نجاسة الخمر (القسم الثاني)

احدث المقالات

PDF
نص المقال

 

 

نجاسة الخمر

(القسم الثاني)

 

الشيخ عليّ العقيليّ (دام عزّه)

 

 

من الموارد التـي وقعت محلّ خلاف بين الفقهاء مسألة (نجاسة الخمر).

وهذه دراسة مستوعبة للمسألة في قسمين. وقد تضمَّن القسم الأَول منها ما يُمكن الاستدلال به للقول المشهور, ويقع الكلام في القسم الثاني في بيان ما يعارضه, وكيفيّة العلاج.

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

تقدَّم في القسم الأوَّل عرض ما استدل به على نجاسة الخمر من الكتاب والسُنَّة والإجماع وبيان النقض والإبرام فيها. 

ويقع الكلام في هذا القسم ـ وهو الأخير ـ في بيان ما استدل به على الطهارة، وكيفية علاج التعارض.

 

الروايات التي استدل بها على الطهارة

والروايات التي يمكن الاستدلال بها على الطهارة ـ مضافاً للأصل ـ كثيرة أيضاً، بل دعوى العلم بصدور جملة منها من الأئمة i أيضاً غير بعيدة.

وفيها المعتبر وما هو تامّ الدلالة على الطهارة كمعتبرة الحسن بن أبي سارة الدالة على طهارة الخمر بعنوانه الخاصّ، وكمعتبرة الحسين بن موسى الحناط، وكذلك معتبرة
عبد الله بن بكير ومعتبرة علي بن جعفر وهما تدلان على طهارة الخمر بالإطلاق، إلى غير ذلك(١) كما سيتضح عند استعراضها, منها:

معتبرة الحسن بن أبي سارة قال: قلت لأبي عبد الله g: إنْ أصاب ثوبي شيء من الخمر أصلّي فيه قبل أن أغسله؟ قال: (لا بأس, إنَّ الثوب لا يسكر)(٢).

وتقريب الاستدلال بها: أنّ الترخيص في الصلاة في الثوب يدل على الطهارة، فإنَّ ظاهر الرواية أنَّ السائل يسأل عن مانعية الصلاة في الثوب الذي أصابه الخمر، والمانعية المتصوّرة هي من جهة النجاسة، والإمام g أجابه بعدم البأس، وهذا معناه طهارة الثوب. كما أنَّ تعليل الإمام g بـ(أنّ الثوب لا يسكر) ظاهر عرفاً بأنّ المشكلة في الخمر هي في الإسكار، وهو يتحقّق إذا كان في الآنية لا في الثوب، فإنّه لا يُستعمل فيما يُسكر.

وبعبارة أخرى: إنَّ المعلّل هو المنع من الصلاة، ومقتضاه أنَّ المنع من الخمر لمّا كان بسبب الإسكار فهو ليس بنجس فلا تتعدى النجاسة للثوب، وإلّا فلو كان الخمر نجساً لتعدت النجاسة إلى الثوب.

وبالجملة: إنَّ الخبر يدل على عدم نجاسة الخمر وجواز الصلاة بالثوب المصاب به، وأنّ المشكلة في الخمر إنَّما هي في الإسكار وحرمة شربه. 

والنتيجة: أنّ الرواية لها ظهور قوي أو هي كالصريحة في الطهارة. 

هذا كلّه من حيث الدلالة.

أمَّا سنداً فالرواية معتبرة، إذْ إنَّ راويها (الحسن بن أبي سارة) كما هو موجود في التهذيب والاستبصار، وهو مذكور في كتب الرجال وقد وثّقه النجاشي(٣).

 وأمّا (الحسين بن أبي سارة) الذي جاء في سندها في الوسائل فلا ذكر له في كتب الرجال. 

وعلى فرض تمامية ما في الوسائل فسند الرواية تامّ أيضاً؛ لأنَّ (الحسين بن أبي سارة) ثقة، إمّا لاتحاده مع (الحسن بن أبي سارة) الموثّق عند النجاشي باعتبار أنَّه  لم يذكر الحسين بن أبي سارة ــ بالتصغيرــ في كتب الرجال، وإمّا لرواية ابن أبي عمير عنه في المقام، وأنّه يوجد راوٍ من الطبقة الخامسة باسم الحسين بن أبي سارة يروي عنه ابن أبي عمير.

نعم، مع اختلاف الاسم عن المصدر الأصلي المطبوع ــ كالتهذيب والكافي ــ وعدم وثاقته على أحد النقلين فهذا يضر بالأخذ بالرواية ــ وإنْ كان الاسم في المصدر الأصلي هو موثّق بخلاف نقل الوسائل ــ، وذلك لأنَّ هذا يكشف عن أنَّ نسخ المصدر الأصلي مختلفة جزماً أو احتمالاً، فلا يمكن الاستناد إلى نسخة المصدر الموجود؛ فإنَّ هذه نسخةٌ، وما وقع عند الحرّ نسخةٌ أخرى، ولعلّها هي الصحيحة، فإذاً يكون الوارد مردداً.

ثمَّ لا يخفى أنَّ ما رواه ابن قولويه O في كامل الزيارات(٤) باب ثواب من زار الحسين g يوم النصف من شعبان: حدثني جماعة مشايخي، عن محمد بن يحيى العطار(٥)، عن الحسين بن أبي سارة المدائني، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج أو غيره واسمه الحسين قال: قال أبو عبد الله g: من زار قبر الحسين g ليلة من ثلاث غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، قال: قلت: أيّ الليالي جعلت فداك، قال: ليلة الفطر أو ليلة الأضحى أو ليلة النصف من شعبان.

 و نقله الشيخ O في التهذيب(٦) عن ابن قولويه بنفس السند وفيه (الحسين بن أبي سارة)، إنَّما المراد به راوٍ آخر من الطبقة الثامنة أو السابعة بقرينة الراوي والمروي عنه, حيث روى العطار عنه, وهو روى عن يعقوب بن يزيد، ومحمد بن يحيى العطار من الطبقة الثامنة وهي طبقة مشايخ الكلينيO .

كما أنَّ يعقوب بن يزيد ثقة وهو من الطبقة السابعة(٧)ــ وجلّهم من أصحاب الجواد والهادي والعسكري h ــ.

وأمّا ابن أبي عمير فهو من الطبقة السادسة، قال النجاشي: (.. لقي أبا الحسن موسى g وسمع منه.. وروى عن الرضا g..)(٨). وقال الشيخ الطوسي: (أدرك من الأئمة ثلاثة أبا إبراهيم موسى g ولم يروِ عنه, وأدرك الرضا g, والجواد g..)(٩).

وممّا تقدَّم يتضح وجود شخص آخر باسم (الحسين بن أبي سارة) من الطبقة الثامنة أو السابعة، ويتضح أنَّ ابن أبي عمير لا يروي عن هذا الحسين بن أبي سارة لاختلاف الطبقة، كما أنّ الحسين بن أبي سارة هذا لا يروي عن الإمام الصادق g.

ومنها: رواية الحسين بن أبي سارة, قال: قلت لأبي عبد الله g إنّا نخالط اليهود والنصارى والمجوس وندخل عليهم وهم يأكلون ويشربون فيمرّ ساقيهم فيصبّ على ثيابي الخمر؟ فقال: (لا بأس به إلّا أنْ تشتهي أنْ تغسله لأثره)(١٠). وهي ضعيفة سنداً بابن سيابة فهو لم يوثّق سواء كان صالح بن سيابة أو فرض التصحيف وأنّه صباح بن سيابة.

ومنها: معتبرة عبدالله بن بكير, قال: سأل رجل أبا عبد الله g ــ وأنا عنده ــ عن المسكر والنبيذ يصيب الثوب؟ قال: (لا بأس)(١١).

وتقريب الاستدلال بها: أنّ المسكر لو كان نجساً ففي ذلك بأس كما هو واضح، فهي تدل على طهارة مطلق المسكر ومنه الخمر.

قال الشيخ الحرّ O بعد نقله لهذه الرواية وغيرها: (أقول: حمل الشيخ هذه الأخبار على التقية من سلاطين ذلك الوقت وجمع من علماء العامة، وحمل ما لا تصريح فيه بالصلاة على اللبس في غير الصلاة، ويمكن الحمل على تعذّر الإزالة، وبعضه يمكن حمله على الإنكار).

فإذاً, يفهم من الأخبار عدم النجاسة, غاية الأمر إمكان حملها على التقية, أو على اللبس في غير الصلاة مثلاً. 

هذا، ولكن الحمل على التقية سيأتي الكلام فيه إنْ شاء الله تعالى.

وأمَّا الحمل على اللبس في غير الصلاة فهو وإنْ كان ممكناً, ولكن عرفاً إنَّما يسأل السائل لا لمجرد سقوط الخمر من حيث هو هو وإنَّما عادة يسأل عن ذلك لمعرفة أنَّه هل يضرّ بما سيقوم به من عمل كالصلاة؟

إنْ قيل: يمكن حمل هذه الرواية وما سبقها من معتبرة الحسن على العفو عن الخمر في الصلاة وإنْ كانت نجسة.

يمكن الجواب: ــ مضافاً إلى أنَّ ما ذكر هو خلاف الظاهر عرفاًــ  لا يتعيّن الحمل على العفو, إذ يمكن حمله أيضاً على أنَّ الأمر هو لمنع الخمر من جهة الصلاة كالحرير وليس لنجاسة الخمر.

ومنها: معتبرة علي بن رئاب, قال: سألت أبا عبد الله g عن الخمر والنبيذ والمسكر يصيب ثوبي، أغسله أو أصلي فيه؟ قال: (صلِّ فيه إلَّا أنْ تقذّره فتغسل منه موضع الأثر إنَّ الله تعالى إنَّما حرَّم شربها)(١٢).

وتقريب الاستدلال: بعد ذكرها الخمر بعنوانه ــ لا بالإطلاق ــ من جهة دلالتها على جواز الصلاة في ثوب أصابه خمر, وظاهر ذلك الطهارة، بل إنَّ الحصر في قوله g: (إنَّ الله تعالى إنَّما حرَّم شربها) كالصريح, أو قل: له ظهور قويّ في طهارتها, وأنَّ المشكلة تكمن في الشرب والتناول.

ومنها: معتبرة الحسين بن موسى الحناط, قال: سألت أبا عبد الله g عن الرجل يشرب الخمر ثم يمجّه فيصيب ثوبي؟ فقال: (لا بأس)(١٣).

ودلالتها تامَّة, فلو كان الخمر نجساً ففي ذلك بأس كما هو واضح، فيتضح أنَّ له أنْ يتعامل معه معاملة الطاهر، وأمَّا سنداً سواء كان الراوي الحسين بن موسى الحنّاط
ــ كما في التهذيب والوسائل ــ, أم أخاه الحسن بن موسى ــ على نسخةٍ كما في هامش الوسائل ــ فقد يقال بضعفها حيث لم يوثّقا, ولكن بناءً على تمامية كبرى وثاقة مشايخ ابن أبي عمير وصفوان والبزنطي تكون معتبرة، فقد روى ابن أبي عمير عن الحسن بن موسى الحنّاط كما في فهرست الشيخ, والطريق معتبر(١٤)، وكذا روى البزنطي عنه كما في الوسائل(١٥), والطريق معتبر أيضاً، وإذا شُكّك في الطريق الأول من ناحية طرق الفهرست فالطريق الثاني تامّ لا إشكال فيه.

وروى ابن أبي نصر, عن الحسين بن موسى كما في الوسائل بطريق معتبر(١٦)، وفي الكافي, والطريق معتبر(١٧)، وكذلك في توحيد الصدوق, والطريق معتبر(١٨).

وروى عنه ابن أبي عمير أيضاً في طريق النجاشي, ولكن في السند ابن بطة وهو ضعيف(١٩). وعلى أيّ حال يكفي أحد الطرق الثلاثة المتقدّمة.

وأمَّا ما رواه عبد الحميد بن أبي الديلم قال: قلت لأبي عبد الله g: رجل يشرب الخمر فبزق فأصاب ثوبي من بزاقه؟ قال: (ليس بشيء)(٢٠) فمورده السؤال عن بصاق شارب الخمر, والبصاق ليس بنجس,  وإنَّما النجس الخمر، مضافاً إلى أنَّها ضعيفة سنداً.

ومنها: معتبرة ابن أبي بكر الحضرمي, قال: قلت لأبي عبد الله g: أصاب ثوبي نبيذ أصلي فيه؟ قال: (نعم)، قلت: قطرة من نبيذ قطر في حبّ أشرب منه؟ قال: (نعم , إنّ أصل النبيذ حلال, وإنّ أصل الخمر حرام)(٢١).

ووجه الدلالة كما عن الذخيرة هو: إنّ الظاهر عدم القائل بالفصل، ولكن قال الشيخ O: (فأول ما فيه: أنّه ليس في ظاهر الخبر أنَّ الذي أصابه من النبيذ هو المسكر المحرّم دون أنْ يكون النبيذ الذي ليس بمسكر، وإذا احتمل هذا, وهذا حملناه على النبيذ الذي لا يسكر وهو ما قدمنا ذكره ممّا قد نبذ فيه التُميرات لتكسر طعم الماء)(٢٢).

ويمكن أنْ يلاحظ على ذلك بعدم وضوح هذا الحمل, فإنَّ الظاهر أنَّ السؤال عن النبيذ المسكر حيث يتوقع من السائل أنْ يسأل عن نجاسته وحرمته, وأمَّا ما كان حلالاً فيبعد السؤال عن نجاسته، أيّ أنَّ السؤال منصرِف إلى خصوص المسكر؛ لوضوح عدم نجاسة النبيذ بمجرد النبذ.

وأمَّا سند الرواية فالكلام من ناحية أبي بكر الحضرمي, وهو (عبد الله بن محمد)(٢٣) ممَّن روى عن الباقر والصادق h, وهو وإنْ لم يرد في حقّه توثيق خاصّ, إلاّ أنَّه يستفاد من بعض الروايات مدحه(٢٤)، مضافاً إلى رواية ابن أبي عمير عنه(٢٥)، وكذلك رواية صفوان بن يحيى البجلي عنه(٢٦).

ومنها: رواية حفص الأعور, قال: قلت لأبي عبد الله g: الدنّ يكون فيه الخمرثمَّ يجفّف، يجعل فيه الخل؟ قال: (نعم)(٢٧). وهي ضعيفة بحفص.

ومنها: معتبرة بكير: سُئل أبو جعفر وأبو عبد الله h فقيل لهما: إنّا نشتري ثياباً يصيبها الخمر وودك الخنزير عند حاكتها أنصلي فيها قبل أنْ نغسلها؟ فقال:(نعم، لا بأس, إنمّا حرّم الله أكله وشربه, ولم يحرّم لبسه ومسّه والصلاة فيه)(٢٨).

وهذه الرواية من جهة السند تامّة بلحاظ سندها في العلل، وأما بلحاظ روايتها في الفقيه فهي مرسلة(٢٩).

وأمَّا دلالةً فقد أُشكل في دلالتها على الطهارة بأنَّ ما يضعّف أمرها هو ما تدلّ عليه ضمناً من جواز الصلاة في جزء من الخنزير، وهذا يجعل الرواية معارضة لا مع روايات نجاسة الخمر فقط, بل مع روايات نجاسة الخنزير أيضاً، ومع روايات منع ما لا يؤكل لحمه الثابتة في الخنزير بقطع النظر عن نجاسته. ولا يمكن القول بأنَّ مورد الرواية ليس نصّاً في بقاء ودك الخنزير في الثوب إلى حين الصلاة، بل ولا في وجود الرطوبة السارية عند الملاقاة معه؛ لأنَّ التعليل واضح في جواز الصلاة فيه فتكون الرواية بلحاظ جزء من مدلولها ساقطة وجداناً، أو بالمعارضة للدليل القطعي(٣٠).

وبعبارة أخرى: يوجد ما يوهن الرواية، إذ إنَّها لا تتكفّل ببيان طهارة الخمر فقط, بل تتكفّل أيضاً بطهارة ودك الخنزير وعدم مانعيته من الصلاة فتعارض ما هو مقطوع به فقهاً من عدم صحة الصلاة في شيء من جسم الخنزير لا للنجاسة فقط، بل لأنَّ الخنزير ممّا لا يؤكل لحمه.

أو قل: إنَّ الرواية تعارض مجموع طوائف ثلاث، الأولى: ما دلّ على نجاسة الخمر مع ضمّ العلم من الخارج بأنَّ كلّ ما كان نجساً فهو مانع. والثانية: ما دلّ على نجاسة الخنزير مع ضمّ العلم المذكور أيضاً. والثالثة: ما دلّ على أنَّ الصلاة فيما يؤكل لحمه باطلة مع ضمّ العلم بأنَّ الخنزير مما لا يؤكل لحمه بالضرورة من الدين، ومن أجل أنَّه يُقطع ــ إجمالاً ــ بصدور بعض هذه الطوائف الثلاث تكون هذه الرواية مخالفة للقطعي من السُنّة لا محالة، فتسقط عن الحجيّة رأساً.

ولكن يمكن أنْ يقال:

 أ- إنَّ الضمير في (أكله وشربه) يعود كما هو واضح على الخنزير والخمر بتأويل المشروب, وأنَّ تناول المذكورات حرامٌ. وأمَّا الضمير في (ولبسه ومسّه والصلاة فيه) فهو يعود إلى الثوب المذكور في ضمن الثياب وأنَّه لا إشكال في الثوب؛ إذْ لا يُعلم بمماسته لودك الخنزير برطوبة مسرية ولا يُعلم بوجود أجزاء منه، كما أنَّه لا تصريح في الرواية بأنَّ ودك الخنزير كان باقياً في الثوب إلى حين الصلاة فغاية ما هنالك شمولها لهذه الحالة بالإطلاق فلا تكون معارضة لجميع ما دلّت عليه الطائفة الثالثة.

مضافاً إلى ذلك: أنَّه لا دلالة في الرواية على أنَّ ملاقاة الثوب لودك الخنزير كانت مع وجود الرطوبة المسرية فلعلّها حصلت من دون رطوبة.

نعم، هذا لا يتم إلاّ بالنسبة إلى ملاقاة الثوب مع ودك الخنزير، وأمَّا ملاقاته مع الخمر فإنَّها لا تتصور إلاّ برطوبة كما هو واضح.

فإذاً, دلالة الرواية على نفي المنع والنجاسة إنَّما هي بالإطلاق فيُقيّد بخصوص ما إذا كانت الملاقاة بدون رطوبة أو مع زوال عين النجاسة، اللهمّ إلاّ أنْ يدّعى الانصراف الناشئ من غالبية الرطوبة في لحم الخنزير عند ذبحه وأكله في قبال أنَّه مسّه عند تجفيفه, والذي هو فرض نادر.

ب- إنّه يمكن التفكيك في الحجيّة بين فقرات الحديث الواحد بأنْ يقال: إنَّ سقوط الرواية في بعض مدلولها لمانع مختصّ به من قيام دليل قطعي على خلافه, أو لوجود المعارض له, أو لوهنه بمخالفة الأصحاب, أو الهجران ممّا لا يلزم منه سقوطها في البعض الآخر(٣١).

وبالجملة: يمكن أنْ يقال: إنَّ للرواية دلالتين اثنتين: الأولى: عدم مانعية الخمر، والثانية: عدم مانعية الخنزير وهما ليستا صادقتين معاً، بل لنا علم إجماليّ بكذب إحداهما لا محالة, لكنّه منحل بالعلم التفصيلي بكذب الأخرى بخصوصها وهي الدلالة الثانية؛ للعلم بعدم جواز الصلاة في الخنزير ولو مع قطع النظر عن نجاسته فتسقط حجيّة الرواية من هذه الجهة، وأمَّا الدلالة الأولى حيث أنَّها ليست متعلّقة للعلم التفصيلي بالكذب والبطلان ولا للعلم الإجمالي به بعد فرض الانحلال فلا محالة تكون حجّة في إثبات مدلولها وهو عدم مانعيّة الخمر، فإنَّ دليل حجيّة الخبر ناظر إلى دلالات الخبر وهو يتناسب مع التفصيل والتبعيض في الحجيّة.

اللّهم إلّا أنْ يقال بأنَّ بطلان أحد مدلولي هذه الرواية يشكّل أمارة توجب سلب الوثوق بها من رأس فلا تكون مشمولة لأدلة حجيّة خبر الواحد في نفسها بناءً على أنَّ دليل الحجيّة لا يشمل خبر الثقة مطلقاً؛ إذ هو لا يشمل ما كان من أخبار الثقات فيه أمارة توجب سلب الوثوق بصدوره بنحوٍ مكافئ لوثاقة الراوي.

أو يقال: إنَّه لا يمكن التفكيك في الحجيّة في أمثال المقام؛ لأنَّ الدليل المهمّ على حجيّة الخبر هو السيرة وهو دليل لبيّ، ولا جزم بالأخذ به في أمثال المقام، فيقتصر على القدر المتيقّن وهو حال عدم اشتمال الخبر على معنى لا يمكن الالتزام به.

والخلاصة: إنْ تمت الدلالة فبها، وإلاّ فالرواية لا تعدّ من روايات الطهارة التامّة.

ومنها: معتبرة علي بن جعفر عن أخيه موسى g قال: سألته عن البيت يبال على ظهره ويغتسل من الجنابة ثم يصيبه المطر أيؤخذ من مائه فيتوضأ به للصلاة؟ فقال: (إذا جرى فلا بأس به).

قال: وسألته عن الرجل يمرّ في ماء المطر وقد صبّ فيه خمر فأصاب ثوبه هل يصلي فيه قبل أن يغسله؟ فقال: (لا يغسل ثوبه ولا رجله ويصلي فيه ولا بأس به)(٣٢).

والاستدلال بها ــ بعد ظهور أنَّ الذي أصاب ثوبه هو الماء الذي صبّ فيه الخمر لا نفس الخمرــ موقوفٌ على أنْ يراد بماء المطر الماء الناشئ من التقاطر لا ما هو مطر بالفعل حال النزول، وبالتالي يشمل بإطلاقه صورة الانقطاع والقلّة فيدلّ على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة الخمر وهو كاشف عن طهارته.

وبالجملة: الرواية تدلّ على طهارة الخمر بالإطلاق فلم يُفصِّل الإمام g بين حالة نزول المطر بالفعل وبين الانقطاع، ومقتضى الإطلاق ــ أو ترك الاستفصال ــ عمومية هذا الحكم حتى لحالة الانقطاع، وبذلك تثبت طهارة الخمر.

وأمَّا سندها فهو تامّ حيث رواها الشيخ الصدوق في الفقيه، وطريق الصدوق إلى علي بن جعفر تامّ، وهو: (وما كان فيه عن علي بن جعفر فقد رويته عن أبي · ، عن محمد بن يحيى العطار، عن العمركي بن علي البوفكي، عن علي بن جعفر g ورويته عن..)(٣٣).

ومنها:معتبرة علي الواسطي قال: دخلتْ الجويرية ــ وكانت تحت عيسى بن موسى ــ على أبي عبد الله g وكانت صالحة، فقالت: إنَّي أتطيب لزوجي فيجعل في المشطة التي امتشط بها الخمر وأجعله في رأسي؟ قال: (لا بأس)(٣٤).

بتقريب: أنَّ الخمر لو كان نجساً ففي ذلك بأس كما هو واضح.

فإنْ قيل: إنَّ السؤال إنَّما هو عن نفس العمل، لاحتمال حرمة استعمال الخمر بأي نحو، فلا يدل نفي البأس إلّا على عدم حرمة ذلك تكليفاً(٣٥).

أجيببـ: أنَّه لو سلّم عدم انسباق حيثيّة النجاسة من السؤال، فلا أقل من التمسك بإطلاق نفي البأس؛ لأنَّ التنجيس بنفسه بأس، ولو سلّم أنَّ البأس المنفي هو البأس في العمل، بمعنى حرمته خاصّة، لا البأس من ناحيته بنحو يشمل سراية النجاسة فلا أقل من كون سكوت الإمام g عن محذور السراية مع أهميته ودخوله في محل الابتلاء ظاهراً عرفاً في عدم وجود محذور من هذا القبيل(٣٦).

والرواية تامّة سنداً، لثبوت وثاقة سعدان بن مسلم لرواية الأزدي عنه(٣٧).

وأما علي الواسطي فهو ثقة لتوثيق علي بن الحسن بن فضّال إيّاه، وقد نقله الكشي بسندٍ صحيحٍ، وقال النجاشي في ترجمة علي بن الحسن الواسطي إنه لا بأس به(٣٨). اللّهمّ إلّا أنْ يقال: إنَّ علي الواسطي، هو غير علي بن الحسن الواسطي، ويكفي التشكيك في ذلك لعدم اعتبار الرواية، ولعلّ هذا هو الذي دعا السيد الشهيد O للقول بأنَّ الرواية ساقطة سنداً بعلي الواسطي.

ومنها: مرسلة الصدوق عن الإمام الصادق g: لا بأس أنْ تصلي في ثوب أصابته خمر؛ لأنَّ الله aحرّم شربها، ولم يحرّم الصلاة في ثوب أصابته(٣٩).

ومنها: رواية أبي جميلة عن أبي عبد الله g: أنَّه سأله عن ثوب المجوسي ألبسه وأصلي فيه؟ قال: (نعم). قال: قلت: يشربون الخمر، قال: (نحن نشتري الثياب السابرية فنلبسها ولا نغسلها)(٤٠).

ومنها: معتبرة معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد الله g عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهم أخباث، وهم يشربون الخمر ونساؤهم على تلك الحال، ألبسها ولا أغسلها وأصلي فيها؟ قال: (نعم..)(٤١).

وهي تامّة سنداً، وطريق الشيخ إلى أحمد بن محمد الذي ابتدأ به السند تامّ في المشيخة(٤٢) ــ وكذا طريق الصدوق إليه ــ.

ومنها: ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: سألته عن رجل مرّ بمكان قد رُشّ فيه خمر قد شربته الأرض وبقي نداوته أيصلي فيه؟ قال: (إنْ أصاب

مكاناً غيره فليصلِّ فيه، وإنْ لم يصب فليصلِّ ولا بأس)(٤٣).

وتقريب الدلالة من عدة وجوه: 

أ- التمسك بإطلاق قوله g (وإنْ لم يصب فليصلِّ) فإنَّ مقتضى إطلاق صحّة الصلاة بمجرد عدم إصابة مكان آخر جاف، سواء كان الوقت وسيعاً بنحو يجفّ قبل خروجه أو لا، وسواء كان بالإمكان تجفيفه بالعناية أو وضع شيء يمنع عن السراية أو لا، بل لعلّ الغالب إمكان التحفظ بنحو من الأنحاء، فلو كان المكان نجساً ومنجساً للزم التحفّظ، ولما ارتفع المحذور بمجرد عدم إصابة مكان آخر في حال إرادة الصلاة، كما هو ظاهر الرواية.

وبالجملة: إنَّ كلامه g مطلق فلم يقيّد باشتراط التجفيف، أو وضع مانع دونه يصلي عليه.

ب- التمسك بقوله g (لا بأس) لظهوره في نفي البأس الملحوظ للسائل في مقام الاستعلام لو تمَّ استظهار أنَّ البأس المحتمل للسائل هو النجاسة لا منع نداوة الخمر عن الصلاة بالأصالة، فإذاً ليس البأس المقصود للسائل إلّا نجاسة البدن والثوب بالخمر.

ج- بتقريب الإطلاق المقامي وعدم التنبيه على ما يترتب على الصلاة في ذلك المكان عند الانحصار من النجاسة ولزوم غسل الأعضاء بعد ذلك، إلّا أنَّ افتراض هذا الإطلاق بلا موجب؛ لأنَّه لم يحرز كون الإمام g في مقام البيان عن سائر الجهات، فلعلّه اعتمد في توضيح ذلك على ما تقتضيه القاعدة(٤٤).

وأما سنداً فهذه الرواية يرويها الحرّ O عن قرب الإسناد للثقة عبد الله بن جعفر الحميري(٤٥)، الذي تضمّن في جزئه الثاني كتاب مسائل الثقة علي بن جعفر في الحلال والحرام عن أخيه الإمام موسى بن جعفر O، وروى تلك المسائل عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر، ولكن عبد الله بن الحسن راوي هذه النسخة من المسائل لم يوثّق في كتب الرجال، وعن المحقّق صاحب المنتقىO  الإشارة إلى ذلك، ومن هنا لم يعتمد معظم الفقهاء على مسائل علي بن جعفر المروية بطريقه.

ومن ثَمَّ هذه الرواية ضعيفة سنداً.

إنْ قيل: كتاب قرب الإسناد من الأصول المعتبرة المشهورة فلا يضر ضعف الراوي.

قلت: إنَّ شهرة الكتاب إنَّما تقتضي عدم الحاجة إلى سند صحيح إليه، لا اعتبار كل ما فيه، مضافاً إلى أنَّه ينبغي إحراز الشهرة في المقام.

ومنها: معتبرة كليب بن معاوية قال: كان أبو بصير وأصحابه يشربون النبيذ يكسرونه بالماء فحدّثتُ أبا عبد الله g فقال لي: (وكيف صار الماء يحلّ المسكر؟ مرهم لا يشربون منه قليلاً ولا كثيراً). ففعلت فأمسكوا عن شربه، فاجتمعنا عند أبي عبد الله g فقال له أبو بصير: إنَّ ذا جاءنا عنك بكذا وكذا؟ فقال: (صدق, يا أبا محمد إنَّ الماء لا يحلّ المسكر فلا تشربوا منه قليلاً ولا كثيراً)(٤٦).

وتقريب الدلالة: إنَّه لو كان المرتكز في ذهنهم النجاسة لكان من البعيد أنْ يتوهموا كسر محذور النجاسة بالماء؛ لأنَّ من الواضح أنَّ النجس إذا زِيد ماءً تنجس ما يلقى فيه ولا يطهر، وإنَّما ينشأ هذا التوهم عند قصر النظر على محذور الحرمة، فيكشف عن عدم ارتكاز النجاسة في ذهن ثلّة من فقهاء أصحاب الأئمة(٤٧).

فإذاً, ظاهر المعتبرة ارتكاز الطهارة عند أبي بصير ولم يردع الإمام g عن هذا الارتكاز فبالإمضاء السكوتي يدلّ على الطهارة، والرواية معتبرة سنداً(٤٨).

ومنها: معتبرة عبد الله بن سنان(٤٩).

ومنها: رواية الجعفريات(٥٠).

ومنها: معتبرة إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبد الله g ما تقول في طعام أهل الكتاب؟ فقال: (لا تأكله ثم سكت هنيئة، ثم قال: لا تأكله، ثم سكت هنيئة ثم قال: لا تأكله، ولا تتركه تقول إنَّه حرام، ولكن تتركه تتنزه عنه، إنَّ في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير)(٥١)

والرواية ظاهرة في الطهارة، وأما سندها فهو: أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن إسماعيل بن جابر، وإسماعيل بن جابر الجعفي الخثعمي وثّقه الشيخ O، وهو ممن روى عنه ابن أبي عمير وصفوان بسند تامّ. وما ورد في ذمه ضعيف(٥٢).

ومنها:رواية هارون بن حمزة الغنوي(٥٣)، وهي ضعيفة سنداً من جهة يزيد بن إسحاق.

ومنها: رواية زكريا بن إبراهيم(٥٤)، وهي ضعيفة سنداً لعدم ثبوت وثاقة عبد الرحمن بن حمزة، وزكريا بن إبراهيم.

ومنها: رواية حفص الأعور(٥٥)، وهي ضعيفة سنداً بحفص.

وبالجملة: إنَّه وإنْ كان يمكن الخدشة في بعض الروايات، ولكن لا يمكن إنكار أنَّها بمجموعها تدلّ على الطهارة، وكثرتها تؤدي إلى الاطمئنان بصدور مضمونها, ومِن ثَمَّ ستعارض روايات النجاسة التي لو خُليت وطبعها لكان يظهر من مجموعها النجاسة، وإنْ كان في كلّ منها ما يمكن مناقشته.

فإذاً, لنلاحظ ما هو مقتضى الصناعة في باب الأخبار للخروج من مأزق هاتين الطائفتين من الروايات.

 

هل يمكن طرح روايات الطهارة؟

قد يقال: إنَّ أخبار الطهارة ساقطة عن الحجيّة في حدّ نفسها وذاتها فلا تزاحم أخبار النجاسة، ويتعيّن الأخذ بها ولا تصل النوبة إلى باب التعارض أساساً؛ فإنَّ اللاحجّة لا تعارض الحجّة؛ وذلك إمَّا استناداً إلى أنَّ أخبار الطهارة معرَضٌ عنها وإنْ لم تكن مهجورة كلياً، أو لأنَّها مخالفة لكتاب الله تعالى، أو لأنَّ أخبار النجاسة في نفسها قطعية إجمالاً لاستفاضتها فتكون روايات الطهارة مخالفة للسُنّة القطعية وهي كالمخالفة للكتاب الكريم توجب الخروج عن إطلاق دليل الحجيّة.

والجواب: أمَّا بالنسبة للإعراض فبناءً على أنَّه كاسر وموهن فهو إنَّما يكون كذلك إذا كان كاشفاً عن وجود خلل في الرواية سنداً أو غيره بحيث لو اطلّعنا عليه لأعرضنا عنها كما أعرض المشهور وبالتالي تسقط عن الاعتبار، أو عن وجود ارتكاز واضح بينهم على النجاسة تلقّوه يداً بيد من المعصوم g ومن أجله لم يولوا اهتماماً لروايات الطهارة.

 ولكن يظهر في المقام أنَّ ترك المشهور العمل بروايات الطهارة مبنيٌّ على إعمال النظر والاجتهاد والرأي في فَهْم النصوص فتُركت روايات الطهارة على أساس الحدس والصناعة والمباني؛ لكونها مخالفة لكتاب الله، أو للاحتياط في الدين، أو لكونها موافقة للعامّة فتحمل على التقيّة كما يظهر ذلك من كلام الشيخ الطوسي O المتقدم الذي يقدّم فيه أخبار النجاسة لمخالفة أخبار الطهارة للكتاب أو لموافقتها للعامّة.

كما أنَّ ابن إدريس الحلي حينما تعرّض لأخبار الطهارة رماها بأنَّها آحاد، ولم يُشِر في كلمات المتقدّمين إلى وجود خلل خاص بها(٥٦).

فكون مقتضى الصناعة هو ما منع المشهور من العمل بأخبار الطهارة أمرٌ محتمل ومعتدّ به إنْ لم يكن هو الظاهر. مضافاً إلى ذلك فإنَّه قد يُشكّك صغروياً في حصول إحراز إعراض الأصحاب عن أخبار الطهارة فلا يثبت مع وجود القول بها من القدماء ومن المتأخّرين.

وبالجملة: حتى لو سُلمت كبرى أنَّ الإعراض موهنٌ، لكن لم تثبت صغرى الإعراض في المقام.

نعم، يمكن أنْ يقال: بأنَّه لو اتفقت الطبقة المتقدّمة الذين هم أصحاب الخبرة بالحديث كالكليني والصدوق والطوسي على الإعراض عن الحديث فإنَّه يسقط عن الحجيّة؛ إذْ إنَّ اتفاقهم إنْ حصل سوف يكون موجباً للاطمئنان بوجود خلل في الرواية أو السقوط عن الحجيّة، باعتبار أنَّ الدليل العمدة لحجيّة الخبر هو السيرة ــ والأدلة اللفظية هي إرشاد إلى ذلك ولا تريد أنْ تؤسس مطلباً جديداً فهي إمضائية لا تأسيسية ــ والسيرة دليل لبيّ فيقتصر على القدر المتيقّن منها، وهو حالة عدم اتفاق إعراض طبقة أهل الخبرة بالحديث من المتقدمين، فإذاً دليل حجية الرواية المهم ــ وهو السيرة ــ قاصر عن الشمول لمثل هذه الحالة.

 ولكن لا يخفى أنَّ الصدوق ــ مثلاً ــ الذي ذكر في مقدّمة كتاب الفقيه أنَّه لا يذكر إلّا ما يفتي به ويراه حجّة بينه وبين ربه اقتصر في الفقيه على النصّ الدالّ على طهارة الخمر من دون أنْ يذكر شيئاً من نصوص النجاسة بنحو يظهر منه العمل بالأولى دون الثانية، إذْ قال في الفقيه: (ولا بأس بالصلاة في ثوب أصابه خمر؛ لأنَّ الله a حرّم شربها ولم يحرّم الصلاة في ثوب أصابته، فأمَّا في بيت فيه خمر فلا يجوز الصلاة فيه)(٥٧).

وذكر O في موضع آخر معتبرة بكير(٥٨)، وذكر في موضع ثالث رواية أبي جميلة(٥٩).

والحاصل: أنَّه يصعب إحراز الإعراض من الطبقة المتقدمة عن نصوص الطهارة مع وضوح الدلالة وكثرة العدد, بل قال المحقّق الهمداني O: (الإنصاف أنَّ إعراضهم عنها ليس على وجه يسقطها عن الحجيّة، فهي أخبار مستفيضة مشهورة عمل بها بعض الأصحاب لا يكون طرفها إلّا تعارض مكافئ، وما يصلح لمعارضتها ليس إلّا بعض أخبار النجاسة الذي لا يقبل الحمل على الاستحباب، وهذا البعض من حيث هو لا يكافئ أخبار الطهارة إلّا أنْ يدّعى انجباره بعمل الأصحاب ونقل إجماعهم واعتضاده بظواهر غيره من الأخبار الكثيرة، وفيه تأمل)(٦٠).

وأمَّا بالنسبة لمخالفة كتاب الله تعالى فقد تقدّم أنَّ الآية لا تدلّ على النجاسة، وبالتالي أخبار الطهارة ليست مخالفة للكتاب الكريم.

وبعبارة أخرى: لا إشكال كبروياً في أنّ ما يخالف كتاب الله تعالى هو ساقط عن الحجيّة، ولكن صغروياً لم تتمّ دلالة كلمة (رجس) على النجاسة، ومعه فلا يصدق على أخبار الطهارة أنَّها معارضة للكتاب حتى تسقط بذلك عن الحجية.

هذا، مضافاً إلى أنَّه لو سلمت الدلالة على النجاسة فقد يقال: إنّ أخبار الطهارة مستفيضة مقطوعة الصدور إجمالاً، ومع كونها كذلك فلا يتمّ هذا الوجه، أي لا توجب الآية سقوط أخبار الطهارة عن الحجيّة، وإنَّما توجب السقوط إذا لم تكن هذه الأخبار قطعيّة الصدور إجمالاً.

وأمَّا بالنسبة إلى مخالفة السُنّة القطعية فقد أجيب عنه بـ: أنَّ جملة من روايات النجاسة قابلة للحمل على التنزّه بالجمع العرفي أو قابلة للتقييد، إذْ تستفاد النجاسة من إطلاقها، فإنْ أريد بالاستفاضة بضم هذه الجملة لم يفد لإثبات عنوان المخالفة الموجبة للسقوط عن الحجيّة، وإنْ أريد ادعاء الاستفاضة من دونها فهو واضح البطلان.

الوجوه الصناعية لرفع التعارض:

وقد تسأل: كيف يتعامل مع هاتين الطائفتين المتعارضتين للوصول إلى الحكم الشرعي بعد اتضاح عدم سقوط إحدى الطائفتين عن الحجيّة في حدّ نفسها؟ فكلّ منهما له حجيّة شأنية، أو قل له حجّة لولائية، أي هو حجّة في حدّ نفسه لولا وجود المعارض له، لا أنَّ حجيّته بالفعل، فهذا يتوقف على أنْ يثبت الدليل إلى الأخير بأنْ ندفع المعارض له.

 فهل يوجد نصّ شرعي يرفع التعارض؟ أو هل يوجد جمع عرفي، أم إنَّ التعارض مستقّر ونحتاج إلى إعمال المرجّحات العامّة الواردة في الأخبار العلاجيّة؟ وإنْ لم يتمّ وجود مرجّح نرجع إلى العموم الفوقاني إنْ وجد، وإلّا كان المرجع هو الأصل العملي حيث الأصل الأولي ومقتضى القاعدة الأوّلية(٦١) هو تساقط الدليلين المتعارضين عن
الحجيّة بمعنى عدم شموله لهما رأساً(٦٢)؛ لأنَّه إنْ كان السيرة فالمتيقّن منها غير المتعارضين، وهذا واضح، وإنْ كان دليل الحجيّة دليلاً لفظياً، بتقريب: أنّ دليل حجيّة الخبر لكليهما لازمه تنجيز وحجيّة المتعارضين معاً، وشموله لأحدهما المعيّن ترجيح بلا مرجّح، ولأحدهما المخيّر بعنوان الجامع ــ أي الأحد ــ فهو معقول ثبوتاً، لكنْ إثباتاً باطل؛ لأنَّ ظاهر دليل حجيّة الخبر هو حجيّة الفرد لا حجيّة أحدهما والجامع، فالقاعدة تقتضي التساقط حيث الاحتمالات الأساسية والقريبة من الذهن ثلاثة كما تقدّم، والأولان فيهما محذور ثبوتي، والثالث فيه محذور إثباتي. هذا إذا كان مدرك حجيّة الخبر دليل لفظي، وأما بناءً على أنَّ المدرك الأساسي هو السيرة فالأمر واضح؛ لأنَّ السيرة دليل لُبّي والقدر المتيقّن منها عدم وجود المعارض.

والجواب: توجد عدَّة وجوه، منها: التمسّك بوجود النصّ الحاكم، ومنها: الجمع العرفي، ومنها: الرجوع إلى الأصل الثانوي، أي المرجّحات العامّة حيث يستقر التعارض، فإذاً توجد وجوه عديدة يمكن تصوير مقتضى الصناعة فيها.

الوجهالأول: أنّ الشارع تصدّى بنفسه في خصوص المقام ورفع التعارض والاختلاف من خلال بيانه بلزوم تقديم أخبار النجاسة، وذلك من خلال معتبرة علي ابن مهزيار: قرأتُ في كتاب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن g جعلت فداك روى زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله h في الخمر يصيب ثوب الرجل أنَّهما قالا:(لا بأس بأنْ تصلي فيه إنَّما حُرّم شربها). 

وروى غير زرارة عن أبي عبد الله g أنَّه قال: (إذا أصاب ثوبك خمرٌ أو نبيذ  ــ يعني المسكر ــ فاغسله إنْ عرفت موضعه، وإنْ لم تعرف موضعه فاغسله كله، وإنْ صليت فأعد صلاتك) فأعلمني ما آخذ به؟ فوّقع g بخطه وقرأته: (خذْ بقول أبي عبد الله g)(٦٣) ــ ونحوها رواية خيران الخادم ــ(٦٤).

بتقريب: أنَّ المعتبرة ناظرة إلى كلتا الطائفتين المتعارضتين ودلّت على لزوم ترجيح قول أبي عبد الله g وهو الطائفة الدالة على النجاسة، فهي التي تمثّل قول أبي عبد الله g فقط، فإنَّ عنوان (قول أبي عبد الله g) صالح عرفاً لإرادة القول المختصّ، وليس المراد هو القول الآخر، فإنَّه قول لهما O معاً، ولو كان مراده قولهما معاً لكان على الإمام g أنْ يقيم قرينة عليه. فهذا جمع شرعي وبيان شرعي لما يجب الأخذ به(٦٥)

والحاصل: أنَّه يؤخذ بما دلّ على النجاسة: إمَّا باعتبار أنَّ المعتبرة حاكمة؛ لأنَّها ناظرة للطرفين، أو باعتبار أنَّها مرجّح علاجي للتعارض، غاية الأمر هو خاصّ بالمقام وليس من المرجّحات العامّة، والخاصّ أو المقيّد يُعمل به ويقدّم على المرجّحات العامّة ــ التي هي مبيّنة حال مرحلة الحجيّة والحكم الظاهري ومرحلة معرفة الوظيفة الظاهرة، والتي دلّت عليها الأخبار العلاجية العامّة، والتي لا يذكر فيها للخبرين مفادّ ومدلول معيّن للتعارض ــ فيكون العمل بالمعتبرة من باب العمل بالأخبار العلاجية.

وبعبارة أخرى: تقدَّم المعتبرة إمَّا من باب الحكومة والنظر للمحكوم مع الاعتراف بأصل وجوده ولو في مرحلة الكشف عن المراد الجدي، وإمَّا من باب كونها مرجّحاً علاجياً خاصّاً بالمقام ــ وليس من باب الحكومة ــ لاحتمال أنَّها صادرة للتقيّة ونحوها وليست لبيان الحكم الواقعي، أو لاحتمال أنَّه g يريد بيان أنَّ الرواية غير صادرة من الإمامين h أصلاً وأنَّها مكذوبة عليهما فالنظر تكذيبي.

واستدل بهذا الوجه الأوَّل كثيرٌ من علمائنا، قال النراقي O: (إنّ الخبر العلاجي في خصوص اختلاف الأخبار في المقام وارد وهي صحيحة علي بن مهزيار.. وظاهر أنَّ المراد قوله منفرداً)(٦٦).

وقال صاحب الجواهر O: (.. إذ من الواضح إرادة قوله المنفرد عن قول أبيه وإلّا فكلا القولين قوله والأخذ بهما جميعاً ممتنع، والتخيير غير مقصود، على أنَّه لو كان المراد قوله مع أبيه لكان ينبغي إسناده إليهما معاً أو إلى أبي جعفر g كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام، وهي مع اشتمالها على الإعراض عن تلك الأخبار دالّة على النجاسة أكمل دلالة وأبلغها في علو سندها وتعدّد طرقها، ومروية عن الإمام اللاحق حاكمة على الأخبار المروية عمن قبله وليس في تلك الأخبار ما يعادلها نفسه)(٦٧).

وقال الشيخ الأنصاري O: (ويكفي في الحكومة بين أخبار الطرفين رواية علي بن مهزيار..)(٦٨).

وقال المحقّق الهمداني O: (ولكن مع ذلك كله الأظهر النجاسة لصحيحة علي بن مهزيار.. فإنَّ ظاهرها تعيّن الأخذ بقول أبي عبد الله g المنفرد عن قول أبي جعفر g الذي مضمونه التنجيس فهو المتبع، ولا يعارضها أخبار الطهارة لحكومتها عليها؛ فإنَّها بمنزلة الأخبار العلاجية الواردة في حكم المتعارضين الآمرة بالأخذ بما وافق الكتاب، أو ما خالف العامّة، أو غير ذلك فإنَّها لا تعدّ في عرض المتعارضين.. لكنك خبير بأنَّ العمومات والقواعد لا تزاحم النصّ الخاصّ الصحيح،  فالصحيحة سليمة عن المعارض يجب الأخذ بظاهرها، فما في المدارك من حملها على الاستحباب جمعاً بينها وبين أخبار الطهارة في غير محله. ونظيرها في الحكومة على ساير الأخبار خبر خيران الخادم قال: .. إذ الظاهر أنَّ اختلاف أصحابنا فيه لم يكن إلّا لاختلاف أخبارهم، وكان هذا منشأ لتحيّر السائل ورجوعه إلى الإمام g، فما صدر عنه g لبيان حكم ذلك الموضوع الذي اختلفت الروايات فيه لرفع تحيّره لا يُعدّ في عرض تلك الأخبار الموجبة لتحيّره)(٦٩).

وقال السيد الحكيم O: (.. ولا ريب في دلالة الروايتين المذكورتين على أنّ التعارض بين روايتي الطهارة والنجاسة مستحكم على نحوٍ لا مجال للجمع العرفي بينهما، وأنَّ الترجيح لرواية النجاسة، فلو اقتضت عمومات الترجيح رواية الطهارة كانت الروايتان المذكورتان إمَّا مخصّصتين لها أو حاكمتين عليها..)(٧٠).

وقال السيد الخميني O: (.. فما بقي في الباب إلّا صحيحة ابن رئاب قال: (سألت أبا عبد الله g عن الخمر والنبيذ والمسكر يصيب ثوبي فأغسله أو أصلي فيه؟ قال: صلِ فيه إلّا أنْ تقذّره فتغسل منه موضع الأثر إنَّ الله تعالى إنَّما حرّم شربها) فإنَّها سليمة سنداً ودلالة عن الخدشة، بل يمكن أنْ يقال: إنّ قوله g (إلّا أنْ تقذّره فتغسل منه) الخ نحو تفسير للأوامر الواردة في غسل الثوب منها، بل لقوله: رجس ونجس، بدعوى أنَّ القذارة فيها بالمعنى العرفي، فتكون شاهدة للرجس والنجس في غيرها، بل قوله g (إنَّ الله إنَّما حرّم شربها) الخ حاكم على ما تقدّم لولا صحيحة علي بن مهزيار .. وحسنة خيران الخادم أو صحيحته المتقدّمة فإنَّهما حاكمتان عليها وعلى جميع الروايات في الباب على فرض تسليم دلالتها..)(٧١).

وقال السيد الخوئي O: (.. ولا مناصّ من الحكم بنجاسة الخمر؛ وذلك لأنَّ الصحيحة ناظرة إلى الطائفتين ومبيّنة لما يجب الأخذ به منهما، فهي في الحقيقة من أدلة الترجيح وراجعة إلى باب التعادل والتراجيح، وغاية الأمر أنَّها مرجحة في خصوص هاتين المتعارضتين)، وقال أيضاً: (.. إنّّ الصحيحة.. دلتنا على وجوب الأخذ بروايات النجاسة وتقديمها على أخبار الطهارة لما عرفت من حكومتها على كلتا الطائفتين ..)، الى أنْ قال: (.. ونحن إنَّما حكمنا بنجاسة الخمر بصحيحة علي بن مهزيار ..)(٧٢).

ويمكن أن يلاحظ عليه

١- لا مثبت أنَّ الرواية من الأخبار العلاجيّة المبيّنة لحال الحجيّة الظاهرية؛ لأنَّ المناسب لذلك هو أنْ لا تكون ناظرة لمورد معين للتعارض، فعدم تشخيص مورد معيّن للتعارض يكشف عن أنَّ السائل يريد استعلام حال الحجيّة للخبرين المتعارضين اللذين لا يمكن أنْ يشملهما معاً دليل الحجيّة، وأمَّا في المقام فمورد التعارض قد شخّصه السائل، ومن ثَمَّ يحتمل فيها ــ في الأقل إنْ لم يكن ظاهراً ــ أنَّ السائل يريد معرفة واستعلام العلم بالحكم الواقعي الأولي للمسألة وبيان حال المسألة واقعاً(٧٣).

مضافاً إلى أنَّه لو كانت الرواية من المرجّحات العلاجيّة في خصوص المقام وأنَّها بصدد بيان أنَّ الرواية الدالّة على الطهارة مكذوبة مثلاً وغير صادرة من الإمامين h، أو إنَّها صادرة لتقيّة ونحوها لكان من المناسب للإمام g أنْ يُكذِّب وينفي أصل الصدور عنهما h، إضافة إلى أنَّه يحتمل أنَّها بصدد الترجيح في مقام العمل للمكلّف الذي ظاهره أنَّه يريد الحكم ليعمل به، وأمَّا احتمال صدور أخبار الطهارة تقيّة فهو ضعيف كما سيتضح(٧٤).

وكذا لا مثبت لكون الرواية حاكمة وناظرة للمتعارضين وأنَّها مقدِّمة لروايات النجاسة، وممّا يبّعده أنَّ احتمال صدور نصوص الطهارة تقيّة ضعيف، كما أنَّه لا نظر تفسيري؛ إذْ لا ذكر لوجه صدور كل منها، وعلى أي حال الاستدلال بها على الحكم يحتاج إلى إثبات أنَّها ناظرة إلى كلا طرفي الأخبار من الروايات فالحكومة هي فرع وجود دليلين.

٢- إنّ ظاهر قوله g: (خُذْ بقول أبي عبد الله g) الفراغ من جهة السند ومن جهة صدور النصّ من الإمامين وعن الحجيّة، فحتى قولهما O المشترك هو حجّة فيتعيّن أنْ يكون الترجيح منه g هو بحسب الحكم الواقعي(٧٥) لا الظاهري, وحينئذٍ تكون الرواية هي من طائفة روايات النجاسة, وطرف معارضته.

قال السيد الخوانساري O: (ويمكن أنْ يقال: ليست هذه الصحيحة متعرّضة لترجيح أحد الخبرين على الآخر، بل لترجيح أحد القولين بعد الفراغ عن أنَّهما مقولا الإمامين، ولا ينافي هذا حجيتّهما فهذا نظير أنْ يقال: كان طريقة رسول الله e كذا وطريقة أمير المؤمنين g كذا، أي الطريقين أتبع؟ فيقال اتبع طريقة رسول الله e)(٧٦).

٣- لو سُلّم أنَّ الرواية ناظرة إلى كلتا الطائفتين وتريد ترجيح قول أبي عبد الله g منفرداً ــ أي طائفة أخبار النجاسة ــ فإنَّه يمكن أنْ يقال إنَّها لا تدل على النجاسة، فهذا أول الكلام فلعَلّ المقصود هو التنّزه بقرينة الطائفة الأولى المروية عنهما المجوّزة للصلاة: (لا بأس أنْ تصلي فيه إنّما حرّم شربها).

وبعبارة أخرى: لو سُلّم أنَّ المراد ترجيح قوله g منفرداً الظاهر في النجاسة فإنَّه لا ينافي ولا يمنع من الأخذ بما روي عنهما h؛ لأنَّ قوله g: (خُذْ بقول أبي عبد الله) لا مفهوم له(٧٧).

وعلى أي حال المعتبرة ليست واضحة في لزوم تقديم أو ترجيح ما دلّ على النجاسة ولو لبعض الملاحظات المتقدمة. 

الوجه الثاني: الجمع العرفي من خلال حمل روايات النجاسة على رجحان التنّزه واستحباب الغسل أو كراهة الاستعمال بدونه(٧٨)؛ إذْ إنَّ ما يستدل به على النجاسة ظاهرٌ في ذلك فيُحمل على التنّزه بصراحة الأخرى في الطهارة، ككلّ مورد اجتمع فيه الصريح والظاهر، فمع اجتماع الصريح والظاهر يؤّول العرف الظاهر بقرينة الصريح، فلاحظ أخبار الطهارة كمعتبرة بكير، ورواية أو معتبرة علي بن رئاب، ومعتبرة الحسن بن أبي سارة، ومعتبرة الحنّاط(٧٩).

وعليه فتحمل أخبار النجاسة والأوامر الواردة في غسل ما يصيبه الخمر على التنّزه واستحباب الاجتناب والتحرز، فهو أمر وضعيّ إرشادي لذلك(٨٠)، أو على الكراهة والحزازة الشرعية ــ أي فيه مبغوضية ــ وأنَّ الإمام g بصدد بيان حكم شرعي مولوي تكليفي وليس بصدد الإرشاد إلى النجاسة.

قال صاحب المدارك O: (وأجاب الأولون عن هذه الأخبار بالحمل على التقيّة جمعاً بينها وبين ما تضمن الأمر بغسل الثوب منه وهو مشكل؛ لأنَّ أكثر العامّة قائلون بالنجاسة). ثم قال O: (نعم، يمكن الجمع بينهما بحمل ما تضمّن الأمر بالغسل على الاستحباب؛ لأنَّ استعمال الأمر في الندب مجاز شائع)(٨١).

وقال الآخوند O: (.. إلّا أنَّه لا مجال له ــ أي الحمل على التقيّة ــ بعد إمكان التوفيق عرفاً لحمل الأمر بالغسل فيها على الاستحباب لمرتبة من قذارته كما يشهد به خبر علي بن رئاب.. أو لأجل خبثه وأنَّه لا يليق أنْ يُصلّى معه، بل لا يليق أنْ يُصلّى في بيت كان فيه، كما يشهد به موثق عمار.. وذلك لوضوح أنَّ حمل الظاهر على النصّ لا محيص عنه عرفاً، وقد عرفت أنَّ الرجوع إلى الترجيح.. إنَّما يكون في ما لا يمكن الجمع عرفاً لاسيّما إذا كان هناك شاهد. اللّهم إلّا أنْ يقال: عمل المشهور مع وضوح هذا الجمع والاتفاق على تقدّمه على الترجيح على المرجّحات السنديّة فضلاً عن الجهتيّة يكشف عن إعراضهم عن هذه الأخبار، وإنَّما حملها الشيخ على التقيّة تبرعاً بعد كونها محكومة بالطرح قاعدة. ولذا قال الشهيد في الذكرى: إنَّ القائل بالطهارة تمسك بأخبار لا تعارض القطعي، فتأمّل. وكيف كان فالعمل على المشهور ولو لأجل الاحتياط)(٨٢).

وكيفما كان فالتعارض غير مستقّر، حيث يمكن الجمع العرفي الذي مقتضاه (تقديم روايات الطهارة على أخبار النجاسة لصراحتها في طهارة الخمر ونفي البأس عن الصلاة في ثوب أصابته خمر بحمل أخبار النجاسة على الاستحباب؛ لكونها ظاهرة في نجاستها كما في أمره g بغسل الثوب الذي أصابته خمر أو إهراق المائع الذي قطرت فيه قطرة، فنرفع اليد عن ظهورها في الإرشاد إلى نجاسة الخمر بصراحة أخبار الطهارة في طهارتها فتحمل على الاستحباب لا محالة فلا مناصّ من الحكم بطهارة الخمر)(٨٣).

وهذا الجمع العرفي يحافظ على وجود روايات النجاسة، غاية الأمر يصرفها عن ظهورها، ولا مانع منه بعد وجود القرينة على ذلك، وأمَّا إذا قدّمنا روايات النجاسة فهذا يستلزم إلغاء وطرح كل روايات الطهارة.

وقد تسأل: ما هو الميزان والضابط العامّ لموارد الجمع العرفي؟

والجواب: الضابط هو أنْ يُجعل الكلامان متصلاً أحدهما بالآخر فإنَّ لم يُرَّ تنافياً بينهما بل كان أحدهما مفسِّراً للآخر أو مقدماً على الآخر فعندئذ يتم الجمع العرفي كما في (أكرم كل فقير) و(لا تكرم الفقير الفاسق) إذا جمعا وجعلا في كلام واحد، فإنّه لا تنافي بينهما ولا يتحيّر العرف، بل يمكن الجمع العرفي بينهما بالتخصيص فيلزم إعمال التخصيص.

ونوقش هذا الوجه كبروياً وصغروياً. 

أمّا كبروياً فمن خلال منع هكذا جمع بين الأخبار لا في مقامنا فحسب، بل في غيره أيضاً باعتبار أنَّه لا دليل عليه من كتاب أو سُنّة، وعليه فلا يجمع عرفاً بحمل الظاهر على النصّ أو الأظهر، بل يلزم إعمال المرجّحات حتى في موارد إمكان الجمع العرفي.

قال صاحب الحدائق O في المقام: (..إنَّه وإنْ اشتهر ذلك بينهم في جميع أبواب الفقه إلّا أنَّه لا مستند له من سُنّة ولا كتاب، وقد استفاضت الأخبار عنهم i بوجوه الجمع بين الأخبار والترجيح في مقام اختلاف الأخبار.. يظهر بطلان حمل أخبار النجاسة على الاستحباب ويتعيّن العمل بها في هذا الباب فتبقى أخبار القول بالطهارة ويتعيّن حملها على التقيّة التي هي في اختلاف الأحكام الشرعية أصل كل بلية)(٨٤).

وقال O في باب مسألة نجاسة الكافر: (.. فعدولهم عمّا مهّده أئمّتهم إلى ما أحدثوه بعقولهم واتخذوه قاعدة كلية في جميع أبواب الفقه بآرائهم من غير دليل عليه من سُنّة ولا كتاب جرأة واضحة لذوي الألباب..)(٨٥).

إذاً صاحب الحدائق O لا يؤمن بقاعدة الجمع العرفي المتقدّمة التي ما أنزل الله بها من سلطان لا في كتاب ولا سُنّة، وإنَّما يلزم إعمال المرجّحات حتى في موارد إمكان الجمع العرفي والتعارض غير المستقر.

ويلاحظ عليه: أولاً: إنّا أساساً لا نحتاج إلى دليل من كتاب أو سُنّة في جمع مثل هذا بعد فرض عرفية المتكلم والخطاب؛ إذْ إنَّ المتكلم عرفي ــ وهو الإمام g  ــ وحينما يتكلّم فهو يتكلّم بما هو إنسان عرفي ولا يتجاوز الحدود العرفية، والمخاطب أيضاً عرفي فلابدَّ وأنْ يكون مقصود المتكلّم ما يفهمه العرف وما يراه العرف وما يطبّقه العرف، وما دام العرف يرى الجمع بالحمل على الاستحباب فيثبت أنَّ هذا هو المقصود كما في كل مورد يشتمل على قرينة، فإنَّ القرينة تقدّم على ذي القرينة عرفاً ويُفَسَر الكلام الأول على أساس الكلام الثاني المشتمل على القرينة.

وبالجملة: بعد فرض عرفية المتكلم والخطاب لا نحتاج إلى دليل على الجمع المذكور(٨٦).

وثانياً: إنَّ إعمال المرجّحات ــ سواء المرجّح الصدوري أو الجهتي أو المضموني(٨٧) ــ إنَّما يكون في موارد عدم إمكان الجمع العرفي وكون التعارض مستقراً ومستحكماً، فإنَّ إجراء المرجّحات هو فرع التعارض المستقر، ولا يجري في موارد الجمع العرفي، وقد بيِّن ذلك في محلّه.

فاتضح إلى هنا أنَّ ما في الحدائق ــ من إنكار الجمع بين الأمر أو النهي مع الرخصة بالحمل على الاستحباب، أو الكراهة بدعوى خلو أخبار العلاج منه ــ مدفوع حلّاً بما تقدم في أوّلاً وثانياً.

وثالثاً: أنًّ صاحب الحدائق O لعلّه ينكر الجمع المذكور، ولا ينكر كل أنحاء الجمع العرفي وإلّا يُنقض عليه بما حكي عنه من أنَّه O جرى على مقتضى الجمع العرفي بوجوهه المختلفة كحمل العامّ على الخاصّ، والمطلق على المقيّد وغيرهما، بل قد جرى في كثير من الموارد على استفادة الكراهة والاستحباب من الجمع بين النصوص ككراهة الأكل أو الشرب والخضاب للجنب، واستحباب المضمضة والاستنشاق قبل الغسل، والاغتسال بصاع وغيرها، فكأنَّ مراده ممّا تقدّم ما إذا لم يمكن الجمع بما تقدّم عرفياً لخصوصيّة في المورد(٨٨).

وكيفما كان: فالرأي المعروف في الأصول، والسيرة الجارية في الفقه هي متابعة الجمع العرفي وخروج المورد به عن التعارض المستقر موضوعاً وحكماً.

وأمّا ما ذكره O من الحمل على التقيّة فهو غير تام لعدة أمور ستأتي إن شاء الله تعالى في الوجه الرابع.

وأما المناقشة الصغروية فهي: أنَّ المقام ليس من موارد وصغريات الجمع العرفي فإنَّ بعض أخبار النجاسة تأبى الحمل على التنّزه والاستحباب؛ وذلك لأمور متعدّدة:

الأمر الأوَّل: إنَّ ضابطة إجراء الجمع الدلالي المقبول (الجمع العرفي بحمل الظاهر من المتقابلين على نصّهما إنَّما هو ما إذا كان المتعارضان على نحو إذا ألقيناهما على أهل العرف لم يميّزوا بينهما بل رأوا أحدهما قرينة على التصرف في الآخر، وليس الأمر كذلك في المقام، لأنَّ أمره g بالإراقة والإهراق إذا انضمّ إليه نفيه g البأس عن الصلاة في ثوب أصابته خمر وألقيا على أهل العرف لتحيّروا بينهما لا محالة ولا يرون أحدهما قرينة على التصرف في الآخر بوجه، فأيضاً لابدَّ من الحكم بطهارة الخمر لأنَّ الطائفتين متعارضتان ولا مرجح لإحداهما على الأخرى، ومقتضى القاعدة هو التساقط والرجوع إلى قاعدة الطهارة... ولكن هذا كله بمقتضى الصناعة العلمية مع قطع النظر عن صحيحة علي بن مهزيار...)(٨٩)

والحاصل:إنَّ العرف لا يرى المقام ــ وهو نصوص الطهارة ــ قرينة على هذا التصرف.

أقول: إنَّ ما ذكره O: كبروياً هو شيء مسلّم وبديهي فالعرف إذا كان يرى التنافي أو يتحيّر فلا جمع عرفي, وإنّما يكون الجمع وجيهاً فيما لو فرض أنّ الكلامين المنفصلين جُمعا بحيث لو وضع أحدهما إلى جنب الآخر لم يرَ العرف تنافياً بينهما، فإنّه آنذاك يصلح الجمع العرفي ــ وإلّا كان التعارض مستقراً ــ كما لو ورد (صلِّ صلاة الليل) وورد (لا بأس بترك صلاة الليل) فإنَّهما إذا جمعا في كلام واحد وقيل (صلِّ صلاة الليل ولا بأس بتركها) لم يرَ العرف تنافياً بينهما, فيحمل الأولى الظاهرة في الوجوب على الاستحباب بقرينة الثانية الصريحة في جواز الترك، وكما في (زكِّ) و (لا بأس بتركه)(٩٠)، بخلاف ما لو كان الوارد (صلِّ صلاة الليل) و(لا تصلِّ صلاة الليل)(٩١).

وأما صغروياً فإنَّه يمكن أنْ يقال: إنَّ العرف لا يتحيّر بعد التنبيه وملاحظة القرائن  في النصوص، ولا يشترط الالتفات المباشر من العرف في صحّة الجمع العرفي، فإنَّ التدقيق في فهم الأدلة تطوّر تدريجياً إلى أنْ وصل إلى ما نحن عليه اليوم فلا يجب في الجمع العرفي أنْ يفهمه كلّ أحد، لأنَّه بملاحظة ألسنة الروايات والقرائن فيها لا يمتنع الجمع العرفي فيها ولا يحصل التحيّر، ففي معتبرة بكير (لا بأس, إنَّما حرَّم الله أكله وشربه), وفي معتبرة الحسن بن أبي سارة (لا بأس, إنَّ الثوب لا يسكر)، وفي معتبرة ابن مهزيار (لا بأس أنْ يصلّي فيه إنّما حرّم شربها)، وفي معتبرة إسماعيل بن جابر (تتركه تتنزّه عنه)(٩٢)، وفي رواية أو معتبرة ابن رئاب (صلِّ فيه إلّا أنْ تقذّره فتغسل منه موضع الأثر؛ إنَّ الله تعالى إنَّما حرَّم شربها)، وفي رواية الحسين بن أبي سارة (لا بأس إلّا أنْ تشتهي أنْ تغسله لأثره).

والأمر لا ينحصر برواية واحدة حتى يقال إنَّه شاهد ضعيف سنداً, بل الشواهد متعدّدة وفيها المعتبر فراجع، وإنْ تنزّلنا فإنَّ التعدّد بنفسه يورث الاطمئنان بصدور هذا المضمون عن المعصوم g، وأنّه يمكن التوفيق عرفاً لصالح أخبار الطهارة لوضوح دلالتها وبعد التأويل فيها فيُحمل الأمر بالغسل ونحوه في أخبار النجاسة على الاستحباب ــ أو كراهة الاستعمال ــ لأجل مرتبة من القذارة كما يشهد لذلك بعض الأخبار المتقدّمة, أو لأجل الخبث وعدم لياقة الصلاة معه، بل لا يليق أنْ يصلّي في بيت كان فيه كما يشهد به موثّق عمّار، فإذا أمكن الجمع عرفاً فيلزم الأخذ به ويحمل الظاهر على النص, ولا تصل النوبة إلى باب المرجّحات(٩٣).

الأمر الثاني: إنَّ (نفس استفاضة أحد المضمونين ووروده بكثرة قد لا يساعد عرفاً على حمل كل ذلك على مجرد التنزّه والاستحباب)(٩٤)، وهنا السيد الشهيد O بعد أنْ ذكر نفس إشكال السيد الخوئي O أضاف هذه العبارة والاستبعاد.

ولكن يمكن أنْ يلاحَظ عليه أنّه لا استبعاد من حمل كثرة روايات النجاسة على التنزّه من الخمر وإراقتها واستحباب غسل ما أصابها فهذا موجود في الشريعة المقدسة في موارد أخرى ففي الوسائل ــ الجزء الثالث, باب استحباب غسل الجمعة ــ ذكر الحرّ رحمه الله ٢٢ حديثاً, وهذا كلّه مع عدم ملاحظة ما أشار إليه في موارد وأماكن أخرى.

مضافاً إلى أنّه يمكن أنْ يقال: إنَّ الخمر شدّدت الشريعة الإسلامية في أمره وما يتعلّق به كما هو واضح لمن لاحظ الكتاب والسُّنة, وحينئذٍ لا مانع يمنع العرف بعد ملاحظة ذلك من الحمل على التنزّه(٩٥).

الأمر الثالث: إنَّ الجمع العرفي بالحمل على التنزّه في المقام إنمّا يتم في الأحكام المولوية التكليفية كما لو قيل (اغتسل للجمعة) و(لا بأس بترك غسل الجمعة) فإنَّ حمل الأوَّل على الاستحباب وجيه.

وأمّا في الأحكام الإرشادية كما في مقامنا فلا يتمّ، فإنَّ أخبار النجاسة ترشد إلى النجاسة, ولا يمكن حملها على التنزّه, إذ لا معنى لاستحباب النجاسة. فإذاً الحمل على الاستحباب أو الكراهة وجيه في الأحكام المولوية دون الأحكام الإرشادية؛ فإنها لا تقبل ذلك, وقد أشار السيد الخوئي O لذلك بقوله: (إنَّ رفع اليد عن ظهور أحد الدليلين المتعارضين بصراحة الآخر إنَّما هو في الدليلين المتكفّلين للتكليف المولوي, كما إذا دلّ أحدهما على وجوب الدعاء حيث كذا, ودلّ الآخر على النهي عن الدعاء في ذلك الوقت فبصراحة كل منهما يُرفع اليد عن ظاهر الآخر، وأما في الدليلين الإرشادين فلا وجه لهذا الجمع بوجه, حيث إنَّهما متعارضان لإرشاد أحدهما إلى فساد الصلاة عند نسيان النجاسة ولإرشاد الآخر إلى صحتها، فحالهما حال الجملتين الخبريتين إذا أخبرت إحداهما عن فساد شيء والأخرى عن صحّته, فالإنصاف أنَّهما متعارضان..)(٩٦).

وبالجملة: حال الدليلين الإرشاديين حال الجملتين الخبريتين كـ(الصلاة في النجس فاسدة) و(الصلاة في النجس صحيحة) فلا معنى لحمل الأولى على الكراهة أو الاستحباب؛ إذ لا معنى لقولك (يستحب الفساد) أو (تكره الصحة), فكذلك الحال في الدليلين الإرشاديين فهما بمثابة الجملتين الخبريتين، والحاصل أنَّ بعض الفقهاء يبني على عدم قبول الأحكام الإرشادية للحمل على التنزّه.

ويلاحظ عليه: أنَّه من الوجيه أنْ تكون النجاسة ــ التي هي مجرد اعتبار شرعي ــ ذات مراتب مشككة يقتضي بعضها لزوم الاجتناب بخلاف بعضها الآخر، فمن الوجيه تعدد مراتب الفساد شرعاً لمعقولية مثل ذلك في الأمر الاعتباري, واستحباب الإعادة في بعضها. 

وأمَّا استهجان مثل (يستحب الفساد) ليس إلّا استهجاناً على مستوى الألفاظ, وإلّا فلو أبدلنا الفساد بـ(الإعادة) ارتفع ذلك، وأمَّا القياس على الجملتين الخبريتين فليس في محله؛ إذ لا طلب فيهما ليقبل الحمل على ذلك, بخلافه في الأوامر والنواهي الإرشادية فإنَّ فيهما ذلك(٩٧).

فيمكن القول: إنَّ الحكم الوضعي إذا كان له مراتب ووجد دليل معارض فلا مانع من ذلك.

نعم، إذا وجد ظهور واحد ولا معارض له فعند ذلك نحمله على البطلان ما دام لا يوجد له معارض، فإذاً عند التعارض تأتي فكرة المراتب.

إن قيل: إنَّ النكتة المصحّحة للحمل على ذلك في التكليفية مفقودة في الأحكام

 الإرشادية، فإنَّ الوجه في حمل الأمر التكليفي على الاستحباب بعد مجيء الرخصة أحد أمور:

أمَّا على مسلك حكم العقل في استفادة الوجوب والتحريم فهو: إنَّ الأمر يدلّ على الطلب الجامع فقط، فإذا جاء الترخيص حكمَ العقل بالاستحباب وذلك هو مقتضى الجمع بين الدلالة على الطلب الجامع وبين الترخيص في المخالفة، وهذه نكتة مختصّة بحالة وجود دلالة على الطلب الجامع, وفي باب الأحكام الإرشادية لا طلب رأساً.

وأمَّا على مسلك الإطلاق ومقدمات الحكمة فهو: إنَّه يدّعى أنَّ الأمر يدلّ في نفسه وضعاً على الطلب الجامع, إلاّ أنَّ إطلاقه يقتضي كون الطلب وجوبياً، فإنَّ الوجوب ــ مثلاًــ طلبٌ محضٌ فلا يحتاج في بيانه إلى دالّ آخر غير ما يدلّ على أصل الطلب، بخلاف الاستحباب فإنَّه طلب مشوب بغيره فيحتاج إلى دالّ آخر يدلّ على ذلك الغير، ومع وجود الدالّ على التقييد المنضمّ إلى الدالّ على أصل الطلب تثبت إرادة الاستحباب. وهذه النكتة خاصّة بالأحكام المولوية لنفس ما سبق.

وأمَّا على مسلك الوضع فهو: دعوى أنَّ ظاهر الأمر الطلبُ الوجوبي بسبب الوضع له إلاّ مع قيام القرينة على الخلاف, فيثبت ظهور ثانويّ في إرادة الطلب الاستحبابي. وهذه النكتة خاصة بالأحكام المولوية أيضاً لنفس ما سبق(٩٨).

قلت: يرد عليه أنَّ في المقصود احتمالين:

أحدهما:أنَّ الاستحباب طلب غايته بدرجة ضعيفة، وحيث إنَّ الأحكام الوضعية لا طلب فيها ــ وإلاّ كانت تكليفيّة ولم يبقَ فارقٌ بينهما ــ فلا يمكن حملها على الاستحباب.

وجوابه: أنَّ الأحكام الوضعية إرشاد إلى المرتبة الضعيفة من الفساد أو الشرطية أو.. التي لازمها الطلب الضعيف, فهي لا تحمل على الاستحباب مباشرة ليقال هي لا تشتمل على الطلب فكيف تحمل عليه؟!.

والآخر: قصور الدالّ على الاستحباب إثباتاً، فإنَّ حمل الأوامر التكليفية على الاستحباب ممكن؛ لأنَّها تدلّ على الطلب الذي إذا انضمّ إلى الترخيص تحقق الدالّ على الاستحباب، وهذا بخلافه في الأحكام الوضعية؛ فإنَّه لا طلب فيها لينضمّ إلى الترخيص ويثبت الدالّ على الاستحباب.

وجوابه: إنَّا لا نحتاج إلى دالّ آخر يغاير الدالّ على تلك المرتبة الضعيفة من الفساد أو الشرطية, فإنَّ لازم تلك المرتبة الضعيفة ثبوت الطلب الاستحبابي كما في الزوجية والأربعة, فإنَّه لا حاجة لدالّ على الزوجيّة يغاير الدالّ على الأربعة(٩٩).

الوجه الثالث: تقدّم أخبار النجاسة للمرجح العلاجيّ وهو الموافقة للكتاب, بناءً على أنَّ الرجس في الآية هو النجس لغة كما هو قول العلاّمة في المنتهى, والتذكرة, وتقدّم قول الشيخ الطوسي في التهذيب من أنَّ (الرجس هو النجس بلا خلاف)(١٠٠)، وعليه بعد عدم تمام كل ما تقدّم تصل النوبة إلى باب المرجّحات والأخبار العلاجية بين المتعارضين.

ويلاحظ عليه:

 أ- أنَّ إعمال المرجّحات هو فرع التعارض المستقر، فإذا أمكن الجمع عرفاً فلا تصل النوبة إلى المرجّحات، وأما بناءً على عدم إمكانه فيتم إعمال المرجّحات.

ب- ــ وهو المهمّ ــ إنَّ الرجس وإن فُسّر وأطلق لغةً على النجس إلاّ أنّه كما تقدّم بيانه لا يراد به النجس في محل الكلام, فإنَّه معنى شرعي حادث، بل المراد مطلق القذر وإنَّ كان معنوياً, ولذا يوصف به الأفعال والصفات والعذاب ونحوها كما تقدّم في ذكر الآيات القرآنية كقوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ}(١٠١)، وقوله سبحانه: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}(١٠٢)، ومما يناسبه في المقام عطف الميسر والأنصاب على الخمر في الآية، وهذه لا معنى لأنْ تكون نجسة، وأيضاً قوله: [مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ], فهو يتناسب مع القبيح دون النجاسة الخبثية الشرعية.

إن قيل: يحمل الرجس في الآية على النجس ولا ينافي ذلك وقوعه خبراً عن الأنصاب والأزلام؛ لإمكان أن يراد به بالنسبة إليهما المستقذر من باب عموم المجاز، على أنَّه يمكن بل هو الظاهر دعوى كونه خبراً عن الخمر خاصّة فيُقَدَّر حينئذ لهما خبر، ولا تجب مطابقة المحذوف والموجود وإنْ كان دالاً عليه، كما في عطف المندوب على الواجب بصيغة واحدة، فيتعيّن حينئذ كون الرجس بمعنى النجس(١٠٣).

قلت: إنَّ هذا التقريب فيه تكلف ويحتاج إلى شاهد فهو خلاف الظاهر، بل قال الطبرسي O:( [رجسٌ مِن عَمَلِ الشيطان] لابد من أنَّ يكون في الكلام حذف والمعنى شرب الخمر وتناوله أو التصرف فيه، وعبادة الأصنام، والاستقسام بالأزلام، رجس أي: خبيث من عمل الشيطان)(١٠٤).

وعلى أيّ حال الاستدلال بالآية فيه إشكالات, وبالتالي لا وضوح في دلالة الآية على النجاسة حتى تصلح لترجيح النصوص(١٠٥).

الوجه الرابع: أنَّه يوجد ما يوهن ويضعّف تقديم أخبار الطهارة مع كونها حجّة، حيث إنَّ أخبار الطهارة موافقة للعامة فتحمل على التقية وبه يتمّ المطلوب، ويكون العمل بأخبار النجاسة فهي المخالفة للعامة وفيها الرشاد فتُقدّم. وممن تبنى هذا الوجه الشيخ الطوسي O من المتقدمين, وصاحب الحدائق O من المتأخرين بعد أنْ رفض الجمع العرفي بحمل أخبار النجاسة على الاستحباب.

قال الشيخ الطوسي O: (والذي يدلّ على أنَّ هذه الأخبار محمولة على التقية ما تقدّم ذكره من الآية, وأنَّ الله تعالى أطلق اسم الرجاسة على الخمر, ولا يجوز أنْ يرد من جهتهم i ما يُضادّ القرآن وينافيه، وأيضاً قد أوردنا من الأخبار ما يعارض هذه ولا يمكن الجمع بينهما إلاّ بأنْ نحمل هذه على التقية؛ لأنّا لو عملنا بهذه الأخبار كنا دافعين لأحكام تلك جملةً ولم نكن آخذين بها على وجه, وإذا عملنا على تلك الأخبار كنا عاملين بما يلائم ظاهر القرآن، فحملنا هذه على التقية؛ لأنَّ التقية أحد الوجوه التي يصحّ ورود الأخبار لأجلها من جهتهم, فنكون عاملين بجميعها على وجه لا تناقض فيه)(١٠٦).

هذا، ولا يخفى أنَّ الأصل الأوليّ هو صدور الرواية بداعي بيان الحكم الواقعي، ولا يرفع اليد عن ذلك إلاّ بقرينة كما إذا كانت الرواية معارضة برواية أخرى تخالف العامّة, فتحمل الموافقة على التقية، وأمَّا مع عدم المعارضة بشيء فلا موجب للحمل على التقية فإنَّه بلا مقتضٍ. 

ويمكن تقريب الحمل على التقية بوجوه:

١- إنَّ أخبار الطهارة موافقة لمذهب بعض العامّة، إذْ يفتي بالطهارة ربيعةٌ وغيره.

 ويلاحظ عليه:

أ- إنَّ المشهور في الفقه السُني بمختلف مذاهبه هو الحكم بالنجاسة، قال ابن قدامة: (الخمر نجسة في قول عامّة أهل العلم)(١٠٧)، ومن هنا قال السيد المرتضى O في الناصريات: (إنَّه لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر..)(١٠٨)

نعم, نُسب القول بالطهارة إلى بعض فقهائهم فقد قيل: إنَّ الطهارة أحد القولين للشافعيّ أو قول بعض الشافعيّة(١٠٩)، وكذا نسب القول بالطهارة إلى ليث بن سعد(١١٠)، وإلى ابن داود، وإلى ربيعة(١١١).

ولكن من الواضح أنَّ ولادة الشافعيّ هي بعد وفاة الإمام الصادق g فلا معنى لاتقائه منه، وليث بن سعد وإنْ كان معاصراً للإمام الصادق g غير أنَّه كان يسكن مصر ولا يحتمل عادة أنَّ الإمام g وهو في الحجاز أو العراق يتقي من فقيه في مصر ولا يعتني بما ذهب إليه فقهاء الحجاز والعراق، وابن داود ولد سنة ٢٠٢هـ فهو متأخر ولادة عن وفاة الإمام الصادق g فكيف يفرض الاتقاء منه، وربيعة وإنْ كان معاصراً للإمام الصادق g ولكنّه كان فقيهاً منعزلاً ولم يتحقق له في حياته من المقام الرسمي أو الاجتماعي ما يناسب الاتقاء منه, خصوصاً إذا قبلنا صدور بعض النصوص السابقة في الطهارة من الإمام الباقر g الذي كان ربيعة شاباً عند وفاته(١١٢).

وبالجملة: إنَّ المدار على الفتوى التي تمثّل الشيء المعروف والطابع العام عندهم, فلا معنى لأنْ يتقي الإمام g من غير ذلك كاتقائه من فتوى شخص في زاوية، كما أنَّه
لا بدّ أنْ تكون الفتوى التي يتقي منها الإمام g معاصرة لزمانه, وأمَّا إذا كانت ثابتة في زمان سابق ولا مفعول لها الآن, أو فتوى ستأتي مستقبلاً فلا معنى للاتقاء من مثل ذلك، وفي هذه الموارد ونحوها يحتاج المستنبط إلى معرفة بالتاريخ.

 فظهر ممّا تقدّم: أنَّه لا يحتمل افتراض التقية عادة من الإمام الصادق g فضلاً عن الإمام الباقر g على ما تقدّم بيانه, فالقول بالنجاسة هو المشهور بين العامّة.

ب- ولو سُلّم احتمال وجود موضوع للتقية فإنَّه لا يصدق عليه عنوان موافقة العامّة, ومع عدم وضوح ثبوت عنوان الموافقة للعامّة لا يصحّ إعمال هذا المرجّح.

ج- يبدو من بعض ألسنة روايات الطهارة أنَّها لا تناسب الحمل على التقية؛ إذْ إنَّ الإمام g يأتي بزيادة في الكلام من تفصيل, أو تعليل, أو بلفظ (إنَّما) ونحو ذلك, فلو كان الحكم بالطهارة تقيّةً لكان المناسب عدم البيان بهذه الصورة التي تعطي أنَّ الجواب هو لبيان الحكم الواقعي, وليس صادراً تقيةً, لاحظ مثلاً معتبرة الحسن بن أبي سارة (لا بأس, إنَّ الثوب لا يسكر), وفي رواية أو معتبرة علي بن رئاب (.. إنَّ الله تعالى إنَّما حرّم شربها), وغيرهما مما لسانه التفصيل لا الإجمال والاضطراب الذي هو عادة ــ كما قيل ــ لسان التقية.

د- يمكن أنْ يقال: إنَّ كثرة روايات الطهارة مما يبعّد الصدور تقيةً, أو الحمل على التقية؛ فإنَّ احتمال التقية يأتي في الرواية أو الروايتين أو الثلاث ــ مثلاًــ, وأمَّا في عشر روايات ــ مثلاًــ فصدورها تقية أمرٌ بعيدٌ.

هذا, ولا يخفى أنَّه لا يصحّ إجراء المرجّحات ــ ومنها الترجيح بمخالفة العامّة ــ إذا فرض إمكان الجمع العرفي والدلالي؛ فإنَّه لا مجال لإعمال المرجّحات الخارجية بين
الطائفتين إلاّ إذا فُرض استحكام التعارض واستقراره ولم يمكن الجمع العرفي الدلالي.

٢- إنَّ فتوى غيرنا وإنْ كانت في النجاسة كما هو المشهور بينهم ولكن مع ذلك تبقى أخبار الطهارة موافقة للتقية؛ وذلك باعتبار موافقتها لعمل الحكّام والسلاطين الذين كانوا يشربون الخمر ولا يتجنبون مساورتها، فأخبار الطهارة بهذا اللحاظ موافقة للتقية فتُقدّم أخبار النجاسة إعمالاً للمرجّح العلاجي في مقام التعارض(١١٣).

ويلاحظ عليه:

أ- يمكن أنْ يقال: إنَّ ما دلّ على ترجيح المخالف للعامّة على الموافق ناظر إلى الموافقة والمخالفة بلحاظ ما عليه تدّين العامّة وشرعهم لا ما عليه فسّاقهم وفجّارهم، وبعبارة أخرى: إنَّ المرجّح للنصوص عند التعارض هو مخالفة الفتوى دون العمل.

ب- لو تنزّلنا فقد يقال: إنَّ أخبار النجاسة أيضاً ستكون موافقة للتقية؛ وذلك باعتبار موافقتها لفتوى فقهاء العامّة، وحينئذٍ لا يمكن إعمال الترجيح بها(١١٤) فيُتوقف لتعارض الطائفتين وتكافئهما، فإنَّ كل واحدة منهما مخالفة للعامّة من جهة وموافقة لهم من جهة، فأخبار الطهارة موافقة لهم عملاً ومخالفة لهم بحسب الحكم والفتوى, كما أنَّ روايات النجاسة موافقة معهم بحسب الحكم ومخالفة لهم عملاً, فلا ترجيح في البَين فيتساقطان، ولا بدّ من التوقف حينئذ.

ولكنَّ الإنصاف أنَّ هذه الملاحظة لا ترد؛ فتعميم التقية بلحاظ عمل الأمراء والسلاطين ليس بتامّ بعدما كان وعّاظ السلاطين فتواهم على خلاف عمل السلاطين, وبعدما كان الحكم بالطهارة لا يبرّر عمل السلاطين كما سيأتي.

ج- لا معنى لاتقاء الإمام g من السلاطين وإفتائه بالطهارة بعدما كان فقهاء السلاطين يحكمون بالنجاسة، فلا يُشكِّل ذلك خطراً عليه، فالاتقاء لا مجال له من الأساس، وبكلمة أخرى: لا مقتضي للتقية ولا موضوع لها بعدما كان علماؤهم يفتون بالنجاسة.

د- إنَّ الحكم بالطهارة لا ينفع السلاطين والحكام بمجرّده, وإنَّما ينفعهم الإفتاء بالحلية ــ وهو لا يكون بعد اتفاق الفقهاء على حرمة الخمر ــ فأيّ فائدة لشاربي الخمر في تطهيره مع التأكيد على حرمته؟!(١١٥).

هـ- ما ذكره السيد الشهيد O من انَّه: (كيف يمكن أنْ نحتمل أنَّ الأئمة i أنَّهم ينزلون إلى مستوى الإفتاء بغير الواقع تبريراً لفسق الحكام؛ فإنَّ مثل هذا لم يكن يصدر من المتعفّفين من فقهاء السنة أنفسهم فكيف يصدر من أئمة أهل البيت i؟! وما كان الأئمة يمارسونه من تقية مع الحكام إنَّما يرجع إلى التعامل معهم كحكّام وعدم التجاهر بعدم صلاحيتهم للحاكميّة لا تبرير فسقهم وفجورهم)(١١٦).

و- ماذكره السيد الشهيد O ايضاً: (إنَّ الخلفاء المعاصرين للإمام الصادق g لم ينقل في التاريخ أنَّهم شربوا خمراً, بل لم ينقل ذلك إلاّ عن شواذّ من الخلفاء وأشباه الخلفاء في عصور أخرى، ولم يتفق في زمان في تلك الأزمنة أنَّ يكون قد بلغ استهتار الخليفة إلى درجة التجاهر بمساورة الخمر وشربه، والتصدي للتنكيل بمن يفتي بنجاسته..)(١١٧).

ز- ما تقدم من أنَّه يبعد حمل أخبار الطهارة على التقية؛ كون لسان بعضها مشتملاً على زيادة في الجواب وتبرّع من الإمام g بالتفصيل أو التعليل أو التأكيد, بل نفس كثرتها.

هذا، مضافاً إلى ما تقدّم من أن النوبة لا تصل إلى إعمال المرجّح العلاجي بين المتعارضين مع إمكان الجمع العرفي.

٣- ما احتمله الفاضل O من أنَّ المشهور عند العامّة العفو عن قليل الخمر في الصلاة, فتكون نصوص الطهارة موافقة لهم في ذلك, ويكون الترجيح لنصوص النجاسة(١١٨).

ولكن يلاحظ عليه: أنَّ نصوص الطهارة مطلقة لا تختص بالقليل, ولاسيّما بملاحظة التعليل فيها بأنَّ الله تعالى إنَّما حرّم شربها، وبأنَّ الثوب لا يسكر، فهي ظاهرة في الطهارة التي هي مخالفة للمشهور بين العامّة كما تقدَّم.

الوجه الخامس: إنَّ التقديم هو لأخبار النجاسة؛ لشهرة الفتوى بها, والشهرة الفتوائية من المرجّحات(١١٩).إذْ قيل إنّه: (قد حُقّق في محلّه أنَّ ميزان الجمع هو الجمع العرفي لا العقلي وهو مفقود في المقام, وقد قلنا في محلّه: إنَّ الشهرة التي اُمرنا في مقبولة عمر بن حنظلة في باب التعارض بالأخذ بها وترك الشاذ النادر المقابل لها هي الشهرة في الفتوى لا في النقل، وتلك الشهرة ومقابلها معيار تشخيص الحجّة عن اللاحجّة، والمشهور بين الأصحاب بَيّنٌ رشده، ومقابله بَيّنٌ غيّه والمقام من هذا القبيل)(١٢٠).

ولكن يمكن أنْ يلاحظ بعد التسليم بسند المقبولة:

١- إنَّ الشهرة وإنْ ذكرت في المقبولة ولكن يحتمل أنَّها ذكرت لتمييز وتعيين الحجّة من غير الحجّة أي موجبة لسقوط الرواية غير المشهورة عن الحجيّة ذاتاً ورأساً, وليس أنَّها كمرجّح لإحدى الحجّتين على الحجّة الأخرى، ومحل كلامنا هو في المرجّح لا في المُسقط, فلا تكون من المرجّحات بين الحجّتين، والوجه في هذا الاحتمال هو: إنَّ ظاهر المقبولة أنَّ المراد من الشهرة هي شهرة الرواية والنقل يعني تداول الرواية وتسجيلها في كتبهم, لا شهرة الفتوى والعمل على طبقها أيْ ليست الشهرة العملية , وهذا الظهور للمقبولة في الشهرة الروائية باعتبار إضافة الإجماع والشهرة إليها, لا إلى الحكم الذي تضمنته, بل ظاهر المقبولة أنَّ المراد بالشهرة ما يساوق الإجماع ومع فرضها في كلا المتعارضين, وهذا يمكن في الروايتين بأن يكون كل منهما مُجمعاً على روايته معروفاً عند الأصحاب مشهوراً بينهم، ولكن هذا ممتنع في الفتويين المتعارضتين معاً.

ومعلوم أنَّ الرواية إذا كانت مشهورة ــ أي ينقلها كثير من الرواة ــ فهي التي تورث الاطمئنان, بل القطع بصدور الرواية وبالتالي يسقط مقابلها وهي الرواية غير المشهورة حيث تكون مخالفة للسنة القطعية, والمخالف للدليل القطعي يكون ساقطاً عن الحجّية رأساً.

إنْ قيل: إنَّ الشهرة الروائية لا توجب القطع ــ حتى يكون الثاني مخالفاً للدليل القطعي ــ بقرينة أنَّ ابن حنظلة قال بعد ذلك: (فإنْ كان الخبران عنكم مشهورين رواهما الثقات عنكم), وفرض الشهرة في كلا الحديثين أمر غير ممكن إذا كانت الشهرة توجب القطع إذ يلزم آنذاك القطع بمتنافيين وهو مستحيل.

كان الجواب: أنَّ الشهرة الروائية توجب القطع بالصدور لا القطع بالحقانيّة, فيمكن أنْ يكون كلا الجزئين يُقطع بصدوره لكنْ لا يكون أحدهما مراداً بالإرادة الجدية وإنَّما يكون مراداً لأجل التقية.

 والحاصل: الشهرة في المقبولة ليست من مرجّحات باب التعارض, وإنَّما نحتمل أنَّها موجبة لسقوط الرواية الشاذة غير المشهورة عن الحجّية رأساً، وحينئذٍ يكون المورد من موارد تمييز الحجّة عن اللاحجّة الخارج عن محلّ الكلام من الترجيح بين الحجّتين, فالإرجاع إلى الشهرة هنا ليس إرجاعاً إليها للترجيح بين الحجّتين, لأنَّ شهرة الرواية توجب العلم بصدورها فيكون المعارض لها مخالفة للسنة القطعية ويسقط من موضوع الحجّية، والمراد بمخالفة السُّنة سُنة المعصوم لا خصوص سنة النبي e (١٢١).

كما أنَّ الكتاب يُسقط الرواية المخالفة له قبل الوصول إلى تعارض الحجّتين, وفي مقامنا لا شهرة روائية مميِّزة .

٢- لو تنزّلنا وسلّمنا كون الشهرة في المقبولة من المرجّحات فهي ليست الفتوائية(١٢٢), بل يحتمل إنْ لم يكن ذلك هو الظاهر ــ فلاحظ الرواية فهي تتحدث عن اختلاف في الحديث والرواية ــ إرادة الروائية فحمل الشهرة على الشهرة الفتوائية بعيدٌ, فالرواية تتحدَّث عن الاختلاف في الحديث الذي كان عليه الإفتاء والمدار في كلام الأصحاب مع بعضهم، وقضية العمل به من المكلّف أو عدم العمل به قضية أخرى (.. كلاهما اختلفا في حديثكم قال: ( الحكم ما حكم به أعدلهما). قال قلت.. قال: فقال: (ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المُجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك, فإنَّ المجمع عليه لاريب فيه، وإنَّما الأمور ثلاثة: أمرُ بيِّن رشده فيتبع).. فإنْ كان الخبران عنكم مشهورين ..)(١٢٣).

٣- لو تنزّلنا وقلنا إنَّ المراد مرجّحية الشهرة الفتوائية فلا يثبت أنَّ الشهرة تكون مرجّحة لجانب روايات النجاسة في المقام حيث:

أ- إنَّ الشهرة التي يمكن أنْ تجعل مرجّحة هي ما كان بين أصحاب الأئمة i, وفي مقامنا لا يعلم أنَّ الحكم بالنجاسة مشهور فيما بينهم؛ إذ يظهر من معتبرة ابن مهزيار ورواية خيران أنَّ المسألة كانت موقع اختلاف بين الأصحاب، فلا يُعلم أنَّ النجاسة هي المشهورة بينهم, ولعل الشهرة حصلت بعدهم باعتبار استنباطهم النجاسة من ظاهر القرآن الكريم. وقد تقدّم مناقشة التمسك بالآية.

ب- لو سُلّم كون الشهرة مرجّحاً فإنَّه يمكن أنْ يقال: إنَّ هذا لا يرجّح جانب روايات النجاسة في مقامنا؛ وذلك لوجود خبرين كالصريحين, أو قل لهما ظهور قوي، في جانب الطهارة وهما معتبرة الحسن بن أبي سارة ومعتبرة علي بن رئاب.

ج- ولو سُلّم أنَّ الشهرة تقاوم كلّ ما تقدّم من الإشكالات فإنَّه مع ذلك لا تكون مرجّحيتها تامةً لتقديم روايات النجاسة, وأيضاً لا تُقدّم أخبار الطهارة فيُرجع لأصالتي الطهارة والبراءة بلا معارض لهما.

إنْ قيل: إنَّ المراد من المقبولة الشهرة الفتوائية, لكن لا على أنَّها مرجّحة في باب التعارض لأحد الخبرين الحجّتين, بل على أنَّها مسقطة أي مميِّزة ومعيّنة للخبر الحجّة عن غير الحجّة(١٢٤).

كان الجواب: لو سُلِّم ذلك ففي مقامنا أيضاً لا شهرة في جانب روايات النجاسة لما تقدّم من اختلاف أصحاب الأئمة i.

وإنْ قيل: نرجّح روايات النجاسة بالإجماع المنقول الذي نقله الشيخ والمرتضى R.

قلت: تقدّمت مناقشة أصل دعوى الإجماع في المسألة، مضافاً إلى أنَّه لا دليل على الترجيح لأحد الخبرين بالإجماع. وما روي عن الاحتجاج بلسان (ورُوي عنهم i أنَّهم قالوا: (إذا اختلفت أحاديثنا عليكم فخذوا بما اجتمعت عليه شيعتنا فإنّه لاريب فيه))(١٢٥) هو خبرٌ مرسلٌ,  ولو سُلِّم الخبر فيمكن أنْ يقال:  إنَّ ظاهر الاجتماع ــ أو يحتمل ــ هو الاجتماع على العمل بالخبر والتعويل عليه الذي يصاحبه الإجماع في الفتوى دون الذي يصاحبه الهجران والمفارقة له، ولعلّه لذلك لم يُشرْ في الرواية لاحتمال الاجتماع على الخبرين معاً الذي هو ممكن في الإجماع على الرواية، وبما أنَّ الإجماع على الفتوى يوجب العلم بمطابقة مضمون الخبر للواقع دون الآخر فيخرج الآخر عن موضوع الحجّية ذاتاً مع قطع النظر عن المعارضة، فهو خارج عمّا نحن فيه من الترجيح بين الحجّتين(١٢٦).

وإنْ قيل: كثرة الأحاديث في جانب النجاسة عدداً تكون مرجّحة للنجاسة.

يمكن الجواب: إنَّ الكثرة وحدها لا تنفع في الترجيح ما لم تشكّل عنوان السُّنة القطعية، مضافاً إلى أنَّه في جانب الطهارة أيضاً الأحاديث كثيرة, وإذا كانت ناقصة بقليل فهذا لا يضر، قال السيد الخوئي O: (.. وقد دلّت على طهارة الخمر بصراحتها وهي من حيث العدد أكثر من الأخبار الواردة في نجاستها..)(١٢٧).

وإذا كان المراد من الكثرة هو الشهرة الروائية فهي لو بني على كونها من المرجّحات لا يراد بها كثرة عدد الرواية, بل يراد اشتهار نقل رواية في كتب الأصحاب.

الوجه السادس: العمل بالاحتياط:

قال صاحب الحدائق O في الوجه السابع على بطلان الجمع العرفي المتقدّم: (مضافاً إلى ذلك الاحتياط في الدين الذي هو أحد المرجّحات الشرعية في مقام اختلاف الأخبار كما دلّت عليه رواية زرارة في طرق الترجيح)(١٢٨).

وذكر المحقّق O: (أنَّ الأخبار المشار إليها من الطرفين ضعيفة, أمَّا الأول فعن عمّار بن موسى الساباطي وهو فطحي، والثاني عن محمد بن عيسى عن يونس عن بعض رجاله, والسند طعن فيه ابنُ الوليد، وابن أبي سارة لا يقوى بانفراده حجّة، والخبر الرابع ليس بصريح في موضع النزاع، وما عدا هذه الأخبار مثلها في الضعف وما صحّ منها غير دالّ على موضع النزاع؛ لأنَّ الخبر الدالّ على المنع ممّا يقع فيه الخمر من طبيخ أو عجين يحتمل أنْ يكون المنع منه لا لنجاسته بل لتحريمه, فإذا مازج المحلّل حرّمه، كما لو وقع في القدر دهن من حيوان محرّم، فإنَّا نمنع منه لتحريمه لا لنجاسته، والاستدلال بالآية عليه فيه إشكالات, لكن مع اختلاف الأصحاب والأحاديث يؤخذ بالأحوط في الدين)(١٢٩).

ويلاحظ عليه

أ- إنَّ النصوص من الطرفين كثيرة ومستفيضة كما تقدَّم, وهناك جملة منها معتبرٌ سنداً.

ب- لو تنزّلنا وسلّمنا بضعفها فإنَّ المرجع حينئذ يكون الأصل العملي وهو يقتضي الطهارة بعد فرض قصور الدليل الاجتهادي عن إثبات النجاسة، ولايوجد أصل يقول إنَّ الحظر مقدّم على الإباحة. نعم, دلّ الدليل من النقل والعقل على أصالة الطهارة والبراءة.

ج- إذا كان مقصود المحقق O أنَّ الاحتياط من المرجّحات ــ كما هو ظاهر كلام الحدائق ــ فيرد عليه: إنَّه مع ضعف الأخبار لا موضوع للترجيح أساساً، مضافاً إلى أنَّ الاحتياط ليس من المرجّحات.

 إنْ قيل: إنَّ العمل بالموافق للاحتياط في الدين هو أحد المرجّحات الشرعية في مقام اختلاف الأخبار، كما دلّت عليه رواية زرارة الواردة في طرق الترجيح(١٣٠)، حيث جاء فيها (.. إذاً, فخذ ما فيه الحائطة لدينك وأترك الآخر..)(١٣١).

قلت: إنَّ الرواية ضعيفة سنداً باعتبار أنَّ طريق ابن أبي جمهور مجهول, وإذا أمكن بشكل وآخر تحصيل طريق من هذه الناحية يبقى طريق العلاّمة إلى زرارة مجهول.

هذا, وقد قيل: إنَّ نفس ذكر ابن أبي جمهور للرواية من دون أنْ يذكرها العلاّمة في كتبه وهكذا غيره من أعلام الدين هو أمرٌ مُوهن لها.

كما قيل أيضاً إنَّ الترجيح بذلك هو مما انفردت به مرفوعة زرارة.

ولا يخفى أنَّ صاحب الحدائق O قد قال عن رواية زرارة: (.. فإنَّا لم نقف عليها في غير كتاب عوالي اللئالي مع ما هي عليه من الرفع والإرسال, وما عليه الكتاب المذكور من نسبة صاحبه إلى التساهل في نقل الأخبار والإهمال, وخلط غثّها بسمينها, وصحيحها بسقيمها كما لا يخفى على من وقف على الكتاب المذكور)(١٣٢).

الوجه السابع: قال المحقّق النراقي O في خلال استدلاله على نجاسة الخمر (.. مع أنَّ من المرجّحات المنصوصة التي عمل بها الأصحاب الأخذ بالأخير, ولاريب أنَّ صحيحة ابن مهزيار وخبر خيران قد تضمّنا ذلك. فالمسألة بحمد الله واضحة غاية الوضوح)(١٣٣).

وقال صاحب الحدائق O في الوجه السادس في كلامه عن الجمع العرفي وإبطال الحمل على الاستحباب في المسألة: (ورد عنهم i من القواعد أنَّه إذا جاء خبر عن أوَّلهم وخبر عن آخرهم فإنَّه يجب الأخذ بالأخير, وهذه القاعدة صرَّح بها الصدوق في الفقيه في باب (الرجل يوصي إلى الرجلين) ولو صحّ الخبران لكان الواجب الأخذ بقول الأخير كما أمر الصادق g, ولاريب أنَّ صحيحة علي بن مهزيار ورواية خيران قد تضمّنتا ذلك فالواجب بمقتضى هذه القاعدة الرجوع إلى قول الإمام الأخير وهو الحكم بالنجاسة)(١٣٤).

ويلاحظ على ذلك: أنَّ الترجيح بالتأخّر زماناً والأحدثية وإنْ ورد في جملة من النصوص الأمر بالأخذ به كرواية الحسين بن المختار ورواية هشام بن سالم عن أبي
عمرو الكناني(١٣٥).

ولكن ــ بعد وضوح أنَّ النصوص الواردة عن الأئمة i هي بصدد بيان الحكم الواقعي الشرعي الأوَّلي الثابت في أصل التشريع غير القابل للتغيير في فرض عدم النسخ، دون بيان الأحكام الفعلية الثابتة لأجل التقية ونحوها القابلة للتغيير، ومن ثمّ كان اختلافها في الموضوع الواحد موجباً لتعارضها في أنفسها ومورداً للمرجّحات الإثباتية الواردة في الأخبار العلاجية فالأخبار العلاجية راجعة إلى تعارض الحجتين إثباتاً في الحكم الواحد والترجيح بينهما بلحاظ طريقتهما إلى الواقع وقوة كاشفيته ــ يمكن أنْ يقال إنَّ الزمان لا دخل له في أقربية الدليل المتأخّر للواقع وقوة كاشفيته فالأحدثية لا تتضمّن أيّة مناسبة عقلائية للترجيح في باب الحجّية, وبالتالي هو ليس ناظراً إلى الترجيح إثباتاً بين الحجّتين الذي هو محل كلامنا وتجري فيه المرجّحات العلاجية، وإنّما الترجيح بالأحدثية ناظر وراجع إلى الترجيح بين الحكمين ثبوتاً(١٣٦) ــ ولا قصور في حجّية الحكمين المحكيين ــ بلحاظ جريان الأحدث على طبق الوظيفة الفعلية التي يدركها إمام الوقت سواء كانت هي الحكم الواقعي الثانوي لحدوث سبب التقية الرافع للحكم الأولي المبيَّن بالدليل الأسبق أو لتبدّل مقتضى التقية أم كانت هي الحكم الأوَّلي لارتفاع سبب التقية التي هي الحكم الأسبق جارياً على مقتضاها.

فإذاً تحمل رواية الحسين بن المختار ورواية أبي عمرو الكناني على أنَّ الأخذ بالمتأخّر هو من أجل نكتة التقية حيث يريد الإمام g أنْ توافق أعمالهم التقية, ومن ثَمَّ يكون الأخذ بالمتأخّر وجيهاً ــ وإلّا الأحدثية لا تتضمّن أيّة مناسبة عقلائية للترجيح في باب الحجّية ــ كما هو مقتضى قوله g في رواية أبي عمرو الكناني (أبى الله إلّا أنْ يعبد سرّاً، أما والله لئن فعلتم ذلك إنّه لخير لي ولكم، أبى الله a لنا في دينه إلّا التقية).

وأيضاً هو مقتضى قوله في رواية المعلّى بن خنيس (إنّا والله لا ندخلكم إلّا فيما يسعكم)، مضافاً لما يصلح إلى ذلك ابتداء الإمام  gبالسؤال (أرأيتك لو حدّثتك..), فلاحظ رواية الحسين ورواية أبي عمرو الكناني, لا أنَّ السائل سأل الإمام والإمام أجابه، وبعد إجابة الراوي أقرّه الإمام g، فإذاً يكون ما دلّ على الأخذ بالمتأخّر مختصّاً بظرف التقية وهو زمان الأئمة i وأصحابهم ولا يشمل زماننا(١٣٧).

ويناسب ذلك أيضاً ما تضمّنته رواية الكناني والحسين بن المختار من معرفة الراوي للأخذ بالأخير من دون تنبيه الإمام gعلى ذلك إذْ قال له g (قد أصبت), و (رحمك الله), فالراوي لأجل الجهة الارتكازية ومعرفته بأنَّ الإمام الصادق g يعيش ظرف التقية عليه أنْ يعمل بالوظيفة الفعلية وإنْ كانت ثانوية، دون ما إذا كان الخطابان واردين لبيان الحكم الأوَّلي غير القابل للتعدّد لعدم الفرق بين الأحدث وغيره في احتمال مخالفة الواقع.

وعلى أي حال فأقصى ما تدلّ عليه رواية الكناني والحسين ظرف التقية، ويتعيّن حمل نصوص الترجيح بالأحدثية على ما إذا احتفّ الكلام بما يناسب حمله على الوظيفة الفعلية ولو كانت ثانوية كالقطع بعدم كون مضمونه هو الحكم الأولي مع ظهور الخطاب به في الجدية المستتبعة للعمل، وحالها حال ما حدد في أمر الإمام الكاظم g لعلي بن يقطين بأنْ يتوضأ بوضوء العامّة حيث أدرك علي أنّ الأمر المذكور ثانوي لما عليه إجماع العصابة في كيفية الوضوء.

ورواية نصر الخثعمي تشير إلى ظرف التقية المعاش آنذاك, والفتوى التي تدفع عن

 المكلَّف هي الفتوى بالحكم الثانوي القابل للتبدّل, فقد جاء فيها سمعت أبا عبد الله g يقول:

 من عرف أنّا لا نقول إلا حقاً فليكتفِ بما يعلم منّا، فإنْ سمع منّا خلاف ما يعلم فليعلم أنّ ذلك دفاعٌ منّا عنه(١٣٨).

وبالجملة إنّ الأخذ بالأحدث محمول على ظروف خاصّة ونكتة خاصّة وليس قاعدة عامّة يعمل عليها, فالأخذ بالمتأخّر لا يدلّ على التعبّد الشرعي وإنّه حكم شرعي عام لا بدّ من الأخذ به في كل زمان.

وقال صاحب الوسائل O بعد نقله رواية الحسين بن المختار: (أقول: يظهر من الصدوق أنّه حمله على زمان الإمام خاصّة فإنّه قال في توجيهه: إنّ كلّ إمامٍ أعلم بأحكام زمانه من غيره من الناس)(١٣٩). ثمَّ علّق الحرّ O على ذلك بقوله: (وهو موافق لظاهر الحديث وعلى هذا يضعف الترجيح به في زمان الغيبة وفي تطاول الأزمنة, ويأتي ما يدلّ على ذلك والله أعلم)(١٤٠).

فيظهر إذاً من الصدوق والحرّ R أنَّهما قد فهما المعنى المتقدّم. 

وعن الشيخ الأنصاري O عدّم التعرّض للترجيح بالأحدثية مع تعرّضه لنصوصه، وكذا عن من جاء بعده من العلماء فيما نعلم.

 فإذاً تبيّن ممّا سبق القصور في الدلالة على الترجيح بالأحدثية والأخذ بالمتأخّر زماناً، هذا مضافاً إلى أنّ رواية الحسين بن المختار ضعيفة بالإرسال إذْ رواها عن بعض أصحابنا، وكذا رواية الكناني فإنّها ضعيفة به، حيث لم يُذكر له توثيق.

وقد تسأل: بعد اتضاح ما تقدَّم من الوجوه فإنَّ فرض عدم تمامية الوجه الأوَّل وكذا الوجوه الخمسة الأخيرة من المرجّحات العلاجية الخبرية الخارجية للمتعارضين وغيرها مما ذكر بين طيّات الوجوه، فإنْ تمَّ الوجه الثاني فبها، وإلّا فما هو الموقف؟

والجواب: هو أنّ المناسب ــ كما هو المعروف بين الفقهاء ــ بعد عدم إمكان الجمع العرفي ولم يمكن أيضاً إعمال المرجّحات هو الحكم بالتساقط وعدم شمول أدلة الحجيّة لكلٍّ من الطرفين، وعندئذ إنْ وجد أصل لفظي وعموم فوقاني ــ كالإطلاق أو العموم ــ كان هو المرجع(١٤١), وإنْ فُقد فيكون الأصل العملي هو المرجع، وفي المسألة لا يوجد عموم فوقاني فيُرجَع إلى الأصل.

 

فكرة التصنيف إلى الرتب:

هذا، ولكنّ السيد الشهيد O ذكر في المقام(١٤٢) أنَّ الفقهاء (دأبوا.. حينما توجد طائفتان متعارضتان في مسألة بدون جمع أو مرجّح على إيقاع التعارض والتساقط بينها جميعاً دون تصنيف لروايات كلٍّ من الطائفتين من ناحية درجة دلالتها على الحكم..).

واختار O أنَّ المناسب ملاحظة أنحاء الدلالة في كل من الطائفتين فنُسقط الصريح مع الصريح من الطرف الآخر، وهكذا الحال بالنسبة إلى الظهور..، فإنْ تساوت الروايات والدلالات فيصحّ كلام المشهور من الفقهاء، ويُرجَع ويُنتقَل إلى العموم الفوقاني إنْ وجد، وإلا فالأصل العملي، ولكن عند الاختلاف فالمناسب جعل ما يبقى من رتبة في الدلالة في إحدى الطائفتين هو المرجع، وإنْ لم يكن عموماً فوقانياً فلا يُشترَط في المرجع أنْ يكون عموماً فوقانياً.

ثم طَبَّق O هذه الفكرة على روايات الطائفتين، فصنّف روايات النجاسة إلى مراتب أربع، وأخبار الطهارة إلى مرتبتين أو ثلاث:

فالمرتبة الأولى: ما يكون كالصريح في النجاسة، ومَثَّل له برواية عمّار (لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرّات)، ويقابلها ويماثلها ما يدل بالصراحة العرفية على
الطهارة كرواية ابن رئاب وابن أبي سارة، فتسقط هذه المرتبة الأولى في كلا الطرفين.

والمرتبة الثانية: ما كان ظاهراً في النجاسة ــ مع إمكان الحمل على التنزّه عرفاً في مقام الجمع ــ كالروايات المشتملة على مجرد الأمر بالغسل، ويماثلها رواية علي بن جعفر الواردة في الصلاة في مكان رشّ بالخمر إذا لم يوجد غيره ــ إنْ قلنا بأنَّ دلالتها من خلال ظهور نفي البأس في نفي النجاسة فإنها عندئذ ستكون مرتبة ــ فيتساقطان.

والمرتبة الثالثة: ما يدلّ على النجاسة بالإطلاق(١٤٣) ومقدّمات الحكمة، وهو أضعف من سابقيه، وذلك من قبيل ما اشتمل على التنزيل الذي يشمل إطلاقه النجاسة، ويماثلها ما دلّ على طهارة الخمر بالإطلاق كرواية علي بن جعفر الواردة في ماء المطر الذي أصابه الخمر، ورواية ابن بكير الواردة في مطلق المسكر، ورواية علي بن جعفر الواردة في الصلاة في مكان رُشّ بالخمر إذا لم يوجد غيره ــ إنْ قلنا بأنَّ دلالتها على الطهارة بلحاظ إطلاق الترخيص فيها لفرض سعة الوقت أو إمكان التجفيف كان حالها حال روايته في ماء المطر ــ فيتساقطان.

والمرتبة الرابعة: ما كان دالاً على النجاسة بالإمضاء السكوتي(١٤٤) عمّا كشف عنه سؤال السائل من ارتكاز نجاسة الخمر في ذهنه، وهذه المرتبة ينتهي الأمر إليها فتكون بمثابة العموم الفوقاني، لعدم سقوطها بالمعارضة مع أخبار الطهارة بسبب عدم صلاحيتها لمعارضة أخبار الطهارة، وبذلك تثبت نجاسة الخمر(١٤٥).

فإذاً هو O بإعمال هذه الفكرة توصَّل إلى الحكم بالنجاسة بمقتضى الصناعة ــ نجاسة صناعية ــ .

وبتطبيقه O لهذه الفكرة التي ذكرها انتهى إلى نجاسة الخمر على وفق الصناعة، ولم تصل النوبة إلى الأصل العملي والحكم بالطهارة عند عدم وجود المرجّح كما هو المعروف بين الفقهاء الذين لا يقولون بتصنيف دلالات الروايات إلى رتب.

والنكتة عنده O أنَّ الفقهاء في مثل الدليلين الخاصّين المتعارضين يحكمون بالتساقط ويرجعون إلى العامّ الفوقاني، فالعامّ لا يدخل في المعارضة بنكتة أنَّ العامّ لا يصلح لمعارضة الخاصّ، وعدم دخول العامّ في المعارضة تجري أيضاً عندما تكون الدلالات مختلفة في الطائفتين، فبعد تساقط كل دلالة ــ كالصراحة ونحوها ــ مع ما يماثلها ويبقى نحوٌ من الدلالة لا معارض ولا مماثل له فلا يسقط فيرجع إليه، وإنْ كان ليس بعامّ وكان ضعيف الدلالة ــ فهو ليس صريح ولا ظاهر ولا عام ولا خاص ــ ولكنه على أي حال يكون مرجعاً.

فلاحظ كلامه O في المقام(١٤٦) لتطّلع على ما تقدَّم.

وكذلك لاحظ كلامه O في مسألة انفعال الماء الراكد القليل، وممّا قاله فيها:
(.. وسوف يظهر لذلك آثار عديدة في مسائل مستقبلة من قبيل مسألة نجاسة الخمر   والمسكر على ما سوف نحققّه في موضعه إنْ شاء الله تعالى، فعلى سبيل المثال: إذا ورد أنَّ الخمر طاهر، وورد أنَّ الخمر نجس، وورد الأمر بغسل الثوب الذي أصابه الخمر، فلا يقع التعارض في رتبة واحدة بين الأوَّل والأخيرين، بل بين الأوَّلين خاصّة، ويكون الثالث مرجعاً بعد تساقطهما)(١٤٧).

إذاً هـو O ذكـر أنَّ نكتـة الحكم بالتسـاقط في الدليلين الخـاصّين المتعـارضين، ثـمَّ الرجوع إلى العام الفوقاني هي أنَّ الخاصّ المخالف في الحكم للعام بمثابة القرينة، والعام بمثابة ذي القرينة، فالعامّ لا يدخل في المعارضة، وهذه النكتة تجري عند وجود دلالات ورتب مختلفة، فما يبقى بعد تساقط كلّ دلالة مع ما يماثلها من الطرف الآخر المعارض يكون بمثابة ذي القرينة وإنْ كان ضعيف الدلالة ومتأخراً، ويكون الأقوى دلالة المخالف في الحكم بمثابة القرينة، وذو القرينة لا يعارض القرينة بل يكون مرجعاً بعد تساقط الأقوى من كلّ طرف مع الأقوى من الطرف الآخر، فإذاً هو h بنى على تعميم فكرة الرجوع إلى العامّ الفوقاني عند تعارض الخاصّين إلى كلّ ظاهر وإنّ كان هو الأضعف دلالة وإنْ لم يكن عامّاً. أمَّا المشهور فالمعروف عندهم أنَّ المرجع يكون عاماً فوقانياً.

ويمكن أنْ يلاحظ على ما ذكره O من فكرة التصنيف إلى الرتب:

أ- إنَّ ما ذكره O في التساقط هو أسلوب تدقيقي في التعامل مع الألفاظ والروايات والمحاورات وليس أسلوباً عرفياً استظهارياً مراعى عند أهل العرف يتعاملون به، والرواية ذات الدلالة الضعيفة لا تكون عرفاً مرجعاً بعد أنْ سقطت الرواية الأقوى دلالة التي كانت معها في نفس الطائفة ــ مع الأقوى في الطائفة الأخرى ــ إلاّ مع الجزم بأنَّ السيرة العقلائية ــ التي هي العمدة لحجيّة الظهور والصدور ــ تسقط فقط الظهورين القوييّن المتعارضين وتعزل الظهور الضعيف المتبقي لوحده وتأخذ به
وتعمل به(١٤٨).

ب- إنَّه O ذكر أنَّ نكتة المشهور في الرجوع إلى العامّ وعدم إدخاله في تعارض الخاصّين هي أنَّ العامّ يمثّل ذا القرينة بينما الخاصّان يمثّلان القرينة، وذو القرينة لا يعارض القرينة، وهذه النكتة بنى عليها في الفكرة المذكورة، ولكن يمكن أنْ يقال لعلَّ نكتة المشهور في عدم إدخاله العامّ في المعارضة بين الخاصّين هي ليست ما ذكر وإنَّما هي ملاحظة الموضوع، وبما أنَّ موضوع العامّ أوسع فلا يدخل في المعارضة، وأمّا الخاصّان فبما أنَّ موضوعهما واحد ولا يختلف سعة وضيقاً فجميع الدلالات تدخل في المعارضة بلا استثناء ويحكم بالتساقط والرجوع إلى الأصل.

فإذاً لعلَّ النكتة هي سعة موضوع العامّ فلا يدخل في المعارضة، وبالتالي لا تتمّ فكرة التصنيف إلى الرتب.

إلى هنا اتضح عدم تماميّة ما ذكره السيد الشهيد O ، وكذلك عدم تماميّة الوجه الأوَّل ولا الوجوه الخمسة الأخيرة، فإنْ تمَّ الوجه الثاني فهو، وإلّا فبعد عدم وجود عموم فوقاني يصلح كمرجع تصل النوبة إلى الأصل العملي.

وكيفما كان لا يترك الاحتياط بالعمل بما هو المشهور شهرة عظيمة بين الفقهاء من الحكم بنجاسة الخمر.

والحمد لله ربّ العالمين, والصلاة والسلام على خاتم النبيين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 

 

أبرز المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. بحوث في شرح العروة الوثقى، السيد محمد باقر الصدر O ، مطبعة الآداب.
  3. تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي O ، دار الكتب الإسلامية.
  4. جواهر الكلام، الشيخ محمد حسن النجفي O ، دار الكتب الإسلامية.
  5. الحدائق الناضرة، المحدّث البحراني O، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين.
  6. رجال النجاشي، الشيخ النجاشي O، مؤسسة النشر الإسلامي.
  7. الصحاح، الجوهري، دار العلم للملايين، الطبعة الرابعة.
  8. الفهرست، الشيخ الطوسي O، مؤسسة نشر الفقاهة، الطبعة الثانية.
  9. الفقه الاستدلالي، الشيخ الإيرواني A، الأميرة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٣٣هـ - ٢٠١٢م.
  10. مختلف الشيعة، العلّامة الحلّي O، تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى.
  11. مستمسك العروة الوثقى، السيد محسن الحكيم O، مطبعة الآداب ١٣٩١هـ.
  12. مستند الشيعة، المولى أحمد النراقيO، مؤسسة آل البيت i لإحياء التراث ١٤١٥هـ.
  13. معجم رجال الحديث، السيد أبو القاسم الخوئيO ، الطبعة الخامسة ١٩٩٢م.
  14. مدارك الأحكام، السيد محمد العامليO، مؤسسة آل البيت i لإحياء التراث ١٤١٠هـ.
  15. موسوعة الإمام الخوئي، السيد أبو القاسم الخوئي O، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، الطبعة الثانية.
  16. المفردات، للراغب الأصفهاني. 
  17. الكافي، الشيخ الكلينيO، دار الكتب الإسلامية، تحقيق: علي أكبر الغفاري.
  18. وسائل الشيعة، الحر العامليO، مؤسسة آل البيت i لإحياء التراث، الطبعة الثانية.
  19. لسان العرب، لابن منظور، نشر أدب الحوزة، ١٤٠٥هـ.

 

 


(١) العناوين الواردة في الروايات متعددة، مثل: (المسكر والنبيذ)، (الخمر والنبيذ والمسكر)، (النبيذ)، (النبيذ يكسرونه بالماء).

(٢) الوسائل: ٣/٤٧١/ب٣٨ من أبواب النجاسات ــ باب نجاسة الخمر والنبيذ والفقاع وكل مسكر ــ ح١٠ وذُكر في السند (الحسين بن أبي سارة), ونقلها الحرّ عن التهذيب. ولكن الموجود في التهذيب: ١/٨٢٢ عن (الحسن بن أبي سارة), وكذا في الاستبصار: ج١/ح٦٦٤. وعبّر عنها في 

 التنقيح: ٣/٨٤ (كما في مصححة الحسن بن أبي سارة)، وفي المستمسك بـ(موثق الحسن بن أبي سارة)، وفي مصباح المنهاج بـ(معتبر الحسن بن أبي سارة)، وفي مجمع الفائدة: ١/ ٣١١ (وصحيحة الحسن.. وهذه أصح سنداً وأوضح دلالة حيث إنَّها صريحة في الخمر وفي قبل الغسل).

وقال صاحب المدارك: ٢/٢٩١ (حجّة القول بالطهارة الأصل وما رواه الحسن بن أبي سارة في الصحيح..).

(٣) معجم رجال الحديث: ٥/ ٢٦٤ وهو روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله h.

(٤) كامل الزيارات: ٣٣٥.

(٥) محمد بن يحيى أبو جعفر العطار الأشعري من مشايخ الكليني يروي عنه كثيراً، وأما الصدوق فيروي عنه بواسطة أحد مشايخه، وأما الطوسي فطريقه إليه في مشيخة التهذيب: الحسين بن عبيد الله، وأبو الحسين ابن أبي جيد جميعاً عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه محمد ين يحيى العطار، وله أيضاً طرق أخرى بإسناده عن محمد بن يعقوب الكليني (لاحظ معجم رجال الحديث: ١٩/٤٣-٤٤).

(٦) التهذيب: ج٦/ح١١٢.

(٧) ذكر في ترجمة يعقوب أنه من أصحاب الكاظم والرضا والهادي h.

(٨) رجال النجاشي في ترجمة محمد بن أبي عمير، الرقم ٨٨٧، ولا يخفى أنه هو وصفوان والبزنطي من الطبقة السادسة.

(٩) الفهرست عند ذكر عنوان محمد بن أبي عمير، الرقم ٦١٧. وما ذكره الشيخ من أنه لم يروِ عن الكاظم g ينافي ما ذكره النجاشي من أنّه سمع منه الأحاديث. وذُكر أنّه يؤيد قول النجاشي رواية له عن الكاظم g في الفقيه ج٢ ــ باب افتتاح السفر ــ ح٧٨٣.

(١٠) نفس المصدر من الوسائل: ح١٢ وفي الهامش: في المصدر الحسن. أقول الرواية في التهذيب: ج١/ح٨٢٤ عن الحسن بن أبي سارة.

(١١) نفس المصدر  ح١١ عن التهذيب.

(١٢) نفس المصدر: ح١٤ من قرب الإسناد، وهي في قرب الإسناد: ١٦٣. وهي معتبرة بناءً على أنّ صاحبالوسائل O له سند معتبر إلى الشيخ الطوسي، والشيخ له سند معتبر إلى كتب عبد الله بن جعفر كما هو المعروف. 

وأمّا إذا نوقش في ذلك من جهة كون طرق صاحب الوسائل ليست إلى النسخ, أو من جهة أنّ طرق الفهرست هي ليست إلى النسخ فالرواية لا تكون تامّة سنداً. لاحظ الفهرست: ١٦٨ عند عنوان عبد الله بن جعفر الحميري القمي. 

وقد عبّر عن الرواية بالصحيحة جمعٌ، منهم: المحقّق السبزواري في الذخيرة: ج١/ق١/١٥٤، والمحقّق الخوانساري في مشارق الشموس: ١/٣٣٨، والفاضل الهندي في كشف اللثام: ١/٣٩٤، وصاحب الحدائق، وصاحب الجواهر، والمحقّق الهمداني، والسيد الحكيم في المستمسك.

(١٣) نفس المصدر: ب٣٩/ح٢ عن التهذيب. وفي هامش الوسائل: في هامش المخطوط عن نسخة: (الحسن).

(١٤) الفهرست عند الرقم ١٧٢ قائلاً: (الحسن بن موسى له أصل. أخبرنا به ابن أبي جيد, عن ابن الوليد, عن الصفار, عن أحمد بن محمد بن عيسى, عن ابن أبي عمير, عن الحسن بن موسى). وابن أبي جِيد من مشايخ النجاشي، وأيضاً من مشايخ الإجازة. ويمكن أن يقال: إنّ كون الشخص من مشايخ الإجازة المعروفين ــ الذين كانوا يُقصدون من الرواة ليُجاز لهم في دفع الكتاب والرواية ــ يولّد اطمئناناً بكونه ثقة. 

(١٥) الوسائل: ٢٦/١٠١/ب٤ من أبواب ميراث الأبوين ح٤. والسند: محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر, عن الحسين بن موسى الحنّاط , عن الفضيل بن يسار. 

(١٦) ٣/١٠٥/ب١٨/ح٤.

(١٧) الكافي: ٢/٢٤٥. والسند: محمد بن يحيى, عن أحمد بن محمد بن عيسى, عن أحمد بن محمد بن أبي نصر, عن الحسين بن موسى, عن فضيل بن يسار, عن أبي جعفر g.

(١٨) التوحيد: ١٥٥/ب١٤/ح٣.

(١٩) رجال النجاشي: ٤٥, رقم: ٩٠, قال: (الحسين بن موسى الحنّاط... عن أبي عبد الله g. وعن أبيه, عن أبي عبد الله g. وعن أبي حمزة, وعن معمّر بن يحيى, وبريد, وأبي أيوب, ومحمد بن مسلم وطبقتهم. له كتاب أخبرنا: الحسين بن عبيد الله, قال: حدثنا ابن حمزة, قال: حدثنا ابن بطة, عن الصفّار, عن أحمد بن محمد بن عيسى, عن ابن أبي عمير, عن الحسين بكتابه).

والحسين الغضائري قال عنه النجاشي: (أبو عبد الله h شيخنا) فهو من مشايخ النجاشي, مضافاً إلى ما ذكر من كونه كثير الرواية، وأنه شيخ إجازة، وتوثيق ابن طاووس له، (المعجم: ٧/ ٢٢).

(٢٠) الوسائل ب٣٥ من أبواب الأشربة المحرمة ح٢ عن التهذيب. والرواية في التهذيب: باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات ح١١٤.

(٢١) نفس المصدر: ب٣٨/ح٩.

(٢٢) التهذيب: ١/٢٨٠ ح٨٢١. وقال الشيخ الهمداني في مصباح الفقيه: ج١/ ق٢: (إنّه لا يبعد إرادة النبيذ الغير المسكر, فتكون هذه الرواية على خلاف المطلوب أدل).

(٢٣) وهو المعروف من المكنين بأبي بكر الحضرمي.

(٢٤) لاحظ معجم رجال الحديث: ١١/٢١٧.

(٢٥) الكافي باب اللواط ح٢, والسند تام. وهو في الوسائل: ٢٠/٣٢٩/ب١٧ تحريم اللواط على الفاعل ح١. 

(٢٦) كما في الوسائل: ٢٨/٢٠١/ح٧ عن الفقيه, وهو من رجال تفسير القميّ حيث ورد في رواية في تفسير سورة المائدة تفسير قوله تعالى: [..وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ..]، وكامل الزيارات ب٢ ثواب زيارة رسول الله e, ح٥ .

(٢٧) نفس المصدر: ب٥١/ح٢.

(٢٨) نفس المصدر: ح٣ عن الفقيه, وقال الحرّ في ذيلها: (وفي العلل عن أبيه, عن سعد, عن محمد بن الحسين وعلي بن إسماعيل ويعقوب بن يزيد كلهم, عن حمّاد بن عيسى, عن حريز, عن بكير, عن أبي جعفر g. وعن أبي الصباح وأبي سعيد والحسن النبّال, عن أبي عبد الله g مثله).

أقول: هي في العلل: ٢/٣٥٧ باب الرخصة في الصلاة في ثوب أصابه خمر وودك الخنزير: (أبي h قال : حدّثنا سعد بن عبد الله, عن محمد بن الحسين وعلي بن إسماعيل ويعقوب بن يزيد, عن حمّاد بن عيسى, عن حريز, قال: قال بكير عن أبي جعفر g). وأبو الصباح وأبو سعيد والحسن النبّال, عن أبي عبد الله g قالوا: قلنا لهما إنّا نشتري ثياباً يصيبها الخمر وودك الخنزير عند حاكتها أنصلي فيها قبل أنْ نغسلها؟ قال: (نعم, لا بأس بها, إنمَّا حرّم الله أكله وشربه ولم يحرّم لبسه ومسّه والصلاة فيه).

والودك: بفتحتين: دسم اللحم والشحم (المصباح المنير مادة ودك). وعن مجمع البحرين: أنَّه دسم اللحم, ومنه ودك الخنزير ونحوه, يعني: شحمه. 

(٢٩) علل الشرائع: ٢/٣٥٧ باب ٧٢ علة الرخصة في الصلاة في ثوب أصابه خمر وودك الخنزير. الفقيه: ١/٢٤٨ ح ٧٥١ , (وسئل أبو جعفر وأبو عبد الله h..).

(٣٠) لاحظ بحوث في شرح العروة الوثقى: ٢/٤٣٢, وأضاف h: (وهذا يقتضي سقوط الرواية في تمام المدلول عن الحجية, إمَّا لعدم تعقّل التبعيض في الحجية في أمثال المقام عرفاً, أو لكون ذلك أمارة نوعية على وجود خلل في الرواية بنحو يسلب الوثوق بها ويخرجها عن دليل الحجية). وقال h: (الرواية معتبرة لاسيمّا أنَّ الأربعة الذين يروون الرواية فيهم الثقة, مضافاً إلى ما في اتفاق أربعة لم يثبت ضعف واحد منهم من تعزيز لسند الرواية).

(٣١) ذكر صاحب العروة O في كتاب الصلاة (مسألة١٧): (يستثنى ممّا لا يؤكل الخز الخالص غير المغشوش بوبر الأرانب والثعالب وكذا السنجاب..). وممّا علّقه السيد الخوئي O ــ عند بحثه عن جلد ووبر السنجاب ــ: (.. إنَّ سقوط الرواية عن الحجيّة في بعض مدلولها لمانع مختصّ به لا يلازم سقوطها في البعض الآخر؛ فإنَّ التفكيك في مفاد الدليل غير عزيز في الفقه، والسرّ أنَّ الرواية  المشتملة على حكمين تنحلّ في الحقيقة إلى روايتين, فكأنَّ الراوي روى مرة جواز الصلاة في الفنك, وأخرى جوازها في السنجاب, فإذا كان للأولى معارض أوجب سقوطها عن الحجيّة فلا مقتضي لرفع اليد عن الثانية السليمة عنه، نظير ما أخبرت البيِّنة ــ في الشبهات الموضوعية ــ عن طهارة الثوب والإناء، وقد علمنا بنجاسة الثوب فإنَّ سقوطها فيه لا يستوجب السقوط عن الحجيّة في الإناء..) المستند في شرح العروة الوثقى ١٢/١٩٤.(ط. جديدة).

(٣٢) الوسائل: ١/١٤٥/ ب٦ من أبواب الماء المطلق ح٢، عن الفقيه، وكذلك رواها الشيخ في التهذيب ج١/ح١٣٢١.

(٣٣) الوسائل: ٣٠/٧٦ عند ذكره لطرق الصدوق. والعمركي بن علي البوفكي النيسابوري وثّقه النجاشي، وهو من أصحاب الإمام العسكري g، وكان في خدمة أبي جعفر الثاني g. وطريق الطوسي O إلى علي بن جعفر في التهذيب واحدٌ، فيه: (الحسين الغضائري) وهو من مشايخ  النجاشي، وشيخ إجازة، وكثير الرواية، و(أحمد بن محمد بن يحيى) وهو ممَّن ترضّى عنه الصدوق، قال الشيخ O: (وما ذكرته عن علي بن جعفر أخبرني به: الحسين بن عبيد الله، عن أحمد بن محمد بن يحيى عن..). وللشيخ طريقان في الفهرست عند الرقم ٣٧٧ الأول معتبر، والثاني معتبر بناءً على أنَّ المراد بأحمد بن محمد هو (ابن عيسى)، لكن الشيخ O قال في الفهرست في بداية كلامه: (له كتاب المناسك ومسائل لأخيه موسى الكاظم بن جعفر O سأله عنها أخبرنا بذلك جماعة عن..). فما هو المرجع في اسم الإشارة (بذلك)؟ المتيقن رجوعه إلى المسائل.

(٣٤) الوسائل: ٢٥/٣٧٩/ب٣٧ من أبواب الأشربة المحرمة ح٢، عن التهذيب. وهو في التهذيب: ٩/١٢٣ رواه الشيخ عن محمد بن أحمد بن يحيى عن...

(٣٥) قال السيد الخميني O في كتاب الطهارة: (لقرب احتمال أنْ تكون شبهتها في حليّة الانتفاع بالخمر وجواز التمشط بها). وعبّر O عن الرواية بـ(حسنة علي الواسطي). 

(٣٦) لاحظ بحوث في شرح العروة الوثقى: ٣/٤٣٠.

(٣٧) الكافي باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجة ح٢ بسند تامّ. 

(٣٨) في معجم رجال الحديث: ١٢/٣٣٩ قال النجاشي: (علي بن حسان الواسطي أبو الحسن القصير المعروف بالمنمس عمّر أكثر من مائة سنة، وكان لا بأس به، روى عن أبي عبد الله g، روى عنه سعدان بن مسلم له كتاب يرويه عدة من أصحابنا..).

وفي ص٣٣٨: (وقال الكشي "٣٢٠-٣٢١": (قال محمد بن مسعود: سألت علي بن الحسن بن علي بن فضال عن علي بن حسان قال: عن أيهما سألت أما الواسطي فهو ثقة، وأما الذي عندنا فيشير إلى علي ابن حسان الهاشمي فإنَّه يروي عن عمه عن عبد الرحمن بن كثير فهو كذاب واقفي أيضاً لم يدرك أبا الحسن موسى g). وفي ١٣/٢٦٢ في ترجمة علي الواسطي: عدّه البرقي من أصحاب الصادق g.

(٣٩) الفقيه: ٤/٥٧ ح: ٥٠٩٠. وقال الصادق g.

(٤٠) الوسائل: ٣/٥١٨/ب٧٣ من أبواب النجاسات ح٧. وأبو جميلة المفضل بن صالح هو محل كلام وخلاف.

(٤١) الوسائل: ٣/٥١٨/ب٧٣ من أبواب النجاسات ح١ عن التهذيب، وهي في التهذيب ج٢/ ح١٤٩٧.والسابرية: ضرب من الثياب الرقاق تعمل بسابور ــ موضع بفارس ــ والنسبة إليها السابري.

(٤٢) أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمي هو من الطبقة السابعة ــ الذين جلّهم من أصحاب الجواد والهادي والعسكري h ــ له كتب وهو من أصحاب الرضا والجواد والهادي h ــ كما عن الشيخ في رجاله ــ وروى عن الجواد والهادي h، ويروي عنه كثيراً محمد بن يحيى، ويروي هو كثيراً عن الحسين بن سعيد الأهوازي كما في المقام حيث المراد من الحسين هو ابن سعيد الأهوازي ويتضح ذلك بمراجعة أسانيد رواياته ــ كما في الكافي ــ . وعن السيد البروجردي في حاشية مقدمته على جامع الرواة أنَّ ما رواه الشيخ عن أحمد بن محمد بن عيسى يقرب من مائتين وألف. 

وذكر الشيخ في المشيخة عدة طرق إلى أحمد بن محمد بن عيسى، الأوّل: قال فيه: ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمد بن عيسى ما رويته...، وهو طريق معتبر. والثاني: ذكره الطوسي بعد ذكر أسناده إلى محمد بن علي بن محبوب وفيه أحمد بن محمد بن يحيى وتوثيقه يختلف باختلاف المباني. والثالث والرابع: ذكرهما الطوسي كطريقين إلى ما أخذه من نوادر أحمد بن محمد بن عيسى، والثالث معتبر، والرابع فيه أحمد بن محمد بن يحيى ــ وتمييز روايات النوادر عن غيرها من كتب أحمد في التهذيبين عند عدم التصريح من الشيخ به غير ميسور والمهم أنَّه لا ثمرة لذلك ــ . 

وذكر الشيخ في الفهرست طرق ثلاثة، الأوّل: فيه أحمد بن محمد بن يحيى، والثاني: فيه أحمد بن محمد ابن الحسن بن الوليد، والثالث ــ إلى كتاب المبوبة الذي ذكر أنَّه النوادر ــ معتبر.

(٤٣) الوسائل: ٣/٤٥٥/ب٣٠ من أبواب النجاسات ح٧ نقلها عن قرب الإسناد فقط.

(٤٤) لاحظ بحوث في شرح العروة الوثقى: ٣/٤٣٣-٤٣٤ ــ بتصرف ــ .

(٤٥) عبد الله بن جعفر بن الحسن بن مالك بن جامع الحميري، أبو العباس القمي، وثّقه الشيخ، وعن النجاشي أنَّه شيخ القميين ووجههم، من أصحاب الهادي والعسكريh ــ وذكر أنَّه ليس له رواية عن الرضا والجواد h ــ وهو من الطبقة الثامنة. وكتاب قرب الإسناد الجزء الثاني منه يحتوي على مسائل علي بن جعفر رواه الحميري بواسطة عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر. 

(٤٦) الوسائل: ٢٥/٣٤١/ح٢.

(٤٧) بحوث في شرح العروة الوثقى: ٣/٤١٣.

(٤٨) في سندها (علي بن الحكم) وقد وثّقه الشيخ، وأما (كليب بن معاوية بن جبلة الصيداوي الأسدي) فهو وإن لم يذكر بشيء، ولكن الظاهر أنَّه ثقة لأكثر من وجه: حيث روى عنه ابن أبي عمير بسند تامّ كما في الكافي باب في ترك دعاء الناس ح١، وكذلك بسند تامّ في باب أنَّ رسول الله e حرّم كل مسكر قليله وكثيره ح١، وكذلك عنه صفوان بسند تامّ كما في الكافي باب التسمية والتحميد والدعاء في الطعام ح٧، وكذلك بسند تامّ في باب أن رسول الله حرّم كل مسكر قليله وكثيره ح٦.

وروى الكليني بسند تامّ عن زيد الشحّام عن أبي عبد الله g قال: قلت له: إنَّ عندنا رجلاً يقال له كليب فلا يجيء عنكم شيء إلّا قال أنا أُسَلّمِ فسميناه كليب تسليم، قال: فترحم عليه، ثم قال: (أتدرون ما التسليم)؟ فسكتنا، فقال: (هو والله الإخبات قول الله a > الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ<). الكافي باب التسليم ح٣، ولاحظ الآية: ٢٣ من سورة هود. (والإخبات: الخضوع والتسليم والانقياد والاطمئنان). وظاهر الرواية أنَّ كليباً من مصاديق الآية الكريمة فيمكن أنْ يدل على وثاقته، قال السيد الخوئي O في المعجم: (.. فيه دلالة واضحة على جلالة كليب لا تقل عن التوثيق)، ولك أنْ تقول أنَّه مدح يدل على التوثيق. 

(٤٩) الوسائل: ٦/٥٢١/ب٧٤ من أبواب النجاسات ح١.

(٥٠) جامع أحاديث الشيعة: ٢/٨٩/ح٨.

(٥١) الوسائل: ٢٤/٢١٠/ب٥٤ من أبواب الأطعمة المحرمة ــ باب تحريم الأكل في أواني الكفار مع العلم بتنجيسهم لها لا مع عدمه ــ ح٤ عن الكافي.

(٥٢) لاحظ المعجم: ٤/ ٣٣، ٣٥٣.

(٥٣) الوسائل: ٢٥/٣٥٠/ب٢١ من أبواب الأشربة المحرمة ح٥.

(٥٤) الوسائل: ٢٤/٢١١/ب٥٤ من أبواب الأطعمة المحرمة ح٥.

(٥٥) الوسائل: ٢٥/٣٦٨/ب٣٠ من أبواب الأشربة المحرمة ح٣.

(٥٦) السرائر: ١/١٧٩.

(٥٧) الفقيه: ١/٧٤.

(٥٨) الفقيه: ١/٢٤٨.

(٥٩) الفقيه: ١/٢٥٩، وفي هامش الفقيه: ١/٧٤ تعليقاً على عبارة (بيت فيه خمر): (يمكن توجيهه بأن عين الخمر هنا موجودة بخلاف إصابة الثوب منها فربّما كان للعين أثر لا يكون للأثر). ]سلطان[. وتعليقاً على عبارة (فلا يجوز الصلاة فيه): (روي أخبارٌ بالنهي عن الصلاة في بيت فيه خمر وحملها الأصحاب على الكراهة لاستعمالهم عدم الجواز في الكراهة كثيراً والأحوط أنْ لا يصلي فيه). ]م ت[.

(٦٠) مصباح الفقيه للمحقّق الهمداني O: ج١/ق٢/٥٤٨ ــ ٥٤٩.

(٦١) أي مقتضى دليل حجيّة الخبر، ويراد من الأصل الثانوي الأخبار العلاجيّة للموقف بين المتعارضين الذاكرة للمرجّحات العامة حتى يتضح ما هو الحجّة فعلاً.

(٦٢) لا أنّه يشملهما ثُمّ يتساقطان كما يوهمه لفظ التساقط.

(٦٣) لاحظ الوسائل: ٣/٤٦٨/ح٢.

(٦٤) تقدّمت, وفي سندها سهل بن زياد، فإنْ بنينا على وثاقته كانت معتبرة وإلاّ فهي رواية.

(٦٥) لا يخفى: أ- إنَّ النصوص الواردة عن الأئمة i ظاهرة في بيان الحكم الواقعي الشرعي الأولي الثابت في أصل التشريع ــ غير القابل للتغيير في فرض عدم النسخ ــ. ومن هنا فالأصل الأولي أنَّ الرواية تصدر بداعي بيان الحكم الواقعي، وليس الأصل الأولي هو الحكم الفعلي للمكلف الثابت لأجل التقيّة ونحوها القابل للتغيير.

ب- لا يرفع اليد عن الأصل الأولي المتقدم إلّا بقرينة، كما إذا كانت الرواية معارضة برواية أخرى تخالف العامة فتحمل الموافقة على التقيّة، وأمَّا مع عدم المعارضة بشيء فلا موجب للحمل على التقيّة لأنَّه بلا موجب ومقتضٍ.

ج- الحكم الواقعي الأولي لا يقبل التعدد فإذا كان الخطابان واردين لبيان الحكم الواقعي الأولي فاحتمال مخالفة أحدهما للواقع موجود، ومن هنا كان اختلافها في الموضوع الواحد موجباً لتعارضها في أنفسها ومورداً للمرجحات الإثباتية الواردة في الأخبار العلاجية والترجيح بينها بلحاظ طريقتيهما إلى الواقع وقوة الكاشفية، فالأخبار العلاجية راجعة إلى تعارض الحجتين إثباتاً في الحكم الواحد.

د- سيرة الأئمة i التصدي للأحكام الأولية الواقعية بعد تشخيصها كما هو مقتضى الوضع  الطبيعي المناسب للأمر بالأخذ بخلاف العامة.

هـ- الوظيفة الفعلية العملية للمكلف قد تكون طبق الحكم الأولي وقد تكون وظيفة ثانوية طبق  الحكم الثانوي، وتشخيص الوظيفة الثانوية في حقّ كل شخص من حيث التقيّة، أو الحرج، أو الضرر هو أمرٌ موكول إلى الشخص نفسه لاختلافها باختلاف الأشخاص والظروف غير المنضبطة عادة، وإنمَّا صدر منهم i تشخيص الوظيفة الثانوية في مناسبات في حقّ بعض الأشخاص كقصة علي بن يقطين. 

(٦٦) مستند الشيعة: ١/١٩٢.

(٦٧) الجواهر: ٦/٨-٩.

(٦٨) كتاب الطهارة للشيخ الأنصاري: ٢/٣٦٠.

(٦٩) مصباح الفقيه للمحقق الهمداني: ج١/ق٢/٥٤٩.

(٧٠) مستمسك العروة: ١/٤٠٣.

(٧١) كتاب الطهارة: ٣/١٨٧.

(٧٢) التنقيح: ٣/٨٦ و٨٨ و٩٠ ط. جديدة. وكذا ذكر هذا الوجه علماء آخرون. فلاحظ مصباح المنهاج: ٨/٣٩٦، فقه الصادق: (.. ولكن صحيح علي بن مهزيار.. وخبر خيران الخادم.. يدلان على تحقّق المعارضة بين نصوص الطهارة وطائفة من نصوص النجاسة، وهي الناهية عن الصلاة في الثوب الذي أصابته الخمر ــ وإنْ كان في دلالتها على النجاسة تأمل ــ وتقديم تلك النصوص على نصوص الطهارة وعليه فلا مجال للعمل بها ..) ٣/٣١١، وفي القواعد الفقهية للسيد البجنوردي: ٥/٣٢٣: (.. فبملاحظة هاتين الروايتين يتعيّن الأخذ بأخبار النجاسة وترك الطائفة الأخرى وردّ علمها إلى أهلها أو حملها على التقية ..)، واقتصر الشيخ حسن صاحب المعالم في كتابه منتقى الجمان: ١/٨٧ في باب الخمر على ذكر معتبرة ابن مهزيار فقط ولم يذكر غيرها، وقال صاحب الحدائق: ٥/ ١٠٨ ــ الذي اختار حمل الأخبار الدالة على الطهارة على التقية ــ في ضمن ردّه على الوجه الثاني الآتي: (وأمَّا ما ذكره الفاضل الخراساني ــ من أنَّه يمكن أنْ يكون المراد بقول أبي عبد الله g قوله الذي مع أبي جعفر g ويكون التعبير بهذه العبارة المشتبهة للتقيّة ــ فهو ممّا لا يروج إلّا على الصبيان العادمي الأفهام والأذهان).

(٧٣) لا يخفى: أنَّ مقتضى الجمع العرفي لمّا لم يكن واقعياً قطعياً، بل كان ظاهرياً ظنياً فهو لا يمنع من السؤال الموصل للحكم الواقعي وليس هو كالسؤال عن أخبار التعارض العامة؛ لأنَّ الغرض منها لمّا كان هو معرفة الوظيفة الظاهرية كان منصرفاً عمّا إذا كانت معلومة بطريقة الجمع العرفي. (لاحظ المحكم في أصول الفقه).

(٧٤) بل قيل: إنَّ رواية الطهارة المنقولة عن زرارة هي الأقرب للحكم الواقعي، وما رواه غير زرارة هو الذي يحمل على وجوه أخرى من تقيّة ونحوها، لأجل فقاهة زرارة، ومعرفته بوجوه الكلام، واختصاصه بالإمام g حيث يطلعه على ما يخفيه g عن غيره. لاحظ الكافي ج٧ كتاب المواريث ب٥٧ ميراث الولد مع أبويه ح٣.

وقيل: يحتمل أنّ الرواية واردة مورد التقيّة وأنّ الإمام g اتقى السائل عبد الله بن محمد بأنْ جاء بالجواب مجملاً حيث إنّه g أتى بالجواب بنحو يُفهم منه النجاسة من دون أنْ يصرح بها، واحتمال التقيّة منشؤه أنّ السائل الذي كتب تقتضي مناسبات الحكم والموضوع أنْ يكون هو عبد الله بن محمد ابن حصين الحضيني الأهوازي الذي يروي عن الإمام الرضا g، إذ هو أهوازي وكذلك علي بن مهزيار، والحضيني لم يكن شيعياً، وصرّح الكشي أنّ الذي هداه للتشيع الحسن بن سعيد الأهوازي. فالظاهر أنَّه هو السائل وأنَّ المسؤول الإمام الكاظم g، إذ هو المنصرف من لفظ أبي الحسن gوأنَّ هذا السؤال منه قبل تشيعه؛ إذْ كان من غير المعاندين من العامّة ممَّن يرجع في أمور دينه إلى الأئمة i باعتبارهم علماء وفقهاء أجلاء، وما أكثر أمثاله في الخارج حتى تثبت له الإمامة بطول العشرة والصحبة مع الإمام g، وعليه فيكون الإمام g قد اتقاه بأنْ جاء بالجواب مجملاً.

أقول: لاحظ اختيار معرفة الرجال: ٢/٨٢٧. 

(٧٥) ورواية خيران أوضح في النظر إلى الحكم الواقعي وفي أنَّها ليست من الأخبار العلاجية؛ لأنَّ الإمام g فيها صار في مقام بيان الحكم الواقعي معللاً ذلك بأنَّه رجس، ومعه فعدم الحكومة في المقام أوضح.

(٧٦) جامع المدارك: ١/ ٢٠٣. ويمكن أنْ يقال أيضاً: إنّ ما رواه زرارة من عدم البأس هو روايتان مستقلتان؛ لأنَّ زرارة لم يروِ ذلك عنهما معاً في مجلس واحد، بل عن كلٍّ مستقلاً وبالتالي قوله g: (خذ بقول أبي عبد الله) لا قرينة على أنّه قوله g منفرداً الذي رواه غير زرارة، بل يكون مجملاً بين النقلين عن أبي عبد الله g، وليفهم السائل الأخذ بقول أبي عبد الله g خاصة، فإنَّ الحكم حتى لو كان هو الطهارة لكن الاجتناب فيه تنزيه واحتياط، وليكن إجمال الجواب منه g لمصلحة ما ــ من دون تفريط بالحكم الشرعي الواقعي ــ كالتنفير من الخمر وعدم الاقتراب منها بأي شكل.

وقال المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان: ١/ ٣١٠: (وليس في الأخبار ما يصلح حجة إلّا المكاتبة ودلالتها غير صريحة؛ لأنَّ قول أبي عبد الله g كان مع قول أبي  جعفر g أيضاً. نعم، انفراده g يشعر بأنّه قوله فقط لكن ليس بصريح، ففيها إجمال ما ولا تصلح للاحتجاج في مثل هذه المسألة بانفرادها لما ستقف عليه وإنْ صلحت للاحتجاج للظهور في الجملة لكنها مكاتبة، والمشافهة خير منها. وأمّا دليل طهارته فالأصل، والاستصحاب، ودليل كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنّه نجس.. والأخبار الكثيرة..). 

(٧٧) ويمكن أنْ يكون الأمر بإعادة الصلاة من ناحية كونه مانعاً من الصحة ولا يتعيّن حمله على النجاسة.

(٧٨) لا يخفى أنّ هذا الوجه إنَّما تصل النوبة إليه بناءً على بطلان وعدم تمامية الوجه الأول. هكذا تقتضي الصناعة. 

(٧٩) ولا صراحة أو نصّ في أخبار النجاسة حتى في مثل: (ما يبل الميل ينجس حباً من ماء) فإنَّه يمكن حمله على النجاسة التنزيهية الاستحبابية بخلاف أخبار الطهارة، ولو قبلنا صراحتها فهي ضعيفة سنداً.

(٨٠) فلاحظ رواية أو معتبرة علي بن رئاب (صلِّ فيه إلّا أنْ تقذره فتغسل منه موضع الأثر) وفي رواية الحسين بن أبي سارة (لا بأس به إلّا أنْ تشتهي أنْ تغسله لأثره).

(٨١) المدارك: ٢/٢٩٢.

(٨٢) اللمعات النيّرة: ٢٢٠. وقال السيد الحكيم O في المستمسك: ١/٤٠١ : (والجمع العرفي يقتضي حمل الأولى على الاستحباب، ولو فرض تعذره فالترجيح مع نصوص الطهارة لمخالفتها للمشهور بين العامة..). وقال المحقّق الاردبيلي O في زبدة البيان: ٤٢: (والجمع بحمل ما يدل على وجوب الغسل على الاستحباب أولى من حمل ما يدل على عدمه على التقيّة).

(٨٣) التنقيح: ٣/٨٥.

(٨٤) الحدائق: ٥/١٠٧ و١١٠، وقال O في: ٦/١٤٢ ــ بعد ذكره لأخبار متعارضة في مبحث وقت نافلة الظهر والعصر ــ: (والأظهر عندي أنَّ منشأ هذا الاختلاف في الأخبار إنَّما هو التقيّة التي هي أصل كل محنة في الدين وبلية). ولاحظ الوجه الرابع الآتي وهو حمل الأخبار على التقيّة.

(٨٥) الحدائق: ٥/١٧٣ وهكذا لاحظ كلامه في الحدائق: ١٦/ ٢٣٦: ( قدّمنا في غير موضع أنَّه وإن اشتهر هذا الجمع بين الأصحاب إلّا أنَّه لا دليل عليه من سُنّة ولا كتاب.

وفي بحوث في شرح العروة الوثقى: ٣/٣٠٩ : (أنَّ صناعة الجمع العرفي وكونه متقدماً على سائر أنحاء التصرفات الأخرى ــ بما فيها الحمل على التقيّة ــ ليست بدرجة من الوضوح في فقه جملةٍ من  فقهائنا المتقدمين على النحو الذي لا يصح مع افتراض تطبيقهم للصناعة على وجه آخر وفي كلماتهم شواهد عديدة على ذلك..).

(٨٦) التعارض غير المستقر هو ما يجمع العرف بينهما لو عرضا عليه، كما هو الحال في العامّ والخاصّ فالعرف يرى الخاصّ قرينة مفسرة للمراد من العام ولئنْ كان بينهما تعارض فهو غير مستقر. والمقصود من قاعدة الجمع العرفي هو أنّ كل ظهور حجّة ويؤخذ به ما لم يصدر من المتكلم ظهور ثانٍ أعدّه مفسراً للظهور الأول،  وإلّا أخذ العقلاء بالظهور الثاني ــ ويسمى بالقرينة ــ دون الظهور الأول ــ ذي القرينة ــ. 

(٨٧) المرجّح الصدوري هو ما يوجب قوة الظن بصدور الخبر كالأوثقية والشهرة في الرواية وقلة الوسائط، وأمّا المرجح الجهتي فهو ما يوجب الظن بصدور الكلام لبيان الحكم الواقعي والمراد الجدي في مقابل صدوره لغرض آخر من تقيّة أو نحوها كمخالفة العامة على بعض الوجوه، وأما  المرجّح المضموني فهو ما يوجب قوة الظن بتحقّق مضمون الخبر ممّا هو خارج عنه سواء كان معتبراً في نفسه كعموم الكتاب، أم فيه كلام كالشهرة في الفتوى. 

(٨٨) يمكن أن يقال، بل قيل: بأنَّ تقدّم فكرة إعمال الجمع العرفي على إعمال المرجحات لم تكن واضحة كوضوحها اليوم. (لاحظ بحوث في شرح العروة الوثقى: ٣/ ٣٠٩). وجاء في المحكم في أصول الفقه: ٦/٢٥٦ (.. وإلّا فتحكيم نصوص العلاج في موارد الجمع العرفي قاضٍ بإلغائه رأساً وعدم كون قوة الدلالة مرجحاً لو بني على الاقتصار على المرجحات المنصوصة، وإنْ بني على التعدي عنها فلا وجه لتأخره عن بقية المرجحات، بل يكون في عرضها أو مقدماً عليها لتقدمه طبعاً بنظر العرف، فلاحظ).

(٨٩) التنقيح: ٣/٨٥-٨٦ (ط. جديدة). وذكر O كلامه هذا بعد أنْ قال: بأنَّه لا يمكننا علاج المعارضة بموافقة الكتاب ومخالفة العامّة؛ لأنّ الكتاب لا يدل على النجاسة أو الطهارة، وأمّا مخالفة العامّة فلأنَّ كُلّا ً من الطائفتين موافقة للعامّة من جهة، ومخالفة لهم من جهة أخرى، فإنَّ العامّة على ما نسب إليهم ــ وهو الصحيح ــ ملتزمون بنجاستها، وعليه فروايات الطهارة متقدمة لمخالفتها مع العامّة، إلّا أنَّ ربيعة الرأي ــ الذي هو من أحد حكامهم وقضاتهم المعاصرين لأبي عبد الله g ــ ممَّن يرى طهارتها... وعلى الجملة: إنَّ أخبار النجاسة مخالفة للعامّة من حيث عملهم، كما أن أخبار الطهارة مخالفة لهم من حيث حكمهم.

(٩٠) فإذاً, يشترط في الجمع العرفي الدلالي المقبول أنْ يفرض الدليلان المنفصلان متصلين ومجتمعين في كلام واحد, فإنْ كان في نظر العرف بمثابة القرينة وذيّها فكان أحدهما مانعاً من انعقاد الظهور الحجّة في الآخر بأنْ كان شارحاً للمراد منه لم تكن معارضة, وأمّا إذا عدّا في نظر العرف متباينين وكان الصدر والذيل متهافتين فتستقر المعارضة ولا يمكن الجمع الدلالي فيصل الأمر إلى إعمال المرجّحات.

(٩١) فهنا لو جُمعا وفرضناهما متصلين كان ذلك في نظر العرف من قبيل المتنافيين والمتناقضين والمتدافعين والمتباينين، وكذلك الحال بين (فيه زكاة) و(ليس فيه زكاة)، وبين (عفا عن الزكاة) و (أنه فيه زكاة) فالصدر ينافي ويضادّ الذيل بحسب الفهم العرفي, ولا يجمع بالحمل على الاستحباب فالتنافي والتدافع بين اللسانين موجود في نظر العرف بحيث لا قرينية لأحدهما على الآخر فلا جمع عرفي فلا يقال (فيه زكاة وليس فيه زكاة)، وبين (يجوز) و(لا يجوز) فالأوَّل صريح في الجواز والثاني صريح في عدم الجواز, فهما صريحان في الحكمين المتناقضين، وبين (إنَّ أكل الغراب ليس بحرام..) و(لا يحلّ أكل شيء من الغربان زاغٍ ولا غيره) فالتعارض بين (ليس بحرام) و (لا يحلّ) هو تعارض مستقر، وبين (إذا أنكحها ــ أي الأب ــ جاز نكاحه وإنْ كانت كارهة) و(يكون ذلك برضاها فإنَّ لها في نفسها نصيباً) فالأوَّل نصّ في استقلال الأب والثاني نص في التشريك. نعم, إنْ قلنا هو ظاهر فيه فنرفع  اليد عنه لصراحة الأوَّل.

كما أنَّه ينبغي ملاحظة الصياغة اللفظية فإنَّ لها مدخلية، وأيضاً ملاحظة الضمائم ــ ولو من الروايات الأخرى ــ فإنّ لها أثراً في الظهور، وأيضاً ملاحظة المساحة التي يدور عنها الكلام فهل هي واحدة، وأيضاً كون كلاهما بالمنطوق أم لا. فيمكن أنْ يقال: إنَّ فقرتي (لا بأس) و(فيه بأس) ليستا من قبيل المتناقضين عرفاً؛ إذْ إنَّ (لا بأس) صريحة في الجواز وأمّا (فيه بأس) فهي ظاهرة في عدم الجواز إذ يوجد احتمال الكراهة من كلمة (بأس). ولو سلّم التناقض فقد يرتفع بملاحظة الضمائم فلو ورد (لا بأس بتقديم الطواف) وورد (في تقديم الطواف بأس) من دون ضمائم, ولكن ورد في روايات أخرى إضافة إلى التعبير الأوَّل (سيّان قدّمت أو أخرّت), فهذا التعبير بضمّه إلى (لا بأس) يعطي أظهريّة قويّة في الجواز فيؤول الظاهر (فيه بأس) لحساب الأقوى ظهوراً.

(٩٢) وفي المستدرك: ٢/٥٨٤ ذكر رواية إسماعيل بن جابر من كتاب درست (.. لا تدعه تحريماً له ولكن دعه تنزهاً له وتنجساً له؛ إنّ في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير).

(٩٣) وفي مصباح المنهاج: ٨/٣٩٣ (قد يدعى أن مقتضى الجمع العرفي حمل نصوص النجاسة على استحباب الغسل المطهر أو كراهة الاستعمال لكنه لا يناسب بعض نصوص الطائفة الأولى كحديث يونس المقتضي غسل الثوب كله عند الجهل بموضع الملاقاة وإعادة الصلاة إذا وقعت معه وصحيح عبد الله بن سنان وخبر أبي بصير المتضمنين التعبير بالنجس ومعتبر ابن حنظلة الظاهر في شدة أمر الخمر، ولا بعض نصوص الطائفة الثانية كقوله g في صحيح علي بن رئاب إلا أن تقذره فتغسل منه موضع الأثر لظهوره في أن الغسل لاستقذار المكلف لاستقذار الشارع له ولو بمرتبة يقتضي كراهة الاستعمال) ولكن يمكن المناقشة من خلال ملاحظة الروايات المشار إليها.

(٩٤) بحوث في شرح العروة الوثقى: ٣/٤٤٠.

(٩٥) وعن السيد الحكيم في المستمسك ١/ ٤٠٣: إنّ ما يوهن الجمع العرفي هو رجوع ابن مهزيار إلى الإمام فهو يبيّن عجزه عن الجمع العرفي, فالتعارض بين روايتي الطهارة والنجاسة مستحكم. 

ولكن يمكن أنْ يقال ــ مضافاً إلى ما تقدّم في جواب الأمر الأوّل من أنّه لا يقدح في قبول الجمع العرفي عدم الالتفات المباشر إليه ــ أنّ فهم الأدلة نما تدريجياً, أمَّا في عصرهم i فكانوا يعملون بالتطبيق المباشر للروايات، وأنّ رجوع الراوي إلى الإمام g لا يعني بالضرورة عجزه عن الجمع العرفي بل لعله لمعرفة الوجه في صدور الروايتين.

وقال السيد الخميني O في كتاب الطهارة ٣/١٨٨: (.. ولو حاول أحد الجمع بينهما بحمل الطائفة الأولى على الاستحباب أو حمل الرجس والنجس على غير ما هو المعهود لساغ له الجمع بين جميع الروايات المتعارضة, فإنَّه ما من مورد إلّا ويمكن حمل الروايات على ما يخرجها عن التعارض فبقيت أخبار العلاج بلا مورد..).

ولكن يمكن أنْ يقال: إنَّ هذا اللازم ليس بلازم, فإنَّ الجمع لا يكون كيفما اتفق ولو تبرّعاً وبلا شاهد حتى يلزم اللازم الذي ذكره O ، ومَن يختار الجمع العرفي في المقام له شواهده وقرائنه.

(٩٦) التنقيح في شرح العروة الوثقى: ٣/٣٤٣ ط. جديدة، وأيضاً لاحظ: ١٨/٦٠.

(٩٧) الفقه الاستدلالي: ١/ص٤٦، ٢٠١ ــ بتصرف ــ إنَّ العرف يفهم المراتب المشككة في الأحكام الإرشادية الوضعية عندما يقال: إنَّ البول يحتاج إلى غسل عدد كذا, وإذا لم تكن النجاسة بولاً فيحتاج إلى الغسل بعدد كذا أو يكفي كذا.

(٩٨) لاحظ الفقه الاستدلالي: ١/ ٢٠٢. عن اقتصادنا الملحق ٤ من قسم الملاحق المذكورة في نهاية الجزء الثاني. وقال دامت بركاته: (ولعلّه روحاً يتحد مع الوجه السابق).

(٩٩) لاحظ الفقه الاستدلالي: ١/٢٠١-٢٠٢ بتصرف.

(١٠٠) منتهى المطلب: ٣/٢١٣، تذكرة الفقهاء: ١/٦٤، التهذيب: ١/٢٧٨.

(١٠١) التوبة: ١٢٥.

(١٠٢) الأنعام: ١٢٥.

(١٠٣) لاحظ الجواهر: ٦/٤.

(١٠٤) مجمع البيان: ٣/٤١٠ ثم أضاف O قائلاً: (وإنَّما نسبها إلى الشيطان وهي أجسام من فعل الله لما يأمر به الشيطان فيها من الفساد فيأمر بشرب المسكر ليزيل العقل، ويأمر بالقمار ليستعمل فيه الأخلاق الدنيّة، ويأمر بعبادة الأصنام لما فيها من الشرك بالله، ويأمر بالأزلام لما فيها من ضعف الرأي، والاتكال على الإنفاق، وقال الباقر g: يدخل في الميسر اللعب بالشطرنج، والنرد، وغير ذلك من أنواع القمار، حتى أن لعب الصبيان بالجوز من القمار..).

(١٠٥) إنَّ الترجيح بالكتاب في محل الكلام يتمّ بناءً على أنَّ إطلاق الكتاب مرجّح أيضاً كعموم الكتاب, وإلاّ بناءً على أنَّ الترجيح مخصوص بما إذا كان هناك عموم للكتاب ــ دون الإطلاق ــ كما هو رأي السيد الخوئيO فلا يكون الكتاب مرجّحاً حينئذ.

(١٠٦) التهذيب: ١/٢٨٠ بعد ذكر ح٨٢٥، ثم ذكر O معتبرة ابن مهزيار وحمل قولهما O معاً على التقية.

(١٠٧) المغني لعبد الله بن قدامة (ت: ٦٣٠هـ): ١٠/٣٤١.

(١٠٨) الناصريات: ٩٥.

(١٠٩) عن الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج٦ في ذيل الآية ٩٠ من سورة المائدة، وعن جامع الأحكام الفقهية للقرطبي: ١/٣١.

(١١٠) مغني المحتاج لمحمد الشربيني الخطيب من علماء الشافعية في القرن العاشر الهجري: ١/٧٧، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج٦ ذيل الآية ٩٠ من سورة المائدة.

(١١١) المجموع لمحي الدين النووي (ت: ٦٧٦هـ): ٢/٥٦٣ ونص عبارته: (.. عن ربيعة شيخ مالك وداود أنَّهما قالا هي طاهرة وإنْ كانت محرّمة كالسمّ الذي هو نبات وكالحشيش المسكر..).

(١١٢) بحوث في شرح العروة الوثقى: ٣/ ٤٤٠، إذ قال O: (وإذا افترضنا بعض نصوص الطهارة من الإمام الباقر g ــ المتوفى سنة ١١٤هـ ــ كان عدم تعقل اتقائه من ليث في غاية الوضوح؛ لأنَّ ليثاً ولد سنة (٩٣هـ) فيكون عمره حين وفاة الباقر g حوالي عشرين عاماً).

(١١٣) لاحظ الحبل المتين للبهائي: ١٠٣ (ط.ق).

(١١٤) قد يقال: إنَّ نصوص النجاسة تحمل على التقية لأنَّها موافقة لمشهور فقهاء العامّة إلاّ ما شذّ منهم, أمَّا نصوص الطهارة فمخالفة لهم, وما خالف العامّة ففيه الرشاد كما في مقبولة عمر بن حنظلة. ولكن يلاحظ عليه: أنَّ أخبار النجاسة فيها نوع من التأكيد البالغ والحث الشديد على التجنب والأمر بغسل الملاقي ثلاث مرات، ولو كان الأمر كذلك لما ذهب المشهور إلى النجاسة، مضافاً إلى أنَّه قد يقال: إنَّ قول القليل من العامّة بالطهارة لا يقتضي نسبة صدق مخالفة العامة.

(١١٥) جاء في الروايات عن الإمام الباقر g: (لعن رسول الله e في الخمر عشرة: غارسها, وحارسها, وعاصرها, وشاربها, وساقيها, وحاملها, والمحمول عليه, وبايعها, ومشتريها, وآكل ثمنها) (الوسائل ب٥٥ أبواب ما يكتسب به). وجاء عن أئمة أهل البيت i أنَّهم لا يتقون في المسكر, ففي معتبرة زرارة عن غير واحد قال: قلت لأبي جعفر g في المسح على الخفين تقية؟ قال:(لا يتقى في ثلاثة). قلت: وما هنّ؟ قال ):شرب الخمر أو قال: (شرب) المسكر, والمسح على الخفين, ومتعة الحج). (الكافي: ٦/٤١٥/ح١٢، ولاحظ التهذيب: ٩/١١٤/ح٤٩٤ عن الكليني وليس فيه (عن غير واحد) وفيه (.. لا أتقي.. شرب المسكر) ).

وفي معتبرة حنان بن سدير عن الإمام الصادق g: (.. والله إنَّه لشيء ما اتقيت فيه سلطاناً, ولا غيره. قال رسول الله e: كل مسكر حرام, وما أسكر كثيره فقليله حرام). (الكافي: ٦/ ٤١٠/ ح١٢). 

(١١٦) بحوث في شرح العروة الوثقى: ٣/٤٤٢-٤٤٣.

(١١٧) المصدر نفسه.

(١١٨) كشف اللثام: ١/٣٩٤ (ط.ج)، ١/٤٧ (ط.ق).

(١١٩) في المسائل المستحدثة للسيد محمد صادق الروحاني: موضوع نجاسة الخمر قال: (إلّا أنَّه مع ذلك كله يتعيّن تقديم نصوص النجاسة للشهرة؛ فإنَّ أول المرجّحات هي الشهرة الفتوائية على ما حُقّق في محّله) فلاحظ ص١٩٨ وما بعدها.

(١٢٠) كتاب الطهارة للسيد الخميني O: ٣/١٨٨ بحث نجاسة الخمر.

(١٢١) أشكل على ذلك السيد الحكيم في المحكم: ٦/ ١٧٨ بثلاثة إشكالات وانتهى إلى أنَّ الشهرة الروائية مرجّح بين الحجّتين، وقال في ص٢٠٤ :(وقد تحصّل من جميع ما ذكرنا أنَّ المرجحات المنصوصة تنحصر بالشهرة في الرواية، وموافقة الكتاب والسُّنة ومخالفة العامّة. وهي التي اقتصر عليها الكلينيO تقريبا في ما سبق من كلامه, وأنَّ ما عداها مما تعرضت له النصوص إمَّا لا تنهض نصوصه بإثباته لضعفها سنداً ودلالةً, أو لا يرجع للترجيح بين الحجّتين المتعارضتين, بل إلى وجوب العمل بالحجّة منهما فلاحظ).

(١٢٢) هناك من ذهب إلى أنَّ المراد الشهرة الفتوائية وممّا استدل به على أنَّ الشهرة ليست شهرة روائية محضة، بل هي الشهرة الفتوائية الموافقة للرواية, هو أنَّها بيّنة الرشد فإنَّ مجرد اشتهار الرواية مجردة عن الفتوى من دون الاعتماد عليها والعمل بها لا يجعلها ممّا لا ريب فيه، بل يكون من الإعراض الذي يزيد في الريب، فما هو المرجّح للرواية عند التعارض هو الشهرة العملية، فالذي يوصف بأنَّه لاريب فيه هو الذي عليه الشهرة الفتوائية. وممَّن ذهب إلى أنَّ المراد بالمقبولة الشهرة الفتوائية العملية, وأنَّها أحد المرجّحات المنصوصة عند التعارض بين الخبرين الواجدين لشرائط الحجية الشيخ المنتظري وأستاذه السيد البروجردي R. (لاحظ دراسات في المكاسب المحرمة: ١/٩٧، ١/٢٦٨) وغيره للشيخ المنتظري، وقال O في البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر: ٣٢٥ :(وقد عرفت مراراً أنَّ الشهرة الفتوائية كانت بمرتبة من الأهمية عند الشيعة بحيث كانوا يطرحون لأجلها الأخبار المخالفة لها, ويحملونها على التقية أو محامل أخر..). لاحظ أيضاً نهاية الأصول: ٥٤١.

وفي فقه الصادق (٨/٤٣٥ ) : (إنَّه لو سُلّم التعارض فعلى ما هو الحق من الترتيب بين المرجحات وأنَّ المراد بالشهرة هي الشهرة الفتوائية لا بدّ من تقديم الصحيح لأنَّه أشهر، والشهرة مقدّمة على موافقة الكتاب) وكذا لاحظ( ٢٢/٤٧٥، ٢٤/٢٩٧).

(١٢٣) الكافي باب اختلاف الحديث ح١٠.

(١٢٤) ممَّن يظهر منه ذلك السيد الخميني O في كتاب الطهارة: ٣/١٨٨ بحث نجاسة الخمر، وفي نفس المصدر: ١/٢٨ و٤/٥٨٠.  فالشهرة الفتوائية بقيامها تمتاز الحجّة عن اللاحجّة وأن المشتهر بين الأصحاب فتوىً بَيِّن رشده فيتبع والشاذ النادر بَيِّن غيّه فيجتنب، وقال O في المكاسب المحرّمة: ١/٤١) ..لا بدّ من إعمال قواعد التعارض فيها من الأخذ بما هو الموافق للكتاب أولاً، ومع فقده الأخذ بما يخالف العامّة، وهذان الترجيحان للمجوّز على ما حكي من كون المنع مذهب أكثر العامّة, لكن الرجوع إلى المرجّح إنَّما هو بعد عدم إحراز الشهرة الفتوائية ــ كما قُرِّر في محله من أنَّها لتميز الحجّة من غيرهاــ,  بل ولو قلنا بأنَّها من المرجّحات أيضاً يقدّم الترجيح بها على سايرها..).

(١٢٥) الوسائل: ٢٧/١٢٢/ ب٩ أبواب صفات القاضي ح٤٣.

(١٢٦) لا يخفى أنَّ ما نحن فيه من نجاسة الخمر ليس من الإجماعات القطعية التي لا كلام فيها, بل إنَّ المسألة ليست محلّ شهرة واضحة بين أصحاب الأئمة i ــ كما يظهر من معتبرة ابن مهزيار ورواية خيران ــ وإنَّما الشهرة نشأت بين المتأخرين.

(١٢٧) التنقيح: ٣/٨٣ ط. جديدة.

(١٢٨) لاحظ الحدائق: ٥/١٠٩.

(١٢٩) المعتبر في شرح المختصر: ١/٤٢٤.

(١٣٠) لاحظ الحدائق: ٥/١٠٩. وقال O في: ١/١٠٩: (الذي ظهر لي من الأخبار.. أنَّه متى تعارض الخبران على وجه لا يمكن ردّ أحدهما إلى الآخر فالواجب أولاً العرض على الكتاب العزيز.. ثمّ الترجيح بالعرض على مذهب القوم والأخذ بخلافهم.. ثمّ مع عدم إمكان العرض على مذهبهم فالأخذ بالمُجمع عليه.. وكيف كان فهذه القواعد الثلاث لا يمكن الاختلاف فيها بعد إعطاء التأمل حقه في الأخبار في مقام الاختلاف، وإعطاء النظر حقه من التحقيق والإنصاف، ومع عدم إمكان  الترجيح بالقواعد الثلاث فالأرجح الوقوف على ساحل الاحتياط، وإنْ كان ما اختاره شيخنا الكليني ثقة الإسلام من التخيير لا يخلو من قوة, إلاّ أنَّ أخبار الاحتياط عموماً وخصوصاً أكثر عدداً وأوضح سـنداً وأظهر دلالة. وأمَّـا الترجيح بالأوثقية والأعدلية فالظـاهر أنَّه لا ثـمرة له بعد الحكم بصحّـة  أخبارنا التي عليها مدار ديننا وشريعتنا).

(١٣١) مستدرك الوسائل: ١٧/٣٠٣/ ب٩ من أبواب صفات القاضي ح٢ عن عوالي اللئالي لـ محمد بن علي بن أبي جمهور الإحسائي: (روى العلامة مرفوعاً إلى زرارة بن أعين...).

(١٣٢) الحدائق: ١/٩٩ عند بحثه عن اختلاف مقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة في الترتيب بين طرق الترجيح.

(١٣٣) المستند: ١/١٩١-١٩٣ ولا يخفى أنَّ الأخذ بالمتأخر زماناً ــ بناءً على تمامية هذا المرجّح ــ يكون لو كانت إحدى الروايتين صادرة من إمام والثانية من إمام آخر فنأخذ بالمتأخر وإلاّ إذا كانتا صادرتين من إمام واحد فلا يمكن إعمال هذا المرجّح إذ لا نعلم أيّهما المتأخر ولا بدّ من الأخذ بالمرجحات الأخرى.

(١٣٤) الحدائق: ٥/ ١٠٩.

(١٣٥) الوسائل: ٢٧/ب٩ أبواب صفات القاضي ج٧، ح١٧. وأيضاً لاحظ ح٨ رواية المعلّى بن خنيس

ح٩، مرسل الكليني (وفي حديث آخر: خذوا بالأحدث).

(١٣٦) أي تعدّد الحكم ثبوتاً بلحاظ العناوين الثانوية القابلة للتبدّل، وحينئذٍ يلزم الأخذ بالأحدث والجري عليه حتى يصدر خلافه؛ لأنّ إمام الوقت أعرف بحكمه. ولا يخفى أنَّ سيرة الأئمة i التصدّي لبيان الأحكام الأوّلية بعد تشخيصها ــ كما هو مقتضى الوضع الطبيعي المناسب للأمر بالأخذ بخلاف العامة ــ، وإيكال تشخيص الوظيفة الثانوية من حيثية التقية في حق كلّ شخص إليه كما يشخّصها من سائر الجهات كالحرج والضرر لاختلافها باختلاف الأشخاص والظروف غير المنضبطة عادة، وإنّما صدر منهم تشخيص الوظيفة الثانوية في مناسبات في حق بعض الأشخاص وخطابهم على طبقها كقصة علي بن يقطين ونحوها.

(١٣٧) إن قيل: إذا كان الأوَّل صادراً للتقية والثاني صادراً لبيان الواقع, فيتعيّن الأخذ بالثاني في جميع الأزمنة باعتبار وروده لبيان الواقع، فإذاً يبقى الأخذ بالمتأخر أمراً لازماً.

كان الجواب: إنَّ لزوم الأخذ بالمتأخّر في كل زمان يكون وجيهاً لو فرض تعيّن أنَّ الأوَّل صدر للتقية والثاني صدر لبيان الواقع، ولكن لا جزم بذلك فلعلّه g أحياناً يصدر الأوَّل لبيان الواقع والثاني يكون تقية تحفظاً على أصحابه ويترحم عليهم حيث عملوا بالتقية، فإذاً لا يمكن أنْ نقول بأنَّ الصدور دائماً هو بنحو كذا، فإذاً الإمام g يطلب دائماً الأخذ بالمتأخّر من باب أنَّه أحياناً يكون المتأخّر لبيان الواقع وأحياناً يكون المتأخّر صادراً للتقية.

(١٣٨) الوسائل: ٢٧/١٠٨/ ب٩ أبواب صفات القاضي ح٣.

(١٣٩) الوسائل: ٢٧/١٠٩.

(١٤٠) نفس المصدر السابق.

(١٤١) العام الفوقاني الذي يُرجَع إليه بعد التساقط للمتعارضين يشترط فيه أنْ لا يصلح كونه طرفاً للمعارضة في المرتبة الأولى، وإلّا إذا كان ضمن إحدى الطائفتين فيكون طرفاً في المعارضة وبالتالي هو ساقط، وفي مقامنا إنْ فرض استحكام التعارض وعدم المرجّح تصل النوبة إلى التساقط وحيث لا يوجد مرجع عام فوقاني اجتهادي يُرجَع إليه تصل النوبة إلى الأصل الجاري في المقام، وهو أصالة الطهارة في نفس الخمر أو في ملاقيه ــ إن لم تكن للملاقي حالة سابقة وإلّا جرى الاستصحاب ــ وتكون النتيجة هي نفس نتيجة الوجه الثاني ــ إنْ تمَّ ــ الذي هو الجمع العرفي، ولكن هذا كلّه بحسب الصناعة العلمية.

(١٤٢) لاحظ بحوث في شرح العروة الوثقى: ٣/٣٥٢ وما بعدها، وكذلك ذكر O فكرة التصنيف إلى الرتب في مسائل أخرى كمسألة انفصال الماء الراكد. 

(١٤٣) كمعتبرة الحلبي، الوسائل: ٢٥/٣٤٥/ب٢/ح٤. 

(١٤٤) كمعتبرة عبد الله بن سنان، الوسائل: ٣/٥٢١/ب٧٤ من أبواب النجاسات ح١.

(١٤٥) إذاً على فكرة السيد الشهيد O ستتغير نتائج فقهيّة عندما تكون هناك روايات مختلفة الدلالة والرتب خلافاً لنتائج المشهور.

(١٤٦) بحوث في شرح العروة الوثقى: ٣/ ٣٥٢- ٣٥٤. ولا يخفى أنَّه وقع كلامٌ في وجه تقديم ظهور الخاصّ على العامّ في باب الخاصّ والعامّ من أصول الفقه، فهل هو بملاك القرينية أو الأظهرية؟ وعلى الأوَّل يكون الخاصّ بنظر العرف والعقلاء معد للقرينية دون العكس، ومن المعلوم أنَّ الطريق المتّبع عند الشارع في باب الألفاظ هو الطريق والأسلوب المتّبع لدى العرف والعقلاء في هذا الباب، وليس للشارع طريق وأسلوب جديد فيه يختلف عن طريقتهم، فيُقدّم الخاصّ على هذا حتى وإنْ كان أضعف منه دلالة بلا فرق في ذلك بين أنْ يكون الخاص متّصلاً أو منفصلاً، وعلى الثاني: الخاصّ يتقدّم حيث إنَّه أظهر وأقوى من العامّ فيتقدَّم عليه لقاعدة حمل الظاهر على الأظهر.

(١٤٧) بحوث في شرح العروة الوثقى: ١/ ٣٩١ ــ ٣٩٢ في مسألة انفعال الماء الراكد القليل.

(١٤٨) وأمَّا إذا كان دليل الحجيّة لفظياً فلا يشمل أيّ طرف سواء عامّاً أو خاصّاً للعلم بكذب أحدهما وهو غير معيّن. هذا بغض النظر عن وجود مناقشات صغروية أو عدم وجودها فيما استدل به O من نوع دلالة للروايات وأنَّها صريحة فلعلَّه يُناقش في الصراحة أو الظهور.