قبح العقاب بلا بيان والاحتياط العقلي
في موارد الشبهة البدوية
السيد علي البعاج (دام عزّه)
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على أفضل الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين.
وبعد: فهذا البحث ممّا استفدتُه من كلمات علمائنا الأعلام (رحم الله الماضين منهم وحفظ الباقين) في هذا الموضوع(١), وسيكون البحث مُوزَّعا على حلقتين:
الأولى: في مسلك قبح العقاب بلا بيان.
الثانية : في مسلك حق الطاعة.
الحلقـة الأولـى: مسـلك قبـح العقـاب بـلا بيـان
وقبل الخوض فيه ينبغي ذكر مقدّمتين:
المقدمة الأولى: أنّ البراءة والاحتياط العقليين يُطرحان في الشبهة البدوية بمناطات متعددة منها:
١ ـ البحث عن الوظيفة العملية بمناط احتمال التكليف في حدِّ نفسه, مع عدم وجود دليل مثبتٍ أو نافٍ له, والبحث بهذا المناط هو البحث عن منجّزية الاحتمال، وتقابله البراءة.
٢ ـ البحث عن الوظيفة العمليّة بمناط احتمال التكليف بلحاظ حيثية ثانوية ـ لا في حدّ نفسه ـ, وهذه الحيثية هي:
إمّا كون الكلّ مملوكا لله تعالى, ولا يجوز التصرف في ملكه إلا بإذنه.
وإمّا لدفع الضرر المحتمل الذي هو من مبادئ الحكم, وتقابله البراءة بهذا المعنى أيضا.
وبحثنا هذا ينتمي الى الشعبة الأولى من ذلك البحث العامّ, إذ المبنى السائد بين متأخري الأصوليين والمُسلّم هو البراءة العقلية بمناط قبح العقاب بلا بيان, وتفرّد السيد صاحب البحوث S بالقول بمنجّزية الاحتمال ببيان يأتي.
وتجدر الإشارة هنا الى نكتة أخرى وهي أنّنا أخذنا في عنوان البحث (الشبهة البدويّة) ولم نأخذ (الشك في التكليف) فيه لسببين:
الأول: إخراج الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي, فإنّ الشك في التكليف قد يكون شكاً بدويّاً وقد يكون شكاً مقروناً بالعلم الإجمالي, والنحو الثاني من الشك ينبغي أن يُبحث عنه تحت عنوان (الوظيفة العملية في موارد العلم الإجمالي), وقد تجري البراءة عقليّة كانت أو شرعيّة, وقد تجري أصالة الاشتغال بعنوانها.
وما هو محلّ بحث الأعلام هاهنا هو النحو الأول من الشك ـ أعني الشك البدوي ـ ، لكون البحث ينصبّ فيه على أنّ المنجّز للتكليف هو وصوله لا مجرّد وجوده الواقعي, ولا مجرّد احتمال وصوله.
الثاني: التأكيد على أنّ دائرة البحث هي الشبهة البدويّة, وعدم شمول البحث لموارد الشك في نوع التكليف مع العلم بجنسه الذي هو مورد أصالة التخيير (دوران الأمر بين المحذورين) على ما هو المُتعارف من طرحها, لصدق الشكّ بالتكليف عليه.
وهذا ممّا استدركه سيدُنا الأستاذ (دامت افاداته) على كلام الشيخ S ومَن وافقه في تحديد مجاري الأصول العملية, فإنّ مجرّد العلم بجنس التكليف - كالإلزام - لا يُخرجه عن دائرة الشك في التكليف.
المقدمة الثانية: تجدر الإشارة إلى نبذة تاريخية عن البراءة العقلية ومعهوديّتها في كلمات الفقهاء والأصوليين من قبل, وذلك لأهميّة البحث التاريخي لمسائل العلم, لما له من أثر كبير في فهمها, حيث نسلط الضوء على مراحل تطورها, وعلى مساحات وزوايا حرجة فيها, ممّا يساعد على كشف ما قد يحصل من الالتباس فيها, أو استكشاف إرهاصات مُعيَّنة، فيكون هذا الاطلاع مبدأً تصديقياً لاتخاذ موقف ما نفياً أو إثباتاً, كما أنّه يُساعدنا في معرفة تجذّر تلك المسائل في الوجدان العلمي ومدى كمونها فيه.
وكيف كان, فقد ذكر السيد صاحب البحوث S أنّ البراءة العقلية لم تكن معهودة عند قدماء أصحابنا, وإنّما حدثت في العصر الثالث من عصور العلم وهو عصر الوحيد البهبهاني S, واستعان بذلك في مناقشته للبراءة العقلية, فهاهنا قولان:
١ ـ معهوديّتها في كلمات قدامى فقهاء وأصولييّ علمائنا, وهو ظاهر قول الكثير من المتأخّرين.
٢ ـ عدم معهوديتها, وهو صريح كلام السيد صاحب البحوث S, وقد أشار إلى هذا بقوله: (فقبل الشيخ الصدوق S لم يكن لهذه القاعدة عين ولا أثر, وأمّا في عصره فيظهر منه أنّه يقول بالإباحة عند الشك في الإلزام. ولكن لم يظهر منه أنّه يقصد البراءة العقلية, فلعلّ مراده الإباحة الشرعية.
وأمّا فيما بعد الصدوق فالشيخ المفيد والطوسي T لم يظهر منهما تبنّي هذه القاعدة العقلية, بل قد يُستشم من كلامهما العكس، فإنّه كانت هناك مسألة أصولية يُبحث فيها عن حكم الأصل في الأشياء هل هو الحظر أو الإباحة فيما لم يستقل العقل فيه بالقبح أو الحُسن؟ فقيل فيه بالحظر؛ لأنّه لا يؤمّن من وقوع المفسدة بسبب الإقدام. وهذا الطراز من التفكير لا يتناسب مع قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
وبعد الشيخ الطوسي S بفترة قرن من الزمان نجد أنّ ابن زُهرة S يذكر البراءة العقلية، ولكن بحسب الظاهر لم يكن يقصد بها قبح العقاب بلا بيان بالمعنى المعروف حالياً, وإنما كان يقول بقبح التكليف مع عدم العلم؛ لأنّه تكليف بغير المقدور...
وبعد ذلك جاء دور المحقّق الحلي S فاستدل على البراءة بتقريبين:
الأول: استصحاب حال العقل, وعليه ترجع البراءة الى كبرى الاستصحاب, ومن الواضح أنّ الاستصحاب غير قاعدة قبح العقاب بلا بيان .
الثاني: أنّ التكليف بشيء مع عدم نصب دليل عليه قبيحٌ, وعدمُ وصول الدليل دليل على عدم وجوده. وهذا أيضا غير القاعدة.
وشاع بعد المحقّق S إدراج البراءة في الأدلة العقلية.., ثمّ بعد ذلك في العصر الثالث من علم الأصول تبلورت البراءة العقلية بعنوان قبح العقاب بلا بيان)(٢).
وفي كلامه S عدّة مواضع للنظر, وسيُعتمد في المناقشة على منهج تجميع القرائن والشواهد لتؤدي بمجموعها الى الاطمئنان والوثوق بوجود جذر تأريخي للبراءة العقليّة في كلام قدماء الفقهاء الأصوليين.
أمّا مواضع النظر في كلامه فخمسة:
أولاً: بالنظر الى كون الهدف ممّا ذكره S هو نفي ارتكازية البراءة العقلية في أذهان الفقهاء القدامى، فالمفروض النظر إلى البراءة العقلية بوجه مطلق, سواء أ كانت بمناط قبح العقاب بلا بيان - كما هو المتسالم عليه بين المتأخرين - أم بمناطات أخرى كقبح التكليف بغير المقدور ونحوه - كما عند المتقدّمين من الفقهاء والأصوليين - فإنّنا نريد أنْ نستكشف في هذه الجهة مدى كمون البراءة العقليّة في الوجدان العلمي، وجذورها التاريخية في الجملة, وهو كاف ٍ في ردِّ تلك الدعوى.
والوجه فيه: أنّ البراءة العقلية بمناط قبح العقاب بلا بيان, وكونها أصلا عملياً لتحديد الوظيفة العمليّة فحسب إنّما استقرت عند المتأخّرين بعد نشوء الحركة الإخبارية وتشكيكاتها في مباني الاستنباط الفقهي عند الأصوليين, وحملتهم على العمل بالظنون.
وأمّــا قبـل الحـركـة الإخبـاريــة فـقــد كـان الاستــدلال بـالبــراءة يـتـأرجـح بـيـن كـــونـهــا أصـلاً بمعنى نفي العقوبة والمؤاخذة حال المخالفة, وبين كونها أمارة ودليلاً على الحكم بعدم المؤاخذة كما سيتضحّ ذلك قريباً.
ثانياً: إنّ ما ذكره S ـ من أنّ البراءة العقلية لا يوجد لها عين ولا أثر ما قبل عصر الشيخ الصدوقS, وفي عصره كذلك - ولم يظهر منه الاستناد الى البراءة في قوله بالإباحة - يتوجّه عليه: إنّ الكتب الفقهيّة لقدماء علمائنا (رضوان الله تعالى عليهم) لم تكن كتباً استدلالية, بمعنى أنّ فتاواهم إنّما كانت متون الروايات، إذ كان هذا الأسلوب هو الأسلوب المتعارف آنذاك في كتب الفتوى, ولم يكن أسلوب الإفتاء خارجاً عن حدود ما ورد في الأخبار لعوامل منها: الخشية من أنْ تُردّ فتاواهم ظنَّا من الغير أنّها من عندهم من دون الاستناد إلى الأخبار الواردة عن أهل بيت العصمةg.
ويشهد له ما في مقدمة المُقنع للصدوق حيث قال: (ثُّمَّ إنّي صنفتُ كتابي هذا وسميتُه المُقنع لقنوع من يقرؤه بما فيه, وحذفتُ الأسانيد منه لئلا يثقل حمله, ولا يصعب حفظه, ولا يَمُلَّ قارئه)(٣), وكلامه بمكان من الوضوح من أنّ متن كتابه هو الأخبار التي يعتقد بصحتها مع حذف طرقها: وهذه نكتة عامة في كتب الصدوق S ذكرها سيدنا الأستاذ (دامت افاداته)في غير مقام وهي نافعة فيما نحن فيه.
هذا مضافاً إلى أنّ مسائل علم الأصول لم تكن بهذا الحجم, ولم يكن مستقلاً عن الفقه, فضلاً عن فكرة تحديد الأصل العملي وفرزه عن سائر مبادئ الاستنباط.
وعليه فما ذكره الصدوق S من الإباحة يكون استناداً إلى بعض أخبار الباب, وليس في ذلك ما يشهد على أنّه لا يرى البراءة العقلية؛ وذلك لأنّ المحدّثين من قدماء أصحابنا لم يطرحوا للمواضيع العقلية عنواناً مستقلاً, وإنّما كانوا يُبيِّنون ذلك من خلال الأخبار.
ومنه يظهر أنّ ما استشهد به السيد صاحب البحوث S من كلام الشيخ الصدوق S لا شهادة فيه على ما ذكره.
ثالثاً: إنّ ما ذكره من الاستشمام من كلام الشيخين المفيد والطوسي T يتوجّه عليه:ـ بالإضافة إلى ما ذكِرَ آنفاً من أنّ مسألة الأصول العملية لم تكن واضحة بالشكل الذي عليه الآن: أنّ كلمات القدماء في مسألة أصالة الحظر والإباحة كانت تنطلق من استيجاب احتمال الضرر للحظر أو لا قبل ورود السمع.
فالمسألة مسوقة لبيان الموقف عند عدم ورود التكليف في شيء من قبل الشارع - كما هو مورد أصالة البراءة -، ولم يكن القائلون بأصالة الحظر أو الإباحة يُركّزون على مراعاة الحكم المحتمل، بل جلّ تركيزهم على ما يوجبه ملاك التكليف، وأنّه هل يستوجب الحظر أو الإباحة؟
وهذا يعني أنّهم قد فرغوا من أنّ التكليف المحتمل في حدّ نفسه لا يوجب شيئاً. ويشهد له كلام السيد المرتضى S - الذي هو من القائلين بالإباحة في المسألة - فيما لو لم توجد أمارة المفسدة في البين, وهذا يعني الحكم بالإباحة مع احتمال التكليف بما يحتمل المفسدة.
وعلى هذا يكون معنى الإباحة هو جواز ارتكاب ما لم يرد فيه نصّ من الشارع وإنْ اُحتمل الضرر.
وتوضِّح ذلك جملة من التطبيقات الفقهية في كلمات قدماء علمائنا (رضوان الله عليهم) كالسيد المرتضى والشيخ الطوسي T وغيرهما، فإنّها ليست بعيدة عن إفادة البراءة العقلية
ـ بمعنى قبح المؤاخذة عقلاً على مخالفة تكليف غير واصل ـ وإنْ لم يكن بشكل صريح.
ولا بأس هاهنا بذكر أربعة نماذج من كلماتهم لتكون تأييداً لما ذُكِر، وشواهدَ معاكسة ً
لما أفاده السيد صاحب البحوثS:
النموذج الأول: ما ذكره السيد المرتضى S (ت ٤٣٦هـ) في الانتصار في جواز شرب بول الإبل: (والذي يدلّ على صحّة مذهبنا بعد الإجماع المتردد أنّ الأصل فيما يؤكل لحمه أو يشرب لبنه في العقل الإباحة. وعلى مَن ذهب إلى الحظر دليل شرعي ولن يوجد ذلك في بول ما يؤكل لحمه؛ لأنّهم إنّما يعتمدون على أخبار آحاد، وقد بيّنا أنّ أخبار الآحاد إذا سَلِمت من المعارضات والقدح لا يُعمل بها في الشريعة. ثمّ أخبارهم هذه معارضة بأخبار ترويها ثقاتهم ورجالهم تتضمّن الإباحة)(٤).
النموذج الثاني: ما عن الشيخ الطوسي S (ت ٤٦٠هـ) في الخلاف في مسألة بيع تراب المعادن حيث قال: (دليلنا قوله تعالى {وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } وهذا بيع. وأيضا الأصل الإباحة, والمنع يحتاج إلى دليل)(٥).
فإنّ الشيخ S وإنْ استدل بها هنا على صحّة المعاملة إلّا أنّ القدماء كانوا يحملون النهي على النهي التكليفي فضلاً عن الجانب الوضعي وهو الفساد, فلا يبعد إرادة الشيخ الجانب التكليفي هنا أيضاً بقرينة قوله (والمنع يحتاج الى دليل) فإنّه لا معنى له بحسب الظاهر إلّا عدم جواز التصرف.
النموذج الثالث: ما في الخلاف أيضا في كتاب الأطعمة والأشربة في مسألة أكل لحوم الحُمُر الأهلية والبغال, قال: (دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم, وأيضاً الأصل الإباحة والحظر يحتاج إلى دليل. وأيضا قوله تعالى { قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا..}, فالظاهر أنّ ما عدا هذه مُباح إلّا ما أخرجه الدليل)(٦).
ويُقرّب وجه الاستشهاد بما ذكره السيد الأستاذ, وحاصله: أنّه يدلّ – بضميمة الاستدلال بالآية - على أنّ مقصوده بالإباحة هو الإباحة العقلية لا السمعية, ولا يضرّ باستظهار ذلك ذهابُه في كتاب أصوله إلى الوقف؛ لأنّ من المحتمل عدوله الى القول بالإباحة عند تأليف الخلاف الذي هو من أواخر كتبه, خصوصاً أنّ مغايرة ما يُذكر في الفقه مع ما يُرسى في الأصول أمرٌ قد يتفق لعوامل منها: الالتفات إلى الآثار العملية للفكرة في الفقه بشكل أدق, وربّما كان الأمر في المقام كذلك.
والحاصل: أنّنا نجد في جميع تلك الشواهد ضمَّ ظواهر الآيات والأخبار إلى الاستدلال بالإباحة ممّا يدلّ على أنّ المقصود بالإباحة ما هو بحكم العقل لا الشرعية؛ فإنّ من البعيد إرادتها بقرينة المقابلة بينها وبين الأخبار والآيات في الاستدلالات المذكورة.
ولا ينافي ذلك استدلالُهم بها على الإباحة الشرعية في غير مقام, فإنّ الغرض ممّا ذكرناه هو عدم خلّو كلماتهم في الجملة عن أنّهم عنوا بالإباحةِ الإباحةَ العقلية.
النموذج الرابع: ما عن ابن ادريس الحلي S (ت ٥٩٨) في السرائر: (ويحتجّ بأنّ الأصل أنْ لا صوم واجب في شهر رمضان، فمن أوجبه فقد رجع عن الأصل الذي هو الإباحة أو لا تكليف، فلأنّ الأصل وجوب صوم رمضان، فمن ادّعى سقوطه عن المكلفين به يحتاج إلى دليل)(٧).
ووجه الاستشهاد أنّه S قد ردّد الأصل بين كونه الإباحة أو لا تكليف, والثاني يرجع إلى استصحاب العدم أو إلى استصحاب حال العقل، وهما يرجعان الى حجية الاستصحاب ـ على الخلاف في كونه أصلا أو أمارة ـــ فيكون معنى أصالة الإباحة حينئذٍ ما هو بحكم العقل بمعنى البراءة العقلية.
وهناك شواهد أخرى تؤيد ما ذكِر(٨), فما ذكره السيد صاحب البحوثS من عدم وجود عين ولا أثر للبراءة العقلية محل تأمل.
رابعاً: على تقدير تأخُّر انبثاق البراءة العقلية كأصل عملي فما ذكرهS من انبثاقها في عصر الوحيد البهبهاني (ت ١٢٠٥) S غيرُ ظاهر.
بل الأقرب أنّها انبثقت إبّان نشوء الحركة الإخباريّة كما أفاده سيدنا الأستاذ (دامت افاداته)، حيث قال ما مُحصَّله: (والذي يظهر بتتبع حال البراءة والاستصحاب أنّ هذين الاصلين كانا قبل الحركة الاخبارية(٩)، معروضين على أنّهما من الأدلة وإنّما انبثق طرحهما كأصلين عمليين في أثر الحركة الاخبارية ـ في حدود ما اطلّعنا عليه ـ وذلك أثر مجموع عاملين:
العامل الأول: حدوث حملة قويّة من قِبل أصحابها على العمل بالظن، واستبعاده بشكل نهائي عن مناهج الاستنباط الفقهي: إمّا بقبول كونه من الظن ورفض اعتباره وذلك فيما يكون من مناهج الاستنباط العقلي مثل أصالة البراءة. وإمّا برفض كون اعتباره على سبيل الظن وذلك بأحد وجهين:
أولهما: رفعه إلى مستوى القطع، كما فيما يتعلق بالأخبار، حيث قالوا بقطعيّة الكتب الأربعة.
ثانيهما: محاولة استنطاق الأخبار فيما يتعلق بالمسائل الأصولية المهمة على أساس وجود حلول كامنة في الأخبار لم يلتفت إليها الأصحاب لشيوع البحث عن الحل من خلال التأمّلات العقليّة تأثّراً بالمنهج الفكري لدى العامّة.
ثم أنّ البراءة وإنْ طُرحت في المرحلة الأولى على سبيل الدليليّة في غالب كلماتهم, إلّا أنّ الظاهر منها أنّها على سبيل الأصل العملي في جملة من الموارد انطلاقاً من أصالة الحظر، أو من قبح التكليف بغير المقدور، ونحوها من تعابير القدماء, وهذه الدليليّة طُرحِت بأحد وجهين:
الوجه الأول: الدليليّة القطعية على أساس أنّ عدم الدليل دليل على العدم, فإنّ الحكم لو كان ثابتاً لنصب الشارع عليه دلالةً، ولو نُصبت لوصلت, فعدم وجود دليل عليه يدلّ بالملازمة على براءة الذمة.
الوجه الثاني: الدليليّة الظنيّة على أساس استصحاب براءة الذمة الأصلية), الخ والحاصل: أنّ انبثاق فكرة الأصل العملي وفرزه عن سائر مبادئ الاستنباط إنّما كان في عصر المُحدِّث الاسترابادي (ت ١٠٣٣)، وهو ما يساعد عليه تتبع كلمات المُحدِّث المذكور ومَنْ تأخر عنه من الأصوليين، كالفاضل التوني S (ت ١٠٧١هـ) في الوافية. ثمّ اتّضحت أسسه عند المتأخرين، وفُصِلت منذ ذلك الحين عن الظنون، وتمحّضت في تحديد الوظيفة العمليّة عند الشك والحَيرة اتجاه الموقف الشرعي بعد فقد الطريق عليه, وهذا لا يعني أنّ لا وجود لها في كلمات القدماء بنحو الإجمال، وإنْ كان الغالب الاستدلال بها على سبيل الأماريّة.
ومنه يظهر النظر في كلام السيد صاحب البحوث S حيث أرجع انبثاق الفكرة إلى عصر الوحيد البهبهاني S (ت١٢٠٥).
خامساً: ما أورده السيد الأستاذ (دامات افاداته) فيما نحن فيه من أنّ اشتراط التكليف بالعلم مطروحٌ في كلام القدامى من الأصوليين، كما عن الشوكاني الزيدي في أول إرشاد الفحول, وكذا عن ابن زهرة من أنّ التكليف من غير علم به تكليف بما لا يطاق, وابن زهرة مسبوق بهذا الاستدلال وملحوق به.
وقد أشار إليه الشيخ الأنصاري S في الفرائد بقوله: (والظاهر أنّ المراد به إمّا لا يطاق الامتثال به بقصد الطاعة، كما صرّح به جماعة من الخاصة والعامة في دليل اشتراط التكليف بالعلم, وإلّا فنفس الفعل لا يصير ممّا لا يطاق بمجرّد عدم العلم بالتكليف)(١٠).
والظاهر من كلامهم أنّهم لم يجدوا محرّكيةً للتكليف في حال عدم العلم به, فمنظورهم بما لا يطاق ليس ما احتمله الشيخ وذكره السيد(١١) من عدم إمكان الامتثال والطاعة، بل هو نظير بيان المحققَين النائيني والأصفهاني T من عدم وجود محرّكية في البين على ما سيأتي بيانه.
مسـلك قبـح العقـاب بـلا بيـان
للبراءة العقلية في كلمات الأعلام من المتأخرين عدّة تقريبات, وقبل التعرّض لبعضها ينبغي تقديم خمسة أمور:
الأمر الأول: إنّ مضمون قبح العقاب بلا بيان - البراءة العقلية - هو أنّ التكليف غير الواصل بالعلم أو ما يقوم مقامه مؤمَّنٌ عنه عقلاً, واستحقاق العقوبة عليه حينئذٍ عقابٌ بلا بيان من المولى، وهو قبيح عقلاً, إذ من وظائف المولى جعل تكاليفه في معرض الوصول بحيث لو بحث العبد في مظّانها لوجدها.
وقد يُقرَّب محل الكلام في البراءة والاحتياط بما حاصله:(١٢)
أنّ البحث إنّما هو في مدى اقتضاء الاحتمال لاستكشاف موقف ثانوي موجب لمراعاته, وليس المراد منها هو قبح العقوبة فيما إذا لم يكن هناك أي شيء يصلح حجة وبياناً, فإنّ هذه مصادرة مسلمة، وليس لنا فيها كلام مع أحد.
ومحلّ الكلام إنّما هو مدى استيجاب احتمال الحكم بنفسه وظيفة عقلية، أو كشفه عن وظيفة شرعية ثانوية من قبيل وجوب الاحتياط.
وبعبارة أخرى: إنّ للبراءة العقلية مستويين:
أولهما: قبح العقاب بلا محرّك أصلا, بمعنى أنّ مجرّد جعل الحكم الواقعي من دون محرّك في البين لا يُسوّغ العقوبة, ويمكن التعبير عنها بـ (بالبراءة العقلية بالمعنى الأعمّ), وهذه المصادرة مسلّمة بين المسلكين.
ثانيهما: قبح العقاب عند احتمال التكليف, ويمكن التعبير عنها بـ (البراءة العقلية بالمعنى الخاصّ)، وهي تنطوي على كبرى متمثّلة بالبراءة بالمستوى الأول, وصغرى وهي أنّ مجرّد الاحتمال ليس مُحرِّكا ذاتاً، ولا كاشفا تلقائياً عن وظيفة شرعية.
ومحلّ الكلام فيما نحن فيه هو هذا المستوى من البراءة, فيكون مرجع النزاع بالدقة إلى أن الاحتمال ليس حجةً عقلاً، ولا كاشفاً عن حكم شرعي.
الأمر الثاني: أنّ المقصود من البيان الذي هو موضوع قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) هو البيان الواصل الأعمّ من الوصول الوجداني والظاهري, فإنّ البيان بوجوده الواقعي غير مؤثّر.
وقد قرَّب المحقق النائيني S هذا المعنى بقوله: (فان المراد من "البيان" في قاعدة "قبح العقاب بلا بيان" هو البيان الواصل إلى العبد لا البيان الواقعي، لأنّ الإرادة النفس الأمريّة لا تكون محركة للعضلات ولا تصلح للداعويّة، فلا أثر للبيان الواقعي ما لم يصل إلى العبد. وليس قبح العقاب بلا بيان مورد الدليل اللفظي حتى يُستظهر منه الأعم من البيان الواقعي والبيان الواصل، بل هو حكم عقلي ملاكه قصور الإرادة الواقعيّة عن تحريك إرادة العبد نحو المراد.
فالعقل يستقل بقبح عقاب العبد وعتابه إذا أعمل وظيفته بالفحص والسؤال فلم يعثر على مراد المولى، فإنّ عدم عثور العبد مع الفحص: إمّا لكون المولى أخلّ بوظيفته بعدم بيان مراده بالطرق التي يمكن الوصول إليه منها: وإمّا لأجل تقصير الوسائط في إيصال مراد المولى إلى العبد، وعلى كلا التقديرين لا دخل للعبد في عدم حصول مراد المولى على تقدير وجوده النفس الأمري، وذلك واضح)(١٣).
هذا, وقد ذُكِرت في كلمات الاعلام تقريبات لا تتفاوت مع هذا المضمون.
الأمر الثالث: إنّ مسألتنا هذه لمّا كانت مرتبطة بالتحسين والتقبيح العقليين تعيّن ذكر المسالك فيهما بنحو الاجمال, وهي أربعة:
المسلك الأول: ما تبنّاه السيد الخوئي والسيد صاحب البحوث T من كون الحسن والقبح إدراكين عقليين محضين, فهما وصفان واقعيان للأشياء مع قطع النظر عن أي شيء خارج العقل, وعليه يكونان من مدركات العقل النظري.
المسلك الثاني: ما بنى عليه مشهور الحكماء من كون الحسن والقبح إدراكين عقلائيين، بمعنى أن العقل يدركهما من خلال الصلاح والفساد العام؛ حفظاً للنظام وبقاءً للنوع الإنساني. وقد بنى على هذا المسلك أغلب المتأخرين, وعليه يكون الحسن والقبح من القضايا المشهورة.
المسلك الثالث: ما حُكِي عن المحقق الخراساني وبنى عليه المحقق العراقي وصاحب المنتقى U من أنّ للقوة العاقلة ملائَمات ومنافَرات, ومنشؤهما هو اختلاف الأفعال في النقص والكمال, ولذا يحكم العقل بالحسن والقبح.
المسلك الرابع: ما حُكِيَ عن بعض أعاظم العصر F(١٤) من كونهما إدراكين فطريين يدركهما الإنسان تُجاه الأفعال من خلال قوّة الضمير والوجدان.
وينبغي الالتفات الى نكتتين في خصوص المسلك الثاني:
النكتة الأولى: إنّ هذه الادراكات يحكم بها العقلاء بما هم عقلاء, فهي إدراكات حاسمة من القوة العاقلة، يجب على الشارع أن يوافقها كونه رئيس العقلاء, فلا يُحتاج هاهنا الى جعل مضاف من الشارع غير إدراكه لتلك القضايا، فإنّ موافقة الشارع - بما هو عاقل - لهم ضروريّة لا على أنّه تابع وممضٍ لما أدركوه، بل لكونه رئيسهم.
ويمكن التعبير عن هذا المعنى بـ (البناء العقلائي المنطقي), ويشهد له حديث الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، وإلّا فلا معنى للملازمة لو كان الشارع ممضياً إذ لا ملازمة حينئذٍ, وهذا في مقابل (البناء العقلائي الأصولي) المعبَّر عنه بالسيرة العقلائية التي هي إدراكات متزلزلة, ولهذا أمكن الردع والإمضاء فيها من الشارع.
النكتة الثانية: أن هذا المسلك لا يتقوّم بحيثية الجمع (العقلاء) وإنّما هي إشارة الى نقطتين:
أولاهما: دور العقل الجمعي في تبلور مثل هذه القضايا احترازاً عن الإدراكات التي يختص بها بعض العقلاء دون بعض، كقوانين الدول المختلفة التي تشوبها افرازات قوى أخرى كالأنانية ونحوها, فلابدّ حينئذٍ من أمارة عقلائية تفصل الإدراكات الناشئة من القوة العاقلة عن غيرها من إفرازات سائر القوى, فإنّ عقل الانسان مجهّز بادراك ما ينبغي أنْ يُفعل كما هو مُجهّز بادراك ما لا ينبغي أنْ يُفعل.
ثانيتهما: عنصر الاطراد، حيث أرادوا ضمان عموم هذه الإدراكات عند العقلاء بمعنى أنّ كلّ عاقل يلتفت الى تلك القضايا. ومنه يظهر أنّ تطابق العقلاء لا موضوعية له عندهم.
كما يظهر منه اندفاع ما أورده كلٌ من السيد الخوئي ـ على أصل هذه المسلك ـ , والسيد صاحب المنتقى على كلام المحقّق الأصفهاني U:
أمّا إيراد السيد الخوئي فقد أفاد في المصباح عند ذكره الأقوال في حجيّة القطع: (فالأقوال فيها ثلاثة: (الأول): إنّ حجيّة القطع ثابتة ببناء العقلاء إبقاءً للنوع، وحفظا للنظام فتكون من القضايا المشهورة باصطلاح المنطقيين, وهذا البناء قد أمضاه الشارع لذلك يجب اتباعه)(١٥).
ثمّ أورد عليه بإيرادين قائلاً: (أمّا القول الأول ففيه:
أولاً: إنّ حجيّة القطع ولزوم الحركة على طبقه كانت ثابتة في زمانٍ لم يكن فيه إلّا بشر واحد, فلم يكن عقلاء لتحقّق البناء منهم, ولم يكن نوع ليكون العمل بالقطع لحفظه...
ثانياً: إنّ الأوامر الشرعية ليست بتمامها دخيلة في حفظ النظام, فإنّ أحكام الحدود والقصاص وإنْ كانت كذلك, والواجبات الماليّة وإنْ أمكن أنْ تكون كذلك، إلّا أنّ جُلاً من العبادات كوجوب الصلاة التي هي عمود الدين لا ربط لها بحفظ النظام أصلاً).
والذي يظهر من كلامه S أنّه قد تلّقى حجيّة العقلاء بمعنى بناء العقلاء, ووجه الاندفاع:
أولا: قد تقدّم أنّ هذه الإدراكات إدراكاتٌ جازمة حتى لو كانت من القضاياالمشهورة كما صرّحوا به في المنطق, وسيأتي ما يفيد ذلك في كلام المحقّق الأصفهاني S ، فلا معنى لإمضاء الشارع لها.
ثانياً: قد عرفت أن حيثية (توافق العقلاء) إنّما هي للإشارة الى عنصر الاطراد في إدراك مثل هذه القضايا, كما أنها للإشارة الى الدور الجمعي للعقلاء, فهذا المسلك يجعل هذه القضايا من إفرازات القوّة العاقلة, ولكن حيث إنّ هذه الإفرازات تبتني على ملاحظة النوع، وما يترتب على بعض الأفعال من سيئات في النظام الجمعي أو من ايجابيات, كان للعقل الجمعي دورٌ في تبلورها.
فهم لم يقصدوا الجمع من تعبيرهم بـ (العقلاء), وليست حيثية الاجتماع مقوّمة لهذا المسلك, بل أرادوا منه العقلاء بما هم عقلاء, وإنّما تكمن أهمية الاجتماع في نضج هذه الإدراكات وصيرورتها سيرة مستقرة.
هذا، بالإضافة الى توجّه جواب السيد الأستاذ على ما أورده ثانياً، ومحصّله: أنّ المقصود من حفظ النظام ليس ما يكون بين الخلق, بل حفظ النظام في الكون, فالصلاح والنظم العام - لا النظم الاجتماعي بخصوصه - يمثّلان النظام الحكيم في الحياة ولا محالة يكون متسقاً وواحداً, وإلّا كان هناك نوع من التناقض بين حالة وأخرى، وهو ما يمثل ضعفاً في التخطيط والتنظيم. والإدراكات العقلائية تمثّل الحكمة في الحياة, والحكمة منهج دائم ولا يمكن أنْ تكون حالة خاصّة.
وأمّا ما أورده السيد صاحب المنتقى على كلام المحقق الأصفهاني T - من أنّه بناءً على ما التزم به المحقّق من أنّ الحسن والقبح يرجعان الى توافق العقلاء يكون استحقاق العقاب أمراً جعلياً من العقلاء، وحينئذٍ يمكن ردع الشارع عنه - بقوله: (إنّ المقصود من وجوب العمل عقلاً هو إذعان العقل باستحقاق العقاب على مخالفة المقطوع... ثّمّ إنّ تأثير القطع في تنجيز التكليف واستحقاق العقاب ليس أمراً ذاتياً قهرياً... وليس حسن العدل وقبح الظلم من الأحكام العقلية الواقعية, بل من الأحكام العقلائية، وهي ما تطابقت عليها آراء العقلاء لعموم مصالحها وحفظا للنظام...
وبالجملة: مختاره S أنّ استحقاق العقاب أمر جعلي من قبل العقلاء, ورتّب على ذلك قابلية هذا الحكم للمنع شرعاً كسائر مجعولات العقلاء وبناءاتهم)(١٦), فمندفع لسببين:
السبب الاول: إنّ البناء العقلائي على نحوين: بناءٌ لإمضاء إدراكات حاسمة وقضايا جازمة، وهو ما عبّرنا عنه آنفاً بـ (البناء العقلائي المنطقي). وآخر لإمضاء إدراكات متزلزلة، وقد عبّرنا عنه بـ (البناء العقلائي الأصولي). والذي يحتاج الى إمضاءٍ شرعي هو الثاني منهما، إذ يكون الشارع في رتبة متأخرة عنه وناظراً إليه.
وحيث إنّه بناء متزلزل أمكن فيه الإمضاء أو الردع الشرعي، ممّا يكشف عن تصويب الشارع أو تخطئته له, بخلاف الأول - أعني البناء العقلائي المنطقي - فإنّ الشارع ليس في رتبة متأخّرة عنه, بل إنّما حَكَمَ الشارع بهذه القضايا لكونه من العقلاء، بل هو رئيسهم فلا يحتاج الى إمضاء غير إدراكه لها، لا سيّما أنّها قضايا تفيد تصديقاً جازماً على ما بيّنوه في المنطق.
وهذا المعنى مقتضى قانون الملازمة, فلو كان البناء العقلائي المنطقي ممّا يحتاج الى إمضاء شرعي أو أمكن الردع عنه لما كان هناك معنى لقانون الملازمة، إذ هو متزلزل من رأس, كما يُستبعد أن يردع الشارع عن حسن العدل، أو قبح الظلم، أو حفظ النظام.
السبب الثاني: إنّ كلمات المحقّق الأصفهاني S خالية من أي تصريحٌ بقبول مثل هذه القضايا للإمضاء أو الردع الشرعي, وإذا كان في كلامه ما يُشعر بهذا المعنى فقد ذكر في موضع من النهاية كلاماً لعّلّه يُساعد على فهم ما ذُكِر, حيث قال بعد ذكر الفرق بين القضايا المشهورة وبين الضروريات وعدم صيرورتها من المظنونات لمجرّد كونها مشهورة : (بخلاف هذا القسم من المشهورات فإنّها تفيد تصديقاً جازماً ولا يُعتبر مطابقتها لما في الواقع, بل يُعتبر مطابقتها لتوافق آراء العقلاء فافهم ولا تغفل)(١٧), فكونها قضايا جازمة ربّما لا ينسجم إلّا مع البناء العقلائي المنطقي الذي يأبى الإمضاء والردع.
وعلى تقدير أنّه S قد بنى على إمكان ردع الشارع فما بنى عليه ليس مُقوِّما لأصل المسلك الثاني, وإنّما هو تقرير في ضمن هذا المسلك.
الأمر الرابع: في توضيح حقيقة الفرق بين أحكام العقل العملي وأحكام العقلاء (البناء العقلائي الأصولي).
إن معرفة حقيقة الفرق بين العقل العملي وبناء العقلاء مهمّ للغاية, كما أنّ الخلط بينهما أو الجهل بهما يؤدي الى تبنّي أحكام غير صحيحة, وتكمن حقيقة الفرق بينهما في أنّ البناء العقلائي إدراكات مبنية على تقديرات نوعية، أو شخصية غير حاسمة لدى العقلاء تحرّياً منهم للصلاح, فلا تكون جميع خلفيات ومبادئ ذلك التقدير مشهودة عندهم بنحو جازم.
ولهذا قد يعترفون بعدم إطّلاعهم على بعض تلك المبادئ، أو عدم تقدير تداعيات المبادئ المشهودة وضبطها بالشكل المطلوب, بخلاف حكم العقل العملي فإنّه إدراكات مبنيّة على تقديرات مضبوطة لديه, ولا تخفى عليه مبادئ تلك التقديرات وخلفياتها، بل وتداعياتها, إذ لا خفاء في الوجدانيات على الوجدان - كما عبّر المحقّق العراقي S - بعد إرجاعه الحسن والقبح العقليين الى الملائمة والمنافرة للقوّة العاقلة, فلا يتطرّق إليه الشك والاحتمال.
ويترتب على هذا الفرق نتيجة في غاية الأهمية وهي استتباع حكم الشارع للأول، لمكان الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع دون الثاني, فإنّ نظر الشارع إليه نظر ممضٍ أو رادعٍ له, وهو يرجع الى تصويب الشارع العقلاء فيما يقتضيه الصلاح العام، أو تخطئته لهم.
الأمر الخامس: في وجود منطقة توقف العقل عن الحكم بالحسن والقبح.
والمقصود منه عدم حكم العقل بالحسن والقبح بشكل جازم, وتشمل هذه المنطقة العقوبة في بعض حالاتها, فمؤدّى (أنّ العقوبة بلا بيان) يندرج في هذه المنطقة, وحينئذٍ قد يحكم العقل بالاحتياط تجنباً عن الضرر الأخروي المحتمل.
والمعروف بين المتأخّرين عدم ثبوتها, فإنّ العقل إمّا أنْ يحكم بالقبح أو بعدمه ولا ثالث بينهما, وإنّما يظهر هذا المبنى - أي وجود منطقة توقف - من الأصوليين القدماء كما هو الملاحظ من استدلالاتهم على حجيّة الظن المطلق, بأنّ الظن بالتكليف يستلزم الظنّ بالضرر الأخروي - العقوبة - والدنيوي وهو فوات ملاك الفعل, ودفع الضرر المظنون واجب, وكذلك فيما اُستدِل به على الوقف في بحث أصالة الحظر والإباحة.
وقد يُقرَّب تخريج منطقة التوقف بالاعتماد على ثلاث مقدمات:
المقدمة الأولى: إنّ بالإمكان تصوير هذه المنطقة على المسالك المذكورة في الحسن والقبح:
أمّا على المسلك الأول فواضح, لوجود واقع وراء إدراك العقل فيجوز عدم إدراك العقل لهذا السنخ من الواقعيات أحياناً.
وأمّا على المسلك الثاني فلامتناع توقف العقلاء في الاعتبار المناسب في البين.
وأمّا على المسلك الثالث فإنّ النفس في غير موارد الشعور بالحسن والقبح (تارة) تُبرز شعوراً بالأمن وهو ما يناسب الإباحة. (وأخرى) تُبرز شعوراً بالحذر تجاه الفعل وهو ما يُناسب التوقف.
المقدمة الثانية: إنّ العقوبة التي هي من فعل الشارع هي كسائر الأفعال التي تقبل مواقف مختلفة من العقل, فالعقل (تارة) يحكم بقبح العقوبة كما في حالات الجهل المركب والغفلة, (وأخرى) يحكم بحسنها ولو لأجل أنْ يكون عبرة للآخرين. (وثالثة) بعدم حسنها ولا قبحها على سبيل التوقف، كما في موارد العقوبة على المخالفة في حالات الاحتمال.
المقدمة الثالثة: إنّ احتمال العقوبة الأخرويّة يوجب عقلاً الاجتناب عمّا يوجبه من جهة أهمية احتمال العقوبة.
هذا, وقد نوقش في المقدمة الثانية من جهتين:
أولاهما: إنّ الفعل الذي يقع موضوعاً لحكم العقل بالقبح أو عدمه (تارة) يكون ابتدائياً لم يُفرض وقوعه جزاءً لفعل آخر، كحكم العقل بقبح القتل في حدِّ نفسه. (وأخرى) يكون جزائياً كحكمه بعدم قبح القتل إذا كان قصاصاً عن قتل عمدٍ. وخاصّةُ الحكم الجزائي هي أنّ حكم العقل يتفرع ويتأثر بحكمه على الفعل الأول الذي يكون جزاءً له.
ثانيتهما: إنّ عدم قبح العقاب على المخالفة بلا بيان يقتضي صدور عمل قبيح من المكلف لا محالة، وإلّا كانت العقوبة قبيحة, وعليه فلا بدّ أنْ يكون فعل المكلّف عند احتمال وقوعه في مخالفة أمر المولى ممّا يحكم العقل بكونه قبيحاً.
ودعوى أن الفعل يجوز أن يكون مما يحتمل العقل قبحه فيندرج في منطقة التوقف. مدفوعةٌ بأنّ القبح منه ما هو واقعيٌ مترتب على الفعل نفسه, ومنه ما هو ظاهريٌ مترتب على الفعل بما أنّه محتمل القبح الواقعي ومتأخر عنه رتبة. والفعل لا بدّ أنْ يكون محكوماً بالقبح ولو ظاهراً حتى يحكم العقل بقبحه.
فالعقل وإنْ كان يدرك قبح ارتكاب محتمل القبح الواقعي، حيث يكون الفعل المُستحق عليه العقوبة ممّا لا يحكم العقل بقبحه قبحاً واقعياً, ولكن لا يجوز أنْ يكون ممّا لا يحكم العقل بقبحه ولو ظاهراً, فلو لم يرَ العقل لزوم الاجتناب عن الفعل المحتمل القبح, وقبح ارتكابه ولو ظاهراً لم يكن من الوارد وقوع هذا الفعل موضوعاً لحكم العقل بعدم قبح العقوبة عليه.
وبهذا البيان دفع السيد الأستاذ (دامت افاداته) ما أورده صاحب المنتقىS - من عدم العلم بقبح المؤاخذة فيما لو شُكَّ في رضا المولى بالعمل على كلٍ من مسلكي القبح والحسن العقلي - قائلاً: (أمّا العقاب مع التردد والشك في رضا المولى بالعمل وعدم رضاه, فلم يُعلم أنّه من منافرات القوّة العاقلة, كما لا يُعلم أنّ بناءهم على عدمه حفظاً للنظام، لعدم العلم بأنّ المؤاخذة مخلّة بالنظام... فلا تقبح المؤاخذة من المولى على كلا المسلكين).
والحاصل: أنّ موضوع الجزاء لا بدّ فيه من كون الفعل محكوماً بالقبح ولو ظاهراً, وإلّا لم تسغ العقوبة عليه, وما نحن فيه من قبيل الفعل الجزائي لا الفعل الابتدائي, فلا يجوز أنْ يكون الفعل في منطقة الفراغ بقول مطلق.
وباتّضاح الأمور المتقدّمة, فقد جاء في كلمات المتأخرين عدة تقريبات لقاعدة قبح العقاب بلا بيان (البراءة العقلية), نقتصر على ذكر ثلاثة منها:
التقريب الأول: ما أفاده المحقّق النائيني S من أنّ التكليف غير الواصل لا يصلح للداعويّة الموجبة للبعث والانبعاث عنه, قال: (حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان إنّما هو لأجل أنّ الأحكام الواقعية بعد وضوح أنّها لا تكون محرّكة للعبد إلّا بالإرادة, لا يعقل محرّكيتها إلّا بعد الوصول، ضرورة عدم إمكان الانبعاث إلّا عن البعث بوجوده العلمي دون الخارجي... وقبله لا اقتضاء له للمحركيّة أبداً, وإنّما يتمّ محركيّته بالإرادة, وفي فرض الانقياد بالوصول وإحرازه, وأمّا الحكم فهو بنفسه غير قابل للمحركية أيضاً لتساوي احتمال الوجود مع احتمال عدمه, نعم، يصحّ كونه محرّكاً بضميمة خارجية مثل كون العبد في مقام الاحتياط ونحو ذلك)(١٨).
فالحكم حتى يكون فاعلاً ومؤثراً في نفس المكلف وينبعث عنه لا بدّ من أن يكون واصلاً إليه بأنّ يكون في معرض الوصول, ومجرّدُ وجوده الواقعي من دون وصوله لا يكون محرّكاً، ولا يلزم الانبعاث منه, فالعقوبة عليه حينئذٍ قبيحة عقلاً, حيث إنّ المكلّف لم يُخِلْ بوظيفته تجاه المولى حسب الفرض.
وقد ذكر S نحو هذا البيان في فوائده حيث أفاد: (فالمراد من البيان في قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) هو البيان الواصل, لأنّ الإرادة النفس الأمرية لا تكون محركة للعضلات, ولا تصلح للداعويّة, فلا أثر للبيان الواقعي ما لم يصل إلى العبد, وليس قبح العقاب بلا بيان مورد الدليل اللفظي حتى يُستظهر منه الأعم من البيان الواقعي والبيان الواصل, بل هو حكم عقلي ملاكه قصور الإرادة الواقعية عن تحريك العبد نحو المراد)(١٩).
وقد أُورد عليه ثلاثة إيرادات:
الإيراد الأول: ما عن صاحب المنتقى S حيث أورد على كلام المحقق بإيرادين أولهما على تقرير الفوائد, والثاني على تقرير أجود التقريرات, فهو يرى أنّهما تقريبان لا تقريب واحد.
أمّا إيراده على تقرير الفوائد فحاصله(٢٠): أنّ المحقّق لم يتعرض لدفع احتمال ترتّب العقاب على نفس مخالفة التكليف المشكوك الذي هو فعل اختياري, وكلامه المذكور إنّما يصح في دفع احتمال ترتبه على نفس عدم الوصول, وهو فعل غير اختياري يقبح العقاب عليه بلا كلام, ولكنه ليس محل الكلام.
وأمّا إيراده على تقرير الأجود فحاصله: أنّ مراد المحقّق من عدم الاقتضاء إنْ كان هو أنّ العقاب على مخالفة التكليف غير الواصل عقاب وبلا مقتضٍ وحينئذٍ فلا تكليف، فهو ممّا لا يلتزم به هوS ، إذ إنّ مسلكه هو أنّ فعلية التكليف بفعلية موضوعه ولو مع عدم الوصول، فله وجود واقعي بغض النظر عن الوصول وعدمه.
وإن كان مراده من عدم الاقتضاء للعقاب هو عدم المُصحِّح فهو أول الكلام.
هذا محصّل إيرادي السيد صاحب المنتقىS.
ويمكن أنْ يجاب عنهما بثلاثة أجوبة:
الجواب الأول: إنّ جعل تقريري المحقق النائيني S تقريرين مستقلين ومختلفين لا يساعد عليه كلام المحقق نفسه, فإنّهما يرجعان إلى تقريب واحد محصّله: عدم انبعاث العبد بمجرد الوجود الواقعي للتكليف, لأنّ الإرادة الواقعية للمولى من دون إيصالها إلى العبد لا تحرك العبد نحو مراد المولى.
الجواب الثاني: يتوجه على ما أورده على تقرير الفوائد أنّ المحقّق S قد ذكر في غير موضع من تقريريه أنّ متعلّق التكليف هو الفعل الصادر عن إرادة واختيار، وانبعاث الإرادة عن العلم لكونه محرزاً للمعلوم لدى النفس، لا لكون العلم صفة، فإنّ إحراز الشيء لا يغاير ما عليه الشيء من المصلحة والمفسدة.
قال في بحث التجرّي من الفوائد في ردِّ دعوى كون المتعلق هو الانبعاث وحركة الإرادة، وأنّ العلم موضوع على سبيل الصفتيّة ما لفظه: (وأمّا الأولى فلأن المتعلّق هو الفعل الصادر عن إرادة واختيار لا نفس الإرادة والاختيار... وأمّا الثانية فلأنّ الإرادة وإنْ كانت تنبعث عن العلم ولكن لا بما أنّه علم وصورة حاصلة في النفس، بل بما أنّه محرز للمعلوم، فالعلم يكون بالنسبة إلى كل من الإرادة والخمر - في مثاله - طريقاً، بل العلم يكون في باب الإرادة من مقدمات وجود الداعي حيث تتعلق الإرادة بفعل شيء بداعي أنّه الشيء الكذائي، وهذا الداعي ينشأ عن العلم بأنّه الشيء الكذائي)(٢١).
ودعوى (كفاية الملاكات والواقعية لأنْ تكون بيانا وموجبا لإيصال الاحكام الواقعية). مدفوعة بما ذكره المحقّق نفسه في مواضع غير قليلة من عدم كفاية الملاكات لإيصال الحكم الواقعي لا بنفسه ولا بطريقه، فلا تكون بياناً، كما لا تكون ملاكاً لجعل المتمم حال الجهل دائماً.
وعليه يكون إيجاب الاحتياط مشكوكاً فيكون مورداً لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
أضف إلى ذلك أنّ الملاكات الواقعيّة خارجة عن متعلقات التكاليف، وإنّما هي من الدواعي للجعل، وتحصيلها أجنبي عن المكلّف، وعلى تقديره فهي مشكوكة في ما نحن فيه؛ لأنّ الكلام في العقاب وهو واقع في سلسلة معلولات الأحكام لا في رتبة عللها(٢٢).
الجواب الثالث: ما أورده على تقرير أجود التقريرات, فإنّه يمكن أنْ يلاحظ عليه أنّ مراد المحقّق S من الفعلية يتضح ببيان مطلبين:
أولهما: إنّ الأحكام الشرعية عنده عبارة عن إنشاء الحكم على موضوعه المُقدَّر, فتكون من قبيل القضايا الحقيقية, فإذا تحقق ذلك الموضوع خارجاً صار الحكم فعلياً, فالجعل والإنشاء إنّما يكونان أزليين, والفعليةُ إنّما تكون بتحقق الموضوع.
وبهذا البيان أنكر S الحكم الإنشائي الذي التزم به صاحب الكفاية بقوله: (فتحصل أنّه ليس قبل تحقّق الموضوع شيء أصلاً حتى يسمى بالحكم الإنشائي في قبال الحكم الفعلي، إذ ليس الإنشاء إلّا عبارة عن جعل الحكم في موطن وجود الموضوع, فقبل تحقّق موطن الوجود لا شيء أصلاً، ومع تحقّقه يثبت الحكم، ويكون ثبوته عين فعليته، وليس لفعلية الحكم معنى آخر غير ذلك)(٢٣).
ثمّ قال: (فظهر معنى كون إنشاءات الأحكام أزلية, وإنّ تحقّق المنشأ يكون بتحقق الموضوع, ولا يلزم منه تخلُّف المُنشأ عن الإنشاء، وإنّما التخلف يحصل فيما إذا وُجد غير ما أنشأه...)(٢٤).
ثانيهما: إنّ تنجيز الحكم على المكلف إنّما يكون بالوصول بعد فعليته، فالوصول شرط تنجيز التكليف ومع عدمه لا يكون الحكم منجّزاً، فلا استحقاق للعقاب على تقدير المخالفة وإنْ كان الحكم فعلياً, أي متحقق الموضوع خارجاً.
وقد أشار إلى هذا المعنى في تنبيه له حول رجوع القيد في القضية إلى الهيئة أو المادة فقال: (تنبيه: ظهر بما ذكرناه من أنّ المُنشأ للمولى ليس إلّا الحكم على تقدير وجود موضوعه أنّ وجود الموضوع مساوق لفعلية الحكم، وإن كان يشترط في تنجّزه على المكلف واستحقاق العقاب على مخالفته أنْ يكون واصلاً إليه، وفي ظرف عدم الوصول وجداناً أو تعبداً لا يمكن أن يكون منجّزاً، وإنْ كان فعلياً بوجود موضوعه)(٢٥).
ففعلية التكليف أمر، وتنجّزه أمر آخر, فالفعلية عنده إنّما تتحقّق بالعلم بالتكليف صغرى وكبرى، وأمّا التنجيز فإنما هو بالوصول.
ويشهد لما ذكرناه ما أفاده S في مسألة اقتضاء النهي للفساد وعدمه في العبادات: (وأمّا القسم الثالث ـ كون المانعية ناشئة من التزاحم ـ فلا إشكال في أنّ المُوجِب للتقييد فيه هو تنجّز خطاب الأهم، وكونه موجباً لعجز المكلف عن امتثال خطاب المهم، فما لم يتنجّز خطاب الأهم لا موجب للتقييد وإن كان هناك التكليف بالأهمّ ثابتاً في الواقع كما في مورد الجهل والنسيان، فعند الشك في وجود التكليف بالأهم يقطع بعدم وجود مزاحم للتكليف بالمهم... ولا ينافي ذلك وجود التكليف في الواقع لعدم كونه مزاحماً للتكليف الفعلي ما لم يكن واصلاً إلى المكلف وشاغلاً له بامتثاله عن امتثال غيره)(٢٦).
وبهذا يظهر ما في إيراد السيد صاحب المنتقى S ، فإنّ الفعلية عند المحقّق النائيني S إنّما تتحقّق بتحقّق موضوع الحكم خارجاً، ولا ينافي ذلك عدم تنجّزه وعدم استحقاق العقوبة عليه حال المخالفة؛ لكونه غير واصل وإن كان الحكم فعلياً واقعاً، فعدم استحقاق العقاب ليس على عدم التكليف لكونه غير فعلي كما هو ظاهر المنتقى، بل لعدم تنجّزه بالوصول, فالعقاب عليه عقاب بلا مقتض ٍ.
الإيراد الثاني: ما حُكِي عن بعض الأعاظم F وحاصله: (إنّ لازمَ ما ذُكر إنكارُ كاشفية الاحتمال وقيمته، فإنّ الاحتمال بما له من عرض عريض ذو كاشفية بالنسبة إلى الواقع, ولكن ليست تامّة كما في العلم، بل هي رؤية ناقصة، ولهذا قد يتولّد العلم من تراكم الاحتمالات واجتماعها في محور واحد.
فالعلم والاحتمال من سلسلة واحدة أولها الشك وآخرها العلم، وهما صفتان نفسيتان ترتبطان في ذهن الإنسان, وبذلك يتّضح أنّ التأثّر في حالة الاحتمال كالتأثّر في حالة العلم من حيث إنّهما تأثّر عن الواقع بالعرض, وأنّ الاحتمال كالعلم شرط في هذا التأثر وليس مستقلاً قبال الواقع.
ومن جهة أخرى فإنّ للاحتمال تأثيراً وفاعلية بحسب الموازين المتعارفة عند العقلاء في مرحلة الترابط بين الوسيلة والهدف، فلا تقتصر أفعالهم وتروكهم على ما إذا قطعوا بالترابط بينهما وإلّا لتوقف الناس في كثير من أمورهم ومقاصدهم.
نعم, بناء العقلاء على إعمال الجهد بتجميع الشواهد والقرائن الموجبة والنافية في مرحلة استكشاف مستوى الترابط المذكور ودرجته الاحتمالية، وفي مرحلة تقويم الهدف ومدى وزنه وأهميته، ثم بذل الجهد في الموازنة بين الاحتمال والمحتمل، فإن كان الاحتمال قوياً والمحتمل ذا أهمية فإنهم يرونه قائماً مقام العلم، وإلّا فلا يرونه كذلك، بل ربما يستحسنون الاحتياط وربّما لا يستحسنونه، وإذا كان الاحتمال ضئيلاً ويعد الاهتمام به وسوسة فهو مذموم عقلاءً وشرعاً، كما أنّ درجة الاحتمال كلّما كانت أقوى فإنّه يكفي في قيامه مقام العلم في محتملٍ أقل أهمية، وكذا العكس فإنّ أهمية المحتمل تجبر نقص درجة الاحتمال، وليس من الوارد بوجه إلغاء قيمة الاحتمال مطلقاً).
ومحصل كلامه F أنّ اللازم من بيان المحقّق النائيني S إنكار قيمة الاحتمال وعدم الاعتناء به، هذا مضافاً إلى أنّنا نجد أن للاحتمال نحو محركيّة باتجاه المحتمل بحسب الموازنة بين درجة الاحتمال وأهميّة المحتمل، وهذه الموازنة من ارتكازات العقلاء في تصرفاتهم.
وسنذكر هذا الإيراد بعد ذكر إيراد السيد صاحب البحوث S على كلام المحقّق S ، فإن الإيرادين متقاربان, فيكون جوابهما واحداً.
الإيراد الثالث: ما أورده صاحب البحوث S بقوله: (وهذا البيان أيضاً غير تام, لأنّ المُحرِّك على قسمين:
١ ـ المحرّك التكويني: وهو الذي ينشأ من وجود غرض تكويني نحو الشيء, ملائم مع قوّة من قوى الإنسان أو رغبة من رغباته.
٢ ـ المحرّك التشريعي: وهو عبارة عن حكم العقل بلا بدِّية التحرّك سواء أ كان لدى الإنسان غرض أم لا.
فإنْ كان النظر إلى التحرّك التكويني فالشيء بوجوده الواقعي وإنْ لم يكن هو المحرّك التكويني بل بوجوده الواصل ـ لأنّ وجوده الواقعي ليس أحد مبادئ الإرادة والتحرّك ولا دخل له في تكوين غرض نفساني له, وعملية التحرّك عملية شعورية بحاجة إلى الوصول ـ إلّا أنّ للوصول مراتب من جملتها الوصول الاحتمالي, وبحسب تفاوت درجات أهمية الشيء تختلف المحركيّة.
وأمّا المحرّك التشريعي فمرجعه إلى حق الطاعة فهو الذي يُلزِم بتطبيق العمل على وفق ما أمر به المولى ويحكم بلا بدّيته.
والكلام بعدُ في هذا الحق وحدوده, فمن يقولُ به حتى في حالات الشك وعدم العلم بالتكليف يرى وجود المحرّك المولوي وثبوت الموجب له حتى مع الوصول الاحتمالي)(٢٧).
والايرادان متقاربان خصوصاً في الشق الأول من كون المحقّق S لا يعتني بقيمة الاحتمال مطلقاً.
وقد اُجيب عن الاثنين:
أمّا ما يتعلق بالشق الاول من الايرادين فبما حاصله: أنّ المحقّق S ليس بصدد إنكار قيمة الاحتمال, ولكنّه يُفصِّل بين مقاصد الإنسان لنفسه ومقاصد الغير في قيمة الاحتمال:
أمّا فيما يتعلق بمقاصد الإنسان لنفسه فهو بمقدار ما يهتمّ بشيءٍ قد يتأثر بذلك الاحتمال عقلاً، ويجب عليه أنْ يتحرك, ووجوب دفع الضرر المتحمل قاعدة معروفة في كلمات الأصوليين وموضع اعتراف الجميع, وقد حلّلوا هذه القاعدة على أساس التحسين والتقبيح العقليين.
وانبثق في كلمات المتأخرين كصاحب الكفاية وجه آخر مضافاً إلى الجانب العقلي وهو كونه أمراً غريزياً جبليّاً فطرياً يوجد حتى في الحيوانات.
وأمّا فيما يتعلق بمقاصد الغير فليس الأمر كذلك, فإنّ وظيفة الغير أنْ يُبلغ مقصوده إلى من يُطلب منه أنْ يأتي بموقف ما, ومجرّد احتمال وجود مقصد للغير ليس بالمؤثر والمُحرِّك في نفس الغير, بل حتى مع علم الإنسان ـ بمقصد الغير الذي هو تحت رعايته ـ بأهمية المحتمل عند الغير لابد من استكشاف خطاب ثانوي - الطريقي عند المحقّق الآخوند والنفسي للغير عند المحقّق النائيني T - للحفاظ على المقاصد الأوليّة كوجوب الاحتياط مثلاً.
ولهذا قال المحقّق النائينيS: (إذاً الأحكام الواقعية الشاملة الصورة الشك فيها من باب نتيجة الإطلاق, حيث إنّها بنفسها لا تكون قابلة للمحركيّة والباعثيّة في حال الشك, إذ المحركيّة والباعثيّة تتوقفان على وصول الحكم بنحو من أنحاء الوصول ومع عدمه يكون المكلف في حَيرة وضلال. (فتارة) تكون ملاكاتها من الأهمية بمرتبة تقتضي جعلاً آخر في ظرف الشك يوجب كون الحكم الواقعي واصلاً بطريقه ومتنجّزاً ولو مع الجهل به، كما في موارد إيجاب الاحتياط أو أصالة الحرمة. (وأخرى) لا تكون تلك الملاكات مقتضية لجعل نفس الأحكام الواقعية من دون أنْ تستتبع لجعل آخر في ظرف الجهل.
أمّا في القسم الأول فلا ريب في أنّ حكم الشارع بوجوب الاحتياط أو أصالة الحرمة ـ كما في موارد الخروج والدماء والأموال في الجملة ـ راجع إلى إيجاب الاحتياط بالدقة, إذ الحكم بها أيضاً ينشأ في الاهتمام بالأحكام الواقعية في موردها يوجب تنجّز الواقع في ظرف الاصابة...)(٢٨).
كما أنّه ذكر في فوائده في الثالث من الوجه الاول من مبحث حجيّة مطلق الظن ما لفظه: (وعلى كل حال سواء قلنا بأنّ حكم العقل في مورد احتمال الضرر طريقي أو موضوعي فحيث كان هذا الحكم العقلي واقعا في سلسلة علل الاحكام فيستتبع الحكم الشرعي بقاعدة الملازمة على طبق ما حكم به العقل, فإنْ كان الحكم العقلي طريقيّاً فالحكم الشرعي المستكشف منه أيضا يكون طريقيّاً, نظير إيجاب الاحتياط في باب الدماء والفروج.
وإن كان موضوعيا فالحكم الشرعي كذلك, ولا يمكن أنْ يتخلف الحكم الشرعي عن الحكم العقلي في الموضوعية والطريقية, بل يتبعه في ذلك لا محالة, وهذا الحكم العقلي الطريقي أو الموضوعي المستتبع للحكم الشرعي على طبقه يكون حاكماً على أدلّة الأصول الشرعية من البراءة والاستصحاب كما يكون وارداً على البراءة العقلية...)(٢٩).
والحاصل: أنّ التأمّل بمجموع كلمات المحقّق النائيني S يُفضي إلى أنّه لا يقول بعدم وجود قيمة للاحتمال في ما يتعلق بمقاصد النفس, بل فيما يتعلق بوجود مقصد للغير فإنّه لا يُحرِّكه مجرد وجود مقصد له, فلابُدَّ من إحراز إرادته.
بل حتى في حالة أهمية المحتمل مثل الأعراض ونحوها ممّا يُعلم اعتناء المشرّع بها لا بدّ من إحراز إرادة نفسية للغير أو طريقية للحفاظ على الملاكات الأولية بحكم العقل، فلا يحصل التأثّر إلّا إذا ثبت موقف للغير: إمّا موقف أولي كما في الأحكام الواقعية. وإمّا موقف ثانوي للحفاظ على الملاكات الأولية في حالات الجهل، ومع استكشاف أهمية المحتمل عند الغير لا يكون التحرّك لمجرّد أهمية المحتمل عند الغير, بل لا بدّ - بحكم العقل - من استكشاف موقف ثانوي بنحو الحكم الظاهري تُحفظ به تلك الملاكات , ليتأثّر الغير من ذلك الموقف.
وأمّا الشق الثاني من إيرادهما فما ذكره بعض الأعلام S في بحوثه من رجوع المحرّك التشريعي إلى حق الطاعة إلى آخر كلامه, غيرُ وارد؛ وذلك لما أجاب به سيدنا الأستاذ F فيما نحن فيه وحاصله أنّ المحقق النائيني S لا يُنكر أنّ لزوم مراعاة الأحكام الشرعية مبني على حق الطاعة، بل هو معروف بين المتكلمين والأصوليين, كيف وهو من الأمور الثابتة؟ وما ذكروه من الهتك والظلم إنّما يرجع إلى عدم مراعاة حق الطاعة.
وتوقفُ المحقّق S إنّما هو في أنّ هذا الحق مضاف إلى الطاعة ولا بدّ من وجود التكليف المطلوب إطاعته, وإلّا لأصبح العمل محتمل الطاعة والموافقة لا طاعة فعلاً. فلا بدّ من ثبوت إرادة وموقف للغير كي تصدق الطاعة والموافقة.
فالاختلاف بين المحقّق والمعترض إنّما هو في المنهج الفكري لا في التعبير, فربّما ينطلق المحقّق S من المنهج الذي يرى أنّ الواجب علينا تجاه المولى هو الطاعة والموافقة, وهو يقتضي ثبوت موقف له ليُطاع عليه ولو كان هذا الموقف أمراً ظاهرياً بالاحتياط عند الشك في الحكم الواقعي. بينما يرى صاحب البحوثS أنّ هذا الحكم يكون فاعلاً حتى لو كان محتملاً.
فالمحقّق S ينكر وجود مراتب للطاعة ـ بخلاف صاحب البحوث S ـ فهي عنده التأثّر بالغير على نحو يُحرَز وجود إرادة ذلك, لأنّ الملاكات ليست بنحو تقتضي مراعاة الاحتمال.
وأمّا ما ذكره بعض الأعاظم F في الشق الثاني من اعتراضه على المحقّق النائيني S ـ من لزوم ملاحظة درجة الاحتمال والمحتمل فيكون هو المهم في تحقيق حال الأحكام الشرعية, هل هي من الأهمية بحيث يتنجز الاحتمال بالنسبة لها, أم هي على مراتب متناوبة فلا بدّ من إحراز أهمية المحتمل فيها ـ فقد ظهر الجواب عنه بما تقدّم عن سيدنا الأستاذ, فإنّ المحقّق S يعترف بأنّ الحكم إذا كان مهماً عند الشارع فينبغي رعايته. ولكن الخلاف بينهما من جهة تحليليّة, فالمعترض يرى أنّ موضوع الحكم الجزائي لاستحقاق العقوبة تتوسّع أهميته، بخلاف المحقّق S فإنّه يرى أن المحتمل إذا كان مهماً فينبغي استكشاف حكم ظاهري طريقي يُعبّر عنه بـ (متمم الجعل) نظير ما يستكشفه من المقدمات المفوّتة, فيتحقّق نفس العلم المأخوذ في حكم العقل الجزائي.
ولزيادة إيضاح مراد المحقق النائيني S ننقل محصل ما أفاده السيد الاستاذ فنقول:
إنّ للمحقّق فكرة سيّالة, فهو يُقسِّم إدراكات العقل في شأن الأحكام الشرعية إلى قسمين: قسم يرتبط بعلل الأحكام ومبادئها. وآخر يرتبط بمعلولاتها أي في الموقف الذي ينبغي أنْ يتّخذه المكلف من الطاعة أو المعصية.
فإنْ كان من القسم الأول كما في الحسن والقبح العقليين فهنا يرد قانون الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، ولا محيص عن استكشاف حكم شرعي على وفق الحكم العقلي.
وإنْ كان من القسم الثاني فحكم العقل لا يوجب حكماً شرعياً, لا طاعة ولا معصيةً شرعاً, وإلّا لزم التسلسل. وهذه الفكرة مذكورة في كلمات غير واحد من الأصوليين كالسيد الخوئي S في بحث التجرّي.
وعليه فالمحقّق النائيني S يرى أنّنا إذا أحرزنا أهمية المحتمل عند المولى كان هذا من القسم الأول لا الثاني.
ومنثَمَّة يجب أن نستكشف حكماً شرعياً طريقياً ظاهرياً على وفقه, وقد ذكر المحقّق S هذه الفكرة في الوجه الأول من الوجوه التي استدل بها على حجيّة الظن المطلق فقال: (الأمر الثاني: تقدّم في بعض المباحث السابقة أنّ ملاكات الأحكام تختلف من حيث الأهمية, فقد يكون الملاك بمثابة من الأهمية في نظر الشارع بحيث يقتضي تحريم جملة من المحللات ظاهراً لإحراز الملاك والتحفظ عليه، وقد لا يكون الملاك بتلك المثابة من الأهمية.
وطريق الاستكشاف أنّ ملاك الحكم من أي قبيل إنّما يكون بجعل المتمّم، فإنّه لا بدّ للشارع من جعل المتمم إذا كان الملاك مما يجب رعايته، إذ لا طريق للعباد إلى إحراز كون الملاك بتلك المثابة من الأهمية حتى يجب عليهم التحرّز عن فوته في موارد الشك... فمن عدم إيجاب الاحتياط في مورد يستكشف كون الملاك ليس بتلك المثابة من الأهمية، ولو شك في جعل المتمم ووجوب الاحتياط في موردٍ فالأصل يقتضي البراءة؛ لأنّه يندرج في قولهe: (رفع ما لا يعلمون) فإنّ أمر المتمم وضعاً ورفعاً بيد الشارع فيشمله حديث الرفع.
الأمر الثالث: الضرر الذي يستقل العقل بقبح الإقدام على ما لا يؤمن من الوقوع فيه... فإنْ كان الحكم العقلي طريقيّاً فالحكم الشرعيّ المستكشَف منه أيضاً يكون طريقيّاً، نظير إيجاب الاحتياط في باب الدماء والفروج)(٣٠).
فما ذكره المعترض من تأثير الاحتمال مع أهميّة المحتمل لم يغفله المحقّق النائيني S كما هو واضح , ولعلّ عدم ذكر المحقّق له في ما نحن فيه كان لأجل أنّ الكلام عن معلولات الأحكام لا عن عللها, فيكون الخلاف بين المعترض والمحقّق في أنّ المعترض يجعل أهميّة المحتمل من شؤون معلولات الأحكام, ولذا يقول إنّ احتمالَ الحكم مُنجِّز للتكليف، ويوسّع موضوع الحكم الجزائي للاحتمال, في حين أنّ المحقّق يربطه بعلل الأحكام ولا يرى حاجة لتوسعة موضوع الحكم الجزائي, فإنْ كان المحتمل مهمّاً كان هناك بيانٌ للحكم الشرعيّ الظاهريّ, وعلى هذا يكون طرح المحقّق S كاملاً.
التقريب الثاني: ما أفاده المحقّق الأصفهانيS, ويبتني على مقدّمتين:
أُولاهما: أنّ الحكم الفعلي هو ما يُنشأ بداعي جعل الداعي بالإمكان، لا بداعي تنجيز الواقع, وهو يتقوّم بالوصول وبلوغه إلى حيث ينتزع عنه عنوان البعث والانبعاث قال: (قلتُ: الحكم الذي أمره بيد المولى هو الإنشاء بداعي جعل الداعي وانبعاث المكلف، والإنشاء لا بذلك الداعي ليس من الحكم الحقيقي ولا من مراتبه...)(٣١).
ثانيتهما: أنّ موضوع حكم العقل باستحقاق العقاب هو مخالفة التكليف الواصل المُتحيِّث بعنوان الظلم لا مطلقاً, قال: (إنّ استحقاق العقاب بحكم العقل موضوعُه مخالفة التكليف الواصل المنطبق عليها الظلم؛ لكونه خروجاً عن زي الرقيّة ورسم العبوديّة، وليس نفس المخالفة مقتضية للاستحقاق ووصول التكليف شرطاً، إذ الحكم بالاستحقاق بالإضافة إلى مخالفة التكليف الواصل المنطبق عليها الظلم حكم بالإضافة إلى موضوعه)(٣٢).
هذا, وقد جعل السيد صاحب البحوث S كلّا ً من المقدّمتين دليلاً على حدة، حيث جعلهما ثالث ورابع أدلّة القوم على البراءة العقلية، إلّا أنّ السيد صاحب المنتقى S جعلهما دليلاً واحداً, وهو المناسب بالتأمّل في مجموع كلمات المحقّق الأصفهانيS.
وكيف كان، فمراد المحقّق الأصفهاني واضح، فإنّ الأمر الواقعي مهما بلغ لا يُعقل اتّصافه بالداعويّة بحيث يوجب انقداح الداعي في نفس العبد ما لم يصل إليه، فالإنشاء بداعي جعل الداعي بالإمكان لا يُعقل أنْ يكون كذلك إلّا بعد وصوله بحيث يترتّب على مخالفته العقاب بعد تعنونه بعنوان الظلم، فعنوان الظلم من قبيل الحيثيّة التعليليّة الّتي ترجع إلى الحيثيّة التقييديّة في الأحكام العقليّة.
وقد أُورد على بيان المحقق الأصفهاني S بإيرادين:
الإيراد الأوّل: ما عن السيّد صاحب المنتقى S من أنّ التكليف في حالة الاحتمال يتوفّر فيه إمكان الداعوية, بمعنى أنّ الداعي حيث إنّه موافقة الأمر فهو موجودٌ في ظرف الاحتمال, قال: (إنّ التكليف في صورة الاحتمال له إمكان الداعويّة, إذ الداعي ليس هو نفس الأمر فإنّه سابقٌ على العمل وجوداً... وإنّ الداعي هو موافقة الأمر وامتثاله. والموافقة يمكن أن تكون داعية في ظرف الاحتمال كما في موارد الاحتياط)(٣٣).
ويمكن أن يجاب عنه:
أوّلاً:أنّ الداعي في كلمات المحقّق الأصفهاني S هو ما ينبعث عنه المكلّف ويتحرّك نحو المطلوب, فهو إعطاء شحنة المحركيّة للمكلّف كي ينبعث عن الحكم.
وبعبارة أخرى: إنّ الداعي حسب ما يظهر من كلامه S هو فعليّة البعث والزجر, ولهذا قال: (إنّ الإنشاء بلا داعي محال, والإنشاء بغير داعي جعل الداعي من سائر الدواعي، فعليتُه فعليّة ذلك الداعي، لا فعليّة البعث والزجر, فليس مثله من مراتب الحكم الحقيقي الذي يُترقب من الفعليّة والتنجيز , فلا محالة يكون الحكم الواقعي هو الإنشاء بداعي جعل الداعي وهو تمام ما بيد المولى، وتمام ما هو الفعلي من قبله)(٣٤).
فما فهمه السيد صاحب المنتقى S من أنّ الداعي هو موافقة الأمر قد لا يكون مناسباً مع كلام المحقّق S.
ثانياًً: على تقدير تسليمه فلا مجال لإمكان أنْ تكون الموافقة داعية في ظرف الاحتمال, لما ذكره المحقّق الأصفهاني من أنّ الحكم الواقعي مهما بلغ فإنّه لا يتنجَّز إلّا بالوصول, ومجرّد احتماله من دون إيجاب الاحتياط لا يكفي في داعويّة المكلّف نحو التكليف.
هذا إذا كان مراد السيد صاحب المنتقى S من الداعويّة ما تكون بلحاظ الاحتمال, وإذا كان مراده أنّ تلك الداعوية بلحاظ المحتمل فيرد عليه ما تقدّم من أنّ الملاكات الواقعية غير كافية في بعث المكلف لتحصيلها إلا بإحراز أهميّة المحتمل, وذلك باستكشاف خطاب ثانويّ ظاهريّ لمراعاة تلك الملاكات.
وسيأتي مزيد بيان في الجواب على إيراد السيد صاحب البحوث S.
الإيراد الثاني: ما أورده السيد صاحب البحوث S بقوله: (أوّلاً: أنّ الإنشاء يمكن أنْ يكون محرّكاً في حالة الوصول الاحتمالي بناءً على سعة دائرة حق الطاعة، فهذا الوجه يتوقف على ضيق حق الطاعة في المرتبة السابقة فلا يكون إلّا مصادرة.
ثانياً:أنّ غاية ما تقتضيه عدم وجود الحكم بالمعنى المذكور، وأمّا ملاكات الحكم ومبادؤه في المصلحة والمفسدة والإرادة والكراهية فهي أمور تكوينيّة محفوظة في حالات العلم والجهل معاً, وهذه المبادئ هي روح الحكم وحقيقته, وهي تكفي للحكم بالمنجزيّة وحق الطاعة للمولى في موارد احتمالها، سواء سُمِّي ذلك حكماً اصطلاحاً أم لا) (٣٥).
ويرد عليه:
أوّلاً: ما أورده S نفسُه من كونه مصادرة, فهو يرد عليه أيضاً حيث إنّه مبني على سعة دائرة حق الطاعة في الرتبة السابقة وهو أوّل الكلام.
ثانياً: ما أورده سيدُنا الأستاذ (دامت افاداته) وحاصله: ((أما قوله (أوّلاً...) فإنّه لا علاقة لكلام المحقّق الأصفهاني S بحق الطاعة, وكلامه إنّما يرتبط بالخطاب الذي جعله المُقنِّن, فهو إنّما حصلت الإرادة الفعلية له في تأثر مَن يَعلم, لا تأثر مَن يحتمل. فإن تأثّر من يحتمل لا علاقة له مع جعل الخطاب واقعاً, ومع عدم فعليّة الخطاب لا يكون من المناسب افتراض حق الطاعة بالنسبة إليه, إلّا إذا حصلت له إرادة أخرى بخطاب يوصله، ولو من قبيل وجوب الاحتياط.
إذن كلام المحقّق S ينصبّ حول القصور في مستوى الحكم.
وأمّا قوله (ثانياً ...) فالجواب عنه في غاية الوضوح، فإنّ مبادئ الحكم الإنشائي ليست مبادئ حاسمة لازمة المراعاة, ومبادئ الحكم الفعلي ـ بحسب اصطلاح المحقّق الآخوندـ هي التي يلزم مراعاتها. فهناك ملاكات تصحّح جعل الحكم , ولكن لا يصير الحكم بذلك فعلياً.
فمراد المحقّق هو أنّ الحكم غير الفعلي هو القصور في مرحلة الملاك، ولو كان الملاك تامّاً فينبغي على الشارع إمّا أن يوصل الحكم تكويناً أو يجعل حكماً ظاهرياً بوجوب الاحتياط ويوصله, وما لم يفعل ذلك فإنّه يعني وجود فتور في مرحلة الحكم). إلخ ويمكن الاستشهاد لما ذكره (دامت افاداته) بكلام المحقّق الأصفهاني نفسه في غير موضع من نهاية الدراية. فقد ذكر في الجواب عن موارد النقض بالمناقضة بين الحكم الواقعي والأصول الشرعيّة ما لفظه: (فالخطابات الواقعيّة ما لم تصل إلى المكلف بنحو من الوصول ولو بالحجّة الشرعيّة أو الأمر الاحتياطي لا يُعقل أنْ تتّصف بكونها باعثاً وداعياً، أو زاجراً وناهياً. وبهذا ترتفع المناقضة...)(٣٦).
وأفاد في موضع آخر: (يمكن أن يقال: إذا كان العلم بالاهتمام صالحاً للكشف عن وجوب الاحتياط شرعاً, وكان منجزاً له حيث إنّه حكم طريقي لا يكون فعلياً منجزاً للواقع إلّا بعد وصوله إلى المكلّف, كان صالحاً لتنجيز الواقع, ونفس العلم بالأحكام صالح للاحتجاج به، والمؤاخذة على الواقع المجهول...)(٣٧).
التقريب الثالث: ما حُكِي عن بعض الأعاظم F من الموازنة بين درجة الاحتمال وأهميّة المحتمل, ويبتني ما أفاده F على معادلة ذات عنصرين:
أوّلهما: مستوى الاحتمال من حيث القوّة والضعف.
ثانيهما: مستوى أهمّيّة المحتمل في نفسه.
فالقوّة في أحدهما تجبر الضعف في الآخر, وهذه الموازنة مشهودة عند العقلاء, فإنْ كان الاحتمال قوياً والمحتمل ذا أهمية فإنّهم يرونه قائماً مقام العلم, كما أن درجة الاحتمال إذا كانت أقوى فإنّه يكفي في قيامه مقام العلم في محتمل أقل أهمية, وكذا العكس بأنْ كان المحتمل ذا أهمية عالية ودرجة الاحتمال ضعيفة فإنّهم يبنون على الإتيان به، إذ ضعف الاحتمال تجبره قوّة المحتمل.
وعليه فمع عدم ثبوت قوّة المحتمل وأهمّيّته ـ ولو بإيجاب خطاب ثانوي ـ وضعف الاحتمال لا يكون هناك ما يدعو لمراعاته بنحو الإلزام.
هذا, وقد أضاف سيدنا الأستاذ (دامت افاداته)عنصراً ثالثاً لبيان أستاذه F المتقدّم ممّا يُعدُّ تطويراً له, فتكون أطراف المعادلة عنده ثلاثيّة.
وهذا العنصر هو مقدار المؤونة التي يحتاج إليها المُدرِك في مراعاته لتحصيل المحتمل خارجاً, وهذا العنصر أمر محسوس لدى العقلاء حتّى في مقام الأغراض المعلومة، فرُبَّ غرض يكون إلزامياً في نفسه، فإذا توقف على بذل مؤنة زائدة عملاً لا يكون لاقتضائه الإلزامي امتدادٌ في تلك الحالة، كما في عدم وجوب مراعاة العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة.
ونفس هذا القانون يجري في حالات الاحتمال, فكون الغرض والإرادة ـ في هذه الحالات ـ محرّكين يقتضي مراعاة الحكم المحتمل, وبه يَرفع الشخصُ المُحتمِلُ اليدَ عن جملة من الترخيصات ويُضيِّق على نفسه في أثر ذلك.
ولهذا فكونُ الإرادة إرادة إلزامية لا يقتضي بالضرورة لزوم بذل هذه المؤونة لمراعاة الحكم في حالة الاحتمال, نظراً إلى أنّ كون المصلحة والغرض إلزاميين للمشرّع أمرٌ, وكون هذا الغرض مقتضياً لارتكاب هذا التكليف في حالات الاحتمال أمرٌ آخر، كما نجد ذلك من أنفسنا في مورد الإرادة التكوينيّة.
وعلى ضوء هذه المعادلة يقال: إنّ كمال التشريع يقتضي من الشارع إيصال وجوب مراعاة مراداته الاحتمالية لو كانت إرادته حقاً تبلغ الدرجة التي تستوجب بذل مثل هذه المؤونة لأجل مراعاتها, فلابُدّ من إيصال تلك الأحكام بطرق قطعيّة.
فإنْ لم يُوصِل الشارع تلك الأحكام لا بشكل قطعي, ولا بإيجاب الاحتياط بالنسبة إليها, أمكن حينئذٍ أن يُستكشف من نفس عدم الإيصال أنّ مراد المولى لم يبلغ عنده تلك الدرجة من الأهمية والشدّة الّتي تقتضي مراعاته في حالات الاحتمال.
وبعبارة أخرى: إنّ عدم إيصال الحكم الواقعي بطريق قطعي من جهة، وعدم إيصال وجوب الاحتياط في ربط الجهل بالحكم من جهة أُخرى، قد يكون دليلاً إنيّاً على ضعف الإرادة المولويّة في المورد, وأنّها لم تكن بالدرجة التي تقتضي مراعاة الحكم بشكل قطعي.
وهذا ما نفترضه في بحث البراءة فعلاً, حيث لم يتمّ دليل خاصّ على الاحتياط, ومن خلال عدم بيان الشارع لوجوب الاحتياط نستكشف أنّ الإرادة التشريعيّة لم تكن بتلك الدرجة من القوّة بالنسبة للأحكام الواقعيّة , بحيث تقتضي إيجاب مراعاة تلك الأحكام بشكل قطعي.
وهذا البيان ليس بعيداً عن كلمات الأصوليين, بل قد يُمثِّل العمق لمسألة جريان البراءة العقليّة، وأنّ المقاصد التشريعيّة في الحقيقة إمّا أنْ نثبت أنّها ليست بدرجة من الأهمّيّة بملاحظة عدم وجوب الاحتياط فيها, وإمّا أنْ نقول عند الشك في أهميتها عند الشارع إن ذلك بمثابة الشك في أهمّيّة الشكّ في نفوسنا. وهو لا يوجب حركة وتضييقاً على النفس في ضوء المعادلة التي أشرنا إليها .
والفرق بين هذا البيان وبين البيان الأصلي أنَّ على البيان الأصلي يكفي عدم إحراز أهمية المحتمل في عدم لزوم مراعاة المحتمل, من غير أنْ يتعرّض لإثبات ضعف المحتمل في حدِّ نفسه.
وأمّا على البيان المُطوَّر فبالإمكان استكشاف ضعف المحتمل عند الشارع من جهة عدم التنبيه على لزوم مراعاته وعدم وجوب الاحتياط, إذ لو كانت مراداته مهمّة لوجب عليه أن يُوصلها ولو بإيجاب احتياط في البين.
والحاصل من جميع ما تقدَّم في هذا المقام: أنّ حكم العقل بالبراءة العقلية لا غبار عليه, وأنّ التقريبات المذكورة إنّما هي منبّهات لذلك الحكم العقلي على اختلاف الجهات المنظورة فيها من: عدم فاعلية الحكم مع عدم الوصول - كما عليه المحقق النائيني S -.
أو عدم كون الحكم حقيقيا معه - كما عليه المحقق الأصفهاني S -.
أو اقتضاء الموازنة العقلائية على البيان الأصلي عدم لزوم مراعاة المحتمَل ما لم تثبت أهميته في مورد ضعف الاحتمال - كما عليه بعض الأعاظم F-.
أو اقتضائها ذلك من حيث إنّ كمالَ التشريع إيصالُ المولى مراداته الاحتمالية فيما لو كانت بدرجة من الأهمية توجب مراعاتها ولو في ظرف الاحتمال بطرق قطعيّة - كما عليه سيدنا الأستاذ (دامت افاداته)-.
المصادر
١ - الانتصار للسيد المرتضى S طبعة مؤسسة النشر الإسلامي .
٢ - المُقنع للشيخ الصدوق S طبعة مؤسسة الإمام الهادي C.
٣ - الخلاف للشيخ الطوسي S طبعة مؤسسة النشر الإسلامي .
٤ - السرائر للشيخ ابن إدريس الحلي S طبعة مؤسسة النشر الإسلامي .
٥ - فرائد الأصول للشيخ الأنصاري S طبعة مجمع الفكر الإسلامي .
٦ - نهاية الدراية للمحقّق الشيخ محمّد حسين الأصفهاني S.
٧ - فوائد الأصول للمحقّق الشيخ محمّد حسين النايئني S.
٨ - أجود التقريرات للمحقّق الشيخ محمّد حسين النائيني S.
٩ – المقالات للمحقّق الشيخ آغا ضياء الدين العراقي S.
١٠ - نهاية الأفكار للمحقّق الشيخ آغا ضياء الدين العراقي S.
١١ - مصباح الأصول للسيد الخوئي S.
١٢ - منتقى الأصول للسيد الروحاني S.
١٣ - بحوث في علم الأصول للسيد الشهيد محمّد باقر الصدر S.
١٤ - مباحث الأصول للسيد الشهيد محمّد باقر الصدر S.
١٥ – دروس في علم الأصول الحلقة للسيد الشهيد محمّد باقر الصدرS.
١٦ - الرافد في الأصول للسيد علي الحُسيني السيستاني F.
١٧ - العلم الإجمالي: حقيقته, منجزيته عقلاً للسيد محمّد باقر السيستاني (دامت افاداته).
(١) بالإضافة الى ما فهمتُه من كلمات السيد الأستاذ سماحة السيد محمد باقر السيستاني (دامت افاداته)
(٢) بحوث في علم الأصول ٥: ٢٥ – ٢٦.
(٣) المُقنع : ٣ طبعة مؤسسة الإمام الهاديg.
(٤) الانتصار للمرتضىS: ٤٢٤ طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.
(٥) الخلاف ٢ : ١١٩ طبعة مؤسسة النشر الاسلامي.
(٦) الخلاف ٦ : ٨١.
(٧) السرائر ١ : ٨٦ مؤسسة النشر الاسلامي.
(٨) يراجع الانتصار : ٢٠٧- ٢١٤- ٢١٧- ٤٢٤ , والخلاف ١: ١١٦ – ٣٠٧ وغيرها من الموارد.
(٩) تأسست الحركة الاخبارية في بدايات القرن الحادي عشـر الهجري على يد المُحدّث محمد أمين الاسترابادي المتوفى سنة (١٠٣٣هـ).
(١٠) فرائد الاصول ٢:٥٨ طبعة مجمع الفكر الاسلامي.
(١١) وهو السيد ابن زهرة صاحب الاستدلال.
(١٢) هذا التقريب هو محصّل ما أفاده سيدنا الأستاذ(دامت افاداته).
(١٣) فوائد الاصول ٣: ٢١٥.
(١٤) وهو سماحة المرجع الأعلى السيّد علي السيستانيF.
(١٥) مصباح الأصول ٢ : ١٨.
(١٦) منتقى الاصول ٤ : ٢٤.
(١٧) المصدر ٢ : ٣١٦.
(١٨) أجود التقريرات ١٨٦:٢.
(١٩) فوائد الأصول ٢١٥:٣.
(٢٠) منتقى الأصول ٤٤٣:٤ــ٤٤٤.
(٢١) فوائد الأصول ٣: ٣٩-٤٠، وقريب منه ما أفاده في نفس الحزء ص ٣٦٥ .
(٢٢) فليراجع أجود التقريرات ٢: ١٨٨ وفوائد الأصول ٣: ٢١٦ .
(٢٣) فوائد الأصول ١: ١٧٥ .
(٢٤) المصدر : ١٧٧ .
(٢٥) أجود التقريرات ١: ١٤٧.
(٢٦) أجود التقريرات ١: ٤٠٠- ٤٠١ .
(٢٧) بحوث في علم الأصول ٥: ٢٧ .
(٢٨) أجود التقريرات مبحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي ٢: ٨١ .
(٢٩) فوائد الاصول ٣ : ٢١٨ .
(٣٠) فوائد الأصول ٣ :٢١٦- ٢١٧ .
(٣١) نهاية الدراية ١ : ٢٩١ انتشارات سيد الشهداء ط الأولى .
(٣٢) المصدر ٤ : ٤٠ مؤسسة آل البيت g لإحياء التراث .
(٣٣) المنتقى ٤: ٤٤٤ .
(٣٤) نهاية الدراية ٣: ٣٣٨ وقد ذكر في هامش ص ٢٤١ ج ١ ما قد ينفع المقام .
(٣٥) بحوث في علم الأصول ٥ : ٢٨.
(٣٦) نهاية الدراية ٢ : ١٠١ .
(٣٧) المصدر ٢ : ٢٥٧ .