
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أفضل خلقه وبريَّته الصَّادق الأمين وآله الهادين المهديِّين.
إنَّ واحداً من الأبحاث الأساسيَّة حول صلاة الجُمُعة هو مشروعيَّة إقامتها في عصر الغيبة.
وقد وقع الخلاف بين الأعلام في حكمها، فذهب بعض إلى وجوبها تعييناً أو تخييراً، في حين ذهب بعض آخر من الفقهاء إلى حرمة إقامتها.
ويعود الاختلاف والتباين في الآراء إلى أسباب عديدة، لعلّ من أهمّها الاختلاف في حدود الولاية وأثرها في حكم صلاة الجمعة.
ومن خلال تتبّع كلماتهم يمكن استخلاص مسالك ثلاثة رئيسة:
المسلك الأوّل: أنَّ صلاة الجمعة سواء أكانت في عصر الحضور أم في عصر الغيبة ليست من شؤون الولاية، بل هي كسائر الصلوات اليوميَّة لا تحتاج إلى إذن الإمام g، وهذا مسلك الشهيد الثاني S، حيث ذهب إلى الوجوب التعييني في عصر الحضور والغيبة.
المسلك الثاني: أنَّ صلاة الجمعة من شؤون الولاية في عصر الحضور دون عصر الغيبة، وقد ذهب هؤلاء الأعلام إلى قولين: منهم من قال بالوجوب التَّعييني، وقال بعضهم بالوجوب التَّخييري.
المسلك الثالث: أنَّ إقامة صلاة الجمعة من شؤون الولاية مطلقاً، من غير فرق بين زمن الحضور والغيبة، وعليه تكون إقامتها في عصر الغيبة محرَّمة وبدعة.
هذه ـ كما أشرنا ـ عمدة الاتّجاهات في المسألة، وإلَّا قد ينقسم بعض المسالك إلى طرفين أو أطراف، وكلّ طرف إلى أقوال، ولسنا بصدد الحديث عن هذا الجانب.
والحاصل: أنَّ من أهمِّ أسباب الاختلاف في حكم صلاة الجمعة بين الإماميّة هو خفاء دور الولاية في المسألة.
والرسالة التي بين أيدينا هي من رشحات فكر الفقيه المدقّق والأصولي المحقّق الشيخ حسين الحلي S، تتناول هذه النقطة المهمّة في بحث صلاة الجمعة ـ وهي مشروعيَّة إقامتها في عصر الغيبة وعدمها ـ حيث اختار S عدم مشروعيَّتها في غير عصر الحضور.
وهذه الرسالة وإن كانت مسوَّدة بحثه، إلَّا أنّ أهميّتها التي تكمن في طرح رؤية مخالفة لما هو المعروف في العصور المتأخّرة من مشروعيّتها اقتضت نشرها مع مراعاة الجوانب الفنيَّة في نشر التُّراث ليستفيد منها الباحثون.
وصف النسخة المعتمدة في التحقيق
النسخة الموجودة بأيدينا هي النسخة الوحيدة لهذه الرسالة، وهي نسخة المؤلِّف وبخطّه الشريف، وهي مسودة البحث ـ كما ذكرنا آنفاً ـ فلم تخلُ عن الشطب والحذف وبعثرة الأوراق وتعدّد الإلحاقات ممّا استدعى جهوداً مضاعفة في ترتيبها وضبطها.
وهي محفوظة في خزانة مخطوطات معهد العلمين حيث انتقلت إليه من ذرّيّة المؤلِّف ـ مع سائر تراثه ـ ولم تُفهرس بعد.
وتقع هذه النسخة في (٤٥) صفحة، ويتراوح عدد أسطر صفحاتها بين (٢٠) و(٢٦) سطراً، ومعدّل كلمات السطر الواحد (٢٠) كلمة، وكان الشروع فيها بتاريخ
٢ رمضان المبارك ١٣٧٧ هـ، والفراغ منها في (٢٧) من نفس الشهر المبارك.
منهج التحقيق:
قد تلخّص عملنُا في التحقيق بالآتي:
وممّا لا بدّ من الإشارة إليه أنّي لم أدرج ترجمة للمؤلّف S في مقدّمة العمل، فقد سبق وأن نشرت المجلّة في عددها السادس ترجمة له S.
وفي الختام: أتقدّم بالشكر الجزيل لمن ساهم وساند في إنجاز هذا التحقيق بجميع مراحله، وأسأل الله تعالى أن يوفّقنا جميعاً لخدمة الدّين الحنيف ونشر علوم أهل البيت عليهم أفضل الصّلاة وأتمّ السّلام.



بسم الله الرحمن الرحيم (١)
وله الحَمد، وعَليه نتوكَّل، وبه نَستعين، والصَّلاة والسَّلام على خَير خَلقه محمَّد وآله الطَّاهرين.
القول في صلاة الجُمُعة
لا إشكال في وجوب الجُمُعة عيناً في الجملة عند إقامة المعصوم g لها بنفسه، أو بنائبه الخاصّ الَّذي هو منصوب من قِبله لإقامتها، كما ينصِّبون للإدارة والجيش والخراج والقضاء(٢)، وإنَّما الإشكال فيما عدا ذلك من عصر الغيبة وما قبله من عصر الحضور، مع عدم التَّمكُّن له g من إقامتها، كما في جميع الأئمَّة i ما خلا أيَّام قلائل من أيَّام أمير المؤمنين وأيَّام الحسن h ، بل يأتي الإشكال أيضاً في تلك الأيَّام القلائل بالنسبة إلى مَن فَقَدَ التَّشرُّف بخدمته في البلد الَّذي هو فيه، مع فرض عدم المنصوب عندهم من قِبله g، كما لو اتَّفق موت المنصوب وحضرت الجُمُعة ولم يصل الخبر بنصب آخرٍ مكانه.
[الأقوال في صلاة الجُمُعة]
وأصول الأقوال في ذلك ثلاثة:
الوجوب التَّعيينيّ، والوجوب التَّخييريّ، والسُّقوط.
ولكن للوجوب التَّعيينيّ درجتان:
الأُولى: هو وجوب الاجتماع ووجوب التَّجمُّع، أعني: صلاة الجُمُعة.
الثَّانية: وجوب الجُمُعة تعييناً بعد اتِّفاق الاجتماع.
كما أنَّ ما هو مركَّب الوجوب التَّخييريّ قابل للدَّرجتين المذكورتين، فيقال بأنَّ أحد طرفيه هو الظُّهر، والآخر هو الاجتماع وصلاة الجُمُعة، أو أنَّ الآخر هو صلاة الجُمُعة بعد اتِّفاق الاجتماع، وحينئذٍ يكون لنا أقوالٌ أو وجوهٌ أربعةٌ.
وقد عبَّروا عن الوجوب التَّخييريّ باستحباب الجُمُعة نظراً إلى أنَّها أفضل الفردين، ويمكن أنْ يكون المراد به هو مجرَّد الاستحباب نظير استحباب صلاة العيد، فلا تغني عن الظُّهر، لكن الظَّاهر أنَّه لم يوجد مَن هو قائل به صريحاً، وعلى كلِّ حال تكون الاحتمالات به خمسة.
ثُمَّ الأخير ـ وهو السُّقوط ـ الظَّاهر منه مجرَّد السُّقوط، فلا تكون الجُمُعة إلَّا حراماً تشريعاً، ويمكن أنْ ينضمَّ إلى ذلك الحرمة الذَّاتيَّة النَّاشئة عن كونها غصباً لمنصبه g، فتكون إقامتها من أعظم المحرَّمات، وبذلك تكون الاحتمالات سبعة.
ولا يخفى: أنَّ القائلين بتعيُّن الجُمُعة لا يقولون بسقوط الظُّهر بالمرَّة، بل يلتزمون بأنَّه لو فاتته الجُمُعة بعصيان أو قصور وانقضى وقتها يتعيَّن عليه فعل الظُّهر(٣).
نعم، لو فعل الظُّهر في وقت الجُمُعة كانت باطلة على وجه لو بقي وقت الجُمُعة صلَّاها، ولو خرج وقتها أعاد الظُّهر، وحينئذٍ لا يمكن إصلاح الظُّهر عندهم في وقت الجُمُعة بالتَّرتُّب، بخلاف ما لو صلَّى غير الظُّهر من نافلةٍ أو قضاءٍ، فإنَّه يمكن إصلاحها عندهم بالتَّرتُّب أو بالملاك.
[مقتضى الأصل العمليّ]
إذا عرفت ذلك، فاللَّازم هو بيان ما تقتضيه الأصول قبل النَّظر إلى الأدلَّة الاجتهاديَّة، وقد عرفت أنَّ الاحتمالات سبعة: تعيُّن الجُمُعة بالدَّرجة الأولى، وتعيُّنها بالدَّرجة الثَّانية، والتَّخيير كذلك، هذه أربعة، والاستحباب النَّفسيّ المستقلّ، والسُّقوط الملازم للحرمة التَّشريعيَّة، والسَّابع: الحرمة الذَّاتيَّة.
وعند الشَّكِّ والتَّردُّد بين هذه الاحتمالات يسقط الرَّابع بأصالة البراءة؛ إذ لا تكون صلاة الجُمُعة من قبيل الدَّوران بين المحذورين؛ لاحتمال الإباحة الَّذي هو عبارة عن مجرَّد السُّقوط.
وإنْ شئت فأسقطْ احتمال الحرمة الذَّاتيَّة؛ لعدم القائل به، كما أنَّك تسقط الاستحباب النَّفسيّ لذلك، أعني: عدم القول به.
وأدمجْ الدَّرجة الثَّانية من التَّعيين والتَّخيير بالدَّرجة الأولى، فلا يبقى إلَّا احتمال التَّعيين واحتمال التَّخيير والسُّقوط، وهو في كلٍّ منهما، فإنَّ احتمال السُّقوط في كلٍّ منهما عين احتمال تعيُّن الآخر، ومقتضى القاعدة هو الإتيان بكلٍّ منهما، فإنَّ المسألة وإنْ دخلت في الدَّوران بين التَّعيين والتَّخيير وقلنا هناك بأصالة البراءة من التَّعيين(٤)، إلَّا أنَّ ذلك ـ أعني: أصالة البراءة من التَّعيين ـ غير نافع فيما نحن فيه، فإنَّ إجراء أصالة البراءة من التَّعيين لا تثبت التَّخيير ليكتفي المكلَّف بواحدٍ منهما؛ لعدم إحراز مشروعيَّته؛ لأنَّه عبادة تتوقَّف صحَّتها على إحراز الأمر. نعم، لو كان الأمر توصُّليَّاً لأمكن ذلك.
اللهم إلَّا أنْ يقال: يأتي المكلَّف بأحدهما؛ لاحتمال أنَّه مأمور به ولو تخييراً، فإنْ صادف الواقع صحَّ، وإنْ لم يصادف ـ بأنْ كان الآخر واجباً تعيينيَّاً ـ كان معذوراً؛ لأصالة البراءة من التَّعيين في كلٍّ منهما، فتأمَّل.
ولو أسقطنا احتمال تعيُّن صلاة الجُمُعة ودار الأمر بين وجوبها تخييراً أو سقوطها، فأصالة البراءة من تعيُّن الظُّهر ـ لو قلنا بها ـ لا تنفع فيما نحن فيه؛ لأنَّها لا تثبت التَّخيير، كما عرفت، فلا يصحُّ له الاكتفاء بالجُمُعة؛ لعدم إحراز الأمر بها المتوقِّف عليه صحَّتها؛ لكونها عبادة، إلَّا بما عرفت من الإتيان بها بداعي احتمال أمرها التَّخييريّ الَّذي عرفت أنَّه محكوم لأصالة عدم المشروعيَّة.
ولو أسقطنا احتمال الوجوب التَّخييريّ كانت المسألة من العلم الإجماليّ بوجوب أحدهما معيَّناً، فيلزمه الاحتياط، لكن يقدّم الجُمُعة؛ لما عرفت من أنَّها لو كانت هي الواجبة لم تصحّ الظُّهر في وقتها.
والخلاصة هي: أنَّه لا بدَّ من الإتيان بهما معاً عند كون الاحتمال مقصوراً على الوجوب التَّعيينيّ لكلٍّ منهما، ويكون بملاك العلم الإجماليّ المردَّد بين المتباينين مع كون الشُّبهة حكميَّة، كما مثَّلوا له في الأصول بذلك، أعني: الظُّهر والجُمُعة.
وكذلك لا بدَّ من الإتيان بهما معاً عند احتمال التَّعيين والتَّخيير في كلٍّ منهما، لكن يكون لزوم الإتيان بهما معاً من باب العلم الإجماليّ المردَّد بين التَّعيين والتَّخيير، مع فرض عدم الجدوى بأصالة البراءة من التَّعيين لو قلنا بها في غير هذا المقام.
أمَّا عند احتمال تعيُّن الظُّهر فقط وانتفاء احتمال تعيُّن الجُمُعة ودوران الأمر في الظُّهر بين التَّعيين والتَّخيير بينها وبين الجُمُعة فيكون المتعيَّن هو لزوم الإتيان بالظُّهر؛ لما عرفت من عدم الجدوى بأصالة البراءة من تعيُّن الظُّهر وإنْ قلنا بها في غير هذا المقام من التَّوصُّليَّات.
[الإشكال في إمكان الوجوب التَّعيينيّ والتَّخييريّ لصلاة الجُمُعة ومحاولات الجواب عنه]
وقد عرض في الذِّهن القاصر في هذا اليوم(٥) إشكال عضال لم أتوفَّق فعلاً لحلِّه، وهو: أنَّ صلاة الجُمُعة متوقِّفة على الاجتماع والإمامة والائتمام، ومن الواضح المقرَّر في محلِّه: أنَّ الأفعال الاجتماعيَّة ـ الَّتي لا تقوم بواحدٍ ـ يكون توجُّه الوجوب بها إلى كلِّ شخص مشروطاً بقيام الآخر، حتَّى في مثل شراء العين الفلانيَّة، فإنَّه لا يقوم إلَّا بالاثنين، فإذا لم يكن من البائع فعلٌ لم يتمّ وجوب الاشتراء من المشتري، وهكذا الحال في الجهاد والدِّفاع، إلَّا بنحوٍ من التَّضحية، وذلك مقام آخر.
ومنه يظهر: أنَّه لا وجه للقول في صلاة الجُمُعة بالوجوب التَّعيينيّ بالدَّرجة الأُولى، فلم يبقَ إلَّا كونها واجبةً تعيينيَّاً بالدَّرجة الثَّانية الَّتي هي عبارة عن أنَّه إذا اجتمع السَّبعة وأحدهم الإمام وجبت الجُمُعة على الثَّامن، ولكن الكلام في اجتماع السَّبعة، هل كانت الجُمُعة واجبة على كلِّ واحد منهم؟ وكيف وجب الاجتماع مطلقاً على ذلك الواحد مع فرض توقُّفه على اجتماع الآخرين معه؟ فلا بدَّ أنْ يكون وجوب الاجتماع على كلٍّ منهم مشروطاً باجتماع الآخر، وبالآخرة يكون وجوب الاجتماع مشروطاً بوجوده.
مضافاً إلى لزوم كون اجتماع كلٍّ منهما مقدَّماً رتبةً على نفسه، ولا يمكن القول بأنَّه كان الاجتماع تشهِّياً منهم ثُمَّ بعد تحقُّقه وجبت الجُمُعة؛ لأنَّ ذلك مضحكةٌ لا يقول بها أحد، فإنَّ الاجتماع ليس هو بنفسه من حيث إنَّه اجتماع، بل هو الاجتماع على الصَّلاة، فيعود الإشكال وينسدُّ باب الوجوب التَّعيينيّ فيها في كلٍّ من الدَّرجة الأُولى والدَّرجة الثَّانية، بل ينسدُّ باب الوجوب التَّخييريّ في الدَّرجتين أيضاً.
أمَّا في الدَّرجة الأُولى فلما عرفت من عدم إمكان توجُّه التَّكليف المطلق إلى الشَّخص الواحد في الاجتماعيَّات حتَّى لو كان الوجوب تخييريَّاً، وبعين التَّقريب الَّذي انسدَّ به باب الوجوب التَّعيينيّ في الدَّرجة الثَّانية ينسدُّ باب الوجوب التَّخييريّ في الدَّرجة الثَّانية أيضاً؛ لأنَّ العمدة في الإشكال [هي] في الدَّاعي للسَّبعة على الاجتماع الَّذي أخذناه شرطاً في الوجوب التَّخييريّ للنَّاس، بل إنَّ هذا الإشكال جارٍ حتَّى لو قلنا بالاستحباب الصِّرف، ولا ينتقض باجتماع الجماعة والاقتداء في سائر الفرائض؛ إذ لم يكن ذلك مشروطاً بالاجتماع، وإنَّما هو مشروط بوجود المصلِّي العادل، فيستحبُّ لكلِّ أحد يعتقد عدالته أنْ يقتدي ويأتمَّ به.
وبالجملة: إنَّ هـذا النَّـحـو مـن التَّـكاليـف الاجتمـاعيَّـة ينـحـصـر بالإمـام g فهـو مأمور g بإقامتها بنفسه أو بنائبه ومنصوبه الخاصّ، ويأمر النَّاس بأنْ يقتدوا به ويحضروا معه، ووجوب النِّداء مختصٌّ به، فيجب عليهم إطاعته، ولو عصوا قهرهم مع المكنة وساقهم بعصاه، فيكون g هو المكلَّف بجمع النَّاس، لا أنَّهم مكلَّفون بالاجتماع.
وبعد إطاعتهم وحضورهم في الجامع يكون كلُّ واحد منهم مكلَّفاً بالاقتداء به في الصَّلاة على وجه لو ذهب الجميع وعصوا ولم يبق إلَّا واحد لم يجز له الذَّهاب، إلَّا أنْ يأذن له الإمام أو نائبه على ما سيأتي تفصيله إنْ شاء الله تعالى، فلا يكون المتحصَّل من قوله تعالى: {إذا نُودِيَ} إلى آخر الآية إلَّا ذلك، أعني: لزوم إطاعته لو أمرهم وناداهم بالحضور، فلا يكون مساقه إلَّا مساق قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ }(٦).
وهكذا الحال في كلِّ ما يكون من هذا القبيل ممَّا لا يصلح التَّكليف به للآحاد؛ لما عرفت من الاستحالة.
وبناءً على ذلك ينسدُّ باب الوجوب التَّعيينيّ والتَّخييريّ في صلاة الجُمُعة في عصرنا، بل إنَّ الوجوب التَّخييريّ منسدٌّ حتَّى في عصره g وبسط يده؛ لأنَّ المتعيَّن مع دعوته هو الوجوب التَّعيينيّ، ولا محصَّل للوجوب التَّخييري إلَّا في بعض الأشخاص، وبناءً على ذلك لا يبقى وجه للاستدلال بالأدلَّة اللَّفظيَّة على الوجوب التَّعيينيّ ولا الوجوب التَّخييريّ؛ إذ لو دلَّت على شيءٍ من ذلك لزمنا تأويلها؛ لعدم المعقوليَّة، فلم يبقَ إلَّا كونها منصباً إلهيّاً. والَّذي ينبغي أنْ يكون محطُّ الكلام هو ثبوت ذلك المنصب للفقيه في عصر الغيبة لو انبسطت يده، وذلك بحث آخر.
لا يقال: لِمَ لا تخرِّجوا المسألة على ما ذكرتموه في الأمر التَّرتُّبيّ بالصَّلاة المشروط بعدم الإزالة من حصول شرط الوجوب، والوجوب والواجب في زمانٍ واحدٍ وإنْ كان الأوَّل سابقاً في الرُّتبة على الثَّاني، والثَّاني سابقاً على الثَّالث؟ ففيما نحن فيه نقول: إنَّ وجوب اجتماعي مع زيدٍ ـ مثلاً ـ مشروط باجتماعه معي، وهذه الأمور الثَّلاثة، أعني: شرط الوجوب ـ وهو اجتماعه ـ، ووجوب اجتماعي، ونفس اجتماعي، كلُّها حاصلة في آنٍ واحدٍ وإنْ كانت في الرُّتبة مترتِّبة.
لأنَّا نقول: كما أنَّ الأمر من ناحية شرطيَّة اجتماعه معي في وجوب اجتماعي موجب للتقدُّم الرُّتبيّ، فكذلك الحال في ناحية العكس، أعني: شرطيَّة اجتماعي معه في وجوب الاجتماع المتوجِّه إليه، فيلزم من ذلك تقدُّم كلٍّ من الاجتماعين على الآخر برتبتين، ولا يدفعه الدَّور المعيّ؛ إذ لا أصل للدَّور المعيّ، وتمثيله باستقامة وضع الآجرتين مستنداً كلٌّ منهما إلى الآخر(٧) عجيبٌ؛ لأنَّ هذه الاستقامة من جهة تكافؤ القوُّتين. مضافاً إلى أنَّ ما نحن فيه ليس من المعيّ.
وأمَّا التَّكليف للجماعة بحمل الثَّقيل فليس هو من الأمر بالاجتماع على حمله، بل أنَّ كلَّ واحد منهم مأمور بالحمل، ومن ناحية أخرى يكون كلُّ واحد منهم مساعداً للآخر، وأين هذا من الاجتماع في الصَّلاة الَّذي أُخذ قيداً فيها، فلاحظ وتدبَّر.
ولعلَّ إشكال شيخنا S في نيَّة الإمام في الجماعة من هذا القبيل، فقد قال في العروة مسألة ٩: (لا يشترط في انعقاد الجماعة في غير الجُمُعة والعيدين نيَّة الإمام الجماعة والإمامة) إلى قوله S: (نعم، حصول الثَّواب في حقِّه موقوف على نيَّة الإمامة )(٨).
والحاشية لشيخنا S هي على قوله (نيَّة الإمامة)، وهي: (اعتبار نيَّة الإمامة لا يخلو مطلقاً عن الإشكال؛ إذ ليست هي فعلاً اختياريّاً للإمام كي تصلح لتعلُّق القصد بها، بل الظَّاهر كفاية وثوق الإمام فيما يتوقَّف صحَّته على الجماعة، كالجُمُعة ونحوها، وكذلك المعادة بلحوق مَن يعتبر لحوقه به في صحَّة دخوله في الصَّلاة، بلا حاجة إلى نيَّة الإمامة وكونها لغواً في جميع ذلك)(٩)، انتهى.
وللسَّيِّد البروجرديّ (سلَّمه الله) حاشية تبع فيها شيخنا S على قوله: (الجُمُعة والعيدين)، وهي قوله: (بل وفيهما أيضاً. نعم، يعتبر فيهما العلم بصيرورة صلاته جماعةً بنيَّة المأمومين الائتمام به، ولعلَّ هذا هو المناط في ترتُّب ثوابها أيضاً، لا نيَّة الإمامة؛ إذ ليست هي ممَّا تحصل له بقصده إيَّاها)(١٠)، انتهى.
وقد تعرَّض شيخنا S لهذا الإشكال في درس الفقه في صلاة الجماعة فقال حسبما حرَّرته عنه في [سنة] ١٣٤٧: (ولا بدَّ في الجماعة من النّيـّة؛ لكونها من الأفعال الاختياريَّة العباديَّة المتوقِّف حصول الامتثال فيها على النّيـّة، أمَّا بالنِّسبة إلى المأموم فلا شبهة في اعتبار نيَّة الاقتداء، وأمَّا بالنِّسبة إلى الإمام فاعتبار نيَّة الإمامة منه في غاية الإشكال؛ إذ ليست هي بالنِّسبة إليه من الأفعال الاختياريَّة كي يتحقَّق منه قصدها، فالظَّاهر أنَّ المعتبر فيما تكون الجماعة شرطاً فيه ـ كصلاة الجُمُعة والمعادة ـ هو وثوق الإمام بلحوق مَن يعتبر لحوقه به بلا حاجة إلى نيَّة الإمامة، وكونها بالنَّسبة إليه لغواً صرفاً، لما عرفت من عدم دخول الإمامة تحت اختياره)، انتهى ما حرَّرتُه عنه S.
وقد حرَّر ذلك عنه العلَّامةُ الآمليُّ (سلَّمه الله) في [ص] ٣٥٣ من المجلد الثَّاني من تقريراته، وتعرَّض للثَّواب وجعله مترتِّباً على ما محصَّله: تهيئة الشَّخص نفسه لأنْ يكون إماماً كحضوره في المحراب ونحو ذلك، إلى أنْ قال: (هذا فيما لم يشترط فيه الجماعة، وأمَّا فيما اشترط فيه الجماعة فلأنَّ شرط صحَّة صلاة الإمام فيما يتوقَّف صحَّتها على الجماعة مثل ما إذا كان الإمام جزءاً من العدد الَّذي ينعقد به الجُمُعة ـ أعني: الخمسة أو السَّبعة على الاختلاف ـ إنَّما هو لاقتداء المأموم، وقد عرفت أنَّه غير اختياريٍّ للإمام، فلا بدَّ [من] (١١) أنْ يجعل الشَّرط ما هو يرجع إلى اختياره، وهو عبارة عن إحراز انعقاد الجماعة والاطمئنان بتحقُّقها، لا الانعقاد الواقعيّ، ويترتَّب عليه صحَّة صلاته جمعةً لو تخلَّف العدد الَّذي يتقوَّم به الجُمُعة ولم يبقوا إلى آخر الصَّلاة)(١٢)، انتهى.
قلت: بل يترتَّب عليه أنَّه لو اعتقد وجود مَن يأتمُّ به ولم يكن هناك أحد أصلاً لصحَّت جمعةً.
ثُمَّ إنَّ الفرار إلى الوثوق والإحراز لا يكون إلَّا إلى ما فرَّ منه؛ لأنَّ الوثوق والإحراز لا يدخل تحت الاختيار، وليس الإشكال مقصوراً على النّـيـّة كي نكون في راحةٍ منه لو قلنا بأنَّه لا تعتبر نيَّة الإمامة، بل هو في كيفيَّة جعل الائتمام أو الاجتماع قيداً في صحَّة الصَّلاة القاضي بدخوله تحت الوجوب.
فيكون الحاصل أنَّ الإمام مكلَّف بالإمامة لو اقتدى به الأربعة، والأربعة مكلَّفون بالاقتداء به لو صار إمامهم، فكان كلٌّ من إمامته واقتدائهم مقدَّماً رتبةً على الآخر، وهكذا الحال في اجتماع كلٍّ من المأمومين مع المأموم الآخر.
وبالجملة: إنَّ اجتماع كلِّ واحدٍ من الخمسة مع الآخر ـ إماماً كان ذلك الآخر أو مأموماً ـ يكون شرطاً في وجوب الاجتماع على الآخر، وهو ما قدَّمناه من الإشكال.
ومن ذلك تعرف أنَّ هذا الإشكال لا يختصُّ بنيَّة الإمامة، بل هو جارٍ في نيَّة الائتمام؛ لأنَّ كون الشَّخص مؤتـمّـاً بالإمام منوط بوجود الإمام وشروعه في الصَّلاة، لما عرفت من أنَّ القدوة والاقتداء متقوِّم بالطَّرفين، فلو كان الائتمام واجباً على الشَّخص لم يكن داخلاً تحت اختياره، فلا يصحُّ تكليفه به، وما لم يصحّ تكليفه به لا يصحُّ منه نيَّته امتثالاً للأمر المتعلِّق به في ضمن الأمر المتعلِّق بالمشروط.
قال في الجواهر: (أمَّا الجماعة الواجبة كالجُمُعة ففي الدُّروس، والذِّكرى، والبيان، وحـاشيـة الإرشاد، ومصـابيـح الأنـوار، والـرِّيـاض وجـوب اعتبـارهـا [فيـهـا؛ لتـوقُّف صحَّـة الصَّلاة على الجماعة](١٣)، وتوقُّف صدق امتثال الأمر بها جماعة على النّـيـّة، خلافاً للمدارك فلم يوجبها أيضاً تبعاً لما عن مجمع البرهان؛ لأنَّ المعتبر تحقُّق القدوة في نفس الأمر، فهو في الحقيقة شرط من شرائط الصّحَّة الَّتي لا يجب على المكلَّف [ملاحظتها](١٤) حال النّـيـّة، واستحسنه في الذَّخيرة، وهو في محلِّه إنْ كان المراد الاكتفاء بنيَّة الجُمُعة [مثلاً](١٥) عن التَّعرُّض لنيَّة الجماعة باعتبار عدم صحَّتها شرعاً بدونها، لا أنَّها كالجماعة المندوبة الَّتي لا يقدح في صحَّتها نيَّة الانفراد(١٦))(١٧)، انتهى.
قلت: هذا كلُّه في توجيه إسقاط وجوب نيَّة الإمامة، وأمَّا توجيه الأمر بالصَّلاة المقيَّدة بالقيد المزبور مع أنَّ القيد خارج عن الاختيار فلم يتمّ، بل إنَّ الإشكال فيه باقٍ بحاله لم يندفع بإسقاط الوجوب عن نيَّة الإمامة، فلاحظ وتدبَّر.
لا يقال: إنَّ الإمامة لخالد ـ مثلاً ـ هي عبارة عن كون صلاته مرتبطة بصلاة الغيرعلى جهة الاقتداء والمتابعة له، وهكذا الحال في الاجتماع في الصَّلاة، فإنَّه عبارة عن كون صلاة زيد مرتبطة بصلاة عمرو ـ مثلاً ـ بكونهما مقتديين بخالد، فإنْ لوحظ شرطاً في وجوب الصَّلاة على خالد أو وجوبها على زيد كان تحقُّقه الواقعيّ ـ ولو بعد الشُّروع في الصَّلاة ـ شرطاً في وجوبها فعلاً ولو على نحو التَّعقُّب ـ المعبَّر عنه في حاشية شيخنا S بعنوان اللُّحوق ـ ، وحينئذٍ لا يحتاج في دخوله في الصَّلاة إلَّا إلى إحراز اللُّحوق المذكور(١٨) ـ لكنَّه على نحو الطَّريقيَّة، لا على نحو الموضوعيَّة ـ على وجه لو انكشف أنَّه لم يلحقه أحد ينكشف أنَّه لم تكن الصَّلاة واجبة عليه.
وإنْ لوحظ ذلك العنوان ـ أعني: اقتداء الغير به أو كون صلاته مرتبطة بصلاة الغير على جهة الاجتماع ـ فمن حيث تأخُّر لحوق صلاة الغير يكون حاله ما عرفت من كونه من قبيل شرط الصّحَّة المتأخِّر(١٩) الَّذي صحَّحوه بكون الشَّرط هو العنوان المنتزع، نظير اشتراط الأجزاء المتأخِّرة في صحَّة الأجزاء السَّابقة، ومن حيث وجوب ذلك الشَّرط على ذلك المصلِّي ـ من جهة كونه شرطاً في صحَّة صلاته، فيكون داخلاً تحت الوجوب ـ يكون حاله حال اشتراط الاستقبال في الصَّلاة في أنَّ الواجب هو جعل صلاته مرتبطة بالقبلة على جهة كونها إليها، مع كون وجود نفس القبلة ليس من أفعاله ولا راجعاً إلى اختياره.
وهكذا الحال فيما نحن فيه، فإنَّ الواجب على المصلِّي وهو زيد ـ مثلاً ـ جعل صلاته مربوطةً بصلاة غيره على جهة الإماميَّة أو المأموميَّة أو المقارنة لصلاة الغير في المأموميَّة، وهذا المعنى ـ وهو جعل زيد صلاته مربوطةً بصلاة الغير بإيجادها عند إيجاد ذلك الغير صلاته سابقاً أو لاحقاً أو مقارناً ـ مقدورٌ لزيد، وهو من أفعاله وإنْ كانت صلاة ذلك الغير خارجة عن قدرته وعن أفعاله.
نعم، إنَّ وجود صلاة ذلك الغير يكون شرطاً في وجوب هذا المعنى على زيد، كما أنَّ وجود القبلة يكون شرطاً في وجوب جعل صلاته مقترنةً بالقبلة بكونها إليها، ولا يلزم من ذلك الأمر بما هو خارج عن اختياره وعن قدرته وعن أفعاله.
لأنَّا نقول: نعم، كلُّ هذا مسلَّم من ناحية زيد، لكنَّ الأمر كذلك حرفاً بحرف من ناحية غيره، أعني: إمامه أو مأمومه أو شريكه في المأموميَّة في كون صلاة ذلك الغير مربوطةً بصلاة زيد، فيكون وجود صلاة زيد شرطاً في وجوب ذلك الرَّبط على ذلك الغير، وقد كان وجوب الرَّبط على زيد مشروطاً بوجود صلاة ذلك الغير، فعاد الإشكال في لزوم كون صلاة كلٍّ منهما سابقةً في الرُّتبة على صلاة الآخر، وبالآخرة تكون صلاة كلٍّ منهما سابقةً في الرُّتبة على نفسها.
وعلى كلِّ حال إنَّ هذا إشكال حدث في ذهني القاصر، ولم أقدر فعلاً على دفعه، وزاد في الطِّين بلَّة ما تذكّرته بعد عروض هذا الإشكال في ذهني من حاشية شيخنا S الَّتي وافقه عليها السَّيِّد البروجرديّ (سلَّمه الله)، وممَّا تعرَّض له شيخنا S في درس الفقه ممَّا تلوته عليك.
وفعلاً لم أتوفَّق لحلِّ الإشكال، فليبقَ إلى فرصة التأمُّل، لعلَّ الله يحدث بعد ذلك أمراً إنْ شاء الله تعالى، والله سبحانه وتعالى هو الموفِّق والمسدِّد.
ثُمَّ بعد هذا وفِّقت بعونه تعالى لدفع الإشكال فيما بين الإمام والمأمومين ـ وهو مأخوذ ممَّا أفاده شيخنا S ـ فإنَّ الشَّرط في وجوب الصَّلاة على الإمام ليس هو نفس صلاة المأموم، ولا هو عين اقتداء المأموم به، بل إنَّ الشَّرط في وجوب الصَّلاة على الإمام هو العنوان المنتزع من ذلك، وهو كون المأموم لو صلَّى هذا الإمام يتبعه في الصَّلاة ويقتدي به، لكنَّ الشَّرط في وجوب الاقتداء على المأموم هو نفس صلاة الإمام، لا العنوان المنتزع، وحينئذٍ تكون نفس صلاة الإمام سابقةً في الرُّتبة على نفس صلاة المأموم، والَّذي يكون من ناحية المأموم سابقاً في الرُّتبة على نفس صلاة الإمام ليس هو نفس صلاة المأموم، بل هو كون المأموم بحيث يلحقه ويصلِّي مقتدياً به بعد شروعه في صلاته، فلم تكن إحدى الصَّلاتين سابقة في الرُّتبة على الأخرى، ولأجل ذلك لا يتأتَّى ذلك الإشكال في الإمامة، فهما في ذلك نظير قولك لزيد: (يجب عليك السُّؤال من عمرو إنْ كان يجيبك لو سألته)، وقولك لعمرو: (أجب زيداً عند سؤاله منك).
نعم، يبقى الإشكال فيما بين المأمومين بحاله؛ إذ لا يتوسَّط بينهما العنوان المنتزع، بل إنَّ نفس صلاة كلٍّ منهما مع الآخر هي الشَّرط في وجوب صلاة الآخر معه، فيلزمه أنْ تكون صلاة كلٍّ منهما مع الآخر سابقةً في الرُّتبة على صلاة الآخر معه، وبالآخرة تكون صلاة كلٍّ منهما سابقةً على نفسها.
ولا يندفع هذا الإشكال إلَّا أنْ نقول: إنَّهما لا يجب عليهما الاجتماع، وإنَّما يجب على كلِّ واحدٍ منهما الاقتداء بالإمام، ويكون المكلَّف بجمعهما في الصَّلاة هو نفس الإمام أو نائبه الخاصَّ، أو نقول: إنَّ اجتماعهما يكون هو الغاية المتوخَّاة من تعلُّق الأمر بكلٍّ منهما، وهي حاصلة قهراً عند امتثال كلٍّ منهما، وعند عصيان أحدهما لا يكون في البين إلَّا صورة الأمر للآخر.
وبالجملة: لا يكون الاجتماع شرطاً في الوجوب على كلٍّ منهما، ولا قيداً في الواجب على كلٍّ منهما، وإنَّما هو غاية للوجوب على كلٍّ منهما، فلا يكون ذلك الوجوب المتوجِّه إلى كلٍّ منهما إلَّا من قبيل الوجوب الصُّوريّ الطَّريقيّ للحصول على تلك الغاية ـ أعني: الاجتماع ـ ، فإنْ حصلت فقد حصلت الإطاعة من كلٍّ منهما، وإنْ عصى أحدهما كان هو المعاقب، وبعصيانه ينحلُّ الوجوب ويسقط عن الجميع.
وفيه ما لا يخفى، فإنَّه(٢٠) راجع إلى اشتراط الوجوب بإطاعة كلٍّ منهما؛ إذ مع عصيان أحدهما يكون الأمر للآخر صوريّاً طريقيّاً لا واقعيَّة له.
نعم، يبقى في الإمام الإشكال الَّذي أشار إليه شيخنا S وهو: أنَّ إمامته ليست من أفعاله كي يكون مكلَّفاً بها أو قاصداً لها.
والخلاصة هي: أنَّ الإشكال في صلاة المأمومين فيما بينهم إنَّما هو من ناحية كون صلاة كلٍّ منهم شرطاً في وجوب الصَّلاة على الآخر، ولا إشكال فيها من ناحية الفعل المكلَّف به كلّ منهما، فإنَّ كلّا ً منهما مكلَّف بربط صلاته مع الآخر على جهة الاجتماع والمعيَّة، وهذا من أفعاله الاختياريَّة نظير ربط صلاته بالقبلة على جهة الاستقبال، بخلاف الإشكال في ناحية الإمام بالقياس إلى إمامته، فإنَّه من ناحية كون إمامته ليست من أفعاله الاختياريَّة حتَّى باعتبار ربطها بصلاة المأمومين، فلا يعقل دخوله تحت القصد والإرادة والنّـيـّة، بل لا يعقل دخوله تحت الأمر إلَّا بصرف ذلك الأمر وتحويله إلى مقدِّماته الإعداديَّة الَّتي هي عبارة عن تهيئة نفسه للإمامة.
وبالجملة: إنَّ الإشكال فيه إنَّما هو من هذه النَّاحية، ولا إشكال فيه من ناحية كون صلاته شرطاً في وجوب الصَّلاة على المأمومين؛ لأنَّ الشَّرط في وجوب الصَّلاة على الإمام ليس هو نفس صلاة المأمومين، بل العنوان المنتزع من تأخُّر صلاتهم، وهو كونهم بحيث يلحقونه في صلاتهم، وبه يندفع الإشكال المتوجِّه في صلاة المأمومين فيما بينهم، فلاحظ وتأمَّل.
لا يقال: ليس الاجتماع قيداً في صلاة الجُمُعة، وإنَّما القيد فيها هو الصَّلاة جماعةً في قبال الفرادى، وحينئذٍ يكون الواجب على كلِّ أحدٍ عند حضور وقتها السَّعي إليها والحضور في المحلِّ الَّذي أُعدَّ لها، فإذا حضر خمسة وجبت على كلِّ واحدٍ منهم، فإنْ كان الإمام معيَّناً بالنَّصب من إمام الأصل g أو كان تعيُّنه من قبل الحاضرين خطبهم وتقدَّمهم، ووجب على كلِّ واحدٍ من الباقين الاقتداء به، فإنْ امتنع أحدهم من الصَّلاة ولو عصياناً سقطت عن الباقين.
لأنَّا نقول: إنَّ هذا التَّخلُّف والامتناع من بعضهم هو الموجب لبقاء الإشكال، فإنَّه موجبُ كون وجوب الاقتداء على كلٍّ منهم مشروطاً باقتداء الآخرين، فيكون اقتداء كلٍّ منهم مقدَّماً رتبةً على اقتداء الآخر.
وقد قيل في هذا المقام ـ وكأنَّه ردٌّ لما في حاشية شيخنا S من أنَّ المانع من لزوم نيَّة الإمام هو عدم دخولها تحت قدرته ـ ما حاصله: أنَّ العمدة في وجه عدم اعتبار نيّة الإمام هو الإجماع؛ إذ لا إطلاق يقتضي الصّحَّة، وكون الإمامة من قبيل الإيقاع الَّذي يكون وظيفةً للمأموم ـ فإنَّه الَّذي يجعل الإمام إماماً، لا أنَّ الإمام هو الَّذي يجعل نفسه إماماً ـ لا يمنع من احتمال اعتبار قصده للإمامة المجعولة له، كما في الجماعة الواجبة(٢١)، انتهى.
قلت: لا يخفى أنَّ قصد الإمامة عبارة عن قصد فعل الإمام، وبعد فرض كونها فعلاً للمأموم كيف يعقل فعلها من الإمام كي تتعلَّق بها إرادته وقصده، فإنَّ القصد والنّـيـّة في هذا المقام عبارة عن الإرادة.
ثُمَّ إنَّه متى يكون الإمام قاصداً ومريداً لفعل الإمام، أهو قبل أنْ يجعله المأموم إماماً أو هو بعد أنْ جعله إماماً في صلاته أو مقارناً لذلك؟ كلُّ ذلك غير معقول.
ومع قطع النَّظر عن ذلك نقول: كيف يكون مأموراً بالإمامة في الصَّلاة الَّتي تجب فيها الإمامة مع فرض كون الإمامة قائمةً بفعل غيره؟! وهكذا الحال في المأموميَّة الَّتي هي قائمة بفعل الإمام. ولا يكون ذلك إلَّا بكون الوجوب على كلٍّ منهما مشروطاً، وحينئذٍ يتوجَّه ما عرفت من الإشكال، وهو وإنْ كان قد دفعناه فيما بين الإمام والمأمومين، إلَّا أنَّك قد عرفت بقاءه فيما بين المأمومين أنفسهم، إلَّا أنْ يكون المكلَّف بجمعهم هو الإمام، وهو إمام الأصل أو نائبه الخاصُّ المنصوب منه g لإقامتها، أو هو فقيه عصر الغيبة بناءً على كونه مسلَّطاً على ذلك.
وعلى كلِّ حالٍ، إنَّ هذا إشكالٌ قد عرض في البين ألجأنْا التَّأمُّل في جوابه إلى وقتٍ آخر، لعلَّ الله سبحانه أنْ يوفَّقني لحلِّه، ومنه نستمدُّ التَّوفيق والعناية، فلنعد إلى ما كنَّا بصدده، فنقول بعونه تعالى:
[أدلَّة الوجوب التَّعيينيّ]
استدلَّ القائلون بالوجوب التَّعيينيّ بالآيات الشَّريفة والأخبار المنيفة:
[الآيات الَّتي استُدلَّ بها للوجوب التَّعيينيّ]
فمن الآيات قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّـهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}(٢٢) إلى آخر الآية.
وفيه: أنَّ وجوب السَّعي تعييناً مسلَّمٌ، لكنَّه عند النِّداء، ومن الواضح أنَّه يعتبر في المنادي كونه له الأهليَّة في النِّداء، ولا يكون ذلك إلَّا بأمره g أو بأمر مَن نصَّبه.
ولو قيل: إنَّه كناية عن إقامة الصَّلاة وعقدها ـ ليكون من قبيل: ((ولم ينادَ أحد(٢٣) بشيءٍ كما نُودي بالولاية))(٢٤) كناية عن نفس الأمر ـ ليكون الحاصل: أنَّه يجب السَّعي إلى صلاة الجُمُعة عند دخولها، جرى فيه عين الإشكال، أعني: كونها موضوعاً لوجوب السَّعي، فلا بُدَّ من فرض مشروعيَّة تحقُّقه؛ إذ لا ريب في عدم وجوب السَّعي إلى الجُمُعة الَّتي يعقدها الظَّالم القاهر، ولو عقدها مَن يرى منَّا [شرعيَّتها](٢٥) لم يجب الحضور على مَن كان منَّا لا يرى المشروعيَّة وإنْ احتاط فيه شيخنا S في وسيلته(٢٦).
ولا فرق في ذلك بين كون المراد من الذِّكر هو الخطبة أو الجُمُعة نفسها وإنْ كان الثَّاني أظهر من حيث سياق النِّداء للصَّلاة.
أمَّا دعوى كون المراد من الذِّكر هو نفس النَّبيّ e فلعمري إنَّه لا بأس به لو ثبت ورود التَّفسير به عنهم i في خصوص المقام، أمَّا ورود تفسيره بذلك في آية سؤال أهل الذِّكر(٢٧) فلا يستلزم كون ذلك هو المراد به في المقام، مع فرض كونه خلاف ظاهر سياق النِّداء للصَّلاة.
قال في كشف اللِّثام في أثناء كلامه على الاستدلال بالآية الشَّريفة: (وبعبارة أُخرى:
إنَّما تدلُّ الآية على وجوب السَّعي إذا نُودي للصَّلاة، لا على وجوب النِّداء، ومن المعلوم ضرورةً من العقل والدِّين أنَّه إنَّما يجب السَّعي إذا جاز النِّداء، وفي أنَّه هل يجوز النِّداء لغير المعصوم [ومن نصبه](٢٨) كلامٌ، على أنَّ احتمال إرادة النَّبيّ e من ذكر الله أظهر من احتمال إرادة الصَّلاة أو الخطبة.
ولا تصغِ إلى ما يُدَّعى من إجماع المفسِّرين على إرادة أحدهما، خصوصاً إذا كنت إماميَّاً تعلم أنَّه لا إجماع إلَّا قول المعصوم)(٢٩)، انتهى.
قال في الجواهر: (وكذا لا يتمُّ بناءً على إرادة الرَّسول e من الذِّكر فيها، كما هو مذكور في أخبارٍ كثيرةٍ عن أهل البيت i أنَّ الذِّكر رسول الله e، ونحن أهل الذِّكر معاشر أهل بيت رسول الله e (٣٠)، بل في كشف اللِّثام أنَّه أظهر من احتمال [إرادة](٣١) الخطبة و(٣٢)الصَّلاة)(٣٣)، انتهى.
وقال الحاجُّ آغا رضا [الهمدانيّ] S: (مضافاً إلى ما قد يقال: إنَّ المراد بالذِّكر رسول الله e، كما هو مذكور في أخبار أهل البيت i، بل في كشف اللِّثام)(٣٤)، ونقل عبارته.
وهـذه الأخـبـار ذكـرهـا فـي الـوافي في الجزء الثَّاني من المجلد الأوَّل ص ١٢٥ في باب ٦٥ أنَّهم أهل الذِّكر المسؤولون(٣٥).
وممَّا ذكرناه يظهر لك عدم تماميَّة الاستدلال بأنَّه الصَّلاة الوسطى(٣٦) (٣٧)، وبآية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ}(٣٨) إلى آخر الآية.
وفي سورة الطَّلاق قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّـهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ قَدْ أَنزَلَ اللَّـهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ﴿١٠﴾ رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّـهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}(٣٩) إلى آخر الآية، قال في مجمع البيان: (يعني القرآن، وقيل: يعني الرَّسول، عن الحسن، وروي ذلك عن أبي عبد الله g)(٤٠)، انتهى. ولكن لو تمَّ إرادته هناك فهو بتفسيره g، ولا دليل على إرادته هنا.
[الأخبار الَّتي استُدلَّ بها للوجوب التَّعيينيّ]
أمَّا الأخبار الَّتي استدلُّوا بها فكثيرة، مثل ما ورد من صحيحة زرارة عن أبي جعفر g قال: ((فرض الله على النَّاس من الجُمُعة إلى الجُمُعة خمساً وثلاثين صلاة، منها صلاة واحدة فرضها الله عزَّ وجلَّ في جماعةٍ، وهي الجُمُعة، ووضعها عن تسعةٍ: عن الصَّغير، والكبير، والمجنون، والمسافر، والعبد، والمرأة، والمريض، والأعمى، ومَن كان على [رأس] (٤١) فرسخين)) (٤٢).
وهكذا أخبار كثيرة استدلُّوا بإطلاقها على الوجوب التَّعيينيّ ذكرها في الوسائل(٤٣)، ونقلها الحاجُّ آغا رضا [الهمدانيّ] (٤٤) وغيره، وأجاب عنها باحتمال كون إقامة إمام الأصل أو النَّائب الخاصّ عنه شرطاً في صحَّتها، ومعه لا يمكن التَّمسُّك لفقيهٍ بإطلاق المادَّة؛ لكونها من هذه النَّاحية مهملة، كما لا يمكن التَّمسُّك بها من حيث عدم كون الإمام الغير الأصليّ من ذوي العاهات مثلاً.
ولو كان الشَّكُّ في كونه شرطاً للوجوب أمكن التَّمسُّك بإطلاق مفاد الهيئة الَّذي هو الوجوب، مثل قوله g: ((الجُمُعة واجبة على كلِّ أحدٍ، لا يُعذر النَّاس فيها إلَّا خمسة))(٤٥) لو أريد منها الجنس، ولكن الظَّاهر منها هو العهد، ومفاده حينئذٍ الوجوب للمعهودة، ولا يكون إلَّا بعد إقامتها.
ولو سلَّمنا إرادة الجنس وتماميَّة الإطلاق كان أوَّلاً محكوماً لما دلَّ على المشهور من عدم الوجوب في زمان الغيبة ممَّا يقتضي تقييد الوجوب التَّعيينيّ بالحضور، وثانياً تقييده بمثل صحيحة ابن مسلم(٤٦) وصحيحة الفضل بن عبد الملك(٤٧) في جماعة القرية صلَّوا أربعاً إذا لم يكن من يخطب، بناءً على أنَّ المراد هو المنصوب من قبله g لذلك، ثُمَّ أراد كسر سَورة المستدِلِّ بأنَّه لا ريب في سقوط الإطلاق ولو بالنَّسبة إلى اجتماع الخمسة ووجود من يخطب(٤٨).
وفيه: أنَّ سقوط الإطلاق من ناحية العدد ووجود الإمام الخطيب ولو إمام الجماعة لأجل وجود الأدلَّة على ذلك لا يوجب سقوط الإطلاق من الجهة الأخرى لو تمَّ الإطلاق.
ثُمَّ لا يخفى أنَّ هذا القيد ـ وهو اعتبار كون الإمام إمام أصلٍ ـ لأجل أنَّه غير مقدور لا بدَّ أنْ يكون أصل الوجوب مشروطاً به، سواء جعلناه بحسب الصِّناعة قيداً للمادَّة ابتداءً ثُمَّ تتقيَّد الهيئة به قهراً، أو جعلناه قيداً للهيئة ابتداءً ثُمَّ تتقيَّد به المادَّة قهراً، كما حُقِّق في محلِّه في مسألة دوران الأمر في القيد بين رجوعه إلى المادَّة أو رجوعه إلى الهيئة، فالعمدة هو أنَّه لو سُلِّم الإطلاق كان محكوماً لما دلَّ على التَّقييد.
[أدلَّة تقييد وجوب صلاة الجُمُعة بإمام الأصل أو نائبه الخاصِّ]
وممَّا يدلُّ على تقييد الوجوب بإمام الأصل أو نائبه الخاصِّ ـ بل على الحرمة أو عدم المشروعيَّة بدون ذلـك ـ ما نقـله المحقِّقُ القمِّيُّ S في مناهجه في أدلَّة التَّحريم عنه في
خطبة طويلة: ((إنَّ الله فرض عليكم الجُمُعة، فمَن تركها في حياتي أو بعد مماتي(٤٩) وله إمام عادل استخفافاً بها أو جحوداً لها، فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره))(٥٠).
وهذه الخطبة نقلها في المستدرك(٥١) عن الغوالي خاليةً من قوله: (وله إمام عادل)(٥٢)، وعن تفسير أبي الفتوح الرَّازي مشتملةً على قوله: (مع إمام عادل) بدل (وله)(٥٣)، قال في الوافي ص١٦٧: (قوله }: ((وله إمام عادل)) ليس في بعض الرِّوايات, ورواه العامَّة هكذا: وله إمام عادل أو فاجر)(٥٤).
وعن الصَّدوق عن محمَّد بن مسلم عن الباقر: ((تجب الجُمُعة على سبعة نفر من المسلمين، ولا تجب على أقلّ منهم، الإمام، وقاضيه، والمدَّعي حقَّاً، و المدَّعى عليه، والشَّاهدان، والَّذي يضرب الحدَّ بين يدي الإمام))(٥٥).
والأصل في الاشتراط هو الإمام، وإنَّما ذُكر هؤلاء تنبيهاً على سهولة اجتماع السَّبعة معه g عند بسط يده.
وهذه الرِّواية سمَّاها الحاجُّ آغا رضا [الهمدانيّ](٥٦) وغيره(٥٧) صحيحةً. ونقل مثلها في المستدرك(٥٨) عن كتاب العروس للشَّيخ الفقيه جعفر بن أحمد القمّيّ.
ونقل عن الدَّعائم: (تجب الجُمُعة على مَن كان منها على فرسخين إذا كان الإمام عادلاً)(٥٩).
ولعلَّ من جملة ما يدلَّ على اعتبار الإمام ما نقله عن كتاب العروس عن الصَّادق g: ((لا جمعة إلَّا في مصرٍ يقام فيه الحدود))(٦٠).
وقد عنون في المستدرك باب ٥ (اشتراط وجوب الجُمُعة بحضور السُّلطان العادل)(٦١) إلى آخره في قبال عنوان الوسائل حيث وسَّط لفظ (العدم)(٦٢).
وذكر في المستدرك في الباب المذكور عن الجعفريَّات(٦٣) والدَّعائم(٦٤) وكتاب العروس(٦٥) وغيرها(٦٦) ما يفيد عدم المشروعيَّة بدون إمام الأصل، أو الحرمة الذَّاتيَّة، ونقل ذلك وزاد عليه المرحوم الحاجُّ آغا رضا [الهمدانيّ](٦٧)، والمرحوم الحاجُّ الشَّيخ عبد الكريم اليزديُّ، ولا بأس بنقل نصِّ ما نقله وما عقَّبه، قال: (لكن هنا أخبار أُخر تدلُّ على أنَّ صلاة الجُمُعة وإقامتها من مختصَّات الإمام g، ولا تصحُّ إلَّا به أو مَن يكون نائباً عنه بالخصوص، ومن جهتها ذهب بعض العلماء إلى عدم مشروعيَّتها في زمن الغيبة، ونحن نذكر الأخبار المذكورة ثُمَّ نشير إلى الجمع بينها وبين الأخبار المصرِّحة بصحَّة إقامتها من غير الإمام أو نائبه، فنقول:
منها: الخبر المروي عن دعائم الإسلام عن عليٍّ g أنَّه قال: ((لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجُمُعة إلَّا للإمام أو مَن يقيمه الإمام))(٦٨).
والمروي عن كتاب الأشعثيَّات مرسلاً: ((إنَّ الجُمُعة والحكومة لإمام المسلمين))(٦٩).
وعن رسالة الفاضل ابن عصفور مرسلاً عنهم i: ((إنَّ الجُمُعة لنا، والجماعة لشيعتنا))(٧٠)، وكذا رُوي عنهم i: ((لنا الخمس، ولنا الأنفال، ولنا الجُمُعة، ولنا صفو المال))(٧١).
والنَّبويُّ: ((أربع إلى الولاة: الفيء، والحدود، والجُمُعة، والصَّدقات))(٧٢).
ونبويٌّ آخر: ((إنَّ الجُمُعة والحكومة لإمام المسلمين)) (٧٣).
وفي الصَّحيفة السَّجادية في دعاء الجُمُعة وثاني العيدين: ((اللَّهم إنَّ هذا المقام لخلفائك وأصفيائك ومواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة الَّتي اختصصتهم بها قد ابتزُّوها وأنت المقدِّر لذلك)) إلى أنْ قال g: ((حتّى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتَزِّين، يرون حكمك مبدّلاً)) إلى أنْ قال: ((اللَّهم العن أعداءهم من الأوَّلين والآخرين، ومَن رضي بفعالهم وأشياعهم وأتباعهم)) (٧٤).
وعن الجعفريَّات، بإسناده إلى عليِّ بن الحسين g، عن أبيه g، أنَّ عليَّاً g قال: ((لا يصحُّ الحكم ولا الحدود ولا الجُمُعة إلّا بإمامٍ))(٧٥)، وبهذا الإسناد أنَّ عليَّاً g سُئل عن الإمام يهرب ولا يخلِّف أحداً يصلِّي بالنَّاس، كيف يصلُّون الجُمُعة؟ قال g: ((يصلُّون كصلاتهم أربع ركعات))(٧٦).
وعن دعائم الإسلام عن جعفر بن محمَّد g أنَّه قال: ((لا جمعة إلَّا بإمام عدل تقيٍّ))(٧٧).
وعن عليٍّ g أنَّه قال: ((لا يصلح الحكم ولا الحدود إلا بإمام عدلٍ))(٧٨).
إلى أنْ قال: (والجمع بين الأخبار بحيث لا يخفى على المنصف أنَّ وجوب(٧٩) صلاة الجُمُعة على حسب الجعل الأوَّليّ مشروط بأنْ يقيمها النَّبيُّ e والخلفاء من بعده، فإذا دعوا إليها يجب السَّعي إليها إلَّا على مَن استثني في الأخبار، وفي زمن عدم حضورهم أو كونهم غير مبسوطي اليد يجب على النَّاس في يوم الجُمُعة صلاة أربع ركعات، وفي تلك الحالة إذا اجتمعوا للجمعة بالعدد المعتبر يصحُّ منهم الجُمُعة مع بقاء مشروعيَّة الظُّهر بإطلاق المادَّة، ونتيجته حينئذٍ التَّخيير(٨٠) بين الظُّهر والجُمُعة)(٨١)، انتهى.
قلت: لكن قوله في الجعفريَّات وفي الدَّعائم: (لا يصحُّ الحكم ولا الحدود ولا الجُمُعة إلا بإمام عدل أو تقيٍّ) يمنع من صحَّة الجُمُعة، ومع الأخذ به لا يتمُّ القول بالتَّخيير، ولا يمكن القول بأنَّ المراد هو إمام الجُمُعة؛ لأنَّه قرنه بالحكم وإقامة الحدِّ الَّذي يريد أنْ يجعله من مختصَّاته g.
[أدلَّة القول المشهور في نفي الوجوب التَّعييني لصلاة الجُمُعة]
ومن جملة ما استدلَّ به المرحوم الحاجُّ آغا رضا [الهمدانيّ] S للمشهور من نفي تعيُّن الجُمُعة ما ثبت من سقوطها عمَّن يكون على أزيد من فرسخين من محلِّ إقامتها، باعتبار أنَّه لو كان وجوبها متعيَّناً لوجب على أولئك إقامتها عندهم.
ولا يخفى: أنَّ لنا في المقام أحكاماً ثلاثة:
الأوَّل: صحَّة الجُمُعة إذا كان بينها وبين الأخرى فرسخ، يعني: ثلاثة أميال.
الثَّاني: وجوب حضور مَن كان على رأس فرسخين.
الثَّالث: السُّقوط عمَّن كان على أزيد من ذلك.
وهذه الأحكام الثَّلاثة منصوصة، فالَّذي يدلُّ على الأوَّل، بل الثَّاني أيضاً حسنة محمَّد بن مسلم عن أبي جعفر g، قال: ((يكون بين الجماعتين ثلاثة أميال، يعني لا تكون جمعة إلَّا فيما بينه وبين ثلاثة أميال، وليس تكون جمعة إلَّا بخطبة ـ قال g (٨٢)ـ فإذا كان بين الجماعتين [في الجُمُعة](٨٣) ثلاثة أميال فلا بأس أنْ يجمِّع هؤلاء ويجمِّع هؤلاء))(٨٤).
وموثَّقته أيضاً عنه g: ((تجب الجُمُعة على من كان منها على فرسخين، ومعنى ذلك إذا كان إمام عادل، وقال g: و(٨٥) إذا كان بين الجماعتين ثلاثة أميال فلا بأس أنْ يجمِّع هؤلاء ويجمِّع هؤلاء، ولا يكون بين الجماعتين أقلُّ من ثلاثة أميال))(٨٦).
وما يدلَّ على الثَّالث، بل الثَّاني أيضاً ما عن الفضل بن شاذان عن الرِّضا g: ((إنَّما وجبت الجُمُعة على من يكون على فرسخين لا أكثر من ذلك؛ لأنَّ ما يقصَّر فيه الصَّلاة بريدان ذاهباً، أو بريد ذاهباً وبريد جائياً، والبريد أربعة فراسخ، فوجبت الجُمُعة على من هو على نصف البريد الَّذي يجب فيه التَّقصير، وذلك أنَّه يجيء فرسخين ويذهب فرسخين، فذلك أربعة فراسخ، وهو نصف طريق المسافر))(٨٧).
وصحيحة محمَّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله g عن الجُمُعة فقال g: ((تجب على مَن كان منها على [رأس](٨٨) فرسخين، فإنْ زاد على ذلك فليس عليه شيء))(٨٩).
وما عن زرارة [قال: قال أبو جعفر g](٩٠): ((الجُمُعة واجبة على مَن إنْ صلَّى الغداة في أهله أدرك الجُمُعة، وكان رسول الله e إنَّما يصلِّي العصر في وقت الظُّهر في سائر الأيام كي إذا قضوا الصَّلاة مع رسول الله e رجعوا إلى رحالهم قبل اللَّيل، وذلك سنَّة إلى يوم القيامة))(٩١).
وليس الغرض من قوله: (أدرك الجُمُعة) ولا من قوله: (رجعوا إلى رحالهم قبل اللَّيل) هو التَّحديد بذلك على الدِّقة كي لا ينطبق على مَن كان بينه وبينها أربعة فراسخ؛ إذ لا يلزم من ذلك أنْ يكون وصوله عند إقامتها، بل الغرض أنَّه يصل ويدركها. نعم، ربّما كان سيره بطيئاً على وجه يضيق الحدُّ ما بين الغداة وبين صلاة الجُمُعة. نعم، بناءً على ذلك تكون الرِّواية مطلقةً أو مجملةً، ويتعيَّن الرُّجوع في شرحها إلى سابقتها الَّتي عيَّنت الفرسخين.
وقد استدلَّ على مذهب المشهور بالحكم الثَّاني، فإنَّه لو لم تكن تعيينيَّة الجُمُعة متوقِّفة على إقامة الإمام الأصليِّ لأمكن إقامتها بين الفرسخين، فلا يحتاجون إلى تكلُّف قطع الفرسخين.
وأجاب عنه باحتمال عدم تيسُّر الاجتماع أو عدم تيسُّر الإمام وإنْ كان هو إمام الجماعة، لا الأصليّ ولا نائبه الخاصّ.
كما أنَّه استدلَّ بالحكم الثَّالث وهو السَّقوط عمَّن بَعُد عنها بما يزيد على الفرسخين، وجعل الحمل على خصوص ما لم يتَّفق وجود إمام الجماعة أو ما لم يتَّفق وجود العدد من قبيل الحمل على النَّادر.
وتوضيح ذلك: أنَّه جعل الحكم الثَّاني ـ وهو لزوم حضور مَن كان على فرسخين ـ كاشفاً عن أنَّه ليس لأحدٍ عقدها وإلَّا كان لهم أنْ يعقدوها فيما زاد على الفرسخ، ولا يتكلّفوا الحضور إلى فرسخين.
وأجاب عنه بأنَّه إنَّما يلزم الحضور لو اتَّفق عدم وجود جمعة فيما قبله أو فيما بعده، فالحكم المذكور مفروض في هذه الصورة، أعني: صورة اتِّفاق عدم إقدام أحدٍ منهم على عقدها هناك فيما بينهم(٩٢).
قلت: ولكن يبقى الكلام في الحكم الأوَّل، وهو انعقاد الجُمُعتين وبينهما فرسخ، هل يكون ذلك بنصب وتعيين من الإمام، أو أنَّه يكون باختيار المجتمعين؟ ولا يبعد الأوَّل بقرينة قوله: (وليس يكون جمعة إلَّا بخطبة) بناءً على اختصاصها بالمنصوب لذلك.
نعم، ربَّما يستبعد النَّصب على رأس كلِّ فرسخ، ويدفعه: أنَّ ذلك اتِّفاقيٌّ ولو من جهة اتِّفاق تقارب البلدتين ونحو ذلك، فإنَّ هذا ـ وهو جواز اجتماع الجُمُعتين بينهما فرسخ ـ حكم كلِّيٌّ قانونيٌّ، ولا يلزم أنْ يكون غالبيَّاً، مع أنَّه لا مانع من كونه غالبيَّاً ليكون دفعاً لكُلفة النَّاس السَّعي بمقدار فرسخين.
وعلى أيِّ حالٍ ليس ذلك ـ أعني: انعقاد الجمعتين وبينهما فرسخ ـ من الأمور الرَّاجعة إلينا، بل هو راجع إليه g من ناحية تنصيب إمام الجماعة، إلَّا أنْ يكون المنصوب إماماً مطلقاً، بمعنى السَّيَّار ليصحَّ له عقدها أينما يحلّ.
ثُمَّ إنَّه جعل الحكم الثَّالث وهو السُّقوط عمَّن بعد عن الجُمُعة بما يزيد على الفرسخين دليلاً على عدم الانعقاد بدون نصب، ثُمَّ ذكر التَّأمُّل في ذلك، وأنَّ المنظور هو اتِّفاق عدم تيسُّر الاجتماع ولو لعدم وجود اللَّائق للإمامة، وأجاب بأنَّه نادر الوقوع(٩٣).
لا يقال: إنَّه بعد أنْ سقطت عنه الحركة إلى ما يزيد على الفرسخين إنْ كانت أُخرى قريبةً منه ولو بفرسخين وجب عليه السَّعي إليها، فلا يكون سقوط الحركة موجباً لسقوط الصَّلاة.
لأنَّا نقول: لا يصدق على مثل هذا أنَّه بعيد عن الجُمُعة بأزيد من فرسخين، فلا بدَّ أنْ يكون المنظور إليه هو إمكان أنْ يعقدها هو وجماعته، بل يمكن أنْ يقال: إنَّا لو قلنا بأنَّها يجوز لكلِّ أحد عقدها لم يكن لنا إلَّا اشتراط عدم الاجتماع بما يقلُّ عن الفرسخ بينهما، ولا يتصوَّر البعد عن محلِّ الجُمُعة؛ إذ لا يكون لها حينئذٍ محلٌّ مخصوصٌ، فلا يتصوَّر فرض البعد بأزيد من فرسخين إلَّا نادراً بأنْ يكون في محلٍّ لا جماعة فيه معه، أو لا يكون فيهم مَن هو قابل للقدوة، فتأمَّل.
والخلاصة هي: أنَّا لو قلنا بالوجوب العينيّ على كلِّ أحدٍ يتمكَّن من إقامتها ولو بالاجتماع مع أصحابه على رأس فرسخين من محلِّه الَّذي هو فيه كان سقوط الحركة عنه متوقِّفاً على عدم إمكان ذلك فيما يزيد على الفرسخين من جميع أطرافه المحيطة به، بأنْ نفرضه في وسط دائرة يكون قطرها زائداً على الأربعة فراسخ، ونفرض عدم إمكان الاجتماع في جميع تلك الدَّوائر، وهو بعيد جداً في البلاد والأراضي المسكونة، وكذلك الحال في وجوب السَّعي إليها لو انعقدت على فرسخين من محلِّه، فإنَّه يتوقَّف على عدم إمكان عقدها فيما دون ذلك ممَّا هو داخل في محيط دائرته، وهو أيضاً بعيد في المسكون من البلاد والأراضي، فلا وجه لما يظهر منه S من تسليم النُّدرة في الأوَّل دون الثَّاني، فلاحظ.
وعلى كلِّ حال، إنَّ هذا الشَّخص الَّذي هو في وسط دائرة قطرها أربعة فراسخ أو تزيد على أربعة فراسخ يكون وجوب السَّعي عليه في الفرسخين وعدمه فيما يزيد على القول بعدم الاختصاص بإمام الأصل أو منصوبه الخاصِّ مختصَّاً بما إذا لم يكن في تمام تلك الدَّائرة منصوبٌ خاصٌّ، ولم يمكنه انعقادها في تمام تلك الدَّائرة، وهو فرض بعيد، بخلافه على القول بالاختصاص، فإنَّه لا يتوقَّف إلَّا على عدم المنصوب الخاصِّ في تمام تلك الدَّائرة، وهو لا بُعد فيه، وحينئذٍ يكون المترجَّح هو القول بالاختصاص، وفي مسألة الفرسخين يتعيَّن عليه السَّعي في الفرسخين، وفيما لو زاد على الفرسخين لا إشكال في سقوط السَّعي إلى الجُمُعة المنعقدة فيما زاد، لكن هل يتعيَّن عليه صلاة الظُّهر أو يتخيَّر بينها وبين الجُمُعة إنْ أمكنه إقامتها؟ ولا يبعد الأوَّل استناداً إلى مثل قوله g في صحيحة محمَّد بن مسلم: ((فإنْ زاد على ذلك فليس عليه شيء))(٩٤)، انتهى. ولا أقلّ من أصالة عدم المشروعيَّة.
ومـن جـملة ما يستدلُّ بـه للمشهور في قبال دعوى الوجوب التَّعيينيّ علـى كـلِّ أحـدٍ وعدم الاختصاص بإمام الأصل أو نائبه الخاصّ ما ورد في أهل القرى من الرِّوايات، فمنها:
ما عن حفص بن غياث عن جعفر g عن أبيه g قال: ((ليس على أهل القرى جمعة، ولا خروج في العيدين))(٩٥).
وما عن طلحة بن زيد عن جعفر g عن أبيه g عن عليٍّ g قال g: ((لا جمعة إلَّا في مصرٍ تقام فيه الحدود))(٩٦).
[و](٩٧) محمَّد بن مسلم عن أحدهما g قال: سألته عن أُناس في قرية، هل يصلُّون الجُمُعة جماعة؟ قال g: ((يصلُّون أربعاً إذا لم يكن مَن يخطب))(٩٨).
[و](٩٩) الفضل بن عبد الملك، قال: سمعت أبا عبد الله g يقول: ((إذا كان قوم في قرية صلَّوا الجُمُعة(١٠٠) أربع ركعات، فإنْ كان لهم من يخطب بهم جمَّعوا إذا كانوا خمسة نفر، وإنَّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين))(١٠١).
[و] (١٠٢) موثَّقة ابن بكير، قال: سألت أبا عبد الله g عن قوم في قريةٍ ليس لهم من يَجْمَعُ بهم، أيصلُّون الظُّهر يوم الجُمُعة في جماعةٍ؟ قال g: ((نعم إذا لم يخافوا))(١٠٣).
وعن قرب الإسناد مثله، إلَّا أنَّه قال: ((إذا لم يخافوا شيئاً))(١٠٤).
أقول: وبإزاء هذا الخوف ما تضمَّنته رواية زرارة ـ وإنْ كانت في موردٍ آخر ـ قال: قلت لأبي جعفر g: على من تجب الجُمُعة؟ قال g: ((على سبعة نفر من المسلمين، ولا جمعة لأقلَّ من خمسة من المسلمين، أحدهم الإمام، فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمَّهم بعضهم وخطبهم))(١٠٥)، انتهى.
قال المرحوم الحاجُّ آغا رضا [الهمدانيّ] S بعد أنْ بيَّن فيما سبق من الكلام على أخبار الفراسخ سهولة وجود الخطيب، أو لزوم تعلم الخطابة ومن هنا يظهر صحَّة الاستدلال للمدَّعى بالأخبار النَّافية لوجوبها على أهل القرى إمَّا مطلقاً أو مع عدم مَن يخطب، قال: (إذ المراد بـ(مَن يخطب لهم) إمَّا المنصوب لذلك من قبل الوالي فيتمُّ المطلوب، أو مطلق مَن يقوم بهذه الوظيفة، لا مطلق مَن يقدر عليه، لما أشرنا إليه من أنَّ كلَّ مَن يقدر على الصَّلاة يتمكَّن على الإتيان بأدنى ما يجزئ من الخطبتين ـ إلى أنْ قال: ـ وأوضح منها دلالةً: رواية طلحة بن زيد، وكذا الرِّواية الأولى، وحملها على التَّقيَّة حيث إنَّ ذلك مذهب العامَّة ليس بأوْلى من تنزيلهما على الغالب من عدم وجود الإمام أو نائبه الَّذي يصلِّي الجُمُعة ويقيم الحدود إلَّا في الأمصار)(١٠٦)، انتهى.
قلت: قوله S: (فيتمُّ المطلوب) يعني: بطلان تعيُّن الجُمُعة عند عدم وجود إمام الأصل ونائبه الخاصّ، لكن ظاهر قوله g: (يصلُّون أربعاً إذا لم يكن من يخطب) هو تعيُّن الأربع، أعني: الظُّهر، لا التَّخيير بينها وبين الجُمُعة الَّذي هو مسلكه، كما هو الحال لو كان المراد هو مَن يقوم بالوظيفة ـ أعني الخطبة ـ تبرُّعاً مع فرض قدرته عليها، فإنَّه يتعيَّن الظُّهر عند عدمه حتى على مسلكه الَّذي هو التَّخيير، وهكذا الحال لو كان المراد مَن يقدر على الخطابة.
والحاصل: أنَّ عدم من يخطب يلائم القول بعدم مشروعيَّة الجُمُعة لو أخذ بالمعنى الأوَّل، ويلائم القول بالتَّخيير لو أخذناه بالمعنى الثَّاني، ويلائم القول بتعيُّن الجُمُعة لو أخذناه بالمعنى الثَّالث، وحيث إنَّ الأظهر هو المعنى الأوَّل يتعيَّن القول الأوَّل، ووجه الأظهريَّة: أنَّه قد فرضه إمام جماعة، ويبعد أنْ يكون متبرِّعاً بالخطبة أو غير قادر عليها.
ويؤيِّد ذلك: أنَّه عبَّر في موثَّقة ابن بكير بقوله: (ليس لهم مَن يجمع بهم) مع فرض السُّؤال عن صلاة الظُّهر جماعة، فإنَّه لا بدَّ أنْ يكون المراد من قوله: (ليس لهم مَن يجمع بهم) مَن هو موظَّف لذلك، لا مطلق العادل الَّذي يُقتدى به في الصَّلاة العاديَّة، ومن ذلك يظهر الكلام في موثَّقة ابن بكير، حيث إنَّ قوله: (ليس لهم مَن يجمع بهم) وإنْ كان يحتمل أنْ يكون المراد به المتبرِّع أو القادر ولو من ناحية الخطبة، إلَّا أنَّ الأظهر كون المراد به هو الموظَّف.
ثُمَّ بعد هذا يقع الكلام في قوله: (أيصلُّون الظُّهر يوم الجُمُعة)، وهل المراد به الظُّهر الحقيقيَّة، ويكون المسؤول عنه هو جواز إيقاعها جماعة، ويكون الجواب بـ(نعم) إذا لم يكن في اجتماعهم خوف عليهم من السُّلطان ولو من جهة عدم سعيهم إلى الجُمُعة الَّتي هي مفقودة فيما يقرب منهم، أو أنَّ المراد بالظُّهر في جماعة هو الجُمُعة، ويكون الجواب بـ(نعم) إذا لم يخافوا واضحاً، لكنَّه لا يدلُّ على التَّعيُّن؛ لجواز كون المسؤول عنه أصل الجواز، كما أنَّها على الوجه الأوَّل لا تدلُّ على تعيُّن الظُّهر؛ لجواز كون السُّؤال عن جواز الاجتماع في الظُّهر بعد سقوط تعيُّن الجُمُعة، سواءً كان ذلك موجباً لتعيُّن الظُّهر أو كونه واجباً تخييريَّاً.
ولكن لا يخفى أنَّا بعد أنْ استظهرنا من الظُّهر معناها الأصليّ، وأنَّ المراد ممَّن يجمع الموظَّف ـ كما صنعه المرحوم الحاجُّ آغا رضا [الهمدانيّ](١٠٧) ـ يكون الظَّاهر من السُّؤال أنَّ السَّائل قد فهم سقوط الجُمُعة وتعيُّن الظُّهر، وإنَّما يسأل عن جواز الاجتماع فيها، فتكون الرِّواية دالَّة على عدم مشروعيَّة الجُمُعة خلافاً لمسلكه S من الوجوب التَّخييريِّ، ويمكن القول بأنَّ الجُمُعة لو بقيت على التَّعيُّن أو كانت هي أحد فردي التَّخيير لكان على الإمام أنْ يعرَّفه بذلك.
قال الحاجُّ آغا رضا [الهمدانيّ]: (وعلى تقدير إرادة هذا الاحتمال تصير هذه الرِّواية من أدلَّة القول بجواز إقامتها بغير المنصوب، لا الوجوب)(١٠٨).
قلت: هذا إنْ حُمل السُّؤال عن الجواز.
والأوْلى أنْ يقال: إنَّ هذه الموثَّقة لا يمكن استظهار شيءٍ منها، فلا تصلح دليلاً للقول بالتَّعيين، ولا للقول بالتَّخيير، ولا للقول بعدم المشروعيَّة.
وأمَّا الكلام في أُوليي الرِّوايات ـ أعني: رواية حفص ورواية طلحة ـ فيحتمل فيهما التَّقيَّة، ويحتمل فيهما السُّقوط لعدم وجود الموظَّف هناك، ويحتمل السُّقوط لعدم مَن له أهليَّة الإمامة أو الخطابة، والأخير بعيد كبعد الأوَّل فيتعيَّن الثَّاني ـ وهو عدم وجود الموظَّف ـ بقرينة قوله: (إلَّا في مصرٍ تقام فيه الحدود) يعني: أنَّ الموظَّف إنَّما يوجد في الأمصار دون القرى، فتسقط الجُمُعة عن أهل القرى؛ لعدم وجود الموظَّف فيها، والظَّاهر من نفي الجُمُعة في قوله: (لا جمعة) هو نفيها بتاتاً، فيدلُّ على عدم المشروعيَّة، فيسقط القول بالتَّخيير كسقوط القول بالتَّعيين.
والأوْلى أنْ يقال: إنَّهما لا بدَّ من تقييدهما بما يستفاد من رواية ابن مسلم ورواية الفضل بعدم وجود مَن يخطب بأيِّ معنى أخذناه، ويكون التَّقييد المذكور هو المتعيّن لصناعة الإطلاق والتَّقييد؛ لسقوط الأصل الجهتيّ وتأخُّره عن الأصل المراديّ، وللعلم بسقوط الإطلاق إمَّا تقيَّةً أو تقييداً، ولقرينة التَّعليل المستفاد من التَّوصيف في قوله: (إلَّا في مصرٍ تقام فيه الحدود).
وعلى أيِّ حال تكون النَّتيجة هي: أنَّه لا جمعة عند عدم وجود مَن يخطب، وبعد تفسيره بالموظَّف لذلك يكون قوله: (لا جمعة) ظاهراً في نفي الصّحَّة، لا أنَّه لمجرَّد نفي تعيُّنها، كما هو مسلك القائلين بالتَّخيير، ومنهم المرحوم الحاجُّ آغا رضا [الهمدانيّ] S.
ومن جملة ما استُدلَّ به لردِّ القول بالتَّعيين رواية العلل والعيون وموثَّقة سماعة، قال المرحوم الحاجُّ آغا رضا [الهمدانيّ] S: (وممَّا يدلُّ عليه أيضاً الرِّوايات الدَّالَّة على أنَّ الصَّلاة ركعتين إنَّما هو فيما إذا كانت مع الإمام، الظَّاهرة أو الصَّريحة في إرادة مَن بيده الأمر [من الإمام](١٠٩)، لا ما يعمُّ إمام الجماعة، مثل: ما عن الصَّدوق في كتاب عيون الأخبار والعلل بإسناده، عن الفضل بن شاذان، عن الرِّضا g قال: ((فإنْ قال قائل: فلِمَ صارت صلاة الجُمُعة إذا كانت مع الإمام ركعتين، وإذا كانت بغير إمامٍ ركعتين وركعتين؟
قيل: لعللٍ شتَّى، منها: أنَّ النَّاس يتخطّون إلى الجُمُعة من بُعد، فأحبَّ الله عزَّ وجلَّ أنْ يخفِّف عنهم لموضع التَّعب الَّذي صاروا إليه، ومنها: أنَّ الإمام يحبسهم للخطبة وهم منتظرون للصَّلاة، ومَن انتظر الصَّلاة فهو في الصَّلاة في حكم التَّمام، ومنها: أنَّ الصَّلاة مع الإمام أتمُّ وأكمل؛ لعلمه وفقهه وعدله وفضله، ومنها: أنَّ الجُمُعة عيد، وصلاة العيد ركعتان ولم تقصر لمكان الخطبتين.
فإنْ قال: فلِمَ جعل الخطبة؟ قيل: لأنَّ الجُمُعة مشهدٌ عامٌّ، فأراد أنْ يكون للأميرـ كما عن العلل(١١٠) ـ [و](١١١) للإمام ـ كما عن العيون ـ سببٌ إلى موعظتهم، وترغيبهم في الطَّاعة، وترهيبهم من المعصية، وتوقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم ودنياهم، ويخبر[هم](١١٢) بمـا ورد عليهم من الآفاق من الأهوال الَّتي لهم فيها المضرَّة والمنفعة، ولا
يكون الصَّائر في الصَّلاة منفصلاً وليس بفاعل غيره ممَّن يؤمُّ النَّاس في غير يوم الجُمُعة.
فإنْ قال: فلِمَ جعل الخطبتين؟ قيل: لأنْ تكون واحدة للثناء على الله والتَّمجيد والتَّقديس لله عزَّ وجلَّ، والأخرى للحوائج، والإعذار، والإنذار، والدُّعاء، وما يريد أنْ يعلَّمهم من أمره ونهيه، وما فيه الصَّلاح والفساد))(١١٣).
في الوسائل قال: (قوله: وليس بفاعل غيره، غير موجود في عيون الأخبار)(١١٤).
أقول: وهو لا ينافي ظهور الخبر، بل صراحته ـ بعد التَّدبُّر في مجموع فقراتها ـ في أنَّ المقصود بالإمام فيه من له الأمر والنَّهي، لا مطلق مَن يؤمُّ النَّاس في سائر الأيَّام، كما لا يخفى على المتدبِّر)(١١٥).
قلت: مع أنَّ عدم وجود الجملة المذكورة في العيون لا ينافي وجودها في العلل، لكن كما تكون الرِّواية ردَّاً على مَن يقول بالتَّعيين وعدم الاشتراط بوجود الإمام أو نائبه، فكذلك تدلُّ على عدم قصرها عند عدمه.
وصدر الرِّواية ـ أعني: قوله g: (فإنْ قال قائل: فلِمَ صارت صلاة الجُمُعة إذا كانت مع الإمام ركعتين وإذا كانت بغير الإمام ركعتين وركعتين) ـ ظاهر في عدم قصرها إذا كانت بغير إمام، وأما بقيَّة الرِّواية فإنَّما ذكر لأجل الاستدلال به على أنَّ المراد من الإمام منها من له الأمر، لا من يعمُّ إمام الجماعة.
ومن تلك الأخبار: موثَّقة سماعة، قال: سألت أبا عبد الله g عن الصَّلاة يوم الجُمُعة، فقال g: ((أمَّا مع الإمام فركعتان، وأمَّا [لمَن](١١٦) صلَّى وحده فهي أربع ركعات وإنْ صلَّوا جماعة))(١١٧)
قال في الفقيه: وروى سماعة عنه ـ يعني الصَّادق ـ أنَّه قال: ((صلاة [يوم](١١٨) الجُمُعة مع الإمام ركعتان، فمَن صلَّى وحده فهي أربع ركعات))(١١٩)، انتهى. وليس فيها: (وإنْ صلَّوا جماعة).
نعم، قال في الكافي: (محمَّد بن يحيى) وساق السَّند، والحديث كما في الوسائل إلى قوله: (سألت أبا عبد الله g عن الصَّلاة يوم الجُمُعة) إلى قوله: (وإنْ صلَّوا جماعة)(١٢٠).
[وفي] موثَّقته الأخرى، قال: سألت أبا عبد الله g عن الصَّلاة يوم الجُمُعة، فقال g: ((أمَّا مع الإمام فركعتان، وأمَّا مَن صلَّى وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظُّهر، يعني: إذا كان إمام يخطب، فإنْ لم يكن إمام يخطب فهي أربع ركعات وإنْ صلَّوا جماعة))(١٢١).
الظَّاهر أنَّ هذا التَّفسير من الرَّاوي، وظنَّ صاحب الوسائل(١٢٢) والوافي(١٢٣) أنَّ المراد من قوله (يخطب) هو مَن يقدر على الخطبة، ليكون الحاصل هو أنَّهم وإنْ كانوا مع إمام في الصُّورتين إلَّا أنَّ إمامهم إنْ كان يقدر على الخطبة صلَّوها جمعة ركعتين، وإنْ كان لم يقدر على الخطبة صلَّوها ظهراً أربع ركعات.
وفيه: أنَّ قوله g: (وحده) في قبال قوله: (مع الإمام) هو المنشأ في جعلها ركعتين أو أربع ركعات، ولا تصحُّ هذه المقابلة، ولا يصحُّ انطباق قوله: (وإنْ صلَّوا جماعة) على مَن صلَّى وحده إلَّا إذا كان المراد من (وحده) هو الخلوّ عن إمام الأصل أو نائبه الخاصِّ وإنْ كانوا جماعة كثيرة العدد وقد ائتمّوا ببعضهم، ولعلَّه إليه الإيماء في قوله في رواية عمر بن حنظلة في القنوت يوم الجُمُعة: ((إذا صلَّيتم في جماعة ففي الرَّكعة الأولى، وإذا صلَّيتم وحداناً ففي الرَّكعة الثَّانية))(١٢٤)، وهذا هو المراد للرَّاوي بقوله: (ويعني: إذا كان إمام يخطب) إلى آخره، فإنَّ مراده بـ(يخطب) هو الموظَّف المنصوب للخطبة والصَّلاة، كما عرفت في أخبار القرية.
وبناءً على ذلك تكون الرِّوايتان كرواية العلل والعيون دليلاً على لزوم الأربع وعدم مشروعيَّة الجُمُعة مع عدم قيام إمام الأصل أو نائبه الخاصِّ بها، كما تدلُّ على عدم وجوبها التَّعيينيّ، فلاحظ.
ومن ذلك كلِّه يتَّضح لك المراد فيما نقله في الوافي(١٢٥) عن الفقيه(١٢٦) قال: قال أبوجعفر g: ((إنَّما وضعت الرَّكعتان اللَّتان أضافهما النَّبيُّ e يوم الجُمُعة للمقيم لمكان الخطبتين مع الإمام، فمَن صلَّى بقوم يوم الجُمُعة في غير جماعةٍ فليصلِّها أربعاً كصلاة الظُّهر في سائر الأيَّام)).
قال في الوافي: (بيان: أريد بالجماعة صلاة الجُمُعة مع الخطبة، ولها نظائر في أخبار هذا الباب)(١٢٧).
قلت: وحينئذٍ يكون حالها حال ما تقدَّم من الدَّلالة على تعيُّن الأربع مع عدم الإمام أو نائبه الخاصِّ وإنْ صلَّوها جماعةً، يعني قد اقتدوا ببعضهم.
والَّذي تلخَّص لك: أنَّ هذه الطَّوائف، أعني:
ما تقدَّم من الأخبار الدَّالَّة على أنَّ صلاة الجُمُعة من حقِّه g، وأنَّها لا تصحُّ بدونه، وهي كثيرة.
وما تقدَّم من أخبار الفرسخ والفرسخين وما يزيد على الفرسخين.
وما تقدَّم ممَّا ورد في أهل القرى.
وما تقدَّم من أنَّها مع الإمام ركعتان وبدونه أربع ركعا.
هذه الطَّوائف كلّها تدلُّ على نفي الوجوب التَّعيينيّ وعلى نفي الوجوب التَّخييريّ أيضاً، مضافاً إلى ما تقدَّم من الدَّليل العقليّ على عدم التَّكليف بالاجتماع فيها، سواء كان تعيينيَّاً أو كان تخييريَّاً.
ومع ذلك كلِّه فقد استدلُّوا بأخبارٍ واردة في مورد عدم بسط يد الإمام g زعموا دلالتها على الوجوب التَّخييريّ واستحبابها، بمعنى كونها أفضل فردي التَّخيير، فمن تلك الأخبار:
ما عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر g على مَن تجب الجُمُعة؟ قال g: ((تجب](١٢٨)
على سبعة نفرٍ من المسلمين، ولا جمعة لأقلَّ من خمسةٍ من المسلمين، أحدهم الإمام، فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمَّهم بعضهم وخطبهم))(١٢٩).
وعن زرارة أيضاً، قال: حثَّنا أبو عبد الله g على صلاة الجُمُعة حتَّى ظننت أنَّه يريد أنْ نأتيه، فقلت: نغدوا عليك؟ فقال g: ((لا، إنَّما عنيت عندكم))(١٣٠).
لكنَّه لم يظهر من زرارة أنَّه عمل بذلك الحثِّ مع قرب العهد، كما يستفاد من قوله: (نغدوا عليك).
[و](١٣١) ما عن الصَّدوق في أماليه في الصَّحيح عن الصَّادق g، قال: ((أُحبُّ للمؤمن أنْ لا يخرج من الدُّنيا حتَّى يتمتَّع ولو مرَّةً، ويصلِّي الجُمُعة ولو مرَّةً))(١٣٢)، ورواها أيضاً الشَّيخ في مصباح المتهجِّد بسنده إلى ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن الصَّادق g، ولكنَّه قال: ((وأنْ يصلِّي الجُمُعة في جماعة))(١٣٣).
[و](١٣٤) رواية زرارة، عن عبد الملك، عن أبي جعفر g، قال g: ((مثلك يهلك(١٣٥) ولم يصلِّ فريضةً فرضها الله تعالى))، قال: قلت كيف أصنع؟ قال: ((صلُّوا جماعةً، يعني صلاة الجُمُعة))(١٣٦).
قلت: وكأنَّها تومئ إلى رواية الصَّدوق الَّذي جعلها مثل المتعة.
[و](١٣٧) عمر بن حنظلة، قال: قلت لأبي عبد الله g: القنوت يوم الجُمُعة؟ فقال g: ((أنت رسولي إليهم في هذا، إذا صلَّيتم في جماعةٍ ففي الرَّكعة الأولى، وإذا صلَّيتم وحداناً ففي الرَّكعة الثَّانية))(١٣٨).
قلت: وكأنَّ الوحدان هنا هو المذكور في موثَّقة سماعة من قوله g (وأمَّا مَن صلَّى وحده)، وكان (الجماعة) هنا هي المراد بها فيما تقدَّم عن الفقيه من قوله g: ( فمَن صلَّى بقوم يوم الجُمُعة في غير جماعة، يعني صلاة الجُمُعة) كما تقدَّم فيما بيَّنه صاحب الوافي بقوله: (وله نظائر في أخبار هذا الباب)، انتهى.
وأنت بعد اطِّلاعك على هذه الأخبار دعْ عنك ما ذكرناه من حكم العقل بامتناع كلٍّ [من](١٣٩) الوجوب التَّعيينيّ والتَّخييريّ، وقابل بين هذه الأخبار وبين تلك الطَّوائف، الدَّالّ كلّ طائفةٍ منها على نفي المشروعيَّة، ونفي الوجوب التَّعيينيّ والتَّخييريّ فترى التَّعارض بينهما تعارض التَّباين، وحينئذٍ لا تجد من نفسك بحسب ما عرفت في باب التَّراجيح إلَّا تقديم تلك الطَّوائف الدالَّة على عدم المشروعيَّة، وحينئذٍ تكون في غنىً عن أصالة عدم المشروعيَّة، ولو تساهلت في ذلك فلا أقلَّ من التَّساوي والتَّساقط، والرُّجوع إلى ما تقدَّم ذكره من الأصول.
لا يقال: بعد التَّساقط يكون المرجع هو المطلقات السَّابقة، أو يقال: إنَّ الرِّوايات الأربع مقدَّمةٌ على تلك الطَّوائف؛ لأنَّها موافقةٌ للسُّنَّة الَّتي هي المطلقات.
لأنَّا نقول: إنَّ تلك الطَّوائف الأربع يستفاد منها حكمان:
الأوَّل: هو عدم تعيُّن الجُمُعة في زمان الغيبة.
والثَّاني: هو عدم مشروعيَّتها.
والأخبار الأربعة إنَّما تدلُّ على وجوب الجُمُعة تخييراً أو على استحبابها، فلا تكون معارضة للحكم الأوَّل الَّذي أفادته الطَّوائف الأربع، وإنَّما تعارض الحكم الثَّاني الَّذي أفادته الطَّوائف المذكورة، وهو عدم مشروعيَّة الجُمُعة، وبعد التَّساقط لا يمكن الرُّجوع إلى الأخبار المطلقة؛ لأنَّها قد تقيَّدت بالحكم الأوَّل الَّذي أفادته الطَّوائف الأربع.
ولو أنكرنا تعدُّد الحكم والدَّلالة في الطَّوائف الأربع وقلنا: إنَّ مفادها حكم واحد، وهو: تعيُّن الظُّهر، فإنْ قدَّمناها على الأخبار الأربعة الدَّالَّة على وجوب الجُمُعة تخييراً فهو المطلوب، ولو لم نقل بذلك وقلنا بالتَّساقط لم يمكن الرُّجوع إلى المطلقات القائلة بتعيُّن الجُمُعة؛ لاتفاقها على نفيه، فإنَّ الأخبار الأربعة بواسطة دلالتها على الوجوب التَّخييريّ بين الجُمُعة والظُّهر تنفي تعيُّن الجُمُعة، وكذلك الطَّوائف الأربعة؛ فإنَّها بواسطة دلالتها على تعيُّن الظُّهر تنفي تعيُّن الجُمُعة، وحينئذٍ تكون المطلقات ساقطة؛ لاشتراكهما في نفي مفاد تلك المطلقات، فتدخل المسألة في اتِّفاق المتعارضين في الدَّلالة الالتزاميَّة على نفي الثَّالث.
ولو قلنا بدلالة بعض الأخبار الأربعة، مثل قوله g: (أمَّهم بعضهم) إلى آخره على تعيُّن الجُمُعة لكانت معارضة للحكم الأوَّل الَّذي أفادته الطَّوائف الأربعة، فلو تساهلنا وقلنا بعدم تقدَّم ما أفادته الطَّوائف من الحكم الأوَّل، بل قلنا بالتَّساقط لم يمكن الرُّجوع إلى المطلقات لتقييدها بالحكم الثَّاني الَّذي أفادته تلك الطَّوائف.
نعم، لو كان طرف المعارضة للرِّواية المذكورة هو تمام ما يستفاد من الطَّوائف الأربعة من مجموع الحكمين، إمَّا من جهة أنَّ قوله g: (أمَّهم بعضهم) في دلالته على تعيُّن الجُمُعة يكون معارضاً لكلا الحكمين المستفادين من الطَّوائف الأربعة، أعني: عدم تعيُّن الجُمُعة وعدم مشروعيَّتها، وإمَّا من جهة أنَّ المستفاد من مجموع الطَّوائف الأربعة حكم واحد، وهو تعيُّن الظُّهر ليكون حاصل الطَّوائف الأربعة هو تعيُّن الظُّهر، وحاصل قوله g: (أمَّهم بعضهم) هو تعيُّن الجُمُعة، كان المرجع بعد التَّساقط هو الأخبار المطلقة، لكن قد عرفت المنع من التَّكافؤ، وأنَّ المقدَّم هو الطَّوائف الأربع.
وهذا الإشكال إنَّما يجري في خصوص مثل قوله g: (أمَّهم بعضهم) بتوهُّم استفادة تعيُّن الجُمُعة منه، أمَّا باقي الرِّوايات الأربع فلا يجري فيها هذا التَّوهم؛ إذ لو تمَّت حجِّيَّتها ودلالتها لم يكن يستفاد منها إلَّا الاستحباب والوجوب التَّخييريّ حتَّى روايتي زرارة وعبد الملك.
وعلى كلِّ حالٍ، إنَّ الَّذي ينبغي هو التَّعرض لكلِّ واحدةٍ من تلك الرِّوايات الأربع، ولمقدار دلالتها، وما يكون موقفها من الطَّوائف الأربع، فنقول بعونه تعالى:
أمَّا رواية زرارة المتضمِّنة لقوله: (حثَّنا أبو عبد الله g) فالَّذي يظهر من قوله g: (إنَّما عنيت عندكم) أنَّه إجازة خاصَّة له ولأصحابه في إقامتها في بلادهم ولو على نحو الوجوب التَّخييريّ الاستحبابيّ الَّذي يكشف عنه أنَّه لم ينقل أنَّهم أقاموها، لا قبل هذه الإجازة ولا بعدها، وإذا فتحنا هذا الباب في هذه الرِّواية أمكننا فتحه في رواية عبد الملك، بل في غيرها من باقي الرِّوايات الأربع.
وتوضيح ذلك هو: أنَّه قد نقل المحقِّق القمِّيُّ S عن العلَّامة في النِّهاية أنَّه بعد نقل الإجماع على اشتراط الإذن قال: (هذا في حال حضوره، أمَّا في حال الغيبة فالأقوى أنَّه يجوز لفقهاء المؤمنين إقامتها؛ لقول زرارة: (حثَّنا أبو عبد الله)، الحديث، وقول الباقر لعبد الملك: (مثلك يهلك)، الحديث. ومنع جماعة من أصحابنا؛ وذلك لفقد الشَّرط، والباقر والصَّادق h لمَّا أذنا لزرارة وعبد الملك جاز؛ لوجود المقتضي، وهو إذن الإمام g)(١٤٠)، انتهى.
وإنَّما نقلت ذلك لئلا يكون هذا الَّذي ذكرته من حمل الرِّواية المذكورة على هذا المعنى ـ أعني: الإجازة الخاصَّة ـ مستبشعاً.
وغرضه S من ذلك هو الإذن الخاصَّة لزرارة، فيدخل في النَّائب الخاصّ وليس ذلك الصَّادر منه g من قبيل الحكم الكلِّيّ، فهو نظير ما لو سُئل عن مجهول المالك، فقال: (تصرَّفْ فيه) في كونه إجازة خاصَّة، لا حكماً كـلِّـيَّـاً.
ومن ذلك يظهر لك: التَّأمُّل فيما أفاده في الجواهر بقوله: (وأظرف شيءٍ دعوى احتمال خبري زرارة وعبد الملك الإذن لهما بالخصوص في إمامة الجُمُعة مع عدم الإشعار فيهما بشيء من ذلك، بل ظاهرهما خلاف ذلك)(١٤١)، انتهى، فلاحظ تمام كلامه.
وعلى كلٍّ، لا بُعد في ذلك الَّذي أشار إليه العلَّامة S ، بل لا بُعد في حمل جميع ما صدر عنهم i على الإجازة الخاصَّة والقضيَّة الخارجيَّة، كما ستعرفه إنْ شاء الله تعالى، ومنه يظهر لك: التَّأمُّل فيما أفاده في الجواهر في ذيل عبارته المذكورة بقوله: (كدعوى) إلى آخره.
ثُمَّ إنَّ الإذن الخاصَّ لزرارة (تارةً) يكون عبارة عن نصبه لإقامة الجُمُعة، فيكون هو الخطيب والإمام والسَّائق للنَّاس إلى الاجتماع والائتمام، و(تارةً) يكون عبارة عن كونه منصوباً للتَّصدِّي لحصول إقامتها ولو بأنْ تكون وظيفته جمع النَّاس وتعيين الخطيب والإمام منهم، ويكون هو ـ أعني: زرارة هو ـ الآمر له بالخطبة والتَّقدم في الصَّلاة، وهو أيضاً الآمر للنَّاس بحضور خطبته والاقتداء به في صلاته، كلُّ ذلك تخلُّصاً عن كون النَّاس هم المأمورين بالاجتماع في الصلاة الَّذي تقدَّم فيه الإشكال العقليّ، وكلُّ هذا الَّذي ذكرناه في رواية زرارة المتضمِّنة لقوله: (حثَّنا) جارٍ بلا تفاوتٍ في رواية عبد الملك المتضمِّنة لقوله g: (مثلك يهلك) إلى آخره، أمَّا حمل هاتين الرِّوايتين على الحضور في جماعة المخالفين، فبعيدٌ جدَّاً.
ويمكن أنْ ينزَّل على ذلك رواية الصَّدوق في الأمالي من قوله g: (أُحبُّ للمؤمن أنْ لا يخرج من الدُّنيا حتَّى يتمتَّع ولو مرَّةً ويصلِّي الجُمُعة ولو مرَّةً)، وتكون موافقةً لصدر رواية عبد الملك، غايته أنَّ عبد الملك أبدى حيرته في الحصول على صلاة الجُمُعة، فإنَّها مع هؤلاء باطلة، ومع مَن يكون منَّا متوقِّفة على النَّصب، فالإمام g فتح له باب الحيرة. ونصبه نظير قولك لمَن هو غير مستطيع: (مثلك يترك الحجَّ) فيقول: (لا أستطيع)، فتقول: (خذ هذا المال وحجَّ به) فتفتح له باب الحجِّ، ويكون غرضك من عتابه على ترك الحجِّ هو التَّوصُّل به إلى هذه الغاية، أعني فتح باب الاستطاعة له، غايته أنَّ هذا التَّعقيب حصل من المخاطب في رواية عبد الملك، لكنَّه لم يحصل من المخاطب في رواية الصَّدوق، فتركه الإمام g.
بل يمكن أنْ ينزَّل عليه رواية عمر بن حنظلة عن الصَّادق g المتضمِّنة لقوله g: (أنت رسولي إليهم في هذا)، فإنَّا لو أغضينا النَّظر عن أنَّ قوله g: (إذا صلَّيتم في جماعةٍ ففي الرَّكعة الأولى) لا يدلُّ على مشروعيَّة كلِّ جمعة لهم، بل أقصى [ما](١٤٢) فيه هو: أنَّ القنوت في الجُمُعة يكون في الرَّكعة الأولى منها، أمَّا إحراز مشروعيَّتها موكول إلى أدلَّة أخرى.
نقول: لو أغضينا النَّظر عن ذلك أمكننا تنزيلها على الإجازة الخاصَّة، فكأنَّه g كان قد صدرت هذه الجملة منه بعد صدور إذن خاصٍّ لهم، ويكون الضَّمير في قوله: (أنت رسولي اليهم) راجعاً إلى جماعة يكونون هم محلَّ السُّؤال، أمَّا حمل رواية ابن حنظلة على الصَّلاة في جماعة المخالفين فبعيد جدّاً، بل المتعيَّن هو ما ذكرناه من عدم التَّعرُّض لمشروعيَّة الجُمُعة أو جعلها من قبيل الإذن الخاصّ.
لكنَّ صاحب الجواهر S أشار إلى الرِّوايات الواردة عنهم i حال قصور أيديهم في كيفيَّة الخطبة، والقنوت، والصَّلاة، والعدد، والقراءة، والمزاحمة، وإدراك الرَّكعة، وإدراك التَّشهُّد، وكيفيَّة القنوت، خصوصاً خبر عمر بن حنظلة منها وذكره، ثُمَّ أفاد ما حاصله: (أنَّ المراد منها بيان ذلك للرّواة وتعليمهم حال التَّمكُّن من فعلها مع عدم التَّقيَّة، ومع فرض الحرمة في زمن الغيبة الَّذي منه قصور اليد تكون النُّصوص خاليةً من الثَّمرة المعتدِّ بها، بل ربَّما كان تركها حينئذٍ أوْلى من وجودها، خصوصاً المشتمل منها على ما ينافي التَّقيَّة كخبر الخطبة والقنوت وغيرهما، ولولا خوف الملل بالإطناب لذكرناها مفصَّلةً، وسيمرُّ عليك في أثناء مباحث الباب جملةً وافرةً منها، وذكر بعض الاحتمالات في بعضها لا ينافي الظُّهور، كما أنَّه لا ينافي القطع الحاصل بملاحظتها تماماً)(١٤٣) إلى آخر ما أفاده S.
أقول: أمَّا دعوى القطع، فذلك خارج عن الاستدلال.
وأمَّا دعوى الظُّهور فهو أوَّل الكلام، كما عرفته في خبر ابن حنظلة، وقِسْ عليه الكلام في غيره، وأغلبها أجوبة لسؤال السَّائلين ولا بدَّ له g من الجواب، ولعلَّه لا يمـكـنـه الـجـواب بـأنَّـه لا فــائـدة لـك فـي هـذا السُّـؤال لأنّـَها غـيـر مشروعـة في حقِّـك؛ لأنَّ يدي غير مبسوطة في إقامتها ونحو ذلك من الأجوبة.
وبالجملة: إنَّ المقامات مختلفة، ومع انسداد جميع الطُّرق ينفتح باب المعارضة للطَّوائف الأربعة، وهي المقدِّمة، فلاحظ وتأمَّل .
ولا يشكل على هذه الطَّريقة بأنَّه بعد الإذن الخاصَّ تكون إقامة الجُمُعة واجبةً عيناً؛ لإمكان الجواب عنه بأنَّه لم يكن إلَّا على نحو الاستحباب وأفضل الأفراد، كما هو ظاهر الرِّوايات المذكورة صدراً وذيلاً من قوله: (حثَّنا)، وقوله: (مثلك يهلك ولا يصلِّي الجُمُعة)، ومثل قوله: (ولو مرَّةً واحدةً).
بل يمكن أنْ ينزَّل على ذلك ما أمر به الباقر g لزرارة في روايته الأُخرى ولو بأنْ يكون صدر الرِّواية وهو قوله g: (ولا جمعة لأقلَّ من خمسة، أحدهم الإمام) حكماً كلِّيَّاً، ويكون المراد من الإمام فيه هو إمام الأصل أو نائبه الخاصّ، لكن يكون المراد من قوله g: (فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمَّهم بعضهم وخطبهم) قضيَّة خارجيَّة، والمنظور بها هم الشِّيعة في ذلك العصر، ويكون ذلك منه g إذناً خاصَّاً بهم بأنْ يختاروا مَن يخطب بهم ويؤمُّهم، ويكون ذلك الَّذي يختارونه هو الجامع والسَّائق والخطيب والإمام، كلُّ ذلك مختصٌّ بهم، فلا تشمل القضيَّة مَن يوجد بعد ذلك ممَّن تأخَّر عن عصره g، وهذه الخصوصيَّة من صدور الإجازة إنَّما هي من الباقر والصَّادق h، فإنَّ هذه الرِّوايات الأربع عنهما h، فلعلَّ عصرهما كان فيه بعض السُّهولة من الظَّالمين فأحبَّا أنْ ينال بعض شيعتهما ذلك الثَّواب، فأذنا له إذناً خاصَّاً بهم مقيَّداً بعدم الخوف، وهذا كلُّه ناشئ عن كون إقامتها من حقوقهم الخاصَّة، فلهم الإجازة ولهم المنع، ولهم التَّرخيص في التَّرك، كما ورد عن أمير المؤمنين g من الرُّخصة في تركهما في يوم العيد المصادف يوم الجُمُعة لمن صلَّى العيد مع بسط يده g الموجب في حدِّ نفسه لتعيُّن الجُمُعة.
ولا يخفى أنَّا لو أغضينا النَّظر عن ذلك، وأغضينا النَّظر عن احتمال كون قوله: (فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمَّهم بعضهم وخطبهم) من كلام الصَّدوق ـ كما احتمله بعضهم مدَّعياً أنَّ هذا دأبه في إدراج فتواه في ذيل الرِّواية(١٤٤) ـ ويؤيِّده التَّعبير بالفاء الدَّالّ على أنَّه ليس من الإمام g؛ إذ ليس شأنه التَّفريع، مضافاً إلى عدم حسنه هنا؛ لأنَّه عين الجملة الأولى، ويمكن تأييده أيضاً بالتَّقييد بعدم الخوف مع فرض أنَّه لم يكن موجوداً في الجمل السَّابقة، فكأنَّ الصَّدوق قد أخذه من أدلَّة أُخرى كالتَّقيَّة ونحوها.
ومع قطع النَّظر عن هذه التَّأييدات نقول: لا أقلَّ من الاحتمال المحتاج إلى ما يدفعه، ففي المستند بعد أنْ ذكر أنَّ المراد بالبعض هو الإمام الَّذي ذكره بقوله: (أحدهم الإمام)، وأنَّه لو لم يكن ظاهراً في إمام الأصل يكون محتملاً له قطعاً، قال: (مضافاً إلى احتمال كون الذَّيل من كلام الصَّدوق)(١٤٥)، انتهى.
قلت: ولا يندفع هذا الاحتمال إلَّا بالقطع بالعدم؛ إذ ليس هو من قبيل احتمال الغلط كي يجري الأصل في عدمه، وأقصى ما في البين هو ظهور كونه من جملة الرِّواية، ولا دليل على حجِّيَّة هذا الظُّهور، فتأمَّل. لم يكن بدٌّ من حمل (الإمام) في صدر الرِّواية على إمام الأصل أو نائبه ليكون ذلك هو المراد بقوله: (بعضهم)، وحينئذٍ تخرج الرِّواية عما نحن بصدده.
أمَّا لو منعنا من ذلك، وقلنا بأنَّ المراد من (بعضهم): مطلق البعض، وأنَّ المراد من الإمام مطلق مَن يؤتمّ به، لا خصوص الأصل أو المنصوب، كانت الرِّواية من أدلَّة الوجوب التَّعيينيّ في مورد عدم وجود إمام الأصل أو نائبه الخاصّ، فتكون معارضةً لما أفادته الطَّوائف الأربع من تعيُّن الظُّهر وسقوط الجُمُعة وعدم مشروعيَّتها، والمقدَّم هو تلك الطَّوائف، كما عرفت تفصيل ذلك فيما سبق، فلاحظ.
وقد ظهر لك من جميع ما حرَّرناه أنَّه لو أسقطنا دلالة الأخبار الأربعة على التَّخيير والمشروعيَّة كانت الطَّوائف الأربع حاكمةً بعدم المشروعيَّة من باب الدَّليل الاجتهاديّ، لا من باب أصالة عدم المشروعيَّة، وكذلك الحال لو قدَّمنا الطَّوائف الأربع على الأخبار الأربعة، بل وكذلك الحال لو قلنا بالتَّعارض والتَّساقط مع ما تدلُّ من الأخبار الأربعة على الاستصحاب، فإنَّ المرجع حينئذٍ هو ما دلَّ عليه المتعارضان من عدم تعيُّن الجُمُعة، ويبقى الشَّكُّ المردَّد بين تعيُّن الظُّهر والتَّخيير بينها وبين الجُمُعة، والمحكَّم هو الاحتياط بتعيُّن الظُّهر، لا أصالة عدم مشروعيَّة الجُمُعة.
وأمَّا لو كان دالَّاً على الوجوب مثل قوله g: (أمَّهم بعضهم)، انتهى، فبعد التَّساقط يكون المرجع هو الإطلاقات الأوَّليَّة القائلة بتعيُّن الجُمُعة.
وبالجملة: لا يكون لنا مورد يكون الحكم فيه هو أصالة عدم مشروعيَّة الجُمُعة، فلاحظ وتأمَّل.
مضافاً إلى أنَّه لو وصلت النَّوبة إلى الشَّكِّ في مشروعيَّة العبادة كان الشَّكُّ في مشروعيَّتها كافياً في الحكم ببطلانها من دون حاجة إلى التَّمسُّك بأصالة عدم المشروعيَّة، بل يكون التَّمسُّك به في المقام من قبيل الإحراز التَّعبُّدي لما هو محرز بالوجدان.
ولم يبق في المقام إلَّا دعوى كون الفقيه في عصر الغيبة منصوباً لها بأدلَّة الولاية، وفيه ما فيه ممَّا حُقِّق في محلِّه من عدم تماميَّة تلك الولاية إلَّا في الفتوى والحكم مطلقاً، أو في خصوص التَّرافع والتَّخاصم، دون مثل إقامة الحدود وإقامة الجُمُعة، وغير ذلك من وظائفهم .
ولو قلنا بأنَّه منصوب لها، فليس له أنْ ينصّب غيره لإقامتها، كما يقال في إقامة الحدود وحفظ الثُّغور، كما صدر عن بعض العلماء في نصب بعض السَّلاطين لذلك؛ إذ لو سلَّمنا أنَّه منصوب للجُمُعة، فليس له أنْ ينصِّب لها غيره، كما في القضاء، فإنَّ المجتهد وإنْ كان منصوباً منهم لذلك، لكنَّه ليس [له] (١٤٦) أنْ ينصِّب غيره ممَّن لا يكون مجتهداً إلَّا بدعوى تخويل أمر الجُمُعة إليه، فله أنْ يقيمها بنفسه أو ينصِّب من قِبله مَن يقيمها، وهو في غاية البعد، ولكنَّك قد عرفت: أنَّه قد حُقِّق في محلِّه: أنَّ أدلَّة ولاية المجتهد قاصرة عن الشُّمول لإقامة الجُمُعة فضلاً عن تخويل النَّصب إليه.
والحَمد لله رَبِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على خير خلقه محمَّد وآله الطَّاهرين. قد تمَّ ذلك في ليلة الثُّلاثاء ١٨ من شهر رمضان المبارك ١٣٧٧.
حرَّره الأقلّ حسين الحلّيّ
القول في ولاية الفقيه على إقامة الجُمُعة في عصر الغيبة(١٤٧)
لا يخفى أنَّا لو قلنا بأنَّ للفقيه عقد الجُمُعة لم يتوجَّه عليه الإشكال السَّابق الوارد على القول بالتَّعيين أو التَّخيير مع عدم النَّصب من كون صلاة كلٍّ من المأمومين مع الباقين متقدِّمةً في الرُّتبة على نفسها، أمَّا بالنِّسبة إلى الفقيه المفروض كونه هو الإمام في الجُمُعة فلما عرفت من أنَّ وجوب الصَّلاة عليه مشروط بلحوقهم، وعليهم مشروط بفعليَّة صلاته، فلا تكون صلاة كلٍّ منهم سابقةً في الرُّتبة على صلاة الآخر، بل أقصى ما في البين هو كون العنوان المنتزع من لحوقهم به شرطاً في وجوب الصَّلاة عليه، ونفس صلاته شرطٌ في وجوب الصَّلاة عليهم، فكان العنوان المنتزع من لحوقهم سابقاً في الرُّتبة على صلاته، وصلاته سابقةٌ في الرُّتبة على صلاتهم، وبالآخرة يكون العنوان المنتزع من لحوقهم بالإمام سابقاً في الرُّتبة على نفس صلاتهم، وهذا لا ضير فيه؛ إذ ليس من قبيل تقدُّم الشَّيء على نفسه رتبةً.
وأمَّا المأمومون فيما بينهم فلا يتوجَّه الإشكال أيضاً؛ إذ ليسوا مكلَّفين بالاجتماع، وإنَّما الفقيه لكونه منصوباً هو المكلَّف بجمعهم، فلا يكون كلُّ واحدٍ منهم مأموراً إلَّا بحضوره بنفسه وبصلاته مقتدياً مع الإمام، فلو حضر الجُمُعة وكبَّر الإمام ودخل معه ثلاثة وانصرف الرَّابع كان عاصياً؛ لأنَّه مأمور بالاقتداء، ولكنَّ انصرافه موجب لانكشاف الخطأ في صدور الأمر من ذلك الفقيه لكلِّ واحدٍ منهم بالحضور والاقتداء؛ لأنَّ ذلك الأمر منه إنَّما ينفذ منه إذا كان له السُّلطة على إحضار تمام العدد للصَّلاة والاقتداء، وليس ذلك من قَبيل انكشاف عدم الوجوب على كلٍّ من الباقين على وجه يكون بقاء ذاك معهم شرطاً في وجوب الصَّلاة على كلِّ واحدٍ منهم ليعود المحذور.
ثُمَّ لا يخفى: أنَّ القول بكون الوجوب تخييريَّاً في قبال عدم المشروعيَّة على وجهين:
الأوَّل: دعوى كون الأصل هو الوجوب التَّخييريّ، وإنَّما يتحقَّق التَّعيين بأمرِ الإمام أو نائبه الخاصّ، وهو الَّذي يظهر من شيخنا S في وسيلته(١٤٨).
الثَّاني: دعوى كون الأصل هو التَّعيُّن، ويسقط عند عدم نفوذ الإمام أو نائبه الخاصّ.
وعلى كلا الاحتمالين يكون أمر الفقيه بناءً على شمول ولايته لها موجباً لتعيُّنها في قبال الأصل الَّذي هو التَّخيير على الأوَّل، أو إبقاءً على الأصل في قبال الطَّارئ بناءً على الوجه الثَّاني.
نعم، بناءً على عدم المشروعيَّة في زمان الغيبة يكون ما دلَّ على نصب الفقيه لها ـ لو تمَّت دلالته ـ قابلاً للوجهين ـ أعني: التَّعيين والتَّخيير ـ نظير ما ذكرناه في الإجازة الخاصَّة لزرارة وعبد الملك، ولعلَّ ما عن المحقِّق الثَّاني S من أنَّ التَّخيير في إقامتها مختصٌّ بالفقيه(١٤٩) مبنيٌ على هذا الوجه، أعني: عدم المشروعيَّة عند عدم الإذن، ومع فرض كون الفقيه مأذوناً يكون ذلك على نحو التَّخيير، وحينئذٍ يكون التَّخيير في زمان الغيبة مختصَّاً بإقامة الفقيه لها، لكن ذلك ـ أعني: كون الرُّخصة تخييريَّة ـ خلاف الظَّاهر؛ فإنَّ تلك الأدلَّة لو تمَّت دلالتها على سلطة الفقيه لإقامتها توجب جعله منصوباً لها من قبلهم ، وذلك قاض بوجوبها عيناً ما لم يدلّ دليل على التَّخيير.
ثُمَّ إنَّ البحث عن سلطنة الفقيه في عصر الغيبة على إقامتها إنَّما هو تابع لسعة ولايته وضيقها وما هو المستفاد من أدلَّتها، وهل ذلك مقصور على الحكم وفصل الخصومات، أو يشمل الحكم في الأهلَّة، أو يشمل الحكم فيما يعود إلى مصالح عامَّة المسلمين فيحكم بوجوبه، أو مفاسدهم فيحكم بحرمته؟
ثُمَّ بعد التَّوسعة في ناحية الحكم نقول: هل له السَّلطنة على الأمور الحسبيَّة كالتَّصرُّف في أموال الغُيَّب، ومجهول المالك، وأموال القاصرين، والوقف العامّ أو الوقف المنحلّ التَّولية، وغير ذلك ممَّا يعود إلى الحسبة؟
ثُمَّ بعد التَّوسعة إلى ذلك نقول: هل له السَّلطنة على إقامة الحدود والجُمُعة؟
منع ذلك في السَّرائر أشدّ المنع، فراجعه في آخر كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(١٥٠).
ثُمَّ بعد ذلك نقول: هل له السَّلطنة على حفظ النِّظام في البلاد ولو بواسطة القوَّة القاهرة لو تمكَّن منها، كما هو الشَّأن في أفعال السَّلاطين، إلى غير ذلك ممَّا وقع الكلام في سلطنة الفقيه في عصر الغيبة عليه؟
واللَّازم قبل كلِّ شيء هو ذكر الأخبار الَّتي استُدلَّ بها لعموم ولاية الفقيه في عصر الغيبة، وهي أوَّلاً ما عن أمالي الصَّدوق وغيره.
١ـ أمالي الصَّدوق وغيره: ((إنَّ العلماء ورثة الأنبياء، إنَّ الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورَّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر))(١٥١).
٢ ـ الغوالي عنه h: ((الفقهاء أُمناء الرُّسل ما لم يدخلوا في الدنيا))(١٥٢).
٣ ـ تحف العقول عن الحسين بن عليٍّ h: ((مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه))(١٥٣).
٤ ـ المرسل في المكاسب: ((علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل)) (١٥٤).
٥ ـ جامع الأخبار عنه h أنَّه h قال: ((أفتخر يوم القيامة بعلماء أمّتي فأقول علماء أمّتي كسائر الأنبياء قبلي))(١٥٥).
٦ ـ نهج البلاغة: ((أوْلى النَّاس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به))(١٥٦).
٧ ـ في البحار عن الأمالي وغيرها عنه h أنَّه قال: ((اللهم ارحم خلفائي ثلاثاً، قيل: يا رسول الله ومَن خلفاؤك؟ قال h: ((الَّذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنَّتي))(١٥٧).
٨ ـ ((إنَّهم حُكَّام على الملوك، والملوك حُكَّام على الناس)) عن كنز الكراجكيّ(١٥٨).
٩ ـ ((إنَّهم كفلاء لأيتام آل محمد h))(١٥٩)، والمراد من الآل الأئمَّة i، والمراد باليُتم: يُتم العلم، لا يُتم الأبوين.
١٠ ـ ((إنَّهم حصون الإسلام))(١٦٠).
١١ ـ ((إنَّ فضلهم على النَّاس كفضل النَّبيِّ e على أدناهم))(١٦١).
١٢ ـ المشهور: ((إنَّ السُّلطان وليُّ مَن لا وليَّ له))(١٦٢).
١٣ـ عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله g عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السُّلطان وإلى القضاة أيحلُّ ذلك؟ قال g: ((من تحاكم إليهم في حقٍّ أو باطلٍ فإنَّما تحاكم إلى الطَّاغوت، وقد أمروا أنْ يكفر به)). قلت: كيف يصنعان؟ قال g: ((ينظران [إلى](١٦٣) مَن كان منكم ممَّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإنِّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنَّما استخفَّ بحكم الله، وعلينا ردَّ، والرَّادُّ علينا الرَّادٌّ على الله، وهو على حدِّ الشِّرك بالله))، الحديث(١٦٤).
١٤ـ التَّوقيع المبارك: عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمَّد بن عثمان العمريّ أنْ يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ، فورد التَّوقيع بخطِّ مولانا صاحب العصر والزَّمان l: ((أمَّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبَّتك ـ إلى أنْ قال: ـ وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنَّهم حجَّتي عليكم وأَنَا حجَّة الله، وأمَّا محمَّد بن عثمان العمري ـ فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل ـ فإنَّه ثقتي، وكتابه كتابي))(١٦٥).
١٥ـ وأمَّا رواية أبي خديجة فقد ذكرها في الوسائل في باب الرُّجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الحديث من الشِّيعة ـ وهو الباب الحادي عشر ـ بهذا السَّند وبهذه الصُّورة: محمَّد بن الحسن، بإسناده عن محمَّد بن عليِّ بن محبوب، عن أحمد بن محمَّد، عن الحسين بن سعيد، عن أبي الجهم، عن أبي خديجة، قال: بعثني أبو عبد الله g إلى أصحابنا، فقال: قُلْ لهم: ((إيَّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شيء من الأخذ والعطاء أنْ تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفُسَّاق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فإنِّي قد جعلته عليكم قاضياً، وإيَّاكم أنْ يخاصم بعضكم بعضاً إلى السُّلطان [الجائر](١٦٦)))(١٦٧).
وقال في الوسائل في الباب الأوَّل من أبواب القضاء:
١٦ـ محمَّـد بـن عـليِّ بـن الـحسـين، بإسـناده عـن أحمـد بـن عائـذ، عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمَّال، قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمَّد الصَّادقg: ((إيَّاكم أنْ يُحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجلٍ منكم يعلم شيئاً من قضايانا، فاجعلوه بينكم، فإنِّي قد جعلته قاضياً، فتحاكموا إليه))(١٦٨).
ورواه الكُلينيُّ عن الحسين بن محمَّد، عن معلَّى بن محمَّد، عن الحسن بن عليِّ، عن أبي خديجة مثله، إلَّا أنَّه قال: ((شيئاً من قضائنا))، انتهى ما عن الوسائل(١٦٩).
تعرَّض المرحوم الحاجُّ ملا عليّ كنيّ S للإشكال في سند رواية عمر بن حنظلة وسند رواية أبي خديجة في قضائه ص١٨(١٧٠).
ولا يخفى أنَّ ما عدا التَّوقيع المبارك والمقبولة والمشهورة أجنبيٌّ عمَّا نحن بصدده من ولاية الفقيه في عصر الغيبة، بل هي في مقام فضل العلماء، وأنَّهم بمنزلة أنبياء بني إسرائيل في العلم بالله تعالى، أو المنزلة عند الله تعالى، وأنَّهم أُمناء الرُّسل في الأحكام، وأنَّهم ورثة علم الأنبياء، إلى غير ذلك من الصِّفات الجليلة، ولأجل ذلك يكون الأقرب ـ كما في بعض الرِّوايات ـ أنْ يكون المراد بذلك خصوص الأئمَّة i، وممَّا يشهد بذلك قوله g في رواية تحف العقول: ((مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه)) بعد فرض عدم إرادة خصوص علماء وقته، ولا خصوص علماء عصر الغيبة؛ لبعد كلٍّ منهما، بل ولا الأعمّ منهما؛ لأنَّ ذلك كالأوَّل موجب لخروجه g، فلا بدَّ أنْ يكون المراد منه هو شخصه g وغيره من أئمَّة الهدى i.
مضافاً إلى قرب كون المراد من (مجاري الأمور) هو الأمور الحسبيَّة الَّتي لا بدَّ فيها من الجريان دون مثل الحدود وإقامة الجُمُعة.
وهكذا الحال فيما عن نهج البلاغة من قوله g: ((أوْلى الناس بالأنبياء أعلمهم بأحكامهم)) فإنَّ الأعلم لا يكون إلَّا واحداً، وهو منحصر في عصره بشخصه g وبأولاده من بعده.
[إلَّا أنَّه](١٧١) يُشكل الأمر في عصر الغيبة، فلا بدَّ أنْ يكون المراد هو إمام العصر l، غايته أنَّ النَّاس منعوه من التَّصرُّف.
والأوْلى أنْ يقال: إنَّ المراد بالأولويَّة هنا هو الرُّجوع إليه في بيان الأحكام بقرينة قوله g: (أعلمهم بأحكامهم).
وهكذا الحال فيما عن الأمالي، فإنَّ قوله h ـ في جواب (ومن خلفاؤك)؟ ـ: ((الَّذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنَّتي))(١٧٢) فإنَّهم هم المراد بالخلفاء المذكورين.
ولو سلَّمنا انطباق ذلك على غيرهم فالمراد بكونهم خلفاء له هو أنَّهم يبيِّنون أحكامه h.
وهكذا الحال في الدَّالِّ على أنَّهم كفلاء لأيتام آل محمد h.
وأمَّا قوله في رواية كنز الكراجكيّ: ((إنَّهم حُكَّام على الملوك، والملوك حُكَّام على النَّاس)) فهي على الخلاف أدلُّ؛ لأنَّ معنى كون العلماء حُكَّاماً على الملوك هو أنَّهم يعرِّفونهم الأحكام، والملوك يتولّون إجراءها على النَّاس.
ومن جميع ذلك يظهر لك الحال فيما هو المشهور من (أنَّ السُّلطان وليُّ من لا وليَّ له)، فإنَّه لو تمَّ سنداً فلا دلالة فيه على أزيد من ولاية السُّلطان على مَن يحتاج إلى الولاية، ومن الواضح أنَّ ذلك لا ربط له بفقيه الغيبة، إلَّا بدليلٍ ينزِّله منزلة السُّلطان في ذلك، وعلى تقديره فهو إنَّما يدلُّ على الولاية على مَن لا وليَّ له، فيختصُّ بالأمور الحسبيَّة، ولا يشمل إقامة الحدود والجمع وسد الثُّغور، ونحو ذلك من وظائف السُّلطان. وهذا تمام الكلام فيما عدا المقبولة والمشهورة والتَّوقيع المبارك.
أمَّا الكلام في هذه الثَّلاثة(١٧٣):
فالَّذي يظهر ممَّا لخَّصه شيخنا S عن الشَّيخ S أنَّه قد اعتمد في الولاية العامَّة للفقيه في عصر الغيبة على التَّوقيع المبارك(١٧٤)، ويتلخَّص ما أفاده في وجه ذلك في أمور أربعة، حرَّرها عنه شيخنا S فيما نقله عنه المرحوم الشَّيخ موسى [الخونساري] في تقريره ص ٣٢٦ (١٧٥).
الأوَّل: إطلاق الحوادث الشَّامل لمطلق الوقائع.
الثَّاني: إرجاع نفس الحوادث، لا حكمها.
الثَّالث: التَّعليل بكونهم حجَّة من قِبله g، كما أنَّه g حجَّة من قِبل الله، فيكونون بمنزلته، إلَّا فيما أخرجه الدَّليل الدَّالُّ على أنَّه من مختصَّاته g.
الرَّابع: أنَّ إسحاق السَّائل في التَّوقيع المبارك لا يسأل عن الواضح لديه، وهو الرُّجوع إليهم في الفتوى أو في خصوص القضاء، فإنَّ هناك أمراً آخر فوق ذلك، وهو النِّيابة العامَّة لشخص خاصٍّ، فكان إسحاق يحتمل أنْ يكون g قد عيَّن له نائباً خاصَّاً للنِّيابة العامَّة، ولأجل ذلك سأل فأجيب بالرُّجوع إليهم في ذلك، انتهى ملخَّصاً عمَّا لخَّصه شيخنا S.
ولكن شيخنا S منع من هذه الاستظهارات؛ فإنَّها مخدوشة قابلة للمنع غير صالحة لأنْ تكون موجبةً للظهور وخروج الوقائع عن الإجمال، وإرجاع نفس الحوادث عبارة عن إرجاعها من ناحية حكمها، وكونهم حجَّةً من قِبله g وأنَّه g حجَّة من قِبل الله تعالى لا يقتضي أزيد من كون(١٧٦) بيانه قاطعاً للعذر، والسُّؤال عن المرجع في الأحكام ليس ببعيد إذا كان المنظور هو الغيبة الصُّغرى؛ إذ من الممكن أنْ يكون لبعض العلماء في ذلك العصر خصوصيَّة توجب تعيُّنه عنده g للمرجعيَّة.
ولكن شيخنا S قد اعتمد في الولاية العامَّة على المقبولة القائلة: ((جعلته حاكماً)) فإنَّ الحاكم أوسع من القاضي، وهو الوالي، فيكون للفقيه في عصر الغيبة شؤون الوالي، وذلك هو النِّيابة العامَّة، ولا ينافيه ما في المشهورة من جعله قاضياً؛ لكونهما روايتين، فلا تكون الثَّانية قرينة على التَّصرُّف في الأولى، كما أنَّ خصوصيَّة المورد وهو القضاء لا ينافيه؛ لإمكان الأخذ بعموم الحاكم من جهة أنَّ الحكومة بإطلاقها تشمل كلا الوظيفتين. انتهى، فراجع تحريرات الآملي ص ٣٣٦ من ج ٢(١٧٧).
قلت: ولعلَّ ذلك مأخوذ ممَّا أفاده الشَّيخ S في وجه دلالة المقبولة على ذلك، فراجع قوله: (فيدلُّ عليه ـ مضافاً إلى ما يستفاد من جعله حاكماً كما في المقبولة الظَّاهر في كونه كسائر الحُكَّام المنصوبة في زمان النَّبيِّ e .. إلى قوله: وإلى ما تقدَّم من قوله g:
(مجاري الأمور .. إلى قوله: ـ التَّوقيع)(١٧٨)، إلى آخره.
قلت: لا يخفى أنَّ المستفاد ممَّا أفاده S في تقسيم المنصوبين في الخلافة إلى والٍ وقاضٍ وإمام الجُمُعة أنَّ هذه الوظائف متباينة، ولو ضُمَّت إلى الأخرى يكون صاحب ذلك من قبيل ذي الوظيفتين، وربَّما كان أصيلاً في إحداهما ووكيلاً أو نائباً مؤقَّتاً عن الآخر في الأخرى.
ولو سلَّمنا العموم بحيث كانت وظيفة الحاكم شاملةً للاثنين أو الثَّلاثة فقوله g في مقام فصل الخصومة: (جعلته حاكماً) لا يفيد إلَّا أنَّه قاضٍ، كما عبَّر به في الرِّواية الأخرى، ولا أقلَّ من الشَّكِّ في الشَّمول، ولا أظنُّ ذلك ـ أعني: كون الحاكم بمعنى الوالي ـ إلَّا من قبيل القياس على ما في الدَّولة الإيرانيَّة من تسميتهم الوالي حاكماً، مع أنَّه مختصٌّ بالولاية ولا يشمل القضاء وإقامة الجُمُعة إلَّا بإعطاء سلطة واسعة له تكون شبيهة بالاستقلال الإداريِّ على وجه هو يُنصِّب القاضي ويُنصِّب إمام الجُمُعة، أو هو يقوم بنفسه في جميع هذه الوظائف.
نعم، يمكن أخذ الحاكم بمعناه اللُّغوي الأصلي، أعني: الآمر والمسيطر، فلو أمر المدَّعى عليه بالتَّسليم وجب عليه ذلك، ولو أمر بشيء في ما يتعلَّق بالأمور الحسبيَّة وجب ذلك، كما أنَّه لو أمر بإقامة الجُمُعة وجبت، ولو أمر بإقامة الحدِّ وجب، إلى غير ذلك من الشُّؤون العامَّة والخاصَّة، ولكن لو أمر لوجب، لا أنَّه يجب عليه الأمر.
وحينئذٍ تكون النَّتيجة أنَّه مخيَّر في إقامة الجُمُعة، ومع ذلك لو أقامها لا تجب على الآخرين؛ لأنَّ إقامته لها لمّا كان بنحو التَّخيير كان ذلك ـ أعني: التَّخيير منه ـ جارياً في
حقّ الآخرين الَّذين هم غير مَن حضر عنده ممَّن تقام به الجُمُعة عدداً.
ويكون الحاصل: أنَّه يجب إطاعته فيما يأمر به، فيشتمل ذلك الأمر بإقامة الحدود والأمر بإقامة الجُمُعة.
إلَّا أنْ يقال ـ كما هو غير بعيد ـ بأنَّهما خارجتان عن ذلك بالدَّليل الدَّالِّ على أنَّهما من مختصَّات الإمام g أو نائبه الخاصَّ المنصوب من قبله لهما، وبناءً على هذه الطَّريقة يسهل الأمر في قيامه بالأمور الحسبيَّة من دون حاجةٍ إلى دعوى كونها من شؤون القضاء الَّذي لا إشكال في ثبوته له بمقتضى كلٍّ من المقبولة والمشهورة، بل والتَّوقيع المبارك بناءً على شموله لمورد التَّخاصم، ولو منعنا من شمول الحكومة للأمور الحسبيَّة ومن كونها من توابع القضاء فلا أقلَّ من احتمال كونها له على نحو الاختصاص في قبال كونها لكافَّة المسلمين، فيدور الأمر فيها بين التَّعيين والتَّخيير، ولا شبهة حينئذٍ في تعيُّنه؛ للشَّكِّ في نفوذ تصرُّف غيره بعد فرض كون المسألة ممَّا يكون التَّصرُّف فيها لازماً، فلاحظ وتدبَّر.
والخلاصة هي: أنَّ قيامه بفصل الحكومة هو بنفس دلالة المقبولة والمشهورة، وأمَّا قيامه بالأمور الحسبيَّة فبتبع القضاء وفصل الخصومة إنْ قلنا بالتَّبعيَّة وأنَّ الأمور الحسبيَّة من شؤون القضاء، وحينئذٍ يكون له الاحتساب بمقتضى ما في المشهورة: (جعلته قاضياً) فلا يتوقَّف على التَّمسُّك بما تضمَّنته المقبولة من قوله g: (جعلته حاكماً).
ولو منعنا من ذلك بدعوى: أنَّ القاضي غير المحتسب، وأنَّ الاحتساب وظيفة أخرى، التجأنَا إلى ما في المقبولة من جعله حاكماً مسيطراً وناهياً وآمراً، فهل حينئذٍ يقتصر على مجرَّد الأمور الحسبيَّة الَّتي لو لم يَقم بها كان على المسلمين القيام بها؛ إذ لا بُدّ من إجرائها، أو نتوسَّع فيه إلى مثل الحدود والجُمُعة ونحوها ممَّا لو لم يقم بها لم تكن حاجة إلى إجرائها؟
ولا يبعد الأوَّل، أعني: أنَّ جعله حاكماً مسيطراً إنَّما هو في خصوص الأمور الَّتي لا بدَّ من إجرائها، كفصل الخصومات والتَّصرُّف في أموال مَن لا وليَّ له، أو أموال الغُيَّب، ونحو ذلك ممَّا لا بدَّ من إجرائه، دون ما يكون من وظائف السَّلاطين والأمراء الَّتي قامت الأدلَّة على أنَّها من مختصَّاته g أو نائبه الخاصِّ المنصوب من قِبله g لإقامتها، فلا يشملها الدَّليل القائل: (جعلته آمراً عليكم).
ويمكن أنْ يؤيَّد ذلك، بل يُستدلُّ عليه بقوله g في رواية تحف العقول: (مجاري الأمور والأحكام على يد العلماء، فإنَّهم الأمناء على حلاله وحرامه)، انتهى، بناءً على أنَّ المراد من (العلماء) هم غيرهم i عند عدم تصرُّفهم ، فيشمل زمان الغيبة، وأنَّ المراد من (الأمور) هو: الأمور الَّتي لا بدَّ من جريانها، كالأمور الحسبيَّة، ويكون محصَّله: أنَّ ما لا بدَّ من إجرائه من التَّصرُّفات يكون مجراه على يد العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه، وكذلك الحكم بين المتخاصمين، وحينئذٍ تكون (الأحكام) عطفاً على (المجاري)، لا على (الأمور)، فيدلُّ حينئذٍ على ولاية المجتهد في الأمور الحسبيَّة كما يدلُّ على نفوذ قضائه، ولو شُكَّ في ذلك بأنْ احتمل سيطرة المجتهد على أزيد من ذلك جرت أصالة عدم السَّيطرة وعدم السَّلطنة عليه، أو عدم النُّفوذ في تصرُّفه، أو عدم المشروعيَّة، ولو شُكَّ في الدَّرجة الثَّانية ـ وهي الأمور الحسبيَّة ـ كان الأمر بالعكس، أعني: أصالة العدم فيما لو صدرت من غيره، بخلاف ما لو صدرت منه.
والخلاصة هي: أنَّا لو نظرنا إلى المقبولة المتضمِّنة لقوله g: (فقد جعلته حاكماً) وقسنا ذلك إلى ما تقدَّم من الرِّوايات القائلة: (لا يصلح أو لا يصحُّ الحكم ولا الحدود ولا الجُمُعة إلَّا للإمام أو مَن يقيمه الإمام) لحصل لنا الجزم بأنَّ الحكم المجعول للفقيه في المقبولة هو الحكم الَّذي نفته تلك الرِّوايات عن غير الإمام ومَن نصبه، ولا شكَّ في أنَّه مقابل للجمعة والحدود، ويبقى الكلام في اختصاصه بفصل الخصومة أو هو الأعم منه بنحو يشمل كلّ حكم صادر منه ولو في غير الخصومة، فيدخل فيه الأمور الحسبيَّة بأنْ يقال: إنَّ الحاكم هو المشرِف والمسيطِر والملزِم، ونحو ذلك من عبائر السُّلطة الَّتي لا تشمل الوظائف المختصَّة بالإمام مثل إقامة الحدود والجُمَع، وحينئذٍ تدخل فيه الأمور الحسبيَّة، لكنَّه لا يختصُّ بما لا بدَّ من إجرائه، بل يشمل ما يكون الإقدام عليه لأجل مصلحة الغائب أو الصَّغير، وحينئذٍ يتوافق ذلك مع قوله g: (مجاري الأمور) بناءً على عدم اختصاصه بما لا بدَّ من إجرائه.
ومن ذلك تعرف: أنَّا لو لم نجزم بأنَّ المراد بالحاكم هو الشَّامل لما ذكر، بل قلنا بأنَّ المراد منه أو القدر المتيقَّن منه هو القاضي، وقلنا بأنَّ ذلك لا يدخل في وظيفة القضاء كان قوله g: (مجاري الأمور) إلى آخره كافياً في رجوع الأمور الحسبيَّة إلى الفقيه، ومع الشَّكِّ يسقط ما هو قابل للتَّأخير، وينحصر الإشكال فيما لا بدَّ من إجرائه، وحينئذٍ يدور الأمر فيه بين تعيُّن الفقيه أو كونه مشاركاً في ذلك لكافَّة العدول، واللَّازم هو الأوَّل، كما عرفت.
ثُمَّ لا يخفى: أنَّه لو تمَّت دلالة المقبولة على الولاية العامَّة لكان مقتضاها هو وجوب ذلك على الفقيه، فيجب عليه القيام بتلك الولاية من إقامة الجُمُعة والحدود، وغير ذلك، لا أنَّ ذلك راجع إليه إنْ شاء نهض بها أو شاء لم ينهض، كما يظهر ممَّا أفاده شيخنا S في أواخر ص ٣٣٧ إلى ص ٣٣٨ (١٧٩).
اللهم إلَّا أنْ يخرَّج جعل الولاية له على ما تقدَّم ذكره من جعل الأمر له، فله حينئذٍ أنْ يأمر بإقامة الجُمُعة، بمعنى: أنَّه لو أمر لوجب إطاعته، لا أنَّه يجب عليه أنْ يأمر، فلاحظ وتأمَّل.
وعلى كلِّ حال، إنَّ هذا ـ أعني: ولاية الفقيه في الأمور الحسبيَّة، وما هو مقدارها، وما هو الدَّليل عليها ـ كلام وقع في البين، وهو موكول إلى محلِّه من مباحث الولاية، وعمدة همِّنا إنَّما هو ما كنَّا فيه من عدم الدَّليل على مشروعيَّة صلاة الجُمُعة في زمان الغيبة، وأنَّ أدلَّة النِّيابة مثل المقبولة والمشهورة وغيرها من التَّوقيع المبارك وغيره لم تكن وافيةً في نصب الفقيه لإقامتها، كما وأنَّ ما دلَّ على عدم مشروعيَّتها مثل قوله g: (لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجُمُعة إلَّا للإمام أو مَن يقيمه الإمام)، وغير ذلك من الأدلَّة السَّابقة ـ أعني: تلك الطَّوائف الأربع ـ باقٍ بحاله لم يحصل ما هو حاكم عليه من أدلَّة نصب الفقيه بالنِّسبة إلى خصوص الجُمُعة وإقامة الحدود ونحوها، فلاحظ وتأمَّل.
والحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِين، والصَّلاة والسَّلام على خَيْر خَلْقِه مُحَمَّد وآله الطَّاهِرِين.
الخميس ٢٧ رمضان المبارك ١٣٧٧
حرّره الأقلّ حسين الحلّيّ
المصادر
القرآن الكريم
(١) أرَّخ المصنِّف S هذا المقطع من البحث بـ : (الأحد ٢ رمضان المبارك ١٣٧٧).
(٢) أورد المصنِّف S في هامش الصَّفحة الأولى العبارة التَّالية: (وعن أبي حنيفة: لا تنعقد الجمعة إلَّا بإذن السُّلطان، نقل ذلك عنه في الصَّلاة من فقه المذاهب ص ٢٩١، ونقل عنه في كتاب (رحمة الأمة) المطبوع على هامش ميزان الشَّعرانيّ ص ٨١، وفي الميزان ص ١٨٨، وفي البداية لابن رشد ج ١
ص ١٥٤).
(٣) لاحظ: جامع المقاصد: ٢/ ٣٦٧.
(٤) أصول الفقه: ٧/ ٢٨٦.
(٥) أرَّخ المصنِّف S هذا المقطع من البحث بـ : (الثُّلاثاء ٤ رمضان المبارك ١٣٧٧).
(٦) سورة النساء: ٥٩.
(٧) لاحظ: منية الطالب: ٣/ ٣١١.
(٨) العروة الوثقى (المحشَّاة): ٣/ ١١٩ ـ ١٢٠.
(٩) المصدر السابق: ١٢٠، الحاشية رقم ١.
(١٠) المصدر السابق: ١١٩، الحاشية رقم ٣.
(١١) ما بين المعقوفين من المصدر.
(١٢) كتاب الصَّلاة: ٢/ ٣٥٣ ـ ٣٥٤.
(١٣) ما بين المعقوفين من المصدر.
(١٤) ما بين المعقوفين من المصدر.
(١٥) ما بين المعقوفين من المصدر.
(١٦) في المصدر: (نيَّة الإمام الفرادى في صلاته) بدل (نيَّة الانفراد).
(١٧) جواهر الكلام: ١٣/ ٣٤٧.
(١٨) لاحظ: كتاب الصلاة (تقرير بحث النائيني) للكاظمي: ٢/ ٣٧٠.
(١٩) لاحظ: نهاية الدراية: ١/ ٣٢٠، هامش (١).
(٢٠) في الأصل (فإنَّ) والصَّحيح ما أثبتناه.
(٢١) انظر: مستمسك العروة الوثقى: ٧/ ١٧٩.
(٢٢) سورة الجمعة: ٩.
(٢٣) (أحد) لم ترد في المصدر.
(٢٤) الكافي: ٢/ ١٨، باب دعائم الإسلام، ح١.
(٢٥) في المخطوطة: (شريعتها)، وما أثبتناه هو الصَّواب.
(٢٦) وسيلة النَّجاة: ٢٥٨.
(٢٧) لاحظ: المحاسن: ١/ ٢١٦ ح ١٠٤، بصائر الدرجات: ٥٨ ـ ٥٩، الكافي: ١/ ٢١٠ باب أنّ أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمّة i.
(٢٨) ما بين المعقوفين من المصدر.
(٢٩) كشف اللِّثام: ٤/ ٢٠٧.
(٣٠) وسائل الشِّيعة: ٢٧/ ٦٢، باب وجوب الرجوع في جميع الأحكام إلى المعصومين i.
(٣١) ما بين المعقوفين من المصدر.
(٣٢) في المصدر: (أو).
(٣٣) جواهر الكلام: ١١/ ١٦٨.
(٣٤) مصباح الفقيه: ١٤/ ٦٨.
(٣٥) هذا في الطَّبعة الحجريّة، وأمَّا في الطَّبعة الحديثة ففي: ٣/ ٥٢٦.
(٣٦) لاحظ: رسائل الشهيد الثاني (رسالة الحث على صلاة الجمعة): ١/ ٢٥٤، الشهاب الثاقب في وجوب الجمعة العيني (الفيض الكاشاني): ١٦.
(٣٧) هو قوله تعالى في سورة البقرة ٢٣٨: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّـهِ قَانِتِينَ﴾.
(٣٨) سورة المنافقون: ٩.
(٣٩) سورة الطَّلاق: ١٠ ـ ١١.
(٤٠) مجمع البيان:١٠/ ٤٩.
(٤١) ما بين المعقوفين من المصدر.
(٤٢) تهذيب الأحكام: ٣/ ٢١، ح٧٧.
(٤٣) وسائل الشيعة: ٧/ ٢٩٥، باب وجوبها على كلِّ مكلَّف إلَّا الهرم، والمسافر، والعبد، والمرأة والمريض، والأعمى، ومَن كان على رأس أزيد من فرسخين.
(٤٤) لاحظ: مصباح الفقيه: ٢/ ق٢/ ٤٤٠.
(٤٥) تهذيب الأحكام: ٣/ ٢٣٩، ح٦٣٦.
(٤٦) تهذيب الأحكام: ٣/ ٢٣٨، ح٦٣٣.
(٤٧) المصدر والموضع نفسه: ح٦٣٤.
(٤٨) انظر: مصباح الفقيه: ١٤/ ٧٢ ـ ٧٥.
(٤٩) في المصدر: (موتي).
(٥٠) مناهج الأحكام في مسائل الحلال والحرام: ٢٨.
(٥١) مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل: ٦/١٠، ح٦٢٩٦.
(٥٢) عوالي اللَّئالي العزيزيَّة: ٢/ ٥٤، ح١٤٦، وفيه: (ولهم إمام عادل) خلافاً لما نقله في المستدرك.
ومن الجدير بالذكر: أنّه قد اختُلف في اسم الكتاب فسمّاه بعضهم (غوالي اللَّئالي) بالإعجام، وبعضهم سمّاه (عوالي اللَّئالي) بالإهمال.
(٥٣) حكاه في مستدرك الوسائل: ٦/ ١١.
(٥٤) هذا في الطَّبعة الحجريّة، وأمَّا في الطَّبعة الحديثة ففي: ٨/ ١١٢٥.
(٥٥) تهذيب الأحكام: ٣/٢٠، ح٧٥، وفيه: (الحدود) بدل (الحدّ)، لاحظ: من لا يحضره الفقيه: ١/ ٤١٣ ح ١٢٢٤ باختلافات متعدّدة يسيرة.
(٥٦) مصباح الفقيه: ٢/ ق٢/ ٤٣٩.
(٥٧) لاحظ: ذخيرة المعاد (ط. ق): ١/ ق٢/ ٢٩٩، الحاشية على مدارك الأحكام: ٣/ ١٤٥، ١٥١، مصابيح الظلام في شرح مفاتيح الشرائع: ١/ ٣١١، مستند الشيعة: ٦/ ١٦.
(٥٨) مستدرك الوسائل: ٦/ ١١، ح٦٢٩٧.
(٥٩) دعائم الإسلام: ١/ ١٨، مستدرك الوسائل: ٦/ ١٢، ح٦٣٠٢، وفيهما: (عدلاً) بدل (عادلاً).
(٦٠) مستدرك الوسائل: ٦/١٢ ح٦٢٩٩.
(٦١) المصدر نفسه: ٦/ ١٣.
(٦٢) وسائل الشيعة: ٧/ ٣٠٩، وفيه: (باب عدم اشتراط وجوب الجمعة بحضور السُّلطان العادل) إلى آخره.
(٦٣) لاحظ: مستدرك الوسائل: ٦/ ١٣، ح ١ـ٣.
(٦٤) لاحظ: مستدرك الوسائل: ٦/ ١٣، ح٤.
(٦٥) لاحظ: مستدرك الوسائل: ٦/ ١٣، ح٥.
(٦٦) لاحظ: مستدرك الوسائل: ٦/ ١٣، ح٦.
(٦٧) مصباح الفقيه: ٢/ ق٢/ ٤٣٨ ـ ٤٣٩.
(٦٨) دعائم الإسلام: ١/ ١٨٢، وفيه: (إلَّا بإمام) بدل (إلَّا للإمام أو مَن يقيمه الإمام).
(٦٩) لم أعثر عليه في كتب الحديث. نعم ورد مؤدَّاه عن عليٍّ g في الجعفريَّات (٤٣)، والدَّعائم (١/١٨٢)، وعنهما في مستدرك المسائل(٦/ ١٣، باب٥، ح٢و٤).
(٧٠) النَّفحة القدسية في أحكام الصَّلاة اليوميَّة: ٢٣٥.
(٧١) لـم أعـثـر عـليــه في كـتـب الحـديث. نعم، ورد من دون (ولنا الجمعة) في تهذيب الأحكام (٤/ ١٤٥، ح٤٠٥).
(٧٢) قال الزَّيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٤/ ٢٥): (١٣٤٩ ـ الحديث الثَّالث عشر: وعن النَّبيِّ e قال: أربع إلى الولاة: الفيء والصَّدقات والحدود والجمعات. قلت: غريب. ورفعه صاحب الهداية كما رفعه المصنِّف، وهو في غالب كتب الفقه موقوف على ابن عمر).
وقال ابن حجر في الدِّراية في تخريج أحاديث الهداية، ج٢، ص٩٩ (٦٥٧ ـ حديث أربعة إلى الولاة، وذكر منها: الحدود، لم أجده، وذكره ابن أبي شيبة عن الحسن: أربعة إلى السُّلطان: الصَّلاة والزَّكاة والحدود والقضاء، وعن أبي عبد الله بن محيريز: الجمعة والحدود والزَّكاة والفيء إلى السُّلطان، ومن طريق عطاء الخراساني مثله ولم يذكر الفيء.
(٧٣) تقدّم تخريجه في الصفحة السابقة، الهامش (٥).
(٧٤) الصَّحيفة السَّجادية، ص٢٣٧ ـ ٢٣٨، دعاؤه في يوم الأضحى والجمعة.
قال المصنِّف في هامش هذه الصَّفحة من الأصل: (صلوات الله عليك يا سيِّدي تتذمَّر في دعائك ـ هذا الَّذي هو بينك وبين ربِّك ـ من غلبة الظَّالمين وغصبهم منصبكم في صلاة الجمعة ولا تتذمَّر من قتلهم لأبيك وما فعلوه من تلك الأفاعيل الَّتي تقشعرُّ منها الجلود، فإنَّه (صلوات الله عليه) وإنْ كان أعطى السَّيف حقَّه، لكن هلمَّ الخطب فيما جرى وأجروه بعد قتله من النَّهب والسَّلب والسَّبي والأسر إلى آخر ما جرى، كلُّ ذلك لم تذكره في دعائك هذا. نعم، قد تذمَّرت من الأصل والأساس وهو غصب الجمعة الَّذي هو غصب مقامكم، ولولا ذاك لم يكُ هذا، ومن هنا يمكننا القول بأنَّ صلاة الجمعة وإنْ كانت هي من أعظم المظاهر الإسلاميَّة، وفيها ما فيها من المنافع الاجتماعيَّة للمسلمين، بل لعلَّه يمكن القول بأنَّها من هذه الجهة أقوى من الحجِّ في عالم الاجتماع والنِّظام الإسلاميِّ، ولكن مع ذلك كلِّه يمكننا القول بأنَّ المتصدِّي لها بلا أمر من وليِّ الأمر يكون داخلاً فيمَن لوَّح إليه الإمام السَّجاد g في دعائه، ويكون مرتكباً لما هو الأصل والأساس في قضية الطَّف، بل في قضية فدك ونحوها ممَّا يتفرَّع من غصب مقامهم وتنحيتهم عنه والحلول محلَّهم فيه، ولا فرق في المتصدِّي بين كونه مدَّعياً لولايتهم وبين المنكر لها، كما أنَّه لا فرق بين زمان الحضور [وعدمه] *. حرَّرت ما في الهامش في شعبان ١٣٨٣).
(٧٥) الجعفريّات: ٤٣، وفيه: (لا يصلح) بدل (لا يصحّ).
(٧٦) المصدر والموضع نفسه.
(٧٧) دعائم الإسلام: ١/ ١٨٢، وفيه: (مع إمام) بدل (بإمام).
(٧٨) المصدر نفسه، ولكن من دون لفظ: (عدل).
(٧٩) (وجوب) لم ترد في المصدر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ما بين المعقوفين أدرجناه لاقتضاء السياق.
(٨٠) في المصدر: (التَّخيير حينئذٍ) بدل (حينئذٍ التَّخيير).
(٨١) كتاب الصَّلاة للشَّيخ عبد الكريم اليزديّ الحائريّ: ٦٦٣ ـ ٦٦٤.
(٨٢) ما بين الشَّرطتين لم يرد في المصدر.
(٨٣) ما بين المعقوفين من المصدر.
(٨٤) تهذيب الأحكام: ٣/ ٢٣، ح٧٩.
(٨٥) (g: و) لم يرد في المصدر.
(٨٦) تهذيب الأحكام: ٣/ ٢٣، ح ٨٠.
(٨٧) انظر: علل الشَّرائع: ٢٦٦، باب ١٨٢، ضمن ح٩، عيون أخبار الرِّضا: ٢/ ١١٩، باب ٣٤.
(٨٨) ما بين المعقوفين من المصدر.
(٨٩) تهذيب الأحكام: ٣/٢٤٠، ح٦٤١.
(٩٠) ما بين المعقوفين من المصدر.
(٩١) تهذيب الأحكام: ٣/٢٤٠، ح٦٤٢.
(٩٢) انظر: مصباح الفقيه: ١٤/ ٥٤ ـ ٥٧.
(٩٣) لاحظ: مصباح الفقيه: ٢/ ق٢/ ٤٣٧.
(٩٤) تهذيب الأحكام: ٣/٢٤٠، ح٦٤١.
(٩٥) تهذيب الأحكام: ٣/ ٢٤٨، ح٦٧٩.
(٩٦) تهذيب الأحكام: ٣/ ٢٣٩، ح٦٣٩.
(٩٧) ما بين المعقوفين إضافة منّا يقتضيها السياق.
(٩٨) الاستبصار فيما اختُلف من الأخبار: ١/ ٤١٩ ، ح١٦١٣.
(٩٩) ما بين المعقوفين إضافة منّا يقتضيها السياق.
(١٠٠) (الجُمُعة ) لم ترد في المصدر.
(١٠١) تهذيب الأحكام: ٣/ ٢٣٨، ح٦٣٤.
(١٠٢) ما بين المعقوفين إضافة منّا يقتضيها السياق.
(١٠٣) الاستبصار فيما اختُلف من الأخبار: ١/ ٤١٧، ح١٥٩٩.
(١٠٤) قرب الإسناد: ١٦٩.
(١٠٥) من لا يحضره الفقيه: ١/ ٤١١، ح١١٢٠.
(١٠٦) مصباح الفقيه: ١٤/ ٥٧ ـ ٥٨، بتصرُّف يسير.
(١٠٧) مصباح الفقيه: ١٤/ ٥٧.
(١٠٨) مصباح الفقيه: ١٤/ ٥٩.
نقل المصنِّف في صفحة مستقلِّة كلام المحقِّق الهمدانيّ حول موثَّقة ابن بكير، فرأينا من المناسب إيراده في هذا الموضع، قال: ( قال المرحوم الحاجُّ آغا رضا [الهمدانيّ] في الكلام على موثَّقة ابن بكير: وسوق السُّؤال يشهد بمعروفيَّة اختصاص الجمعة بإمامٍ خاصٍّ، وأنَّه لا جمعة بدونه، فسئل عن أنَّه هل يجوز لهم أنْ يصلُّوا الظُّهر في جماعة؟ بعد المفروغيَّة عن أنَّه لا جمعة عليهم، فهي كالنصِّ في المدَّعى. واحتمال أنْ يكون مقصوده بقوله: (أيصلُّون الظُّهر يوم الجمعة في جماعة؟) صلاة الجمعة، بأنْ يكون غرضه السُّؤال عن أنَّه إذا لم يكن لهم إمام منصوب هل يجوز لهم عقدها بأنْفسهم بأنْ يؤمّهم بعضٌ منهم، بعيد. وليس تعليق الرُّخصة على عدم الخوف من مؤيِّدات هذا الاحتمال المخالف للظَّاهر؛ إذ كما أنَّ عقد الجمعة بغير إمام منصوب من قبل السَّلاطين كان معرضاً للخوف، كذلك عقد الجماعة للظُّهر في القرى القريبة من مصرٍ تقام فيه الجمعة. وعلى تقدير إرادة هذا الاحتمال تصير هذه الرِّواية من أدلَّة القول بجواز إقامتها بغير المنصوب، لا الوجوب). [مصباح الفقيه: ١٤/ ٥٨ ـ ٥٩].
(١٠٩) ما بين المعقوفين من المصدر.
(١١٠) في العلل: (للإمام).
(١١١) ما بين المعقوفين من المصدر.
(١١٢) ما بين المعقوفين من المصدر.
(١١٣) علل الشرائع: ١/ ٢٦٥، عيون أخبار الرِّضا: ٢/ ١١٨، باب ٣٤، ح١.
(١١٤) وسائل الشيعة: ٧/ ٣٤٤.
(١١٥) مصباح الفقيه: ١٤/ ٥٩ ـ ٦٠.
(١١٦) في المصدر: (مَن).
(١١٧) وسائل الشيعة: ٧/ ٣١٤، ح٩٤٤٥.
(١١٨) ما بين المعقوفين من المصدر.
(١١٩) من لا يحضره الفقيه: ١/ ٤١٧، ح١٢٣٢.
(١٢٠) الكافي: ٣/ ٤٢٢، ح٦٤.
(١٢١) تهذيب الأحكام: ٣/ ١٩، ح٧٠.
(١٢٢) لم أعثر عليه في مظانِّه.
(١٢٣) الوافي: ٨/ ١١٢٢.
(١٢٤) تهذيب الأحكام: ٣/ ١٦، ح٥٧.
(١٢٥) الوافي: ٧/ ٣٥، ح٥٤٢٤، و٨/ ١١٢١، ح٧٨٦٣.
(١٢٦) من لا يحضره الفقيه: ١/ ١٩٥، ح٦٠٠.
(١٢٧) الوافي: ٨/ ١١٢١.
(١٢٨) ما بين المعقوفين من المصدر.
(١٢٩) من لا يحضره الفقيه: ١/ ٤١١، ح١٢٢٠.
(١٣٠) تهذيب الأحكام: ٣/ ٢٣٨، ح٦٣٥.
(١٣١) ما بين المعقوفين إضافة منّا يقتضيها السياق.
(١٣٢) لم نعثر عليه في أمالي الصَّدوق، لكن نقل عنه في الوافي: ٨/ ١١١٥.
(١٣٣) مصباح المتهجِّد: ٣٦٤، وفيه: ((إنَّي لأُحبُّ للرجل أنْ لا يخرج من الدُّنيا حتَّى يتمتَّع ولو مرَّةً واحدةً، وأنْ يصلِّي الجمعة في جماعة)).
(١٣٤) ما بين المعقوفين إضافة منّا يقتضيها السياق.
(١٣٥) قد ورد في المخطوط فوق كلمة (يهلك): (يعني يموت).
(١٣٦) الاستبصار فيما اختُلف من الأخبار: ١/ ٤٢٠، ح١٦١٦.
(١٣٧) ما بين المعقوفين إضافة منّا يقتضيها السياق.
(١٣٨) تهذيب الأحكام: ٣/ ١٦، ح٥٧.
(١٣٩) ما بين المعقوفين إضافة منّا يقتضيها السياق.
(١٤٠) مناهج الأحكام في مسائل الحلال والحرام: ٣٦، نهاية الإحكام في معرفة الأحكام: ٢/ ١٤.
(١٤١) جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ١١/ ١٨٧.
(١٤٢) ما بين المعقوفين إضافة منّا يقتضيها السَّياق.
(١٤٣) جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ١١/ ١٨٥ـ ١٨٦.
(١٤٤) لاحظ: مصابيح الظلام في شرح مفاتيح الشرائع: ١/ ٣٨٣.
(١٤٥) مستند الشيعة في أحكام الشريعة: ٦/ ٤١.
(١٤٦) ما بين المعقوفين إضافة منّا يقتضيها السَّياق.
(١٤٧) أرَّخ المصنِّف S هذا المقطع من البحث بـ : (الاثنين ٢٤ رمضان المبارك ١٣٧٧).
(١٤٨) وسيلة النجاة: ٢٥٧، المبحث الأوَّل من المقصد الثَّاني.
(١٤٩) لاحظ: رسائل المحقّق الكركي (رسالة في صلاة الجمعة): ١/ ١٥٩.
(١٥٠) السَّرائر الحاوي لتحرير الفتاوي: ٢/ ٢٤.
(١٥١) الأمالي: ١١٦، ح٩٩، الكافي: ١/ ٣٤، باب ثواب العالم والمتعلِّم، ح١.
(١٥٢) عوالي اللَّئالي العزيزيَّة: ٤/ ٧٧، ح٦٥، الكافي:١/ ٤٦، باب المستأكل بعلمه والمباهي به، ح١٥.
(١٥٣) تحف العقول: ٢٣٨.
(١٥٤) قال الحرُّ العامليُّ في الفوائد الطُّوسيَّة: (لا يحضرني أنَّ أحداً من محدّثينا رواه في شيء من الكتب المعتمدة. نعم، نقله بعض المتأخِّرين من علمائنا في غير كتب الحديث، وكأنَّه من روايات العامَّة أو موضوعاتهم ليجعلوه وسيلةً إلى الاستغناء بالعلماء عن الأئمَّة i ـ إلى أنْ قال ـ ويحتمل كونه من روايات الصُّوفيَّة أو موضوعاتهم لإرادة إثبات ما يدَّعونه من الكشف وما يترتَّب عليه من المفاسد). [الفوائد الطُّوسيَّة: ٣٧٦، فائدة ٨٥]
(١٥٥) جامع الأخبار: ١١١.
(١٥٦) نهج البلاغة: ٤٢٢، الحكمة٩٢.
(١٥٧) بحار الأنوار: ٨٦/ ٢٢١، الأمالي للشَّيخ الصَّدوق: ٢٤٧، ح٢٦٦.
(١٥٨) كنز الفوائد: ٢/ ٣٣.
(١٥٩) الاحتجاج:١/ ١٧و١٨.
(١٦٠) الكافي: ١/ ٣٨، ح١٣.
(١٦١) مجمع البيان: ٩/ ٤١٨.
(١٦٢) مسند أحمد: ١/٢٥٠، سننالدَّارمي: ٢/ ١٣٧، سنن أبي داود: ١/ ٤٦٣، سنن التَّرمذي: ٢/ ٢٨١.
(١٦٣) ما بين المعقوفين من المصدر.
(١٦٤) الكافي: ١/ ٦٧، ح١٠، تهذيب الأحكام: ٦/ ٣٠١، ح٨٤٥، باختلاف يسير فيهما.
(١٦٥) الاحتجاج: ٢/٤٧٠.
(١٦٦) ما بين المعقوفين من المصدر.
(١٦٧) وسائل الشيعة: ٢٧/ ١٣٩، ح٣٣٤٢١.
(١٦٨) وسائل الشيعة: ٢٧/ ١٣، ح٣٣٠٨٣.
(١٦٩) الكافي: ٧/ ٤١٢، باب كراهية الارتفاع إلى قضاة الجور، ح٤.
(١٧٠) تحقيق الدَّلائل في شرح تلخيص المسائل: ١٨.
(١٧١) ما بين المعقوفين إضافة منّا يقتضيها السِّياق.
(١٧٢) تقدّم في الصفحة (٢٨٦).
(١٧٣) أرَّخ المصنِّفS هذا المقطع من البحث بـ : (الأربعاء ٢٦ رمضان المبارك ١٣٧٧).
(١٧٤) لاحظ: كمال الدين وتمام النعمة: ٤٨٣- ٤٨٤ ب٤٥ ذكر التوقيعات، الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٩٠- ٢٩١ ح٢٤٧.
(١٧٥) منية الطَّالب: ١/ ٣٢٦.
(١٧٦) في الأصل (كونه) بدل (كون).
(١٧٧) المكاسب والبيع: ٢/ ٣٣٦.
(١٧٨) كتاب المكاسب: ٣/ ٥٥٤ - ٥٥٥.
(١٧٩) المكاسب والبيع: ٢/ ٣٣٧ ـ ٣٣٨.