رسالة في التعبدي والتوصلي لإمام المحققين آية الله العظمى الميرزا محمد حسين الغروي النائيني

احدث المقالات

PDF
نص المقال

 

 

رسالة في

التعبدي والتوصلي

 

لإمام المحقّقين آية الله العظمى

الميرزا محمّد حسين الغرويّ النائينيّ S

المتوفّى سنة  ١٣٥٥هـ

 

تحقيق

السيّد غسّان الخرسان

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أنعم علينا بالإيمان به, والتصديق برسوله, والطاعة لأوليائه, ووفّقنا للتعبد بما افترضه علينا, وسهل لنا سبل التوصل إلى غاية ما صاغته حكمته, والصلاة على أشرف أنبيائه المرسل رحمة للعالمين سيدنا ومولانا أبي القاسم محمد, وآل بيته الطيبين الطاهرين, سادات الخلق والهداة إلى الحق القائمين بأمر الله, والمشفعين في عباده.

وبعد, فإن من أهم مباحث علم (أصول الفقه) هو ما يُعرف بمبحث (التعبدي والتوصلي) حيث يتعرَّض الأصوليون فيه إلى البحث عمّا تقتضيه الأدلة الاجتهادية والأصول العملية عند الشك في كون المأمور به ممّا يكون مجرد الإتيان به مجزياً, ولو لم يكن بقصد القربة, أو كونه مما يحتاج إلى هذا القصد في الاجتزاء به وسقوط التكليف المتعلّق به , والأول يُسمى بـ(التوصلي) والثاني بـ(التعبدي), وهذا هو المعنى الذائع لهذين المصطلحين. وهناك معانٍ أخرى لهما تعرضوا لها أيضاً وبحثوا عما تقتضيه الأدلة عند الشك في التعبدية والتوصلية بالنظر إليها.

ومن أكابر الأصوليين الذين حققوا هذا البحث وتوسعوا فيه هو المحقق العظيم أستاذ الأساتذة آية الله العظمى الميرزا محمد حسين الغروي النائيني S. وقد نُشر ما أفاده في هذا البحث من آراء مبتكرة ونظريات مهمة في تقريرات الأفذاذ من تلامذته كـ( فوائد الأصول) للمحقق العلامة الشيخ محمد علي الكاظمي طاب ثراه و(أجود التقريرات) للمحقق الكبير زعيم الحوزة العلمية السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي S.

ولكنه أعلى الله مقامه لمزيد عنايته بهذا البحث تصدى لتحرير رسالة مستقلة فيه بقلمه الشريف(١) وقد تيسر له S كتابة قسم منها ولم يوفق لتكميلها فبقيت ناقصة مبتورة , ولكنها بالرغم من ذلك تحتوي على فوائد جمّة, وتفي ببيان بعض آرائه S بأدق مما ورد عنه في تقريرات درسه.

وقد نبَّه على هذا بعض المحققين من مراجع العصر F, ومن نماذج ذلك ما ورد في تقريرات درسه الشريف بشأن الوجه الذي اعتمده المحقق النائيني S دليلاً على عدم إمكان أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر.

ويجدر بنا أن نقتبس ما أفاده F في هذا الصدد ونورده هنا بلفظه حيث قال(٢):

إن المحقق النائيني S قد استدل على عدم إمكان أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر بوجه عام يجري في جميع الدواعي القربية.

وتقريبه ببيان منّا على ضوء ما حرره S في رسالته المخطوطة في التعبدي والتوصلي يتم ببيان مقدمتين:

المقدمة الأولى:

إن الداعي المنبعث من الإرادة الفاعلية إلى فعل جوارحي, أو جوانحي, لا يمكن أن يكون من ملابسات متعلق تلك الإرادة وكيفياته وشؤونه؛ وذلك لأن نسبة الداعي إلى الإرادة – بمعنى إعمال القدرة النفسانية – هي نسبة العلة إلى معلولها, فهو مقدّم عليها, كما أن متعلّق الإرادة بوجوده الخارجي متأخر عن نفس الإرادة, إذ هي بمنزلة العلة له. وعليه كيف يمكن أن يؤخذ ما هو في رتبة متقدّمة على الإرادة في مرتبة متأخرة عنها؟ مثلاً: المبتلى بالصداع يحصل له أولا  الداعي إلى التداوي من هذا الألم, ثم تنبعث منه الإرادة إلى استعمال هذا الدواء المعالج له. وبتحقق الإرادة يتحقق الفعل وهو استعمال الدواء المناسب.

هذا في العمل الجوارحي, وهكذا في الجوانحي. فمن يرغب في تهذيب نفسه من الصفات الرذيلة, وتحصيل الصفات الحميدة يحصل له الداعي إلى ذلك أولا, ثمَّ تستتبع ذلك الإرادة المتعلقة بهذا الفعل الجوانحي وبتحققها يتحقق هو  ـ أي الفعل ـ لا محالة.

والحاصل: أن الدواعي مطلقاً في مرتبة متقدمة على الإرادة الفاعلية المنبعثة منها. فلا يعقل أن تكون قيوداً للمراد, ومن ملابساته وحدوده . 

نعم, الدواعي القربية وما ضارعها بما أنها من الأفعال الاختيارية للنفس, فلا محالة تكون مسبوقة بالإرادة, لكن هذه الإرادة هي غير تلك الإرادة المنبعثة عن الداعي القربي, ولا يمكن أن تكون متحدة معها لاختلافهما في الرتبة.

وبالجملة المدّعى هو استحالة تعلق الإرادة المنبعثة عن داعٍ بنفس ذلك الداعي, لا استحالة تعلق الإرادة الفاعلية بالدواعي مطلقاً ليورد عليه بالنقض بما سيأتي إن شاء الله.

هذه هي المقدّمة الأولى, وقد أشار إليها بقوله: (إن متعلق الإرادة والداعي الباعث لها طوليان, ليس أحدهما في رتبة الآخر, ولا صالحاً لأن يتركب معه, أو يكون من كيفياته وحالاته, ولا يعقل وقوعهما تحت إرادة واحدة فاعلية بشيء من الوجهين - فلا يعقل أن يتعلق بهما إرادة واحدة آمرية).

وقال S أيضا: (لا يعقل أن تتعلق إرادة الفاعل  بما تنبعث عنه تلك الإرادة بأي أنحاء التعلق, وإلا كان ما يجري منها مجرى العلة معلولاً لها).

المقدمة الثانية:

إن ما يعبّر عنه بالإرادة الآمرية سواء أكانت حقيقته البعث والتحريك أم النسبة الإيقاعية أم غير ذلك, لا يتعلق إلا بما تتعلق به الإرادة الفاعلية. 

فمتعلقهما واحد, لا أن الإرادة الآمرية متعلقها الإرادة الفاعلية أي بـإعمال القدرة النفسانية في الإتيان بالعمل الجوارحي أو الجوانحي, وهذا واضح. ففي الأمر بالوضوء مثلاً ليس متعلق الإرادة الآمرية سوى الغسلتين والمسحتين, لا الإرادة الفاعلية في الإتيان بهما. والفرق أنه لو كان متعلق الإرادة الآمرية هو إعمال القدرة في الإتيان بالعمل الجوارحي, أو الجوانحي لأمكن تقييدها بالداعي بأن يقول المولى (يجب عليك إعمال القدرة بداعي قربي في الإتيان بالوضوء) وأما لو كان متعلّقها نفس متعلق الإرادة الفاعلية فلا يمكن التقييد المزبور, لما تقدّم من أن الداعي الذي تنبعث منه الإرادة الفاعلية يستحيل أن يكون من شؤون متعلق تلك الإرادة وكيفياته وملابساته. فما يصلح للتقييد بالداعي لا يصح أن يكون متعلقاً للإرادة الآمرية, وما هو متعلّقها لا يصلح للتقييد المزبور, فلا يعقل تكفّل جعل واحد لإيجاب الأمرين معاً أي الداعي والمتعلّق وهو ذات الفعل. 

وهذه هي المقدمة الثانية. وقد نبَّه عليها بقوله: (وليس متعلق الإرادة الآمرية إلا عين ما تتعلق به الإرادة الفاعلية بتوسيطها دون نفسها, كي يمكن تقييدها بالمنبعثة عن داعٍ كذائي).

والمستنتج من هاتين المقدّمتين هو أنّه لا يصح أن يتعلّق أمر واحد بفعل جوارحي وجوانحي مقيداً بأن يكون إتيانه عن داع قربي, لفرض أن متعلق الإرادة الآمرية لا يكون سوى ما تتعلق به الإرادة الفعلية ـ كما تقدّم في المقدّمة الثانية ـ والمفروض أيضاً أن الداعي لا يصح أن يكون من قيود متعلق الإرادة الفاعلية المنبعثة عنه ـ كما تقدَّم في المقدّمة الأولى ـ ومعلوم أن الجعل الواحد إنما يتكفل ايجاب شيئين إذا كان يصح جعل أحدهما من قيود الآخر ومن شؤونه وملابساته. وحيث لا يصح هذا في المقام (فلا يعقل أن يتعلق بهما إرادة واحدة آمرية ويتكفلهما بعث واحد كذلك) كما قال S بل لابد من فرض أمرين: 

أحدهما يتعلَّق بالداعي, والآخر يتعلق بذات العمل. والأول متمم للثاني كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

وبهذا التقرير لما ذكره المحقق النائيني S اندفع ما أورد عليه من النقض والحل في كلمات جملة من أعلام المتأخرين, كما في هامش أجود التقريرات(٣), وتقريرات المحقق العراقي(٤).

أمّا النقض: فهو - كما في هامش الأجود – إنه لو تمَّ ما ذكره S فلا يمكن تعلق الطلب والإرادة التشريعية بقصد الأمر, أو بغيره من الدواعي القربية مطلقا. ولو كان ذلك بجعل المتمم, وبالأمر الثاني المغاير للأمر الأول المتعلق بذات الفعل. وهذا ينافي ما ذهب إليه S من تصحيح كون الواجب عبادة بذلك (٥)

ووجه اندفاعه من المقدمة الأولى من ان المحقق النائيني لا ينكر إمكان تعلق الإرادة الفاعلية بالداعي مطلقا, ولكن يقول إن الإرادة المنبعثة عن داع لا يعقل تعلقها بنفس ذلك الداعي, بل يلزم أن يكون الداعي مراداً بإرادة أخرى غير الإرادة المنبعثة عنه. وعليه فلا مانع من تعلق الإرادة الآمرية بالدواعي القربية مستقلة عن تعلقها بذوات الأفعال.

وأمّا الحل فبيانه كما في هامش الأجود:

إن المستحيل إنّما هو تعلّق شخص الاختيار الناشئ عن داعٍ بذلك الداعي بعينه, وأمّا تعلق اختيار آخر به غير الاختيار الناشئ عنه فهو بمكان من الإمكان وحيث أن المفروض أن هناك فعلين: أحدهما خارجي, والآخر نفساني. فلا محالة يكون الاختيار المتعلق بالفعل الخارجي الناشئ من الفعل النفساني مغايراً للاختيار المتعلق بالفعل النفساني, ولكنه بما أن المفروض ترتب الغرض الواحد

على الفعلين معاً, فلا مناص عن كون الشوق, أو الأمر المتعلق بهما واحداً أيضاً.

وهذا الجواب كما ترى لا يحمل ما ينافي مرام المحقق النائيني ـ بل في الحقيقة هو تقرير له ـ إلا ما جاء في ذيله من قوله (ولكنه بما أن المفروض ترتّب الغرض الواحد على الفعلين معا فلا مناص عن كون الشوق, أو الأمر المتعلّق بهما واحداً أيضاً) وقد ظهر اندفاعه من المقدمة الثانية من أنه بعد فرض استحالة أن يكون الداعي من شؤون ما تتعلق به الإرادة الفاعلية, ولزوم أن يكون متعلق الإرادة الآمرية عين متعلق الإرادة الفاعلية. كيف يعقل تكفّل جعل واحد لإيجاب ذات الفعل والداعي معاً بعد كونهما أمرين مستقلين, وكون أحدهما في رتبة متقدمة على الآخر, مع وضوح أن تعدد الأمر ووحدته منوط بتعدد المتعلق ووحدته, والخطاب الواحد بشيئين مستقلين لا يكون أحدهما من قيود الآخر ولا يربطه به رابط آخر ـ كما في المقام ـ يوجب انحلاله إلى خطابين مستقلين ـ لا ضمنيين ـ لا محالة.

ومجرد ترتب غرض واحد عليهما معا لا يجدي في وحدة الخطاب, وإنما يجدي في وحدة المخالفة والعقاب, والإطاعة والثواب التي لأجلها يقول المحقق النائيني S بأن الأمر الثاني متمم للأول .

والصحيح في الجواب عمّا ذكره S أن يناقش في المقدمة الثانية بالفرق بين متعلق الإرادة الفاعلية, والإرادة الآمرية, وأن قياس أحدهما بالآخر ليس في محله. 

وتوضيح الفرق: 

إن متعلّق الإرادة الفاعلية لمّا كان أمراً مشخّصاً في الخارج كالإرادة المتعلّقة بها, وكالداعي المنبعث من تلك الإرادة, وكان الداعي بمنزلة العلّة لما هو كالعلّة لتحقق المتعلّق لم يعقل أن تجعل العلّة من شؤون ما هو كالمعلول لها مع الواسطة, بل المعلول من شؤون علته ومن ملابساته, كما لا يعقل أن يجعل من حدوده وقيوده, إذ لامجال للتقييد والاطلاق اللحاظيين في غير الماهيات الكلية القابلة للتحصيص, بل هو ـ أي المتعلّق ـ متضيق تكوينا لتحققه بإرادة منبعثة عن داعٍ خاص.

هذا في متعلق الإرادة الفاعلية, وأمّا متعلّق الإرادة الآمرية فليس كذلك لأنه أمر كلي موجود في وعاء النفس وقابل للتقييد بأمر آخر والالتحام به, سواء أكان من صفاته أم مقارناته أم مما في سلسلة علله أو معلولاته, لفرض أنه ماهية كلية قابلة للتحصيص والانقسام, مثلا الإرادة الآمرية بإيجاد الحرارة يجوز تعلقها به كذلك من دون تقييدها بأمر خاص, ويمكن أيضاً تقييدها بإيجاد الحرارة الناشئة من القوة الكهربائية, أو الحرارة الموجبة لإحراق الخشب, أو الحرارة المتصفة بالصفة الكذائية, أو المقارنة مع الأمر الكذائي.

كل ذلك  لأجل أن الإرادة الآمرية إنما تتعلق بمتعلّقها في وعاء النفس. والمتعلق في هذا الوعاء أمر كلي, وماهية قابلة للتحصيص والتقسيم, وليست أمراً جزئياً كمتعلّق الإرادة الفاعلية كي لا يقبلها.

ثم إنه بعد إمكان التقييد بما هو في مرتبة علل الشيء في وجوده الخارجي فلا مانع من تعلق الإرادة الآمرية بالحصة الخاصة, وإيجابها على المكلف, ولامجال لحديث الاستحالة والامتناع العقليين في مثله من الاعتباريات, فإن الأمر وما ضارعه من الأمور الاعتبارية لا يتصف بالاستحالة والامتناع, بل بالحسن والقبح, ولا يكون الأمر بالحصة في مفروض المقام حسناً إلا مع توفر شرطين:

أحدهما: قيام الملاك بالحصة الخاصة وتعلقه بها.

والثاني: إمكان داعوية الأمر للمكلف إلى الإتيان بها بالتأثير في مشاعره وعواطفه, ومع توفر هذين الشرطين فلا يبقى مانع من توجه الإرادة الآمرية إلى المكلف بإتيان الحصة الخاصة كالصلاة بداع قربي, وإن كانت الصلاة في وجودها الخارجي في مرتبة متأخرة عن مرتبة وجود الداعي.

ثم إنّه بعد تحقق الأمر وتوجه الخطاب إلى المكلف فعليه الإتيان بالمأمور به سواء استدعى ذلك تحقق إرادتين مستقلتين: إحداهما متعلقة بالعمل الجوانحي, وهو قصد القربة, والأخرى متعلقة بالعمل الجوارحي, وهو ذات الفعل, أم لم يكن كذلك, بل كان يكفي في الإتيان به إرادة فاعلية واحدة.

وبهذا يتضح أن ما ذكره S من قياس متعلق الإرادة الآمرية بمتعلق الإرادة الفاعلية وإسراء حكم الثاني إلى الأول في غير محله, فلا يتم ما استدل به في وجه استحالة أخذ قصد القربة بجميع أنواعه في متعلق الأمر.

هذا ومن المفارقات في كلامه S أنه قد اعترف بإمكان تعلّق الإرادة الآمرية بالإرادة الفاعلية مقيّدة بانبعاثها عن داعٍ قربي - كما تقدَّم نقله عن الرسالة المخطوطة - وإنما منع من تعلقها بمتعلق الإرادة الفاعلية مقيداً بالداعي المزبور, ومع وضوح أن الإرادة الفاعلية أيضاً متأخرة في وجودها الخارجي عن الداعي, كما هو الحال في متعلقها غاية الأمر أن الإرادة الفاعلية معلول للداعي مباشرة, ومتعلّقها معلول لمعلوله, وهذا لا يشكل فارقاً, فلو كان يستحيل تقييد ما هو متأخر بالمتقدم في مرحلة الإرادة الآمرية لاستحال كلاهما على نسق واحد. انتهى بلفظه.

 

اطلالة على حياة المؤلف S:

تناولت كلمات الأعاظم من علماء الطائفة المحقق النائيني S على أنه مجتهد خالد الذكر من أعاظم علماء الشيعة وأكابر المحققين(٦) وقد أبَّنه تلميذه العلامة الكبير الشيخ عبد الحسين الحلي S بكلمة قيّمة نشرها في جريدة (الكرخ) البغدادية نوردها - بتصرف طفيف- لكونها وافية بأهم الجوانب في حياته المباركة, قال رحمه الله:

(شيخنا وأستاذنا أستاذ الكل بقيّة السلف الصالح من العلماء الروحانيين  أرباب المواهب والملكات العالية والإخلاص لله في القول والعمل آية الله الميرزا محمد حسين النائيني الغروي S.

طوى نحواً من اثنتين وثمانين صحيفة من كتاب الدهر زاهية زاهرة بمآثره الغضة التي زانت الزمن الذي عاش فيه مخلصاً لربه. 

أتقدَّم لأشرح نشأة هذا الرجل العظيم ليعرف الناس من هو (الإمام النائيني) الذي عاش عظيما ذايع الصيت وهو على عظمته وشهرته وذيوع صيته مجهول في شخصيته الجبارة, مجهول في ثمراته الصالحة التي كانت تـنتجها حياته الطيبة, مجهول لأن العصر لا يستطيع أن يعرف استكمال أحد لما حواه من الفضائل, أو أنّه لا يعرف رجلاً منزهاً من الزلل يعيش بين الكافة.

 

ميلاده ونشأته:

ولد الإمام النائيني في حدود سنة١٢٧٣ هـ(٧) في بلدة نائين وهي من إحدى البلاد الفخمة التابعة في الإدارة لأصفهان.

هاجر إلى أصفهان سنة ١٢٩٣ هـ بعد ما أكمل دروسه الابتدائية والتهذيبية والأخلاقية في بلاده (نائين) على أساتذة الأخلاق والعرفان(٨) بقي في أصفهان مثابراً على دراسة علوم الدين والحكمة العالية النظرية مدّة أكملت له العقد الثالث من عمره وهو مجدّ فيها بالتحصيل منقطع إلى الأساتذة العظام في علوم الدين خاصة, وفي الأدب والعلوم الفلسفية والرياضية وفي الأدب الفارسي وبها استكمل قوته وملكته الأخلاقية والعلمية معاً, ولم يبارح الفقيد الراحل تلك الحاضرة العلمية إلا وقد شهد له المجمع العلمي الفارسي, وفي طليعتهم أساتذته الأخصّاء به ببلوغه المرتبة التي تمكّنه من الإفتاء والاستقلال بالتدريس والتصنيف, وتخوله الهجرة إلى العاصمة الكبرى الدينية في العراق – النجف – ليشاهد فيها سير العلم بنفسه.

 

هجرته إلى العراق:

هاجر شيخنا النائيني للعراق سنة ١٣٠٣ هـ وانتهى إلى سامراء, وكانت زاهية يومئذ وغاصّة بأعلام العلماء وأقطاب العظماء من أهل العرفان, وعلى رأس الجميع أستاذهم المحقق المدقق مجدّد المذهب على رأس القرن الرابع عشر العلامة السيد ميرزا محمد حسن الشيرازي النجفي وهو مؤسس المدرسة العلمية العالية في تلك المدينة التاريخية وهو مدرسها الأعظم, فراقه ـ أي الميرزا النائيني ـ ما رأى منه ومنهم, فألقى عصا الرحلة في تلك الديار منظماً إلى العلماء البارزين من تلامذة السيد المذكور(٩).

وفي خلال هذه الهجرة توفي والده الشيخ عبد الرحيم شيخ الإسلام زاده، فجزع السيد(١٠) لوفاته؛ لمقامه, وقام بالواجب من الاحتفال لتعزية ولده به ثلاثة أيام ولكن ولده العظيم ما كان - لعلو همته واعتزازه بتقدير أستاذه له – ليبارح سامراء عند موت أبيه, بل بقي كما هو(١١) حتى أجاب الأستاذ الأكبر داعي ربه بسامراء سنة ١٣١٢ هـ.

وقد آثر الفقيد بعد أستاذه البقاء بسامراء أسوة بالكثير من أقرانه من العلماء الذين يشار إليهم بالبنان إلى أن هاجر إلى النجف سنة ١٣١٤ هـ(١٢)حيث يقيم آية الله الخراساني الذي استقل بالتدريس في النجف أيام حياة السيد الشيرازي, ولذلك ولمزايا كثيرة تخصّه سبق بالشهرة سائر قرنائه, فكان المنضوي إلى النجف لا يستغني عن الالتفاف إليه(١٣).

أمّا شيخنا الراحل فقد حازه إلى جانبه الولاء المتقادم والإخلاص في نشر العلوم الدينية, وهو مع ذلك الإنحياز الظاهر والطاهر مستقل بالتدريس والتصنيف في علمي الفقه والأصول (١٤) لكن الزعيم المذكور لم يكن ليهمل رأيه في أكثر مشكلات العلم المهمة. وأمّا في الإصلاح والخدمات العامة فما كان ليستغني عن آرائه الثمينة, وما كان إلا كالمشايع له فيما أقدم عليه من الأعمال الجليلة النافعة للأمة الإسلامية, ولأجل تقديم المثل التي يلزم أن يحتذى بها ألَّف له رسالة (تنبيه الأمة) كما ألفّ الإمام النائيني في الدستور كتابه باللغة الفارسية لما يمس حكومة إيران المطلقة يومئذ والتي هي سابقة في دول الإسلام للنهضة الدستورية. والكتاب قيم جداً وبديع في محتوياته لأنه يتكفل بنظام حكومة نيابية مستنبط من الكتاب الكريم والسنة النبوية, يعجز عن تأليف مثله الأخصائيون بالحقوق؛ ولذلك أدهش عظماء ومفكري الفرس وغيرهم على كثرتهم يومئذ.

وإذا نحن علمنا كم بين مقام العالم الروحي, ومقام المحنّك السياسي من البون الشاسع نعرف قوة ذكاء الفقيد, ونتيقن أن اهتمامه بإصلاح الشؤون العامة الاجتماعية قد كان شديداً لدرجة غالبة على مراعاة شخصياته الفردية(١٥).

 

منزلته العلمية: 

إن الفقيد S ــ مع امتيازه بين علماء النجف بالتضلع بالعلوم الرياضية والحكمة النظرية العالية ــ امتاز بالإحاطة بكليات فقه الشرع الأقدس واتقان أصوله إتقاناً غريباً وأنه دقق فن الأصول تدقيقاً مدهشاً بفكر ثاقب صائب, وبجد متواصل وثبات رهيب حتى عده الخبراء وعده الكافة مجدداً له, ولما يبتني عليه من أحكام الشريعة المطهرة ولذلك لا نجد في النجف اليوم طالب علم إلا وقد انطبع فكره بطابع خاص من آراء الإمام النائيني S.

ما كان النائيني مجدداً على الحقيقة لعلمي الفقه والأصول, ولكنه لمّا نظم طرق الاستدلال وأبرزها بصورة غريبة سهلة خالية عن الغوامض, وعندما أثبت القواعد الأصولية وقرَّبها إلى الأذهان وأثبتها إثباتاً منطقياً على التفكير الصحيح لأنها مستنتجة من مبادئها المسلّمة انتاجاً منطقياً ولذلك حسبها ذو الفن القديم جديدة مبتكرة ـ ولم تكن كذلك ـ لأنها من ناحية الإتقان وقرب المأخذ تغاير ما ذكره الأسلاف من العلماء.

 

زعامته الدينية:

إن الإمام النائيني S تقلّد الزعامة الدينية مستقلا فيها سنة ١٣٣٩هـ حيث انتهت له المرجعية للشيعة في الأقطار عموماً, وفي العراق خصوصاً وما كانت تلك الزعامة بالتي فاجأته عظمتها عنوة؛ لأن تلك العظمة لم تبتدئ بها كما أنها لم تنته بوفاته, بل إنها قد سبقت تاريخ استقلاله بتلك الزعامة الكبرى وستبقى خالدة بعده مادامت اصول العلوم الدينية لمذهب الإمامية قائمة.

إن العلم لا ينسى ما له قبل الاستقلال بالمرجعية وبعدها من الثمرات الصالحة التي ينتجها المجمع العلمي الذي كان ينعقد له كل يوم وكل ليلة, وما تجتنيه الحوزة العلمية الرهيبة التي تشد إليها الرحال من الأقطار الشاسعة من تلك الأخلاق الفاضلة ومن النظريات الدقيقة التي هي محور الحركة العلمية في النجف بيد أن اشتهار تلك النظريات وعموم الانتفاع بتلك الأخلاق كان محدودا بمبدأ تلك الزعامة العامة.

 

تلامذته ومصنفاته:

من مزايا الفقيد التي يمتاز بها في عصره, ومن آرائه النافذة الصحيحة عنايته الخاصة بتربية تلامذته. أولئك الخيرة الذين تُعلق الآمال على كفاءتهم في كفالة مقامه في العلوم الدينية؛ ولذلك كان يجدّ في تهذيبهم طبق المناهج المشروعة بلا ميل عنها يوماً ما, وكان نفسه هو المثل الأعلى في الإخلاص لله وللعلم وأهله قولاً وعملاً.

لقد أحرز الكثير ممن ضمته حوزته العلمية كثيراً من نظرياته والمكانة البديعة التي تفرَّد بها وامتاز بالإبداع بها عن أسلافه ولكن الذين جدوا في إتقان الفنون التي جدّ في اتقانها هم الذين نعنيهم بتلامذته, وهم الذين ما كانوا ليبارحوا محافل إفاداته العامة والخاصة إلا نادراً.

وإذا حفظت السيرة لكل سلف من العلماء خلفاً من أصحابه, فسوف تدون للإمام النائيني تلامذة من خيرة العلماء الصالحين الذين تلقوا محاضراته, واتقنوا نتائج أفكاره فألّفوا المجلدات الضخمة وأودعوها جميع ما يؤثر عنه, كما هو بلا إخلال حتى في العبارة ولذلك لا نحسب أن مجمعه العلمي الذي كان ينعقد له في النجف قد انتهى وتقوّض بوفاته, بل إنه سوف يبقى مادام تلامذته لهم مجامعالبحث والتدريس. وسوف تبقى نظرياته هي محور الحركة العلمية خالدة ببركة مصنفاته وتقارير تلامذته التي طبع بعضها.

 

أخلاقه وملكاته: 

إن للإمام النائيني S عناية خاصة بتكميل نفسه وتغذيتها بأنواع الفضائل, وإن من يصحبه في سفر أم حضر بضع شهور يعلم أن تلك العناية الخاصة وليدة نشأته, أو هي خصلة من أخلاق رجال العرفان ورجال السلوك الذين كان يلزم نهجهم أيام كان بسامراء مهاجراً وكان أشهرهم في السلوك والوصول الشيخ فتح علي السلطان آبادي صاحب الكرامات والمكاشفات المعروف بـ (الآخوند).

إذا شئت أن تلمس فضيلة الورع الإسلامي, وإذا أردت أن تعرف كيف يتصل الإنسان بربه كفاك أن تلزمه أسبوعاً, وأن تشهده يوماً قائماً في خلوته بين يدي باريه منقطعاً عن هذا العالم لا يحس منه شيئا التذاذاً بمناجاته ورهبة من المثول أمامه.

ستّ عشرة سنة قضاها في خدمة العلم وخدمة الأمة وهو زعيمها الروحي المطاع ما نال أحداً بكلمة واحدة ضد الكلمات الجمَّة المفترات عليه, ولا رُأي يوماً ما متهاوناً في حق عليه أو آسفاً لشيء زوي عنه, بل لايزال في أوقات فراغه إما واجماً مفكراً في مشكلة علمية, أو منبسطاً منشرحاً بين الملأ من أهل العلم ما داموا على طاعة(١٦).

 

وفاته:

في ظهر يوم السبت ١٧ (١٧)جمادى الأولى سنة ١٣٥٥ هـ رزئت البلاد الإسلامية بالزعيم الديني الأكبر خاتمة السلف الصالح الإمام النائيني الذي قل أن ينجب الدهر مثلاً له في الصلاح وفي سمو التفكير, واتقان العلوم الدينية كافة. فبقي الناس في أسف وحسرة شديدة لما نزل بهم في الزمن الذي تقل فيه المثل الصالحة الذين يقتدى بهداهم, والحجج البالغة الذين تزاح الشكوك بالرجوع إليهم, وتوافدوا من الاقطار النائية لتعزية انجاله الكرام (الميرزا علي آغا) وأخويه (المهدي ومحمد) حرسهم الله فعلى ذمّة الدين الأقدس, وعلى ذمة الإخلاص الذي لم يرتفع من على وجه الأرض سد هذا الفراغ الشاغر في البناية الإسلامية والله هو المؤيد لدينه المسدد لأهله, ولا حول ولا قوة الا به وحده(١٨).

 

آثاره:

قد ألَّف S مجموعة من الكتب والرسائل:

أمّا الكتب, فهي: 

  1. تنبيه الأمَّة وتنزيه الملَّة. في وجوب إقامة النظام الدستوري, طبع في بغداد سنة ١٣٢٧ هـ.
  2. وسيلة النجاة (متن فقهي غير مكتمل الأبواب). طبع في النجف الأشرف سنة ١٣٤٢ هـ.
  3. الفتاوى. وهي أجوبة على مسائل المستفتين وقد جمعها واستنسخها تلميذه الشيخ حسين الحلي S طبعت في ايران سنة ١٤٢٣ هـ. 
  4. وسيلة النجاة (رسالة عملية تشتمل على أبواب العبادات والمعاملات, طبع مختصرها في صيدا في سنة ١٣٥٢ هـ).
  5. مناسك الحج (علَّق عليها فقيه عصره السيد محسن الحكيم وسمَّاها دليل الناسك). 
  6. تعليقة على العروة الوثقى. طبعت مستقلة سنة ١٣٤٠ هـ. 
  7. ذخيرة العباد (رسالة عملية باللغة الفارسية). 

وأمَّا الرسائل, فهي: 

  1. رسالة في المعاني الحرفية (مخطوطة).
  2. رسالة في الترتب (مخطوطة). 
  3. رسالة في التعبدية والتوصلية (وهي الرسالة التي بين يديك).
  4. رسالة في اللباس المشكوك. طبعت في النجف الأشرف سنة ١٣٥٨ هـ مع (منية الطالب) وأعيد طبعها مستقلة في إيران سنة ١٤١٨ هـ.

 

عملنا في التحقيق:

توفرت لدينا ثلاث نسخ من هذه الرسالة:

الأولى: بخط المحقق الكبير الشيخ حسين الحلي S (ت ١٣٩٤) وهو التلميذ المقرَّب من المحقق النائيني S. والظاهر أنَّه استنسخها في حياة المؤلف حيث دعا له بالحفظ فيما كتبه عليها هكذا:

(رسالة في التعبدي والتوصلي لحجة الإسلام وملاذ الأنام الحاج ميرزا محمد حسين النائيني حفظه الله).

وهذه النسخة موجودة في خزانة مخطوطات معهد العلمين, حيث انتقلت إليه قريباً من ذرية الناسخ, ولم تُفهرس بعد, وهي منضمَّة إلى مجموعة من الرسائل. وعدد صفحاتها ٢٠ من الورق الأصفر, بقياس (٢٠ سم * ١٣ سم ), وعدد أسطرها ١٩.

الثانية: بخط العلامة السيد محمد صادق بحر العلوم S (ت ١٣٩٩) وهي أيضاً مستنسخة في حياة المؤلف حيث ورد في خاتمتها أنَّه تمَّ استنساخها في ذي الحجة ١٣٤٢ هـ.

وهذه النسخة أيضاً موجودة في خزانة مخطوطات معهد العلمين برقم (٢/٨٥), وعدد أوراقها ٨ بقياس (١٣ سم * ٢٠ سم ), وعدد أسطرها ٢١,

وهي منضمَّة إلى رسائل أخرى جمعها الناسخ S  بتأريخ ١٣٥٢ هـ كما أثبت S ذلك في ذيل تعدادها.

الثالثة: بخط العلامة الشيخ محمد حسين الكلباسي S (ت ١٤١٨), وهو من تلامذة المحقق الشيخ حسين الحلي S, ولكن الملاحَظ أن بين نسختيهما فرقاً في مواضع عديدة, فيعلم أن الأصل في نسخته غير النسخة الأولى المار ذكرها.

وهذه النسخة موجودة في حيازة نجل ناسخها S سماحة الشيخ محمد علي الكلباسي حفظه الله تعالى, ومصوَّرِها في خزانة مخطوطات مؤسسة كاشف الغطاء العامة برقم (٢١٣٦), وعدد صفحاتها ١٢ بقياس (٢٢ سم * ١٤ سم), وعدد أسطرها ٢٢, وتأريخ نسخها ١٣٨١ هـ,وهي منضمَّة إلى رسائل أخرى بخط الناسخ S.

هذا وقد تمَّ اعتماد نسخة الشيخ حسين الحلي S أصلاً, وأشرنا في الهوامش إلى ما بينها وبين النسختين الأخريين من الفرق, ورمزنا للنسخة الثانية بـ( ب) وللثالثة بـ(ج).

كما أشرنا إلى مظان المطالب التي أرجع إليها المؤلف S من تقريرات بحثه الشريف كفوائد الأصول, وأجود التقريرات, والمصادر الأخرى.

 

شكر وتقدير:

في الختام أتقدم بالشكر الجزيل إلى إدارة معهد العلمين, وإدارة مؤسسة كاشف الغطاء العامة لجميل تعاونهما, وإلى جميع الأساتذة الفضلاء والإخوة الأعزاء الذين ساهموا في اخراج هذا العمل بهذه الحلّة, وأخص بالذكر منهم جناب الشيخ كريم مسير حفظه الله تعالى.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم وينفعنا به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. والحمد لله أولاً وآخرا وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

 

 

 

 

 

متن الرسالة

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وأفضل الصلاة وأكمل التحية على خاتم أنبيائه وآله الطاهرين.

فائدة: اختلفوا في أنّ الأصل في الواجبات هل هو التوصلية أو التعبدية, أو أنه ليس في البين ما يوجب أصالة أحد الأمرين, وإنّما المتعيَّن - عند عدم تبين شيء منهما من مرجعه الآتي بيانه - هو الرجوع إلى ما يقتضيه الاشتغال  أو البراءة؟

وهذا(١٩) (٢٠) هو الحق الذي لا محيص عنه ولا بد في تنقيحه من تقديم أمور:

 

الأمر الأول

إن تعبدية الواجب عبارة عن  كونه وظيفة مشروعة لأن يتعبد ويتقرب به إليه تعالى, وتوصليته عبارة عما لم يعتبر فيه ذلك. وقد يطلق التوصلية على الأعم من ذلك، فيراد به ما يسقط التكليف بمحض حصوله, ولو مع عدم استناده إلى المكلف أصلاً, أو بلا إرادة و اختيار منه, كما في حال النوم ونحوه, بل وبالمحرَّم أيضاً.

وغير خفي أن غاية ما يمكن من دعوى أصالة التوصلية - بتوهم أنها قضية الإطلاق - إنما هي بذلك المعنى الأخص المقابل لاعتبار نية التقرّب. زعماً برجوعه إلى تقييد المادة بها(٢١) أما بهذا المعنى الملازم للسقوط بما ذكر, فلابد من قيام دليل عليها, وإلا فظاهر الخطاب هو تقييد المطلوب بكل من المباشرة والاختيارية وما عدا المحرَّم. حتى على ما هو التحقيق عندنا(٢٢) من كفاية تعدد الجهة في تعدد متعلق الحكمين وعدم تعلق كل منهما بعين ما يتعلق(٢٣) الآخر بإطلاقه به فضلاً عما إذا قيل بعدمها.

أما المباشرة فلأن الكلام في(٢٤) ظهور الخطاب(٢٥) في اعتبارها يقع : ــ  تارة في مقابل كفاية الاستنابة(٢٦) وأًخرى في مقابل السقوط بفعل الغير بلا استناد إلى(٢٧) المكلّف أصلا.

وظاهرٌ أن ما يلازم التوصلية بالمعنى الأعم وإن كان هو السقوط على الوجه الثاني دون الأول إلا أن ظاهر الخطاب هو اعتبارها في مقابل كلٍ من الأمرين, ولكن(٢٨) على اختلاف طريق المسألتين في ذلك. ومغايرة الإطلاق المقتضي لتعينها - في مقابل الاستنابة - للإطلاق النافي للسقوط بفعل الغير بدونها. فلا يرتضعان من ثدي واحد.

وتوضيح ذلك :أن الاستنابة - حيث إنها عنوان اختياري(٢٩) يصلح لتعلق التكليف به(٣٠) عند  تعذر المباشرة أو مطلقا - فيرجع كفايتها في عرض المباشرة إلى(٣١) تعميم في متعلق التكليف(٣٢), ويكون هو النتيجة المترتبة على حكومة دليلها على الدليل الظاهر في خصوص المباشرة(٣٣) لا محالة . 

وحينئذ فإن قلنا بأن في البين جامعاً قريباً عرفياً يصلح أن يكون هو المطالب به من المكلف, والمستعمل فيه هيئة الأمر وغيرها من هيئات الأفعال - ولو على سبيل عموم المجاز كما هو لازم القول بمجازية النسبة إلى المستنيب بعلاقة التنزيل كانت, أو التسبيب - كان المتجه حينئذ رجوع التعميم المذكور إلى وجوب القدر المشترك بين الأمرين في مقابل تقييده بخصوص المباشرة. 

وإن منعنا عن ذلك وقلنا بأن النسبة الناشئة عن الاستنابة - حقيقية كانت أو مجازية وبأي عناية كانت - فحيث إنها في طول النسبة إلى المباشرة, فلا يمكن أن يجمعها نسبة واحدة  تكون هي المطالب بها من المكلف, والمستعمل به هيئة الأمر ونحوها, لا على سبيل الحقيقة ولا على عموم المجاز, كما لا يخفى, كان المتعين حينئذ رجوع التعميم المذكور إلى التخيير بين الأمرين في مقابل تعيين المباشرة. وعلى كل منهما فالنسبة المذكورة - ولو قلنا بعدم مجازيتها, وأغمضنا عن طوليتها- فلا أقل من انصراف المعنى المنشأ بهيئة الأمر عنها عند إطلاقها المقامي الراجع إلى انتقاء ما يوجب صرفها عن ظاهرها, فضلاً عما إذا قلنا بالمجازية, أو منعنا عن الجامع المذكور والتزمنا - عند كفاية الاستنابة - بالوجوب التخييري ,فإن ظهور الخطاب في اعتبار المباشرة يكون أقوى حينئذ كما لا يخفى(٣٤)

وأما فعل الغير بلا استنابة من المكلف(٣٥) فحيث إنه لا يعقل أن يتعلق التكليف العيني الموجه إلى مكلف خاص بالقدر المشترك بين فعل نفسه وغيره(٣٦), ولا بأحدهما المخير, فلا يعقل أن يكشف دليل السقوط(٣٧) عن تعميم المتعلق بشيء من الوجهين. وإنما يكون كاشفاً لا محالة عن ارتفاع موضوعه(٣٨) الذي يدور حدوثاً وبقاءً مداره بذلك, وموضوعيته للحكم كذلك, ضرورة عدم تعقل السقوط في مفروض المقام بغير ذلك. وحيث أن قضية اشتراط كل حكم بوجود موضوعه على حسب ما أخذ موضوعاً له إنما هو اشتراط التكليف "بمثل إزالة النجاسة, أو أداء الدين ونحو ذلك مما يصلح موضوعه لأن يرتفع بفعل الغير مثلا" بعدم ارتفاعه به. وهذا شرط آخر في ناحية البقاء زائداً على أصل الحدوث. فبهذا الاعتبار يكون السقوط بفعل الغير منافياً لإطلاق الخطاب في مقابل اشتراطه بقاءً بعدم قيام الغير به(٣٩).

وبالجملة فالسقوط(٤٠) بالاستنابة يرجع إلى الخروج عما يقتضيه إطلاق الخطاب في ناحية المكلف به بأحد الوجهين, وبدونها إلى الخروج عما يقتضيه في ناحية التكليف من الوجوب المطلق المقابل للمشروط, وبينهما من البون البعيد ما لا يخفى.

 ولو فرض الدليل مجملاً فاختلاف الطريق يسري إلى المقام أيضاً لرجوع الأمر عند الشك في كفاية الاستنابة :

بناء على تسليم الجامع المذكور إلى العلم بوجوبه, والشك في قيد زائد, فيندرج فيما يكون تردد المكلف به بين الأقل والأكثر تحليلياً, لا خارجياً. 

وعلى المنع عنه إلى العلم بتكليفٍ مرددٍ متعلقُه بين المعين والمخير, ومرجعه أيضا إلى التحليلي بوجه آخر على ما بين في محله(٤١).

وبعد البناء على جريان البراءة في المقام وشمول دليل الرفع لمثل ذلك فينحل اليقين السابق حينئذ, ولا يبقى مجال لاستصحاب التكليف المردد بعد الإتيان بالأقل المعلومِ تعلقُ التكليف به. على ما حرر في محله(٤٢) وهذا بخلاف ما إذا شك في السقوط بقيام الغير بدون الاستنابة, فإنه وإن كان جريان البراءة عند انتقاء ما يشك في اشتراط التكليف به, كما في مفروض المقام من المتسالم عليها من مجاريها. لكن حيث إن الشك في المقام راجع إلى مرحلة البقاء وانتقاض اليقين السابق دون الحدوث الموجب لانحلاله, كما في الفرض السابق, فلا يصلح دليل الرفع رافعاً لموضوع الاستصحاب, بل ينعكس الأمر, ويرتفع به موضوعه كما في أشباهه فتدبر(٤٣).

وأمّا الاختيارية فلأن النسبة الموضوعة لها هيئات الأفعال - وإن كانت باعتبار اشتراكها المعنوي(٤٤) بين المتعدي واللازم  بأنواعه(٤٥) الراجع بعضها إلى مقولة الانفعال, والآخر إلى مقولة الكيف وغير ذلك مما لا دخل للاختيارية في قيامها بمعروضاتها(٤٦) - شاملة لما إذا كان قيام المبدأ بفاعله بغير(٤٧) إرادة واختيار منه على حد شموله(٤٨) للاختياري, وكان القدر المسلم من الانصراف الناشئ عن كون المبدأ من مقولة الفعل المقابل للانفعال ونحوه, هو انصرافها عما إذا وقع الفعل بقهر قاهر على من يقوم به, لكون النسبة حينئذ وقوعية عليه لا صدورية منه. 

أمّا إذا كان الفعل صادراً منه بغير إرادته واختياره, كما في حال النوم ونحوه فإنه لا مجال لدعوى الانصراف عن مثله, لا من جهة الهيئة لما عرفت من أن وضعها للقدر المشترك بين المتعدي واللازم بأنواعه من المتواطئ. ولا معنى لدعوى الانصراف في مثله, ولا من جهة نفس المادة إذا كان من مقولة الفعل المصطلح, فإن غاية ما يتوقف إضافتها إلى الفاعل هو صدورها منه؛ إما كونه بإرادته واختياره. فإن كان نفس المادة بنفسها متضمنة له, كما إذا كانت هي كالتعظيم والتأديب ونحوهما من العناوين القصدية فلا معنى للانصراف, وإلا فليس إلى دعواه سبيل. ومن هنا تسالموا على شمول أدلة الضمانات ونحوها بجامع واحد للإرادي وغيره, لكنه مضافاً إلى امتياز متعلقات التكاليف عن غيرها - من جهة خلو غير الاختياري عن جهة الحسن أو القبح الفاعلي التي بها يتقوم ملاك المطلوبية أو المبغوضية دون الضمان ونحوه كما لا يخفى- فهيئة الأمر أيضا ممتازة عن هيئة الماضي ونحوه, بأن النسبة الموضوعة هي لإيقاعها على من يتوجه اليه طلبية مسوقة لبعثه على الفعل بإلقاء موجب الاختيار إليه وتوجيه إرادته نحوه.

 فهذان الاعتباران متعلق البعث الإرادي حتى إذا كان الدليل لبياً أيضاً, لأن المنكشف كذلك. وتتوسط الاختيارية في جهة الانتساب لا محالة, ويخرج غير الاختياري عن الانطباق على المطلوب, ويكون السقوط به كالسقوط بفعل الغير في كونه من باب ارتفاع الموضوع المتقدم بيانه, لا لحصول مصداق الواجب كما عرفته في الاستنابة(٤٩). ضرورة توقفه على إمكان التعميم المتعذر في المقام أيضا حذو ما تقدم.

وأما غير المقدور بالمزاحم فهو وإن كانت القدرة أيضاً كالاختيارية من القيود اللاحقة من جهة الخطاب, وترتضعان من ثدي واحد, وكان غير المقدور المذكور غير صالح بهذا الاعتبار لأن يطالب به - ولو بدلياً - مطلقاً, وعلى هذا يبتني(٥٠) خروج ما يزاحمه المضيق في زمانه عن إطلاق الموسع على ما حرر في محله(٥١), لكن حيث إنه لا دخل للقدرة عند عدم أخذها شرطاً شرعياً في لسان الدليل إلا في حسن الطلب دون المطلوب, فلا يؤثر المزاحمة حينئذ إلا في سقوط الخطاب عن أحد المتزاحمين دون خلوه عن ملاك الحكم وجهة حسنه الفاعلي, فيكون مجزياً بهذا الاعتبار بلا حاجة إلى قيام دليل آخر على ذلك. ويصلح حتى للتعبدية من هذه الجهة.

ولو قيل بعدم ارتفاع محذور التزاحم بترتب أحد الخطابين على عصيان  الآخر, وإن كان خلاف التحقيق عندنا على ما حققناه في محله(٥٢)

نعم, لو كان المزاحم بحيث يوجب مضافاً إلى عدم التمكن عما يزاحمه خللاً في حسنه الفاعلي أيضا, فهذا يلحق بغير الاختياري في جميع ما تقدم, ومورد اجتماع الأمر والنهي من ذلك.

أما على القول بعدم الجدوى لتعدد الجهة في تعدد متعلق الحكمين وترجيح جانب النهي فظاهر, إذ بعد خروج الجهة المغلوبة عن ملاكية الحكم بأقوائية الأخرى - كما هو المفروض - فلا جدوى في حسن الفعل في حد نفسه, فضلاً عن حسنه الفاعلي كما لا يخفى.

وأمَّا على ما هو المختار عندنا من(٥٣) كفايتها في ذلك؛ فلأن غاية ما يجديه ذلك هو التخلص عن أحد محذوري الاجتماع, وارتفاع المانع عن إطلاق متعلق الأمر عند عدم تنجز النهي بذلك. 

أمّا عدم المقدورية المجامع للمحرم عند تنجز حرمته فهو محذور آخر يترتب البحث - عن كونه مانعاً عن شمول الإطلاق وعدمه - على الفراغ عن الجهة الأولى, وبعد البناء على تبعية إطلاق متعلق الأمر لمقدار مقدوريته - كما عرفت أنه مبنى مزاحمة المضيق لإطلاق الموسع ونحوه - فلابد حينئذ من تقييد متعلق الأمر بما عدا المتنجز حرمته وبناء الامتناع على ذلك. فيستقيم حينئذ ما تسالموا عليه من دوران مانعية النهي مدار تنجزه, وغير ذلك مما لا مساس له بالامتناع من الجهة الأولى كما فُصِّل في محله(٥٤). ولمكان تلازم(٥٥) الجهتين إيجاداً ووجوداً فيسري القبح الفاعلي الناشئ عن تنجز النهي إلى ما يجامع المبغوض, ويمتاز عما يضاد المضيق ونحوه بذلك, ولا يصلح(٥٦) بهذا الاعتبار للأمر الترتبي أيضا، مضافا إلى عدم معقوليته في المقام من حيث نفسه من جهة رجوعه إلى طلب الشيء على تقدير وجوده, فيكون السقوط به كالسقوط بفعل الغير وغير الاختياري, لا كالسقوط بما يضاد المضيق ونحوه كما لا يخفى. وتمام الكلام موكول إلى محله(٥٧).

 

الأمر الثاني

إن الخصوصيات الصالحة لأن يتخصّص أو لا يتخصّص بها متعلقات الأحكام أو موضوعاتها لا تخلو, إما أن يكون التخصّص بها وعدمه من انقساماتها اللاحقة لها بعناوينها الأولية, ومن حيث نفس ذواتها بلا مدخلية لاتصافها بأحكامها(٥٨), أو يكون من انقساماتها الثانوية اللاحقة لها بتوسط أحكامها والمترتبة عليها ترتب المعلولات على(٥٩) أجزاء عللها. 

وغير خفي أن ما يرجع إلى القسم الأول فلا يخلو معروض الحكم ــ متعلقه كان أو موضوعه  بالنسبة إلى كل خصوصية يمكن أن يتخصص أو لا يتخصص بها ــ.

إما من إطلاقه بالنسبة إلى الأمرين, أو تقييده بأحدهما, ولا يعقل إهماله في نفس الأمر(٦٠) بالنسبة إلى شيء منهما مع علم الآمر والتفاته إلى ما له دخل منها في غرضه. وما يتساوى وجوده وعدمه فيه وما ينافيه.

وهذا بخلاف ما كان من قبيل الثاني, فإنه بعد أن كان انقسام ما يعرضه الحكم - المتخصص واللا متخصص بتلك الخصوصية - مترتباً على عروضه له منتفياً موضوعه في رتبة عروضه, فيستحيل أن يرد هو على المتخصص حذو ما يستحيل أن يتقدم كل معلول على ما هو من أجزاء علته. وهذا - بالنسبة إلى امتناع أخذ الخصوصية المترتبة على الحكم كالعلم به وما يجري مجراه في موضوعه المتوقف عليه فعليتُه – ظاهرٌ. إذ بعد أن كانت الخصوصية المذكورة متوقفاً تحققها الخارجي على الحكم, وكذلك الحكم على تحقق موضوعه, فاتحاد جهة التوقف من الجانبين في مرحلة فعلية الحكم واستلزام أخذها فيه للدور المصطلح في تلك المرحلة مما لا خفاء فيه. 

وإما إنشاؤه على موضوعه المتوقف عليه فعليتُه فهو وإن لم يكن متوقفا على وجوده كي يستحيل نفس الإنشاء أيضا لذلك لكنه مضافاً إلى كفاية استحالة المجعول في استحالة جعله فحيث قد تقرر في محله(٦١) أن مناط كون المقدمة وجوبية مأخوذة على جهة الموضوعية للحكم هو أخذها عند إنشائه مفروض الوجود في الخارج, وإيجاد الحكم عند وجودها مترتبا عليها فمرجع أخذ العلم بالحكم قيداً لمن يتوجه إليه وتوجيه ذلك الحكم إليه, إنما هو إلى أخذ كل من الحكم والعلم به عند إنشائه متحققاً قبل رتبة وجوده ويلزم المحذور ذهناً وخارجاً, حسبما سيجيء توضيحه(٦٢).

وأما بالنسبة إلى امتناع أخذها في متعلق الحكم, كأن يؤخذ داعي الامتثال ونحوه فيه فهو ـ وإن كان للمناقشة فيه مجال لإمكان أن يقال إن تحقق الداعي في الخارج وإن كان متوقفاً على الحكم لا محالة, لكن حيث إن ما يتوقف الحكم عليه من ناحية متعلقه هو تصور الآمر له دون وجوده؛ لأنه هو الموجب للسقوط دون الثبوت كما في ناحية الموضوع ـ فغاية ما يتوقف عليه تقييد المطلوب بها هو تصورها قبل الآمر, وواضح أنه بمكان من الإمكان. فيختلف جهة التوقف حينئذ كما في العلل الغائية, وترتفع غائلة الدور بذلك, وينحصر ما يصلح مانعاً عنه في عدم تمكن المكلف من قصد الامتثال مع قيديته شرطاً وشطراً؛ لخلو ذات الصلاة ونحوها حينئذ عن الأمر الاستقلالي الصالح للبعث عليها بالفرض, وعدم صلاحية تعلقه الضمني بكل من الوجهين لأن يكون داعياً إلى ذاتها المجردة, لفرض عدم تعلقه بها إلا منضمة بتلك الخصوصية لا مجردة عنها, وتوقف نفس انضمامها إليها على تعلقه بالذات المجردة, فينسد باب الامتثال حينئذ على المكلف, ويمتنع التقييد بها بهذا الاعتبار, لا لاستحالته في حد ذاته كما في ناحية الموضوع .

هذا غاية ما يمكن أن يتوجه به التفصيل في استحالة التقييد بالخصوصية المذكورة بين المقامين, لكن لا يخفى أن غاية ما يجديه اختلاف جهة التوقف هو التخلص عن محذور الدور المصطلح المتوقف لزومه على التوقف من الجانبين, والمستلزم لتقدم كل منهما على نفسه بتقدمه على خاصته(٦٣).

لكنه لا يجدي في التخلص عن محذور التقدم المذكور بلا توسط الواسطة المذكورة, وهذا هو الموجب لاستحالة هذا التقييد وإليه يستند عدم تمكن المكلف من الامتثال أيضا, لأنه لا مناص عنه في كلتا المرحلتين, فلا يتمكن منه(٦٤) المكلف لمكان امتناعه الذاتي, لا لقصور قدرته عنه مع إمكان الشيء في حد ذاته كالطيران في الهواء ونحو ذلك.

ولا بد في توضيحه من تنقيح أمور:

الأول: إنه لا خفاء في أن الضابط في جواز قيدية شيء لمتعلق حكم خاص واستحالته هو إمكان تعلقه به استقلالاً وعدمه, ولا يعقل التفكيك في جواز تعلقه به واستحالته بين الوجهين كما لا يخفى.

الثاني: إن الإرادة - سواء قلنا بأنها عين الطلب, أو سابقة عليه في الرتبة كما حققنا  في محله(٦٥)- فإنما يمتاز التكوينية منها عن التشريعية بأنه لا بد للأولى من طرفين, أحدهما المريد والآخر هو المراد. ويزداد في التشريعية طرف ثالث لا محالة وهو المراد منه. وقد يزداد الأطراف على ذلك, كما هو الحال في ما إذا تعلقت الإرادة التكوينية أو التشريعية بعنوان مترتب على موضوع خارجي, فإنه لا يعقل فعلية الإرادة إلا إذا تحقق ذلك الموضوع. وإن لم يتوقف وجودها الشأني إلا على تقدير وجوده كما في الطرف الثالث(٦٦). فهذه الطرفية والإضافة وإن اختلف سنخها وكانت بالنسبة إلى المراد هي الموجبة لوجوبه التكويني أو التشريعي التابع لإطلاقه واشتراطه لكيفية تعلقها به, وبالنسبة إلى غيره مترتبة على وجوده, إلا(٦٧) أن تقومها بالإضافة إلى كل واحد من أطرافها في عرض الآخر. واستحالة تحققها بدونها من الواضحات الجاري انكارها مجرى مكابرة الضرورة. 

الثالث: إن متعلق الإرادة كما أنه في التكوينية هو نفس الفعل الخارجي الذي تنبعث إرادة الفاعل نحو إيجاده, و تجري الصورة الذهنية بمرآتيتها له مجرى الآلة لذلك, فكذلك الحال في التشريعية أيضا حذو النعل بالنعل, فليست الصور والعناوين المتصورة للآمر متعلقات أمره بما أنها هي, كي تكون كلياً عقلياً ويخرج عن صلاحية الانطباق على الخارجيات بالكلية.

وإنما يتعلق البعث التشريعي أيضا كالتكويني بنفس ما يصدر أو لا يصدر عن المكلف بطاعته أو عصيانه بمرآتيتها له, فتكون هي ملحوظة في مرحلة(٦٨) تعلق

 التكليف بها بما أنها متحدة لما ينطبق عليها. لا بلحاظ المغايرة التي يصح الحمل باعتبارها, كي يلزم من المحاذير ما لا يخفى.

الرابع: إن تصور العناوين المترتبة في التحقق الخارجي على شيء آخر قبل ذلك الشيء - وإن كان بمكان من الإمكان من دون فرق بين أن يكون المترتب عليه حكماً شرعيا كمفروض المقام, أو موضوعاً ­­­­­­­­­­­­­­­­خارجياً كقضاء الفائتة والوفاء بالعقد مثلاً, ولا بين أن يكون ترتبه عليه عقلياً كأمثال المثالين, أو شرعياً كترتب حجة الإسلام على استطاعته ونحو ذلك - لكن لا يخفى أن تصورها وترتيب حكم عليها كغيرها من العناوين يكون :

تارة على جهة موضوعية وبلحاظ أنها هي تلك الطبيعة. فتكون هي حينئذ كلياً عقلياً لا ينطبق على الخارجيات أصلا, والقضية المتضمنة لحكمٍ عليها هي الطبيعية التي لا اعتداد لها في العلوم؛ لعدم تركيب الأقيسة منها وعدم صلاحيتها للوسطية والاستنتاج, كما ذكروه. 

وأخرى بلحاظ المرآتية لما ينطبق عليها. فتكون هي حينئذ كلياً طبيعياً, والقضية المتضمنة لحكم عليها هي الحقيقية التي تدور رحى القضايا المعتبرة في العلوم عليها, كما أوضحوه. وغير خفي أنه كما لا محيص في متعلقات الأحكام وموضوعاتها عن كونها مأخوذة على الوجه الثاني دون الأول, وإلا كان بمعزل عن الانطباق على ما في الخارج كما أوضحناه, فكذا لا مناص في أخذ العناوين المترتبة -المذكورة على هذا الوجه متعلقاً للحكم(٦٩)- عن أخذ ما هي مترتبة عليه مفروض الوجود لا محالة, وترتيب الحكم على وجوده, وإلا لم يكن العنوان مرآةً لما ينطبق عليه, ولزم الخلف كما لا يخفى.

فكما أنه لا يعقل أن يؤخذ قضاء الفائتة مثلاً على جهة المرآتية ويطالب بها, إلا بأن يأخذ فوات الفريضة متحققاً مفروض الوجود في الخارج ويطالب  بقضائها, أو الخمر متحققاً في الخارج ويمنع عن شربه, وهكذا غيرهما من موضوعات  الأحكام, فكذلك الحال بالنسبة إلى عنوان الامتثال أيضا, فإنه لا يعقل أن يطالب به إلا بأن يؤخذ ما يراد امتثاله صادراً ويطالب بامتثاله. وإلى هذا يرجع ما قدمناه من زيادة طرف الإرادة على أركانها المتقدمة عند تعلقها بعنوان مترتب على موضوع خارجي.

و عليه يبتني اشتراط التكاليف المتعلقة بالعناوين المترتبة المذكورة بوجود موضوعاتها, ورجوع الشك فيها إلى الشك في ما يترتب عليها من التكليف حسبما أوضحناه في محله(٧٠).

وإذ قد عرفت ذلك اتضح لك أن غاية ما يجديه إمكان تصور العناوين المترتبة على الخطابات قبل صدورها هو إمكان أخذها, إما موضوعاً لقضية طبيعية أجنبية عن التعلق بأفعال المكلفين, أو حقيقية متضمنة لحكم آخر عليها غير ما هي مترتبة عليه.

أمّا أخذها متعلّقا لشخص ذلك الحكم - فحيث قد عرفت أنه لا مناص عند ترتب متعلق الخطاب على شيء آخر حكماً شرعياً أو موضوعاً خارجياً- عن ترتب ذلك الخطاب أيضا على ذلك الشيء وموضوعيته له فمرجع تعلق الخطاب بامتثال نفسه إلى موضوعيته لشخص نفسه, فيكون في مرحلة إنشائه كسائر موضوعات الأحكام مفروض الصدور قبل صدوره متقدماً على نفسه. وكذا في مرحلة الفعلية والتحقق أيضا متوقفاً على شخص نفسه, فيلزم المحذور ذهناً وخارجاً, كما لا يخفى. 

وبالجملة فليس الأمر الذي يطالب بامتثاله إلا كالفائتة التي يراد قضاؤها, أو الخمر الذي يمنع عن شربه, والعقد الذي يلزم بالوفاء به, وغير ذلك من الموضوعات التي يتعلّق حكم وضعي أو تكليفي بالعناوين المترتبة عليها, وكما أنه لا يعقل أن يتعلق ذلك الحكم إلا بنفس تلك العناوين - بما هي مترتبة في الخارج على موضوعاتها - دون الصور الذهنية والمفاهيم التصورية التي لا يتوقف وجودها التصوري عليها. وليست هي في مرحلة إنشاء الحكم إلا مرآة لها وآلة لتعلق الحكم بها ، ولا الحكم المنشأ بذلك الإنشاء إلا عبارة عن نفس ما يتعلق بذلك العنوان يتوجه إلى المكلف عند تحقق ذلك الموضوع .

وأمّا قبله فسبيله سبيل الخطاب المتعلق بفعل مكلف خاص قبل وجوده ونحو ذلك مما يكون الحكم مشروطاً شرعاً أو عقلاً بوجوده, ولا يعقل له تحقق سابق عليه وإن كان انشاؤه سابقا كما في الوصية والتدبير أيضاً حسبما حقق في بحث الواجب المشروط(٧١), فكذلك الحال بالنسبة إلى الخطاب المتعلق بامتثال خطاب أيضا حذو النعل بالنعل كما لا يخفى.

وإذ تبيَّن أن نسبة الأمر الذي يطالب بامتثاله إلى إيجاب امتثاله هي بعينها نسبة سائر موضوعات الأحكام إلى أحكامها, فلو تعلَّق هو بامتثال نفسه لزم موضوعيته لشخص نفسه. ولمكان أن قضية هذه الموضوعية - عقلية كانت كأمثال المقام أم شرعية كما في الاستطاعة بالنسبة إلى وجوب حجّة الإسلام - هي أخذ الموضوع عند إنشاء الحكم متحققاً مفروض الوجود في الخارج وايجاب وضع أو تكليف على ما يترتب عليه عند وجوده, فباعتبار أخذه مفروض الصدور عند إنشائه يلزم تقدمه على نفسه ذهناً, وفي مرحلة الإنشاء لا محالة. 

وباعتبار ترتبه في الفعلية على شخص نفسه فيلزم المحذور خارجاً في مرحلة التحقق والفعلية أيضاً. كما هو قضية اشتراط كل حكم بوجود موضوعه عقلاً وإن كانت الموضوعية شرعية كما في مثال الحج ونحوه. 

ويعود هذا المحذور ثالثاً في مرحلة الامتثال أيضاً لمكان توقف داعي الامتثال أيضا على تحققه قبل نفسه. فتدبر حقه.

 

الأمر الثالث

إنه كما لا يمكن أن تؤخذ الخصوصية المترتبة على الأمر كداعي الامتثال قيداً لمتعلقه, فكذا لا يمكن تقييده بغيره من الدواعي أيضا بأسرها, فإنه وإن كان المحذور المتقدم تنقيحه مخصوصاً لزومه بقيدية خصوص قصد الامتثال ولا يطّرد في غيره إلا أن في البين محاذير أخرى مطردة :

أمّا قصد الجهة الباعثة على الأمر - إما تفصيلاً كما إذا فرض العلم بها أو إجمالا كأن يكون الداعي على الإتيان بالمطلوب هو حسنه أو المصلحة الباعثة على الأمر به - فلأنه وإن أمكن الالتزام بقيديته(٧٢) ورجوع قصد الامتثال ونحوه أيضا إلى قصدها بالإجمال فلا يكون القطع بكفايته حينئذ منافياً لها, و لا ما تقدم من المحذور لازماً إذا لم يكن هو بنفسه قيداً وكان من محصلاته, لكنه مضافا إلى خلو أدلة الباب عما يشعر بإناطة العبادية بخصوص قيد الجهة فحيث لا خفاء في توقفه على أن يكون ما يراد فعله مشتملاً عليها, ولا في أن قضية القيدية هي توقف اشتماله عليها على قصدها, فاستلزام قيديته لتوقف كل من الأمرين على الآخر في مرحلة التحقق الخارجي, وامتناعها بهذا الاعتبار حذو ما تقدم في قصد الامتثال أيضاً بمكان من الوضوح والبداهة .

وأما كونه لله تعالى, أو لوجهه الأعلى ونحو ذلك من العناوين الحاصلة بقصد الطاعة مثلاً, أو الجهة أو غيرهما – فهو  وإن كانت ظواهر الأدلة مطبقة على كفايته والمحاذير المتقدمة أيضا مرتفعة بأسرها - فالبناء على قيديته, ورجوع الاجتزاء بسائر الدواعي إلى كونها جميعاً من محصلاته, لا لكونها بأنفسها قيوداً في عرضه كي يلزم - مضافاً إلى الخروج عن ظواهر الأدلة - ما تقدم من المحاذير, ويرجع الأمر  بالآخرة إلى قيدية الجامع المذكور.

 إذ بعد القطع بكفاية كل منها في عرض الآخر فلا سبيل إلى البناء على قيدية شيء منهما(٧٣) تعييناً - مع كفاية الآخر في عرضه - ولا تخييراً - مع وجود هذا الجامع العرفي المطبق أدلة الباب على كفايته, والراجع ما عداه إليه - لكنه مع ذلك كله - فحيث أن متعلق الإرادة والداعي الباعث لها طوليان ليس أحدهما في رتبة الآخر, ولا صالحاً لأن يتركب معه, أو يكون من كيفياته وحالاته, ولا يعقل وقوعهما تحت إرادة واحدة فاعلية بشيء من الوجهين - فلا يعقل أن يتعلق بهما إرادة واحدة آمرية, ويتكفلهما بعث واحد كذلك. وليس متعلق الإرادة الآمرية إلا عين ما تتعلق به الإرادة الفاعلية بتوسيطها دون نفسها كي يمكن تقييدها بالمنبعثة عن داعٍ كذائي وإلا لزم أن تكون بإرادة أخرى كما لا يخفى .

وبالجملة فكما لا يعقل أن يتعلق إرادة الفاعل  بما(٧٤) تنبعث عنه تلك الإرادة بأي أنحاء التعلق, وإلا كان ما يجري منها مجرى العلة معلولا لها, فكذا لا يعقل أن يتوجه بعث الآمر أيضا بذلك. ولا محيص عن الالتزام بخروج الداعي المتوقف عليه عبادية العمل عن متعلق التكليف وامتناع أخذه فيه مطلقا, لهذه المحاذير المخصوص بعضها بتقيدية قصد الامتثال مثلاً, والمطرد بعضها الآخر لقيدية قصد الجهة أيضاً, والمشترك أخيرها بين جميع الدواعي كما عرفت.

 

الأمر الرابع

إنه بعد أن تبيّن امتناع التقييد بالداعي على كل تقدير, فلا يخفى أن التقابل بين التقييد والإطلاق ليس من تقابل السلب والإيجاب, كي يكون مجرد عدم التقييد - ولو لامتناعه باعتبار انتفاء موضوعه الذي هو الانقسام إلى النوعين في رتبة عروض الحكم - عبارة أخرى عن الإطلاق و اللابشرطية.

كيف وبعد أن كان مرجع امتناع التقييد - باعتبار المحاذير المتقدمة - إلى عدم انقسام ما يعرضه الحكم في مرتبة عروضه له إلى(٧٥) واجد الخصوصية وفاقدها, فلا يعقل أن يكون ما لا ينقسم إليهما- في رتبة عدم انقسامه التي هي رتبة عروض الحكم - هو القدر المشترك بينهما, وإلا لزم الخلف كما لا يخفى.

وإنما يرجع التقابل بينهما إما إلى باب العدم والملكة  بناء على ما هو التحقيق من دخل عدم التقييد في موضوع الإطلاق واللابشرطية النفس الأمرية, أو إلى تقابل الضدين بناء على عدم دخله فيه, كما هو مبنى الخلاف في الحاجة إلى مقدمات الحكمة أو الغناء عنها في إحرازها على ما حرر في محله(٧٦).

 وعلى كل منهما فلا خفاء في أنه إذا امتنع التقييد ـ لانتفاء موضوعه الذي هو الانقسام إلى النوعين كما قد عرفت ـ امتنع الاطلاق أيضاً بعين امتناعه وكان معروض الحكم ـ متعلقه كان أو موضوعه ـ بالنسبة إلى ما يمكن أخذه فيه مما يحتمل دخله وعدم دخله في الغرض مهملاً لا محالة, فلا سبيل حينئذ إلى دعوى أصالة التوصلية مثلاً أو أصالة الاشتراك في التكاليف بامتناع أخذ الدواعي القربية(٧٧) في متعلق الحكم أو ما يقوم مقامه في موضوعه, بل لا بد في تشخيص المدخلية وعدمها, وإحراز نتيجة النتيجة(٧٨) التقييد أو الإطلاق من الرجوع إلى المرجع الآتي تحقيقه إن شاء الله .

 

الأمر الخامس

إنه بعد أن كان امتناع التقييد هو بعينه عبارة عن امتناع الإطلاق أيضاً, فكما لا مجال لأن يجعل امتناع أحدهما موجباً لتعيين الآخر, ويؤخذ بنتيجة  الإطلاق مع عدم إحرازها ويبنى على أصالة التوصلية مثلاً أو أصالة الاشتراك ـ كما قد عرفت ـ فكذا لا سبيل أيضاً إلى دعوى الغناء عن إحرازها والبناء على كفاية عدم التقيدية ـ ولو لامتناعها ـ في الاجتزاء بمتعلق الأمر وترتيب الإجزاء العقلي على الإتيان به. 

كيف وكما أن سقوط الطلب بحصول متعلقه وامتناع بقائه بعده من الضروريات العقلية, بل من الوجدانيات الأولية الغنية عن إقامة البرهان عليه  - كما حرّر في محله(٧٩)- فكذا إناطة موضوعه الذي يدور الحكم العقلي المذكور مداره بالإتيان به بما له دخل في حصوله - سواء كان بحيث يمكن لحاظ القيدية فيه في عرض ما عداه أو كان طولياً يمتنع فيه ذلك كنفس ذلك الحكم في الضرورة والبداهة - وليس الإهمال الناشئ عن امتناع التقييد إلا كالإهمال الناشئ عن انتفاء المقتضي لإسقاط(٨٠) القيود كما في الخطابات الواردة في أصل التشريع, وكما لا سبيل إلى دعوى ترتب الإجزاء العقلي على محض الانطباق على متعلقات تلك الخطابات لإهمالها, فكذلك الحال إذا كان الإهمال من جهة المانع أيضا, كما في مفروض المقام. 

وبالجملة فالإجزاء من اللوازم المترتبة على تحقق الطبيعة المأمور بها بعد كونها في قوة الكلية بإطلاقها, فلا يعقل أن يترتب على المهملة التي في قوة الجزئية إلا ما هو من لوازم تلك الجزئية التي هي القدر المتيقن منها, لا ما هو من لوازم كليتها كما لا يخفى. 

وإذ قد تمهد هذه المقدمات فينبغي أن نحرر مباحث التعبدية والتوصلية في طي مسائل:

المسألة الاولى : إنه لا إشكال ولا خلاف في أن التعبدية من الخصوصيات القصدية المتوقفة على القصد في الجملة, ولكنها هل هي كالظهرية والعصرية وكذلك القضاء مثلاً, أو(٨١) الكفارة ونحو ذلك؟ مأخوذة عنواناً للعمل والدواعي القربية(٨٢) إنما اعتبرت لكونها محصلة لذلك العنوان بلا دخل لها من حيث أنفسها وإذ قد عرفت ذلك فالكلام في مباحث التعبدية والتوصلية يقع في طي مسائل: 

الأولى إنه بعد الاتفاق على اعتبار نية التقرب في العباديات وكونها في الجملة من الضروريات اختلفت كلماتهم فيما يوجب تحققها. فظاهر كل من عدّ داعي الامتثال في عداد غيره من الدواعي والغايات القربية(٨٣) هو صلاحية الجميع في عرض واحد للبعث على نفس العمل بلا توسط في البين ولا ترتب لبعضها على بعض. ولكنه في الجواهر جعل بقية الغايات في طول داعي الامتثال, وقوى البطلان عند عدم توسيطه حتى إذا كان الداعي إلى العمل هو أهلية المعبود عزّ اسمه للعبادة, فضلاً عن سائر ما ذكروه من الغايات(٨٤). وإليه يرجع ما يحكى عن إفادات شيخنا استاد الأساتيد (ره) (٨٥) في مجلس الدرس من أن نية القربى في العبادة عبارة عن الإتيان بالمأمور به على وجه يكون الداعي إليه هو الأمر. ولكنه في شرح طهارة الإرشاد بنى على كفاية أحد الأمرين من قصد الطاعة أو الجهة إذا كانت تتعلق بأمور الآخرة, بل صرّح بأن الأخير هو المقرب والأول ملتزم له(٨٦).

وظاهر أن مرجع هذا الخلاف إنما هو إلى الخلاف فيما يوجب تحقق الخصوصية التي قام الدليل على اعتبارها, وتدور عبادية العمل(٨٧) مدارها, لا إلى الخلاف في نفس تلك الخصوصية .

كيف وبعد أن لا عين ولا أثر لشيء (من)(٨٨) ذلك في(٨٩)  عناوين الأدلة, وكانت هي مطبقة على دوران العبادية والخروج عن العهدة مدار كون العمل له تعالى أو لوجهه الأعلى ونحو ذلك.

 فالذي يليق بالبحث عنه والخلاف فيه هو أنه بماذا يتحقق هذه الإضافة المساوقة للعبادية؟ 

وغير خفي أن العمل الخارجي الصادر عن المكلف إنما يكون له تعالى إذا انتهت الإرادة الباعثة على فعله(٩٠) عزّ اسمه(٩١).

 

 

 

 

(١) لاحظ: الذريعة (١١/١٥٠), وأعيان الشيعة (٦/٥٥).

(٢) البحوث الأصولية, تقرير أبحاث سماحة السيد السيستاني F لنجله السيد محمد رضا سلمه الله.

(٣) أجود التقريرات: ١٠٩.

(٤) بدائع الأفكار: ٢٣٦.

(٥) أجود التقريرات: ١/ ١٧٢.

(٦) طبقات أعلام الشيعة: ١ق٢/٥٩٣.

(٧) ورد في مقدمة الفتاوى (١/ ٧) لحفيد المترجَم له: أنَّ ولادته كانت في يوم ٢٥ ذي القعدة سنة (١٢٧٦هـ). 

(٨) ورد في طبقات أعلام الشيعة (١/ ٥٩٣): (وأكمل فيها المقدمات وقد حضر في الفقه على الشيخ محمد باقر الأصفهاني, وفي الأصول على الميرزا أبي المعالي الكلباسي, وفي الحكمة والكلام على الشيخ جهانكير خان القشقائي وغيرهم). كما ورد في مقدمة الفتاوى (١/٧): إن معظم تلمذته وتعويله –كما كتبه S - كان على المحقق الوحيد والحبر الفريد الشيخ محمد حسين الأصفهاني سبط المحقق التقي صاحب التعليقة الكبرى على المعالم.

(٩) ورد في مجلة الكرخ/ العدد الخاص بتأبين حجة الإسلام الشيخ النائيني/ الصادر في بغداد الثلاثاء ١٧ ج٢ ١٣٥٥ هـ: قال الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في كلمته التأبينية عن المترجم له (عرفت الميرزا النائيني في سامراء. وهو يومئذ مطمح الأنظار ومسرح الأفكار, وموضع إشارة الأنامل. وكانت له المنزلة التي يغبط عليها عند السيد الشيرازي, إذ كان يعدّه من ذوي الرأي والمشورة, ويحضره في المهمات التي يحضرها أهل الحل والعقد.. إلى أن يقول: وكانت أحواله وأعماله وعلومه تدل على نفس كبيرة ذات قدسية كريمة قليلة النظير, أو معدومة المثيل).

(١٠) أي السيد المجدد الشيرازي.

(١١) ورد في مقدمة الفتاوى (١/ ٧) لحفيد المترجَم له: كان S أثناء ملازمته لأبحاث أستاذه المجدد الشيرازي يحضر –تلبية لطلب الأستاذ في أخريات حياته من شباب تلامذته أن يحضروا أبحاث الكبار المتقدمين منهم- مجالس بعض أعيان العصر كالعَلمين السيد محمد الفشاركي والسيد إسماعيل الصدر حضور بحثٍ ومذاكرة, لا حضور تلمّذٍ واستفادة.

(١٢) ورد في مقدمة الفتاوى (١/ ١٠): (ثم صحب السيد إسماعيل الصدر إلى كربلاء وبقي ملازماً له).

وقال في طبقات أعلام الشيعة (١/ق٢/٥٩٣): (وبقي ملازما لبحث المجدد إلى أن توفي في (١٣١٢ هـ) واشتغل مع السيد الصدر المذكور بالتدريس هناك فبقي ملازماً له حتى (١٣١٤ هـ) التي هاجر فيها إلى كربلاء فصحبه أيضاً, وبقي معه عدة سنين, ثم غادرها وتحوّل إلى النجف).

(١٣) وحكي عن بعض أساتذتنا أن السيد محمد الفشاركي كان أبرع من الشيخ صاحب الكفاية في علم الأصول, إلا أن الأخير خطف بشهرته الأبصار وأسر ببيانه الألباب.

(١٤) طبقات أعلام الشيعة (١/ ٥٩٤): (صار من أعضاء مجلس الفتيا الذي كان يعقد في داره ـ أي دار صاحب الكفاية ـ مع بعض خواص أصحابه للمذاكرة في المسائل المشكلة .. ولم يحضر معهد درسه العام لأنه كان غنياً عنه, وشأنه ارفع من حضاره..).

(١٥) في المصدر (الفرده), والظاهر أن الصحيح ما أثبتناه.

(١٦) ورد في مقدمة الفتاوى (١/١٧): (أما محاضراته فقد ألقى في الأصول ابتداءً من سنة ١٣٣٠ هـ ثلاث دورات كاملة, استغرقت كل دورة سبع سنين, وفي الفقه ألقى محاضراته حول مكاسب شيخنا الأعظم الأنصاري في دورتين توسطهما محاضراته حول كتاب الصلاة).

وقال في طبقات أعلام الشيعة (١/ق٢/٥٩٥): (وكان لبحثه ميزة خاصة لدقة مسلكه وغموض تحقيقاته. فلا يحضره الا ذوو الكفاءة من أهل النظر ولا مجال فيه للناشئة والمتوسطين لقصورهم عن الاستفادة منه؛ ولذلك كان تلامذته المختصون به هم الذين تعلق عليهم الآمال وهكذا كان. فقد برز فيهم أفذاذ أصبحوا قادة الحركة العلمية والفكرية والمدرسين المشاهير ناهيك بمثل السيد أبو القاسم الخوئي, والشيخ حسين الحلي, والسيد حسن البجنوردي, والميرزا باقر الزنجاني, فإن هؤلاء هم مدراء الجامعة النجفية من مواردهم يستقي الطلاب. وهناك طلاب أفذاذ التحقوا بالرفيق الأعلى كالشيخ محمد علي الخراساني, والشيخ موسى الخوانساري, وآخرون انتشروا في أرجاء البسيطة ..).

(١٧) طبقات أعلام الشيعة (١/ق٢/٥٩٥): وتوفي في بغداد يوم السبت (٢٦-ج١-١٣٥٥ هـ) وحمل جثمانه إلى النجف فكان يوماً مشهوداً وتولى تغسيله علم العلم والتقى الشيخ علي القمي, وصلى عليه الحجة الأكبر السيد أبو الحسن الأصفهاني, ودفن في مقبرة أستاذه السيد محمد الفشاركي S الحجرة الخامسة على يسار الداخل إلى الصحن الحيدري الشريف من باب السوق الكبير.

(١٨) كلمة الشيخ عبد الحسين الحلي نقلناها بطولها بتصرف طفيف من العدد الخاص بتأبين حجة الإسلام الإمام النائيني, جريدة الكرخ الصادرة في بغداد الثلاثاء في ١٧ جمادى الثانية ١٣٥٥ هـ الموافق ١ أيلول ١٩٣٦ م.

(١٩) إشارة إلى قوله المتعين .. إلى آخره.

(٢٠) (عدم تبين .. وهذا) لم ترد في (ج), والظاهر انها سقطت.

(٢١) في (ج): (فإنها خصوصية زائدة يمكن أن يدّعى أن إطلاق متعلق الأمر يدفع التقيد بها, كما قد أفيد, وستعرف ما فيه) بدل (زعماً برجوعه إلى تقييد المادة بها).

(٢٢) في مسألة اجتماع الأمر والنهي.

(٢٣) في الأصل و(ب) زيادة: (به), والظاهر انها زائدة, كما يقتضيه المعنى, وعدم وجودها في (ج).

(٢٤) في جميع النسخ (من), والصحيح ما أثبتناه.

(٢٥) (الخطاب) لم ترد في (ج).

(٢٦) في (ج) زيادة: (في الخروج عن عهدته).

(٢٧) في (ج): (بقيام الغير به بلا استنابة من من المكلَّف ولا استناد إليه) بدل (بفعل الغير بلا استناد إلى المكلَّف).

(٢٨) في (ج): (وأما على الوجه الأول فيجتمع السقوط بفعل النائب مع تعبدية الواجب أيضاً إذا كان مما يدخله النيابة كما ستعرفه, لكن ظاهر الخطاب هو اعتبارها في مقابل السقوط بفعل الغير مطلقاً) بدل (دون الأول .. ولكن).

(٢٩) في (ج): (لكونها عنواناً اختيارياً) بدل: (حيث إنها عنوان اختياري).

(٣٠) (به) لم ترد في (ج).

(٣١) في (ج): (فلو ثبت الاجتزاء بها في عرض المباشرة كان ذلك كشفا عن) بدل (فيرجع كفايتها في عرض المباشرة إلى).

(٣٢) في (ج) زيادة: (لامحالة).

(٣٣) في (ج): (الاطلاق الظاهر في اعتبار المباشرة) بدل (الدليل الظاهر في خصوص المباشرة).

(٣٤) في (ج): (لكن لا سبيل لأن يدعى كاشفية ذلك الذيل عن كون الواجب هو القدر المشترك بين النوعين في مقابل الانصراف إلى أحدهما. كيف وليس بين نفس قضاء الولي عن الميت مثلاً واستنابته له جامع قريب عرفي يمكن الطلب به؟ ولامجال أيضاً لإبقاء المطلوب الذي هو قضاء الولي في المثال بحاله وإرجاع التعميم إلى النسبة التي وضعت هيئة الأمر لإيقاعها على المكلف ضرورة) بدل: (لا محالة وحينئذ فإن قلنا .. فلا يخفى).

(٣٥) في (ج) زيادة: (كأداء الدين ونحوه).

(٣٦) في (ج): (وفعل غيره) بدل (وغيره).

(٣٧) في (ج) زيادة: (بتبرع الغير بأدائه).

(٣٨) في (ج): (وإنما يكشف عن ارتفاع موضوعه أو ملاكه) بدل: (وإنما يكون.. موضوعه).

(٣٩) في (ج): (ويكون دليلاً على عدم اشتراطه في البقاء بعدم قيام الغير به ورافعا للاطلاق الثاني لهذا الاشتراط) بدل (وموضوعيته .. قيام الغير به).

(٤٠) في (ج): (فالدليل الكاشف عن السقوط) بدل: (فالسقوط).

(٤١) فوائد الأصول: ٤/٢٠٥.

(٤٢) فوائد الأصول: ٤/١٦٤.

(٤٣)  في (ج): (إنما يكشف عن كون الواجب تخييريا وأنها أحد فردي التخيير ويرتفع الإطلاق الدال على كونه تعينياً بذلك, وأما الكاشف عن السقوط مع عدمها فإنما يكشف عن اشتراط وجوبه في مرحلة البقاء بعدم ذلك المسقط في مقابل إطلاقه المقتضي بقاء الواجب على وجوبه على كل تقدير. وبينهما من البون البعيد ما لا يخفى فهما وإن اشتركا في عدم جواز القناعة في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم باحتمال سقوطه على كل تقدير, إلا أن اختلاف الطريق يسري إلى المقام أيضاً, فإن مرجع الشك في السقوط بالاستنابة إنما هو إلى الشك في ثبوت البدل لما علم وجوبه والخروج عن عهدة التكليف المعلوم بذلك البدل, فيندرج في مجاري قاعدة الاشتغال كما هو الشأن في جميع موارد الشك في التعيين والتخيير, وأما السقوط بدونها فمرجع الشك فيه وإن كان إلى الشك في ثبوت التكليف عند قيام الغير به, وكان هذا الشك من مجاري أصالة البراءة دون الاشتغال كما في القسم الأول, لكن لما كانت الشبهة راجعة إلى مرحلة بقاء التكليف بعد العلم بحدوثه فمقتضى الاستصحاب بقاؤه, و لاتصل النوبة إلى إجراء أصالة البراءة فيما كان من هذا القبيل, بل لو كان الشك في سقوطه بفعل الغير مسبباً عن ارتفاع موضوعه في الخارج بذلك, كما لو فرض الشك في فراغ الذمة عن الدين بتبرع الغير بالأداء فاستصحاب بقائه في الذمة يستتبع التكليف بأدائه, و لاتصل النوبة حينئذ حتى إلى استصحاب نفس التكليف. نعم, لو لم يكن في البين موضوع خارجي أصلاً, وكان الشك بالسقوط بفعل الغير ناشئا عن الشك في اشتماله على مناط الحكم وملاكه, ففي هذه الصورة يستصحب نفس التكليف ولا تصل النوبة إلى أصالة البراءة على كل تقدير) بدل: (يرجع إلى الخروج.. فتدبر).

(٤٤) (المعنوي ) لم ترد في (ج).

(٤٥) في (ج): (بين الأفعال المتعدية واللازمة بأنواعها) بدل: (بين المتعدي واللازم بأنواعه).

(٤٦) ( الراجع .. بمعروضاتها) لم ترد في (ج).

(٤٧) في (ج) (مبدأ الاشتقاق بفاعله بلا) بدل (المبدأ بفاعله بغير).

(٤٨) في (ج): شمولها.

(٤٩) في (ج): (وكان أقصى ما يسعنا تسليمه دعوى الانصراف عن غير الإختياري هو انصراف الفعل بالمعنى الأخص, وهو ما كان كالأكل والشرب ونحوهما صدورياً عمّا وقع بالقهر على من قام به, كما إذا أوجر قهراً عليه في حلقه ونحو ذلك لكون النسبة إليه وقوعية حينئذ لا صدورية دون ما إذا صدر منه مستقلاً ولكنه بغير إرداته واختياره, كما في حال النوم ونحوه. فإنه لا مجال لأن يدعى الانصراف حينئذ, لا من جهة الهيئة لما عرفت من أنها بالنسبة إلى أنحاء قيام المبدأ بفاعله من المتواطىء ولا مجال لدعوى الإنصراف في مثله, ولا من جهة نفس المادة, إذ لو كانت هي بنفسها كالتعظيم والتأديب ونحوهما من العناوين القصدية فلا معنى لدعوى الانصراف وإلا فلا سبيل إليها. ومن هنا تسالموا على شمول أدلة الضمانات ونحوها للإرادي وما يصدر عن النائم ونحوه بجامع واحد بلا حاجة إلى قيام دليل آخر على التعميم, لكن يمتاز باب التكليف عن غيرها مضافاً إلى خلو غير الإختياري عن جهة الحسن والقبح الفاعلي الذي يدور عليه رحى التكليف بعدم صلاحيته في حد نفسه لتعلق الطلب به ولو بالقدر المشترك بينه وبين الاختياري بما أنه كذلك ولو مع الغض عن الحسن والقبح أيضاً وحتى على أصول الأشاعرة وقضية ذلك هي تقييد المتعلقات بورود التكاليف بالاختيارية, وخروج ما يصدر عن النائم والساهي ونحوهما عن  الانطباق على المطلوب بما أنه كذلك وإن كان منطبقاً عليه من حيث نفسه) بدل: (وكان القدر المسلم.. في الاستنابة).

(٥٠) كذا في (ج), وفي الأصل و (ب): يتبين.

(٥١) أجود التقريرات: ١/٣١٤.

(٥٢) أجود التقريرات: ١/٣١٥.

(٥٣) في جميع النسخ (في), والصحيح ما أثبتناه.

(٥٤) في فوائد الأصول: ١-٢/٤٣٣.

(٥٥) في (ج): (تزاحم) بدل: (تلازم).

(٥٦) في الأصل زيادة: (بذلك), والظاهر أنها زائدة, ويؤيده خلو بقية النسخ منها.

(٥٧) فوائد الأصول: ١/١٥٢، أجود التقريرات: ١/١٥١.

(٥٨) في (ج): ( لكونها متعلقة لأحكامها في ذلك) بدل: (لاتصافها بأحكامها).

(٥٩) في (ج) زيادة: (الأخير من) بعد (على).

(٦٠) (في نفس الأمر) لم ترد في (ج).

(٦١) أجود التقريرات: ١/١٠٥.

(٦٢) في صفحة ٣٧١ في قوله (فلو تعلَّق .. في مرحلة التحقق والفعلية أيضاً).

(٦٣) في (ج): (صاحبه) بدل: (خاصته).

(٦٤) في جميع النسخ: (عنه), والصحيح ما أثبتناه.

(٦٥) أجود التقريرات: ١/٨٩.

(٦٦) (الثالث) لم ترد في (ج). 

(٦٧) في (ج): (الى).

(٦٨) (مرحلة) لم ترد في (ج).

(٦٩) في (ب) و(ج): (لحكم).

(٧٠) أجود التقريرات: ٢/٣٤٦.

(٧١) أجود التقريرات: ١/١٤٣.

(٧٢) في الأصل و(ب) كُتب فوق (بقيديته): (بتقييده خ ل).

(٧٣) في (ب) و(ج): (منها).

(٧٤) في جميع النسخ: (مما), والصحيح ما أثبتناه. 

(٧٥) في جميع النسخ: (إلا), والصحيح ما أثبتناه.

(٧٦) أجود التقريرات: ١/٥٢٠.

(٧٧) في جميع النسخ: (القريبة), والصحيح ما أثبتناه.

(٧٨) في (ب) و(ج) لم ترد: (النتيجة).

(٧٩) فوائد الأصول: ١/٢٤٢.

(٨٠) في (ج): (لاستيفاء) بدل: (لإسقاط).

(٨١) في (ج) (و) بدل (أو).

(٨٢) كذا في (ج), وفي بقية النسخ: (القريبة).

(٨٣) كذا في (ج), وفي بقية النسخ: (القريبة).

(٨٤) مثاله: طلب الثواب والخوف من العقاب.

(٨٥) وهو الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري S.

(٨٦) جواهر الكلام, كتاب الطهارة: (٢/٤٨).

(٨٧) في (ج): (العبادية) بدل: (عبادية العمل).

(٨٨) في (ب) كُتب فوق (من): (في ظاهرا), والصحيح أن مكان هذا الهامش هو فوق (من) التي ستأتي في الهامش اللاحق.

(٨٩) في جميع النسخ: (من), والصحيح ما أثبتناه.

(٩٠) في (ج) زيادة: (إليه), بعد (فعله).

 (٩١) في (ب): (إلى هنا وصل قلمه الشريف في هذه المسألة والحمد لله أولاً وآخراً قد تم استنساخا على يد أحقر الورى وأكثرهم زللاً وأقلهم عملاً تراب أقدام المؤمنين راجي عفو رب العالمين محمد صادق بن حسن بن إبراهيم بن الحسين بن الرضا ابن العلامة بحر العلوم السيد محمد مهدي الطباطبائي الحسني الحسيني البروجردي قدس الله نفسه وطيب رمسه 
بمحمد وآله الطاهرين في شهر ذي الحجة الحرام سنة ١٣٤٢ هـ). وقد كتب في هامش الصفحة الأيمن (بلغ مقابلة).