نجاسة الخمر
(القسم الأوّل)
الشيخ عليّ العقيليّ (دام عزّه)
بسم الله الرحمن الرحيم
فتاوى الفقهاء:
وقعت نجاسة الخمر محلاً للخلاف بين الفقهاء إذ اختلف في طهارته ونجاسته، والمشهور قديماً وحديثاً هو القول بالنجاسة فذهب الشيخ المفيد والطوسي والسيد المرتضى وأكثر الأصحاب المتقدمين والمتأخرين إلى أنه نجس العين، بل نُقل عليه الإجماع (١).
ويظهر الخلاف من الشيخ الصدوق ووالده في الرسالة والحسن بن أبي عقيل والجعفي من المتقدمين(٢).
وأيضاً من جماعة من المتأخرين كالشيخ الأردبيلي وصاحب المدارك وصاحب الذخيرة والمحقق الخوانساري(٣).
ويظهر من كلام المحقق الحلي O التردد والتوقف في الحكم حيث قال: (الخمر نجسة العين... وقال محمد بن بابويه وابن أبي عقيل منا: ليست نجسة، وتصح الصلاة مع حصولها في الثوب وإن كانت محرمة... ثم إن الأخبار المشار إليها من الطرفين ضعيفة... والاستدلال بالآية عليه فيه إشكالات لكن مع اختلاف الأصحاب والأحاديث يؤخذ بالأحوط من الدين)(٤).
وقال العلامة الحلي O: (وقال أبو علي بن أبي عقيل: من أصاب ثوبه أو جسده خمر أو مسكر لم يكن عليه غسلهما لأن الله تعالى إنما حرمهما تعبداً لا لأنهما نجسان... وقال أبو جعفر بن بابويه: لا بأس بالصلاة في ثوب أصابه خمر لأن الله تعالى حرم شربها ولم يحرم الصلاة في ثوب أصابته)(٥).
وقال الشيخ الأنصاري O: (... إلا أن هاهنا أخباراً كثيرة... كلها مخالفة لما ذكر في طهارة الخمر وغيرها من المسكرات ولذا ذهب الصدوق ووالده في الرسالة... وهو ظاهر المقدس الأردبيلي أو صريحه وتبعه أصحاب المدارك والذخيرة والمشارق...)(٦). وقال صاحب الحدائق O: (... جملة من أفاضل متأخري المتأخرين كالسيد السند في المدارك والفاضل الخراساني في الذخيرة والمحقق الخوانساري وغيرهم قد اختاروا القول بالطهارة)(٧).
وفي مفتاح الكرامة: (... وقد نقل في الدروس والذكرى وشرح الفاضل أن الصدوق والجعفي والحسن ذهبوا إلى طهارة الخمر... واقتصر في المعتبر والمختلف والتذكرة وكشف الالتباس والمدارك والدلائل على نسبة الخلاف إلى الصدوق والحسن. وفي المنتهى نسبة الخلاف إلى الصدوق. وظاهر المقدس الأردبيلي أو صريحه القول بالطهارة فيها وفي جميع المسكرات، واحتاط المحقق في الحكم واستحسنه في المدارك)(٨).
وقال الشيخ الهمداني O: (... عن الصدوق في الفقيه ووالده في الرسالة والجعفي والعماني القول بطهارتها، ويظهر من بعض الأخبار الآتية وجود القول بها فيما بين قدماء أصحابنا المعاصرين للأئمة i، وعن ظاهر المقدس الأردبيلي أو صريحه وبعض من تأخر عنه كصاحب المدارك والذخيرة والمشارق اختياره مع تردد من بعضهم، وعن المصنف في المعتبر التردد)(٩).
هذا, وأن الصناعة قد توصل الفقيه إلى شيء ولكن لا يلزمه الإفتاء به.
ولا يخفى أنه توجد ثلاثة مدارك لقول الصدوق الابن بالطهارة هي: في المقنع(١٠) في باب شرب الخمر والغناء، والفقيه(١١) وفي كلا الموضعين تجد ما نقله العلامة عنه في المختلف، والمورد الثالث في الفقيه أيضا(١٢) قائلاً (وسئل أبو جعفر وأبو عبد الله h فقيل لهما: إنا نشتري ثياباً يصيبها الخمر وودك الخنزير...) فنقل O هذه الرواية التي تدل على جوازالصلاة في الثوبتصيبه الخمر - وهي معتبرةبكير- ولم ينقل معارضاً لها، وبضميمة ما ذكره في المقدمة من أنه يذكر ما يفتي به ويتعبد به بينه وبين ربه فيكون حجة عليه، فهو O نقل هذا النص الدال على طهارة الخمر، وكذلك نقل في موضع آخر من كتابه(١٣) رواية أبي جميلة التي تتحدث عن الثياب السابرية.
فإن قيل: إنّه O ذكر في المقنع(١٤) (وإياك أن تصلي في ثوب أصابه خمر).
قلت: أن شأن الصدوق في المقنع الإفتاء بمضامين الروايات وعلى أسلوبها، فلو ورد نهي عن شيء وترخيص فيه في روايتين أفتى بالنهي وأفتى بالترخيص معاً وينتزع من مجموع الفتويين الحكم بالكراهة كما هو الحال في الروايات، وهذا يظهر لمن يلاحظ كتاب المقنع(١٥).
وإن قيل: إنه O ذكر في المقنع أيضاً(١٦) نزح ماء البئر عند وقوع الخمر.
قلت: لا يضر ذلك بعدما عرفنا أن الصدوق يفتي على طبق الروايات ولذا أفتى جماعة -كما عن العلامة في المنتهى وغيره- بأن النزح واجب تعبدي(١٧)، والمهم أن ذلك منه O لاحتمال التعبد أو لفتواه بمضمون الروايات.
وعلى أي حال ينبغي الالتفات إلى عدة أمور:
١. أن المسألة من ناحية الفتوى ليست متفقاً عليها ولا إجماع فيها، بل هي محل خلاف ونزاع بين الأصحاب عند المتقدمين وعند المتأخرين، بل بين القدماء من أصحاب الحديث كما سيتضح من الروايات إن شاء الله تعالى، فإذاً لا إجماع في موضع النزاع، علماً بأن الإجماع إن تم فلا قيمة استدلالية له يمكن التعويل عليها باعتبار مدركيته جزماً أو احتمالاً، ومن هنا يمكن الخدش فيما استدل به من دعوى الإجماع على النجاسة كما سيأتي توضيحه وتفصيله إن شاء الله تعالى(١٨).
٢. ينبغي أن يعلم أن المسألة فيها خلاف حتى عند فقهاء العامة وإن كان المشهور عندهم أيضاً الحكم بالنجاسة(١٩).
قال القرطبي: (السادسة: فهم الجمهور من تحريم الخمر واستخباث الشرع لها وإطلاق الرجس عليها والأمر باجتنابها الحكم بنجاستها وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة وأن المحرم إنما هو شربها)(٢٠).
٣. سيتضح لاحقاً- إن شاء الله تعالى- أن روايات المسألة كثيرة عدداً ومختلفة دلالة فمنها ما يدل على النجاسة ومنها ما يدل على الطهارة، وهذا هو أهم الأسباب في
اختلاف الفتوى بين الفقهاء.
ما استدل به على القول المشهور:
استدل على القول المشهور - وهو النجاسة- بأدلة ثلاثة:
الأول: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون}(٢١).
الثاني: الإجماع المنقول حيث نقله الشيخ والسيد المرتضى O كما عن المبسوط(٢٢) والناصريات(٢٣).
قال صاحب المدارك O: (الأول: الإجماع، نقله الشيخ والمرتضى K, والإجماع المنقول بخبر الواحد حجة)(٢٤).
وقال العلامة الحلي O - بعد نقله قول الشيخ والمرتضى-: (وقول السيد المرتضى والشيخ حجة في ذلك فإنه إجماع منقول بقولهما وهما صادقان فيغلب على الظن ثبوته، والإجماع حجة إذا نقل متواترا فكذا إذا نقل آحاداً)(٢٥).
ويظهر أن دعوى الإجماع عند المتأخرينترجع إلى نقلالشيخ والسيد المرتضى R.
الثالث: الأخبار الكثيرة، وقال الشيخ الأنصاري O في كتاب الطهارة: (قيل إنها تبلغ عشرين)(٢٦).
تقريب الاستدلال بالآية:
أما الدليل الأول الذي استدل به على النجاسة وهو الآية فقد قرب الاستدلال بها من وجهين:
الوجه الأول: أن الرجس في الآية بمعنى النجس فالشيء النجس يوصف بكونه رجساً والرجس مرادف للنجس.
قال الشيخ O: (وقوله رجس أي نجس... إنه وصفها بأنها رجس وهي النجس...)(٢٧).
وقال O في التهذيب -بعد ذكره للآية-: (فأطلق عليها اسم الرجاسة والرجس هو النجس بلا خلاف فإذا ثبت أنه نجس فيجب إزالته ثم قال [فاجتنبوه]...)(٢٨).
قال الفاضل المقداد O في كنز العرفان عند ذكره الآية: (استدل أصحابنا... إنه وصف بالرجس وهو وصف للنجاسة لترادفهما، ولذلك يؤكد الرجس بالنجس فيقال رجس نجس).
الوجه الثاني: التمسك بإطلاق الأمر بالاجتناب [فاجتنبوه] وهذا يستلزم المنع من ملاقاته وتطهير المحل بإزالته ولا معنى للنجس إلا ذلك.
قال الفاضل المقداد O - عند ذكره للآية-: (استدل أصحابنا القائلون بنجاسة الخمر بهذه الآية... إنه أمر باجتنابه وهو موجب للتباعد المستلزم للمنع من الاقتراب بساير أنواعه، لأن معنى الاجتناب كون كل منهما في جانب وهو مستلزم للهجران، ويؤيد ذلك أيضاً روايات عن أهل البيت i في طرقها ضعف ينجبر بموافقة القرآن)(٢٩).
وقال النراقي O: (مضافاً إلى قوله سبحانه [فاجتنبوه] فإن الاجتناب الامتناع عما يوجب القرب منه مطلقاً ولا معنى للنجس إلا ذلك، وحمل الاجتناب المطلق على بعض أفراده تحكم...)(٣٠).
وبالجملة: الاستدلال بالآية من وجهين: الأول أن الرجس هو النجس، والثاني الأمر باجتنابه وعدم مباشرته على الإطلاق(٣١).
مناقشة الوجه الأول:
يلاحظ على الوجه الأول:
أنه لم يثبت كون الرجس بمعنى النجس حتى تدل الآية على النجاسة ويتم الاستدلال، فإن هذا وإن ذكره الشيخ O في التهذيب(٣٢) وادعى عدم الخلاف فيه، ولكنه لم يثبت، وهو غير ظاهر.
بيان ذلك: أنّه إذا ورد لفظ في لسان الشارع من آية أو رواية فإن بين المراد منه ومعناه من قبل الشارع وأن له اصطلاحاً شرعياً خاصاً به ولو من خلال ملاحظة الآيات الأُخر أو من خلال الأحاديث الشريفة ففي مثل هذه الحالة يلزم الأخذ بذلك ويكون ذلك المعنى ثابتاً للفظ ومقدماً على الفهم العرفي والمعنى اللغوي, ولا معنى عندئذ للرجوع إلى اللغة والعرف بعد بيان الشارع لمراده، فإن ذلك اجتهاد في مقابل النص.
نعم، إذا دلت قرينة في مورد ما على الخلاف أخذ بها، كما لا يخفى أنه إذا ثبت أن مراد الشارع من لفظمعنى خاص فعندئذكما لا يصحالتمسك بالمعنى اللغوي كذلك لا يصح التمسك بوحدة السياق إذا كانت نتيجتها خلاف البيان والمراد الشرعي الخاص.
وأما إذا لم يبين الشارع مراده من اللفظ ففي مثل هذه الحالة يصح الرجوع إلى اللغة والعرف لمعرفة المراد، فإن سكوت الشارع عن بيان مرامه يدل على إيكال الأمر إلى ما يُفهم منه لغة أو عرفاً وليس له اصطلاح خاص وراء ذلك، وإلا لو كان مراده خلاف ذلك لبينه.
وفي المقام هل إن لفظ (الرجس) الوارد في الآية يراد به معنى شرعي خاص أم إن المراد به نفس المعنى اللغوي؟
وسنذكر المعنى اللغوي للفظ الرجس ثم بعد ذلك نلاحظ هل للشرع اصطلاح خاص أم لا؟ فإن ثبت أن للشرع اصطلاحاً خاصاً رفعنا اليد عن المعنى اللغوي، ولا يخفى أن الخصوصية هي للفهم العرفي فهو الذي يحقق صغرى الظهور ولكن المعنى اللغوي يمكن أن يساعد في تنقيح المعنى العرفي.
قال في الصحاح: (الرجس: القذر)(٣٣).
وفي النهاية: (الرجس: القذر، وقد يعبر به عن الحرام والفعل القبيح، والعذاب، واللعنة، والكفر)(٣٤).
وقال الزجاج: (الرجس في اللغة اسم لكل ما استقذر من عمل فبالغ الله تعالى في ذم الأشياء وسماها رجساً)(٣٥).
وفي القاموس: (الرجس بالكسر: القذر، ويحرك وتفتح الراء وتكسر الجيم، والمأثم، وكل ما استقذر من العمل، والعمل المؤدي إلى العذاب، والشك، والعقاب، والغضب...)(٣٦).
وأيضاً لاحظ المفردات وتاج العروس ومعجم مقاييس اللغة(٣٧).
وبملاحظة كلمات اللغويين في الرجس نجد أنهم لم يذكروا أن الرجس بمعنى النجس بل ذكروا معاني له أخر، نعم ذكروا من معاني الرجس أنه القذر القبيح، ولكن المراد بالقذر ليس هو النجس المصطلح، بل هو ما يستقذره الطبع ويستكرهه أي مطلق القذر وإن كان معنوياً، ومن هنا نلاحظ أنه يوصف به العذاب، وكذا توصف به الصفات كالنفاق والكفر.
هذا وقد صرح فيالمدارك قائلاً: (إنّ المشهور بين أهل اللغةأن الرجس هو الإثم)(٣٨). وإذا رجعنا إلى كلمات المفسرين نجدهم يذكرون أيضاً المعنى اللغوي المتقدم(٣٩).
والآن لنعد ونقول: هل للشرع اصطلاح خاص للفظ الرجس؟
والجواب: أنّه لا مثبت أن للفظ الرجس في الآية اصطلاحاً شرعياً خاصاً وهو النجاسة الاعتبارية الشرعية، فلو رجعنا إلى استعمال لفظ الرجس في القرآن الكريم لوجدناه استعمله في المعنى اللغوي وهو الشيء القذر، أو المستقبح، أو المستكره، أو المأثم، فالرجس له معنى عام يشمل الأمور المادية الظاهرية وكذلك المعنوية الباطنية من الأخلاق والسلوك والملكات والعقائد الباطلة... والمهم أن لفظ الرجس لا يختص بالأمور المادية ومن هذه الاستعمالات.
١. قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}(٤٠).
٢. قوله تعالى: {إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس}(٤١).
٣. قوله تعالى: {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يَصَّعدُ في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون}(٤٢).
٤. قوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان...}(٤٣).
٥. قوله تعالى: {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم}(٤٤).
٦. قوله تعالى:{فأعرضوا عنهم فإنهم رجس}(٤٥).
ويلاحظ أن الآية الأولى جعلت الرجس في مقابل الطهارة حيث يوجد تضاد بينهما ولكل منهما مراتب متفاوتة مادية ظاهرية ومعنوية باطنية. وإذهاب الرجس وإثبات الطهارة هو تعبير آخر عن العصمة.
وأما الآية الثانية فيمكن أن يقال: إنه يراد من الرجس فيها: القذر، والخبيث، والمستقبح، لا النجاسة الاصطلاحية، وهذا لا يؤثر في الحكم بالنجاسة الخبثية بالنسبة للمذكورات لوجود الأدلة على ذلك، فالمراد من [فإنه رجس] أي خبيث وقذر وهو وصفٌ شامل لكل محرم، فإن المحرمات كلها رجسٌ وخبث.
ويمكن أن يكون معنى [فإنه رجس] أي حرام بقرينة صدر الآية [قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرماً على طاعم يطعمه...].
أما الآية الثالثة فإنها جعلت الضلال ونتائجه من ضيق الصدر رجساً يجعله الله على الذين لا يؤمنون.
وعن الكشاف: (يجعل الله الرجس] يعني الخذلان ومنع التوفيق، وصفه بنقيض ما يوصف به التوفيق من الطيب، أو أراد الفعل المؤدي إلى الرجس، وهو العذاب، من الارتجاس وهو الاضطراب)(٤٦).
وأما الآية الرابعة فالمراد منها الرجس والقذارة في عبادتها دون الله تعالى، وهذا من الأمور الباطنية المعنوية، وإلا فإن الأوثان بنفسها لا رجس فيها.
وأما الآية الخامسة فقد أطلق فيها الرجس على الشك والنفاق.
وأما الآية السادسة فقد جعلتالمنافق نفسه رجساً، وذلك لما تلبس به من صفةالنفاق.
وإذا رجعنا إلى الروايات نجد أنها استعملت الرجس في المعنى اللغوي العام الواسع فهي تؤيد ما تقدم وإليك بعضها: عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله g عن قول الله a:[فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور] قال: (الغناء)(٤٧).
وعن زيد الشحام قال: سألت أبا عبد الله g عن قول الله a:[فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور] فقال: (الرجس من الأوثان الشطرنج, وقول الزور الغناء)(٤٨).
وعن الإمام الباقر g: (... وكيف يوصف قوم رفع الله عنهم الرجس وهو الشك...)(٤٩).
وعن الإمام الباقر g أنه ذكر عنده الغضب فقال: (إنّ الرجل ليغضب حتى ما يرضى أبداً ويدخل بذلك النار، فأيّما رجل غضب وهو قائم فليجلس، فإنه سيذهب عنه رجس الشيطان، وإنّ كان جالساً فليقم، وأيّما رجل غضب على ذي رحم فليقم إليه وليدن منه وليمسه فإن الرحم إذا مسّت الرحم سكنت)(٥٠).
وعن الفضل أبي العباس قال: سألت أبا عبد الله g: ... حتى انتهيت إلى الكلب فقال: (رجس نجس لا تتوضأ بفضله، واصبب الماء واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء)(٥١).
وعن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله g يقول: (إذا دخلت المخرج فقل: بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبث الرجس النجس الشيطان الرجيم...)(٥٢).
وعلى أي حال لم يثبت كون الرجس في الآية بمعنى النجس فإن استفادة ذلك إذا بقينا نحن والآية شيء مشكل، بل غير ظاهر منها ذلك الظهور الذي هو المدار في الأحكام، فإن احتمال إرادة القبيح والخبيث والمأثم من لفظ الرجس وجيه، ولو فُسر بالنجس فيوجد احتمال معتدٌ به ارادة القذارة المعنوية، ويؤيد ذلك حمل الرجس على الميسر والأزلام والانصاب، وهذه لا معنى أن تكون نجسة، وأيضاً قوله [من عمل الشيطان] فهو يتناسب مع القبيح دون النجاسة الخبثية الشرعية.
إن قيل: إن الرجس بمعنى النجس إما مطلقاً أو في المقام، فإن الله تعالى فرّع وجوب الاجتناب عن المذكورات على كونها رجساً من عمل الشيطان.
قلت: إن الأمر [فاجتنبوه] كما يتناسب مع القذارة المادية يتناسب مع القذارة المعنوية، فتفريع وجوب الاجتناب عن المذكورات على كونها رجساً من عمل الشيطان لا يثبت ولا يصلح قرينة على أن الرجس في الآية بمعنى النجس، وبالجملة إن الاجتناب أعم من النجاسة الاعتبارية الشرعية إن لم يكن ظاهراً في اجتناب الفعل والعمل، وأما إن كان المقصود هو التمسك بإطلاق [فاجتنبوه] فسيأتي الجواب عن ذلك عند بيان الوجه الثاني للاستدلال بالآية.
فإذاً ما يقال من أن كل خمر نجس للآية - حيث حمل فيها الرجس على الخمر والمراد من الرجس هو النجس لأنه معناه في العرف - غير واضح؛ فإن العرف يستعمل
الرجس في كل قذر وإن لم يكن نجساً شرعاً.
وعلى أي حال ما ادعي ليس واضحاً، ولو فرض عدم وجود معنى عرفي واضح فلا يرجع إلى العرف بل يرجع إلى أهل اللغة الذين لم يختلفوا في أن الرجس يراد به القذر والقبيح والإثم.
إن قيل: إن الرجس في الآية يحمل على النجس ولا ينافيه وقوعه مع ذلك خبراً عن الأنصاب والأزلام، لإمكان أن يراد به بالنسبة إليها المستقذر عقلاً من باب عموم المجاز على أنه يمكن، بل هو الظاهر كونه خبراً عن الخمر خاصة فيقدر حينئذ لهما خبراً ولا يجب مطابقة المحذوف والموجود وإن كان دالاً عليه كما في عطف المندوب على الواجب بصيغة واحدة، فيتعين حينئذ كون الرجس بمعنى النجس(٥٣).
كان الجواب: أنّ هذا مخالف للظاهر ولا مثبت له، كما أن ظاهر الآية كون الرجس خبراً عن الجميع، وعلى أي حال لابد من حمل الرجس على معنى آخر مثل المأثم أو العمل المستقذر أو المستقبح، ودعوى كونه خبراً عن خصوص الخمر وكون المقدر لغيرها غيره، مجازفة لشهادة السياق باتحاد الجميع من حيث الحكم فالمراد بالاجتناب عن المذكورات ترك استعمالها بحسب ما هو المتعارف.
لا يقال: ليكن الرجس مستعملاً في بعض المذكورات فيما يتصف بالقذارة والنجاسة المادية وفي بعضها الآخر -كالميسر- في القذارة المعنوية والحرام.
فإنه يقال: إن هذا معناه استعمال لفظ الرجس في أكثر من معنى – بحسب المذكورات في الآية- ومن الواضح أن استعمال لفظ واحد في أكثر من معنى إن لم يكن ممتنعاً فهو على الأقل خلاف الظاهر، ولعل المراد من الرجس هو المأثم أو الفعل المؤدي إلى العقاب أو القبيح ليصح كونه خبراً عن الميسر وغيره أيضاً وإن سلم مجيئه بمعنى النجس.
مناقشة الوجه الثاني:
ويلاحظ على الوجه الثاني: منع التمسك بإطلاق لفظ [فاجتنبوه] بعرضه الواسع حيث لا يحتمل أحد حرمة النظر إلى الخمر أو الاقتراب منه فيُقتصر على القدر المتيقن منه وهو اجتناب التناول والشرب فإنه الثابت بالضرورة من الدين.
وتوضيح ذلك: أنّ الإطلاق إذا كانت له مرتبة وسيعة لكن يتعذر الأخذ بها لسبب أو لآخر وفي نفس الوقت توجد مراتب أخرى أضيق، فما هو الموقف العملي؟ ويمكن أن نمثل لتوضيح الفكرة بالأمثلة التالية:
الأول: روي عن النبي e قوله: (لا يحل مال أمرئ مسلم إلا بطيبة نفسه)(٥٤).فإن مقتضى إطلاق هذا الكلام عدم جواز حتى النظر أو ما يقرب منه، ولكن هذا ليس مقصوداً جزماً فيتعذر الحمل عليه والشمول لهذه السعة، فيدور الأمر بين الحمل على القدر المتيقن وهو التصرف الخارجي بالأكل أو الشرب أو إتلاف أو نقل من مكان لآخر، وبين الحمل على ما هو أوسع, أي ما يشمل التصرف الاعتباري أيضاً كالبيع والإجارة ونحوهما ولم يحصل الإقباض بعدُ وإلا صار تصرفاً خارجياً تكوينياً.
الثاني: ورد في معتبرة عبد الله بن سنان سمعت أبا عبد الله g يقول لأبي وشكا إليه حر الشمس وهو محرم، وهو يتأذى به فقال: ترى أن أستتر بطرف ثوبي؟
فقال: (لا بأس بذلك ما لم يصب رأسك)(٥٥).
فإن مقتضى الإطلاق لهذا الكلام هو أن الإصابة متى ما صدقت ولو بجزء يسير - كأنملة الأصبع- فهذا لا يجوز، ولكن نعلم من الخارج أن الفقهاء لا يلتزمون بذلك في هذا المقدار اليسير، فالمدار عندهم على صدق عنوان التغطية والخمار وستر الرأس، والإصابة بهذا المقدار لا يصدق عليه أحد هذه الأمور، فيدور الأمر بين إرادة القدر المتيقن وهو ستر جميع الرأس وبين إرادة الستر بدرجتها الثانية الصادقة بستر نصف الرأس مثلاً.
الثالث: ورد في معتبرة عبد الله بن سنان: (كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه)(٥٦).
فإن مقتضى إطلاق هذه الصحيحة الشمول لكل من:
أ. الشبهة المحصورة.
ب. الشبهة غير محصورة.
جـ. الشبهة البدوية.
ولكن يتعذر الأخذ بهذا العرض الواسع لكل هذه الحالات الثلاثة؛ وذلك بسبب أن الشبهة المحصورة لا يمكن الحكم بإباحة كلا طرفيها فهذا يؤدي إلى المخالفة القطعية العملية، وهو لا يجوز.
فيدور الأمر والموقف العملي بين الشمول للشبهة البدوية والشبهة غير المحصورة وبين الاقتصار فقط على المرتبة الأضيق أي خصوص الشبهة البدوية.
وفي هذه الأمثلة الثلاثة يمكن القول: إن مدرك حجية الإطلاق هو السيرة العقلائية وهي منعقدة على الأخذ بالإطلاق عند إمكان ذلك، وأما عند تعذر الأخذ بالإطلاق بمساحته الواسعة -كما في الأمثلة المتقدمة- فهنا لا يجزم ولا يعلم بانعقاد السيرة على الأخذ بالإطلاق بمساحته ودائرته بالدرجة الثانية الأقل سعة، وبالتالي يصير الدليل مجملاً ومردداً، وتكون النتيجة هي لزوم الاقتصار على القدر المتيقن الأضيق وهو في المثال الأول التصرف الخارجي، وفي المثال الثاني ستر جميع الرأس، وفي المثال الثالث خصوص الشبهة البدوية.
وحمل الإطلاق بعد تعذر المرتبة الوسيعة على المرتبة الثانية يحتاج إلى دليل.
ونعود إلى مقامنا فيقال: إن التمسك بإطلاق [فاجتنبوه] بعرضه الواسع - الشامل للنظر والاقتراب- باطل جزماً حيث نعلم من الخارج أنه ليس المقصود جداً السعة بدرجتها الكبيرة فلا يحتمل أن النظر إلى الخمر أو ما شاكله محرم، وبعد تعذر الحمل على هذه السعة يدور الأمر بين الحمل على المرتبة الثانية الشاملة للتصرف الخارجي التكويني وللتصرف الاعتباري، وبين الحمل على القدر المتيقن وهو التصرف الخارجي فقط - أي حرمة الشرب الذي هو ثابت بالضرورة من الدين-، والمناسب هو الحمل على القدر المتيقن إلا أن تقوم قرينة من الخارج.
ويمكن أن يُناقَش الوجه الثاني بأنَّ التمسك بالإطلاق هنا لفهم شمول الاجتناب لكل الآثار لا يصح من الأساس؛ لأن الإطلاق مورده الموضوع ولا يجري في المحمول، بل دائماً يؤخذ في المحمول بالقدر المتيقن.
فإذا قيل (الدواء نافع) فالإطلاق يجري في الدواء أي أن أي فرد من الدواء كان فهو نافع - إن قلنا بتمامية مقدمات الحكمة وجريان الإطلاق - ولكن لا يجري الإطلاق في المحمول بمعنى أنه نافع لكل شيء.
وكذلك الحال في مثل (الفقيه عالم) فهنا يثبت بمقدمات الحكمة أن كل فقيه عالم لا أن الفقيه عالم بكل علم، بل يكفي أن يكون عالماً بعلم واحد؛ لأن المحمول يلحظ بنحو صرف الوجود.
وكذا في مثل (زيدٌ عالم) أو(الشيخ المفيد عالم) وشُكَّ أن المراد علم الفقه فقط، أو علم الحساب أيضاً فلا يتمسك بالإطلاق لإثبات أن زيداً عالم بكل شيء، بل يقتصر على القدر المتيقن حيث لا يجري الإطلاق في المحمول، وكذا لو قال المولى: (الصلاة باطلة) فلا يصح التمسك بإطلاق المحمول وأن كل موجبات البطلان موجودة في هذه الصلاة، بل يكفي وجود مبطل واحد يصدق معه أن الصلاة باطلة.
أمكن الجواب: أن مقدمات الحكمة إن تمت - أي بأن أحرزنا أن المولى في مقام البيان ولا قرينة على التقييد- أنتجت الإطلاق والشمول، بل فرق بين أن يكون ذلك في الموضوع أو المحمول فمثلاً لو قال المولى: (الماء مطهر) وكان في مقام البيان فلا ضير أن نقول إن مقدمات الحكمة تامة في المحمول كما أنها تامة في الموضوع، بمعنى أن كل ما صدق عليه ماء يثبت له هذا الحكم وهو التطهير، وكذلك الحكم بالمطهر فهو يشمل تطهير كل النجاسات ولا يختص تطهيره بنجاسة دون نجاسة، وهذا هو مقتضى إطلاق المحمول حيث لم يختص بالتطهير من نجاسة معينة كالدم.
ولعل الوجه في عدم إمكان التمسك بالإطلاق في المحمول فيما ذكر من الأمثلة هو من جهة عدم قبول المحمول للإطلاق، إذ إنّ الدواء عادة لا يمكن افتراض نفعه لكل مرض، وكذا الحال في (زيد عالم)، فإنه يصعب أن نفترض أن زيداً عالم بكل معلوم، فهذه الصعوبة مانعةٌ من التمسك بالإطلاق في المحمول وإلا فعند إمكان التمسك بالإطلاق في المحمول، يجري ولا مانع منه.
إذاً منع جريان الإطلاق في المحمول بقول مطلق ليس بتام، وفي مقامنا لا مانع من الإطلاق, غايته يتعذر الأخذ به بعرضه الوسيع الأول.
قال في المدارك: (وبمنع كون الأمر بالاجتناب للنجاسة لجواز أن يكون إثماً ومعصية كما في الميسر وما بعده)(٥٧).
وإن قيل: يمكن استفادة العموم الشامل للمس والوقوع على الجسم ونحوه المستلزم للقول بالنجاسة من خلال التمسك بقاعدة حذف المتعلق - متعلق الاجتناب- فإنها تدل على العموم إذ لم تُبَيِّن الآية ما يُراد اجتنابه.
كان الجواب: أنّ حذف المتعلق لا يدل على العموم وإنما يقدر الأثر المناسب نظير ما ذكره الفقهاء في[حرمت عليكم أمهاتكم] وفي المقام الأثر المناسب هو الشرب.
وبعبارة أخرى: إن المتبادر من الاجتناب من كل شيء الاجتناب عما يتعارف في الاقتراب منه, فالمتعارف من الاقتراب من الخمر الشرب منه, ومن الاقتراب من الميسر اللعب به، ومن الاقتراب من الأنصاب عبادتها، فعلى هذا يكون الأمر بالاجتناب عن الخمر المتبادر منه الاجتناب عن شربه لا الاجتناب عن جميع الوجوه كما يقولون إن [حرمت عليكم الميتة] لا إجمال فيه إذ المتبادر تحريم أكلها (٥٨).
وعلى أي حال لا ملازمة بين الاجتناب وبين ثبوت النجاسة، فقد يكون الشيء طاهراً ولكن يحرم تناوله كالتراب والسم.
والخلاصة مما تقدَّم: أن المراد من الرجس في الآية المباركة هو النجاسة الخبثية المصطلحة, أو أن المراد من الاجتناب ما يدل على النجاسة لم يثبت من الآية المباركة.
ومن هنا قال المحقق O في المعتبر : (والاستدلال بالآية عليه فيه إشكالات)(٥٩).
وقال المقدس الأردبيليO: (وبالجملة لا دلالة فيها على نجاسة الخمر)(٦٠).
وقال صاحب الذخيرة O: (التمسك بالآية ضعيف)(٦١).
وقال السيد الخميني O: (ولكن بعد اللتيا والتي إثبات نجاستها بالآية محل إشكال ومناقشة لا مجال للتفصيل حولها)(٦٢).
وقال السيد الخوئي O: (إن الكتاب العزيز لا دلالة له على نجاستها حيث إنّ الرجس في قوله عز من قائل: >إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه< ليس بمعنى النجس بوجه؛ لوضوح أنه لا معنى لنجاسة بقية الأمور المذكورة في الآية المباركة, فإن منها الميسر وهو من الأفعال ولا يتصف الفعل بالنجاسة أبداً, بل الرجس معناه القبيح...)(٦٣).
الدليل الثاني: الاجماع.
وقد استدل به على نجاسة الخمر كما عن غير واحدٍ من المتقدمين:
قال السيد المرتضى O في الناصريات: (الخمر نجسة, وكذلك كل شرابيُسكر كثيره. لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر, إلا ما يحكى عن شذاذ لا اعتبار بقولهم)(٦٤).
وقال الشيخ الطوسي O: (والخمر نجسة بلا خلاف)(٦٥).
وقال السيد ابن زهرة O: (والخمر نجسة بلا خلاف ممن يعتد به)(٦٦).
وقال صاحب الجواهر O: (المشهور نقلاً وتحصيلاً قديماً وحديثاً بيننا وبين غيرنا شهرة كادت تكون إجماعاً بل هي كذلك)(٦٧).
ولا يخفى أن دعوى الإجماع عند المتأخرين ترجع إلى الشهادات من المتقدمين, والإجماع عندما يدعى إما أن يدعى ثبوته بالتحصيل الوجداني, أو عن طريق النقل، وكيفما كان يلاحظ على الاستدلال بالإجماع:
١. لا نسلم بوجود إجماع محصل مباشرة بالوجدان، وكيف يدعى تحصيل الإجماع الوجداني مع وجود معروفية مخالفة فقهاء من المتقدمين المقاربين لعصر الأئمة i مما يكون خلافهم مضراً في اكتشاف الإجماع كالصدوق وابن أبي عقيل وغيرهم ممن تقدم. ومن هنا استدل العلامة O بالإجماع بعنوانه المنقول والـمُحصَّل فلم يكن الإجماع ثابتاً عنده بالوجدان.
قال O: (الخمر وكل مسكر... نجس ذهب إليه أكثر علمائنا كالشيخ المفيد والشيخ أبي جعفر والسيد المرتضى و...، لنا وجوه: الأول: الإجماع على ذلك فإنه السيد المرتضى قال: (لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر...)، وقال الشيخ O الخمر نجسة بلا خلاف... وقول السيد المرتضى والشيخ حجة في ذلك فإن الإجماع
منقول بقولهما وهما صادقان فيغلب على الظن ثبوته)(٦٨) فالعلامة O لم يثبت أكثر من هذه المرتبة.
وكذلك المحقق O فإنه لم يثبت عنه الإجماع وجداناً، قال O: (الخمر نجسة العين, وهو مذهب الثلاثة وأتباعهم والشافعي وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم. وقال محمد بن بابويه(٦٩) وابن أبي عقيل(٧٠) منا: ليست نجسة وتصح الصلاة مع حصولها في الثوب وإن كانت محرمة... ثم الوجه: أن الأخبار المشار إليها من الطرفين ضعيفة... والاستدلال بالآية عليه فيه إشكالات, لكن مع اختلاف الأصحاب والأحاديث يؤخذ بالأحوط في الدين)(٧١)، فإذاً على فرض كون الاستدلال بالإجماع المحصل فإنه لم يثبت.
ثم إنه لم يثبت لنا وجود إجماع من خلال النقل بحيث يصل إلى درجة الاستفاضة أو التواتر بنحو يوجب الوثوق والاطمئنان بالحكم الشرعي حتى يكون حجة, ولذا نجد العلامة O اعتمد على نقل الإجماع بأخبار الآحاد الثقات وكذا المحقق O، فهو نقل اختلاف الأصحاب والأحاديث, وبالتالي لم يثبت عنده وجود إجماع مفيد للاطمئنان حتى يحتج به.
فإذاً إلى هنا تبين أنه لا إجماع محصل ليكون كاشفاً لنا عن وجود دليل معتبر عند المجمعين فإنا عندما نستدل بالإجماع فإن ذلكباعتبار كشفه عن وضوح الحكم المجمع عليه.
وتبين أيضاً أن الموجود هو إجماع منقول بخبر الواحد ولم يصل إلى درجة الاستفاضة بنحو يوجب الوثوق,(٧٢) وإلا فالإجماع المنقول بخبر الواحد ليس بحجة في حدّ نفسه، لاسيما من السيد والشيخ بعد ملاحظة ما ذكر من أن السيد مسلكه في دعوى الإجماع - الذي يؤدي به إلى دعواه على فتاوى يكاد أن يتفرد بها- يزيل الوثوق بظاهر كلامه عند ادعاء الإجماع، وأما الشيخ فقوله (بلا خلاف) مبني على ضرب من التسامح؛ إذ كيف يخفى عليه خلاف مثل الصدوق الذي هو على رأس مدرسة فقهية كبيرة(٧٣).
وعن المحقق التستري عند حديثه عن ابن أبي عقيل العماني: وكان لا يعمل إلا بالأخبار المتواترة إلا أنه كالمفيد والمرتضى يدعي التواتر كثيراً فيما لا تواتر فيه كادعاء الإجماع فيما لا إجماع فيه(٧٤).
٢. أنّ المسألة خلافية حتى قبل عصر الفقه الإمامي - أي خلافية في عصر الرواة وأصحاب الأئمة i- فلاحظ رواية أو معتبرة خيران الخادم(٧٥) ومعتبرة علي بن مهزيار(٧٦)، ومعتبرة كليب بن معاوية(٧٧) وهذا معناه أن نجاسة الخمر لم تكن من الواضحات عن أصحاب الأئمة i فلا وجود لارتكاز متشرعي متلقى من الأئمة يداً بيد, وإنما حدث الارتكاز المتشرعي للنجاسة أخيراً نتيجة استدلال الفقهاء واستنباطهم. فإذاً اتضح أن الإجماع المدعى لا يكشف كشفاً واضحاً عن أن الحكم هو النجاسة في زمن الأئمة i. وأما اشتهار الحكم بالنجاسة وكونه واضحاً اليوم فهو قد تكوّن على أساس فتاوى الفقهاء.
٣. لو سلم الإجماع من الفقهاء وأنه من تتبع فتاواهم في كتبهم فهو إجماع مدركي جزماً أو احتمالاً وأنه مستند إلى الوجوه الصناعية, بمعنى أنهم استندوا إلى مدرك ومستند, لا أن الحكم كان مركوزاً عندهم متسالماً عليه بينهم وأنهم تلقوه جيلاً بعد جيل عن الأئمة i.
فإذاً الإجماع لو كان متحققاً فهو محتمل المدرك ومثله لا يكون حجة, إذ حجية الإجماع ناشئة من كاشفيته يداً بيد عن رأي المعصوم g, ومع احتمال المدرك لا يمكن الجزم بكاشفيته, وعندئذ تعود القيمة للمدرك وتكون العبرة بما يستفاد من النصوص أو بصواب غيرها من المستندات.
والحاصل: أن دعوى الإجماع هنا هي كسائر الإجماعات فإنه إذا تحقق حقاً فكونه تعبدياً أول الكلام, حيث لا يخفى أن الإجماع النافع والمثمر والذي اعتمد عليه الفقهاء لاستكشاف الحكم الشرعي هو ما يعبر عنه اصطلاحاً بالإجماع التعبدي الواصل يداً بيد طبقة عن طبقة.
وبعبارة أخرى: إن الإجماع:
أ. غير متحقق بعد ذهاب جمع من الأساطين إلى القول بالطهارة.
ب. إنه لمعلومية مدرك المجمعين لا يعتمد عليه.
وأخيراً لا يخفى أن وجود الروايات على الطهارة يوهن الإجماع على النجاسة بعد ملاحظة أنها لا تحمل على التقية فالمشهور عندهم النجاسة، كما أنها ليست مخالفة للكتاب.
والخلاصة من كل ما تقدم أنه لا اطمئنان بوجود إجماع.
الدليل الثالث: الأخبار.
وهي في المقام كثيرة في كلا الجانبين - طهارة الخمر ونجاسته- ويكفي للاستدلال على الحكم تمامية بعضها سنداً ودلالة, بل حتى لو فرض عدم تماميتها سنداً بأجمعها, لكن كثرتها تشكل عنوان الاستفاضة الموجبة للاطمئنان- أي يحصل الاطمئنان بصدور المضمون- ولنتعرض أولاً إلى ما استدل به على النجاسة.
والروايات المستدل بها على النجاسة -بحسب ما أمكنني الاطلاع عليه- هي على أصناف:
منها: ما استدل به على أنه كالصريح, أو قل له ظهور قوي في النجاسة كرواية أبي بصير في حديث النبيذ بعد عدم القول بالفصل, ورواية عمار بن موسى.
ومنها: - وهو الأكثر- ما دل على غسل الثوب أو البدن ونحوهما إذا أصابه خمر, وهو يقتضي النجاسة بتقريب: أن الأمر بالغسل ظاهر في الإرشاد إلى النجاسة.
ومنها: ما دل على لزوم إهراق المرق والماء ونحوهما إذا أصابه الخمر, فهذا يرشد إلى النجاسة كروايتي زكريا بن آدم وعمر بن حنظلة.
ومنها: ما دل على نزح ماء البئر إذا وقع فيها الخمر كرواية عبد الله بن سنان.
ومنها: ما دل على التوقي مما أصابه الخمر من الآنية والخوان, كرواية علي بن جعفر ورواية يونس ورواية محمد بن مسلم.
ومنها: ما دل على تنزيل الخمر منزلة لحم الخنزير والميتة, كرواية الحلبي ورواية هارون بن حمزة الغنوي, بتقريب: التمسك بإطلاق التنزيل ليشمل أثري الحرمة والنجاسة.
ومنها: ما استدل به على النجاسة من خلال الإمضاء السكوتي لما ارتكز في ذهن السائل من نجاسة الخمر كرواية عبد الله بن سنان.
فمما استدل به على الخمر مما دلَّ على غسل الثوب أو البدن ونحوهما:
معتبرة عبد الله بن سنان قال سأل أبي أبا عبد الله g عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم أنه يأكل الجري أو يشرب الخمر, فيرده, أيصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال: (لا يصلي فيه حتى يغسله)(٧٨).
وتقريب الاستدلال بها أن يقال: إنّها ظاهرة في الإرشاد إلى النجاسة, حيث ظاهر الأمر بغسل الثوب كونه أمراً إرشادياً إلى نجاسة الثوب - لا أنه حكم مولوي تكليفي تعبدي إذ من المعلوم إنّ الغسل لا يجب لنفسه وإنما هو لأجل العبادة- ولو لم يكن الثوب نجساً لم يكن هناك وجه وحاجة لأن يأمر الإمام g بالغسل.
ولكن يلاحظ على هذا التقريب: أنه توجد رواية أخرى - ستأتي- لعبد الله بن سنان لم يرد فيها الأمر بالغسل, بل قال g له: صلِّ فيه ولا تغسله - فلاحظ- وبالتالي يمكن حمل الأمر على الاستحباب أو على جهة الاستقذار العرفي والتنزّه ورفع الحزازة من النفس كما ذكر ذلك في بعض الروايات(٧٩).
هذا إن قلنا هما روايتان وقبلنا هذا الجمع العرفي بينهما، وإلاّ فإن رفضناه وقلنا بينهما تدافع وتنافي ويتحير العرف بينهما, يكون التعارض مستقراً ثم التساقط.
كما أنه إن قلنا هما رواية واحدة(٨٠) فحينها لا نعرف ما هو الصادر منهما فلا يكون أيّاً منهما حجة.
ولا يخفى أنّ التقريب المتقدم للدلالة المتقدمة يذكر أيضاً في الروايات الآتية(٨١) الآمرة بغسل الثوب أو البدن أو غيرهما مما أصابه الخمر أي الروايات المشتملة على مجرد الأمر بالغسل، وكذلك يأتي في الروايات الآمرة بالإهراق(٨٢).
وعلى أي حال بعد وجود روايات تدل على الطهارة يمكن توجيه هذه الروايات, فهي ليست بصدد إثبات النجاسة, ولا أقل بقرينة تلك الروايات.
وقد تُقرَّب دلالة المعتبرة المتقدمة على النجاسة بتقريب آخر, وهو: إنّ كلام السائل يدل على ارتكاز نجاسة الخمر في ذهنه والمفروغية من ذلك, وأن الإمام g سكت, وهذا يدل على الإمضاء والتقرير على ما ارتكز في ذهن السائل.
قال السيد الحكيم O: فإن الأمر فيه وإن كان محمولاً على الاستحباب لكنه يدل بالتقرير على نجاسة الخمر(٨٣).
ولكن يمكن أن يلاحظ عليه:
أ. أنّ الرواية وإن كان ظاهرها تَركُّز شيء في ذهن السائل, ولكن مَن قال إنّ المركوز هو حيثية اللزوم؟ فلعل المركوز كان حيثية الرجحان بالمعنى الأعم أو خصوص الاستحباب.
ب. ولو سُلّم ارتكاز اللزوم فهو يحتاج إلى إمضاء، والإمضاء نستفيده من سكوت الإمام g، ولكن يمكن أن يقال: إنّه ليس كل سكوت يستفاد منه الإمضاء, فإن بعض الأمور المركوزة قد لا تؤثر على الحكم الشرعي, بل العمل على وفقها يكون موافقاً للاحتياط، نعم الردع عن الارتكاز يكون واجباً إذا كان يوجب انحرافاً أو إغراءً في الموقف العملي.
ج. ولو سُلّم الإمضاء, ففي المقام يوجد ما يُضعف استفادة الإمضاء من سكوته g, وهو عطف الخمر على الجريّ مع عدم نجاسته.
وأما سنداً فالرواية معتبرة, فقد رواها الشيخ الطوسي في التهذيب بإسناده عن علي بن مهزيار عن فضالة عن عبد الله بن سنان، والكل ثقات كما يتضح بالمراجعة, وطريق الشيخ الطوسي في المشيخة إلى علي بن مهزيار تام، وأيضاً قد رواها الكليني في الكافي ونصّها الكامل في الكافي كالتالي: (٥- علي بن محمد عن سهل بن زياد عن خيران الخادم قال: كتبت إلى الرجل (صلوات الله عليه) أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير, أيصلى فيه أم لا؟ فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صلِّ فيه فإن الله إنّما حرّم شربها، وقال بعضهم: لا تصلِّ فيه، فكتب g: (لا تصلِّ, فيه فإنه رجس). قال: وسألت أبا عبد الله g عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم أنه يأكل الجريّ أو يشرب الخمر, فيرده, أيصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال: (لا يصلي فيه حتى يغسله)(٨٤).
وهنا إشكالان سنديان:
الأول: وجود سهل بن زياد, وهو محل كلام وخلاف.
الثاني: أنّ نقل خيران الخادم عن الإمام الصادق g مباشرة لا يناسب طبقته, حيث إن خيران من أصحاب الإمام الجواد أبي جعفر الثاني g والإمام الهادي أبي الحسن الثالث g ، وعن الشيخ الطوسي في رجالـه عدّه فـي أصحاب الإمـام الهـادي g وتوثيقه(٨٥). وقال صاحب الوسائل: (خيران الخادم من أصحاب أبي الحسن الثالث g ثقة، قال الشيخ والعلامة, وروى الكشي مدحه ووكالته)(٨٦)(٨٧).
ومن هنا قال السيد الخوئيO: (رواية خيران الخادم الذي هو من أصحاب الهادي g عن الصادق جعفر بن محمد سلام الله عليهما غريب؛ لبعد الطبقة, ولا يبعد وقوع التحريف فيه من النُساخ, وأن قوله: (قال وسألت أبا عبد الله g)كان ذيل الحديث (٢), وأن الراوي هو عبد الله بن سنان, وكتب ذيل الحديث الخامس
اشتباهاً)(٨٨).
ومما يؤكد كلامه O أن الشيخ الطوسي O نقل رواية خيران مبتدئاً بسهل بن زياد وتنتهي الرواية بكلمة رجس(٨٩).
وعلى أي حال,الطريق الأول المذكور في التهذيبتام, ويكفينا لاعتبار الرواية سنداً(٩٠).
ومنها: معتبرة علي بن مهزيار قال قرأت في كتاب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن g: (جعلت فداك روى زرارة عن أبي جعفر g وأبي عبد الله g في الخمر يصيب ثوب الرجل إنما قال: لا بأس أن يصلي فيه إنما حرّم شربها.وروى غير زرارة عن أبي عبد الله g أنه قال: إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ - يعني المسكر- فاغسله إن عرفت موضعه, وإن لم تعرف موضعه فاغسله كلّه، وإن صليت فيه فأعد صلاتك، فأعلمنيما آخذ به؟فوقّع g بخطه, وقرأته: خذ بقولأبي عبد اللهg)(٩١).
والرواية تامة سنداً في أحد طريقيها إذْ رويت في الكافي بطريقين وفي الطريق الثاني سهل بن زياد وهو محل كلام وخلاف، وعلي بن مهزيار هو من الطبقة السابعة ومن أصحاب الرضا و الجواد والهادي h.
وتقريب الدلالة أن يقال: إن المراد بقول أبي عبد الله g هو قول الإمام الصادق g منفرداً، فدل على أن الرواية عن أبي جعفر وأبي عبد اللهh لم تصح عنده g,فما رواه غير زرارة هو ليس بصحيح ومنفي من أساسه ولم يصدر، فالرواية ناظرة إلى بيان الحكم الواقعي الأولي ابتداءً(٩٢)، وهي من طائفة أخبار النجاسة وطرف معارضة لأخبار الطهارة في عرضها لا أنها حاكمة عليها أو بمنزلة الخبر العلاجي حتى تكون متعرضة لترجيح أحد الخبرين على الآخر، فالسائل سأل عن الحكم الواقعي المتعين وهو حكم الخمر من حيث النجاسة والطهارة دون الحكم الظاهري وحال الحجية، فإذاً الرواية ليست بصدد الحكومة - والنظر لأحدهما وأن الآخر لا يؤخذ به لأنه كان تقية أو لظروف غير طبيعية- ولا بصدد بيان الحكم الظاهري وعلاج حال الحجية للخبرين المتعارضين حتى يقال هي من الأخبار العلاجية بل هي بصدد بيان الحكم الواقعي.
وبناءً على هذا التقريب يستفاد من الرواية نجاسة الخمر وعدم جواز الصلاة فيما أصابه، والوارد فيها عنوان النبيذ المسكر وعنوان الخمر.
ولكن يمكن أنْ يُقال: إنه يـحتمل أن يكـون المقصود من قـول أبي عبد الله g هو أرجحية التنزه عن الثوب الذي أصابه خمر وليس من باب تنجس الثوب, وهذا احتمال موجود وقائم لاسيما مع ملاحظة أخبار الطهارة, فلا مثبت لكون قول أبي عبد الله g دالاً على النجاسة والإلزام بالغسل وإعادة الصلاة، فالكلام وإن فرض أنه ليس ناظراً إلى التعارض وتقديم إحدى الروايتين وإسقاط حجية الأخرى ولكنه مع ذلك يحتمل أن تقديم قول الإمام الصادق g هو للتنزه وأرجحيته.
مضافاً إلى أنه يحتمل أن يكون المراد بـ(خذ بقول أبي عبد الله g) هو قوله الذي مع الإمام الباقر g, ويكون تعبيره بذلك لمصلحة ولو للتنفير من الخمر فلا يتعين أن يكون المراد هو قول الإمام الصادق g منفرداً(٩٣).
وسيأتي الكلام مرة أخرى عن المعتبرة في الوجه الأول من وجوه الجمع بين أخبار النجاسة وأخبار الطهارة.
ومنها: معتبرة عمار الساباطي عن أبي عبد الله g قال: (لا تصلِّ في بيت فيه خمر ولا مسكر لأن الملائكة لا تدخله، ولا تصل في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتى يغسل)(٩٤).
وتقريب الاستدلال بها:
أولاً: بلحاظ النهي عن الصلاة في ثوب أصابه خمر فإن إطلاقه لفرض عدم بقاء عين الخمر يدل عرفاً على كون المانعية بسبب النجاسة لا بسبب عين الخمر بعنوانه.
ثانياً: بلحاظ جعل الغاية للنهي هو الغسل، فإن ذلك يؤكد كون أساس المانعية هو النجاسة لظهور مادة الغسل في كونها تنظيفاً وإزالة للقذر.
ولكن الاستدلال المتقدم يواجه إشكالاً وهو: أن الاستدلال المتقدم إنما يتم بناءً على مسلك حكم العقل - وهو مسلك الشيخ النائيني والسيد الخوئي R- في استفادة الوجوب والتحريم من الأمر والنهي، فإنه على هذا المسلك تكون فقرتا الرواية مستخدمتين في أصل النهي الكلي فقط دون التنزيه والتحريم -الإلزام-, وإنما هما يستفادان من حكم العقل، أي أن الصيغة موضوعة لأصل النهي فقط، أما استفادة التنزيه أو التحريم من صيغة النهي فإنما هي من حكم العقل وليسا مدلولين لفظيين، فالعقل مثلاً يقول إنّ صدور النهي من المولى مع عدم وجود قرينة على جواز الفعل يلزم الترك وأما إذا وجدت قرينة سواء متصلة أو منفصلة - وسواء لبيَّة من إجماع أو تسالم مثلاً أو لفظية- فالعقل يرفع يده، وبناءً على المسلك المذكور أن الجملة الأولى وإن كانت محمولة على التنزيه لاقترانها بما يدل على التنزيه, ولكن هذا لا يقتضي أن تكون الجملة الثانية كذلك, فهي لم تقترن بما يدل على أن النهي فيها تنزيهيٌّ.
فحينئذٍ التفكيك بين الفقرات لا مشكلة فيه والسياق لا يلزم اختلاله، فإن السياق واحد وهو الاستعمال في أصل النهي, إذْ إن القائلين بمسلك حكم العقل يقولون الأمر موضوع لمطلق الطلب من دون قيد الوجوب أو الاستحباب، والنهي موضوع لمطلق الترك من دون قيد الحرمة أو الكراهة.
وأما بناءً على مسلك صاحب الكفاية الذي يرى أن الوجوب والتحريم هما مدلولان وضعيان للأمر والنهي, لا أنهما حكمان عقليان, فإن ذكر التنزيه يكون موجباً لاختلال السياق وبالتالي يتزلزل ويتصدع الظهور في التحريم فتكون الرواية مجملة.
ودعوى التفكيك بأن يقال إنّ الجملة الأولى مستعملة مجازاً في التنزيه والاستحباب, وأما الجملة الثانية فإنها تبقى ظاهرة في النجاسة فيتم التقريب المتقدم ولا محذور في التفكيك، لا تتم حيث يجاب: أنّ اقتران جملة بأخرى يراد منها التنزيه والأدب الشرعي يسلب ظهور الجملة الاولى, إذ قد اتصلت واقترنت بما يصلح للقرينية - أي بما يصلح لإرادة التنزيه-, وفي مقامنا يُراد من الجملة الأولى التنزيه - ولا نقول تصير ظاهرة في التنزيه-.
فإذاً يقتضي السياق ثلم ظهور النهي في الإلزام بعدما كان النهي الأول في الرواية تنزيهياً (٩٥).
ثم إنه لو قطعنا النظر عن السياق - وقلنا بعدم اقتضائه للحمل على الاستحباب كما هو الحال بناءً على مسلك حكم العقل في استفادة الوجوب والتحريم من صيغة الأمر والنهي- فيمكن أن يقال بلزوم الحمل على التنزيه عرفاً في مقام الجمع كما سيأتي(٩٦).
ومنها: معتبرة عبد الله بن سنان قال: (سأل أبي أبا عبد الله g وأنا حاضر إني أعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده علي فأغسله قبل أن أصلي فيه؟ فقال أبو عبد الله g: صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك فإنك أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن أنه نجسه، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجّسه)(٩٧).
بتقريب: أن قول السائل واضح في ارتكاز نجاسة الخمر ولحم الخنزير في ذهنه, والإمام g وإن لم يكن في مقام البيان من هذه الناحية وكان في مقام البيان من جهة جريان الاستصحاب غير أن سكوته إمضاء عرفاً لما ظهر من كلام السائل من ارتكاز النجاسة.
وبعبارة أخرى: وجه الدلالة هو أن كلام السائـل يعطي نجاسة الخمر فتقريـر الإمام g على هذا الاعتقاد كما يظهر من تعليله يؤذن بصحته.
ويلاحظ عليه: ما تقدم في الرواية الأولى - التي هي معتبرة أيضاً لعبد الله بن سنان-, مضافاً إلى أنه لو سلم الارتكاز فربما منشؤه لحم الخنزير الذي هو أحد فردي السؤال، مضافاً إلى أنه إن كانت هذه المعتبرة غير الأولى -الدالة على الغسل- لتعدد الواقعة(٩٨) تساقطتا بالمعارضة -إن لم نقبل الجمع العرفي بينهما بحمل الغسل على الاستحباب- وكذا لو كانت عينها لعدم تعين ما هو الصادر واقعاً.
وتطبيق عدم الزيادة عند الدوران بين الزيادة والنقيصة لا مجال له هنا لأن مشكلتنا ليست في الزيادة والنقيصة بل في (يغسله) و (لا تغسله)(٩٩).
هذا كله بلحاظ الدلالة، وأما بلحاظ السند فالرواية تامة.
إن قيل: إن والد عبد الله بن سنان لم يعرف حاله وبالتالي قد يتوقف من هذه الناحية باعتبار أنّ السؤال صدر منه.
قلت: أنّ عبد الله بما أنه قال (وأنا حاضر) فلا إشكال.
ومنها: رواية أو معتبرة خيران الخادم قال: (كتبت إلى الرجل g أسأله عن الثوب يصيب الخمر ولحم الخنزير أيصلى فيه أم لا؟ فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه فقال بعضهم: صلِّ فيه فإن الله إنما حرم شربها وقال بعضهم: لا تصلَّ فيه، فكتب g:
لا تصلَّ فيه فإنه رجس)(١٠٠).
بتقريب: أن المراد من (رجس) النجاسة، ولكن تقدم الكلام عن دلالة كلمة (رجس) عند البحث حول الآية ولم يثبت وضعها لخصوص النجس الاعتباري, أو انصرافها إلى ذلك في عصر نزول الآية وإنما هي بمعنى الحزازة والاستخباث(١٠١).
وأما سنـداً ففيهـا سهل بن زيـاد وهو مـحل كـلام وخـلاف، قـال صاحب الجواهر O: (... خبر خيران الخادم المروي في الكافي والتهذيب والاستبصار بطرق ليس فيها من يتوقف في شأنه إلا سهل بن زياد)(١٠٢).
فإذاً بناءً على أن الأمر في سهل سهلٌ -كما عن كثير منهم المحقق البهبهاني وصاحب الرياض وصاحب مفتاح الكرامة وصاحب الجواهر والشيخ الأعظم في المكاسب والسيد الحكيم O- فالرواية معتبرة، وأما بناءً على أن الأمر في سهل ليس بسهل - كما هورأي السيد الشهيد والسيد الخوئي R- فالرواية تكون ضعيفة السند(١٠٣).
والتعبير بالرجل في الرواية كناية عن أبيجعفر الثاني أو أبي الحسنالثالث h(١٠٤).
ونحو ذلك مما ورد فيه الأمر بالغسل معتبرة عمار بن موسى(١٠٥)، ومعتبرته الأخرى(١٠٦)، ومرسلة يونس(١٠٧)، ورواية أبي جميل البصري(١٠٨)، ورواية أو معتبرة علي ابن جعفر المروية في قرب الإسناد ومسائل علي بن جعفر(١٠٩)، وكذا روايته الأخرى الواردة في غسل الآنية(١١٠).
ومنها: ما استدل على أن له ظهوراً قوياً في النجاسة المصطلحة, حيث ورد فيه لفظ (النجس),. وهو رواية أبي بصير عن أبي عبد الله g في النبيذ قال: ما يبلّ الميل ينجس حُباً من ماء، يقولها ثلاثاً(١١١).
والرواية بتمامها في الكافي عن أبي بصير قال دخلت أم خالد العبدية على أبي عبد الله g - وأنا عنده- فقالت: (جعلت فداك إنه يعتريني قراقر في بطني (فسألته عن إعلال النساء وقالت) وقد وصف لي أطباء العراق النبيذ بالسويق. فقال: ما يمنعك من شربه؟ قالت: قد قلدتك ديني فألقى الله a حين ألقاه فأخبره أن جعفر بن محمدh أمرني ونهاني. فقال: يا أبا محمد ألا تسمع إلى هذه المرأة وهذه المسائل لا والله لا آذن لك في قطرة منه ولا تذوقي منه قطرة فإنما تندمين إذا بلغت نفسك ههنا وأومأ بيده إلى حنجرته يقولها ثلاثاً: أفهمت؟ قالت: نعم. ثم قال أبو عبد الله g: ما يبل الميل ينجس حباً من ماء يقولها ثلاثاً)(١١٢).
وتقريب الدلالة يتضح بضميمة عدم القول بالفصل(١١٣) وأنه لا فرق بين النبيذ والخمر بالاتفاق، وأنّ المراد من النجس هو النجاسـة الـمصطلحـة، قال الـمحقـق الهمداني O - بعد ذكر ما استدل به على النجاسة-: (... وهذه الأخبار وإن كان جملة منها مخصوصة بالخمر أو واردة فيها وفي النبيذ أو في خصوص النبيذ لكن يمكن الاستشهاد لعموم المدعى بالجميع؛ لعدم القول بالفصل, كما ادعاه بعض, بل يمكن الاستدلال له بجميع الأخبار الدالة على نجاسة الخمر بدعوى كونها اسماً للأعم,
كما استظهره صاحب الحدائق عن جملة من اللغويين, ويشهد له جملة من الأخبار...)(١١٤).
ويمكن أن يلاحظ عليه: أنه لا مثبت لكون المراد هو النجس الاصطلاحي, فإن لفظ (النجس) يطلق لغة على مطلق القذر, أي كل مستقذر وإن كان معنوياً ولم يكن نجساً بالمعنى الشرعي، ولعل صدرها يساعد على حملها على التقذير والتنفير لأجل حرمتها,(١١٥) مضافاً إلى أن النجس يأتي بمعنى التنزه, كما في رواية إسماعيل بن جابر: (لا تدعه تحريماً له ولكن دعه تنزهاً له وتنجساً له, إن في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير).
وعلى أي حال فإن الرواية ضعيفة سنداً بالإرسال وغيره, حيث إن سندها هكذا: محمد بن الحسن عن بعض أصحابنا عن إبراهيم بن خالد بن عبد الله ابن وضاح عن أبي بصير.
أما محمد بن الحسن فهو من مشايخ الكليني (١١٦),وقد اختلف فيه وأنه الصفار أو البرناني أو غيرهما, ومع عدم ثبوت كونه الصفار يحكم بجهالته.
وأما إبراهيم بن خالد فهو لم يوثق، وأما عبد الله بن وضاح فهو من أصحاب الكاظم g وقد وثقه النجاشي، وأما أبو بصير فهو كنية لعدّة رواة, منهم: عبد الله ابن محمد الأسدي ويوسف بن الحارث وحماد بن عبيد الله، وهؤلاء الثلاثة لم يوثقوا، ومنهم ليث بن البختري المرادي ويحيى بن (أبي) القاسم الأسدي المكفوف، وكلاهما ثقة، وقد ذكر السيد الخوئي O أن المعروف بأبي بصير هو الأسدي يحيى بن القاسم. وعلى أي حال لا أقل من كونه مشتركاً بين ليث ويحيى وكلاهما ثقة, والأول من أصحاب الباقر والصادق h, والثاني من أصحابالباقر والصادق والكاظم h.
ومنها: ما دل على لزوم إهراق المرق والماء ونحوهما, كمعتبرة عمر بن حنظلة, قال: (قلت لأبي عبد الله g : ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته ويذهب سكره. فقال: لا والله, ولا قطرة قطرت في حب إلا أهريق ذلك الحب)(١١٧).
وتقريب الاستدلال بها من وجهين:
الأول: من ناحية الأمر بالإراقة فهي ظاهرة في الإرشاد إلى النجاسة، ولكن يمكن أن يلاحظ عليه:
أ. إنما يدل على النجاسة في غير ما ينحصر عرفاً للانتفاع الملحوظ فيه بالأكل والشرب كما في المقام.
ب. أن وجوب الإهراق لا يلازم النجاسة, فلعله للتشديد في حرمة المسكر في مقابل ما كان يفعل من إراقة ماء عليه وشربه, ويؤيد هذا في مقابل احتمال النجاسة قسم الإمام g, فإنه لا حاجة إليه لو أراد النجاسة.
الثاني: بلحاظ أن المحذور لو كان منحصراً في الحرمة لما وجد في مفروض الرواية لأجل الاستهلاك.
ولكن يمكن أن يلاحظ عليه بأن هذا موقوف على فرض ارتكازية زوال حرمة الخمر بالاستهلاك مع أن ارتكازية ذلك في أذهان المتشرعة غير معلومة مع ما يلاحظ من شدّة اهتمام الشارع بلزوم التجنب عن المسكر.
والرواية تامة, سنداً فإن عمر بن حنظلة وإن كان محل خلاف ولم يذكر بتوثيق صريحاً, ولكن لا يبعد البناء على وثاقته بما صح من رواية ابن أبي عمير عنه أو بشهادة الإمام g له بأنه لا يكذب -في رواية يزيد بن خليفة في مواقيت الصلاة بعد ضم توثيق يزيد بما صحّ من رواية صفوان عنه إلى ذلك-.
وعلى أي حال فإن دلالة الرواية على النجاسة غير واضحة.
ونحوها رواية زكريا بن آدم(١١٨).
ومنها: ما دل على نزح ماء البئر إذا وقع فيها الخمر:
كمعتبرة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله g قال: (إن سقط في البئر... أو صبّ فيها خمر نزح الماء كله)(١١٩).
ونحو ذلك من الأخبار التي ورد فيها نزح البئر عند سقوط الخمر، نعم في بعضها ينزح منه ثلاثون دلواً, وفي بعضها ينزح منه عشرون دلواً فإن غلبت الريح نزحت حتى تطيب.
ويلاحظ عليه: أن الاستدلال مبني على تنجس البئر، وأمّا بعد البناء على عدم تنجس البئر فلا يمكن الاستدلال بنصوص النزح على نجاسة ما تنزح له, إذ كما يمكن أن يكون استحباب النزح للتنزه عن أثر النجاسة يمكن أن يكون للتنزه عن أثر غيرها كما ورد النزح لبعض الأمور التي ثبت عدم نجاستها.
وقد ذكر المحقق الخوانساري: (إن روايات النزح معارضة بما يدل على خلافها, ولا يبعد حملها على الاستحباب, بل هو ظاهر, وعلى تقدير حملها على الاستحباب لا تبقى دلالتها على نجاسة الخمر, إذ استحباب النزح لعله لأجل الاستقذار الذي فيه لكن لا بحيث يكون واصلاً إلى حد النجاسة التي بالمعنى المراد هاهنا أو لأجل امتزاج ماء البئر بالأجزاء الخمرية, التي لا يكاد يسلم شارب ماء البئر من شربها...)(١٢٠).
وعن صاحب الحدائق O أنه أشكل على الشيخ الصدوق بأنه حكم بنزح ماء البئر أجمع بانصباب الخمر فيه، وأجيب بأن هذا لا ينافي جواز الصلاة بثوب أصابه خمر فإن نزح البئر ليس للتطهير؛ فإنه ذو مادة معتصم وإنما لدفع حرمة شرب الخمر الذي اختلط بالماء.
وكيفما كان فإن روايات نزح ماء البئر محمولة على التنزيه ورفع الحزازة من النفس؛ لأن ماء البئر معتصم لاتصالها بالمادة.
ومنها ما دل على التوقي مما أصابه الخمر من الآنية والخوان:
كمعتبرة يونس عنهم i قال: (خمسة أشياء ذكية مما فيه منافع الخلق: الأنفحة و... وإنما كره(١٢١) أن يؤكل سوى الأنفحة مما فيه آنية المجوس وأهل الكتاب؛ لأنهم لا يتوقون الميتة والخمر).
وجه الدلالة: التمسك بإطلاق النهي عن الاستعمال الشامل حتى لحالة عدم وجود الخمر فيها الموجب لاحتمال الحرمة. وبعبارة أخرى: إنه لولا نجاسة الخمر لم يكن وجه للاجتناب عن الأواني التي يشرب بها.
ويلاحظ عليها: أنّ الكراهة في الرواية ليس لها ظهور في حكم إلزامي, ولا يثبت بها أكثر من جامع الكراهة, والذي يتلاءم مع الحكم التنزيهي أيضاً, فلا مثبت لإرادة النجاسة اللزومية أكثر، فالدلالة غير تامة.
وأما سنداً, ففي سندها إسماعيل بن مرار(١٢٢) وهو لم يوثق في كتب الرجال. نعم, هو من رجال تفسير القمي، ولكن يمكن أن يقال: إن رواياته تبلغ أكثر من مائتي رواية، وقد روى عنه في جميع ذلك إبراهيم بن هاشم(١٢٣) ومن هنا يمكن الالتزام بوثاقته من باب أن إكثار أحد الأجلاء عن شخص يوجب الاطمئنان بالوثاقة(١٢٤)، وصغرى الإكثار متحققة في المقام.
إن قيل: إنّ نفس إبراهيم بن هاشم فيه كلام, إذ لم يصرّح أحد من قدماء الرجاليين بوثاقته مع أنهم ترجموه جميعاً.
قلت: إنّ إبراهيم بن هاشم وإنْ لم ينصّوا على وثاقته ولكن ذلك لا يوجب التوقف فيما إذا قامت القرائن على الوثاقة، وقد ذكرت قرائن عديدة:
منها: أنه أول من نشر حديث الكوفيين في قم, كما ذكره النجاشي والشيخ, ونسبه الأول إلى الأصحاب، ومن الواضح أن القبول وعدم الرد من قبل القميين الذي يفهم من النشر - مع ما هو معلوم من تشدد القميين في الرواية- قرينة واضحة على وثاقة إبراهيم بن هاشم.
ومنها: أنّ السيد ابن طاووس w ادعى الاتفاق على وثاقته, وهو يكشف -على الأقل- عن توثيق بعض الرجاليين القدماء له(١٢٥).
ومنها: إكثار الأجلاء الرواية عنه واعتمادهم عليه مثل ولده علي، وسعد بن عبد الله الأشعري، وعبد الله بن جعفر الحميري، ومحمد بن يحيى العطار، والصفار، ومحمد بن علي بن محبوب(١٢٦)، وغيرهم(١٢٧).
وغير ذلك من القرائن(١٢٨) مما يدل على وثاقته وجلالته, بل قيل الظاهر أن وثاقة وجلالة إبراهيم بن هاشم أوضح من أن تحتاج إلى الاستدلال عليها، فإن تم ذلك فبناءً على ما هو المشهور- من أن كثرة رواية الثقات الأجلاء عن شخص(١٢٩) تدل على وثاقته- يمكن توثيق إسماعيل بن مرار.
ومما استدل به على قاعدة أن الإكثار يدل على الوثاقة والاعتماد هو أن الأصحاب ديدنهم الاجتناب عن إكثار الرواية عمن لا يوثقونه ولا يعتمدونه، وكذلك ما تسالم عليه علماء الدراية وعلماء الرجال من أنّ الرواية عن الضعفاء أحد أسباب ذم الراوي(١٣٠).
نعم لو كانت من الراوي الجليل الثقة رواية قليلة عمن هو مجهول بالنسبة إلينا أو كانت الرواية في الآداب أو السنن المندوبة غير ذات الخطب الكبير أو كان مضمونها له شاهدٌ يدل على صدق المفاد، لما كان في مثل هذه الصور من رواية الجليل الثقة شهادة على اعتماده وتوثيقه لذلك الراوي(١٣١).
ومعتبرة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر g عن آنية أهل الذمة والمجوس؟ فقال: (لا تأكلوا في آنيتهم, ولا من طعامهم الذي يطبخون, ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر)(١٣٢).
بتقريب: أن النهي مطلق فيشمل حتى حالة عدم وجود شيء من عين الخمر فيها الموجب لاحتمال الحرمة، فإذاً يفهم عرفاً من إطلاق النهي شموله حتى لحالة عدم وجود شيء من العين النجسة.
ولكن يمكن أن يلاحظ عليه بأنّ الإطلاق غير واضح؛ لعدم وضوح أن نهي المولى في مقام البيان من جميع الجهات الشاملة حتى لحالة النجاسة, لاسيما وأن الأواني آنذاك من الخزف ونحوه مما تبقى وتعلق فيها أجزاء من الخمر, فيكون الأمر بالاجتناب من أجل الحرمة, باعتبار أنه قلماّ ينفك من أجزاء الخمر التي ربما لا يسلم الطعام من مخالطتها، وقد يؤيد هذا المعنى ما ورد في رواية حفص الأعور قال: (قلت لأبي عبد الله g: الدن يكـون فيـه الخمر ثـم يجفف يـجعل فيـه الـخـل؟ قال: نعم)(١٣٣). حيث رخص g له استعمال الدن إذا جف من الخمر. نعم الشيخ الطوسي O حمله على التجفيف بعد الغسل وهو خلاف الظاهر.
ومهما يكن يمكن حمل المعتبرة على التنزه بصراحة ما يأتي من الأخبار الدالة على الطهارة والقاعدة العرفية تقتضي تقدم الصريح أو الأظهر على الظاهر.
ونحو معتبرة يونس ومعتبرة محمد بن مسلم خبر علي بن جعفر(١٣٤).
ومنها: ما دل على تنزيل الخمر منزلة لحم الخنزير والميتة:
كمعتبرة الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله g عن دواءٍ عُجن بالخمر؟ فقال: (لا والله ما أحب أن أنظر إليه, فكيف أتداوى به, إنه بمنزلة شحم الخنزير، أو لحم الخنزير, (ترون أناساً يتداوون به))(١٣٥).
بتقريب: تنزيل الخمر فيها منزلة لحم الخنزير فيتمسك بعموم التنزيل ليشمل كل الآثار من الحرمة والنجاسة, فإذاً إطلاق ما في الحديث من التنزيل يقتضي ظاهره ترتب أحكام الخنزير على الخمر ومنها نجاسته.
ولكن يمكن أن يقال: إن كون الخمر بمنزلة شحم الخنزير أو لحم الخنزير لا يدل على نجاستها؛ إذ يجوز أن يكون بمنزلتها في حرمة الاستعمال والتناول بعد كون الكلام عن استعماله كدواء، فتكون المنزلة لا عموم لها في المقام في الحرمة والنجاسة.
إن قيل: في باب التنزيل يكون النظر منصباً ابتداءً على الآثار فالمناسب التمسك بالإطلاق لجميع الآثار.
قلت: صحيح أنه في باب التنزيل تلاحظ الآثار ابتداءً ويمكن التمسك بالإطلاق بخلاف باب الاعتبار(١٣٦), ولكنه ليس كل تنزيل يستلزم صحة جريان الإطلاق بلحاظ جميع الآثار بل ينبغي ملاحظة الموارد والقرائن والسؤال، ولـمّا لم تكن النجاسة من الآثار الظاهرة خصوصاً في تلك الأعصار, فيكون التنزيل بلحاظ كل أثر حتى النجاسة مشكل بل المتيقن خصوصاً الحرمة.
ولاحظ أيضاً رواية هارون بن حمزة الغنوي(١٣٧).
ومن الروايات الأخرى التي استدل بها على النجاسة معتبرة إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبد الله g : ما تقول في طعام أهل الكتاب؟ فقال: (لا تأكله، ثم سكت هنيئة، ثم قال: لا تأكله، ثم سكت هنيئة، ثم قال: لا تأكله ولا تتركه تقول: إنّه حرام ولكن تتركه تتنزه عنه إن في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير)(١٣٨).
وقد تُقرّب دلالتها من خلال قوله g : (ولكن تتركه تتنزه عنه إنّ في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير).
ولكن يلاحظ على ذلك: أنّ التنزه أعم من النجاسة, فقد يكون لحرمة الخمر، ولو سلم أنه للتنجس فلعله بالنسبة إلى لحم الخنزير, اللهم إلا أن يقال إنّ هذا تفكيكٌ في الفقرة الواحدة وهو مرفوض عرفاً.
وأما سنداً فهي معتبرة, لرواية صفوان عنه كما في مقامنا, وكذلك روى عنه ابن أبي عمير، وكذلك قد وثقه الشيخ(١٣٩).
ومنها: رواية عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الأسناد عن علي بن جعفر(١٤٠).
ومنها: رواية حفص الأعور(١٤١).
وهذه الروايات المتقدمة - وفيها ما هو تام سنداً ودلالة- لو لم يكن ما يعارضها لكفت في الحكم بالنجاسة، ولكن يوجد ما يعارضها ويدل على الطهارة, وهي نصوص كثيرة أيضاً, ودلالة كثير منها واضحة مع تضمنها تفصيلاً أو تعليلاً أو حصراً، وهذا مما يقف عائقاً عن الإفتاء بنجاسة الخمر.
هذا تمام الكلام في القسم الأول من البحث، وسيأتي - إن شاء الله تعالى- في القسم الآخر منه بيان ما دلَّ على الطهارة، وكيفية علاج التعارض.
(١) لاحظ المدارك: ٢/٢٩٠، مستند الشيعة: ١/٢٩١.
(٢) الجعفي هو محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليم المعروف بـ(أبي الفضل الصابوني) والمشهور بين الفقهاء بـ(صاحب الفاخر) و(الجعفي على الإطلاق)، وهو من قدماء أصحابنا وفقهائنا من أصحاب كتب الفتوى، وهو ممن أدرك الغيبتين، له كتب كثيرة منها كتاب(الفاخر)، وهو شيخ جعفر بن محمد بن قولويه المتوفى ٣٦٩هـ، وعن الشيخ في رجاله عده من أصحاب الإمام الهادي g. وأما الحسن بن أبي عقيل العماني فهو أيضاً من الفقهاء وتوفي حوالي ٣٢٩هـ.
(٣) لاحظ كلام المقدس الأردبيلي في كتابيه مجمع الفائدة والبرهان: ١/٣١٢ وزبدة البيان: ٤٢، والسيد العاملي في المدارك: ٢/٢٩٢، والمحقق السبزواري في كتابه ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد: ج١/ق١/ص١٥٤ ط.ق، والمحقق الخوانساري في مشارق الشموس في شرح الدروس: ١/٣٣٣، وقال العلامة المجلسيO : ٧٧/٩٧-٩٨:(... بل الأظهر حمل أخبار النجاسة على التقية أو على الاستحباب وبالجملة لولا الشهرة العظيمة والإجماع المنقول لكان القول بالجواز متجهاً ولاريب أن الأحوط العمل بالمشهور).
(٤) المعتبر: ١/٤٢٢. وقال المحقق السبزواري في ذخيرة المعاد ج١/ق١/ص١٥٣: (ويظهر من المحقق في المعتبر نوع تردد فيه).
(٥) مختلف الشيعة: ١/٤٦٩. ولاحظ ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة: ١/١١٤، والدروس: ١/١٢٣.
(٦) كتاب الطهارة: ٢/٣٦٠ ط.ق، وفي جامع أحاديث الشيعة: ٢/٩٢ باب نجاسة الخمر والفقاع: ١٣٩٩، فقه الرضا: ٣٨ (لا بأس أن تصلي في ثوب أصابه خمر لأن الله حرم شربها ولم يحرم الصلاة في ثوب أصابته...) ولعل الأصل في نسبة القول بالطهارة للصدوق الأب ما ذكره ابن إدريس O في السرائر: ١/١٧٩ (وقد ذهب بعض أصحابنا في كتاب له وهو ابن بابويه إلى أن الصلاة تجوز في ثوب أصابه الخمر، قال: لأن الله حرم شربها ولم يحرم الصلاة في ثوب اصابته...) ببيان حمل عنوان ابن بابويه على الأب باعتباره الأقرب إلى بابويه.
(٧) الحدائق الناضرة: ٥/١٠٥، ٥/٩٨. وأيضاً لاحظ مستند الشيعة: ١/١٩١، الجواهر: ٦/٣، والمدارك: ٢/٢٩٢.
(٨) مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة: ٢/٢٣.
(٩) مصباح الفقيه: ج١/ق٢/ص٥٤٥.
(١٠) المقنع: ٤٥٣.
(١١) من لا يحضره الفقيه: ١/ ٧٤.
(١٢) المصدر السابق: ١/ ٢٤٨، ح٧٥١.
(١٣) المصدر السابق: ١/ ٢٥٩.
(١٤) المقنع: ٨١.
(١٥) لاحظ بحوث في شرح العروة الوثقى: ٣/ ٤١٠.
(١٦) المقنع: ٢٩، ٣٤.
(١٧) لاحظ الجواهر: ١/ ٢٤٣.
(١٨) ويبقى المجال مفتوحاً لاتخاذ رأي يخالف المشهور إن اقتضت الصناعة ذلك، وإن كان عملاً قد لا يفتى بذلك، ومن هنا قال المحقق في المعتبر: (... لكن مع اختلاف الأصحاب والأحاديث يؤخذ بالأحوط في الدين).
وقال المحقق السبزواري في ذخيرة المعاد: ج١/ق١/١٥٤ ط.ق (... وبالجملة لولا الشهرة العظيمة والإجماع المنقول كان القول بالطهارة متجهاً لكن الشهرة والإجماع المذكور يمنعنا من الاجتراء عليه وإن كان له رجحان ما فإذن الاحتياط وترك الفتوى فيه متجه كما يميل إليه كلام المحقق في المعتبر...).
(١٩) قال صاحب الجواهر O: ٦/٢ (والمشهور نقلاً وتحصيلاً قديماً وحديثاً بيننا وبين غيرنا شهرة بل كادت تكون إجماعاً بل هي كذلك النجاسة...).
(٢٠) الجامع لأحكام القرآن -تفسير القرطبي-: ٦/٢٨٨ عند تفسير الآية ٩٠ من سورة المائدة، ولاحظ تذكرة العلماء للعلامة الحلي O: ١/٦٤. وعن المحلى لابن حزم هامش ص١٩٩ يقول الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقة له على كتاب المحلى وهو بصدد الرد على ابن حزم (ومن هذا تعلم أن الآية لا تدل على نجاسة الخمر أيضاً وهو الصحيح) ثم يقول بعد أسطر (والحق أنه لا دليل في الشريعة صريحاً أصلاً يدل على نجاسة الخمر، والأصل الطهارة وحرمة شربها لا تدل على نجاستها فإن السم حرام ليس بنجس وكذلك المخدرات الصغرى، وإليه ذهب ربيعة وداود فيما حكاه النووي نقلاً عن القاضي الطيب...).
(٢١) المائدة: ٩٠.
(٢٢) المبسوط في فقه الإمامية: ١/٣٦ (والخمر نجسة بلا خلاف...).
(٢٣) الناصريات: ٩٥ (ولا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر إلا ما يحكى عن شذاذ لا اعتبار بقولهم...)
(٢٤) المدارك: ٢/٢٩٠، ولاحظ الجواهر: ٦/٢ و٩، ومستند الشيعة: ١/١٩٠ والإجماع إمّا محصل أو منقول: والأول إما مدركي أو تعبدي، و أما الثاني إما منقولٌ: آحاداً وإما متواتراً أو مستفيضاً.
(٢٥) مختلف الشيعة: ١/٤٦٩-٤٧٠. وفي هامشه: المسائل الناصريات في ضمن الجوامع الفقهية ص٢١٧ مسألة ١٦، والمبسوط: ١/٣٦.
(٢٦) كتاب الطهارة: ٢/٣٦٠.
(٢٧) التبيان: ٤/١٦-١٧.
(٢٨) التهذيب: ١/٢٧٨.
(٢٩) كنز العرفان عند ذكره للآية. وهذا بناءً على جعل الضمير فيه للرجس أو للخمر، فلاحظ الجواهر: ٦/٥،٤. وذكر المحقق الخوانساري في مشارق الشموس: ١/٣٢٧ إن الاحتمالات في ضمير [فاجتنبوه]: أ- إنه يعود إلى المذكورات من الخمر وما عطف عليها. ب- يعود إلى الرجس، قال بعض، واحتمله الطبرسي. جـ- على عمل الشيطان، ذكره العلامة الطبرسيO واحتمل خلافه.
د- يرجع إلى المضاف المحذوف في صدر الآية المقدر بالتعاطي وما أشبهه وهو خيرة الكشاف.
وقال صاحب الجواهر: ٦/٥: (ويؤيده مضافاً إلى إطلاق الأمر بالاجتناب عنه في الآية بناءً على جعل الضمير فيه للرجس أو للخمر... خصوص خبر...).
(٣٠) مستند الشيعة: ١/١٩٠-١٩١.
(٣١) لاحظ الذكرى: ١/١١٤ وكذلك لاحظ مختلف العلامة ١/٤٧٠.
(٣٢) التهذيب: ٢/٢٧٨.
(٣٣) الصحاح للجوهري: ٣/٩٣٣.
(٣٤) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير: ٢/٢٠٠، وأيضاً لاحظ لسان العرب لابن منظور: ٦/٩٤ تجد ما تقدم عن النهاية.
(٣٥) لسان العرب: ٦/٩٤.
(٣٦) القاموس المحيط للفيروز آبادي: ٢/٢١٨.
(٣٧) المفردات للراغب، تاج العروس للزبيدي الحنفي: ٨/٣٠٣، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٢/٤٩٠.
(٣٨) المدارك: ٢/٢٩١. وقال في ص٢٩٥: (الرجس لغة يجيء لمعان منها القذر، والعمل المؤدي إلى العذاب، والشك، والعقاب، والغضب. والظاهر إطلاقه عليها على سبيل الاشتراك اللفظي فيكون مجملاً محتاجاً في تعيين المراد منه إلى القرينة، مع أن المتبادر من الآية - أي [كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون] - إرادة الغضب والعذاب كما ذكره أكثر المفسرين).
(٣٩) قال الفخر الرازي: (الرجس عبارة عن الفاسد المستقذر المستكره) (١٧/١٦٩).
وقال الآلوسي - عند تفسيره لآية التطهير -: (الرجس في الأصل الشيء القذر... وقيل: إن الرجس يقع على الإثم وعلى العذاب وعلى النجاسة وعلى النقائص...) (٢٢/١٢). وقال السيد الطباطبائيO - عند تفسيره لسورة الأحزاب-: (الرِجس بالكسر فالسكون: صفة من الرجاسة وهي القذارة، والقذارة هيئة في الشيء توجب التجنب والتنفر منها).
(٤٠) الأحزاب: ٣٣.
(٤١) الأنعام: ١٤٥.
(٤٢) الأنعام: ١٢٥.
(٤٣) الحج: ٣٠.
(٤٤) التوبة: ١٢٥.
(٤٥) التوبة: ١٩٥.
(٤٦) الكشاف للزمخشري: ٢/٦٤.
(٤٧) الكافي: ٦/٤٣١.
(٤٨) الكافي: ٦/٤٣٥.
(٤٩) الكافي: ٢/١٨٢.
(٥٠) وسائل الشيعة: ١٥/٣٦٣.
(٥١) الاستبصار: ١/١٩ باب حكم الماء إذا ولغ فيه الكلب.
(٥٢) الكافي: ٣/١٦. وقد ذكر أن ضعف الرواية سنداً لا يضر بها في حال الاستدلال بها أو جعلها مؤيداً على صحة إطلاق لفظ على معنى واستعماله في معنى حتى وإن كان ذلك وارداً في لسان السائل، وذلك لأنّا لا نريد الاستدلال بها على حكم شرعي.
(٥٣) القائل هو صاحب الجواهر O : ٦/٤. وفي المقابل عن مجمع البيان:(لابد من أن يكون في الكلام حذف والمعنى شرب الخمر أو تناوله أو التصرف فيه وعبادة الأنصاب والاستقسام بالأزلام رجس أي خبيث من عمل الشيطان) فلو قيل:(العصير حرام) فإن الحرمة بعد احتياجها إلى فعل مقدر لعدم تعلقها بالعين ابتداءً على ما هو المعروف يتعين كون المتعلق أمراً محذوفاً يقدر حسب ما تقتضيه المناسبات العرفية. وهنا المناسب عرفاً لعنوان العصير هو الشرب فيكون هو المقدر، ولو سُلِم أن كلاً من الشرب والازدراد الشامل للأكل أيضاً مناسب فلا معين للمفهوم الأعم.
(٥٤) الكافي: ٧/٢٧٤، ولاحظ وسائل الشيعة: ٥/١٢٠/ب٣ من أبواب مكان المصلي ح١.
(٥٥) وسائل الشيعة: ١٢/٥٢٥ الباب ٦٧ من أبواب تروك الإحرام ح٤ عن الفقيه ٢/٢٢٧/١٠٦٨ بإسناده عن عبد الله بن سنان. في هامش الوسائل:(في المصدر: يصب). وطريق الشيخ الصدوق إلى عبد الله بن سنان في المشيخة صحيح قال: (وما كان فيه عن عبد الله بن سنان فقد رويته عن أبي ٠، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أيوب بن نوح، عن محمد بن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان)(وسائل الشيعة: ٣٠/٦٨).
(٥٦) وسائل الشيعة: ١٧/٨٧/ب٤ من أبواب ما يُكتسب به ح١. ورواه المشايخ الثلاثة رحمهم الله.
(٥٧) المدارك: ٢/٢٩١.
(٥٨) لاحظ البحار: ٧٧/٩٥.
(٥٩) المعتبر: ١/٤٢٤.
(٦٠) زبدة البيان: ٤٢.
(٦١) ذخيرة المعاد(ط.ق): ج١/ق١/ص١٥٣.
(٦٢) كتاب الطهارة: ٣/١٧٣.
(٦٣) التنقيح في شرح العروة الوثقى: ٣/٨٣ (ط. جديدة).
(٦٤) مسائل الناصريات: ٩٥ للسيد الشريف المرتضى (٣٥٥-٤٣٦هـ).
(٦٥) المبسوط: ١/٣٦.
(٦٦) غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع: ٤١، للسيد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي (٥١١-٥٨٥هـ).
(٦٧) الجواهر: ٦/٢.
(٦٨) مختلف الشيعة: ١/٤٦٩-٤٧٠ للعلامة الحلي (٦٤٨-٧٢٦هـ).
(٦٩) الصدوق ووالده هما من كبار الوسط الفقهي الإمامي في حوزة قم، توفي الأب سنة ٣٢٩هـ، وأما الابن فقد توفي سنة ٣٨١هـ.
(٧٠) ابن أبي عقيل والجعفي هما من شيوخ أصحابنا في العراق، توفي الأول سنة ٣٢٩هـ، وكلهم من المقاربين لعصر الأئمة i أو المعاصرين لمقدار منه فمخالفة قولهم تضر بالإجماع.
(٧١) المعتبر: ١/٤٢٢ للمحقق الحلي O (ت: ٦٧٦هـ).
(٧٢) حيث لم يقم دليل على كفاية الاستفاضة بعنوانها.
(٧٣) بحوث في شرح العروة الوثقى: ٣/٤٠٨. نعم, من خالف في مسألة ما وكان بعيداً عن الحوزة وأجوائها فقد يخفى عليه أوضح الواضحات فلا تكون مخالفته حينئذ مخالفة معتداً بها.
(٧٤) عن قاموس الرجال: ٣/١٩٨.
(٧٥) وسائل الشيعة: ٣/٤٦٨، وفي سندها سهل بن زياد وهو محل كلام, وقال السيد الشهيد O في بحوث في شرح العروة الوثقى: ٣/٤١٣: (والرواية وإن كانت غير صحيحة السند, لا أنه يحتمل صدورها وبقدر الاحتمال الوجداني لصدورها تكون عاملاً مضاداً للكاشفية التكوينية للإجماع, إلا أن مما يوهن أمر الرواية عطف لحم الخنزير على الخمر أيضاً) والمهم يمكن استفادة نفي ارتكاز النجاسة عن الأصحاب بمقدار إمأريتها الاحتمالية.
(٧٦) وسائل الشيعة: ٣/٤٦٨، وهي تامة سنداً بأحد طريقيها. وأما الطريق الآخر ففيه سهل بن زياد, وهو محل خلاف.
(٧٧) وسائل الشيعة: ٢٥/٣٤١، وهي تكشف وتدل بوضوح على أن أبا بصير وأصحابه لم تكن النجاسة مركوزة في أذهانهم, وإلا لعرفوا أن إلقاء الماء في النجس لا يطهره حتى إذا فرض زوال صفة الإسكار، فشبهة جواز شرب النبيذ بعد كسره بالماء تكشف عن أن حرمة شربه لأجل علة الإسكار ومتى ما زال الإسكار عنه زالت الحرمة معه. نعم, هي واردة في النبيذ ولم يكن فيها ذكر الخمر ومن هنا يمكن أن يقال: إن دائرة الخمر تشمل ما أخذ من التمر أو العنب كما أن النبيذ يشمل التمر والعنب غايته بالنبيذ لا بالاعتصار، أو يقال: لا فرق بين النبيذ والخمر بحسب كلام المجمعين حيث أفتوا بالنجاسة فيها, فإذا ثبت انتفاء ارتكاز النجاسة عندهم في النبيذ ثبت ذلك في الخمر أيضاً. وفي بحوث في شرح العروة الوثقى: ٣/٤١٣ عند ذكر رواية كليب بن معاوية قال: (ومن المعلوم أنه لو كان المرتكز في ذهنهم النجاسة لكان من البعيد أن يتوهموا كسر محذور النجاسة بالماء؛ لأن من الواضح أن النجس إذا زيد ماءً تنجس ما يلقى فيه ولا يطهر. وإنما ينشأ هذا التوهم عند قصر النظر على محذور الحرمة فيكشف عن عدم ارتكاز النجاسة في ذهن ثلة من فقهاء أصحاب الأئمة i, والرواية وإن وردت في النبيذ المسكر إلا أنه تنفع للغرض المطلوب على كل حال).
(٧٨) وسائل الشيعة: ٣/٥٢١/ب٧٤ -باب طهارة الثوب الذي يستعيره الذمّي إلى أن يعلم تنجيسه له واستحباب تطهيره قبل استعماله- ح٢ عن التهذيب، وهي في التهذيب ٢/٣٦١/ح١٤٩٤: علي بن مهزيار عن فضالة عن عبدالله بن سنان.
(٧٩) المستدل بها على الطهارة فلاحظ، ولا يخفى أن الأوامر التنزيهية التي ترد عن الأئمة i هي لإرشاد الناس إلى الكمال, منها مثلاً: ما ورد في معتبرة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله g:... وسألته عن أبوال الدواب والبغال والحمير فقال: (اغسله, فإن لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كله, وإن شككت فانضحه). (الكافي ج٣ باب أبوال الدواب ح٢)، وهو محمول على الاستحباب والتنزّه، قال صاحب الوسائل: ٣/٤٠٣: (أقول: هذا محمول على الاستحباب لعدم نجاسة الأبوال المذكورة).
(٨٠) إن احتمال الوحدة في روايات متعددة -بينهما بعض الاختلاف- إنما يكون مضراً فيما إذا فرض وجود سؤال من الراوي فنقول من البعيد سؤاله عن قضية واحدة أكثر من مرة، ولا جزم بانعقاد السيرة على الحكم بالتعدد، وأما إذا لم يوجد سؤال فلا يكون التعدد مضراً, وإنما يكون معناه أن الراوي سمع من الإمام g يقول ذلك في أكثر من مجلس.
(٨١) التي هي الأكثر فلاحظ.
(٨٢) ولا يخفى وجود احتمال آخر في روايات غسل الإناء أو إهراق ما فيه غير مسألة الحكم الإرشادي بالغسل إلى النجاسة, وهو أن الغسل ليس من جهة الارشاد الى النجاسة, ولذا ترى اختلاف الأمر بالغسل من حيث العدد بحسب الأواني وإنما الأمر بالغسل هو لأجل أن لا يحصل تناول للخمر, فالملاحَظ هو مسألة حرمة التناول لا مسألة النجاسة.
(٨٣) المستمسك: ١/٤٠٠.
(٨٤) الكافي: ٣/٤٠٥ في ذيل ح٥.
(٨٥) معجم رجال الحديث: ٨/٨٨، ولاحظ اختيار معرفة الرجال: ٢/٨٦٧.
(٨٦) وسائل الشيعة: ٣٠/٣٦٥.
(٨٧) اختيار معرفة الرجال: ٢/٨٦٨.
(٨٨) المعجم: ٨/٩٠.
(٨٩) التهذيب: ج٢/ح١٤٨٥.
(٩٠) ولا يخفى أن صاحب الوسائل نقل الصحيحة ثانيةً في ٣/٤٦٨/ب٣٨ من أبواب النجاسات ح١ عن الكافي، ونصّ الحديث في الوسائل: محمد بن يعقوب عن الحسين بن محمد عن عبد الله بن عامر عن علي بن مهزيار عن فضالة بن أيوب عن عبد الله بن سنان قال سأل أبي أبا عبد الله عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم أنه يأكل الجري أو يشرب...، وذكر في هامش الوسائل: (الكافي: ٣/٤٠٥/٥).
ولكن بمراجعة الكافي لا نجد النص المتقدم في ح٥- كما اتضح نقله مما تقدم- حيث ح٥ منقول عن خيران الخادم, فلعلّ الوجه في ذكر الحديث بهذا السند هو ما ذكره السيد الخوئيO.
(٩١) وسائل الشيعة: ٣/٤٦٨/ح٢ عن الكافي. وفي هامش الوسائل (في نسخة: غير -هامش المخطوط). أقول: الرواية هي في الكافي: ٣/٤٠٧ (... وروى غير زرارة...)، وذكرها الشيخ في التهذيب: ج١/ح٨٢٦ (عن أبي القاسم جعفر بن محمد عن محمد بن يعقوب عن... -بنفس السند أي بالطريقين-:... وروى غير زرارة...), ولكن كلمة (وقرأته) موجودة في التهذيب دون الكافي، وفي هامش التهذيب أن عبد الله بن محمد مشترك بين الحُضيني الثقة والبلوي الضعيف، وقال الشيخ O بعد إيراده للمعتبرة (وجه الاستدلال من الخبر أنه g أمر بالأخذ بقول أبي عبد الله g على الانفراد والعدول عن قوله مع قول أبي جعفر g, فلولا أن قوله g مع قول أبي جعفر خرج = = مخرج التقية لكان الأخذ بقولهما معاً أحرى وأولى) فالشيخ إذن حمل قوله g (لا بأس أن يصلي إنما حرم شربها) على أنه خرج مخرج التقية.
(٩٢) وكذا رواية خيران فقد قيل إنها أوضح في النظر إلى الحكم الواقعي, وفي أنها ليست من الأخبار العلاجية؛ لأن الإمام g فيها كان يبين الحكم الواقعي معللاً ذلك بأنه رجس ومعه فعدم الحكومة يكون أوضح.
(٩٣) إن صيغة (خذ) لو جاءت وحدها فلها ظهور في الوجوب بغض النظر عن روايات الطهارة خلافاً للمحقق الخوانساري في مشارق الشموس: ١/٣٣١ ط.ق حيث قال: (وأما صحيحة علي بن مهزيار ففيه أن صيغة خذ لا ظهور لها في الوجوب في عرف ائمتنا i نعم إذا وردت في روايات متعددة صيغة الأمر ولم يوجد ما يدل على الاستحباب في روايات أخرى, بل ولم يظهر أيضاً قول من الأصحاب بالاستحباب فحينئذ لا يبعد أن يقال بظهورها في الوجوب كما ذكرنا سابقاً, وفيما نحن فيه ليس كذلك إذ يوجد الروايات الدالة على الاستحباب وكذا القول بخلاف الوجوب من الأصحاب...).
(٩٤) ن. م ح٧ عن التهذيب وطريق الشيخ إلى محمد بن أحمد بن يحيى تام في المشيخة. وذكر أن هذه الرواية تدل على أن النجاسة ليست مختصة بالخمر على فرض أن يكون الخمر اسماً لمسكر خاص ولا يشمل سائر المسكرات، وذلك لعطفه g كلمة المسكر في الخمر بــ أو.
(٩٥) قال الآخوند الخراساني (في اللمعات النيرة: ٢٢٠) بعد ذكره لفكرة حمل أخبار الطهارة على التقية (إلا أنه لا مجال له بعد إمكان التوفيق عرفاً لحمل الأمر بالغسل فيها على الاستحباب لمرتبة من قذارته كما يشهد به خبر علي بن رئاب... أو لأجل خبثه وأنه لا يليق أن يصلي معه بل لا يليق أن يصلي في بيت كان فيه, كما يشهد به موثق عمار... وذلك لوضوح أن حمل الظاهر على النص لا محيص عنه عرفاً وقد عرفت أن الرجوع إلى الترجيح بحسب الصدور أو جهته إنما يكون في ما لا يمكن الجمع عرفاً لاسيما إذا كان هناك شاهد اللهم إلا...).
(٩٦) قد يشكل على الجمع العرفي بالتنزه أنه إنما يتم في الأحكام التكليفية كما لو قيل (اغتسل للجمعة) و(لا بأس بترك غسل الجمعة) فإن حمل الأول على الاستحباب وجيه وأما الأحكام الإرشادية كما في المقام فلا يتم, فإن أخبار النجاسة ترشد إلى نجاسة الخمر ولا يمكن حملها على التنزه إذ =
= لا معنى لاستحباب النجاسة.
وأجيب أن عدم قبول الأحكام الإرشادية لذلك وإن كان يبني عليه بعض الفقهاء لكنه قابل للمناقشة فإن من الوجيه أن تكون النجاسة -التي هي مجرد اعتبار شرعي- ذات مراتب مشككة يقتضي بعضها لزوم الاجتناب بخلاف بعضها الآخر.
والعرف يفهم ذلك عندما يقال مثلاً البول يحتاج إلى غسل كذا مرة وأما إذا كانت النجاسة دماً فتحتاج إلى غسل كذا (لاحظ التفصيل في الإشكال الثالث على الوجه الثاني من وجوه الجمع بين الطائفتين).
(٩٧) وسائل الشيعة: ٣/٥٢١/ب٧٤ من أبواب النجاسات ح١ عن التهذيب. وهي في التهذيب: ٢/٣٦١/ح١٤٩٥: سعد عن أحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن عبدالله بن سنان، ولا يخفى أن هذه الرواية يستشهد بها في مجالات عديدة منها: باب الاستصحاب فإنه g علل بالاستصحاب حيث أخذ الحالة السابقة بنظر الاعتبار (فإنك أعرته إياه وهو طاهر) فهو g غير ناظر لأصل الطهارة الذي يُحتاج فيه إلى النظر إلى الحالة السابقة بل يكفي النظر إلى الحالة الفعلية.
ومنها: طهارة الكتابي إما لإمضائه g ما ارتكز في ذهن السائل من انحصار المحذور بمساورته للنجاسات أو بلحاظ تعرقه فيه غالباً.
ومنها: ذكرها في مقام الرد على حجية الظن في إثبات النجاسة - بعد ان استدل بالرواية الأولى على ثبوت النجاسة بالظن بتقريب أن النهي عن الصلاة قبل غسل الثوب ليس إلا للظن بتنجسه لكونه في معرض ملاقاة النجاسة- بالقول: ويردها صحيحته الأخرى... فإن كانت هذه الصحيحة غير الأولى لتعدد الواقعة تساقطتا بالمعارضة وكذا لو كانت عينها لعدم تعين ما هو الصادر واقعاً.
(٩٨) والسند يختلف.
(٩٩) ولو سلم أن المقام من الزيادة والنقيصة فإنه يقال إن جريان أصالة عدم الزيادة لو سلم بها فالقدر المتيقن منها ما لو كانت هناك مؤشرات مساعدة على عدم الزيادة كما إذا كانت الفقرة كبيرة.
(١٠٠) ن.م ح٤.
(١٠١) في بحوث في شرح العروة الوثقى: ٣/٢٨٧ علق عليها عند البحث عن نجاسة لحم الخنزير (والمتبادر من الرجس هنا النجاسة لأن السؤال ينصرف إلى السؤال عن النجاسة لارتكاز مانعية ملاقاة النجاسة عن الصلاة وعدم ارتكاز مانعية ملاقاة شيء آخر عنها فإن عملنا بهذا الظهور في الخمر
- كما هو الصحيح- فنعمل به هنا وإن لم نعمل به في الخمر جمعاً بينه وبين روايات طهارة الخمر أشكل التمسك به هنا لأن الرجس مفهوم واحد وإذا حمل على الجامع بين النجاسة اللزومية وغيرها لم تبق دلالة على المقصود)، وفي ج٤ عند الكلام عن أصل اشتراط طهارة اللباس والبدن في الصلاة علق عليها (والاستدلال بالفقرة الأخيرة منها حيث إنه علل الحكم بالمنع بأنه رجس ومقتضى قانون التعليل استفادة كبرى مانعية كل نجس في الصلاة ولكن يشكل مضافاً إلى ضعف السند بسهل أن الرجس مرتبة شديدة من الخباثة لا تطلق على كل متنجس).
(١٠٢) الجواهر: ٦/٥.
(١٠٣) عبر عنها السيد الشهيد O بأنها غير صحيحة السند، والسيد الخوئيO قال بأنها ضعيفة السند وذلك لوجود سهل بن زياد والأمر في سهل ليس بسهل لعدم ثبوت وثاقته في الرجال. وأما السيد الخميني O في كتاب الطهارة: ٣/١٧١ وما بعدها فقال: وحسنة خيران الخادم أو صحيحته...، وفي مصباح المنهاج: ٨/٣٩٦: معتبر.
(١٠٤) لاحظ: رجال الطوسي أصحاب الإمام الهادي g واختيار معرفة الرجال: ٢/٨٦٧-٨٦٨، قال صاحب الجواهر: ٦/٨ (... سيما بعد أمر الرجل في خبر خيران الخادم الذي هو كناية على ما قيل عن أبي جعفر الثاني أو أبي الحسن الثالث).
(١٠٥) وسائل الشيعة: ٣/٤٩٤/ب٥١/ح١.
(١٠٦) وسائل الشيعة: ٢٥/٣٦٨/ب٣٠/ح٢.
(١٠٧) وسائل الشيعة: ٣/٤٦٨/ح٣.
(١٠٨) ن.م ح٥ وهي ضعيفة سنداً بالإرسال وجهالة أبي جميل البصري.
(١٠٩) وسائل الشيعة: ٢٥/٣٨٠/ب٣٧/ح٣. وهي معتبرة بناءً على تمامية طرق صاحب الوسائل من كونها على نسخة معينة، أو بناءً على الوثوق من تعدد النقل.
(١١٠) مسائل علي بن جعفر: ١٥٤ عند الرقم ٢١٢ وسألته عن الشرب...، وفي قرب الإسناد عند الرقم ١٠٨٢: وسألته عن الشراب...
(١١١) وسائل الشيعة: ٣/٤٦٨/ح٦، وذكرها O باختصار في ج٣/ب٧٤/ح٢، وذكرها O مفصلة في: ٢٥/٣٤٤/ب٢٠ من أبواب الأشربة المحرمة ح٢ معلقاً عليها: صدر الحديث محمول على التقية أو الإنكار للشرب، لا للترك، أو الاستفهام الحقيقي.
(١١٢) الكافي: ٦/٤١٣ باب من اضطر إلى الخمر للدواء أو للعطش أو للتقية ح١. وذكر أن ذكر (الحب) وارد من باب المثال للقطع بعدم مدخلية الخصوصية في الحكم فهو في الحقيقة كناية عن الكثير الذي يباشره النبيذ كائناً ما كان، وتحديده بما يبل منه الميل مبالغة في قوة ما فيه من التأثير حتى أن أقل القليل منه ينجس من الماء ما كان أكثر منه بمراتب.
وأم خالد العبدية نقل الكشي أنها امرأة صالحة على التشيع وأن يوسف بن عمر الذي قتل زيد بن علي هو الذي قطع يدها. وقال السيد الخوئيO : وتقدم ما يدل على حسن حالها في ترجمة كثير النوا (المعجم: ٢٣/٢٠١). وفي المعجم (١٥/١١٢) رواية عن الكشي أنها دخلت على أبي عبد الله g وسألته وأنها كانت امرأة بليغة وعندما أجابها الإمام g قالت له: فأقول لربي إذا لقيته إنك أمرتني بـ...
(١١٣) قال الميرزا القمي في غنائم الأيام بعد ذكره للرواية: يعني من النبيذ فإنه لم يفرق الأصحاب بينه وبين الخمر.
(١١٤) مصباح الفقيه: ج١/ق٢/ص٥٤٧ وما بعدها، وقال صاحب البحار: ٥٩/٨٨ (بيان: كأن أول الحديث محمول على التقية أو على امتحان السائل. والمراد بالنجاسة إما المصطلحة أو كناية عن الحرمة، فيدل على أن الاستهلاك لا ينفع في رفع الحظر).
(١١٥) قال الخليل: النجس الشيء القذر حتى من الناس وكل شيء قذرته فهو نجس (العين)، وقال ابن منظور: نجس: النجس والنجس، والنجس: القذر من الناس ومن كل شيء قذرته (لسان العرب: ٦/٢٢٦), وقال الراغب: نجس: النجاسة: القذارة وذلك ضربان: ضرب يدرك بالحاسة وضرب يدرك بالبصيرة, والثاني وصف الله تعالى به المشركين فقال:(إنما المشركون نجس...), وقال صاحب المدارك: (النجس لغة المستقذر...، ثم إن العرف يستعمل كلمة نجس بمعنى السيء وأن الأنجس بمعنى الأسوأ, ويحمل النجاسة على الرجس المعنوي).
(١١٦) ذكر أن مشايخ الكليني الذي روى عنهم في الكافي هم سبعة وثلاثون شيخاً, فمنهم المكثرون
كعلي بن إبراهيم, ومنهم المتوسطون كمحمد بن الحسن, ومنهم المُقلِّون كوالد الصدوق. نعم سعد ابن عبد الله القمي لم يذكره السيد الخوئي فيمن روى الكليني عنه، ولم يطمئن السيد البروجردي O بكونه شيخاً للكليني, كما عن الموسوعة الرجالية: ١/١٨٣.
(١١٧) وسائل الشيعة: ٢٥/٣٤١/ب١٨ من أبواب الأشربة المحرمة ح١. وفي الهامش: في المصدر: تقطر منه.
(١١٨) وسائل الشيعة: ٣/٤٦٨/ح٨. وهي ضعيفة سنداً بكلا طريقيها بابن المبارك.
(١١٩) وسائل الشيعة: ١/١٧٩/ب١٥ من أبواب الماء المطلق ح١.
(١٢٠) مشارق الشموس للمحقق الخوانساري : ج١/ص٣٣١ ط. ق.
(١٢١) وسائل الشيعة: ٢٤/١٧٩/ب٣٣ أبواب الأطعمة المحرمة ح٢ (الهامش: في المصدر: يكره) عن الكافي. وعبر عنها في مصباح المنهاج: ٨/٣٩١ معتبرة يونس.
(١٢٢) لاحظ معجم رجال الحديث: ٤/٩٦ عند الرقم ١٤٣٩ إسماعيل بن مرار, وذكر w في المعجم: ١/٢٩٢ أن إبراهيم بن هاشم روى في ٢٥٠ مورداً عن إسماعيل بن مرار: (وإسماعيل بن مرار
تبلغ رواياته عن يونس أو يونس بن عبد الرحمن مائتين وزيادة. ولا يخفى أن الأعداد في المعجم هي بلحاظ الكتب الأربعة فقط فلعله بملاحظة غيرها يزداد العدد كثيراً.
(١٢٣) لا يوجد في الرواة مثل ابراهيم بن هاشم في كثرة الرواية فقد بلغ عدد رواياته(٦٤١٤) رواية منها(٢٩٢١) عن ابن أبي عمير و(٧٥٠) عن النوفلي و(٧٠٠) عن حماد بن عيسى و(٦٠٠) عن ابن محبوب و(٢٧٠) عن حماد و(٢٥٠) عن إسماعيل بن مرار و(١٥٠) عن ابن أبي نجران و(١٥٠) عن عبد الله بن المغيرة و(١٢٠) عن أحمد بن محمد بن أبي نصر و(٦٠) عن عمرو بن عثمان و(٥٠) عن صفوان و(٥٠) عن القاسم بن محمد و(٤٥) عن عثمان بن عيسى و(٩) عن عمرو بن عثمان الخزاز (لاحظ المعجم: ١/٢٩٤, وروى عنه ابنه علي بن إبراهيم ٦٢١٤ مورداً).
(١٢٤) إذا أكثر أحد الأجلاء -كأحمد بن محمد بن عيسى- ممن لم يُقل في حقه أنه كان يروي عن الضعفاء الرواية عن شخص فيمكن أن يقال بحصول الاطمئنان بوثاقة المروي عنه، وهذا أمرٌ يختلف عن قضية أن رواية الثقة عن شخص تدل على الوثاقة فهذا لم يثبت.
(١٢٥) ذكرت عدة أمور يثبت بها الوثاقة, أو الحسن, (منها) نص أحد المعصومين i، (ومنها) نص أحد الأعلام المتقدمين، (ومنها) دعوى الإجماع من قبل المتقدمين, فهذا وإن كان إجماعاً منقولاً إلا أنه لا يقصر من توثيق مدعي الإجماع نفسه منضماً إلى دعوى توثيقات أشخاص آخرين، وفي المعجم: ١/٤٥: (بل إنّ دعوى الإجماع على الوثاقة يعتمد عليها, حتى إذا كانت الدعوى من المتأخرين كما اتفق ذلك في إبراهيم بن هاشم, فقد ادعى ابن طاووس الاتفاق على وثاقته, فإنّ هذه الدعوى تكشف عن توثيق بعض العلماء لا محالة, وهو يكفي في إثبات الوثاقة).
(١٢٦) هؤلاء المتقدمون هم من الطبقة الثامنة - كمشايخ الكليني وإن كان في رواية الكليني عن بعضهم كلام كسعد بن عبد الله القمي-.
(١٢٧) ممن هم من الطبقة التاسعة, كمحمد بن الحسين بن الوليد وعلي بن بابويه والد الصدوق.
(١٢٨) وهو وارد في تفسير القمي وكامل الزيارات والأمر فيهما يتبع المبنى.
(١٢٩) وممن وجدته سلك هذا الطريق صاحب الحدائق: ٢٦/٢٠٤ عند ذكره لرواية فيها اسم اسماعيل بن مرار حيث تمسك للاعتماد عليه بذلك قائلاً: (... إلا أن إكثار إبراهيم بن هاشم الجليل القدر الرواية عنه ...) وهذا الطريق ينفع في توثيق رواة آخرين هم محل كلام كالنوفلي, حيث أكثر عنه إبراهيم بن هاشم.
ولا يخفى أن السيد الخوئيwاستخدم أيضاً كبرى إكثار الرواية- في بحثه الفقهي- في توثيق محمد بن إسماعيل, حيث يروي عنه الكليني كثيراً فلاحظ كتاب الحج: ٥/٢٢ طبعة النجف في مسألة حكم الناسي للطواف، وكتاب الصلاة: ٥/ق١/٢١٠طبعة النجف، ولكن ذكر السيد w في المعجم ١٦/٩٨ عند الرقم ١٠٢٦٤, أنه يكنى أبا الحسن, ثم ذكر أنه استدل على وثاقته بإكثار الكليني ثم ناقش w ذلك وقال إنّ إكثار الرواية عن شخص لا يدل على توثيقه فلاحظ.
(١٣٠) لاحظ للتفصيل: بحوث في مباني علم الرجال: ٢/١٣٣- ١٦٩.
(١٣١) ن.م: ١٣٥.
(١٣٢) وسائل الشيعة: ٣/٤١٩/ب١٤ من أبواب النجاسات ح١، وأيضاً: ٢٤/٢١٠/ب٥٤ من أبواب الأطعمة المحرمة ح٣، ويمكن الاستدلال بها على طهارة الكتابي, وإلا لم يكن وجه لتقييد الآنية بما يشربون فيها الخمر, ولا الطعام بما يطبخونه.
ولا يخفى أن المحقق الخوانساري في مشارق الشموس: ١/٣٣١ ط.ق قال:(وأما صحيحة محمد بن مسلم ففيها أن النهي لا يدل على الحرمة كما ذكرنا في الأمر وأيضاً يجوز...).
أقول: ذكر h ذلك في الأمر عند معتبرة علي بن مهزيار.
(١٣٣) لاحظ وسائل الشيعة: ٣/٤٩٥/ب٥١ من أبواب النجاسات ح٢.
(١٣٤) وسائل الشيعة: ٢٤/٢٣٣/ ب٦٢/ح٤ عن مسائل علي بن جعفر وقرب الأسناد.
(١٣٥) وسائل الشيعة: ٢٥/٣٤٥/ ب٢٠ باب عدم جواز التداوي بشيء من الخمر والنبيذ والمسكر وغيرها من المحرمات أكلاً وشرباً ح٤ عن الكافي والتهذيب.
(١٣٦) في باب التنزيل يكون النظر منصباً على الآثار, فالآثار ملحوظة ابتداءً كركن ركين لمن يقوم بعملية التنزيل, وبالتالي يمكن التمسك بإطلاق التنزيل عملياً، وهذا بخلاف باب الاعتبار, فإنه عبارة عن جعل هذا فرداً من ذاك من باب التوسعة السكاكية, فالمعتبر ليس نظره منصباً على الآثار ابتداءً, وإنما يلحظ ويعتبر جهة كاعتبار الرجل الشجاع أسداً أي فرداً من أفراد المعنى الحقيقي للأسد، فإذاً لا يمكن عملياً التمسك بالإطلاق في الاعتبار، نعم دفعاً لمحذور اللغوية نلاحظ الأثر المباشري الذي= = هو القدر المتيقن.
ولا يخفى أيضاً أنّ التنزيل قد لا يكون مطلقاً, بل يكون حيثياً, فمثلاً عندما تقول الرواية علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل, فهي تريد بيان تنزيل حيثي, أي من جهة أن قولهم حجة ويكون معذراً للمكلف أمام الله تعالى, لا أن المراد التنزيل المطلق بحيث حتى مع العصمة والولاية التكوينية، وكذا في رواية من رآني فقد رآني, ليس المراد تنزيل مطلق وحيثية مطلقة, بل لعل المراد من حيثية أنه من رآني في المنام كمن رآني حياً, ولاشك أن رؤياه شرف وتشرف للمؤمن.
(١٣٧) وسائل الشيعة: ٢٥/٣٥٠/ ب٢١ من أبواب الأشربة المحرمة ح٥، وهي ضعيفة سنداً من جهة يزيد ابن إسحاق.
(١٣٨) وسائل الشيعة: ٢٤/٢١١/ ب٥٤ من أبواب الأطعمة المحرمة ح٤.
(١٣٩) وما روي في ذمه ضعيف فلاحظ المعجم.
(١٤٠) وسائل الشيعة: ٣/٤٥٥/ ب٣٠ من أبواب النجاسات ح٧ عن قرب الأسناد -فقط- ٩١.
(١٤١) وسائل الشيعة: ٢٥/٣٦٨/ ب٣٠ أبواب الأشربة المحرمة ح٣.