رسالة في خمس الهدية
الشيخ رافد الفتّال (دام عزّه)
من الموارد الفقهية التي اختلفت فيها آراء المتقدمين والمتأخرين فكانت مسرحاً للصراع العلمي هي مسألة خمس الهدية.
فقد ذهب معظم المتقدمين إلاّ من ندر إلى القول بعدم وجوب الخمس فيها، في حين نجد أن معظم المعاصرين من الفقهاء ذهبوا إلى وجوب الخمس فيها.
ولذا فهذا البحث من الموارد غير القليلة في الفقه التي تغيّرت فيها أقوال الفقهاء تغيّراً جذرياً بين المتقدمين والمتأخرين، وله نظائر لا تخفى على المتتبع.
وهكذا بحث يكون عادة مشوقاً؛ لأنه يدور بين فريقين من الفقهاء لابد معه من محاكمة الأدلة ليرى الباحث إلى جانب مَن يكون.
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين المنتجبين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين
وبعد: فهذه رسالة مختصرة في بيان حكم الخمس في الهدية، نتعرض فيها لمعنى الهدية لغة، ونذكر أقوال الفقهاء في حكمها, ونذكر الأدلة على ذلك مع مناقشتها, ونخلص إلى الحكم المختار فيها، فنقول:
اختلفت أقوال الفقهاء من الأصحاب في ثبوت الخمس في الهدية, وهو أمر لم تستقر عليه آراء الفقهاء إلا في هذه الأواخر, حيث كانت إلى وقت قريب مسرحا للصراع بين نافٍ ومثبت، بعدما كان معظم المتقدمين يجمعون على عدم الخمس فيها إلا من ندر، كما سنذكره عند ذكر أقوال الفقهاء, إلى أن وصل الأمر إلى الفقهاء المعاصرين حيث ذهب معظمهم – فيما نعلم – إلى القول بالخمس فيها.
ونحن بداية سنعرّف الهدية لغة ونذكر الفرق بينها وبين الهبة؛ ليتضح موضوع البحث وبعض الحيثيات المأخوذة فيه والتي يستفاد منها في بيان مدى اندراج الهدية في موضوع الخمس بشكل عام – والذي سوف تتضح حدوده من خلال البحث – ، ثم نتطرق لأقوال الفقهاء في المسألة قديماً وحديثاً فنذكر جملة من أقوالهم، ثم نذكر مقتضى الأصل العملي في المسألة.
ومن ثم سنتعرض للأدلة العامة التي سيقت لوجوب أصل الخمس من آية الخمس والروايات التي فسرتها أو التي ذكرت وجوب الخمس؛ لنرى ماذا تقتضي الأدلة ؟ فهل تقتضي الخمس بالدائرة الوسيعة والتي تشمل حتى مثل الهدية والميراث ونحوهما، أم بالدائرة الضيقة التي أثبتها المتقدمون؟ وبذلك يخرج محل البحث عن موضوع الخمس، أم تقتضي أمراً غيرهما، ليكون أصلاً فوقانياً وقاعدةً عامةً يرجع إليها في فرض الشك.
ثم نتعرض بعد ذلك للأدلة الخاصة التي تتعرض لخصوص الهدية - إن وجدت - لنرى هل تقتضي ما يخالف العموم الفوقاني أو أنها موافقة له؟ ثم نخلص إلى نتيجة البحث بعد فذلكة له, فأقول:
معنى الهدية لغة:
قال ابن منظور في لسان العرب(١): والهَدِيَّةُ: ما أَتْحَفْتَ به، يقال: أَهْدَيْتُ له وإِليه.
وقال الخليل في كتاب العين(٢): الهدية: ما أهديت إلى ذي مودة من بر، ويجمع: هدايا، ولغة أهل المدينة: هداوى، بالواو، والإهداء: أن تهدي إلى إنسان مديحاً أو هجاء شعراً، والهديّ والهدي - يثقل ويخفف -: ما أهديت إلى مكة، وكل شيء تهديه من مال أو متاع فهو هدي.
وقال ابن سلام في غريب الحديث(٣): قد يقال للأسير: الهدي، قال المتلمس يذكر طرفة ومقتل عمرو بن هند إياه بعد أن كان سجنه:
كطريفة بن العبد كان هديّهم ضربوا صميم قذاله بمهندِ
وأظن المرأة إنما سُمِّيت هديا لهذا المعنى، لأنها كالأسيرة عند زوجها، قال عنترة:
ألا يا دار عبلة بالطويِّ كرجع الوشم في كف الهديِّ
وقد يمكن أن يكون سُمِّيت هدياً لأنها تهدى إلى زوجها، فهي هديُّ (فعيل) في موضع (مفعول)، فقال: هدي يريد مهدية، يقال منه: هديت المرأة إلى زوجها أهديها هداء بغير ألف، قال زهير:
فإن تكن النساء مخبآت فحق لكل محصنة هداء
بمعنى أن تهدى إلى زوجها، وليس هذا من الهدية [ في شيء، لا يقال من الهدية ] إلا أهديت بالألف إهداء، ومن المرأة: هديت وقد زعم بعض الناس أن في المرأة لغة أخرى أيضاً: أهديت والأولى أفشى في كلامهم وأكثر.
وقال ابن السكيت الأهوازي في ترتيب إصلاح المنطق(١): ويقال: أهديت الهدية أهديها إهداء، فهي مهداة, وأهديت الهديّ إلى بيت الله هدياً، والهدي، لغتان، بالتشديد والتخفيف، وقرأ بهما جميعا القراء: [حتى يبلغ الهديّ محله] و[الهدي محله] (٢)، والواحدة: هديّة وهدية, وهديته الطريق هداية، وهديته إلى الدين وللدين هدي، وهديت العروس إلى زوجها أهديها هداء، فهي مهدية وهدي. ويقال: أهدأت الصبي أهدئه إهداء، إذا جعلت تضرب عليه بكفك وتسكنه لينام. ويقال: قد هدأت، إذا سكنت.
وقال أبو هلال العسكري في الفروق اللغوية(٣): الفرق بين الهدية والهبة: أن الهدية ما يتقرب به المُهدي إلى المُهدى إليه، وليس كذلك الهبة, ولهذا لا يجوز أن يقال: إن الله يهدي إلى العبد كما يقال: إنه يهب له وقال تعالى: [فهب لي من لدنك وليا] (٤)، وتقول: أهدى المرؤوس إلى الرئيس ووهب الرئيس للمرؤوس، وأصل الهدية من قولك هدى الشيء إذا تقدم وسميت الهدية هدية لأنها تقدم أمام الحاجة.
والهدية: وإن كانت ضرباً من الهبة، إلا أنها مقرونة بما يشعر إعظام المهدى إليه وتوقيره، بخلاف الهبة.
وقال أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا في معجم مقاييس اللغة(١): (هديَ) الهاء والدال والحرف المعتل: أصلان أحدهما التقدم للإرشاد والآخر بعثة لطف.. إلى أن قال: والأصل الآخر الهدية: ما أهديت من لطف إلى ذي مودة, يقال: أهديت أهدي إهداء, والمهدى: الطبق تهدى عليه, ومن الباب الهدي: العروس وقد هديت إلى بعلها هداء.. إلخ .
وقال رضي الدين الاسترابادي في شرح شافية ابن الحاجب(٢): وقد يجيء أفعل لجعل الشيء نفس أصله إن كان الأصل جامدا، نحو أهديت الشيء: أي جعلته هدية أو هدياً.
أقول: يتحصل من هذه الأقوال: أن كلا من الهدية والهبة هي إعطاء مال إلى آخر ابتداء أي من دون سعي من الطرف الآخر إلى ذلك, أو كسب أو قصد، وأن الهدية من جنس الهبة, ولكنها تتميز عنها بزيادة خصوصية, وهي قصد التقرب من المهدي للمهدى إليه مما يشعر بتعظيم المهدى إليه من طرف المهدي, وهذا المعنى الإضافي غير موجود في الهبة.
وهذه الخصوصية والمعنى الزائد لا دخل لها في المقام، فكل من الهدية والهبة فيهما خصوصيتان دخيلتان في تحديد اندراجهما في موضوع الخمس، وهما: عدم القصد, وعدم الكسب. فكل منهما فائدة حاصلة للإنسان من دون قصد وكسب. هذا عن المعنى اللغوي.
الأقوال في حكم خمس الهدية:
اختلف الفقهاء في وجوب الخمس في الهدية قديماً وحديثاً فمن قائل بالوجوب وهم أكثر المتأخرين, وقائل بعدم الوجوب وهم أكثر المتقدمين، وقد اتفق المتقدمون تقريباً (عدا ما يظهر من أبي الصلاح الحلبي) على القول بعدم وجوب الخمس في الهدية, ويظهر ذلك من أمرين:
هذا بالإضافة – طبعاً – إلى من صرّح بعدم وجوب الخمس فيها.
ولنعرض جملة من أقوال المتقدمين تأييداً لذلك, فممن يندرج في الأمر الأول:
الشيخ المفيد S ، قال في المقنعة(١): والخمس واجب في كل مغنم، قال الله a: [واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول.. ] (٢) إلخ الآية الشريفة، والغنائم: كل ما استفيد بالحرب.. إلى أن قال: وكل ما فضل من أرباح التجارات والزراعات والصناعات عن المؤونة والكفاية في طول السنة على الاقتصاد.
وقال السيد المرتضى S في الانتصار(٣): ومما انفردت به الإمامية القول بأن الخمس واجب في جميع المغانم والمكاسب وما استخرج من المعادن والغوص والكنوز وما فضل من أرباح التجارات والزراعات والصناعات بعد المؤونة والكفاية في طول السنة على الاقتصاد.
وقال سلار S في المراسم العلوية(١): وفاضل أرباح التجارات والزراعات والصناعات عن المؤونة وكفاية طول عامه إذا اقتصد.
ونقل المحقق الحلي في المعتبر عن ابن أبي عقيل(٢): وقد قيل: الخمس في الأموال كلها حتى على الخياط والنجار وغلة الدار والبستان والصانع في كسب يده؛ لأن ذلك إفادة الله وغنيمة.
وقال الشيخ S في المبسوط(٣): وأرباح التجارات والمكاسب وفيما يفضل من الغلات عن قوت السنة له ولعياله.. إلى أن قال: والغلات والأرباح يجب فيها الخمس بعد إخراج حق السلطان ومؤونة الرجل ومؤونة عياله بقدر ما يحتاج إليه على الاقتصاد.
وقال S في الخلاف(٤): يجب الخمس في جميع المستفاد من أرباح التجارات والغلات والثمار على اختلاف أجناسها.
وقال السيد ابن زهرة S في الغنية(٥): يجب الخمس أيضاً في الفاضل عن مؤونة الحول على الاقتصاد من كل مستفاد بتجارة أو زراعة أو صناعة أو غير ذلك من وجوه الاستفادة، أي وجه كان.
وقال أبو المجد الحلبي S في إشارة السبق(١): وفي كل ما يفضل عن مؤونة السنة من كل مستفاد بسائر ضروب الاستفادات من تجارة أو صناعة أو غيرهما.
وقال ابن حمزة S في الوسيلة(٢): والفاضل من الغلات عن قوت السنة بعد إخراج الزكاة منها.. وفاضل المكاسب عما يحتاج إليه لنفقة سنته وأرباح التجارات.
وقال المحقق S في المعتبر(٣): الرابع: أرباح التجارات والصنائع والزراعات وجميع الاكتسابات، قال كثير من الأصحاب: فيها الخمس بعد المؤونة على ما يأتي.
وقال العلامة S في النهاية(٤): جميع ما يغنمه الإنسان من أرباح التجارات والزراعات وغير ذلك.
وصرح ابن إدريس S بالاتفاق وأن المخالف هو أبو الصلاح فقط حيث قال (٥): وقال بعض أصحابنا: إن الميراث والهدية والهبة فيه الخمس، ذكر ذلك أبو الصلاح الحلبي في كتاب الكافي الذي صنّفه، ولم يذكره أحد من أصحابنا إلا المشار إليه، ولو كان صحيحاً لَنُقِل نقْلَ أمثاله متواتراً، والأصل براءة الذمة فلا نشغلها ونعلق عليها شيئاً إلا بدليل، وأيضاً قوله تعالى: [ولا يسألكم أموالكم].
وأما من صرح بذلك، أي: كون موضوع الخمس هو التكسبات التي لا تشمل الهبة والهدية ونحوها، فمنهم العلامة في التحرير، حيث قال S (١): إنما يجب الخمس في هذا النوع من فواضل أرباح التجارات والزراعات ولا يجب في الميراث ولا الهبة ولا الهدية خلافاً لأبي الصلاح، ولا فرق بين جميع أنواع الاكتسابات، فلو غرس غرساً فزادت قيمته لزيادة نمائه وجب الخمس في الزيادة، ولو زادت القيمة لِتَغَيّر السعر لا لزيادة فيه لم يجب.
وقد صرّح S أيضا في المنتهى بأنه قول علمائنا أجمع، حيث قال: أرباح التجارات والزراعات والصنائع وجميع أنواع الاكتسابات وفواضل الأقوات من الغلات والزراعات من مؤونة السنة على الاقتصاد يجب فيها الخمس، وهو قول علمائنا أجمع، وقد خالف فيه الجمهور كافة(٢).
وهو ظاهر الشهيد الأول S في الدروس حيث بيّن المخالفين في بعض الموارد مما ينبه على أن الباقي هو المشهور, فقال(٣): الثاني: جميع المكاسب من تجارة وصناعة وزراعة وغرس بعد مؤونة السنة له ولعياله الواجبي النفقة والضيف وشبهه، ولو عال مستحب النفقة اعتبر مؤونة، ولو أسرف حسب عليه، ولو قتر حسب له.
ورخص ابن الجنيد في ترك خمس المكاسب، وأضاف الحلبي الميراث والهبة والهدية والصدقة، ومنعه ابن إدريس وهو ظاهر ابن الجنيد، وأضاف الشيخ العسل الجبلي والمن، وأضاف الفاضلان الصمغ وشبهه.
وأما قوله: (ومنعه ابن إدريس) فلا يعني أن المانع هو ابن إدريس فقط، بل يعني أن المصرح بالمنع هو ابن إدريس، وقد تقدمت عبارته، فلاحظ.
هذه بعض أقوال المتقدمين وقد ظهر منها أن الجميع – ما عدا الحلبي – ذهبوا إلى استثناء الهدية من الخمس.
وأما المتأخرون فقد اختلفت أقوالهم بين مؤيد لقول مشهور القدماء في تخصيص الخمس بما عدا الهدية ونحوها، ومعمم الخمس لمطلق الفائدة حتى الهبة والهدية والميراث، وبين من جعل ذلك أحوط استحباباً أو وجوباً.
فقد قال السيد صاحب العروة S فيها(١): السابع: ما يفضل عن مؤونة سنته ومؤونة عياله من أرباح التجارات ومن سائر التكسبات من الصناعات والزراعات والإجارات حتى الخياطة والكتابة والتجارة والصيد وحيازة المباحات وأجرة العبادات.. إلى أن قال: بل الأحوط ثبوته في مطلق الفائدة وإن لم تحصل بالاكتساب كالهبة والهدية والجائزة والمال الموصى به ونحوها، بل لا يخلو عن قوة.
وقال السيد الحكيم S في المستمسك معلقاً على قول صاحب العروة S(٢): (بل الأحوط.. إلخ) بعد كلام له ما نصه: وكيف كان فمقتضى النصوص عموم الحكم لكل فائدة وإن لم تكن عن قصد واختيار فضلا عما كان كذلك، وحينئذ يضعف القول باعتبار صدق التكسب – كما نسب إلى المشهور – فضلا عن القول باعتبار اتخاذه مهنة، كما عن الجمال في حاشيته على اللمعتين, كيف ولازمه عدم الخمس في الثمار ونماء الحيوان كاللبن والصوف والسخال وغير ذلك، وسيجيء التصريح بوجوب الخمس فيه.
وأما الأعلام المعلّقون على العروة في الموضع المتقدم منها(٣)، فقد منع كل من الميرزا النائيني والشيخ آل ياسين والسيد البروجردي والسيد الشيرازي وبعض آخر (قدست أسرارهم) من القوة في قول المصنف (لا يخلو عن قوة) مما يعني عدم وجوب الخمس فيها، ولكن احتاط بعضهم وجوباً في تخميسها كالثلاثة الأول.
وبعض قيد الخمس بخصوص ما كان من الهدية لها خطر.
ومن هذا العرض يتبين أن معظم المتقدمين ذهبوا إلى عدم وجوب الخمس في الهدية إلا النادر منهم. وأما المتأخرون فقد ضعف هذا القول عندهم بذهاب مجموعة من الأعلام للوجوب فيها فتوى أو احتياطاً, وإن بقي هناك قائل منهم بعدم الوجوب(١).
الاحتمالات في المقام:
ومن العرض المتقدم لأقوال الفقهاء يظهر أن الاحتمالات أو الأقوال في المقام أربعة:
مقتضى الأصل العملي:
وأما ما يقتضيه الأصل العملي، فإنه لما كان الخمس ضريبة مالية بنسبة معينة تكون على صاحب المال توضع في محل مخصوص وهم المصارف له, لذا فيدور أمر متعلقه بين الأقل والأكثر, والقدر المتيقن الذي عليه إجماع الأصحاب من المتقدمين والمتأخرين هو الغنيمة بالمعنى الأخص أي غنائم دار الحرب, والمكاسب التي يكون فيها قصدٌ للتكسب، بالإضافة إلى باقي موارد الخمس السبعة من الكنز والغوص والمعدن.. إلخ, ويشك في شموله لغيره من سائر الاستفادات مما ليس فيه قصد التكسب ونحوه من مطلق الفائدة، فالمفروض أن تجري فيه البراءة العقلية للشك في الزائد, بل والنقلية أيضاً لشمول حديث الرفع وغيره من أدلتها له.
فلو كنا نحن والأصول العملية في فرض عدم نهوض دليل على شمول الخمس للهدية فالجاري فيها البراءة, فلا يجب الخمس فيها.
وهذا ما ذكره ابن إدريس في العبارة المتقدمة التي نقلناها عنه، حيث قال(١): وقال بعض أصحابنا: إن الميراث والهدية والهبة فيه الخمس، ذكر ذلك أبو الصلاح الحلبي في كتاب الكافي الذي صنفه، ولم يذكره أحد من أصحابنا إلا المشار إليه، ولو كان صحيحاً لَنُقِل نقْلَ أمثاله متواتراً، والأصل براءة الذمة فلا نشغلها ونعلق عليها شيئاً إلا بدليل.
وأما في مقام تأسيس الأصل اللفظي في المقام:
فنقول: إنه قد دل على وجوب الخمس وبيان مورده مجموعة من الأدلة، أهمها من القرآن الكريم قوله تعالى: [واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير] (١)، ومجموعة من الأدلة من السنة المطهرة وهي على نحوين: إما في مقام تفسير الآية الكريمة, أو في مقام بيان الخمس لا من جهة تفسير الآية الكريمة. فلنستعرضها لنرى ما يمكن أن يستفاد منها.
آية الخمس:
أما الآية الشريفة، فلابد أن نتعرض لها على وجه التفصيل لأنها عمدة الدليل في المقام بعد أن عرفت أن مجموعة من الأدلة تعرضت لبيان معناها بما يعتبر الخمس بهذا المعنى أو ذاك مذكوراً في القرآن الكريم مما يعطي هذا الرأي القائل بوجوب الخمس قوة إقناعية أكبر في مقابل الجمهور القائل بالعدم وكذلك للخاصة؛ لكون القرآن مقطوع الصدور عند جميع الطوائف وهو مصدر التشريع الأول عند المسلمين، ولا يُختلف فيه بخلاف باقي الأدلة، فالذي يستطيع أن يدعم رأيه من فقهاء المذاهب المختلفة بآية من القرآن يكون له سند قوي في مقبولية قوله، وهذا ما كان يمارسه الأئمة من أهل البيت i في مقام المحاجّة مع القوم لإثبات صحة ما ذهبوا إليه في مختلف المجالات.
وكيف كان ففي الآية عدة نقاط للبحث لا يهمنا منها فعلاً إلا بيان معنى الغنيمة الوارد فيها, وبعض آخر من البحوث التي تتعلق بمحل الكلام:
المراد بالغنيمة في الآية:
اختلفت الآراء في المراد بلفظ الغنيمة الوارد في الآية الشريفة، في قوله تعالى: (غنمتم), ولنتعرض أولاً لقول اللغويين في معناه، ثم إلى قول جملة من المفسرين، فنقول:
قال الفيروز آبادي في القاموس(١): (والمغنم والغنيم والغنيمة والغنم بالضم: الفيء.. والفوز بالشيء بلا مشقة).
وفي لسان العرب(٢): (والغُنْم: الفَوْز بالشيء من غير مشقة. والاغتِنام: انتهاز الغُنم، والغُنم والغَنِيمة والمَغْنم: الفيء، يقال: غَنِمَ القَوم غُنْماً، بالضم، وفي الحديث: الرَّهْن لمن رَهَنه له غُنْمه وعليه غُرْمه).
وعن الخليل في العين(٣): (الغنم هو الفوز بالشيء من غير (في غير خ ل) مشقة).
وفي مفردات الراغب(٤): (الغَنَم معروف، قال: [ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما]، والغُنم: إصابته والظفر به، ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العِدَى وغيرهم).
وقال ابن قتيبة في غريب الحديث(٥): (والغنيمة: ما غنمه المسلمون من أرض العدو عن حرب تكون بينهم، فهي لمن غنمها إلا الخمس، وأصل الغنيمة والغنم في اللغة: الربح والفضل، ومنه قيل في الرهن: (له غنمه وعليه غرمه)، أي: فضله للراهن ونقصانه عليه).
وفي النهاية في غريب الحديث والأثر(٦): (قد تكرر فيه ذكر الغنيمة والغنم والغنائم، وهو ما أصيب من أموال أهل الحرب وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب.. ومنه الحديث: (الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة)، إنما سمّاه غنيمة لما فيه من الأجر والثواب، ومنه الحديث: الرهن لمن رهنه، له غنمه وعليه غرمه).
وقال ابن فارس في المقاييس(١): (الغين والنون والميم أصل صحيح واحد يدل على إفادة شيء لم يملك من قبل، ثم يختص به ما أخذ من مال المشركين بقهر وغلبة).
وقال الزبيدي في تاج العروس(٢): (قال الأَزهري: الغَنِيمة ما أَوجَف عليه المسلمون بخيلهم وركابهم من أَموال المشركين..، وأَما الفَيء فهو ما أَفاء الله من أَموال المشركين على المسلمين بلا حرب ولا إيجاف عليه.., وقد تكرر في الحديث ذكر الغنيمة والمَغنم والغنائم، وهو ما أُصيب من أَموال أهل الحرب وأَوجَف عليه المسلمون الخيل والركاب. يقال: غَنِمت أَغْنَم غُنماً وغَنيمة، والغنائم جمعها، والمَغانم: جمع مَغْنم، والغنم بالضم الاسم، وبالفتح المصدر.. وفي الحديث: (الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة)؛ سماه غنيمة لما فيه من الأَجر والثواب).
وقال الطريحي (ره) في مجمع البحرين(٣): (الغنيمة في الأصل هي الفائدة المكتسبة، ولكن اصطلح جماعة على أن ما أُخذ من الكفار، إن كان من غير قتال فهو فيء، وإن كان مع القتال فهو غنيمة، وإليه ذهب الإمامية، وهو مروي عن أئمة الهدى i كذا قيل، وقيل هما بمعنى واحد.
ثم اعلم أن الفيء للإمام خاصة، والغنيمة يخرج منها الخمس، والباقي بعد المؤن للمقاتلين ومن حضر.
وقد عمم فقهاء الإمامية مسألة الخمس، وذكروا أن جميع ما يستفاد من أرباح التجارات والزراعات والصناعات زائدا عن مؤونة السنة، والمعادن، والكنوز، والغوص, والحلال المختلط بالحرام ولا يتميز عند المالك ولا يعرف قدر الحرام، وأرض الذمي إذا اشتراها من مسلم، وما يغنم من دار الحرب، جميعه يخرج منه الخمس).
هذه جملة من كلمات أرباب اللغة، أقول:
المعاني المتحصلة من أقوال اللغويين أربعة:
وهذه الأقوال كما هو واضح تتراوح بين المعنى الخاص من أنها ما أصيب من أموال أهل الحرب، وبين المعنى العام من أنه استعمل في كل مظفور به. بالإضافة إلى معان بينهما من قبيل: الفوز بالشيء من غير مشقة، فهنا معان ثلاثة تستفاد من أقوال اللغويين بعد ضم بعضها المتشابه منها إلى بعض, وهي:
وأما ما عن الطريحي (ره) من الفائدة المكتسبة فيبعد – بوضوح - أن يكون معنى لغوياً للفظ، بل الظاهر أنه مما يستفاد من أقوال فقهاء الإمامية.
إذاً لدينا ثلاثة معان نحتاج إلى تأملها.
أما المعنى الأخير فإنه يبعد أيضاً أن يكون تفسيراً للمعنى اللغوي بل هو يناسب تعريف المعنى الشرعي للغنيمة وما صار حقيقة متشرعية بعد صدر الإسلام في زمن التابعين ومن بعدهم، ويؤيده أمران:
وأما ابن فارس فقد فعل العكس فعرفه لغة ثم قال باختصاصه بالمعنى الاصطلاحي, حيث قال: الغين والنون والميم أصل صحيح واحد يدل على إفادة شيء لم يملك من قبل، ثم يختص به ما أخذ من مال المشركين بقهر وغلبة.
فمن هذا يقرب القول بأن مَن عرّفه بهذا المعنى الخاص جداً فهو ناظر إلى المعنى الاصطلاحي عند المتشرعة, أو يكون من قبيل تعريف المعنى اللغوي بأظهر مصاديقه، حيث دأب اللغويون على تعريف الألفاظ بمصاديقها وهو من باب التعريف بالمثال.
وأما المعنى الثاني وهو ما يتضمن خصوصية الفوز بالشيء من غير مشقة, فقد يقال بدواً: إن هذه الخصوصية المذكورة، لو التزم بأنها هي الخصوصية المأخوذة في معنى الغنيمة، فينتج في المقام عدة إشكالات:
الأول: أنّ لازم هذا المعنى أن يكون أوضح مصاديقه في الفرع المبحوث عنه - أي: ما يفضل بعد المؤنة - هو الهدية والإرث ونحوهما, لأنها من أوضح مصاديق ما يغنمه المرء من غير مشقة, من أنواع الفائدة (٢).
وعليه فيكون البحث في أن لفظ الغنيمة هل يشمل مثل المقام أو لا ؟ مستدركاً بعد كون اللفظ بالمعنى المذكور يدل بالمطابقة على شموله لمحل الكلام، مع أن الفقهاء قديمهم وحديثهم اختلفوا في شموله لها, بل المتقدمون على العموم أنكروا شموله لها, فهذا في نفسه يثير التشكيك في كون المعنى اللغوي على هذا النحو، لا سيما وأن الفقهاء يستنطقون المعنى اللغوي للمفردة عند دخولها في موضوع حكم شرعي قبل أن يحكموا.
الثاني: أنّ الالتزام بأن معنى الغنيمة هو ما ذكر يقتضي خروج القدر المتيقن الذي أجمع عليه الفقهاء من تحتها وهو أرباح المكاسب والصنائع والتجارات والحرف ونحوها مما هو محل اتفاق وإجماع بين الأصحاب في الشمول له؛ وذلك لكون أغلب موارده مما لا يحصل إلا بمشقة عادة كالصناعات والزراعات والتجارات ونحوها غيرها.
فنتيجة هذين الإشكالين أنّ الالتزام بهذا المعنى يقلب الأمر, بأن يجعل محل الخلاف هو القدر المتيقن من المراد بالغنيمة, والقدر المتيقن منها هو محل الخلاف فيها.
ونفس الكلام في الإشكال الثاني يجري في مورد الآية وهو غنائم الحرب، إذ أنها أيضا مما لا إشكال في حصولها على إثر الحرب التي هي أوضح مصاديق الشدة والمشقة، ويضاف في موردها إشكال ثالث، وهو خروج مورد الآية عن المعنى اللغوي، وهو ظاهر الفساد.
بل قد تؤيد هذه الإشكالات ببيان إضافي، وذلك بأن يقال: إن هذا المعنى مخالف للوجدان اللغوي, ولصريح بعضٍ, ولمورد الآية:
أما مخالفته للوجدان اللغوي فإن التأمل الوجداني يقضي بأن الغنيمة فيها قوة وسلطة وإعمال مؤنة لأخذ الشيء حتى عُبِّر عنه بالفوز والظفر كما تقدم, وكذلك يناسبه تقسيم الفقهاء للمأخوذ من دار الحرب إلى مأخوذ بالقوة فهو غنيمة ومأخوذ بالسلم فهو فيء.
وأما تصريح البعض فلأن مجموعة من اللغويين – كما تقدّم - ومفسري العامة – كما سيأتي- فسروا الغنيمة بما أخذ بالقهر والغلبة.
وأما مخالفته للآية فلأنها واردة في غنائم الحرب وهي لابد أن تكون مأخوذة في أثر الحروب المصاحبة للشدة والمشقة، فلا يمكن إخراج مورد النزول عن معنى اللفظ.
ولكن الملفت للنظر أن هذا المعنى قد ذكره أعلام اللغويين الذين عليهم المعول في فهم معاني الألفاظ عند العرب من قبل الفقهاء، وعليه فلابد أن نحاول حل الإشكالات المتقدمة للحفاظ على هذا المعنى مهما أمكن، وإذا لم يمكن فيتعين طرحه وأخذ المعنى العام المتقدم.
وما يتصور في حل الإشكالات المتقدمة هو:
أما في خصوص الإشكال الأول فيقال في جوابه: إن هذا المعنى لو ثبت لا يستلزم بالضرورة دخول ما ذكر من الهبة والهدية والميراث ونحوها؛ لاحتمال وجود خصوصية أخرى في معنى الغنيمة تمنع دخول الهدية ونحوها لم يعتن اللغويون ببيانها.
وقد يكون ما ذكره الطريحي في مجمع البحرين إشارة إليه(٣)، وهذه الخصوصية هي القصد إلى فعل الشيء الذي ينتج عنه الكسب وهو المسمى بالغنيمة، وفي الهدية والهبة والميراث ونحوها لا يوجد هذا المعنى.
وأما الإشكال الثاني فيمكن الجواب عنه في الجملة بأن يقال:
إنّ المراد بنفي المشقة هو نفي المشقة بالنسبة لا مطلقاً، بمعنى أن القيمة العقلائية للشيء تستلزم مقداراً من الجهد والتعب في سبيل تحصيله وكذا العكس فكل جهد وعمل له قيمة معينة، فإذا صرف شخص ما جهدا في سبيل تحصيل شيء وحصل من جرّائه على مال أكثر مما يكون عادة بإزائه يكون قد ظفر بشيء بلا مشقة، ويصدق عليه عرفا ولغة أنه غنم هذا المال, وليتدبر في الكنز أو الغوص فإن كلاً منهما وإن كان فيه مشقة الحفر أو الغوص وما يستتبعانه من كلفة ومشقة إلا أن في مقابله الحصول على الكنز أو الجواهر الثمينة من البحر كاللؤلؤ وغيره مما لا توازي قيمته ذلك الجهد بل تفوقه، فلذا يعد لغة من الغنيمة.
وكذا في عكسه لا يصدق الغُنم والغنيمة على الشخص الذي يستفيد فائدة قليلة مقابل عمله المجهد كأن يكون فلاحاً أو عاملاً يكدح طوال اليوم وفي المقابل يعطى دراهم معدودة، فلا يقال له عرفاً ولغة أنه غنم هذا المال.
وهذه الخصوصية كما تصدق في مورد الصناعات والتجارات وعموم المكاسب كذلك تصدق في مورد الحرب.
وقد يشير إليه ما ذكره ابن قتيبة في غريب الحديث بقوله: وأصل الغنيمة والغنم في اللغة الربح والفضل. فإن المراد بالفضل: ما يفضل، وهو بالتقريب المتقدم واضح.
بل يتضح من هذا البيان أن هذا المعنى منسجم أيضاً مع ما ذكره في المنجد من قوله: فاز به وناله بلا بدل، فالمراد بنفي البدلية هذا المعنى المتقدم، فهو بذلك يشمل أرباح المكاسب، ومثل الهدية ونحوها فكل منهما بلا بدل.
وأما الإشكال الثالث فيمكن أن يجاب عنه بالإضافة إلى ما سبق في جواب الإشكال الثاني لأنهما من واد واحد؛ بأن يدعى وضوح الجواب بشكل أكبر في مورد الحرب منه في مورد الصناعات والتجارات وعموم المكاسب ببيان زائد توضيحه:
أنّ الجيش في الحرب إذا انتصر فإن النصر يكون مكافأة القوة والشجاعة واستعمال الخطط الجيدة في المعركة، حيث أن النصر هو ما كان يقصده عادة, وأما ما يغنمه المقاتلون من أرض المعركة فيعد بلا مقابل عرفاً وبلا مشقة, وتملكاً لما لم يملك من قبل, بمعنى أنه في أرض المعركة ينزَّل السلب منزلة مباحات الأراضي من العشب والماء ونحوها مما يملك بالحيازة وليس فيه تعب أو بدل.
أو يقال إن العرب تفتخر بشجاعتها فلا تعد مقارعة الأعداء مشقة بل هي أمر طبيعي - خاصة مع تعودهم على حياة الإغارة بعضهم على بعض – وعليه فأخذ الغنائم من المعركة بعد الحرب لا يعد في نظرهم مشقة بل المشقة منحصرة بالصناعات والتجارات والزراعة ونحوها من الأعمال والمهن، فليتأمل في ذلك.
وأما ما أُيدت به هذه الإشكالات، من مخالفة الوجدان اللغوي وصريح بعض ومورد الآية، فيمكن الجواب عنها، أما الوجدان اللغوي فهو وإن كان لا ينكر إلا أنه لا يجب أن يعبر بالضرورة عن هذه الخصوصية بل قد يكون معبراً عن الخصوصية الثانية التي ذكرناها في جواب الإشكال الأول.
وأما تصريح بعض اللغويين فهو لا يضر بعد اتفاق أعلام اللغويين على هذا المعنى.
وأما مورد الآية فقد تبين الجواب عنه في دفع الإشكال الثالث.
وبهذا البيان يمكن القبول بهذا المعنى، بل ربما يقال بأن بعض الروايات مؤيدة له(٤) كما سيأتي.
ونتيجة هذا القول أن المعنى اللغوي يشمل مورد غنائم الحرب وأرباح المكاسب، وأما الهدية ونحوها فلا يشملها، وذلك لأن الخصوصية الأخرى التي احتملناها بشكل غير بعيد تمنع من دخول محل الكلام في الغنيمة، وإذا شككنا في أصل هذه الخصوصية واعتبارها فلا بد من الأخذ بالقدر المتيقن من معنى الغنيمة وهو أيضا لا يشمل محل الكلام.
بقي أن يقال: ادعي استفادة التعميم أو التخصيص من خارج لفظة الغنيمة في الآية وذلك في موارد:
الأول: لفظة (ما) في قوله تعالى: [واعلموا أن ما غنمتم..] إلخ الآية الشريفة.
الثاني: لفظة (شيء) في قوله تعالى: [من شيء],فقد يقال باستفادة التعميم من كل منهما.
الثالث: قرينية السياق باعتبار ورود آية الخمس في ضمن آيات الجهاد, فيقال باستفادة المعنى الخاص وهو غنائم الحرب منها.
أما الأول والثاني: فلا يخفى أن (من شيء) تفسير لـ (ما) في الآية – بحمل (من) على التفسيرية - فيكون المراد منها نفس المراد من (ما), بل تأكيد للعموم المستفاد منها، فإن (شيء) نص في التعميم لكل شيء سواء في ذلك القليل والكثير وكذلك المنقول وغيره، ولكن مع ذلك فلا ينفع هذا في دعوى التعميم في المقام، لأنه في سياق معنى الغنيمة، إذ إنّ (ما) في الآية هو المفعول به للفعل (غنمتم) فيكون المراد به هو الشيء الذي تسلط عليه معنى الغنم والغنيمة، فيكون محدوداً بحدوده.
وبذلك يظهر أن التعميم المستفاد من (ما) لا يؤثر في معنى الآية إذ إنّه في إطار معنى الغنيمة ومحكوم به، فإذا كان معنى الغنيمة خاصاً فلا ينفع التعميم المستفاد من (ما) في توسعة معنى الغنيمة، بل يفيد الشمول لكل أفراد ذلك المعنى الخاص من حيث الخصوصيات المتقدمة (أعني الكثير والقليل والمنقول وغيره ونحوها)، وكذا إذا كان عاما، ولذا فإن دعوى استفادة العموم من الآية في محل الكلام من (ما) أو (شيء) ليست صحيحة.
وأما قرينية السياق، فيمكن النقاش فيها كبرى وصغرى:
أما من حيث الكبرى فيمكن المنع من الأخذ بهذه القرينية وذلك بدعوى المنع من أن السياق القرآني – بالخصوص – يفيد تقييداً للمعنى أو يلقي بظلاله عليه فيغير من مفاد الألفاظ وظاهرها، وليس هذا المنع متوقفاً على كون آيات القرآن لم يثبت أنها رُتبت على هذا النحو من النبي e، وأنّ هذا الترتيب حصل من غيره, بمعنى أنه : تركه من غير ترتيب حتى مضى للرفيق الأعلى، فإنه من البعيد القول بذلك، بل بسبب أن كل آية لها خصوصيتها من حيث المعنى بسبب ظرف نزولها وملابساته التي قد لا تشترك معه الآية المجاورة لها.
ولكن الإنصاف أن هذا المنع إن ورد في مثل آية التطهير فلا يرد في المقام؛ لكون الآيات هنا متسقة بشكل لا يمكن معه ورود مثل هذا الاحتمال، بل يبعّده نزولها في وقت واحد ولسبب واحد.
وبعبارة أخرى: إن الآيات على نحوين: فمنها ما يكون متجاوراً في النص القرآني مع اختلاف ظروف نزوله مما يمنع من التمسك بقرينية السياق فيه ومثاله آية التطهير، ومنها ما يكون نازلا بمجموعه في واقعة واحدة ولسبب واحد فلا يأتي فيه هذا المعنى، ومحل الكلام يندرج في النحو الثاني دون الأول كما هو واضح.
وأما من حيث الصغرى، فلأن السياق هنا وإن سُلِّم اختصاصه بما ذكر إلا أن هذا لا يعني انحصار معنى الغنيمة بالمعنى الخاص الذي دل عليه السياق وعدم شموله للمعنى العام، إذ غايته أن المعنى العام استعمل في أحد مصاديقه وهو غنيمة دار الحرب، وهذا لا يعني عدم شموله من حيث اللغة لباقي الأفراد، فقرينية السياق ليست بمنزلة الحصر الذي يمنع اللفظ من الشمول لغير هذا المعنى.
اللهم إلا أن يقال إن لفظ (ما غنمتم) بمعنى الذي غنمتموه، أي المغتنم فـ(ال) فيه وإن كانت اسماً موصولاً، ولكن مع ذلك فهي لا تخلو من معنى العهد الذي يستفاد من الكلام السابق، أي أن الحكم قد انصب في الآية على المعنى المعهود من الكلام السابق.
فقرينية السياق وإن كانت بشكل عام لا تخصص المعنى, إلا أن هنا خصوصية تمنع من جريان هذا الكلام في المقام, وهي أن الآية بصدد صب الحكم على موضوع معين وهذا الموضوع لو لم يكن هناك كلام سابق تُعرض له لأمكن الأخذ بمعناه اللغوي على سعته وشموله, إلا أنه في المقام هذا الموضوع هو نفس ما ذكر في سياق الآيات المتقدمة، فلا يشمل الحكم غير هذا الموضوع، ولا أقل من انصراف المعنى له، فليتأمل.
وكيف كان, فإذا شككنا في ذلك بأن ترددنا في أن الموضوع هل هو الخاص أو العام, فلا مرجح للخاص بعد عموم معنى اللفظ، فيمكن البناء على التعميم.
هذا عن المعنى اللغوي، ولنعرض بعض أقوال المفسرين في المقام فنقول:
قال العلامة الطباطبائي S في الميزان(١): قوله تعالى: [واعلموا أنما..] إلخ، الغنم والغنيمة إصابة الفائدة من جهة تجارة أو عمل أو حرب، وينطبق بحسب مورد الآية على غنيمة الحرب، قال الراغب: - ونقل ما نقلناه عن الراغب - . أه
وقال S(١): وظاهر الآية أنها مشتملة على تشريع مؤبد كما هو ظاهر التشريعات القرآنية وأن الحكم متعلق بما يسمى غنما وغنيمة سواء كان غنيمة حربية مأخوذة من الكفار أو غيرها مما يطلق عليه الغنيمة لغة كأرباح المكاسب والغوص والملاحة والمستخرج من الكنوز والمعادن، وإن كان مورد نزول الآية هو غنيمة الحرب فليس للمورد أن يخصص.
التبيان في تفسير القرآن(٢): قوله تعالى: [واعلموا أنما غنمتم.. ] آية (٤١).
الغنيمة: ما أخذ من أموال أهل الحرب من الكفار بقتال، وهي هبة من الله تعالى للمسلمين، والفيء: ما أخذ بغير قتال في قول عطاء بن السائب، وسفيان الثوري وهو قول الشافعي، وهو المروي في أخبارنا، وقال قوم: الفيء والغنيمة واحد.
وقالوا هذه الآية ناسخة للآية التي في الحشر من قوله: [ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى، فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل]، لأنه بين في هذه الآية أن الأربعة أخماس للمقاتلة، وعلى القول الأول لا يحتاج إلى هذا، وعند أصحابنا أن مال الفيء للإمام خاصة يفرقه في مَن شاء، بعضه في مؤونة نفسه وذوي قرابته، واليتامى والمساكين وابن السبيل من أهل بيت رسول الله e ليس لسائر الناس فيه شيء.
وفي تفسير مجمع البيان للطبرسي(٣) نفس اللفظ.
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام في آية الخمس: قال الفاضل الجواد ما لفظه(١): ظاهر الغنيمة ما أخذت من دار الحرب ويؤيده الآيات السابقة واللاحقة، وعلى ذلك حملها أكثر المفسرين، والظاهر من أصحابنا أنهم يحملونها على الفائدة مطلقاً، وإن لم يكن من دار الحرب، ورواه الكليني والشيخ عن حكيم مؤذن بني عبس عن الصادق g قال: قلت له: [واعلموا أنما غنمتم فأن لله خمسه..] قال: هي والله الفائدة يوماً فيوماً.. الحديث، وقد أدرجوا السبعة الأشياء التي أوجبوا فيها الخمس في ذلك وهي: غنيمة دار الحرب، وأرباح التجارات والزراعات والصناعات بعد مؤنة السنة له ولعياله على الوجه الأوسط من غير إسراف ولا تقتير، والمعادن، والكنوز، وما يخرج بالغوص، والحلال المختلط بالحرام مع جهل القدر والمالك، وأرض الذمي إذا اشتراها من مسلم، وزاد الحلبي على ذلك الميراث والهدية والهبة والصدقة، وأضاف الشيخ العسل الجبلي والمن، وأضاف الفاضلان الصمغ وشبهه(٢) .
والحق أن استفادة ذلك من ظاهر الآية بعيد بل الظاهر منها كون الغنيمة غنيمة دار الحرب، والخبر غير صحيح، والأولى حمل الغنيمة في الآية على ذلك وجعل الوجوب في غير الغنيمة من المواضع السبعة ثابتا بدليل من خارج كالإجماع إن كان والأخبار، ويبقى ما عدا ذلك على الأصل الدال على العدم.(١)
وقال في تفسير المنار(٢): وإننا نذكر أقوال العلماء في الغنيمة، وما في معناها أو على مقربة منها، كالفيء والنفل والسلب والصفي قبل تفسير الآية لطوله؛ حتى لا يختلط بمدلول الألفاظ فنقول: الغنم بالضم والمغنم والغنيمة في اللغة ما يصيبه الإنسان ويناله ويظفر به من غير مشقة، كذا في القاموس، وهو قيد يشير إليه ذوق اللغة أو يشتم منه ما يقاربه، ولكنه غير دقيق، فمن المعلوم بالبداهة أنه لا يسمى كل كسب أو ربح أو ظفر بمطلوب غنيمة، كما أن العرب أنفسهم قد سموا ما يؤخذ من الأعداء في الحرب غنيمة، وهو لا يخلو من مشقة، فالمتبادر من الاستعمال أن الغنيمة والغنم: ما يناله الإنسان، ويظفر به من غير مقابل مادي يبذله في سبيله (كالمال في التجارة مثلاً)، ولذلك قالوا: إن الغرم ضد الغنم، وهو ما يحمله الإنسان من خسر وضرر بغير جناية منه، ولا خيانة يكون عقاباً عليهما، فإن جاءت الغنيمة بغير عمل ولا سعي مطلقاً سميت الغنيمة الباردة.
وفي كليات أبي البقاء: الغنم بالضم: الغنيمة، وغنمت الشيء: أصبته غنيمة ومغنماً، والجمع غنائم ومغانم (والغنم بالغرم)، أي: مقابل به، وغرمت الدية والدين: أديته, ويتعدى بالتضعيف يقال: غرّمته، وبالألف (أغرمته): جعلته لي غارماً، والغنيمة أعم من النفل، والفيء أعم من الغنيمة؛ لأنه اسم لكل ما صار للمسلمين من أموال أهل الشرك بعد ما تضع الحرب أوزارها، وتصير الدار دار الإسلام .
وقال القرطبي في تفسيره(١): قوله تعالى: [واعلموا أنما غنمتم من شيء] الغنيمة في اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسعي، ومن ذلك قول الشاعر:
وقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب
وقال آخر:
ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه أنى توجه والمحروم محروم
والمغنم والغنيمة بمعنى; يقال: غنم القوم غنماً، واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله تعالى: [ غنمتم من شيء] مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر، ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص على مابيناه، ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا النوع، وسمى الشرعُ الواصلَ من الكفار إلينا من الأموال باسمين: غنيمة وفيئاً، فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة، ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفاً، والفيء مأخوذ من فاء يفيء إذا رجع، وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف، كخراج الأرضين وجزية الجماجم وخمس الغنائم، ونحو هذا قال سفيان الثوري وعطاء بن السائب، وقيل: إنهما واحد، وفيهما الخمس; قاله قتادة، وقيل: الفيء عبارة عن كل ما صار للمسلمين من الأموال بغير قهر، والمعنى متقارب .
وقال ابن كثير في تفسيره(١): يبين تعالى تفصيل ما شرّعه مخَصصاً لهذه الأمة الشريفة من بين سائر الأمم المتقدمة من إحلال المغانم، و(الغنيمة): هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب، و(الفيء): ما أخذ منهم بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون عليها، أو يُتوفَون عنها ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك، هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء السلف والخلف.
ومن العلماء مَن يُطلق الفيء على ما تطلق عليه الغنيمة، والغنيمة على الفيء أيضاً؛ ولهذا ذهب قتادة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية (الحشر): [ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين](٢)، قال: فنسخت آية (الأنفال) تلك، وجعلت الغنائم أربعة أخماسها للمجاهدين، وخمساً منها لهؤلاء المذكورين، وهذا الذي قاله بعيد؛ لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، وتلك نزلت في بني النضير، ولا خلاف بين علماء السير والمغازي قاطبة أن بني النضير بعد بدر، هذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب، فمن يفرق بين معنى الفيء والغنيمة يقول: تلك نزلت في أموال الفيء وهذه في المغانم، ومن يجعل أمر المغانم والفيء راجع إلى رأي الإمام يقول:
لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس إذا رآه الإمام، والله أعلم .
وقوله تعالى: [واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه] توكيد لتخميس كل قليل وكثير حتى الخيط والمخيط، قال الله تعالى: [ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون] (١).
وقال الطبري في تفسيره(٢): قال أبو جعفر: وهذا تعليم من الله a المؤمنين قسم غنائمهم إذا غنموها، يقول تعالى ذكره: واعلموا، أيها المؤمنون، أن ما غنمتم من غنيمة، واختلف أهل العلم في معنى (الغنيمة) و(الفيء)، فقال بعضهم: فيهما معنيان، كل واحد منهما غير صاحبه، ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن صالح قال: سألت عطاء بن السائب عن هذه الآية: [واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه]، وهذه الآية: [ما أفاء الله على رسوله] (٣)، قال قلت: ما (الفيء)، وما (الغنيمة)؟ قال: إذا ظهر المسلمون على المشركين وعلى أرضهم، وأخذوهم عنوة، فما أخذوا من مال ظهروا عليه فهو (غنيمة)، وأما الأرض فهو في سوادنا هذا (فيء).
وقال آخرون: (الغنيمة)، ما أخذ عنوة، و(الفيء)، ما كان عن صلح، ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان الثوري قال: (الغنيمة)، ما أصاب المسلمون عنوة بقتال، فيه الخمس، وأربعة أخماسه لمن شهدها, و(الفيء)، ما صولحوا عليه بغير قتال، وليس فيه خمس، هو لمن سمى الله.
وقال آخرون: (الغنيمة) و(الفيء)، بمعنى واحد، وقالوا: هذه الآية التي في (الأنفال)، ناسخة قوله: [ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول] (١)، ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: [ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل]، قال: كان الفيء في هؤلاء، ثم نسخ ذلك في (سورة الأنفال)، فقال: [واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل]، فنسخت هذه ما كان قبلها في (سورة الأنفال)، وجعل الخمس لمن كان له الفيء في (سورة الحشر)، وسائر ذلك لمن قاتل عليه، وقد بينا فيما مضى (الغنيمة)، وأنها المال يوصل إليه من مال من خول الله ماله أهل دينه، بغلبة عليه وقهر بقتال.
فأما (الفيء)، فإنه ما أفاء الله على المسلمين من أموال أهل الشرك، وهو ما رده عليهم منها بصلح، من غير إيجاف خيل ولا ركاب، وقد يجوز أن يسمى ما ردته عليهم منها سيوفهم ورماحهم وغير ذلك من سلاحهم (فيئاً)، لأن (الفيء)، إنما هو مصدر من قول القائل: (فاء الشيء يفيء فيئاً)، إذا رجع و(أفاءه الله)، إذا رده.
غير أن الذي رد حكم الله فيه من الفيء بحكمه في (سورة الحشر)، إنما هو ما وصفت صفته من الفيء، دون ما أوجف عليه منه بالخيل والركاب، لعلل قد بينتها في كتاب: (كتاب لطيف القول)، في أحكام شرائع الدين، وسنبينه أيضا في تفسير (سورة الحشر)، إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى.
وأما قول من قال: الآية التي في (سورة الأنفال)، ناسخة الآية التي في (سورة الحشر)، فلا معنى له، إذ كان لا معنى في إحدى الآيتين ينفي حكم الأخرى، وقد بينا معنى (النسخ)، وهو نفي حكم قد ثبت بحكم خلافه، في غير موضع، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وأما قوله: (من شيء)، فإنه مراد به: كل ما وقع عليه اسم (شيء)، مما خوّله الله المؤمنين من أموال من غلبوا على ماله من المشركين، مما وقع فيه القسم، حتى الخيط والمخيط، كما حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد قوله: [واعلموا أن ما غنمتم من شيء]، قال: المخيط من (الشيء).
الروايات التي فسرت الآية الشريفة:
هذا وهناك روايات تعرضت لتفسير الآية الشريفة لا بد من متابعتها لمعرفة ما هو منظور الإمام g في معنى الآية، فنقول: إن هذه الروايات الشريفة يقال باستفادة معنى التعميم منها وهي مجموعة روايات.
بتقريب أنه g ذكر بعد تلاوة الآية وبيان أن الخمس لهم i, قوله g: والله لقد يسر الله على المؤمنين أنه رزقهم.. إلخ، وهذا يعني أن مورد الآية هو مطلق الخمس الشامل لمثل الهدية أيضا.
وهي غير تامة لا سنداً ولا دلالة، أما السند فمن عدة جهات:
الأولى: لجهالة موسى بن جعفر، إذ لا يتوهم أنه الإمام g (بسبب أن صاحب الوسائل S نقلها هكذا: محمد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات عن عمران بن موسى عن موسى بن جعفر قال: .. الرواية) بل الأرجح كونه البغدادي الذي يروي عنه عمران بن موسى، وهو مجهول.
الثانية: أن عمران بن موسى مردد بين الزيتوني الثقة والأشعري غير
الموثق، فلا يمكن الاعتماد عليه هنا، وإن كان يحتمل الاتحاد، كما جزم به السيد الخوئي S في رجاله(١).
الثالثة: جهالة أبي محمد.
الرابعة: إن محمد بن الفضيل فيه كلام وإن كان الأظهر وثاقته وفاقاً لجماعة.
وأما من جهة الدلالة، فلأن دلالتها تتوقف على استفادة الإطلاق منها، مع أن الكلام ليس مسوقاً لإفادته، كما هو واضح، إذ إنّ الإمام ليس في مقام البيان من هذه الجهة – أي من جهة أن الرزق من أي مورد حصل – بل من جهة أن الخمس الذي له هذه الآثار العظيمة من تحليل المطعم والمنكح وغير ذلك قد جعله الله على العباد في يسر، فبعد أن كان هو الذي رزقهم الرزق أمرهم أن يعطوا واحداً من خمسة دراهم خُمساً ويأكلوا الباقي حلالاً.
وسند هذه الرواية مبتلى بعدة مجاهيل هم جميع من في السند مما يسقطها عن الاعتبار من حيث السند، وكذا من حيث الدلالة، إذ ليس فيها أكثر من أن الكنز مما يصدق عليه الغنيمة لغة – وهو ليس ببعيد -، وهذا المقدار لا ينفعنا فيما نحن فيه, فهي خارجة عن محل الكلام.
وقد قيل بأنها أقوى الروايات دلالة على المطلوب, فبعد أن تلا الراوي الآية على الإمام g ليفسّرها له – أو يفسر منها أمراً معيناً يظهر من الجواب بحسب ما فهمه الإمام g من سؤال السائل –ذكر الإمام g في الجواب أن المراد بموضوع الخمس هو الإفادة يوماً بيوم، وهو يتضمن أمرين:
الأول: أن معنى (غنمتم) هو الإفادة وهو معنى عام يشمل جميع الموارد المتقدمة للخمس ومنها محل الكلام.
الثاني: أن الخمس يتعلق بالفائدة مباشرة بمعنى أن كل فائدة تحصل, يتعلق بها الخمس مباشرة، وهذا المعنى مقتضى ظهور الآية لولا الروايات التي رخصت للناس أن يؤخروا الإخراج إلى السنة ليستثنوا مؤونة السنة, وهذا خارج عن محل الكلام.
ولكن الأمر الأول يصب في محل الكلام وهو تام لولا ضعف السند بحكيم المؤذن(٢) ومحمد بن سنان, ولكن سيأتي أيضاً ما يؤيد هذا المعنى للغنيمة.
ومبنى الاستدلال بها هو ذكر الإمام g للآية الشريفة في سياق بيان وجوب الخمس في الفوائد، بما يفهم منه الاستشهاد بالآية على الوجوب، وقد ذكر الإمام g لفظ الفوائد من دون قيد مما يعني إرادة الإطلاق منه الشامل لمحل الكلام، ثم عقب الآية الشريفة بتفريع يفهم منه تفسير معنى الغنيمة التي هي واجبة بنص هذه الآية الشريفة، وذلك بقوله g: فالغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها.. إلخ، وهذا ظاهر في تفسير الآية ومحل الاستشهاد منها وهو معنى الغنيمة.
وهذا المعنى تام إذا قلنا بأن الظاهر من العطف في قوله g: وأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم.. قبل ذكر الآية الشريفة، ثم قوله g بعد ذلك
– أي بعد ذكر الآية الشريفة – فالغنائم والفوائد.. إلخ ظاهر في أنه عطف تفسير,
فالإمام g بصدد تفسير الغنيمة بأنها الفائدة ثم يبين مواردها التي قد يقع السؤال عنها عادة، وهذا هو الأقرب فيها، وعليه فيتم الاستدلال بها، لا سيما وأن سندها صحيح معتبر.
وأما إذا قلنا بأن العطف ليس للتفسير بل لبيان الأفراد، وهو ظاهر في التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، فقد يقال: بأن الاستدلال حينئذ لا يتم لوضوح التغاير بين الغنيمة والفائدة مما يعني أن المراد بالغنيمة هو المعنى الخاص وهو ما أخذ من العدو في حالة الحرب، والفائدة هي ما عدا ذلك من موارد الخمس.
ولكن هذا الكلام ليس بتام، إذ إنّه حتى على هذا الاحتمال – وإن كان بعيدا في نفسه– يتم المدعى، وذلك بالالتفات إلى أن التعدد والتغاير إنما وقع في كلام الإمام g والذي هو في مقام تفسير الآية الشريفة ومعنى الغنيمة فيها
– حسب الفرض–، فمن الممكن أن يكون لفظ الغنيمة الذي في قول الإمام g هو للمعنى الخاص – والذي لا يبعد أن يكون قد حصل له وضع تعيني في زمنه g بهذا المعنى الخاص– بينما نفس اللفظ في القرآن هو بمعنى عام، وعليه فيكون معنى كلام الإمام g هو أن لفظ الغنيمة الذي ورد في القرآن الكريم معناه: الغنيمة بالمعنى الأخص والفائدة, أي مجموع هذين الأمرين وكأنه أراد أن ينبه على أن الغنيمة وردت في القرآن بمعناها اللغوي الذي كان سائداً قبل التشريع لا المعنى الذي تم تداوله بين المسلمين حتى صار للفظ وضع فيه من كثرة الاستعمال(١).
وعلى كل فالاستدلال بهذا الحديث تام من هذه الجهة أي من جهة شمول الغنيمة لمعنى الفائدة والجائزة وما بمعناهما، وهو محل الكلام.
وفي الحديث الشريف جهات أخرى للنقاش يتوقف عليها الاستدلال من غير هذه الجهة المبحوث عنها، بل من جهات أخرى لايهمنا التعرض لها في المقام.
وكيف كان فقد تحصّل من معنى الآية الشريفة أنها تدل بمجموع ما يستفاد منها – بضميمة تفسير الإمام g لها– على شمول الغنيمة لمطلق الفائدة الشاملة للهدية.
الاستدلال على المدعى بالإجماع:
وأما الإجماع فإنه وإن استدل به على ثبوت الخمس في هذا الصنف إجمالاً بالمنقول منه والمحصل، ونقل تأييداً لذلك مثل قول المرتضى S في الانتصار(٢): (ومما انفردت به الإمامية القول بأن الخمس واجب في جميع المغانم والمكاسب، ومما استخرج من المعادن والغوص والكنوز، ومما فضل من أرباح التجارات والزراعات والصناعات بعد المؤونة والكفاية في طول السنة على الاقتصاد).
إلا أن هذا لا ينفع في المقام، من عدة وجوه:
وبذلك يتبين أن لا قيمة لدعوى الإجماع في المقام صغرى وكبرى.
الاستدلال على المدعى بالروايات:
وأما الروايات، فهناك مجموعة من الروايات تعرضت للخمس فلابد من استعراضها لملاحظة دلالتها على العموم أو لا.
فإن قوله g: في الذهب والفضة التي قد حال عليهما الحول، يشير إلى الفاضل بعد مؤونة السنة منهما, وهو يشير بدوره إلى الأعم من المكاسب والفوائد المتحصلة للإنسان، فإن غالب ذلك من النقد، ولا قول بالفصل بينه وبين غيره من الفوائد والمكاسب التي هي من الأعيان، وإثباته فيهما بالخصوص كان لخصوصية في هذه السنة حيث عفا الإمام g عن غيره لما ذكر في الرواية الشريفة، فلا يرد أن الحكم بالخمس في الذهب والفضة مطلقاً يحتمل فيه أن يكون لخصوصية في هذه السنة، بل العكس هو الصحيح فإن العفو عن غيره هو الذي كان لخصوصية في هذه السنة فلاحظ.
وعلى كل حال فحيث أطلق الإمام g القول بالخمس فيهما إذا حال عليهما الحول، دلّ ذلك على شموله لمطلق ما يحصل منهما من أنواع الفوائد والمكاسب والهدية ونحوها، وهو المطلوب.
ولا إشكال في سندها، فإن أبا علي بن راشد هو الحسن بن راشد المكنى بأبي علي من وكلاء الإمام الهادي g وممن عاصر الجواد والهادي h وكان من الأجلاء العظام.
وأما من حيث الدلالة، فإن قوله g: في أمتعتهم، حيث أطلق ذلك ولم يفصل من حيث الجهة التي بسببها تملكوها سواء أكان من تجارة أو صناعة أو من هدية ونحوها أو من ميراث – فضلاً عن التصريح ببعض الأسباب كما في الفقرة التي بعدها -، وأثبت في كل ذلك الخمس، فإنه يدل بإطلاقه على ثبوت الخمس لكل ذلك، ومنه محل الكلام.
وهي من حيث السند يناقش فيها بأن محمد بن الحسن الأشعري – وقد ذكر السيد الخوئي S أنه هو محمد بن الحسن بن أبي خالد الأشعري القمي(٢) - ممن لا شهادة بتوثيقه، بالرغم مما ذكره بعضهم عنه من الظن بوثاقته لمن يراجع ترجمته في كتب الرجال(٣)، فإنه لم يتضح وجهه بعد أن لم يرد ما يوجب ذلك، وقد ذكر السيد الخوئي S أنه مجهول الحال(٤).
وأما من حيث الدلالة، فقد يقال بدواً: إن الإمام g أعرض عن الإجابة عن السؤال الأول – وهو المهم في المقام – الذي يتضمن طلب معرفة موارد الخمس، وأجاب فقط عن كيفية الخمس وهو أنه بعد المؤونة وليس قبلها، فليس في الرواية دلالة على المدعى.
ولكن هذا ليس بصحيح، ويعرف ذلك من راجع أسلوب الأئمة i وكيفية جوابهم على الأسئلة خصوصاً المكتوبة، فإنها مختصرة وفيها بلاغة الإيجاز، فالإمام كأنه بجوابه هذا أجاب بالإيجاز على ما ذكر في موارد الخمس المتقدمة في السؤال وذكر أن الخمس بعد المؤونة، فيكون هذا جواباً مختصراً للسؤالين، فكأنه قال g نعم في كل ذلك ويكون بعد المؤونة.
وبعبارة أخرى: إن الإمام g لو كان يرى أن السؤال الأول فيه ما لا يجب فيه الخمس لكان لا بد عليه أن يبين ذلك للسائل، بمقتضى كونه منصوباً ليبين للناس ما نزل إليهم، فمن سكوته عن ذلك وجوابه عن السؤال الثاني يعلم أنّ كلَ ما ذكر فيه الخمس بالضرورة.
وإذا تم ذلك، فبما أن السؤال تضمن قول السائل: أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب؟ فإنه ظاهر في عمومه لمحل الكلام، ولا يُصغى إلى اختصاصه بضروب المكاسب فقط فإنه خلاف الظاهر أولاً، وخلاف تعقيب السائل ذلك بقوله: وعلى الصناع, الذي هو من جملة المكاسب، فإن العطف يفيد المغايرة، كما لا يخفى.
وهذه الرواية كسابقتها تدل على التعميم بوضوح, الشامل لمحل الكلام, بيانه: أنه وإن كان يظهر من القاموس أن لفظة (أفاد) من الأضداد فقد تكون بمعنى (الإفعال) وقد تكون بمعنى (الاستفعال) وعلى الأول يكون (الناس) مفعولا وعلى الثاني يكون فاعلاً، إلا أنه من الواضح استعمالها هنا بالمعنى الثاني، أي في كل ما استفاده الناس، كما جزم به في الوافي(٢)، ولا وجه لما أفاده بعضهم من استفادة كون الأول أقرب(٣).
وعليه فيكون المعنى: في كل ما استفاده الناسُ من قليل أو كثير، وهو واضح في العموم، ويتضح من قوله g: (في كل) أن السؤال كان عن موارد الخمس وما يجب فيه.
وفي هذا الحديث عطف الاكتساب على الغنيمة بـ(أو) مما يفهم منه المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه, وعليه فيكون المراد بالغنيمة معنى آخر غير المراد من الاكتساب حتى يصح العطف، وهذا المعنى لا بد أن يكون أوسع منه، باعتبار أن لفظ الغنيمة لغة أوسع من حيث المعنى من لفظ الاكتساب، وإطلاق الكلام يقتضي إرادة هذا المعنى الواسع، فقد يقال بشموله لمحل الكلام بهذا التقريب،
ولكن هذا الكلام لا يفي بإدخال الهدية ونحوها في معنى الغنيمة إذ لو سلمنا الأعمية - ولم نقل بإرادة خصوص غنائم الحرب الذي هو قول في معنى الغنيمة ويحقق المغايرة أيضاً - يكفي في المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه شمول معنى الغنيمة – بالإضافة لغنائم الحرب – غيرها مما يحقق الأعمية، ولا يلزم منه بالضرورة شموله لمثل الهدية والهبة أيضاً، ولا سيما أننا قربنا عدم شمول المعنى اللغوي للغنيمة لمحل الكلام، بسبب احتمال خصوصية أخرى مأخوذة في معنى الغنيمة لا يشمل بسببها اللفظ الهدية، ولو سلم بأن لفظ الغنيمة شامل لها لغة فالإطلاق ممنوع، لعدم الجزم بأن المتكلم كان في مقام البيان من هذه الجهة، فليتأمل.
على أن سندها ضعيف بعبد الله بن القاسم الحضرمي فقد قال فيه النجاشي: إنه متهم بالكذب والغلو والضعف(١).
وهي وإن كانت معتبرة بطريق الصدوق(٣) لا الشيخ فإنّ فيه محمد بن سنان, إلا أنها ناظرة إلى روايات التحليل وموردها المال الذي تعلق به الخمس ثم صار في يد الشيعة فقد أحل الأئمة i لهم ذلك المال، ولا تعلق لها بمحل الكلام، فلا ينعقد لكلام السائل إطلاق يشمل محل الكلام ليقال بدلالة الرواية على وجوب الخمس في الهدية.
وقوله g: (وإخراج الخمس من كل ما يملكه أحد من الناس)، عام يشمل محل الكلام، فدلالته على ذلك بالعموم الذي لا إشكال فيه، ولو كان بالإطلاق لكان يمكن المناقشة فيه بأن النبي e لا يحرز أنه في مقام البيان من هذه الجهة فلا يتم انعقاد الإطلاق، فحجيته.
إلا أنها ضعيفة بعيسى بن المستفاد وبغيره في السند.
وهو وإن كان ظاهراً في ذلك، ولكن الكلام في سنده من جهة عدم الوثوق بنسبته للإمام الرضا g كما هو عنوانه، بل المحقق أنه لغيره، وإن اختلف فيه هل هو لوالد الصدوق أو هو كتاب التكليف للشلمغاني, أو غيره.
وقد تحصل مما مر في استعراض الروايات أنه يوجد في الروايات ما هو تام سنداً ودلالة، مما ينفع في الاعتماد عليه في القول بثبوت الخمس في مطلق الفائدة الشامل لمحل الكلام بلا كلام.
هذا, وهناك روايات قيل بمعارضتها لتلك الطائفة التي تدل على التعميم حيث تدل على تخصيص الغنيمة بخصوص ما أخذ من الحرب، وهي روايتان:
وقد قيل في وجه الجمع بين هاتين الروايتين وبين ما تقدم أقوال مختلفة، نعرض بعضها ثم نذكر المختار في المقام:
القول الأول: ما ذكره الشيخ S في الاستبصار، من حمل الغنائم في هذا الحديث على مطلق الفوائد، فيشمل جميع الأصناف التي يجب فيها الخمس(١).
ولكنه وإن أمكن تقريب كون معنى الغنيمة يشمل جميع الفوائد – كما تقدم في محله – إلا أن سياق الحديث لا يساعد عليه، فقول الإمام g في مقام تحديد الخمس وتضييقه لا توسعته، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى قوله g في الرواية الأولى (خاصة)، يعني: أنه في مقام نفي توهم التوسعة إلى شيء آخر، والشيخ S لم يتصد لبيان الشيء الآخر ما هو، حتى يصحح الرواية بهذا الحمل.
القول الثاني: ما ذكره الشيخ S أيضاً في الاستبصار، من أن المقصود نفي الخمس الواجب بظاهر القرآن عن غير الغنائم لا نفي مطلق الخمس(٢)، أي: أن ما ذكر في القرآن في آية الخمس لما كان ظاهره الاختصاص بغنائم دار الحرب – على تأمل في ذلك ظهر مما تقدم – فهذا الحكم – أي ثبوت الخمس – الثابت في القرآن لا يشمل غير غنائم دار الحرب من موارد الخمس الأخرى.
وهو خلاف الظاهر إذ الظاهر أن الإمام g ناظر لبيان حكم الخمس الواقعي وليس ناظراً لبيان حكم الخمس في الكتاب وإلا لقال مثلاً: ليس الفرض من الخمس في القرآن إلا في الغنائم خاصة، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فلو كان المقصود ذلك لوجب عليه تعقيبه ببيان التوسعة الواردة في السنة للحكم حتى يشمل غير ذلك من سائر الفوائد ولا يتوهم انحصار الخمس بذلك، فليتأمل(٣).
ولكن مع ذلك يبقى الإشكال على ما ذكره S هو أننا لا نسلم أن الحكم الثابت في الآية هو لخصوص غنائم دار الحرب حتى يأتي هذا الكلام.
القول الثالث: ما أفاده بعض من إمكان تقييد إطلاق الحصر في الحديث بما ثبت الخمس فيه من تلك الأصناف، نظير تقييد الحصر في مثل (لا يضر الصائم إذا اجتنب ثلاثاً) بسائر المفطرات(١).
وفيه أن لسان الصحيحة الأولى (صحيحة ابن سنان) آبية عن التقييد، وذلك لمكان لفظ (خاصة) فيها الذي تأبى الرواية معه عن التقييد، فضلاً عن تقييدها بما لا يُبقي خصوصية للعنوان المذكور فيها وهو الغنائم، فإنه بعد البناء على أنّ الغنائم هي بالمعنى الخاص لا يبقى له خصوصية في حكم الخمس إذا كان الواقع أن الخمس يتعلق بمطلق الفائدة.
القول الرابع: لو فرض التعارض وعدم وجود جمع عرفي، فيقال بتقديم روايات الخمس على هذين الحديثين سنداً باعتبار موافقتها للكتاب الكريم.
وفيه: منع كون الموافقة في جانب تلك الأحاديث بل الموافقة إلى جانب هذين الحديثين لأنهما عبرا بنفس ما عبر به القرآن وهو الغنائم، فكيف تكون مخالفة للكتاب وتلك الأحاديث موافقة له ؟!
القول الخامس: ترجيح أدلة الخمس باعتبار مخالفتها للعامة، وهو المرجح السَنَدي الثاني.
وفيه: أن كلاً من الطائفتين مخالف للعامة في الجملة، إذ إنّ أحاديث التعميم وإن كانت مخالفة للعامة بشكل عام – فيما عدا خمس الغنائم والكنز -، لكن هذين الحديثين أيضاً مخالفان لهم باعتبار قولهم بثبوت الخمس في الركاز أيضاً، بل ذهاب المشهور منهم إلى ثبوته في المعدن أيضا(١).
القول السادس: سقوط هذا الحديث عن الحجية سنداً لمعارضته للسنة المقطوع بصدورها إجمالاً، حيث لا يحتمل عدم صدور شيء منها، بل مخالفة مضمونه مع الواقع في نفسه للقطع بعدم اختصاص الخمس بغنيمة الحرب.
ويمكن القول بتماميته إن وصلت النوبة إلى التعارض، ولكن سيأتي عدمه.
القول السابع: سقوطه عن الحجية بإعراض المشهور عن العمل به بناء على قبول كبراه.
وفيه – مع تسليم الكبرى – منع الصغرى، إذ يمكن ذهاب المشهور لأحد وجوه الجمع، ولم تصل النوبة إلى الإعراض.
القول المختار: أنّ المستفاد من جملة من الروايات أن الغنيمة تطلق في مقابل الفيء، كما تطلق في مقابل سائر موارد الخمس مما تقدم، ومنها صحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله g، قال: سمعته يقول: (في الغنيمة يخرج منها الخمس ويقسم ما بقي بين من قاتل عليه وولي ذلك، وأما الفيء والأنفال فهو خالص لرسول الله e)(٢), فهذا المعنى – في مقابل الفيء – أصبح في عصر الأئمة i من المعاني المشهورة الواضحة وكثير من الروايات أكدت على أن الفيء للإمام g وليس فيه الخمس، بل كله للإمام، فصحيح أن الغنيمة قد تطلق في مقابل غيره من موارد الخمس، ولكن تطلق أيضاً بهذا المعنى الذي ذكرناه، وعليه فيمكن القول بأن هذه الرواية ظاهرة في إرادة هذا المعنى للغنيمة أي ما يقابل الفيء وليس ما يقابل سائر ما فيه الخمس.
بل يمكن أن يقال إنه يمكن حمل كلام الشيخ S في الاستبصار على هذا المعنى، فإن قوله: إنّ الغنيمة أريد بها كل موارد الخمس يكون بهذا المعنى، أي: ما يخمس في مقابل ما لا يخمس وهو الفيء.
ما يمكن أن يوجه به خروج الفقهاء عن روايات التعميم إلى خصوص المكاسب وما يؤديه ذلك:
وهنا تساؤل وهو أن المتقدمين –كما مَرَّ استعراض أقوالهم– ذهبوا إلى اختصاص الخمس بأرباح المكاسب، كالتجارات والصناعات والزراعات، في حين أن الأدلة المتقدمة، من الآية والروايات تدل –كما تقدم– على عموم الخمس لمطلق الفائدة التي تعم المكاسب وغيرها كالهبة ونحوها.
وحينئذ يُتساءل، هل يؤخذ بعموم الآية والروايات، ولا يُعتنى بما هو الظاهر من كلماتهم، ولو بحملها على المثال؟ أو تطرح هذه الأدلة بسبب إعراض المشهور عنها فتسقط عن الحجية؟ فلا يؤخذ بعمومها، بل يقتصر منها على مقدار ما ذهب إليه المشهور منهم، وهو أرباح المكاسب؟
والمستند في هذا الحمل، هو إعراض المشهور عن هذه الأدلة في شمولها لهذه الموارد، بأن لم يتعرضوا لشمول الخمس لغير أرباح المكاسب، من مثل الهبة ونحوها، مع أنهم في معرض البيان لما يفتون به في كتبهم المعدة لذلك، لاسيما وأن هذه الموارد ليست من الموارد التي يندر الابتلاء بها، بل هي من الموارد العامة البلوى في كل زمان ومكان.
فقد يقال: إن هذا الإعراض منهم يكشف عن أن عدم حكمهم بالخمس فيها لا بد أن يكون ناشئاً من أدلة كانت عندهم أخذوها من الأئمة i وغابت عنا.
ومما يؤيد ذلك أن العلامة عندما حكى ثبوت الخمس في الميراث والهبة والهدية عن بعضهم قال: والمشهور خلاف ذلك في الجميع(١).
وكذلك ابن إدريس حيث قال: وقال بعض أصحابنا: إن الميراث والهدية والهبة فيه الخمس، ذكر ذلك أبو الصلاح الحلبي في كتاب الكافي الذي صنفه، ولم يذكره أحد من أصحابنا إلا المشار إليه، ولو كان صحيحا لَنُقِل نقْلَ أمثاله متواتراً، والأصل براءة الذمة فلا نشغلها ونعلق عليها شيئا إلا بدليل(٢).
ولكن يرد عليه:
أقول: إنه وإن سلم ذلك إلا أنه لا يحرز أن عملهم هذا كان عن إعراض عن تلك الروايات، بل يجزم أنهم لم يعرضوا عنها وأنها كانت معتبرة عندهم سنداً وقد عملوا بها في الجملة، غاية الأمر أنّهم لم يعملوا بها بإطلاقها الشامل لمثل المقام إما لعدم فهم الإطلاق منها، أو لوجود مقيد لها وإنْ كان هذا المقيد لبياً كالإجماع ونحوه، وعليه فمن لم تتم عنده هذه المقيدات فلا بأس بحجيتها والعمل بها عنده، بعد أن تمت تلك الروايات سنداً ولم يثبت إعراضهم عنها.
هذا كله بغض النظر عما سيأتي من الروايات الخاصة التي تدل على ثبوت الخمس في الهدية بالخصوص، وفيما يأتي الحديث عنه مفصلا.
الروايات التي تدل على المدعى بالخصوص:
وأما الروايات التي يمكن أن يقال بدلالتها على شمول الخمس لمثل الهدية فهي:
والكلام في سنده يقع من جهتين:
أولاً: من جهة أحمد بن هلال العبرتائي الذي كان غالياً متهماً في دينه كما في فهرست الشيخ، ووردت فيه ذموم عن الإمام الحسن العسكري g كما نقله النجاشي والكشي، ولكن الشيخ ابن الغضائري ذكر في حقه استثناء، حيث قال: يتوقف في حديثه إلا ما يرويه عن الحسن بن محبوب من كتاب المشيخة وعن محمد بن أبي عمير من نوادره، وقد سمع هذين الكتابين جل أصحاب الحديث(٢).
أقول: مقصود ابن الغضائري أن هذين الكتابين كانا من الشهرة بمكان يطمأن معه من عدم تحريف مضمونهما فيكون السند إليهما لا قيمة له لاشتهارهما، وهذا المبنى عليه جمع من الأعلام، والأمر فيه سهل، ولكن الإشكال أن هذه الرواية المبحوث عنها وإن كان يرويها عن محمد بن أبي عمير، إلا أنه لا يعلم كونها من كتاب نوادره أو لا، وعليه فيشكل الأخذ بهذه الرواية على هذا الأساس.
إلا أنه قد ذهب بعض الأعلام إلى تصحيح روايات أحمد بن هلال من جهة أخرى، ببيان: أن الرجل كان سابقا من رجال الطائفة الموثوقين ثم طرأ عليه الفساد في العقيدة بعد ذلك فذمه الإمام واشتهر أمره بين الأصحاب، وعلى هذا فالرواة الموثوقون اجتنبوا الرواية عنه بعد انحرافه، فيكون ما بأيدينا من الروايات هي ما كان قبل انحرافه، ويمكن حصول الاطمئنان بذلك مما تقدم.
ولكن يرد عليه أن أحوال الناس عادة في مثل هذه الأمور بحسب ما يظهر من رصد ما يشابه هذه الحالات في المجتمع، لا تظهر وتشتهر بسرعة، في أحسن الأحوال، أي إذا لم يتقصد صاحبها إخفاء حالته الجديدة، بل هي في طبيعتها – أعني حالة التحول – حالة تدريجية وليست دفعية تحصل في يوم وليلة فيصحو الناس على الشخص وقد بان انحرافه، وعليه فلا يطمأن أنه في هذه الفترة بين سلامة عقيدته واشتهار انحرافه لم يرو عن الأئمة أو لم يحرف كلامهم مع توفر الدواعي لذلك عادة.
فهذا الذي ذكر في هذا البيان تبسيط للمسألة بما لا تساعد عليه الشواهد التأريخية في أزمنة الفتن على مر العصور.
وثانياً: من جهة سند ابن إدريس إلى محمد بن علي بن محبوب، وقد قيل إن ابن إدريس S قد صرح أن كتاب ابن محبوب واصل إليه من الشيخ الطوسي S بخطه فالواسطة بين ابن إدريس وبين الشيخ ساقطة بعد أن كان الكتاب يعلم أنه للشيخ، وأما طريق الشيخ لكتاب ابن محبوب فهو معلوم من المشيخة فيتم من هذه الجهة(١)، ولكن يرد عليه أنه لا يعلم بعد ذلك أن طريق الشيخ لكتاب ابن محبوب الذي ذكره في المشيخة هو لهذه النسخة التي ادعى ابن إدريس S أنها للشيخ، لو سلم ذلك ولم تكن وصلت إليه بالوجادة.
والحاصل أنه لا يمكن الاعتماد على هذه الرواية سندا.
وأما من جهة الدلالة، فيمكن أن يقال: إن دلالتها على المدعى واضحة لا لبس فيها، ولكن مع ذلك قد يقال بوجود مجال للمناقشة فيها من جهات:
الأولى: إن الوارد فيها خصوص الهدية التي تبلغ ألفي درهم أو أقل من ذلك أو أكثر، والظاهر من هذا التعبير في اللغة عدم إرادة التعميم من جهة القلة والكثرة مطلقاً بأن يراد به من جهة القلة حتى الدرهم الواحد مثلاً، ومن جهة الكثرة الآلاف المؤلّفة من الدراهم، فإن هذا المعنى بعيد عن فهم أرباب المحاورة، بل هو معنى مستحدث في أذهان المأنوسين بالمعقول.
وأما العرف فيفهم من هذا التعبير ألفي درهم أو أقل منه بقليل أو أكثر منه كذلك، والظاهر أن هذا المقدار من المال كبير في تلك الأزمنة.
وعلى هذا المعنى يمكن أن يقال: إن الوارد في الرواية خصوص مورد معين من الهدية وهو قد يكون ليس الفرد الغالب من الهدية التي تكون بين الأصدقاء والأهل والأقارب والمعارف في المناسبات المختلفة, بل هي فرد لا نقول إنّه نادر الوقوع بل قليل الوقوع عادة، فلا يمكن تعدية الحكم الذي ذكره الإمام g من عدم وجوب الخمس فيه إلى مطلق الهدية.
ولكن مع كل ما ذكر لا يتم هذا البيان؛ لأن التحديد المذكور قد ورد في سؤال السائل ولا يجب على الإمام g أن يجيب وفق تلك الخصوصية، بل يمكن أيضاً له أن لا يعتبر هذه الخصوصية فارقة في الحكم – لأن الواقع كذلك – فيجيبه بغض النظر عنها, فيكون حكم الإمام g مطلقاً يشمل كل موارد الهدية، فليتأمل(١).
الثانية: إن قول السائل: يهدي إليه مولاه والمنقطع إليه، قد لا يكون ظاهرا في المولى العرفي الذي هو السيد للعبد كما أنه لا يراد به طبعاً الإمام المعصوم g بل هم سلاطين الجور بقرينة قوله: (المنقطع إليه)، فيكون التخميس فيه ليس لأنه هدية بل لأنه مال مخلوط بالحرام فيخمس من هذه الجهة(٢).
ولكن الإنصاف أن هذا التعبير ليس فيه ظهور بهذا المعنى بحد نفسه، إلا إذا ضم إليه قيمة الهدية المرتفعة وعدم معهودية إهداء الموالي لعبيدهم هدايا فضلا عن أن تكون بهذا المقدار، والمسألة تحتاج إلى مزيد نظر.
ولكن مع هذا كله لم يعلم أن حكم الإمام g بالخمس فيها كان من غير الجهة المبحوث عنها مع عدم وضوح ذلك من الجواب, بل ظاهر الجواب باسم الإشارة ملاحظة كونها هدية، فليتأمل.
وظاهر القيد هو الاحترازية، فكما قلنا سابقا إن الأئمة i – وخاصة في المكاتبات– يقتصرون على أقل ما يفيد المطلوب، فإعادة الإمام g لهذا القيد بطوله –أعني: فيما سرح به صاحب الخمس– لا بد وأن يراد به الاحتراز عن طبيعي الهدية في الجملة –كقدر متيقن– فلا بد أن يثبت في هذا الطبيعي خلاف الحكم المذكور، وهو المطلوب.
ولكن الرواية فيها سهل بن زياد، وهو مختلف فيه، والأقرب عدم وثاقته.
ودلالتها واضحة على المدعى بعد وضوح أن المراد من السؤال عن الفائدة وحدّها هي الفائدة الواردة في لسان الأئمة i في الخمس وليس هناك غيرها ليتوهم عدم وضوح أن المسؤول عنه هو الخمس في حدوده لا أصله.
إلا أن الكلام في سندها ففيه اضطراب، ففي الكافي في بعض النسخ بعنوان (بن يزيد)(٣)، وفي بعض النسخ بعنوان (عن يزيد)، وعلى الأول يكون السند هكذا: أحمد بن محمد بن عيسى بن يزيد، وهذا ليس بصحيح إذ المراد بأحمد في السند هو أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمي وليس والد عيسى هو يزيد، فقد يقال(١): إنّه لا بد أن يكون في السند سقط هو اسم من أبوه يزيد الذي يروي عنه أحمد بن محمد بن عيسى، والمظنون كونه يعقوب بن يزيد الكاتب الأنباري القمي الذي هو من الأجلاء الثقات, وهو من أصحاب الرضا أو الهادي h فيتم السند عندئذ.
ولكن هذا الاحتمال بعيد في نفسه إذ يتوقف ذلك على افتراض سقوط كلمتين هما (عن يعقوب) مثلا وهو بعيد، لا سيما أن في مقابله احتمال التصحيف وهو أقرب عادة وأخف مؤونة.
وعليه فيتعين الأخذ بالنسخة الثانية وهي (عن يزيد)، ولكن (يزيد) هذا مردد بين يزيد بن إسحق الذي لم يثبت توثيقه إلا على أساس قاعدة وروده في أسانيد كامل الزيارات، وهي غير مسلمة، أو يزيد بن حماد الأنباري أبي يعقوب فيكون ثقة بشهادة الشيخ، فالسند مردد بين الثقة وغيره، فلا يمكن الاعتماد عليه.
ومن هذا العرض يتبين أن الروايات التي دلت على ثبوت الخمس في الهدية بالخصوص لا يمكن الاعتماد عليها في الاستدلال لضعفها سنداً، وإن كان فيها ما هو تام دلالة, نعم تصلح للتأييد، ولا يضر عدم الاعتماد عليها بعد توافر الأدلة العامة على ذلك.
الروايات المعارضة لما دل على ثبوت الخمس في الهدية أو للعمومات:
هذا وقد يقال بوجود روايات معارضة في تصريحها بعدم ثبوت الخمس في الهدية, لتلك الروايات التي نصت على ثبوت الخمس فيها، أو للعمومات التي شملت بعمومها مثل الهدية، وهي مجموعة من الروايات عمدتها:
رواية علي بن مهزيار: كتبت إليه: يا سيدي رجل دفع إليه مال يحج به هل عليه في ذلك المال حين يصير إليه الخمس أو على ما فضل في يده بعد الحج؟
فكتب g: ليس عليه الخمس(١).
والكلام في هذه الرواية من حيث السند ومن حيث الدلالة:
أما من حيث السند فقد عبر عنها السيد الخوئي S في المستند(٢): بما رواه الكليني بسنده الصحيح -في أحد طريقيه– عن علي بن مهزيار عن الرضا g ..إلخ.
وأقول: ما ذكره S ناشئ من ملاحظة ما نقله صاحب الوسائل S عن الكافي حيث نقلها عنه هكذا: محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين, وعن علي بن محمد بن عبد الله عن سهل بن زياد جميعاً عن علي بن مهزيار، فيكون سهل بن زياد مذكوراً في أحد الطريقين دون الآخر وتصح الرواية بالطريق الآخر.
ولكن هذا غير صحيح إذ إنّ صاحب الوسائل S اشتبه في ذلك فجعل سهلاً مذكورا في أحد الطريقين والصحيح أن التعدد قبل سهل بن زياد وهو مشترك بعد ذلك، حيث نقل الشيخ الكليني S الرواية هكذا: محمد بن الحسن وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد عن علي بن مهزيار.. الرواية(٣)، ونقلها في شرح أصول الكافي للمولى محمد صالح المازندراني أيضاً بهذا السند(٤) وكذا في الوافي عن الكافي، وكذلك في مرآة العقول للعلامة المجلسي S(١)، وأيضاً في جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي S(٢) نقلا عن الكافي، فإذاً الرواية غير صحيحة من حيث السند.
وأما من حيث الدلالة فقد ذكرت وجوه متعددة لبيان المراد من هذه الرواية:
منها: ما ذكره في مصباح الفقيه(٣) حيث قال:
فما في مكاتبة ابن مهزيار.. مطروح أو محمول على ما لو كان الدفع من باب الصلة، وصرف المال في سبيل اللَّه، والتسبيب لعمل الخير، كما لعلَّه الظاهر من السؤال، لا الأجرة حتى يدخل في أرباح المكاسب، أو على ما إذا لم يفضل ما يبقى في يده بعد الحجّ عن مؤونة سنته أو غير ذلك.
وقال في الجواهر(٤) -بعد الحكم بثبوت الخمس-: فما في خبر ابن مهزيار.. مطرح أو محمول على إرادة نفيه بالنسبة للقسم الأول من السؤال، ضرورة وجوب إخراج ما يحتاجه نفس العمل وإن لم يرد إيقاعه في تمام الإجارة، إذ هو حينئذ كرأس المال ومؤونة السنة أولاً ثم يجب الخمس في الباقي أو على غير ذلك، إذ لم نعرف أحداً من الأصحاب توقف في ذلك، بل ولا في المنصوص عداه إشارة إليه، بل عمومها وإطلاقها قاض بخلافه ..
وقال السيد الخوئي S في المستند(٥):
وأنت خبير بما فيها من قصور الدلالة وإن صحّ السند:
أمّا أوّلاً: فلأجل أنّه لم يفرض فيها أنّ المال المدفوع إليه كان بعنوان الأُجرة، ومن الجائز أن يكون قد بذل للصرف في الحجّ كما هو متعارف ومذكور في الروايات أيضاً من غير تمليك ولا عقد إجارة، بل مجرّد البذل وإجازة الصرف في الحجّ، ومن الواضح عدم وجوب الخمس في مثل ذلك، إذ لا خمس إلَّا فيما يملكه الإنسان ويستفيده، والبذل المزبور ليس منه حسب الفرض.
وأمّا ثانياً: فلقرب دعوى أنّ السؤال ناظر إلى جهة الوجوب الفعلي، إذ لم يسأل أنّه هل في المال خمس أو لا حتى يكون ظاهراً في الحكم الوضعي ليلتزم بالاستثناء، بل يقول: هل عليه خمس؟ ولا ريب أنّ كلمة (على) إذا دخلت على الضمير الراجع إلى الشخص ظاهرةٌ حينئذٍ في التكليف وغير ناظرة إلى الوضع، وعليه فلو سلَّمنا أنّ الدفع كان بعنوان الإيجار فالسؤال ناظر إلى وقت الإخراج وأنّه هل يجب الخمس فعلاً أو بعد العودة من الحجّ؟ فجوابه g:
بأنّه ليس عليه الخمس، أي ليس عليه ذلك فعلاً، لا أنّ هذا المال لم يتعلَّق به الخمس.
وعلى كلّ حال، فلا ينبغي الإشكال في أنّه لا فرق فيما ينتفع الإنسان بين أُجرة الحجّ وغيرها، واحتمال التخصيص باطل جزماً. انتهى.
وكيف كان فإن تمت بعض هذه الوجوه – كما هو غير بعيد في بعض ما أفاده السيد الخوئي S – فهو وإلا فلا عبرة بهذه الرواية على كل حال لضعفها سندا.
وأما غيرها من الروايات فهي لا ترقى لمستوى الإشكال والمعارضة لما تقدم فلا نطيل الكلام بالتعرض لها لوضوح الجواب عنها.
خاتمة المطاف:
هذا وبعد اكتمال البحث نذكر خاتمة له، فنقول:
إنّه تبين مما سبق أن الأدلة التي يمكن الاعتماد عليها للقول بوجوب الخمس في الهدية، هي:
وهذا كاف في ثبوت الحكم، وإن لم نصحح سند الروايات التي تعرضت لخمس الهدية بالخصوص بعد أن كان فيها ما تتم دلالته على المدعى، فيكون مؤيداً للحكم بثبوت الخمس فيها.
وكذلك فإن الروايات التي قيل بمعارضتها للحكم بالثبوت لم يتم شيء منها سنداً أو دلالة أو هما معا.
وبذلك يتضح أن الصحيح في المقام أن يقال بثبوت الخمس في الهدية بعد وضوح الأدلة عليه، وبذلك يستغرب ذهاب المشهور من القدماء إلى القول بعدم شمولهلها،والذي يتضحمنجعلمنأثبتهفيها–كأبيالصلاحالحلبي S – من القول الشاذ.
وبذلك يتم ما أردنا ذكره ولله الحمد والمنة وبه الاعتصام ومنه السداد، ونسأله أن يتقبل منّا هذا القليل وأن يجعله خالصاً لوجهه حتى ننتفع منه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
وقد وقع الفراغ من هذه الرسالة ليلة الخامس والعشرين من شهر شعبان المعظم من سنة ١٤٣٣ هجرية على مهاجرها آلاف السلام والتحية وعلى آله, في مدينة باب مدينة علم رسول الله e أمير المؤمنين g النجف الأشرف حرسها الله تعالى.
مصادر البحث
(١) لسان العرب: ١٥/ ٣٥٧.
(٢) كتاب العين: ٤/ ٧٧ – ٧٨.
(٣) غريب الحديث: ٢/ ١٨٧ – ١٨٨.
(١) ترتيب إصلاح المنطق: ٦٩.
(٢) البقرة: ١٩٦.
(٣) الفروق اللغوية: ٥٥٥ – ٥٥٧.
(٤) مريم: ٥.
(١) معجم مقاييس اللغة: ٦/ ٤٢ – ٤٣.
(٢) شرح شافية ابن الحاجب:١/ ٨٧.
(١) المقنعة: ٢٧٦.
(٢) الأنفال: ٤١.
(٣) الانتصار: ٢٥.
(١) المراسم: ١٣٩.
(٢) المعتبر: ٢/ ٦٢٣.
(٣) المبسوط: ١/ ٢٣٦, ٢٣٨.
(٤) الخلاف، كتاب الزكاة: ١١٨.
(٥) الغنية: ٥٠٧.
(١) إشارة السبق: ١١٤.
(٢) الوسيلة: ١٣٧.
(٣) المعتبر: ج٢, ٦٢٣.
(٤) النهاية: ١/ ٤٤٧.
(٥) السرائر: ١/ ٤٩٥- ٤٩٦.
(١) تحرير الأحكام: ٦٤.
(٢) منتهى المطلب: ٨/ ٥٣٧.
(٣) الدروس الشرعية: ١/ ٢٥٩.
(١) الطبعة المحشاة من العروة الوثقى: ٤/ ٢٧٥.
(٢) مستمسك العروة الوثقى: ٩/ ٥٢٢.
(٣) الطبعة المحشاة من العروة الوثقى: ٤/٢٧٥, ٢٧٦.
(١) المصدر السابق: ٢٧٥, هامش ٤.
(١) السرائر: ١/ ٤٩٥ - ٤٩٦.
(١) الأنفال: ٤١.
(١) القاموس المحيط: ٤/ ١٥٨.
(٢) لسان العرب: ١٢/ ٤٤٥-٤٤٦.
(٣) كتاب العين: ٤/ ٤٢٦.
(٤) مفردات ألفاظ القرآن: ٦١٥.
(٥) غريب الحديث: ١/ ٤٦.
(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر: ٣/ ٣٨٩، ٣٩٠.
(١) معجم مقاييس اللغة: ٤/ ٣٩٧.
(٢) تاج العروس: ١٧/ ٥٢٧.
(٣) مجمع البحرين: ٦/ ١٢٩.
(٢) ويؤيده أيضاً قوله في القاموس واللسان: النَفَل (محركة): الغنيمة، والهبة. فجعل الهبة معطوفة على الغنيمة، والظاهر أنه عطف تفسير، فيدل على اتحاد المعنى، وقد تقدم أنه لا فرق بين الهدية والهبة من هذه الجهة، فلاحظ.
(٣) حيث تقدَّم عنه صفحة (٦٤): الغنيمة في الأصل هي الفائدة المكتسبة.
(٤) في الروايات الخاصة وهي رواية أحمد بن محمد بن عيسى في قوله g: (الفائدة مما يفيد إليك في تجارة من ربحها وحرث بعد الغرام أو جائزة) , فإن الإمام g فسر الغنيمة بالفائدة وأراد من الفائدة خصوص ما يكون بعد استثناء رأس المال مثلاً في التجارة أو ما يأخذه السلطان في الزراعة ونحو ذلك، وهو بمعنى صافي الربح, وعليه فتكون هذه الرواية مؤيدة لكون المراد من الغنيمة لغة هو هذا المعنى وهو: الفائدة بلا بدل أو الفوز بالشيء بلا مشقة ونحو ذلك وهو المعنى النسبي، فليتأمل.
(١) الميزان في تفسير القرآن: ٩/ ٨٩.
(١) الميزان في تفسير القرآن: ٩/ ٩٠.
(٢) التبيان في تفسير القرآن: ٥/ ١١٧-١١٨.
(٣) مجمع البيان: ٤/ ٤١٦.
(١) مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام: ٢/ ٧٦، ٨٠.
(٢) زاد في بعض النسخ: وقال ابن الجنيد: فأما ما استفيد من ميراث أو كد بدن أو صلة أخ أو ربح تجارة أو نحو ذلك فالأحوط إخراجه لاختلاف الرواية في ذلك (ولأن لفظ فريضة يحتمل هذا المعنى) وقد يستدل على ذلك بصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله g: ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة، إذ لا ريب في عدم صحة الحمل على غنائم دار الحرب فينبغي أن تحمل على الغنائم (الفوائد) مطلقاً، وأوردها في المعتبر إيراداً على وجوب الخمس في الحلال المختلط بالحرام، ثم قال: ولا نوجبه إلا فيما يطلق عليه اسم الغنيمة وقد بينا أن كل فائدة غنيمة، واحتمل الشيخ في الاستبصار بعد إيرادها أن تكون هذه المكاسب والفوائد التي تحصل للإنسان من جملة الغنائم التي ذكرها الله تعالى واستدل بها في المختلف لابن الجنيد ثم قال: وجوابه القول بالموجب، فإن الخمس إنما يجب فيما يكون غنيمة وهو يتناول غنائم دار الحرب وغيرها من جميع الاكتسابات على أنه لا يقول بذلك فإنه أوجب الخمس في المعادن والغوص وغير ذلك، واستدل فيه أيضاً على إيجاب الخمس في أرباح التجارات والصناعات والزراعات وأورد على ابن الجنيد فقال: لنا قوله تعالى [واعلموا أنما غنمتم..] الآية، وهذا من جملة الغنائم وفيه أيضاً في بيان وقت وجوبه أن الآية وغيرها يقتضي وجوب الخمس وقت حصول ما يسمى غنيمة وفائدة، وبالجملة فالقول بدلالة الآية على وجوب الخمس في كل فائدة إلا ما أخرجه الدليل غير بعيد خصوصا مع ملاحظة أن الغنيمة في اللغة والعرف للفائدة مطلقاً وتخصيص الآية أو تقييدها أولى بطلب الدليل عليه وربما استبعد بعض أصحابنا استفادة ذلك من ظاهر الآية وقال: والظاهر منها كون الغنيمة.. انتهى.
(١) وزاد في بعض النسخ: وقد يؤيد ذلك بقوله (من شيء) فإنه يشمل كل ما يقع عليه اسم الشيء من كثير وقليل ما أمكن نقله كالثياب والدواب وما لم يمكن كالأراضي والعقارات مما يصح تملكه للمسلمين وظاهر أن هذا الإطلاق يناسب المعنى الخاص لأن أكثر الفوائد يعتبر فيها النصاب أو الفضل بعد المؤونة، وكذا يؤيده كون سابقها ولاحقها في الحرب والجهاد، ونزولها في غنيمة دار الحرب إن صح، فتأمل.
(٢) تفسير المنار: ١٠/ ٣.
(١) تفسير القرطبي: ٤/ ٣٦٣, ٣٦٤.
(١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٩.
(٢) الحشر: ٧.
(١) آل عمران: ١٦١.
(٢) تفسير الطبري: ١٣/ ٥٤٦-٥٤٨.
(٣) الحشر: ٧.
(١) الحشر: ٧.
(١) بصائر الدرجات: ٢٩, ونقلها في الوسائل عنه: ٦/ ٣٣٨.
(١) معجم رجال الحديث: ١٤/ ١٦٤.
(٢) وسائل الشيعة: ٦/ ٣٤٥.
(١) وسائل الشيعة: ٦/ ٣٨١.
(٢) ضبط في الكافي (مؤذن بني عيسى) وفي التهذيبين (مؤذن بني عبس) ونقل المجلسي عن التهذيبين (مؤذن بني عيسى) بالياء المثناة أيضاً، وفي جامع الرواة للأردبيلي: ١/ ٢٦٨: بني عبس وبني عيسى وبني عبيس وعلى أي فالرجل مجهول، عدَّه الشيخ في رجال الإمام الصادق: ١٨٤ الرقم ٣١٩، ونقل عنه أرباب الرجال ولم يزيدوا على ذلك (هامش مسالك الأفهام للفاضل الجواد الكاظمي: ٢/ ٧٩، هامش١، تخريج محمد باقر شريف زاده).
(١) وسائل الشيعة: ٦/ ٣٥٠.
(١) وبمضمونه كلام بعض الأعلام المعاصرين في بحث الخمس (مخطوط): ١٤, ١٥.
(٢) الانتصار: ٨٦.
(١) وسائل الشيعة: ٦/ ٣٤٩-٣٥٠.
(٢) وسائل الشيعة: ٦/ ٣٤٨.
(١) وسائل الشيعة: ٦/ ٣٤٨.
(٢) معجم رجال الحديث: ١٦/ ٢١٣.
(٣) ينظر: كتاب الخمس لبعض الأعلام (مخطوط): ٢/ ٣١.
(٤) المصدر السابق: ٢١٧.
(١) وسائل الشيعة: ٦/ ٣٤٨.
(٢) الوافي: ١٠/ ٣٠٩.
(٣) ينظر: كتاب الخمس للشيخ مرتضى الحائري: ١٤٨.
(١) الوسائل: ٦/ ٣٥١.
(١) رجال النجاشي: ٢٢٦، رقم ٥٩٤.
(٢) الوسائل: ٦/ ٣٨٠.
(٣) من لا يحضره الفقيه، باب ٧ من أبواب الزكاة، ح١٦.
(٤) الوسائل: ٦/ ٣٨٦.
(١) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا g : ٢٩٤.
(٢) وسائل الشيعة: ٦/ ٣٣٨.
(٣) المصدر السابق.
(١) الاستبصار: ٢، كتاب الزكاة، باب ٣٠، شرحه للحديث رقم ٦.
(٢) المصدر السابق.
(٣) ووجه التأمل: أنه قد يكون المقام في بيان حكم الخمس من القرآن, إذ لم تنقل لنا الواقعة كاملة حتى نعرف ما هو مقام السؤال (ولا أصل السؤال) – إن كان – فيمكن أن يدعى أن السائل توفرت له القرينة على ذلك فأمن التوهم، فلذلك اقتصر الإمام g على بيان هذا الأمر وحده.
(١) مستند العروة الوثقى، كتاب الخمس (الهامش) : ٣٦.
(١) الفقه على المذاهب الأربعة: ١/ ٦١٢-٦١٦.
(٢) وسائل الشيعة: ٦/ ٣٧٤.
(١) تذكرة الفقهاء: ٥/ ٤٢١.
(٢) السرائر: ١/٤٩٥- ٤٩٦.
(١) وسائل الشيعة: ٦/ ٣٥١.
(٢) جامع الرواة: ١/ ٧٤ " أحمد بن هلال".
(١) كتاب الخمس (مخطوط): ٢/ ٣٤.
(١) ووجه التأمل أن الإمام g ذكر في الجواب هكذا: الخمس في ذلك، فقد يكون اسم الإشارة ظاهراً في النظر إلى تلك الخصوصية.
(٢) ينظر: كتاب الخمس للسيد الشاهرودي: ٢/ ٣٤-٣٥.
(١) وسائل الشيعة: ٦/ ٣٥٤.
(٢) وسائل الشيعة: ٦/ ٣٥٠.
(٣) أصول الكافي، كتاب الحجة، باب الفيء والأنفال وتفسير الخمس، ح١٢.
(١) كما عن بعضهم, كتاب الخمس (مخطوط): ٢/ ٣٣.
(١) وسائل الشيعة: ٦/ ٣٥٤.
(٢) مستند العروة الوثقى, كتاب الخمس: ٢١٨.
(٣) الكافي: ١/ ٥٤٧.
(٤) شرح أصول الكافي: ٧/ ٤١٤.
(١) مرآة العقول: ٦/ ٢٨١.
(٢) جامع أحاديث الشيعة: ٨/ ٥٥٦.
(٣) مصباح الفقيه: ١٤/ ١٢٤.
(٤)جواهر الكلام: ٦/ ٣٤.
(٥) مستند العروة الوثقى, كتاب الخمس: ٢١٨.