرجل يكون قائماً في الصلاة الفريضة فينسى كيسه... وهذا يدل على أن المركوزَ في ذهن السائل عدم جواز قطع الصلاة حتى في مثل هذه الموارد، فأراد أن يتبين من الإمام g أن عدم الجواز حتى في حال الضرورة كما إذا نسي كيسه أو متاعاً يتخوف ضياعه أو هلاكه؟ قال g: (يقطع صلاته ويحرز متاعه ثم يستقبل الصلاة).
ويبقى للتأمل في المسألة مجال, فإنْ تمَّ ما ذكرناه فبها وإلاّ فلا يوجد دليل آخر ناهض يدل على حرمة قطع صلاة الفريضة اختياراً, والله العالم.
المصادر
(١) مفتاح الكرامة: ٨/١٥٢.
(٢) النهاية: ٩٥، المبسوط: ١١٩.
(٣) الوسيلة: ٩٧.
(٤) المعتبر: ٢/ ٢٥٨.
(٥) القواعد: ١/ ٢٨١.
(٦) المسالك: ١/ ٢٣٧.
(٧) الحدائق: ٩/ ٩٤.
(٨) منهاج الصالحين: ١/ ١٩٤.
(٩) منهاج الصالحين: ١/ ٢٣٧.
(١٠) محمد: ٣٣.
(١١) التبيان: ٩/ ٣٠٨.
(١٢) مجمع البيان: ٩/ ١٧٨.
(١٣) الميزان: ١٨/ ٢٤٧.
(١٤) الكشف والبيان عن تفسير القرآن. (تفسير الثعلبي): ٩/ ٣٨.
(١٥) التفسير الكبير: ٢٨/ ٧٢.
(١٦) الجواهر: ١١/ ٢٠٨.
(١٧) مصباح الفقيه: ٢/ ٤٢٨.
(١٨) وسائل الشيعة: الباب١ من ابواب الوضوء/ ح ٤.
(١٩) المصدر السابق: الباب ١ من ابواب الوضوء/ ح ٧.
(٢٠) المصدر السابق: الباب ١٥ من أبواب كيفية الوضوء/ ح٢٠.
(٢١) المصدر السابق: الباب ٢ من أبواب بطلان الصلاة بترك تكبيرة الإحرام/ ح١.
(٢٢) المصدر السابق: الباب٢ من أبواب بطلان الصلاة/ ح ٦.
(٢٣) المصدر السابق: الباب ٧ من أبواب استحباب افتتاح الصلاة/ ح٦.
(٢٤) المصدر السابق: باب ١٦ من أبواب الخلل/ ح٢٠.
(٢٥) المصدر السابق: الباب ٢ من أبواب قطع الصلاة.
(٢٦) المصدر السابق: الباب ٨ من أبواب قطع الصلاة.
(٢٧) المصدر السابق: باب ٢١ من أبواب جواز قطع الصلاة/ ح ١.
(٢٨) الكافي: ٣/ ٣٦٧.
(٢٩) التهذيب: ٢/ ٣٣٠.
(٣٠) اختيار معرفة الرجال: ٢٨٩ رقم ٧١٦.
(٣١) قبسات من علم الرجال: ٢/ ٥١.
(٣٢) مستمسك العروة الوثقى: ٦/ ٦١٠.
(٣٣) وسائل الشيعة: ٧/ ٢٧٧ باب٢١ من أبواب قواطع الصلاة، ح٢.