رسالة
اللباس المشكوك
تأليف آية الله المحقق
الشيخ محمّد إسماعيل الغرويّ المحلّاتيّ S
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين, والصلاة والسلام على خير خلقه محمَّد وآله الطيبين الطاهرين الهداة المهديين.
وبعد: فإنَّ ممَّا يشترط في لباس المصلّي ـ كما دلّت عليه النصوص(١) وتطابقت عليه الفتاوى(٢)ـ هو أنْ لا يكون مأخوذاً من أجزاء ما لا يجوز أكل لحمه من الحيوانات أو من خصوص السباع منها.
وقد طرح في كلمات الفقهاء S منذ عصر العلّامة الحلّي t(٣) بحثٌ في حكم اللباس المشكوك كونه مأخوذاً من أجزاء ما لا يؤكل لحمه، وأنَّه هل تجوز الصلاة فيه أو لا؟
والمشهور بينهم منذ ذلك العصر إلى زمان آية الله المجدّد السيّد ميرزا محمَّد حسن الشيرازي S هو القول بعدم الجواز، وكان القائل بالجواز نادراً كالمحقّق الأردبيلي(٤) والسيّد صاحب المدارك(٥) والشيخ البهائي(٦) S، ولكن لمّا ذهب المجدّد الشيرازي إلى القول بالجواز وأقامه على أسس جديدة انعكس الحال وأصبح هو القول المعروف بين من تأخّر عنه وشذّ القائل بالمنع.
قـال المحقّـق النائيني S في مقـدّمـة رسالـته في اللبـاس المشكـوك ما لفـظه: (حيث عمّت البلوى في أزمنتنا هذه بما يُشكّ في اتخاذه من أجزاء غير المأكول ـ لكثرة ما يجلب إلينا من بلاد الكفر ـ وكانت الشهرة السابقة قائمة على عدم جواز الصلاة فيه إلى أنْ انتهت رئاسة الإمامية وسياستها إلى طود عزّها وسنام فخارها، واحد دهورها وأعصارها، ربانيّ علومها وقطب رحاها.. مجدّد المذهب في رأس المائة الرابعة عشر، علّامة دهره وآية الله العظمى في عصره، بيضاء شيراز وغرّة الغري، حضرة الميرزا محمَّد حسن الحسيني العسكري أفاض الله تعالى على تربته الزكيَّة من الرحمة أزكاها .. فلقد أصلح في الدنيا والدين أمر الأمَّة وأحسن الخلافة للأئمَّة وأعطى كلّ مسألة من أمهات المسائل ومعضلاتها حقّها من التحقيق وأتى فيها بما لا ينفكّ تصوره عن التصديق، فمن ذلك أنَّه S بنى في المشكوك على جواز الصلاة فيه وأسسه على أتقن أساس وجدّده بعد الهجر والاندراس، فباختياره له خرج عن الشذوذ وانعكس الأمر وعادت المسألة كمسألة ماء البئر)(٧).
والملاحَظ أنَّ مسألة الصلاة في اللباس المشكوك قد حظيت باهتمام كبير وشغلت مساحة مهمَّة من أبحاث المحقّقين منذ أنْ بنى فيها المجدّد الشيرازي على القول بالجواز، فكتب فيها عدد من الأعلام بحوثاً مفصَّلة ورسائل خاصَّة، وضمَّنها بعضهم أهمَّ آرائه الأصوليَّة وتحقيقاته العلميَّة.
وممَّن ألَّف فيها من معاصري المجدّد الشيرازي العلمان الكبيران الشيخ حبيب الله الرشتي والشيخ محمَّد حسن الآشتياني t، وأمَّا بعده فقد ألَّف فيها غير واحد من الأعاظم كالمحقّق النائيني ـ كما أسلفنا ـ والمحقّق العراقي والعلّامة الشهيدي والمحقّق الإيرواني والعلّامة البلاغي والسيّد الخوئي t وغيرهم.
وممَّن ألَّف فيها أيضاً العلّامة الكبير آية الله المحقّق الشيخ محمَّد إسماعيل المحلّاتي t مسطِّراً هذه الرسالة التي بين أيدينا، وحيث إنَّه لم يسبق طبعها ـ كمعظم آثاره وتراثه ـ فقد ارتأينا تحقيقها ونشرها، ليستفيد منها المعنيّون بمثلها من الدراسات العلميَّة.
وقد صدّرناها بمقدّمة تتضمّن أمرين:
١ ـ موجز في ترجمة المؤلِّف S.
٢ ـ التعريف بالمؤلَّف, أي هذه الرسالة.
نرجو أنْ نكون قد وفّقنا لإنجاز ما قصدناه، وما التوفيق إلّا بالله عليه توكّلنا وإليه أنبنا وإليه المصير.

موجز في ترجمة المؤلف t (٨)
هو الشيخ محمَّد إسماعيل ابن المولى محمَّد علي بن زين العابدين الغروي المحلّاتي.
كان والده من أجلّة علماء عصره، ذكر المحدِّث النـوري O أنَّه لازمه عدَّة أعوام، ثمَّ أثنى عليه ثناءً بالغاً، قائلاً: كان عالماً جليلاً، عابداً، ورعاً، متبحّراً في الأصول، بارعاً في الفقه، مجانباً لأهل الدنيا ولذائذها، مشغولاً بنفسه وإصلاح رمسه، ولم يدخل في مناصب الحكومة والفتوى وأخذ الحقوق وغيرها.
ولد S في عصر يوم الأربعاء ٢٨ جمادى الأولى عام ١٢٦٩ هـ في بلدة (محلّات) التي هي من توابع مدينة أصفهان الشهيرة في إيران، وقد نشأ فيها في كنف والده المعظّم ووالدته الجليلة التي كانت ـ كما وصفها بنفسه ـ من النساء الصالحات في عصرها وذات صفات حسنة مع المواظبة على العبادات والأذكار ولا سيَّما صلاة الليل.
وقد بدأ في الخامسة من عمره بتعلّم القرآن الكريم وبعض الكتب الفارسية المتداول ـ آنذاك ـ تعليمها للصغار.
لمّا بلغ t الثامنة من عمره تصدّى والده بنفسه لتعليمه العلوم العربية من النحو والصرف والبلاغة وغيرها، وعند بلوغه الثانية عشرة درس على يده كتب السطوح في علم أصول الفقه كالمعالم والقوانين وغيرهما.
وفي أوائل بلوغه غادر مسقط رأسه (محلّات) إلى العاصمة طهران وتعلَّم كتاب (الرسائل) للشيخ الأعظم الأنصاري S على يدي عَلَمين بارزين من تلامذته، وهما الميرزا أبو القاسم النوري الطهراني صاحب (مطارح الأنظار) والميرزا محمَّد حسن الآشتياني صاحب الحاشية الكبيرة على الرسائل، واشتغل إلى جنب ذلك بتعلّم عدد من الكتب المؤلّفة في العلوم العقليَّة والرياضيات.
وفي عام ١٢٨٩هـ غادر طهران إلى العراق ـ وهو في غاية الفقر والعسر ـ فورد كربلاء المقدَّسة في أوَّل شهر رمضان المبارك، وحضر في هذا الشهر الفضيل عند العَلَمين الجليلين المولى حسين الأردكاني والشيخ زين العابدين المازندراني t، ثمَّ توجّه نحو النجف الأشرف في الثاني من شهر شوّال المكرّم، وسكن المدرسة التي تقع في جنب الصحن الحيدري الشريف(٩) أربعة أشهر، ثمَّ انتقل إلى مدرسة الصدر الأعظم الواقعة في السوق الكبير.
واختار في النجف الأشرف الحضور عند ثلاثة من أجلّ تلامذة الشيخ الأعظم الأنصاري S, وهم: الميرزا محمَّد حسن الشيرازي، والشيخ حبيب الله الرشتي، والسيّد حسـين الكوهكمـري S، ثمَّ اختصّ بالأوَّل منهم إلى أنْ غـادر المـدينة المـقدَّسة في أواخرعام ١٢٩١هـ إلى إيران وتوقّف فيها قريباً من عامين، ثمَّ رجع إلى العراق عام ١٢٩٣هـ فالتحق بالسيّد المجدِّد الشيرازي الذي كان قد انتقل إلى سامراء واستقر فيها مع جمع من الفضلاء والطلّاب.
وفي أواسط عام ١٢٩٤هـ غادر سامراء إلى إيران وسكن مدينة (بروجرد) عدَّة أعوام اشتغل خلالها بتدريس كتاب الرسائل وسائر كتب الشيخ الأعظم الأنصاري، بالإضافة إلى اشتغالاته العلميَّة الأخرى.
ولكنَّه عزم على العود إلى العراق مرَّة أخرى، فوصل سامراء المقدَّسة في شهر ربيع الثاني عام ١٣١٢هـ ، إلّا أنَّ السيّد المجدِّد الشيرازي توفّي بعد ذلك ببضعة أشهر، فارتأى الانتقال إلى النجف الأشرف وتمَّ له ذلك في أوائل شعبان عام ١٣١٣هـ واستقر فيها مشتغلاً بالتدريس والتأليف إلى آخر عمره الشريف.
قال العلّامة الشيخ آغا بزرك الطهراني t: (له تصانيف كثيرة في الفقه والأصول والكلام والرجال وغيرها) ثم أورد أسماء عدد منها، وما اطّلعنا عليه أو ورد ذكره في المصادر المتاحة لنا هو:
وقد طبع الجزء الأوَّل منه في (١٦٢) صفحة بالحجم الوزيري في المطبعة المرتضويّة في النجف الأشرف في عام ١٣٤٢هـ، وتوجد عدَّة نسخ خطّية منه في مكتبة السيّد المرعشي في قم المقدَّسة.
ومن الغريب أنَّه ذُكر في بعض المصادر بعنوان ( اللآلئ المربوطة في حقيقة المشروطة الذهنية وإنْ امتنع وجودها خارجاً كشريك الباري)!
وظاهر كلامه أنَّه تامّ، ولكن المطبوع منه في عام ١٣٨٣هـ ـ بالحجم الرقعي في (١٥٢) صفحة في مطبعة حكمت بقمّ بتصحيح السيّد هاشم الرسولي المحلّاتي ـ لا يشتمل إلّا على أحكام نفقة الزوجة والأقارب، ولعلَّ الباقي فُقِدَ بعد التدوين. وهكذا نسخته المخطوطة في مكتبة السيّد المرعشي في قمّ المقدَّسة برقم (٩٥٨٧).
وتوجد أوراق منه ـ تتضمَّن الفرق بين الهديّة والرشوة وجواز حكم الحاكم بعلمه وهما باللغة الفارسية ـ منضمَّة إلى رسالة تنقيح الأبحاث المتقدِّمة في مكتبة السيّد المرعشي في قمّ المقدَّسة بالرقم المتقدِّم.
ولكن لم يمهله الأجل لإتمامه، فقد ذكر العلّامة الطهراني أنَّه خرج منه جملة من مباحث الألفاظ، وقال السيّد الأمين أنَّه خرج منه إلى مقدّمة الواجب.
وهذه الأربعة الأخيرة ذكرها السيّد الأمين ولم نجد ذكرها في كلمات العلّامة الطهراني.
يعدّ العلّامة المحلّاتي t أحد أهمّ المنظّرين من علماء الدين للحركة الدستورية المسمّاة بـ (المشروطة) التي جرت أحداثها في إيران في أوائل القرن الماضي، وقد بذل جهداً كبيراً في دعمها وتأييدها من خلال تأليف كتابه (اللآلئ المربوطة في وجوب المشروطة) المارّ ذكره، وكذلك إصدار العديد من البيانات التي حظيت باهتمام العلماء البارزين المؤيّدين للمشروطة كآية الله المحقّق الشيخ محمَّد كاظم الخراساني وآية الله الشيخ عبد الله المازندراني t.
وقد أصدر الأوَّل بياناً طلب فيه من المسلمين أنْ يرجعوا إلى ما كتبه العلّامة المحلّاتي لمعرفة ما على عواتقهم من التكاليف الشرعيّة في حفظ بيضة الإسلام وفَهْم حقيقة ما صدر منه ـ أي من آية الله الخراساني ـ من الحكم بأنَّ المخالف لأساس المشروطة بمنزلة المحارب مع إمام العصر أرواحنا فداه، على حدّ ما ورد في بيانه.
وقد صدرت عدَّة دراسات ومقالات حول رؤية العلّامة المحلّاتي إلى المشروطة ونظريته السياسيَّة في الحكم في زمن الغيبة الكبرى، والمقارنة بينها وبين نظريَّة معاصره المحقق النائيني S مؤلِّف (تنبيه الأمَّة وتنزيه الملَّة).
ومن تلك الدراسات والمقالات (در پرتو مشروطه خواهي) بقلم: محسن هجري، و(مروري بر حيات وانديشه سياسي شيخ محمَّد إسماعيل غروي محلاتي) بقلم: أحمد حسين زاده، و(علّامة شيخ إسماعيل محلاتي انديشمند نامدار مشروطه) بقلم: إسماعيل روحانى، و(مشروطه ومشروطه خواهى از ديد عالم وارسته شيخ محمَّد إسماعيل محلّاتى) بقلم: جواد روحاني.
تبقى الإشارة إلى أنَّ تأييد ودعم العلّامة المحلّاتي لحركة المشروطة كان في إطار اهتمامه وسعيه لإحداث تغيير في أحوال المسلمين، بالنظر إلى ما كان ـ ولا يزال ـ يعانونه من استبداد الحكّام وتفشّي الجهل والفرقة والفقر في صفوفهم.
وكان t يؤمن بأنَّ بإمكان المسلمين أنْ يحظوا بحكم رشيد يوفّر لهم جميع حسنات المدنيَّة الحديثة من دون المساس بمعتقداتهم الدينيَّة، وقد طلب من الشيخ آغا بزرك الطهراني أنْ يترجم إلى الفارسية كتاب (تعريف الأنام بحقيقة المدنيَّة والإسلام) لمحمَّد فريد وجدي الذي حاول أنْ يثبت فيه ملائمة الإسلام للتمدّن، وقد تمَّت الترجمة ونشر جزء منها في مجلَّة (درَّة النجف) التي كانت تصدر آنذاك.
كان x معروفاً بالورع والزهد وكثرة العبادة والابتعاد عن الشهرة، وقد هاجر من إيران إلى العتبات المقدَّسة في العراق مع ما كان يتهيأ له في إيران من رفاهيَّة نسبيَّة بسبب أنَّه رأى ـ كما كتب بنفسه ـ أنَّ العِشرة مع الناس هناك لا تنسجم مع حقيقة العبوديَّة لله تعالى، في إشارة إلى ما كان يقتضيه ذلك من استعمال المداهنة والمجاملة ونحوهما ممّا لم يكن تطيقه نفسه.
وكان t يعاني في النجف الأشرف من فقر مدقع وضيق شديد في المعيشة وهو صابر على هذا الحال، وممّا يحكى بهذا الصدد أنَّ بعض الأجلّة ممّن كان مطّلعاً على حالته طلب من مرجع الشيعة الإمامية في وقته آية الله السيّد محمَّد كاظم الطباطبائي اليزدي S أنْ يخصّص له راتباً شهرياً يعينه على مصاعب الزمان، فطلب السيّد t أنْ يكتب المترجَم له رسالة في أحكام النفقات الثلاث حتى يقف بنفسه على مبلغه من العلم، فكتب S رسالته المعروفة (تنقيح الأبحاث) التي مرَّ ذكرها، فلمّا اطّلع عليها السيّد الطباطبائي أكبر مكانته العلميَّة وخصّص له راتباً شهرياً مناسباً، ولكن لم تطل أيام السيّد وتوفّي بعد ذلك ببضعة أشهر فانقطع ذلك الراتب.
قال آية الله المحقّق الشيخ محمَّد كاظم الخراساني في توصيفه: (صفوة الفقهاء والمجتهدين، ثقة الإسلام والمسلمين، العالم الكامل العادل آقاي آقا شيخ إسماعيل
مجتهد محلّاتي نجفي..).
وقال عنه العلّامة الطهراني: (عالم كبير ومحقّق متفنن).
ووصفه السيّد الأمين بقوله: (كان مجتهداً محقّقاً دقيق النظر جيّد التأليف).
وقال الشيخ ميرزا محمَّد باقر الزنجاني: (الحبر المعتمد، والعلّامة الأوحد، عماد الأعلام، أكمل المتبحّرين، وأفضل المتكلّمين حجّة الإسلام الشيخ إسماعيل المحلّاتي).
وقال السيّد شهاب الدين المرعشي: (العلّامة النحرير، زاهد الزمان، المحقّق المدقّق في السمعيّات والعقليّات، آية الله العظمى الشيخ محمَّد إسماعيل المحلّاتي النجفي..).
لقد كان العلّامة المحلّاتي S مشتغلاً بالبحث والتدريس عقوداً من الزمن، سواءً في بروجرد، أو سامراء، أو النجف الأشرف، ومن المؤكّد أنَّه حضر عنده أعداد كبيرة من الطلّاب، ولكن التاريخ لم يحفظ لنا إلّا أسماء عدد محدود منهم، وممّن اطلعنا على أسمائهم:
رسالة في إمكان الترتّب والأمر بالضدين على سبيل الترتيب، كتبها أوَّلاً على ترتيب بحث أستاذه المحلّاتي المصرّ على القول بإمكان الأمر الترتّبي وذلك في حدود نيّف وعشرين وثلاثمائة وألف في النجف، ثمَّ لمّا هاجر إلى سامراء كتب المسألة ثانياً على ترتيب تقرير بحث أستاذه شيخنا الميرزا محمَّد تقي الشيرازي المصرّ على القول بامتناع الأمر الترتّبي، فكان يقرّر أوَّلاً دليل الامتناع، ثمَّ يردّه ببيانات وافية ويثبت إمكانه على ما يراه المولى المحلّاتي .
من إخوان شيخنا المترجَم له S:
وأمَّا أولاد شيخنا المترجَم له S فهم:
وقد أصدر مجلَّة سياسيَّة تاريخيَّة باللغة الفارسيَّة سمّاها (درَّة النجف) خرج منها ثمانية أعداد ثمَّ توقّفت عن الصدور.
وقد توفّي O في الأربعين من العمر في عام ١٣٣٧ هـ ودفن في بلدته (محلّات) بجوار عمّه الشيخ زين العابدين المحلّاتي.
انتقل x إلى جوار ربِّه الكريم بعد عمر حافل بالعطاء ـ علماً وعملاً ـ في الثالث عشر من شهر ربيع الأوَّل عام ١٣٤٣ هـ في النجف الأشرف، فخسرت بذلك الحوزة العلميَّة أحد العلماء الأفذاذ وفَقَدَ طلّاب العلم والمعرفة أحد الأساتذة الكبار، وقد دفن S في الصحن العلوي المطهَّر بالغرفة الأولى على يمين الخارج من الباب المعروف بـ (الباب السلطاني) من جهة منطقة العمارة. فسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّاً.
التعريف برسالة اللباس المشكوك
كان من مقتنيات مكتبة العالم الجليل آية الله السيّد ميرزا علي آقا نجل السيّد المجدِّد الشيرازي t كرّاس صغير الحجم يتضمَّن بحثاً حول مسألة اللباس المشكوك، وقد كتب عليه t بخطّه الشريف: (من تحريرات المرحوم المبرور العلّامة المحلّاتي S). وفوقه العدد (١١٠) الذي يساوي اسمه الشريف (علي) بحساب الجمل.
وهذا الكرّاس انتقل بعد وفاته إلى ملك ولده المرحوم حجّة الإسلام والمسلمين السيّد ميرزا حسن الشيرازي طاب ثراه، ولمّا ارتحل إلى الرفيق الأعلى اشتراه من ورثته وصيّه وصهره سيدنا المرجع الديني الأعلى السيّد علي السيستاني T وكتب عليه بخطّه الشريف:
(هذه رسالة في اللباس المشكوك فيه للعلّامة الحاج الشيخ محمَّد إسماعيل المحلّاتي النجفي صاحب كتابي أنوار العلم والمعرفة والنفقات المتوفّى سنة ١٣٤٣، والظاهر أنَّها من أجزاء كتابه الموسوم بـ الدرر اللوامع الغروية من شتات القضايا الفقهية والأصولية، كما يعلم من مقدِّمة تنقيح الأبحاث عن أحكام النفقات الثلاث).
وما استظهره T في محلِّه، فإنَّ الملاحظ أنَّ المؤلِّف S ابتدأ بحثه بعنوان (درَّةٌ لامعةٌ غرويَّةٌ) ممَّا يدلّ بوضوح على كونه جزءاً من كتابه ( الدرر اللوامع الغرويَّة) وليس رسالة مستقلة.
وبذلك يظهر الوجه في عدم عدّ العلّامة الطهراني هذه الرسالة في عداد تصنيفات العلّامة المحلّاتي لا في الذريعة ولا في طبقات أعلام الشيعة، كما يظهر أنَّ عدَّه منها في أعيان الشيعة وغيره مبني على عدم الاطلاع عليها.
ومهما يكن فإنَّ الكرّاس المشار إليه يقع في ستّة عشرة صفحة بقياس (٢٠سم ×١٣سم) ومساحة الكتابة في كلّ صفحة (١٦سم × ٩سم) وتشتمل على واحد وعشرين سطراً.
وقد كُتِب بخطّ التعليق الجيّد نسبياً، ولكنَّه يشتمل على بعض السقط والأخطاء الإملائية وغيرها، بالرغم ممَّا يظهر من غير واحدة من صفحاته من أنَّه صُحِّح وتمَّت مقابلته مع نسخة أخرى.
وحيث لم يتيسّر لنا الحصول على غيره من نسخ الرسالة ـ بالرغم من البحث والفحص في عدد من المكتبات العامَّة في العراق وإيران ـ اعتمدنا عليها وحدها في تحقيقها، وتلخّص عملنا في ما يلي:
وفي الختام نتقدَّم بخالص شكرنا وعظيم امتناننا إلى سماحة المرجع الديني الأعلى السيّد علي الحسينيّ السيستانيّ T حيث وفّر لنا هذه النسخة الفريدة للرسالة, سائلين المولى القدير أن لا يحرمنا من بركات وجوده الشريف إنَّه سميع مجيب, والحمدُ لله أوَّلاً وآخراً وصلَّى الله على محمَّد وآله الطاهرين.



بسم الله الرحمن الرحيم
[الحمد لله ربِّ العالمين, والصلاة والسلام على نبيّنا محمد وآله الطاهرين.]
درَّةٌ لامعةٌ غرويَّةٌ
وليعلم أنَّ المركّبات الشرعيّة إنَّما هي ملتئمة من أفعال خاصَّة قد أمر الشارع بالإتيان بها وجمعها في الوجود على نحو خاصّ سواء اعتبرت جزءاً في المركّب أو شرطاً له، ومن تروك خاصَّة أيضاً لا بمعنى كون كلّ واحد من تلك التروك بما هو معنى عدميّ مطلوباً نفسيّاً في المركّب أوَّلاً وبالذات، بل هنا أفعال وجوديّة خاصَّة موجبة للإخلال بالمركّب لو اقترنت معه، فلذلك نهى الشارع عن الإتيان بها في ضمن المركّب صوناً له عن الاختلال المترتّب على وجودها، لا أنَّ أعدامها بما هي تلك الأعدام لها(١٠) تأثير في تماميّة المركّب، كما هو كذلك في الأجزاء والشرائط الوجوديّة التي أمر الشارع بإيجادها في المركّب، فإنَّ لكلّ واحد منها تأثيراً خاصَّاً في قوام المركّب وتماميّة وجوده في نفسه.
فصار الحاصل أنَّ المركّبات الشرعيّة ملتئمة من وجودات، و من أعدام(١١) لا لكونها كذلك بل لكون نقائضها وهو كلّ واحد من الأفعال الوجوديّة الخاصَّة مضرّاً في قوامه فلذلك يُقال إنَّ المركّب لا يتمّ إلّا بعدم تلك الوجودات, وخلاصته أنَّ الموانع بوجودها مضرَّة في المركّب لا أنَّ أعدامها(١٢) شرط فيه، كما لا ينبغي أن يُرتاب فيه بأدنى تأمّل.
[ الاختلاف في جريان أصالة البراءة في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في الأجزاء والشرائط والموانع ]
ثمَّ إنَّ القسم الأوَّل ـ وهو الأفعال المؤثّرة في قوام المركّب ـ لو علم بكونها كذلك فلا إشكال ولا كلام، وأمَّا لو شكّ في فعل أنَّه هل يجب الإتيان به في المركّب أم لا
ـ فتكون كبرى الشرطيّة والجزئيّة مشكوكة من قبل الشارع ـ فهو المسألة المعروفة، أي دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر والزيادة والنقيصة في المركّب، التي اختلفوا فيها(١٣) وأنَّ الزائد المشكوك هل ينفى بالبراءة لكونه شكّاً في التكليف الزائد أو يجب الإتيان به للاشتغال بالمركّب الثابت في الجملة؟ كلٌّ على مذهبه.
وكذلك في القسم الثاني أيضاً لو شُكّ في فعل أنَّه هل نهى الشارع عن الإتيان به في ضمن المركّب أم لا ـ فتكون كبرى المانعيّة مشكوكة ـ وهو أيضاً داخل في المسألة المذكورة، ويجري الخلاف الثابت فيها، كلٌّ على قوله.
[ عدم جريان أصالة البراءة في الشبهة المصداقيّة للجزء والشرط]
وأمَّا إذا علم كبرى الجزئيّة والشرطيّة وكذا المانعيّة وشُكّ في كون شيء مصداقاً لذلك الجزء أو الشرط الثابت جزئيّته أو شرطيّته أو للمانع المعلوم، ففي الأوَّل ـ وهو الجزئيّة والشرطيّة اللتان بهما قوام المركّب كما عرفت ـ لا إشكال في وجوب الاحتياط فيه وعدم الاكتفاء بالإتيان بمشكوك الجزئيّة والشرطيّة، بل لا بدَّ من الإتيان بما هو المعلوم كونه كذلك، للعلم بالتكليف بالجزء والشرط المقتضي للعلم بالبراءة الذي لا يحصل إلّا بالإتيان بما هو المعلوم كونه كذلك لا المشكوك، فالآتي بما هو المشكوك كونه من سور القرآن مع قطعه بوجوب السورة في الصلاة أو ما هو بمنزلة القطع لم يقطع بفراغ ذمّته عن الجزء المعلوم جزئيّته كما هو واضح.
وإن شئت قلت: بعد ما علم جزئيّة شيء أو شرطيّته فقد علم كون وجوده مقوّماً لوجود المركّب المعلوم وجوبه، بحيث يفوت أصل تقوّمه بفوت هذا الجزء أو الشرط، وحينئذٍ فإحراز هذا المركّب لا يمكن إلّا بإحراز جميع مقوّماته، و الشاكّ في وجود واحد من المقوّمات شاكّ في أصل وجوده الواجب عليه إحرازه، ولا إشكال في ذلك.
[ تقريب عدم جريان أصالة البراءة في الشبهة المصداقيّة للمانع]
وإنَّما الإشكال في القسم الثاني ـ وهو المانعيّة ـ فلو شكّ في صغرى المانعيّة بعد العلم بالكبرى وأنَّ هذا الشيء هل هو من مصاديق المانع المعلوم مانعيّته أم ليس من المصاديق فهل يجب فيه الاحتياط ـ كما في الأوَّل ـ للقطع بكبرى التكليف المقتضي للقطع بالفراغ عنه الحاصل بترك المانع المشكوك؟
ومجرّد الفرق بأنَّ التكليف في الأوَّل وجوديّ ـ وهو الأوامر المتعلّقة بالأجزاء والشرائط ـ وفي الثاني عدميّ ـ وهو النواهي المتعلّقة بالموانع ـ غير فارق في هذا الباب، لاشتراك القسمين في كون كلٍّ منهما تكليفاً غيريّاً راجعاً إلى إحراز المركّب المعلوم وجوبه، فكما يجب إحراز المركّب من طرف الأوامر المعلوم تعلّقها به، كذلك في طرف النواهي الراجعة إليه من غير فرق.
وبعبارة أخرى: كما أنَّ الشكّ في امتثال تلك الأوامر الثابتة من طرف المولى شكّ في إحراز المركّب المعلوم وجوبه، كذلك الشكّ في امتثال تلك النواهي حرفاً بحرف.
وإن شئت قلت: التكليف بالمركّب في الحقيقة عبارة عن مجتمع أوامر ونواهٍ راجعة إلى مركّب واحد، وامتثال تلك الأوامر والنواهي امتثال لذلك المركّب الوحدانيّ، والشكّ في امتثالها شكّ في امتثاله بعد ما ثبت التكليف به بقيوده شرطاً وجزءاً ومانعاً.
وخـلاصته: وجوب إحراز القيود وامتثالها بعد العلم بالتقييد من غير فرق بين القيود الأمريّة والقيود النهييّة.
هذه خلاصة ما هو الملاك في وجوب الاحتياط في الشكّ في صغرى المانعيّة كالشكّ في صغرى الشرطيّة والجزئيّة.
[ تقريب جريان أصالة البراءة في الشبهة المصداقيّة للمانع ]
وقد يقال(١٤): إنَّ النواهي الغيريَّة نظير النواهي النفسيّة، فكما أنَّ النهي النفسيّ كقوله (لا تشرب الخمر) ـ مثلاً ـ ينحلّ في الحقيقة إلى نواهٍ متكثّرة بتكثّر الأفراد، وكلّ فرد من أفراد الخمر يتعلّق به نهي في الحقيقة ويكون حراماً ومورداً للإطاعة والعصيان برأسه مع قطع النظر عن الفرد الآخر، وفي الحقيقة عنوان (الخمريّة) الواقع في تلو النهي في قوله (لا تشرب الخمر) مرآة لحال المصاديق ومعرّف لها والنهي يرد على كلّ واحد منها بمعرفيّة هذا العنوان، وهذا هو السرّ في إجرائهم البراءة في الشبهات المصداقيّة في المحرّمات النفسيّة لكون الشكّ فيها شكّاً في أصل التكليف، فالمائع الذي يشكّ في خمريّته يشكّ في تعلّق التحريم به ابتداءً فلا يجب التحرّز عنه ما لم تثبت الحرمة، كما هو الشأن في الشبهات التحريميّة البدويّة كلّها.
وهذا الكلام بعينه جارٍ في النواهي الغيريّة بعينها، فقوله (لا تصلِّ في غير المأكول) ـ مثلاً ـ ينحلّ إلى نواهٍ عديدة واردة على أفراد هذا العنوان بمعرفيّته، فيصير كلّ فردٍ من أفراده مانعاً برأسه عن الصلاة وموجباً لبطلانها مع قطع النظر عن الفرد الآخر، وحينئذٍ فإذا شككنا في شيء أنَّه من غير المأكول أم لا فقد شككنا في مانعيّته رأساً، وأنَّه هل تعلّق به الخطاب التحريميّ الغيريّ أم لم يتعلّق به أصلاً فيكون في الحقيقة شكّاً في ثبوت التكليف الغيريّ في هذا المورد من أوَّل الأمر فلا يجب امتثاله ما لم يحرز ثبوته وهذا بعينه مثل ما إذا شككت في كبرى مانعيّة شيء في الصلاة.
فكما أنَّك تقول: كبرى هذا الخطاب مشكوك من قبل الشارع ـ وبعبارة أخرى: كبرى هذا التقييد لم يعلم ثبوته فلا يجب امتثاله بحكم العقل ما دام مشكوكاً ـ كذلك إذا شككت في صغرى(١٥) المانعيّة، فإنَّك وإن كنت عالماً بالكبرى لكن بعد ما كانت الكبرى عبارة عن مجتمع صغريات في موارد ثبوت الموضوع، فهي نفس تلك الصغريات بالحقيقة دائرة مدار موضوعها لا شيء آخر غيرها، فإذا شككت في وجود الموضوع في مورد فقد شككت في أصل ثبوت الكبرى بحسب هذا المورد، ومجرّد علمك بثبوت هذه الكبرى في موارد علمك بوجود الموضوع لا يوجب الامتثال في هذا المورد المشكوك ثبوت أصل الكبرى بالنسبة إليه.
وخلاصته: أنَّ الحكم المشكوك لا يجب امتثاله بحكم العقل والشرع ما دام مشكوكاً، سواء كان الحكم المشكوك صغريات مجتمعة في موارد موضوعها التي يعبّر عنها بالكبرى أو صغرىً خاصَّة بالنسبة إلى مورد خاصّ، ففي كلا الموردين الحكم المشكوك امتثالُه ساقط من غير فرق، واشتمال الثاني على صغريات معلومةٍ الواجبُ فيها الامتثال للعلم بها لا يوجب الاحتياط في ما هو المشكوك من الصغرى وإلحاقها بالمعلوم كما هو واضح.
[ هل تفترق الشبهات المصداقيّة لمتعلّقات النواهي النفسيّة والغيريّة في جريان
أصالة البراءة فيها وعدمه؟ ]
فإن قلت: فرق بين النواهي النفسيّة والغيريّة، فإنَّ التكليف في الأوَّل نفسيّ غير مرتبط بواجب آخر، ولازم ذلك أنَّه لو شككت في ثبوت هذا التكليف لأخذت بلازم الشكّ وهو البراءة، بخلاف ما لو كان غيريّاً فإنَّه مرتبط بواجب آخر عُلم وجوبه، ولازم هذا الارتباط أن يكون الشكّ في امتثاله شكّاً في امتثال ذلك الواجب المعلوم، وحينئذٍ فالشكّ الحاصل فيه من حيث نفسه وإن اقتضى البراءة منه في نفسه ـ كما في جميع الأحكام المشكوكة ـ لكن الشكّ في امتثال الواجب المعلوم وجوبه المترتّب على الشكّ في امتثاله يقتضي الاحتياط.
فيكون في هذا المشكوك الغيريّ جهتان: جهة تقتضي البراءة ـ وهي الشكّ فيه في نفسه مع قطع النظر عن رجوعه إلى الواجب المعلوم ـ , وجهة تقتضي الاحتياط ـ وهي كون الشكّ في امتثاله شكّاً في امتثال الواجب المعلوم وجوبه ـ ، والحاصل من الجهة الأولى هو صرف عدم الاقتضاء ومحض اللااقتضاء كما هو واضح، والحاصل من الجهة الثانية هو تمام الاقتضاء لوجوب الاحتياط، فيقدّم على الجهة الأولى، وحاصله وجوب الاحتياط لكون الشكّ في امتثاله شكّاً في امتثال الواجب المعلوم اشتغال الذمّة به المقتضي للقطع بالفراغ عنه.
قلت: الواجب المعلوم لا يجب امتثاله إلّا بمقدار ما علم من وجوبه, فما علم من وجوبه لما علم اشتغال الذمة به فيؤخذ بمقتضاه وهو العلم بالفراغ عنه، وأمّا في ما لم يعلم وجوبه فلم يعلم الاشتغال به حتى يقتضي العلم بالفراغ عنه، فقولك: إنَّ الشكّ في امتثال الواجب الغيريّ شكّ في امتثال الواجب المعلوم، والواجب المعلوم يجب العلم بامتثاله ولا يكفي الشكّ فيه، مغالطة واضحة؛ لأنَّ الواجب المعلوم يجب العلم بالفراغ عنه بمقدار ما علم من وجوبه لا ما شكّ فيه فإنَّه لم يعلم وجوبه من هذه الجهة حتى يقتضي العلم بالفراغ عنه.
وحاصله: أنَّ الواجب إذا علم بوجوبه من بعض الجهات دون بعض فالعلم بوجوبه من طرف ذلك البعض المعلوم لا يقتضي العلم بالفراغ عنه إلّا من تلك الجهات المعلومة لا المشكوكة، فعلمك بوجوبه من جهات لا يقتضي رفع اليد عن مقتضى الشكّ في الجهات الأخرى، بل يؤخذ بمقتضى العلم في الجهات المعلومة وهو العلم بالامتثال وبمقتضى الشكّ في الجهة المشكوكة وهو البراءة، فيعطى كلّ ذي حقّ حقّه وكلّ ذي فضل فضله، لا أنَّه ترفع اليد عن مقتضى الشكّ بواسطة العلم في المورد الآخر.
فالصلاة ـ مثلاً ـ عبارة عن ذوات أمور أمر الشارع بالإتيان ببعضها ونهى عن الإتيان بالبعض الآخر مقارناً معها، فهي مجمع أوامر ونواهي يجب العمل بكلّ واحد منها على حسبه، فكلّ أمر أو نهي علم بوجوبه في الصلاة يجب العلم بامتثاله بمقتضى العلم بثبوته، دون ما كان مشكوكاً فلا يجب امتثاله بمقتضى الشكّ في أصل ثبوته، واشتمال الصلاة على واجبات ومحرّمات معلومة يجب العلم بامتثالها لأجل العلم بثبوتها لا يقتضي وجوب الامتثال في مشكوكاتها، وهذا هو الوجه في جريان البراءة في الشكّ في كبرى الشرطيّة والمانعيّة والجزئيّة.
وهذا الكلام بعينه جارٍ في الشكّ في صغرى المانعيّة، لما عرفت من أنَّ النهي الكبروي عن إيجاد مانع في الصلاة ـ كالنهي عن التلبّس بغير المأكول مثلاً ـ ينحلّ إلى نواهٍ عديدة بحسب صغريات تلك الكبرى، ومفاده في الحقيقة إنّما هو آحاد تلك النواهي الجزئيّة المتعلّق كلّ واحد منها بكلّ واحد من أفراد غير المأكول، وحينئذٍ فكلّ لباس علم بكونه من غير المأكول فقد علم بتعلّق النهي عنه في الصلاة فيجب العلم بامتثاله، وكلّ لباس لم يعلم بكونه من غير المأكول فلم يعلم بكونه مانعاً عن الصلاة ولم يعلم تعلّق النهي بالتلبّس بها فيها فلا يجب فيه الاحتياط كما لا يجب الاحتياط في كلّ مشكوك الوجوب والحرمة، ومجرّد اشتمال غير المأكول على نواهٍ متعلّقة بأفرادها المعلومة لا يقتضي الاحتياط في المشكوك؛ إذ العلم بالخطاب يقتضي العلم بالامتثال في مورد وجود العلم لا في موارد فقده ـ وهو مورد الشكّ ـ كما هو واضح.
وأمَّا الشكّ في صغرى الجزئيّة والشرطيّة فلا يجري فيه هذا الكلام؛ لأنَّ الأمر بجزء ـ مثلاً ـ عبارة عن الأمر بإيجاد فعل خاصّ على نحو خاصّ ـ كقراءة سورة من سور القرآن في الصلاة مثلاً ـ فلا بدَّ من العلم بوجود هذا الفعل على النحو الذي علم بالأمر به، فلو اكتفى بكلمات يحتمل أنَّها من سور القرآن لم يعلم بالفراغ عمّا علم وجوبه، بل لا بدَّ بعد علمه بالاشتغال بالسورة من علمه بالفراغ الحاصل بقراءة السورة المعلومة لا المشكوكة.
[ هل مانعيّة كون اللباس من أجزاء ما لا يؤكل لحمه انحلاليّة أو لا؟ ]
فإن قلت: بعد ما علم مانعيّة غير المأكول في الصلاة فقد علم بكون هذه الحقيقة الواحدة السارية في جميع مواردها بما هي هذه الحقيقة مانعة عن الصلاة، وكون كلّ فرد من أفراد غير المأكول مانعاً إنمَّا هو من جهة انطباقه مع تلك الحقيقة لا أنَّ كلّ واحد واحد من الأفراد مانع برأسه حتّى يكون الشكّ في الانطباق شكّاً في أصل المانعيّة حتّى يحكم بعدمه، وبعدما صار الشكّ في وجود الموضوع شكّاً في الانطباق بعد القطع بأصل المانعيّة يكون القطع بالمانعيّة مقتضياً للقطع بالفراغ والعلم بالامتثال الحاصل بترك المصداق المشكوك.
قلت: لا إشكال في أنَّ مانعيّة غير المأكول والنهي عنه في الصلاة إنَّما هو في مورد وجود الموضوع لا عدمه، فإنَّه حينئذٍ لا وجود لغير المأكول حتّى ينهى عنه في الصلاة ويكون مانعاً عنها أم لا، وحينئذٍ فإذا شكّ في وجود الموضوع في مورد فقد شكّ في وجود النهي وثبوت أصل المانعيّة بحسب هذا المورد، لكون أصل المانعيّة أمراً متفرّعاً على وجود الموضوع، وحينئذٍ فالشكّ في الموضوع شكٌّ في أصل المانعيّة وشكٌّ في أصل تقييد الصلاة بحسب هذا المورد.
قولك: كون هذه الحقيقة الواحدة السارية مانعة في الصلاة معلوم والشكّ في الانطباق لا في أصل المانعيّة. فيه: أنَّه لا ارتياب في أنَّ أصل المانعيّة المجعولة إنَّما هي في موارد وجود الموضوع، وأمَّا في مورد عدمه فلا موضوع حتى يكون مانعاً أم لا، وحينئذٍ فإذا كان أصل المانعيّة المجعولة مقصورة على وجود الموضوع ليس إلّا، فالشكّ في وجود الموضوع ـ إذاً ـ شكٌّ في أصل المانعيّة المجعولة بحسب هذا المورد فيحكم بالعدم بمقتضى الشكّ، كما يحكم بالعدم عند الشكّ في كبرى المانعيّة من غير فرق، ومجرّد الفرق بأنَّ الشكّ هنا في صغرى المانعيّة وهناك في الكبرى غير فارق بعد ما يرجع الشكّ في كلا الموردين إلى الشكّ في أصل مدخليّة المشكوك في الصلاة.
[ ما يفترق به جريان أصالة البراءة في الشبهات الحكميّة
عن جريانها في الشبهات الموضوعيّة ]
نعم, هنا كلام آخر، وهو أنَّ البراءة في الشكّ في الكبرى من جهة قصور البيان فيها من طرف الشارع كما هو الحال في جميع الشبهات الحكميّة، وأمَّا الشكّ في الصغرى فليست البراءة فيه لذلك، لعدم كون بيان الصغرى من وظيفة الشارع، بل وظيفته ليس إلّا بيان الكبرى المفروغ عنها هنا بل وفي جميع الشبهات الموضوعيّة، فلا قصور من طرف الشارع حتّى يقال: لم يتمّ البيان من طرفه فلا يصحّ العقاب والمؤاخذة، بل البراءة فيها من جهة أخرى كما أوضحناه في الأصول.
وخلاصته: أنَّ موقع ترتيب الآثار على كلّ موضوع إنَّما هو بعد شهوده ورؤيته ورفع الحجاب بينه وبين العبد دون ما كان محجوباً عنه مستتراً منه، وحاصله: أنَّ حضور الشيء والاتصال به ملاك ترتيب آثاره لا غيابه واحتجابه، وهذا عبارة أخرى عن أنَّ العلم بكل موضوع ملاك إثبات آثاره وتنجّزه على العبد، والتفصيل في محلِّه.
وبعدما كان ملاك البراءة في الأوَّل هو عدم تماميّة البيان من قبل المولى وعدم سقوط العذر من طرفه، وملاك البراءة في الثاني عدم شهود الموضوع ورؤيته، الذي هو في الحقيقة اتصال العبد وارتفاع العزلة بينه وبين العبد الذي لا ربط له بوظيفة المولى، فيكون قياس الشكّ في الصغرى على الشكّ في الكبرى من حيث البراءة ـ وهو الملاك فيها ـ قياساً مع الفارق.
نعم, قياسه بالشبهات الموضوعيّة النفسيّة في ملاك البراءة قياس بأمر يساويه، فإنَّ كلّا ً من المقيس والمقيس عليه شكٌّ في الصغرى بعد إحراز الكبرى، وملاك البراءة فيهما معاً هو احتجاب الموضوع عن العبد وعدم حضوره عنده، وحينئذٍ فلا بدَّ من أن يلاحظ فإن لم يكن فرق في البين من جهة أخرى يوجب التفكيك بينهما من حيث البراءة والاشتغال، والقول بالبراءة في الأوَّل والاشتغال في الثاني، يكون القول بالبراءة في الصغريات النفسيّة المسلّم عند الكلّ من غير نكير ـ كالمائع المشكوك كونه خمراً ـ ملازماً مع القول بالبراءة في الصغريات الغيريّة التي هي الموضوع في بحثنا هذا، لاتحاد المناط فيهما من غير فرق فارق من هذه الجهة، فنقول:
الفرق الموهم للزوم التفكيك بينهما هو ما عرفت من أنَّ التكليف المشكوك هنا غيريّ فيكون الشكّ فيه شكّاً في امتثال ذلك الغير الذي علم وجوبه، فيجب العلم بامتثاله بمقتضى العلم بوجوبه، وقد عرفت الجواب عنه بأنَّ المانعيّة والحرمة الغيريّة إنَّما هما في موارد وجود الموضوع دون عدمه، فإنَّه حينئذٍ لا موضوع حتى يكون حراماً أو غير حرام مانعاً أو غير مانع، ولازم ذلك أن يكون الشكّ في وجود الموضوع شكّاً في ثبوت المانعيّة والحرمة الغيريّة في المورد المشكوك، كما أنَّ الشكّ في خمريّة مائع شكٌّ في حرمته؛ إذ الحرمة النفسيّة فرع وجود الخمر، وإذ لا خمر فلا حرمة سلباً منفيّ الموضوع، وكما أنَّ الخمريّة والحرمة النفسيّة بعدما كانت محجوبة عن العبد وغائبة عنه غير مكشوفة عنده فلا يلزم عليه ترتيب آثارها كذلك الحرمة الغيريّة والمانعيّة حرفاً بحرف.
وقولك: إنَّ الاشتغال بالصلاة ثابت فيقتضي العلم بالفراغ الحاصل بترك المشكوك. فيه: ما عرفت من أنَّ العلم بالفراغ بمقدار العلم بالاشتغال، وأصل التكليف الغيريّ والمانعيّة لم يثبت في هذا المورد حتى يقتضي العلم بالفراغ بالنسبة إليه، وثبوت المانعيّة في موارد العلم بوجود الموضوع لا يقتضي العلم بالفراغ في المورد المشكوك والمانعيّة المشكوكة، كما أنَّ العلم بالحرمة النفسيّة للخمر في موارد العلم بوجود الخمر لا يقتضي العلم بالامتثال في الموارد المشكوكة.
[ تقريب عدم جريان أصالة البراءة في الشبهة المصداقيّة للمانع
لكونها من قبيل الشكّ في المحصّل، والجواب عنه ]
فإن قلت: لا ينبغي الإشكال بل لا ارتياب في أنَّ الأوامر والنواهي المجتمعة في الصلاة ـ مثلاً ـ ليست أوامر ونواهي مستقلّة حتّى يلاحظ حال كلّ منها بانفراد فما كان معلوماً أخذ به وما لم يكن معلوماً حكم بسقوط امتثاله، بل هي أوامر ونواهٍ مرتبطة كلٌّ بالآخر، ففي الحقيقة كلّها وارد على عنوان واحد وأمر إجمالي بتحصيل ذلك العنوان الوحدانيّ المتحصّل من مجموع تلك الأوامر والنواهي، وحينئذٍ فإذا شككنا في جزئيّة شيء أو شرطيّته أو مانعيّته صغرويّة كانت أو كبرويّة فقد شككنا في حصول هذا العنوان بدون هذا المشكوك، والقطع بوجوب العنوان المتحصّل من المجموع يوجب القطع بامتثاله غير الحاصل إلّا بالاحتياط في ما هو المشكوك، وهذا الكلام لو تمّ فإنَّما هو يقتضي الاحتياط في مطلق الشك في التكاليف الغيريّة حكميّة أو موضوعيّة، لا في خصوص الموضوعيّة التي هي موضوع بحثنا.
والجواب عنه على نحو يكون حاسماً لمادة الإشكال مطلقاً على الإجمال ـ والتفصيل في محلِّه ـ :
أوَّلاً: إنَّ المتأمّل في أدلّة المركّبات الشرعيّة لا يرتاب في أنَّ الشارع حين إيراده الأمر على تلك المركّبات لم يلاحظ في كلّ واحد منها عنواناً بسيطاً متحصّلاً من الإتيان بالأجزاء والشرائط، بحيث يكون نفس تلك الأفعال مقدّمة خارجيّة لحصول ذلك العنوان ويكون الأمر بكلّ واحد منها أمراً غيريّاً مقدّميّاً لحصوله في نظر الشارع، بل الظاهر ورود الأمر في لحاظ الشارع على نفس تلك الأفعال الملتئمة وهي الواجب بالحقيقة من دون توليد عنوان ثانوي متحصّل من الكلّ، وإنَّما هو معنى ننتزعه نحن بعد ملاحظة ورود أمر الشارع على المجموع، فنأخذ من المجموع عنواناً ثانويّاً واحداً ونتخيّل ورود الأمر عليه؛ لأنَّ الشارع لاحظ في نظره أوَّلاً هذا العنوان الوحدانيّ ثمَّ أورد الأمر على تلك الأفعال باعتبار كونها محصّلة له، بحيث كان الأمر بها في الحقيقة وسيلة لتحصيل ذلك العنوان على نحو يكون هو المأمور به بالحقيقة وموضوعاً لورود الأمر النفسيّ عليه، بل الملحوظ في نظر الشارع حسب ما هو مفاد كلامه هو كون نفس تلك الأفعال الخاصَّة على النحو الخاصّ بأنفسها مورداً لأمره وهي المأمور به الأصليّ الأوَّليّ، وعلى هذا فيكون المأمور به بالحقيقة أمراً تدريجيّاً مستطيلاً باستطالة تلك الأفعال المترتّبة كلّا ً على الآخر.
ثمَّ إنَّ تلك الأفعال المتدرّجة كما أنَّه قد يلاحظها الشارع إجمالاً ويأتي باللفظ الحاكي عن الكلّ ويورد الأمر النفسيّ عليه فيقول ـ مثلاً ـ: (صلّوا) فلفظ (الصلاة) معرّف لذوات تلك الأفعال الخاصَّة على النحو الخاصّ والأمر النفسيّ وارد عليها بإراءة هذا اللفظ، كذلك قد يلاحظها تفصيلاً ويأمر بها على التفصيل فيقول ـ مثلاً ـ: (كبّر ثمَّ اقرأ ثمَّ اركع ثمَّ اسجد) وهكذا، فتلك الأوامر المتعدّدة الواردة على الكثرات المذكورة صورة تفصيليّة لذلك اللحاظ الإجمالي في الحقيقة وبمنزلة الشرح والتفصيل لذلك المتن المجمل، ويكون كلّ واحد منها على التدريج ظهور إرادته النفسيّة القلبيّة المتعلّقة بالكلّ، فهذه الأوامر المترتّبة التدريجيّة بمنزلة إرادة واحدة خارجيّة نفسيّة تظهر على العبد من الآمر على الترتيب تدريجاً ويكون تمامها بتمام عدّ هذه الأفعال أوَّلاً فثانياً وهكذا، ففي الحقيقة هذه الأوامر تحريك نفسيّ واحد تدريجي يظهر أوَّلاً فأوَّلاً على ترتيب الأفعال، لا أنَّ كلّ واحد منها أمر غيريّ متعلّق بكلّ واحد من الأفعال لكونه مقدّمة لحصول العنوان كما سبق إلى بعض الأذهان، فهي بكلّها بمنزلة خطّ وحدانيّ مستطيل ممتدّ إلى حدّ خاصّ يظهر متدرّجاً.
وبعد ذلك نقول: إذا ظهر هذا التحريك النفسيّ التدريجي الممتدّ والإرادة الخارجيّة الوحدانيّة التدريجيّة من المولى نحو العبد، فكلّ ما ورد منه على العبد بأن قام الدليل عليه ووصل إلى العبد يأخذ به، وكلّ ما لم يقم عليه دليل ولم يصل إلى العبد ولو بعد الفحص وشكّ فيه فكأنَّه شكّ في زيادة الخطّ بعد القطع ببعضه، فيأخذ بما هو المعلوم من الخطّ ويترك المشكوك، ولو عاقب المولى عليه كان عقاباً من غير إتمام الحجّة وتمام العذر الحاصل بتمام البيان.
وحاصله: أنَّ التحريك النفسيّ التدريجيّ نشكّ في زيادته بعد القطع ببعضه فنأخذ بالمعلوم منه ونترك المشكوك.
وثانياً: لو فرضنا أنَّ الواجب النفسيّ هو ذلك العنوان البسيط الوحدانيّ المتحصّل من تلك الأفعال، لكن نقول: بعد ما كان بيان هذا العنوان وما يكون موجباً لحصوله في الخارج بيد المولى ومن وظيفته ـ لكونه لا يعلم إلّا من قبله ـ فحينئذٍ كلّ ما قام الدليل على كونه محصّلاً لذلك العنوان نأخذ به لتمام الحجّة فيه على العبد، وكلّ ما لم يدلّ عليه دليل حتّى بعد الفحص فلا يصحّ العقاب عليه وإلّا كان عقاباً من غير بيان من طرف المولى مع كونه من شأن المولى ووظيفته، ومجرّد العلم بكون المأمور به بالحقيقة عنواناً إجماليّاً لا يفيد في وجوب الاحتياط فيه بدون(١٦) البيان الواصل من المولى، ولذا قلنا في الطهارات الثلاثة إنَّ الواجب ولو كان حصول الطهارة الحدثيّة, وأفعالُ الوضوء والغسل محصّلة لها, لكن لكون البيان فيه وظيفة للشارع فكلّ ما لم يتمّ البيان فيه لا يصحّ العقاب عليه لمجرّد الاحتمال, والتفصيل موكول إلى محلِّه.
[ المناقشة في جريان أصالة البراءة في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر
من جهة لزوم تحصيل المصالح الملزمة المولويّة والجواب عنها ]
وبذلك ظهر الجواب عمّا يقال(١٧) من أنَّ الأحكام تابعة للمصالح الملزمة الكافية وحينئذٍ فإذا شكّ في زيادة مركّب أو نقصانه فقد شكّ في ترتّب المصلحة المقصودة من الأمر بالمركّب على الناقص، فيجب الإتيان بالزيادة تحصيلاً للغرض المقصود من الأمر بالمركّب، فإنَّه لو سلّم ذلك:
أوَّلاً: فلا يكون أقوى من كون المأمور به بالحقيقة هو العنوان الوحدانيّ، فإنَّ المصالح الملزمة لو كانت فليست متعلّقة للأمر بل الغرض المترتّب عليه، والعنوان المذكور لو كان فهو نفس متعلّق الأمر، ومع ذلك قلنا إنَّه بعد ما كان بيان ما يكون محصّلاً له من وظيفة الشارع يكون العقاب على ما لم يصل فيه بيان إلى العبد قبيحاً، كذلك في ما لو كان الغرض من الأمر هو المصلحة الملزمة لكنّ الواجبات الموصلة إلى تلك المصلحة بيانها بيد الشارع فيكون العقاب على ما لا بيان فيه من الشارع قبيحاً.
وثانياً: أنَّ المعلوم من الدليل القائم على اشتمال الأحكام على المصالح الكامنة ليس زيادة على أنَّ النظام الكامل(١٨) يقتضي جعل هذه الأحكام, وعدمُها منافٍ لما هو المقصود من النظام العامّ الكامل(١٩)، وأمَّا أنَّ كلّ حكم في حقّ كلّ مكلّف مشتمل على مصلحة تامّة حتى عند الجهل به، بحيث يكون فوته منه من قبيل تناوله السمّ حتى يُلزمه عقله بإحرازه حذراً من الوقوع فيه ـ كما في السمّ ـ فكلّا.
وبعبارة أخرى: المصلحة النوعيّة العامّة تقتضي جعل تلك الأحكام بحسب صلاح النوع، وأمَّا الأشخاص فلا كلّيّة بالنسبة إليهم، وإن شئت قلت: المصلحة حكمة للجعل لا علّته في كلّ فردٍ فردٍ.
[ هل خلوّ اللباس من أجزاء ما لا يؤكل لحمه شرط في الصلاة
أو اشتماله عليها مانع؟ ]
فإن قلت: حاصل مفاد أدلّة الموانع هو اشتراط خلوّ الصلاة عن الاشتمال عليها والاحتفاف بها، ففي الحقيقة ما هو الواجب في الصلاة من هذه الجهة هو عراء الصلاة وخلائها عن تلك الأمور، وحينئذٍ فلا بدَّ من إحراز هذا العنوان في الصلاة الحاصل بترك مشكوك المانعيّة، وإلّا فلو أتى بالمانع المشكوك وتلبّس بلباس يحتمل أنَّه من غير المأكول ـ مثلاً ـ لم يعلم بخلوّ الصلاة وعرائها عمّا علم باشتراط خلوّها عنها اللّهم إلّا بالاحتياط وترك كلّ مشكوك.
قـلت: المتأمّل في أدلّة الموانـع بكلّهـا لا يستريب في أنَّ وجود تلك الأمور مضرّ في الصلاة ومفسد لها، لا أنَّ عدمها والخلوّ عنها اعتبر صفة في الصلاة من قبيل الأوصاف الوجوديّة المأخوذة في الصلاة الواجب إحرازها فيها مثل الطهارة عن الحدث واستقبال القبلة وغيرهما، بل لا يكون عنوان الخلاء وما يرادفه من العناوين إلّا عناوين منتزعة من النهي عن الإتيان بها في الصلاة، فينتزع منها خلوّ الصلاة عنها، ونظير هذا التوهّم تخيّل أنَّ اللباس إن كان من أجزاء الحيوان يشترط فيه أن يكون لحمه حلالاً، فحلّيّة لحمه شرط في اللباس لا أنَّ حرمة اللّحم مانع فيه، فإذا كانت الحلّيّة شرطاً وجوديّاً
في اللباس يجب إحرازها كباقي الشرائط، فلا يجوز حينئذٍ التلبّس بمشكوك الحلّيّة والحرمة إحرازاً لهذا الشرط المعلوم وجوبه، ويوهم هذا المعنى ما في منظومة العلامة الطباطبائي(٢٠):
وكونه إن كان من حيوان محلّل اللّحم على الإنسان
لكنّ الظاهر أنَّ هذا ليس إلّا من باب المسامحة في التعبير، وإلّا فاحتمال كون حلّيّة اللّحم شرطاً وجوديّاً لا الحرمة مانعة ممّا لا يليق بالأذهان المستقيمة، ولا يستريب المتأمّل في الأدلّة أنَّ هذا المعنى منتزع عن مانعيّة حرمة اللّحم المنساق من ظاهر الأدلّة من غير ارتياب.
[ حول جريان أصالة الحِلّ في الشبهة المصداقيّة للمانع ]
وقد يستدل بالبراءة في صغرى المانع المشكوك بخصوص قوله g: (كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام)(٢١).
بتقريب: أنَّ التلبّس بأجزاء الحيوان في الصلاة فيه حلال ـ وهو ما كان بمأكول اللّحم ـ , وحرام ـ وهو ما كان بغير المأكول ـ ، فإذا اشتبه الحلال منه بالحرام فهو لك حلال بحكم الرواية المذكورة.
وتوهّم أنَّ الظاهر من الحلال والحرام في الرواية هو ما كان حلالاً أو حراماً بنفسه، وهو الظاهر من إطلاق الحلال والحرام لا الحلّيّة والحرمة الغيريّة التبعيّة المنتزعة من المانعيّة وعدمها، فإنَّهما في الحقيقة عبارة أخرى عن المانعيّة والعدم وإلّا فمع قطع النظر عنهما لا حلّيّة ولا حرمة أصلاً.
فيه: أنَّ الناظر في لسان الأخبار يرى من غير ارتياب إطلاق (يجوز) و (لا يجوز) و (صلِّ فيه) و (لا تصلِّ فيه) على المحرّمات والمباحات الغيريّة، على حذو إطلاقها على النفسيّة على حدّ سواء، والتعبير بـ (لا يجوز) في غير المأكول و(يجوز) في المأكول شائع في الأخبار، وحينئذٍ فيصحّ أن يقال: إنَّ أجزاء الحيوان فيها ما تجوز الصلاة فيها وفيها ما لا تجوز، فإذا اشتبه عليك فهو لك جائز حتى تعرف ما يجوز ممَّا لا يجوز، وهذا التعبير عين ما هو المنساق من الرواية المذكورة من غير ارتياب.
[ حول التمسّك بحديث الرفع في الشبهة المصداقيّة للمانع ]
ثمَّ إنَّ بعض من اختار البراءة في صغرى المانع المشكوك تمسّك في خيرته بظاهر حديث الرفع(٢٢)، فإنَّ المشكوك كونه من غير المأكول ممَّا لا يعلم بحرمته في الصلاة فيكون داخلاً في عموم ما لا يعلمون المرفوع عن الأمّة.
وفيه: أنَّ ما هو المانع من الأخذ بالبراءة في ما نحن فيه هو تخيّل أنَّ الشكّ هنا لكونه غيريّاً يرجع إلى الشكّ في امتثال ذلك الغير بعد القطع بوجوبه المقتضي للعلم بالفراغ عنه، وخلاصته: أنَّ الشكّ في الفراغ بعد القطع بالتكليف، ولو كان الأمر كذلك فلا مجال للتمسّك بأخبار البراءة مطلقاً، لا حديث الرفع ولا غيره لورودها في الشكّ في أصل الوجوب لا الشكّ في الامتثال بعد القطع بالوجوب، فصحّة الاستدلال بأخبار البراءة متوقّفة على إبطال هذا التوهّم وأنَّ الشكّ ليس في الامتثال بعد القطع بالوجوب بل الشكّ في أصل الوجوب بحسب هذا المورد، وإذا كان كذلك فتجري فيه أخبار البراءة مطلقاً من دون اختصاص بحديث الرفع.
وخلاصته: أنَّ الشكّ في ما نحن فيه إن كان في الامتثال بعد القطع بالوجوب ـ كما يزعمه القائل بالاحتياط ـ فلا مجال لأخبار البراءة مطلقاً، وإن كان الشكّ في أصل الوجوب فلا اختصاص بحديث الرفع، مثلاً قوله g: (كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام بعينه) يجري في صغرى المانع المشكوك، فإنَّه لم يعرف أنَّه حرام بعينه فهو لك حلال، وهكذا باقي الأخبار.
[ عدم جريان أصالة البراءة في الشبهة المصداقيّة للمانع إذا كان الشكّ
فيها مسبّباً عن الشكّ في حكم آخر ]
ثمَّ إنَّ هنا كلاماً آخر، وهو أنَّ التمسّك بالبراءة في المانعيّة الصغرويّة المشكوكة إنَّما هو فيما إذا لم تكن المانعيّة في الصلاة وعدمها متفرّعاً على حكم آخر، كما في مانعيّة لباس الحرير للرجال فإنَّه متفرّع على حرمة التلبّس به لهم مطلقاً، فلذلك جعل مانعاً عن الصلاة، وهكذا في لباس النجس فإنَّ مانعيّته فرع نجاسته، وحينئذٍ فإذا شكّ في صغرى الحرير أو النجس فلا يصحّ التمسّك بالبراءة في نفس حرمتهما الغيريّة والمانعيّة المشكوكة، بل لا بدَّ من ملاحظة مقتضى الأصل في الحكم الذي جعلت المانعيّة متفرّعة عليه، فنأخذ بمقتضاه فيه ويتفرّع عليه حكم الشكّ في المانعيّة قهراً، كما هو الحال في كلّ شكّ سبّب عن الشكّ الآخر، ففي الشكّ في النجاسة مقتضى الأصل هو الطهارة، وبعد ما صار المشكوك طاهراً بحكم الأصل خرج عن كونه مانعاً عن الصلاة، وفي الشكّ في الحرير يحكم بالبراءة من حيث أصل التلبّس به للرجل الشاكّ في حريريّته، فمشكوك الحريريّة مثل مشكوك الخمريّة محكوم بالإباحة الظاهريّة، فإذا صار التلبّس به مباحاً في حال الشكّ يخرج عن كونه مانعاً في الصلاة لتفرّع المانعيّة على حرمة التلبّس المنفيّة بالأصل، وحينئذٍ نقول:
إذا كانت مانعيّة أجزاء الحيوان غير المأكول في الصلاة لا بنفسه بل من حيث حرمة أكل لحمه، فإذا شككنا في لباس أنَّه من المأكول أو غير المأكول فلا بدَّ من ملاحظة مقتضى الأصل في الشكّ في حرمة أكله، لا من حيث الشكّ في تذكيته أو قابليّته لها، فإنَّ الشكّ حينئذٍ يرجع إلى الشكّ في كونه ميتة أم لا، والأصل فيه عدم التذكية فيكون محكوماً بالنجاسة والميتة في مرحلة الظاهر فلا تجوز الصلاة فيه لذلك، بل إذا كانت قابليّته للتذكية وكذلك فعليّة تذكيته محرزة لكن نشكّ في أنَّه من الحيوان الذي يحرم أكل لحمه أم لا، كما إذا شاهدنا قطعة من اللّحم الذي نعلم بأنّه مذكّى فيكون طاهراً قطعاً لكن لا ندري أنَّه من الغنم مثلاً أو من الحيوان المذكّى الذي يحرم أكل لحمه، فتكون هذه القطعة مشكوكة الحرمة بنفسها لا من حيث الشكّ في تذكيتها.
وحينئذٍ فإن عملنا فيه بالإباحة وحكمنا بإباحة أكله ـ إلحاقاً له بسائر الموضوعات المشتبهة مثل الخمر المشكوك والنجاسة المشكوكة وغيرهما ـ يصير استصحاب أجزائه في الصلاة مباحاً ويخرج عن كونه مانعاً للصلاة، لا من جهة إجراء البراءة في حرمتها الغيريّة بنفسها، بل لأجل كون حرمته في الصلاة ومانعيّته لها متفرّعتان على حرمة أكله المنفيّة بالأصل فترتفع مانعيّته تبعاً لهما قهراً.
وإن لم نلحقه بالشبهات الموضوعيّة الجارية فيها البراءة كما عرفت من المثال بل حكمنا فيه بالحرمة إلحاقاً له بالموضوعات التي حكموا فيها بالحرمة إلى أن يعلم الإباحة كما ذكروا في الأموال والأعراض والنفوس أنَّ الأصل فيها الحرمة عند الشكّ إلى أن يعلم الإباحة كذلك في اللحوم كما هو الجاري على ألسنتهم أنَّ الأصل فيها الحرمة، وحينئذٍ فإذا صار حراماً في مرحلة الظاهر فيصير مانعاً عن الصلاة كذلك، لا من جهة الشغل القطعي بالصلاة المقتضي للقطع بالبراءة الحاصلة بالاحتياط ـ كما سبق من القائل بوجوب الاحتياط في ما نحن فيه ـ بل من جهة تفرّع المانعيّة على حرمة الأكل وبعدما ثبتت الحرمة ولو بحكم الأصل ثبتت المانعيّة المتفرّعة عليها قهراً.
وعلى هذا فليس القول بالمانعيّة في صغرى الحيوان المشكوك في حلّيّته وحرمته وعدمها مبتنياً على أنَّ الشكّ في حرمته الغيريّة بل هو شكّ في التكليف الزائد في هذا المورد الخاصّ فتجري فيه البراءة أو لكونه راجعاً إلى الغير فيرجع الشكّ إلى الشكّ في امتثال ذلك الغير بعد القطع بوجوبه فيقتضي الاحتياط، وخلاصته: إجراء البراءة أو الاشتغال في نفس الحرمة الغيريّة والمانعيّة المشكوكة كما عرفت الوجهين.
بل مبنى المانعيّة والعدم هو ملاحظة مقتضى الأصل في حرمة ذلك الحيوان المشكوك في حلّيّته وحرمته، فإن قلنا بكونه من الشبهات الموضوعيّة التي تجري البراءة في حرمتها المشكوكة ـ كالخمر المشكوك ـ يصير حلالاً ظاهراً ويتبعه عدم مانعيّته كذلك، وإن ألحقناه بالشبهات الموضوعيّة التي يقتضي الأصل فيها الحرمة إلى أن تثبت الإباحة يصير حراماً ظاهراً ومانعاً كذلك تبعاً لحرمتها الظاهريّة، وحيث إنَّ الظاهر فيه هو الوجه الثاني يكون الظاهر هو المانعيّة الظاهريّة الموجبة للتحرّز عنه في الصلاة.
والوجه في ذلك: أنَّ الميزان في الشبهات الموضوعيّة التي يقتضي الأصل فيها الحرمة هو أن يكون حكمها الأصليّ الأوَّليّ هو الحرمة وتكون حلّيّتها بموجب عارض اقتضى الحلّيّة...
[ أصالة الحرمة في أعراض المسلمين ودمائهم وأموالهم ]
...كما في أعراض المسلمين فإنَّها في أنفسها مصونة يحرم هتكها، فإذا شككت في جواز هتكها من جهة الشكّ في صدق عنوان مبيح عليها فقد شككت في عروض ما يوجب ذلك، وبمجرّد احتمال وجود المبيح لا ترفع اليد عن حرمتها الأوَّليّة المعلومة في أنفسها، وملخّصه: أنَّ احتمال عروض سبب الإباحة لا يوجب الأخذ بها بصرف الاحتمال إلّا إذا ثبت ذلك.
وكذلك الدماء مصونة إلّا لعارض القصاص، فمجرّد احتمال عروض سبب القصاص ـ مثل أنَّك تحتمل أنَّ زيداً قاتل أبيك فلذلك يجوز لك قتله قصاصاً ـ لا يجوّز الأخذ به وترتيب آثاره إلّا بعد الثبوت.
وكذلك في الأموال، فإنَّ جواز التصرّف لأحد في الأملاك فرع كونه ملكاً له، فإن أحرز ذلك ولو بأصل أو أمارة فلا إشكال، وإلّا فبمجرد الاحتمال لا يجوز ترتيب آثار ملكيّته عليه، وخلاصته: أنَّ جواز تصرّفك في الأموال التي خرجت عن إباحتها الأصليّة ودخلت في ملك أحد إنَّما هو مقصور على كونه ملكاً لك ولا يثبت ذلك بمجرّد الاحتمال.
[ أصالة الحرمة في اللحوم ]
وأمَّا لحوم الحيوان فحيث إنَّ قتل الحيوان والتغذّي بلحمه ظلم قبيح عقلاً في نفسه، إلّا إذا كان بإذن من خالقه ومالكه الحقيقي، فيخرج بذلك عن كونه كذلك، فيكون في نفسه قبيحاً حراماً إلّا لعارض الإذن والترخيص من المولى الحقيقي، وحينئذٍ فإذا شككت في صغرى الإذن في مورد فلا يجوز لك رفع اليد عن قبحه الثابت في نفسه بمجرّد احتمال عروض الرافع الخارجيّ، وحينئذٍ فالقطعة من اللّحم المشكوك كونه من الغنم أو من حيوان محرّم ثبتت تذكيته لا يجوز ارتكابه مع كونه قبيحاً نفسيّاً بمجرّد احتمال حدوث عارض الإذن الموجب لخروجه عن القبح، ولعلَّ هذا هو الوجه في ما تداول في الألسن [من](٢٣) أنَّ الأصل في اللّحوم هو الحرمة إلّا إذا ثبت الجواز.
ثمَّ إنَّه بعد ما ظهر لك أنَّ المانعيّة في الصلاة إذا كانت متفرّعة على موضوع آخر وكان الشكّ في المانعيّة مسبّباً عن الشكّ في ذلك الموضوع، فلا بدَّ ـ إذاً ـ من ملاحظة الأصل في الشكّ في ذلك الموضوع وتتفرّع المانعيّة وعدمها عليه قهراً، وحينئذٍ فلا بدَّ لنا من استقصاء موارد المنع في الصلاة كي يعلم أنَّ المانعيّة في الكلّ متفرّعة على موضوع آخر أم في بعض دون بعض، وفي مورد التفرّع ما هو مقتضى الأصل في الشكّ السببي حتى يتفرّع عليه حكم الشكّ في المسبّب قهراً، فنقول:
موارد المنع في الصلاة بعضها في خصوص اللباس، وهو كونه من الميتة أو ممَّا لا يؤكل لحمه أو حريراً محضاً أو من ذهبٍ ـ كلاهما لخصوص الرجال الذين يحرم عليهم التلبّس بهما مطلقاً ـ وبعضها في الأعمّ من المكان واللباس وهو الغصبية، وبعضها في البدن واللباس معاً وهو النجاسة، وكلّ ذلك لو تأمّلت هوينا ترى أنَّ المانعيّة فيها متفرّعة على موضوع آخر.
[ مقتضى الأصل في الشكّ السببي في كون اللباس من الميتة ]
ففي الأوَّل متفرّعة على كون اللباس من الميتة، فإذا شككت في كونه كذلك فتشكّ في كونه مانعاً، وحيث إنَّ الأصل عند الشكّ في كون شيء ميتة أم لا هو الحكم بعدم التذكية تترتّب عليه آثار الميتة في مرحلة الظاهر التي منها المانعيّة في الصلاة.
[ مقتضى الأصل في الشكّ السببي في كون اللباس ممَّا يحرم أكل لحمه ]
وفي الثاني متفرّعة على حرمة أكل لحمه المتفرّع على الشكّ فيها الشكّ في مانعيّته، وقد عرفت أنَّ مقتضى الأصل عند الشكّ في حرمة أكل اللّحم هو البناء على المنع إلى أن يثبت الجواز، فيكون مشكوك الحرمة محرّماً في مرحلة الظاهر المترتّبة عليه المانعيّة قهراً.
[ مقتضى الأصل في الشكّ السببي في كون اللباس من الحرير أو الذهب ]
وفي الثالث والرابع متفرّعة ـ كما هو الظاهر ـ على حرمة تلبّسها على الرجال، فمانعيّتها في الصلاة لأجل حرمة تلبّسها عليهم، وحينئذٍ فإذا شككت في لباس أنَّه من صغرى الذهب أو الحرير حتى يحرم عليك تلبّسه فمقتضى الأصل هو الإباحة كالخمر المشكوك وغيره من المحرّمات المشكوكة، فإذا صار تلبّسه مباحاً خرج عن كونه مانعاً تبعاً للإباحة الظاهريّة.
نعم, لو قيل بكون كلٍّ من الحرير والذهب مانعاً بما هما في أنفسهما مع قطع النظر عن حرمة تلبّسهما تكون حرمة التلبّس أجنبية عن حيثيّة مانعيّتهما، وحينئذٍ فإباحة تلبّسهما ظاهراً لكونهما مشكوكين لا تفيد في رفع مانعيّتهما عن الصلاة، فلا بدَّ من ملاحظة مقتضى الأصل في حيثيّة الشكّ في مانعيّتهما من دون نظر إلى حرمة تلبّسهما أو إباحته، وحينئذٍ فمن يقول بأنَّ الشكّ في صغرى المانعيّة لكونه غيريّاً يرجع إلى الشكّ في امتثال ذلك الغير المعلوم وجوبه فلا بدَّ له من الاحتياط بترك تلبّسهما في الصلاة وإن جاز له ذلك في غير حال الصلاة للشكّ في حرمتهما النفسيّة المحكوم فيه بالبراءة، ومن يقول في الشكّ في صغرى المانعيّة بأنَّه راجع إلى الشكّ في التكليف الزائد في المورد المشكوك فلازمه البراءة في صغرى الحرمة الغيريّة والمانعيّة الصغرويّة المشكوكة، فيجوز له التلبّس بهما في الصلاة عملاً بالبراءة في حرمتهما الغيريّة المشكوكة.
[ مقتضى الأصل في الشكّ السببي في كون المكان أو اللباس مغصوباً ]
وفي الخامس تتفرّع المانعيّة على كونه ملك الغير، وحينئذٍ فإذا شككت في مكان أو لباس أنَّه لك أو لغيرك فإن ثبت بأصلٍ أو أمارة كونه لك فلا إشكال، وإلّا فلا يجوز لك التصرّف المتفرّع عليه مانعيّته للصلاة، والوجه في ذلك: أنَّ إباحة التصرّف في الملك إنَّما هي متفرّعة على كونه لك وإلّا فلا إباحة فيه أصلاً؛ لأنَّ الإباحة الأصليّة الأوَّليّة في الأشياء لا تكون في الأملاك، والإباحة الثابتة فيها متفرّعة على كونها ملكاً لك، فإن ثبت كونه لك وتحت سلطانك فتتفرّع عليه إباحة تصرّفك لكونه من لوازم سلطانك، وإن لم يثبت سلطانك عليه فلا تثبت فروعه ولوازمه.
ولا يتوهّم أنَّ ذلك من قبيل الشبهة البدويّة التحريميّة، فكما أنَّك إذا شككت في حرمة شيء من جهة الشكّ في موضوعه كالمائع المشكوك كونه خمراً فيحكم بإباحته، كذلك في كون شيء ملكاً لك أو لغيرك، فقد شككت في حرمة التصرف وإباحته فيحكم بالإباحة حرفاً بحرف.
والسرّ فيه: أنَّ الحرمة تحتاج في الحكم عليها بإثبات موضوعها في مرحلة الظاهر وإلّا فبمجرد الاحتمال لا يحكم عليه، بخلاف الإباحة فإنَّه لا تحتاج في الحكم عليها بإثبات موضوعها في الظاهر، بل يكفي احتمال وجوده في الحكم بإباحته، ولذلك يحكم في المائع المشكوك كونه خمراً أو مائعاً آخر بإباحته لاحتمال وجود المائع الآخر، كذلك يحكم في ما نحن فيه بإباحة التصرّف بمجرّد احتمال وجود موضوعه.
وجه فساد التوهّم: ما عرفت أوَّلاً: أنَّ الأشياء التي على الإباحة الأوَّليّة والرخصة العقليّة الأصليّة لو شككت في ورود منع فيها عن قبل الشارع ـ سواء شككت في كبرى المنع أو بعد العلم بالكبرى شككت في صغراه في مورد خاصّ ـ فلا ترفع اليد عن إباحته الأوَّليّة الثابتة فيها في نفسها بمجرّد احتمال ورود المنع إلّا إذا ثبت فتأخذ به دون ما لم يثبت.
وخلاصته: أنَّ طرفي الاحتمال في الشبهة إن كان هو الإباحة الأوَّليّة الثابتة في نفسها والحرمة العرضيّة الثانويّة الواردة عليها من قبل الشارع، فلا تدري أنَّ الإباحة الأوَّليّة محفوظة باقية على حالها أو ارتفعت بورود المنع الثانوي عليها، فحينئذٍ لا ترفع اليد عن الإباحة الأوَّليّة الثابتة في نفسها بمجرّد احتمال ورود المنع إلّا إذا ثبت، وهذا هو الملاك في جريان البراءة في الشبهات التحريميّة بل الوجوبيّة صغرويّة أو كبرويّة.
وأمَّا إذا كان الحكم الأوَّلي الثابت في موردٍ هو الحرمة في نفسها إلّا لأسباب خاصَّة موجبة لعروض الجواز لأجل تلك الأسباب فحينئذٍ لا ترفع اليد عن الحرمة الأوَّليّة الثابتة فيها في نفسها بمجرّد احتمال عروض سبب الجواز على العكس من المفروض الأوَّل.
وهذا هو الوجه في عدم إجرائهم البراءة عند الشكّ في التحريم في كلّ ما هو من هذا القبيل ـ كما عرفت في الأعراض والنفوس والأموال ـ فإنَّ الإباحة الثابتة فيها ليست من باب الإباحة الأوَّليّة النفسيّة حتى تكون الحرمة الثابتة فيها حرمة عرضيّة ثانويّة واردة على الإباحة الأوَّليّة، بل الأمر على العكس من ذلك وكون الحرمة ثابتة فيها في نفسها والإباحة عارضة عليها لأسباب خاصَّة، فحينئذٍ لا ترفع اليد عن الحرمة الأوَّليّة الأصليّة بمجرّد احتمال عروض سبب الجواز، فالملك بما هو ملك إنَّما هو داخل في حريم مالكه وتحت سلطانه ليس لأحدٍ التصرّف فيه إلّا بإذن مالكه كائناً من يكون، فإن ثبت كونك مالكاً له يكون داخلاً في حريمك وتحت سلطانك، وإلّا فلا يجوز لك الدخول في حريم المالك بمجرّد احتمال كونك هو المالك.
[ مقتضى الأصل في الشكّ السببي في كون البدن أو اللباس متنجساً ]
وأمَّا السادس فالمانعيّة ]فيه[(٢٤) متفرّعة على النجاسة، وحيث إنَّ الأصل فيها الطهارة إذا لم يكن استصحاب موضوعيّ في البين فالمانعيّة مرتفعة ظاهراً بارتفاع النجاسة في الظاهر.
[ عدم جريان أصالة البراءة في الشبهة المصداقيّة للقاطع ]
هذا كلّه في النواهي الغيريّة المعبّر عنها في لسان الفقـهاء بالموانع، وأمَّا ما يعبّرون عنـها بالقواطع ـ كالضحك وكلام الآدمي والفعل الكثير والأكل والشرب و البكاء على الدنيا والحدث والاستدبار ـ فالظاهر في الكلّ أنَّ كونها قاطعة إنَّما هو من جهة اعتبار صفة وجوديّة في الصلاة يكون وجود كلّ واحد من تلك الأمور مضاداً معها، فتكون مبطلة من جهة منافاتها مع تلك الصفة كما هو واضح في الحدث والاستدبار.
وحينئذٍ فإذا شككت في صغرى القهقهة أو كلام الآدمي وهكذا في البواقي فمقتضى العلم باعتبار تلك الصفة الخاصَّة شرطاً أو جزءً وجوديّاً في الصلاة في كلّ قاطع بحسب ما يقابله هو إحراز وجودها، ولا يحصل إلّا بترك كلّ ما يحتمل أن يكون من مصاديق تلك الأمور.
نعم, لو كانت القواطع من قبيل الموانع محرّمات غيريّة في الصلاة لا من جهة كون كلّ واحد منها مضاداً مع صفة وجوديّة اعتبرت في قوام الصلاة شرطاً أو جزءاً، بل كان قوام الصلاة في وجودها وتماميّتها في نفسها بأجزائها وشرائطها الوجوديّة من غير مدخليّته لتلك القواطع في تقوّم الصلاة وتأثيرها في نفسها أصلاً، كما هو الحال في كلّ مانع بالقياس إلى المقتضي الذي يقابله، فإنَّ قوام المقتضي إنَّما هو بنفس وجوده وما يكون دخيلاً في وجوده من الأجزاء والشرائط الوجوديّة من دون أن يكون لكلّ مانع مدخليّة في تقوّم المقتضي وما يترتّب عليه من الآثار وإنَّما هو مضرّ ومخلّ في ترتّب أثر المقتضي عليه، فلذلك اعتبر عدمها لا من جهة كون عدمها مؤثراً في قوام المقتضي.
وعلى هذا فالقواطع أيضاً كالموانع أمور يكون كلّ واحد منها مخلّا ً في ترتّب أثر الصلاة عليها، فلذلك اعتبر عدمها لا من جهة أنَّ عدمها مقارن مع صفة وجوديّة اعتبرت قيداً وجوديّاً في الصلاة، وعلى هذا تكون الصلاة عبارة عن أمور وجوديّة شرطاً أو شطراً بها قوام الصلاة، وعن أمور أخرى يكون وجودها منافراً ومخلّا ً لترتّب أثرها عليها فاعتبر عدمها، وحينئذٍ يكون التكليف بالصلاة عبارة عن أوامر خاصَّة متعلّقة بتلك الوجوديّات التي بها قوام المركّب وعن نواهٍ متعلّقة بكلّ ما يخلّها وينافرها من غير فرق في ذلك بين الموانع والقواطع، وحينئذٍ يكون الشكّ في صغرى كلّ واحد منهما شكّاً في تعلّق النهي بها في الصلاة على حذو الشكّ في جميع الشبهات الموضوعيّة المحكوم فيها بالبراءة.
لكن الظاهر أنَّ القواطع ليست من قبيل الموانع، والتفصيل في كلِّ واحد منها واستفادة الصفة الوجوديّة الخاصَّة المعتبرة في الصلاة التي يضادها في الفقه. والحمد لله على الفتح [والختم](٢٥).
مصادر المقدّمة والتحقيق
(١) لاحظ الكافي: ٣/ ٣٩٧ وما بعدها، وتهذيب الأحكام: ٢/ ٢٠٥ وما بعدها.
(٢) لاحظ الخلاف: ١/ ٥١١، ومنتهى المطلب: ٤/ ٢٠٦، وجواهر الكلام: ٨/ ٧٤.
(٣) لاحظ منتهى المطلب: ٤/ ٢٣٦.
(٤) لاحظ مجمع الفائدة والبرهان: ٢/ ٩٥.
(٥) لاحظ مدارك الأحكام : ٣/ ١٦٧.
(٦) لاحظ الحبل المتين: ١٨١.
(٧) هذا ما ورد في النسخة المخطوطة من رسالة المحقّق النائيني التي هي مصحَّحة بخطّه الشريف وكانت في مكتبة آية الله السيّد ميرزا علي آقا نجل المجدّد الشيرازي, وقد ذكرها العلّامة الطهراني في الذريعة (١٨/ ٢٩٥)، ولكن المطبوع منها مع منية الطالب سابقاً وبصورة مستقلّة مؤخّراً يختلف عن المخطوطة لأنَّه S أجرى عليها تغييرات وتعديلات لاحقاً.
(٨) عمدة المصادر التي استقينا منها هذه الترجمة هي: أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ، أنوار العلم والمعرفة للشيخ محمَّد إسماعيل المحلّاتي (ترجمة المؤِّلف)، الذريعة إلى تصانيف الشيعة للشيخ آغا بزرك الطهراني، طبقات أعلام الشيعة للشيخ آغا بزرك الطهراني، تنقيح الأبحاث عن أحكام النفقات الثلاث للشيخ محمَّد إسماعيل المحلّاتي (ترجمة المؤلف بقلم السيّد هاشم الرسولي المحلّاتي)، مستدرك وسائل الشيعة (الخاتمة) للشيخ ميرزا حسين النوري، گفتارخوش يارقلي للشيخ محمَّد المحلّاتي (ترجمة المؤلف بقلم السيّد شهاب الدين المرعشي)، كتاب الاستصحاب للسيّد مرتضى النجومي (المقدّمة)، گلشن أبرار (ترجمة شيخ إسماعيل محلّاتي بقلم نور الدين علي لو).
(٩) هكذا ذكر S فيما كتبه بقلمه في ترجمة نفسه, وأضاف أنَّ تلك المدرسة خراب في الوقت الحاضر, ولم يُعلم مراده بها, ولعلَّ المقصود ما يعرف في زماننا بالمدرسة الغرويّة التي أُعيد تعميرها في السنوات الأخيرة وأصبحت مدرساً لإلقاء الدروس الحوزويّة.
(١٠) في الأصل: (إنَّ عدمها بما هو تلك الأعدام له) والأنسب ما أثبتناه.
(١١) في الأصل: (وأعدام) والأصح ما أثبتناه.
(١٢) في الأصل: (لا بأعدامها) والصحيح ما أثبتناه.
(١٣) لاحظ فرائد الأصول: ٢/٣١٥.
(١٤) لاحظ (ما كتب من إفادات المجدّد الشيرازي في حكم اللباس المشكوك بقلم أحد تلامذته ص: ٥٠١) المطبوع في آخر الجزء الثاني من (كتاب المكاسب والبيع) تقرير المحقّق النائيني للعلّامة الآملي.
(١٥) في الأصل: الصغرى، والصحيح ما أثبتناه.
(١٦) في الأصل: (إلّا بدون) والصحيح ما أثبتناه.
(١٧) لاحظ فرائد الأصول:٢/٣١٩.
(١٨) في الأصل: (الكل), والصحيح ما أثبتناه.
(١٩) في الأصل: (الكلي), والظاهر أنَّ الصحيح ما أثبتناه.
(٢٠) الدرّة النجفيّة: ١٠٥.
(٢١) هذا مضمون صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله g قال: (كلُّ شيء يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتى أن تعرف الحرام منه بعينه فتدعه) لاحظ الكافي: ٥/٣١٣.
(٢٢) وهو ما رواه حريز عن أبي عبد الله g قال: قال رسول الله g: (رفع عن أمّتي تسعة: الخطأ والنسيان.. وما لا يعلمون..). لاحظ التوحيد للصدوق: ٣٥٣، ونحوه مرفوعة محمَّد بن أحمد النهدي في الكافي: ٢/٤٦٣، ورواية إسماعيل الجعفي في نوادر أحمد بن محمَّد بن عيسى الأشعري: ٧٤.
(٢٣) (من) ليس في الأصل, وقد أضفناه ليستقيم الكلام.
(٢٤) (فيه) ليس في الأصل, وقد أضفناه لاقتضاء السياق ذلك.
(٢٥) لم ترد لفظة (والختم) في الأصل، ولكن حُكي عن المؤلّف t أنَّه كان يكرّر في أذكاره (الحمد لله على الفتح والختم). (يلاحظ وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول: ١/١٢ المقدّمة ) ولمّا كان ذكرها مناسباً لختام الرسالة فالمظنون سقوطها عن قلم الناسخ.