سقوط الأذان عند الجمع بين الفريضتين
الشيخ جاسم الفهدي (دام عزّه)
استعرض الفقهاء (قدِّست أسرارهم) عدَّة مواطن لسقوط الأذان, وقد عُدَّ منها حالة الجمع بين فرضي الصلاة, إلاّ أنَّ هذا وقع مثاراً للاختلاف بين الأقوال والكلمات.
وقد جاءت هذه الدراسة للبحث عن تلك الأقوال وبيان مستند كلٍّ منها, مع اختيار الأقرب بحسب ما توصل إليه البحث من نتائج.
بسم الله الرحمن الرحيم
مِنَ الثابت في الشريعة الإسلامية المقدَّسة استحباب الجمع بين الصلاتين في عدَّة مواطن, كظهري يوم عرفة, وعشائي المزدلفة, وظهر يوم الجمعة لمن صلَّى الجمعة؛ وذكر الأَعلام (رحم الله الماضين منهم وحفظ الباقين) أنَّ الأذان الثاني في هاتين الصلاتين يسقط عن الاستحباب، إلَّا أنَّه هل يسقط الأذان الثاني في موارد الجمع غير المستحب - كما في الجمع في الفرائض اليومية أو الجمع في يوم الجمعة لمن صلى الظهرين (على قول)- ؟
وقع خلاف بين الأَعلام في السقوط وعدمه, وقد اختار جمعٌ سقوط ذلك الأذان, ثُمَّ وقع الخلاف في أنحاء هذا السقوط, فهل هو على نحو العزيمة- أي يحرم الإتيان به- أو على نحو الرخصة؟ وهذا ما سوف يقع مداراً لبحثنا, ثم بعد ذلك نبحث في حقيقة الجمع أو بماذا يتحقق التفريق، وسوف نقسم البحث إلى ثلاثة مقامات.
المقام الأول
في سقوط الأذان الثاني عند الجمع بين الصلاتين جمعاً غير مستحب.
وسنسلّط الضوء في هذا المقام على ثلاثة محاور:
المحور الأَول: عبارات الأَعلام (رحم الله الماضين منهم وحفظ الباقين).
القول الأول: سقوط الأذان الثاني عند الجمع, كما هو المشهور(١).
١- ما ذكره أبو الصلاح الحلبي S , قائلاً: (وإذا اختل شرط من شروط الجمعة المذكورة سقط فرضاً وكان حضور المسجد الجامع لصلاة النوافل وفرض الظهر والعصر مندوباً إليه ... فإذا زالت الشمس صلاهما وأذن لنفسه وأقام وصلى الظهر كسائر الأيام فإذا سلَّم بهما عقَّب وعفَّر ونهض فصلى فريضة العصر بإقامة من غير أذان)(٢).
٢- ما ذهب إليه الشيخ الطوسي S , وقد صرَّح به في أكثر من مصدر:
وهذا الكلام صريح في إناطة السقوط بالجمع, لا بخصوص مكان أو زمان.
ولا أجد اختلافاً في هذه العبارة عن سابقاتها, مِنَ الدلالة على سقوط الأذان الثاني في الجمع غير المستحب.
ولكن الشيخ ابن إدريس S ادعى خلاف ذلك, واستظهر منها الاختصاص بيوم الجمعة عند الجمع بين صلاة الجمعة والعصر, فقال S : (وقد يشتبه على كثير من أصحابنا المتفقهة هذا الموضع لما يقفون عليه فيما أورده شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته في باب الجمعة من قوله -وذكر العبارة السابقة- وهذا عند التأمل لا درك على المصنف, ولا اشتباه, وهو أنَّ الإمام إذا فرغ من صلاة الظهر يوم الجمعة وصلى الجمعة يقيم للعصر من غير أذان له, والذي يدلك على ما قلناه: أن المسألة أوردها في باب الجمعة, لا الجماعة, لا أن مقصود المصنف كل من صلاها أربعاً)(٦)
ولا يخفى أنَّ ما ذكره S بعيد جداً, لما هو الظاهر من (بل) التي تفيد الإضراب إذا أُتي بعدها بجملة, (فتارة) تكون بمعنى الإبطال, (وتارة) للانتقال من غرض لآخر، ومثال الأول قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ}(٧), ومثال الثاني قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}(٨), والظاهر من عبارة الشيخ في النهاية هو الانتقال من غرض لآخر, والغرض الأول هو بيان وظيفته تجاه الأذان الثاني إذا صلى الجمعة, والغرض المنتقل إليه بعد (بل) هو بيان وظيفته تجاه الأذان الثاني إذا صلى الظهر.
وقد يقال: وإنْ سلَّمنا أنَّ معنى (بل) هو ما ذُكر من الانتقال إلى غرض آخر, إلاّ أنَّ إفادة المعنى الثاني هو بيان اشتراك الحكم بين المأموم والإمام.
فيُجاب: بأنَّ هذا ليس غرضا آخر, بل لا يحتاج فيه إلى الاستدراك, لإمكانه أنْ يقول: (لا يجوز أنْ يؤذن لصلاة العصر إماماً كان أو مأموماً في يوم الجمعة).
وقد ذكر العلامة S كلام ابن إدريس S ولم يرتضه, قائلاً: (وحَمْل ابن إدريس الظهر على الجمعة باطل, لعدم الدليل)(٩).
٣- ما قاله ابن البرَّاج S: (مَنْ جمع بين صلاتين, جاز له أنْ يُؤذن ويقيم للأولى, ثم يقيم للثانية)(١٠).
وهذا الكلام ظاهره موافقته لكلام الشيخ المتقدِّم من تعليق الترك على الجمع.
٤- ما ذكره المحققS في المعتبر, قائلاً: (يجمع يوم الجمعة بين الظهرين بأذان وإقامتين, كذا قال الثلاثة وأتباعهم؛ لأنَّ الجمعة تجمع صلواتها وتسقط ما بينها من النوافل إلاَّ في رواية، قال الشيخ في المبسوط ... ووجه ذلك أنَّ الأذان إعلام بدخولِ الوقتِ فإذا صلى في وقت الأولى أذن لوقتها, ثم أقام للأخرى؛ لأنَّه لم يدخل وقت يحتاج إلى الإعلام به, ولو جمع بينهما في وقت الثانية أذن لوقت الثانية, ثم صلى الأولى؛ لأنَّها مترتبة عليها, ثم لا يعاد للثانية)(١١).
وما ذكره S ظاهر في عدم اختصاصه بمَن صلّى الجمعة, بل يشمل مَنْ صلّى الظهرين أربعاً أيضاً, كما في عبائر الشيخ S المتقدمة.
نعم, ذَكَر أنَّ السقوط في المقام في يوم الجمعة, إلَّا أنَّ مناط السقوط في عبارته ليس هو الزمان, بل المناط هو الجمع, وعلى أساس هذا المناط تشمل مقام عدم استحباب الجمع.
وكذلك هذا هو ظاهر عبارته S في الشرائع, إذْ قال: (ويُصلّى يوم الجمعة الظهر بأذان و إقامة والعصر بإقامة), لإطلاق قوله(الظهر).
هذا هو القول الأول المدعى عليه الشهرة بين الأعلام(١٢).
القول الثاني: عدم سقوط الأذان الثاني عند الجمع.
وهو مختار جمع من المتأخرين:
١- ما ذكره صاحب المدارك S, قائلاً: (وقال ابن إدريس إنَّما يسقط أذان العصر عمَّن صلّى الجمعة دون من صلّى الظهر, ونقل عن ابن البرَّاج والمفيد في الأركان أنَّهما استحبا الأذان لعصر يوم الجمعة كغيره من الأيام, وهو اختيار المفيد في المقنعة على ما وجدته فيها, فإنَّه قال بعد أنْ أورد تعقيب الأولى: ثم قم فأذن للعصر وأقم الصلاة؛ وإلى هذا القول ذهب شيخنا المعاصر سلمه الله, وهو المعتمد؛ لإطلاق الأمر الخالي من التقييد)(١٣)
٢- عبارة الشيخ المفيد S في المقنعة, ولم أعرضها عند نقل كلمات الأعلام ممن اختاروا القول الأول, وأجلّتُ عرضها إلى هذا الموضع؛ لوجود اختلاف في النُسَخ, حيث قال في بحث صلاة الجمعة: (ثم قم فأذن للعصر وأقم), وهي كما نقلناها آنفاً عن السرائر والمدارك، وعلى هذا فقد وافق المحقق الأردبيلي وصاحب المدارك T.
ولكن وردت في نسخة أخرى -وهي المذكورة في التهذيب-: (ثم قم فأقم للعصر)(١٤), ويظهر من هذه النسخة موافقته لقول المشهور.
ويضاف إلى هذا كله ما نقله صاحب الجواهر S, حيث قال: (وما عن بعض نسخ المقنعة من التعبير بالأذان مراد منه الإقامة, بقرينة ما عن نسخة أخرى, وعدم إردافه بالإقامة في النسخة المزبورة)(١٥).
وما نقله صاحب الجواهر S هنا مخالفٌ لما ذُكر في النسختين المتقدِّمتين؛ حيث أَنَّها ذَكرت الأذان لصلاة العصر دون الإقامة, فهي إمَّا نسخة أُخرى أو سهو من قلمه الشريف, ولا مرجح لإحدى النسخ على الأخرى.
٣- ما ذكره السيد الخوئي S: (إن ما اختاره صاحب المدارك تبعاًُ للمحقق الأردبيلي من عدم السقوط لدى الجمع مطلقاً سواء أكان في عصر الجمعة أم غيرها, وسواء صلى صلاة الجمعة أم الظهر هو الصحيح)(١٦).
هذا هو القول الثاني الذي اختار عدم سقوط الأذان الثاني عند الجمع بين الصلاتين.
المحور الثاني: مقتضى القاعدة.
ويمكن التمسك بإطلاق مجموعة من الروايات للدلالة على الاستحباب.
الرواية الأولى: موثقة سماعة.
وهي ما رواه الشيخ, عن الحسين بن سعيد, عن الحسن أخيه, عن زرعة, عن سماعة, قال: (قال أبو عبد الله g لا تصلِّ الغداة والمغرب إلا بأذان وإقامة, ورخَّص في سائر الصلوات بالإقامة, والأذان أفضل)(١٧).
وقيد (أخيه) في السند لم يرد في الاستبصار, وعلى هذا فقد يكون الحسن المذكور في السند هو ابن فضال الثقة, إلَّا أن الشيخ محمد استقرب كونه ابن سعيد, وعلى كلٍ فالرواية معتبرة.
وهذه الرواية صريحة الدلالة في رجحان الأذان في جميع الفرائض, ومطلقة من جهة التفريق والجمع بين الصلاتين.
الرواية الثانية: موثقة الساباطي.
وهي ما رواه الشيخ, عن محمد بن أحمد بن يحيى, عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال, عن عمرو بن سعيد, عن مصدق بن صدقة, عن عمار الساباطي, عن أبي عبد الله g, قال: (إذا قمت إلى صلاة فريضة فأذن وأقم, وافصل بين الأذان والإقامة بقعود أو بكلام أو تسبيح)(١٨).
وفي سند هذه الرواية مصدق بن صدقة, الذي وثقه الكشي في ترجمة محمد بن سالم بن عبد الحميد, فقال: (قال أبو عمرو: هؤلاء كلّهم فطحية من أجلة العلماء والفقهاء العدول, وبعضهم أدرك الرضا g, وكلهم كوفيون).(١٩)
وأمَّا دلالتها, فهي لا تختلف عن الأولى في استفادة الإطلاق, من حيث الجمع والتفريق بين الصلاتين.
الرواية الثالثة: موثقة أخرى للساباطي.
ما رواه الشيخ, عن محمد بن علي بن محبوب, عن أحمد بن الحسن, عن عمرو بن سعيد, عن مصدق بن صدقة, عن عمار, قال: سمعتُ أبا عبد الله g يقول: (لا بُدَّ للمريض أن يؤذن ويقيم إذا أراد الصلاة ولو في نفسه إنْ لم يقدر على أنْ يتكلم به سئل, فإنْ كان شديد الوجع؟ قال: لابد أن يؤذن ويقيم؛ لأنه لا صلاة إلا بأذان وإقامة)(٢٠).
ودلالتها - كسابقاتها - ظاهرة في الدلالة على رجحان الأذان في كل فريضة, بل نفت حقيقة الصلاة عند عدم الأذان, وهي كذلك مطلقة من جهة الجمع والتفريق.
الرواية الرابعة: خبر الصباح بن سيابة.
ما رواه الشيخ, عن الحسين بن سعيد, عن فضالة, عن معاوية بن وهب أو ابن عمار, عن الصباح بن سيابة, قال: قال لي أبو عبد الله g: لا تدع الأذان في الصلوات كلها, فان تركته فلا تتركه في المغرب والفجر, فإنَّه ليس فيهما تقصير)(٢١).
وسند هذه الرواية ضعيف بالصباح بن سيابة, فإنَّه لم يُذكر بتوثيق, لا خاص, ولا عام, إلا كونه ممن روى عنه أصحاب الإجماع كأبان وحماد ابني عثمان(٢٢).
ودلالتها - كسابقاتها - ظاهرة في ثبوت الرجحان في حالة الجمع وحالة التفريق.
هذا تمام الكلام في المحور الثاني, الذي اتضح من خلاله أنَّ الأصل ثبوت الإطلاق.
المحور الثالث: الأدلة الخاصة.
الدليل الأول: ما ذكره المحقق الحلي S وتبعه فيه غيره.
إنَّ الأذان إعلام بدخول الوقت, فإذا أذن في وقت الأولى لم يحتج إلى أذان جديد إذا صلى الثانية في وقتها, وكذلك إذا صلى الأولى في وقت الثانية فإنَّه يؤذن للثانية, والإعلام يتحقق في الوقت دون خارجه وبه يسقط الأذان الثاني(٢٣).
إن قلت: إنْ كان أصل شرعية الأذان لأجل الإعلام بدخول الوقت, فكيف استحب في القضاء مع فوات وقت الأداء؟
فيُجاب: إن استحباب الأذان في القضاء ثابت لورود النص.
أقول: إنّ ما ذكر في هذا الاستدلال وإنْ دلَّت عليه مجموعة من الروايات, (منها) رواية عبد الله عن سنان عن أبي عبد الله g في حديث, قال: (كان رسول اللهe يقول لبلال: إذا دخل الوقت يا بلال اعل فوق الجدار وارفع صوتك بالأذان)(٢٤), وغيرها.
إلا أنَّه قد ورد في قبالها مجموعة من الروايات دلَّت على مشروعية الأذان للصلاة, كما أشرنا إلى بعضها في المحور الثاني, وغيرها كثير(٢٥), وقد ذُكرت عدَّة مواقف للتعامل مع هاتين الطائفتين من الروايات:
الموقف الأول: إنَّ علَّة الأذان هو الصلاة, والإعلام تابع له.
الموقف الثاني: إنَّ للأذان علَّتين, هما الصلاة والإعلام.
الموقف الثالث: إنَّ الأذان على نوعين:
النوع الأول: أذان الإعلام.
النوع الثاني: أذان الصلاة.
وهذا مذهب المتأخرين, وهو الظاهر من الروايات, وبين النوعين عموم وخصوص من وجه, فربَّما يتداخلان في أذان واحد, وقد يفترقان, وعليه فبناء على ما ذكره المحقق S من أذان الإعلام ساقط؛ لأنه مختص بالوقت يبقى أذان الذكر والصلاة, بل يبقى استحباب الأذان الثاني حتى عند ما يلتزم بالموقف الأول، ويضاف إليه كيف يدعى انه للإعلام مع إمكان إتيانه سرا(٢٦), وعليه فالظاهر من بعض الروايات التي حثَّت عليه, وشدَّدت على الإتيان به في كل صلاة, هو أذان الصلاة, كما جاء آنفاً في موثقة عمار الساباطي: (سئل فان كان شديد الوجع, قال: لابد أنْ يؤذن ويقيم؛ لأنَّه لا صلاة إلا بأذان).
الدليل الثاني: صحيحة الرهط.
وهي ما رواه الشيخ, بإسناده عن الحسين بن سعيد, عن ابن أبي عمير, عن عمر بن أذينة, عن رهط (منهم) الفضيل و زرارة, عن أبي جعفر g: (إنَّ رسول الله e جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين, وجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين)(٢٧).
ولا إشكال في سند الرواية, ولكن يطول الكلام في دلالتها, وتقريب الدلالة: بأنَّ تَرْك الرسول e الأذان في حال الجمع بين الفرضين كاشفٌ عن سقوطه؛ لأنَّ الرسول e لا يترك المستحب.
وقد أُشكل على هذه الرواية, بعدم ظهورها في سقوط الأذان بحيث يستوجب تخصيصاً في أدلة مشروعيته, وإنما هو لأجل التخفيف والتوسيع(٢٨).
ويُمكن أنْ يُجاب بأنَّ الظهور على خلاف ما أَشكل؛ لأنَّه لو كان المناط هو التخفيف والتوسيع لما اختص بحال الجمع, ولَشَمِلَ حال التفريق أيضاً, ولعلَّ هذا ما يظهر من التكرار المذكور في كلام الإمام g الذي لا داعي له إلا التأكيد على أنَّه ساقط عن الاستحباب حال الجمع.
وبكلمة: إنَّ الغرض لو كان هو التسهيل فإنَّه ليس بالضرورة أنْ يتحصَّل بترك الأذان, بل هو حاصل بمجرد الجمع, إذ يُفهم من الرواية أنَّ لخصوصية الجمع مدخلية في الترك بالإضافة إلى فهم استمرار الترك من تكرار الفعل.
ولكن يمكن أنْ يقال: إنَّ الجمع بين الفرضين ليس بعدم الفاصلة بينهما بنافلة أو بوقت طويل أو بكليهما كما سوف يأتي, بل الجمع حصل بالأذان, أي أنَّه e شرَّك بينهما بأذان وإقامتين, ويكون الجار والمجرور متعلّقاً بالفعل, والباء بمعنى الاستعانة, وعليه فيكون مدخولها آلة الجمع, وعلى هذا فلا تفيد الرواية جواز ترك الأذان الثاني سواء جمع بين الفرضين أم فرّق بينهما, ولا يكون له دلالة إلا إرادة التخفيف والتوسعة بترك الأذان.
فيجاب:إنَّ ما ذُكر يلغي ظهور (بينهما) في الظرفية, وهو ثابت, وعلى هذا يكون الظرف هو الصلاتين, ولكن لا بد من صرف معنى الباء إلى الملابسة -أي بمعنى (مع)-, فيكون المعنى أنَّه e جمع في ما بين الصلاتين مع إتيانه بأذان واحد, وهذا كما تلاحظ لا يدُّل على سقوط الأذان الثاني؛ لأنَّ الرواية ستكون مسوقة لبيان جواز الجمع, لا لبيان سقوط الأذان.
لكن الصحيح أنَّّ (الباء) هنا قد استُعملت للاستعانة والآلية, وما بعدها آلة للجمع, ولكن مع معطوفه, وبالتالي يمكن استفادة اشتراك الفرضين بأذان واحد حال الجمع, بمعنى أنَّ الباء ومدخولها مع معطوفه متعلِّقان بالفعل، وهذا ما اختاره المحقق القمي S (٢٩).
الدليل الثالث: ما رواه الصدوق S في الفقيه.
وهو صحيح عبد الله بن سنان, عن الصادق g: (أنَّ رسول الله e جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين, وجمع بين المغرب والعشاء في الحضر من غير علَّة بأذان واحد وإقامتين)(٣٠).
وطريق الصدوق إلى ابن سنان صحيح.
أمَّا الدلالة: فمن جهةٍ هي لا تختلف عن الرواية السابقة, من حيث أنَّ (الباء) للآلية, وما بعدها ومعطوفه آلة الجمع.
إلَّا أنَّ في هذه الرواية قيداً إضافياً, ألآ وهو (في الحضر من غير علَّة), ولعلَّ هذا القيد يمنع ما ذُكر من أنَّ ترك الأذان علَّته في الروايات هو التسهيل والتخفيف؛ لأنَّ ظروف الاختيار متوفرة في المقام, وهو الحضر وعدم المرض, ولعلَّ هذا الحال هو المناسب لإتيان التكليف بأفضل صورة.
إنْ قلتَ: إنَّ الترك هنا لبيان الجواز, لا التشريع, فإنَّه كما بيّن جواز الجمع من دون علَّة كذلك بيَّن جواز الترك.(٣١)
وأجيب: بأَنَّ ترك المعصوم للمستحب غير ثابت بعد إمكان بيانه بالقول.(٣٢)
ولكن أقول: بأنَّه قد تكرر منهم i بيان الجواز بالفعل, كما في حكاية فعله e بترك التفريق بين الصلاتين, كموثق زرارة عن الصادق g: (إنَّما فعل رسول الله e ليتسع الوقت على أمته)(٣٣), وخبر عبد الملك القمي عن أبي عبد الله g, قال: (قلت له: أجمع بين الصلاتين من غير علَّة ؟ قال g: قد فعل ذلك رسول الله e, أراد التخفيف عن أُمته)(٣٤), لكن مع ذلك يفهم من الرواية استفادة التشريع بدلالة التكرار لعدم وجود الداعي بعد إمكان بيانه بفعل واحد, كما فعل في رواية عبد الله القمي.
وبالإضافة إلى هذا يُقال: لو كان الحديث يدل على بيان الجواز ما الداعي لإناطته بالجمع, لاسيما وأنَّ الإمام في مقام بيان التشريع, لا نقل واقعة.
وإنْ أبيت فيقال: إنَّ صحيح عبد الله بن سنان ما دام قد قيِّد (في الحضر من غير علةٍ) فهذا ظاهر في نفي المشروعية؛ لأنَّ الترك الذي يمكن أنْ يكون لجهات عديدة مجمل الدلالة, فلا يستكشف منه أنَّ المتروك يترك رخصة والاستحباب باق.
وبعبارة أوضح: إنَّ الترك لأنحاء عديدة (فتارة) يترك الشيء لأنَّه غير مشروع (وتارة أخرى) يُترك الشيء لبيان الجواز, وعلى ذلك فيتردد المراد من هذا الترك فيكون مجملاً, وهذا يكفي في رفع الاستحباب.
وأجاب السيد الحكيم S بأنَّ الاستدلال على بيان الجواز ليس بالترك, بل بواسطة التعليل, والتعليل صريح في كون الترك للدلالة على نفي الوجوب, لا المشروعية, ولعلَّ ما ذكره واضح؛ لأنَّ المتروك رخصة خلاف الأصل, فيحتاج لبيان العلَّة دون من ترك لأصل التشريع, فانه لا يحتاج(٣٥).
ولكن يمكن الجواب: بأَنَّ التعليل الذي أشار إليه إنْ كان المقصود به هو ما ذُكر في خبر عبد الملك القمي وموثق زرارة المتقدِّمَين, فإنَّه من البعيد منه S جلب هذا التعليل الذي سبق في بيان علَّة الجمع؛ لأن التفريق ثابت استحبابه, فالعدول عنه مما يحتاج إلى بيان علَّة وسبب, ومقامنا هو بيان ترك الأذان كما هو ظاهر الصحيحة, فإنَّها مسوقة لذلك، وإنْ كان ما ذكر من قيد في الرواية (في الحضر من غير علة) إشارة إلى العلّية المذكورة في الروايات, أي أنَّه ترك الأذان اختياراً للتوسعة, فانه كذلك غير صحيح, لأنَّ هذه الإشارة والقيد إنَّما ذكر بعد الجمع بين الفرضين،(جمع... من غير علة), فلو كان هذا القيد للجمع والترك لذكر بعد نهاية الجملة هكذا: (جمع... بأذان وإقامتين من غير علَّة) ليصحَّ عود القيد إلى الترك, ولكن ذكر بعد الجمع فإنَّا عندما نذكر علَّة مثلا هكذا نقول:
(الخمر حرام لأنَّه مسكر), ولا نقول: (الخمر لأنه مسكر حرام) لأنَّ التعليل للحكم.
الدليل الرابع: ما رواه الكليني, عن علي بن محمد, عن سهل بن زياد, عن احمد بن محمد بن أبي نصر, عن عبد الله بن سنان, قال: (شهدت المغرب ليلة مطيرة في مسجد رسول الله e فحين كان قريباً من الشفق نادوا وأقاموا الصلاة فصلوا المغرب, ثم أمهلوا بالناس حتى صلوا ركعتين, ثم قام المنادي في مكانه في المسجد فأقام الصلاة فصلّوا العشاء, ثم انصرف الناس إلى منازلهم، فسألت أبا عبد الله g عن ذلك, فقال: نعم, قد كان رسول الله e عمل بهذا)(٣٦).
أمَّا سند هذه الرواية (ففيه) علي بن محمد, وهو الرازي (خال الكليني), وهو ثقة, (وفيه) سهل بن زياد وهو كذلك ثقة على المختار؛ لتوثيق الشيخ S في رجاله, وعدم وجود معارض سوى ما ذُكر عن القميين الذين يضعفون فاسدي المذهب ومن يروون عن الضعفاء, وقد فصّلنا الكلام في ذلك في رسالة مستقلة ليس هذا موضع بحثه؛ لأنَّه طويل الذيل.
ومن هذا كلِّه يظهر أنَّ هذه الرواية معتبرة.
أمَّا دلالتها: فيمكن دعوى دلالتها على المطلوب, فإنَّ الإمام g أخبر بأنَّ رسول الله e كان يؤذن للمغرب ويترك أذان العشاء- بقوله فأقام الصلاة- عند الجمع بين الصلاتين.
وإن ادعي: أنَّ الناس قد تنفَّلوا فلا دلالة على تركه الأذان حال الجمع؛ لأنَّ النافلة مانعة للجمع, ومحقِّقة للتفريق.
فيُجاب: بأنَّها ظاهرة في تنفل المأموم, لا الإمام, ولا يوجد ما يدل على أنَّ الإمام قد تنفل, مضافاً إلى ما سيأتي من أنَّ الإتيان بالنافلة لا يكون مانعاً عن الجمع.
وقد أشكل السيد الحكيم S بأنَّه لا يظهر أنَّ تركه للأذان كان بسبب الجمع بين الفرضين ليدل على قدح النافلة, لجواز أن يكون لأجل الاستعجال والمطر مما اقتضى ترك أذان المغرب أيضاً(٣٧).
ويجاب على هذا:
١- إنَّ ما ذكره S من أنَّ الرواية دالة على ترك أذان المغرب فإنَّه غير واضح من الحديث, بل الحديث ذكر (نادوا) وهذا ليس فيه دلالة على الترك,؛ لأنَّ المنادي إنْ كان خارج المسجد فلا ينادي بغير الأذان, وإنْ كان المنادي داخل المسجد فلا يمكن أنْ نعرف أداة النداء, فقد يكون بالأذان وقد يكون بحثِّهم على الحضور أو بقولهم الصلاة الصلاة, وعلى أقل التقادير يتحقق في العبارة الإجمال, ولا يدل على تركه لأذان المغرب.
بالإضافة إلى أنَّه ليس من المعهود منهم i ترك أذان المغرب لما سمعت فيما تقدَّم من شدَّة التأكيد عليه دون غيره من باقي الفروض, فكيف يتركه الرسول e ؟! فلا ظهور في الرواية على ترك أذان المغرب.
٢- أمَّا ما ذكره S (مِنْ أنَّ ترك أذان العشاء ليس لأجل الجمع, لجواز أنْ يكون لأجل المطر) وإنْ كان محتملاً إلا أنَّ الظاهر من الحديث أنَّ الترك كان لأجل الجمع, بقرينة أنَّه لو كان الترك لأجل المطر الشديد, وكانت المحافظة على الوقت مرغوباً فيها، فإنَّ هذا لا يناسب إمهال الناس الإتيان بركعتين, حتى لو فرضنا أنَّ النافلة كانت عندهم شديدة الأهمية, كما يظهر مِنْ بعض مَنْ نراهم الآن, بحيث لا يترك الغفيلة بالرغم من تركه الأذان, إلا أنَّ هذا لا يمنع من إمكان الإتيان بكلا الأمرين مع عدم التجاوز على الوقت, لإمكان أنْ يُؤذن المنادي حال تنفّلهم, كما هو حاصل اليوم.
إذن في الرواية المذكورة دلالة على ترك الرسول e لأذان العشاء حال الجمع, إلَّا أنَّها غير دالّة على أنَّ تركه على نحو المشروعية والاستمرار.
وقد يُقال: إنَّ (كان) التي عبَّر بها الإمام يمكن أنْ تدل على الاستمرار, كما في قوله تعالى: {كانَ اللهُ سَميعاً}(٣٨) حيث أنَّها دالة على استمرار الصفة.
ويمكن أنْ يُجاب هذا: بأنَّ ما ذُكر في الآية الكريمة مختص به تعالى؛ لوجود القرينة, أمَّا في غيره فلا تكون (كان) ظاهرة في الاستمرار, إلاّ إذا دخلت على الفعل المضارع من جهة الاستعمال والعرف, لا من حيث الوضع, حيث قال في المحلى في شرح جمع الجوامع: (وقد تستعمل (كان) مع المضارع للتكرار, وعلى ذلك جرى العرف)(٣٩), وقال الشوكاني في نيل الأوطار: (إنَّه قد تقرر في علم الأصول أنَّ (كان) تفيد الاستمرار وعموم الأزمان)(٤٠).
هذا تمام الكلام في المقام الأول, حيث تحصَّل دلالة الأخبار على سقوط الأذان الثاني حال الجمع.
المقام الثاني
بعد أنِ استُظهر مِنَ الأخبار سقوط الأذان الثاني حال الجمع, نعقد البحث في هذا المقام في أنَّ هذا السقوط هل هو على نحو العزيمة أم الرخصة؟
والكلام في جهات:
الجهة الأولى: كلمات الأصحاب، رضوان الله عليهم.
القول الأول: الحرمة:
القول الثاني: الرخصة:
ما ذكره المحقق الكركي :S (لو جمع الحاضر والمسافر بين الصلاتين في وقت إحداهما, فالمشهور بين الأصحاب أنَّ أذان الثانية يسقط, صرَّح بذلك كثير منهم؛ لأنَّ الأذان إعلام بدخول الوقت, وقد حصل بالأذان الأول؛ ولما روي صحيحاً عن الباقر g..., والمراد بسقوط الثانية: أنَّه إذا جمع بينهما في وقت الأولى كان مختصاً بها؛ لأنها صاحبة الوقت, وإذا كان الجمع في الثانية أذن أولاً لصاحبة الوقت, أعني الثانية, وأقام لكل منهما، ويظهر من الذكرى عدم السقوط لأذان الثانية, فإنَّه قال: يسقط أذان الإعلام ويبقى أذان الذكر والإعظام, وما ذكر غير ظاهر؛ لأنَّ الأذان واحد وأصل شرعيته لغرض الإعلام بدخول الوقت, وهو منتف هنا, وكيف قلنا فالأذان للثانية جائز)(٤٧).
وهذا ظاهر في أن السقوط رخصة, لا عزيمة.
٢- ما ذكرنا من عبارة الشيخ في النهاية من الدلالة على الكراهة.
الجهة الثانية: البرهان:
ذكرنا فيما سبق أنَّ هناك مجموعة من الروايات المعتبرة دلَّت على ثبوت استحباب الأذان لكل فريضة, بحيث كان تأكيد الأئمة i شديداً حتى وصل الكلام إلى إتيانه ولو في نفسه, بل حتى لو كان يتألم ويتوجع كثيراً, (منها) قوله g: (لا صلاة إلا بأذان), (ومنها) قوله g: (إذا قمت لصلاة فريضة فأذن), حيث أنَّها عامَّة بلحاظ الفرائض, ومطلقة بلحاظ حال الجمع وحال التفريق.
إلا أنَّه ورد في قبال هذه المجموعة من الروايات أدلة خاصة دلَّت على ترك المعصوم g للأذان الثاني حال الجمع بين الصلاتين, وأنَّ إسقاطها لا للتسهيل والتخفيف, بل للتشريع كما تقدَّم في المقام الأول, وعلى هذا الأساس فهل تحمل المطلقات على الروايات المقيّدة, بحيث يُجمع بينهما جمعاً عرفياً, فتكون صحيحة الرهط مقيّدة للإطلاق بقوله (لا صلاة إلا بأذان)؟
وأجيب: بأنَّ حمل المطلق على المُقيَّد في باب المستحبات لا يصح.
ولكن يرد على هذا: أنَّه وإنْ صحَّ ما قيل من عدم صحة حمل المطلق على المقيَّد في باب المستحبات, إلا أنَّه ليس هذا دائماً كما تقرر عندهم من أنَّ المقيّد إذا كان نافياً لبعض الموارد للمطلق لابد من حمل المطلق عليه لحصول التنافي, وفي المقام يظهر من صحيحة الرهط أنَّ رسول الله e ترك الأذان الثاني حال الجمع بين الفرضين, وهذا نفي لبعض أفراد المطلق وهو يوجب حمل المطلق عليه ويؤدي إلى اختصاص الاستحباب بحالة التفريق وعدم مشروعية الأذان الثاني حال الجمع، وهذا نظير ما ذكر من حمل المطلقات (لا صلاة إلا بأذان) في باب الأداء والقضاء على الأدلة المقيدة, مثل صحيحة محمد بن مسلم (وتقيم في البقية) فاختص الأذان بحال الأداء, وعدم ثبوته في كل فرض حال القضاء.
إنْ قلت: إنَّ ما ذكر من مقيّدات لا ينافي المطلقات, لإمكان ترك المستحب للمعصوم فتبقى المطلقات على حالها.
أقول: إنَّ هذا مصادرة؛ لأنَّه مبني على ترك المستحب على نحو الرخصة, وهو أول الكلام, ولا دلالة في المقيّدات على أنَّ الترك على نحو العزيمة أو الرخصة.
وعلى كلٍ فالمطلقات تكون مقيّدة بما ذُكر من الروايات, وتدل على الحرمة والسقوط عزيمة.
ولعلَّه لهذا أشار الشهيد الثاني S بقوله: (من أنَّها عبادة توقيفية, ولا نصَّ عليه بخصوصه, والعموم مخصوص بفعل النبي e) (٤٨).
المقام الثالث
بماذا يتحقق التفريق؟
اختلف الأصحاب في بيان حقيقة الجمع, وبماذا يتحقق التفريق إلى عدَّة أقوال:
(منها) ما ذكره ابن إدريس S, وتبعه غيره, من أنَّ الإتيان بالنافلة هو الذي يحقق التفريق, وهذا القول قيل به اعتماداً على الأخبار.
(منها) ما اختاره المحقق السبزواري S, وصاحب الرياض S (٤٩), وهو اختيار ترك النافلة مع صدق الجمع عرفاً, ولعلَّ هذا لأصالة عدم السقوط مع عدم حذف النافلة.
(ومنها) الفصل الطويل بمثابة لا يصدق عنوان الجمع عرفاً, وهو مختار صاحب العروة S.
وفي المقام ذكرت مجموعة من الروايات:
١- ما رواه الكليني, عن محمد بن يحيى, عن سلمة بن الخطاب, عن الحسين بن سيف, عن حماد بن عثمان, عن محمد بن حكيم, عن أبي الحسن g , قال: سمعته يقول: (إذا جمعت بين الصلاتين فلا تطوّع بينهما)(٥٠).
٢- علي بن محمد, عن محمد بن موسى, عن محمد بن عيسى, عن ابن فضال, عن حماد بن عثمان, قال: حدثني محمد بن حكيم, قال: سمعت أبا الحسن g يقول: الجمع بين الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوع, فإذا كان بينهما تطوع فلا جمع)(٥١).
وفي سند كلتا الروايتين ضعف.
أمَّا الرواية الأولى (ففيها): سلمة بن الخطاب, الذي قال في حقه النجاشي: ضعيف في حديثه(٥٢).
وحكم السيد الخوئي S بأنَّه تضعيف صريح(٥٣).
إلا أنَّ هذا ليس بتضعيف صريح بحيث يمكن لنا الاعتماد عليه في ردّ ما يرويه؛ لعدم استكشاف ضعفه في نفسه مما ذكر, وليس لهذا معنى إلا أنَّه يروي عن الضعفاء ويعتمد على المراسيل.
ولكن لا يوجد هناك طريق لتوثيقه, إلا إذا بنينا على وثاقة رجال كامل الزيارات, حيث ورد في إسناده بواسطة حكيم بن داود.
(وفيها) أيضاً: الحسين بن سيف, وهو لم يذكر بتوثيق ولا تضعيف, إلا أنَّه ورد في إسناد كامل الزيارات بواسطة محمد بن حكيم، وقد حكم السيد الخوئي S وقال: إنَّه ممدوح, لرواية الكشي في المعجم.(٥٤)
وأمَّا الرواية الثانية: فهي أيضاً ضعيفة سنداً؛ لوجود محمد بن موسى فيها, حيث أنَّه مردد بين شخصين, وهما خورا الثقة, والهمداني الضعيف, والأول يعرف برواية حميد عنه, والثاني يعرف برواية علي بن محمد، والأرجح أنَّ المذكور في الخبر هو الثاني؛ لرواية علي بن محمد, كما استظهر ذلك السيد البروجردي S, وقد روى عنه في عدَّة مواطن(٥٥), وعلى هذا فالروايتان غير نقيتي السند.
أمَّا من حيث الدلالة:
فقد أشكل السيد الخوئي S عليهما, وقال: إنَّهما ناظرتان إلى أنَّ الجمع المقرون بالنافلة هو تفريق تنزيلاً, والتفريق له أثران:
(الأول): سقوط الأذان.
(الثاني) استحباب التفريق في نفسه.
والثاني هو أظهر الأثرين، ويكون المعنى أنَّ الإتيان بالنافلة هو الذي يحقق ثواب التفريق, أمَّا أنَّه يسقط الأذان فلم يعلم أنَّ هذا التفريق التعبدي هو الذي يسقط الأذان(٥٦).
ويجاب:
وعليه, فلا بُدَّ من حمل الشق الثاني على الأول, وعدّه مفسراً له, لما ذكر من أنَّه إذا تردد التصرف بين كلامين في سياق واحد يتعيَّن التصرف في الثاني؛ لأنَّ الأول بعد استقراره في الذهن يكون الكلام اللاحق جارياً عليه.
٢- لو سلمنا أنَّ الحديث يراد منه تنزيل الجمع مع النافلة منزلة التفريق إلَّا أنَّه ليس من الواضح كون أثر الاستحباب هو الأبرز بحيث ينصرف إليه الذهن عند التنزيل, كما في: (زيد كالأسد) بحيث ينصرف إلى شجاعته، ولعلَّ الإطلاق يكفي في ثبوت كلا الأثرين.
٣- إنَّ التنزيل هو عبارة عن عملية عنائية تحتاج إلى لسان خاص يكشف عنها, كما في (الفقَّاع خمر) أو (الصلاة طواف)، أو غيرها, وهو مفقود في المقام.
٤- لمَّا كان التنزيل عملية عنائية, فقد تنزَّل بلحاظ جميع الآثار, وقد تنزَّل بلحاظ بعض الآثار, ولمَّا كانت الآثار في المقام على نسق واحد, ولا امتياز, ولا ترجيح لأحدهما, فالتنزيل بلحاظ جميع الآثار أخف مؤنة من تنزيله بلحاظ البعض؛ لأنَّ تخصيصه يحتاج لمؤونة فيثبت الإطلاق.
أمَّا الرواية الأولى فهي لا تختلف عن الثانية في دلالتها على منافاة التطوع للجمع بين الصلاتين.
بقي شيء: هل أن التطوع ينافي الجمع عرفاً أو شرعاً؟
الظاهر هو الثاني؛ لأنَّ الإتيان بالنافلة التي لا تستوعب فصلاً طويلاً, فلا يُعدُّ عرفاً تفريقاً.
وما ادعاه السيد الحكيم S من منافاة النافلة للجمع عرفاً غير ظاهر.
٣- موثقة الحسين بن علوان.
عن عبد الله بن جعفر الحميري, عن الحسن بن ظريف, عن الحسين بن علوان, عن جعفر بن محمد i، قال: (رأيت أبي وجدّي القاسم بن محمد يجمعان مع الأئمة المغرب والعشاء في الليلة المطيرة, ولا يصليان بينهما شيئاً)(٥٧).
وتقريب الدلالة: أنَّها دالَّة على ترك النوافل حال الجمع بين الصلاتين دائماً, بدلالة الفعل المضارع الدال على الاستمرار.
ويجاب على هذا: أنَّ ترك النوافل هل جاء بسبب الجمع أو بسبب المطر للتخفيف على الناس؟ وكلا الاحتمالين موجود, ولا معيِّن لأحدهما, وعليه فلا يصح الاستدلال بالموثقة لإجمالها.
٤- صحيحة منصور بن حازم, عن أبي عبد الله g, قال: (صلاة المغرب والعشاء بجُمَع بأذان واحد وإقامتين, ولا تصلِِّ بينهما شيئاً, هكذا صلى رسول الله e)(٥٨).
وتقريب الدلالة: بأنَّ هذا النهي إنَّما يكون إرشاداً لمانعية النافلة للجمع, فتدل على أنَّ مناط التفريق يتحقق بالنافلة.
ويجاب:
١- إنَّ ما ذكر وإنْ كان محتملاً, إلَّا أنَّ في قباله احتمال آخر, وهو أنْْ يكون هذا النهي كراهتي لبيان مرجوحية الإتيان بالنافلة بعد المغرب, ولا معيِّن لأحدهما.
٢- الظاهر من الصحيحة ليس ما ذكر, بل لبيان أنَّ وقت النوافل هو بعد صلاة العشاء في مزدلفة, ويدل على هذا حديث عنبسة, قال: (سألت أبا عبد الله g عن الركعات التي بعد المغرب ليلة المزدلفة, فقال: صلّها بعد العشاء الآخرة)، وحديثه الآخر, قال: (صلِ المغرب والعشاء, ثُمَّ صلِ الركعات بعد)(٥٩).
ولكن هذا الاحتمال يبتني على أنَّ المراد بالنهي هو عن الرواتب، وعليه فلا دلالة في الصحيحة على تعيّن الإرشاد.
٥- صحيح أبان بن تغلب, قال: (صلَّيت خلف أبي عبد الله g المغرب بالمزدلفة, فقام فصلى المغرب, ثم صلّى العشاء الآخرة, ولم يركع فيما بينهما, ثم صليت خلفه بعد ذلك سنة, فلما صلى المغرب قام فتنفل بأربع ركعات, ثم أقام فصلى العشاء الآخرة)(٦٠).
وتقريب الدلالة: أنَّ هذه الصحيحة دالَّة على أنَّه في مزدلفة ترك أذان العشاء عند جمعها مع المغرب, وجاء بالنوافل فيما بينهما, فلو كانت النافلة مفرقة لما ترك أذان العشاء, وعليه فهذه الرواية دالة على عدم مفرقيَّة النافلة وإلا لما جاء بها الإمام g.
وعلى هذا فكيف يمكن أنْ تجمع بين هذه الصحيحة وصحيحة منصور المتقدمة، وفيها عدَّة فروض:
١- نحن فيما سبق ذكرنا عدَّة احتمالات في صحيحة منصور, (منها) أنْ تكون ارشاداً للمانعية لكل نافلة, وفي هذا الفرض (تارة) نقول أنَّ صحيح أبان مختص بالرواتب اعتماداً على قرينة أو انصراف, فيحمل المطلق على المقيّد, ويختص المانع بالتطوع، (أو) يدعى العكس في صحيح أبان, بأنَّها منصرفة للتطوع, فالنتيجة كذلك من حمل المطلق على المقيد, ويختص المانع بالرواتب, (وأخرى) يدعى في صحيح أبان الإجمال فينهدم المطلق ويسقط عن الحجية.
٢- أنْ يفرض في صحيحة منصور النهي لبيان الكراهة لكل نافلة فإنَّ جميع الفروض في صحيح أبان لا تؤدي إلى التفريق.
٣- أنْ يفرض أنَّ صحيحة منصور مختصَّة بالرواتب, والنهي إرشاد للمانعية، وصحيح أبان (تارة) نفترض أنَّه مختصّ بالرواتب, وعليه فيؤدي إلى أنَّه ترك مستحبين: (الأول) الجمع المستحب في مزدلفة (والثاني) أذان العشاء, فهذا وإنْ كان ممكنا ولكنه بعيد، (وتارة) نفرض أنَّ صحيح أبان مختص بالتطوع, فلا منافاة (وأخرى) يفرض في صحيح أبان الإجمال, وعليه يحمل المجمل على المبيّن, ويكون المراد بصحيح أبان هو الاختصاص بالتطوع.
٤- أنْ تكون صحيحة منصور ظاهرة في بيان مشروعية النوافل بعد العشاء كما هو المختار، وصحيح أبان (تارة) يفرض الاختصاص بالتطوع فلا منافاة, (وتارة) يفرض فيه الإجمال, فيتعين حينئذ بالتطوع, (وتارة) يفرض الاختصاص بالنوافل كما هو الصحيح؛ لأنَّ الواقعة الجزئية التي لا يعقل فيها السعة لتشمل جميع الموارد ووجد فرد شائع فتحمل عليه, فإنَّ ذلك هو المنساق عند عدم القرينة، فحينئذ يحمل على الجواز الحكمي, ومقتضاه بقاء الاستحباب والمشروعية بدرجة ضعيفة, وهذا ما اختاره جمعٌ من العلماء(٦١).
٥- أنْ تكون صحيحة منصور دالة على المانعية, وصحيح أبان مجمل, من جهة أنَّه غير ظاهر في أنَّ النافلة تنافي الجمع أو أنَّه فرَّق في صلاته؛ لأنَّها قضية في واقعة, وحينئذ يحمل المبين على المجمل وتكون صحيحة أبان مختصة بحال التفريق, ولعل هذا ما تبناه السيد الحكيم S, حيث قال: (لكن لإجماله لأنَّه حكاية عن واقعة لا تصلح لمعارضة ما سبق)(٦٢).
ولكن هذا الفرض - كما تلاحظ - مختص باستظهار دلالة صحيح منصور في الإرشاد للمانعية, وهو خلاف ما استظهرناه منها فلاحظ, وصحيح أبان محتمل في التفريق(٦٣).
هذا تمام الكلام في روايات المقام, وقد تبيَّن من خلالها عدم إمكان الاعتماد على شيء منها, إمَّا من جهة السند وإمَّا من جهة الدلالة, وعليه فلا يوجد ما يدل على كون النافلة مفرقة, فيُرجَع إلى العرف لبيان ضابط الجمع والتفريق, والظاهر أنَّه يتحقق بطول الزمن وإنْ لم يؤت بالنافلة, والله العاصم والعالم.
المصادر
(١) الذكرى: ٣/٢٣٠، الدروس: ١/١٦٥, جامع المقاصد: ٢/١٧٠.
(٢) الكافي للحلبي: ١٥٢.
(٣) الخلاف: ١/٢٨٤.
(٤) المبسوط: ١/٩٦.
(٥) النهاية: ١٠٧.
(٦) السرائر: ١/٣٠٨.
(٧) المؤمنون: ٧٠.
(٨) الأعلى: ١٤ - ١٦.
(٩) مختلف الشيعة: ٢/٢٤٤.
(١٠) المهذب: ١/٩٠.
(١١) المعتبر: ٢/١٣٦.
(١٢) وهذا هو مختار جمع آخر (منهم) العلامة في المنتهى: ٤/٤١٨ ، التذكرة:٣/٦٠، (ومنهم) الشهيد الأول في الدروس: ١/٦٥ (كل من جمع بين صلاتين لم يؤذن ثانياً على المشهور).
(١٣) المدارك: ٣/٢٦٤.
(١٤) تهذيب الأحكام: ١٨.
(١٥) جواهر الكلام: ٩/٣٠.
(١٦) المستند: ١٣/٢٧٠.
(١٧) التهذيب: ٢/٥١، الوسائل: ٥/٣٨٤, ب ٥ أبواب الأذان ح٥.
(١٨) التهذيب: ٢/٤٩, ح١٦٢.
(١٩) رجال الكشي: ٣٩٨.
(٢٠) التهذيب: ٢/٢٨٢, ح٢٥.
(٢١) التهذيب: ٢/٤٩, ح١٦١.
(٢٢) معجم رجال الحديث: ٩/٩٦.
(٢٣) المعتبر: ٢/١٣٦، جامع المقاصد: ٢/١٧٠، روض الجنان: ٢٤٠.
(٢٤) الوسائل: ٥/٣٩٠, ب٨ أبواب الأذان ح٥.
(٢٥) الوسائل: ٥/٣٨١, ب٤ من أبواب الأذان, طبعة آل البيت i.
(٢٦) الروضة البهية: ١/١٩٦.
(٢٧) التهذيب: ٣/١٨, ح ٦٦، الوسائل ب٣٦ أبواب الأذان ح٢.
(٢٨) مستند العروة: ١٣/٢٦٩.
(٢٩) غنائم الأيام: ٢/٣٩٥.
(٣٠) من لا يحضره الفقيه: ١/١٨٦, ح ٨٨٦.
(٣١) مستمسك العروة الوثقى: ٥/٥٥٢.
(٣٢) كتاب الصلاة للميرزا النائيني: ٥/٢٥٢.
(٣٣) الوسائل: ٤/٢٢٢, ب ٣٢ أبواب المواقيت ح٨.
(٣٤) الوسائل: ٤/٢٢١, ب ٣٢ أبواب المواقيت ح٣.
(٣٥) مستمسك العروة الوثقى: ٥/٥٥٢.
(٣٦) الكافي: ٣/٢٨٦، الوسائل: ٤/٢١٨، ب ٣١ أبواب المواقيت ح١.
(٣٧) مستمسك العروة الوثقى: ٥/٥٥٨.
(٣٨) النساء: ١٣٤.
(٣٩) المحلى في شرح جمع الجوامع: ٢/٢٢٢.
(٤٠) نيل الأوطار: ٢/٢٥٥.
(٤١) الروضة البهية: ١/١٩٦.
(٤٢) الحدائق الناضرة: ٧/٩٨٢.
(٤٣) النهاية: ١٠٧.
(٤٤) كشف اللثام: ٣/٣٥٦.
(٤٥) مفتاح الكرامة: ٦/٣٩٧.
(٤٦) روض الجنان: ٢٤٠.
(٤٧) جامع المقاصد: ٢/١٧٠.
(٤٨) الروضة البهية: ١/١٩٥.
(٤٩) كفاية الفقه: ١/٨٦ ، رياض المسائل: ٣/٧٥.
(٥٠) الكافي: ٣/٢٨٧، الوسائل: ٤/٢٢٤, أبواب المواقيت باب ٣٣, ح٢.
(٥١) الكافي: ٣/٢٨٧، الوسائل: ٤/٢٢٤, أبواب المواقيت باب ٣٣,ح٣.
(٥٢) رجال النجاشي: ١٨٤, رقم (٤٩٨).
(٥٣) مستند العروة: ١٣/٢٧٧.
(٥٤) معجم رجال الحديث: ١٦/٣٨.
(٥٥) اختيار معرفة الرجال: ٧٩، رقم ٥٠٠.
(٥٦) مستند العروة: ١٣/٢٧٧.
(٥٧) الوسائل: ٤/٢٢٤, ب٣٣ أبواب المواقيت.
(٥٨) الوسائل: ١٤/١٥, ب٦ أبواب الوقوف في المشعر.
(٥٩) الوسائل ب٣٣ أبواب المواقيت.
(٦٠) يُنظر: الكافي: ٣/٢٦٧، الوسائل ج١٠ كتاب الحج باب (٦) من أبواب الوقوف بالمشعر ح ٥.
(٦١) الجواهر: ١٩/٦٥, مستند العروة: ١٣/٢٧٢.
(٦٢) مستمسك العروة الوثقى: ٥/٥٥٨.
(٦٣) لكن هذا يرده ارتكاز الراوي بان الواقعتين من حالة واحدة, وهي حالة الجمع وكأنه مفروغ عنه, ولذلك استغرب من الإتيان بالنافلة فالرواية تكون مسوقة لبيان حال الركعات عند الجمع بين الفريضتين في مزدلفة.