استثناء الواقف المنافع لنفسه (الحلقة الاولى)

احدث المقالات

PDF
نص المقال

mgg17-01

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيّد المرسلين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

لم يكن الاهتمام بالوقف مختصّاً بالمسلمين، بل هو ثقافة سائدة في المجتمعات، وهي متجذّرة ترجع إلى عصور سابقة، ففي عصر الفراعنة كانت هناك أراضٍ تعدّ عندهم وقفاً، وهي تحت سلطة الكهنة، وكانت لهم حصّة من وارداتها(١). وكذا في الفقه الروماني، حيث جاء في مدونة جوستنيان: (الأشياء المقدّسة والأشياء الدينية والأشياء الحرام لا يملكها أحد؛ إذ ما كان لله فلا يملكه إنسان)(٢)، ثمّ يفصّل بعد ذلك في هذه العناوين وبيان أحكامها. 

وكذلك الحال في القوانين الهندوسية القديمة، فقد ورد في كتاب منوسمرتي عند الكلام عن الإرث: (لا تقسّم الثياب ولا المركبة ولا الحلية ولا الطعام المطبوخ ولا الماء ولا كلّ ما قد أوقف على أعمال الخير والإحسان أو على التقدمات ولا أرض المرعى)(٣). وكذلك كان الحال عند الجرمانيين والفرنسيين وكذا في النظام الإنجلو ـ أمريكي(٤)

ومن الغريب ما ذكره الشافعي قائلاً: (ما علمنا جاهلياً حبس داراً على ولد ولا في سبيل الله ولا على مساكين، وحبسهم كانت ما وصفنا من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فجاء رسول الله e بإطلاقها، والله أعلم)(٥). وقال في موضع آخر: (ولم يحبس أهل الجاهلية ـ في ما علمته ـ داراً ولا أرضاً تبرّراً بحبسها، وإنّما حبس أهل الإسلام)(٦)

وجه الغرابة أنّ الوقف والحبس من الأمور المألوفة لدى العرب قبل الإسلام، منها الوقف الذرّي للمقابر، ووقفهم للمعابد ونحو ذلك، قال الدكتور جواد عليّ O: (وقد كانت المعابد أوقاف حبست عليها، ولها موظفون لجباية غلّتها، هي أوقاف قديمة سجلت اسم المعابد منذ كان الكهّان المكربون يتولّون أمور الحكم، وأوقاف كان يحبسها الأغنياء الأتقياء في حياتهم أو بعد وفاتهم على المعابد قربة إلى الآلهة .. وكان أهل الجاهلية يحبسون السوائب والبحائر والحوامي وما أشبهها، فلا يعتدي عليها ولا يستغلها أحد .. وكانوا في الجاهلية يحبسون مال الميت ونساءه .. وكانوا يحبسون الأرض والنخل والكروم وغير ذلك على أصنامهم، ويجعل بعضهم غلّتها على أبناء السبيل. وذكر أنّ الحبس يقع على كلّ شيء وقفه صاحبه وقفاً محرّماً لا يورث ولا يباع من أرض ونخل وكرم ومستغل)(٧).

وأمّا بعد الإسلام فأوّل من وقف هو رسول الله e، فقد ذكر البلاذري: (وكان مخيريق حبراً عالماً، فقال يوم أحد لليهود: والله إنّكم لتعلمون أنّ محمّداً نبيّ وأنّ نصره حقّ عليكم. فقالوا: إنّ اليوم يوم سبت. فقال: لا سبت، وأخذ سلاحه وقاتل مع رسول الله e فقتل. وكان حين خرج للقتال قال: إن أصبت فأموالي لمحمّد يضعها حيث أراه الله، فجعلها رسول الله e صدقة)(٨).

وذكر الماوردي(٩) أنّ صدقات النبيّ e محصورة في ثمانية:

 ١ ـ أرض مخيريق، وهي سبعة حوائط وهي: المبيت، والصافية، والدلال، وجسني، وبرقة، والأعراف، والمسربة.

٢ ـ أرضه في أموال بني النضير بالمدينة. 

٣، ٤، ٥ـ ثلاثة حصون في خيبر الكتيبة والوطيح والسلالم.

٦ ـ النصف من فدك. 

٧ ـ الثلث من أرض وادي القرى. 

٨ ـ موضع سوق بالمدينة يقال له مهروذ.

وقد انتشرت الأوقاف انتشاراً واسعاً بين المسلمين، وقد غطّت عدّة مجالات من احتياجات المسلمين، فمضافاً إلى المساجد والحسينيات والمراكز الدينية فقد كان لها دور كبير في توفير موارد لليتامى والمساكين والفقراء.

وقد ورد في سبب نزول قوله تعالى:﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾(١٠) أنّها بشأن قضيّة أبي الدحداح، فقد ذكر الطبرسي: (قال الكلبي في سبب نزول هذه الآية: إنّ النبيّ e قال: (من تصدّق بصدقة فله مثلها في الجنّة)، فقال أبو الدحداح الأنصاري ـ واسمه عمرو بن الدحداح ـ: يا رسول الله، إنّ لي حديقتين إن تصدّقت بإحداهما، فإنّ لي مثليها في الجنة؟ قال: (نعم). قال: وأمّ الدحداح معي؟ قال: (نعم). قال: والصبية معي؟ قال: (نعم). فتصدّق بأفضل حديقتيه، فدفعها إلى رسول الله. فنزلت الآية، فضاعف الله له صدقته ألفي ألف، وذلك قوله: ﴿أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ .. فقال النبيّ: (كم نخلة متدلٍّ عذوقها لأبي الدحداح في الجنة))(١١)، وهي ظاهرة في الوقف، فالتصدّق بالأرض أو البستان ظاهر في وقفها.

ونصوصنا قد استفاضت في الحثّ على الصدقة الجارية ـ التي هي من مصاديق الوقف ـ ففي معتبرة الحلبي، عن أبي عبد الله g، قال: (ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلّا ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته، وصدقة مبتولة لا تورث، أو سنّة هدىً يعمل بها بعده، أو ولد صالح يدعو له)(١٢). ومثلها معتبرة إسحاق بن عمّار، ومعتبرة معاوية بن عمّار، وغيرهما(١٣)

وفي معتبرة أيّوب بن عطيّة الحذّاء، قال: سمعت أبا عبد   الله g يقول: (قسّم نبيّ الله e الفيء فأصاب عليّاً g أرضاً، فاحتفر فيها عيناً فخرج ماء ينبع في السماء كهيئة عنق البعير، فسمّاها ينبع، فجاء البشير يبشّر، فقال g: بشّر الوارث، هي صدقة بتّة بتلاً في حجيج بيت الله وعابري سبيل الله، لا تباع ولا توهب ولا تورث، فمن باعها أو وهبها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً)(١٤).

ومعتبرة عجلان أبي صالح، قال: أملى أبو عبد الله g: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تصدّق به فلان بن فلان وهو حيّ سويّ بداره التي في بني فلان بحدودها، صدقة لا تباع ولا توهب حتّى يرثها الله الذي يرث السماوات والأرض، وأنّه قد أسكن صدقته هذه فلاناً وعقبه، فإذا انقرضوا فهي على ذي الحاجة من المسلمين)(١٥).

ومعتبرة عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: أوصى أبو الحسن g بهذه الصدقة: (هذا ما تصدّق به موسى بن جعفر، تصدّق بأرضه في مكان كذا وكذا كلّها، وحدّ الأرض كذا وكذا، تصدّق بها كلّها ونخلها وأرضها وقناتها ومائها وأرجائها وحقوقها وشربها من الماء، كلّ حقّ هو لها في مرتفع أو مطمئن أو عرض أو طول أو مرفق أو ساحة أو أسقية أو متشعّب أو مسيل أو عامر أو غامر، تصدّق بجميع حقوقه من ذلك على ولد صلبه من الرجال والنساء يقسّم، وإليها ما أخرج الله a من غلّتها بعد الذي يكفيها ..)(١٦).

هذا، ومن جملة المسائل الابتلائية المهمّة هو وقف العين مع استثناء الواقف المنافع لنفسه؛ فإنّ جملة ممّن يرومون الوقف لا يرغبون أن يستغنوا عن منافعه في حياتهم، إذ تجتمع عندهم رغبتان: رغبة في أن يكون لديهم صدقة جارية تبقى لهم ذخراً لآخرتهم، ورغبة في أن ينتفعوا ممّا يرومون وقفه في حياتهم، بل لعلّ الكثير منهم عند الالتفات لذلك يرغبون بالوقف مع استثناء المنافع لهم مدّة حياتهم، فيعتبر مثل هذا الاستثناء مشجّعاً لأن يجعلوا أموالهم صدقات جارية تخدم المجتمع، وبالخصوص من لا يكون لديه عائلة تنتفع بما يتركه لها، وكذا بالنسبة إلى البلدان التي لديها قيود معيّنة تجاه الإرث، فلذا البناء على جواز انتفاع الواقف ممّا يستثنيه من المنافع في حياة الواقف ممّا يفتح باباً واسعاً في هذا المجال.

فوقع بحث في أنّه هل يجوز أن يستثني الواقف جملة من منافع الوقف أو الانتفاع منه ـ سواء كان لمدّة محدّدة كسنة مثلاً، أم غير محدّدة كمدّة حياته ـ أو لا؟

ونتيجة لتجاوز البحث الحدّ الأقصى من الصفحات المسموح به لكلّ بحث في المجلّة سيكون على حلقتين، نسأل الله التوفيق فيه.

وقبل الولوج في البحث عن صحّة هذا الاشتراط لا بدّ من ذكر أمور .. 

الأمر الأوّل: في المراد من الوقف.

قد ذكر اللغويون أنّ المراد من الوقف هو حبس الشيء وتمكّثه، قال الصاحب ابن عبّاد: (وقفت الدابّة والكلمة أقفها وقفاً: إذا حبستها في سبيل الله تعالى)(١٧)، وقال ابن فارس: (وقف أصل واحد يدلّ على تمكّث في شيء، ثمّ يقاس عليه، منه وقفت أقف وقوفاً ووقفت وقفي)(١٨) وقال ابن سيده: (وقف الشيء، أبو عبيد: وقفت الدابّة والأرض وكلّ شيء، فأمّا أوقفت فهي رديئة .. ثعلب: وقفْت وقْفاً للمساكين .. وقفْت أنا وقفاً ووقوفاً إذا احتبسْتَ راكباً ولا يكون ذلك للماشي)(١٩)، وقال ابن منظور: (وقَف الأرض على المساكين ـ وفي الصحاح للمساكين ـ وقْفاً: حبسها، ووقفْتُ الدابّة والأرض وكلّ شيء)(٢٠)، وقال ابن درستويه: (وأمّا قوله: وقفت الدابّة أقفها فمعناه: حبست الدابّة عن السير. وكذلك وقفت وقفاً للمساكين أي حبسته عليهم. وكذلك وقفت أنا، أي احتبست عن الشيء أو المضي، وثبت في مكاني قائماً)(٢١).

هذا، وقد ورد في مرسل العوالي، عن النبيّ e في الوقف: (حبس الأصل وسبل الثمرة)(٢٢)، وهو مروي في روايات الجمهور بعدّة نصوص في قضيّة عمر(٢٣)، ولا يبعد أن يكون هو الأصل لمرسل العوالي؛ فإنّه رواه بطريقه عن فخر المحقّقين S كما ذكر في مقدّمة الباب الثاني(٢٤)، وفي الأغلب أنّه أخذها من مصادر الجمهور. 

ونظراً لاستخدام التحبيس والتسبيل للتعبير عن الوقف فمن المناسب أن نوضح معناهما: 

قال الخليل O: (احتبستُ الشيء أي خصصته لنفسي خاصّة)، وقال: (الحبيس الفرس يجعل في سبيل الله)(٢٥)، وقال الجوهري: (الحبس ضد التخلية، وحبسته واحتبسته بمعنى. واحتبس أيضاً بنفسه يتعدّى ولا يتعدّى. وتحبس على كذا أي حبس نفسه على ذلك .. وأحبست فرساً في سبيل الله أي وقفت، فهو محبس وحبيس)(٢٦)، وقال ابن فارس: (يقال حبسته حبساً، والحبس ما وقف، يقال: أحبست فرساً في سبيل الله)(٢٧).

وأمّا التسبيل فقد قال ابن فارس: (سبل السين والباء واللام أصل واحد يدلّ على إرسال شيء من علو إلى سفل، وعلى امتداد شيء، فالأوّل من قيلك أسبلت الستر أسبلت السحابة ماءها وبمائها، والسبل المطر الجود، وسبال الإنسان من هذا لأنّه شعر منسدل)(٢٨).

ونظراً لما تقدّم في النبويّ المرسل فقد عرّفه الشيخ S بقوله: (الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة)(٢٩)، ووافقه على ذلك ابن إدريس، والكيدري، والمحقّق الحلّي في بعض كتبه، وابن سعيد، والعلّامة الحلّي في بعض كتبه S، وقد وافقهم السيّد السيستاني F(٣٠).

وقال الفيض الكاشاني S: إنّه (تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة)(٣١)، ومثله السيّد الحكيم(٣٢)والسيّد الخوئي(٣٣) T.

وقال صاحب الحدائق S في توضيح المراد من الوقف: (المراد بتحبيس الأصل المنع من التصرّف فيه كالتصرّف في الأملاك بالبيع والهبة والصدقة ونحوها، بحيث يكون ناقلاً للملك. وتسبيل الثمرة إباحتها للموقوف عليه بحيث يتصرّف فيها كتصرّفه في أملاكه)(٣٤).

ولا أهمّية للفرق بين الثمرة والمنفعة، إذ مقصودهم منها ما يعمّ ثمرة الأشجار؛ ليشمل كلّ منفعة كماء البئر والسكن في الخان وغير ذلك من المنافع، ولعلّهم إنّما عبّروا بالثمرة تقيّداً بما ورد في المرسل المتقدّم.

وقد عدل جمع من التسبيل إلى الإطلاق فقال: (الوقف تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة)، منهم المحقّق الحلّي في بعض كتبه، والفاضل الآبي، والعلّامة الحلّي في بعض كتبه، والشهيد الأوّل،والمقداد، وابنفهد، والمحقّق الكركي، وصاحب العروة S(٣٥).

ونبّه غير واحد(٣٦)على أنّ العدول من التسبيل إلى الإطلاق لأنّ الإطلاق أظهر في المراد منه، فيكون أظهر في مقابلة التحبيس، ويكون معناه إباحتها للجهة الموقوف عليها بحيث يتصرّف كيف شاء كغيره من الأملاك.

ولكن اعترض الشيخ صاحب الجواهر S قائلاً: (لكنّ في الصحاح: سبّل فلان ضيعته أي جعلها في سبيل الله تعالى، ومن هنا كان التعبير بالتسبيل أولى بناءً على إرادة ذلك من الإطلاق القابل للتحبيس ـ كما هو مقتضى إبداله بذلك في المتن وغيره ـ لإشعاره باعتبار القربة حينئذٍ وأنّه من الصدقات)(٣٧).

وعلى كلّ حال فالخلاف بينهم في تعريفه ليس ذا قيمة ـ كما نبّه غير واحد(٣٨)ـ بعد أن كان من المعلوم أنّه ليس تعريفاً حقيقياً، بل المقصود منه التمييز في الجملة ولو بذكر بعض خواصه.

هذا، وقد اختلف في حقيقة الوقف فهل هو حقيقة واحدة أو يختلف باختلاف أقسام الوقف؟

ذهب جمع منهم السيّد الحكيم S إلى أنّه حقيقة واحدة قائلاً: (إنّ الوقف بجميع أقسامه نوع من الصدقة، وذلك بجعل الموقوف صدقة مؤبّدة، فتكون وقفاً لا يجوز بيعها ولا تمليكها ولا غيرها ممّا ينافي تأبيد كونها صدقة كما عرفت، فالوقف إذاً هو الصدقة المؤبّدة، فتخرج العين عن ملك المالك، ولا تدخل في ملك مالك، كما لا يجوز التصرّف فيها بالتمليك ونحوه ممّا ينافي تأبيد التصدّق بها)(٣٩).

في حين خالف آخرون منهم الشيخ الأنصاري S (٤٠) ، فذهبوا إلى أنّ الوقف على نحوين: (أحدهما) ما لا يكون ملكاً لأحد، بل يكون فكّ ملك، نظير التحرير كما في المساجد والمدارس. (ثانيهما) ما تكون منفعته مملوكة للموقوف عليهم سواء كانت جهة عامّة أو خاصّة. ومثله السيّد السيستاني F(٤١)

وذهب جمع ثالث كالعلّامة S(٤٢) إلى أنّه على ثلاثة أنحاء، فإنّه إن كان مسجداً ونحوه فهو فكّ ملك، وإن كان وقفاً على معيّن فهو تمليك منفعته للجهة الموقوف عليها، وإن كان على جهة عامّة فهو ملك لله تعالى.

وعلى اختلافهم في ما ذكرنا إلّا أنّهم يتّفقون جميعاً على أنّ الوقف هو إخراج الموقوف عن ملك الواقف وانقطاعه عنه، والاختلاف بينهم في العلاقة بين الموقوف وبين الموقوف عليهم أو المنظورين في الوقف. 

والذي يهمّنا في المقام هو البحث عن دخالة المنفعة في حقيقة الوقف، وهل أنّه يتقوّم بها أو لا؟ لما لذلك من تأثير في بعض ما يستدلّ به في المسألة المبحوث عنها. 

والأوّل هو ظاهر تعبيرهم بأنّ الوقف هو تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة أو تسبيلها، كأستاذنا السيّد الحكيم N في غير وقف المساجد والمشاهد، حيث قال: (الوقف عبارة عن إخراج العين عن ملك مالكها وتحبيسها من أجل استيفاء منفعتها أو نمائها مع تسبيل تلك المنفعة أو النماء وبذلهما لجهة معيّنة عامّة أو خاصّة)(٤٣)

والثاني هو ظاهر الشهيد الثاني، وصريح الآخوند الخراساني، والمحقّق الأصفهاني والسيّد الخوئي في بعض كلماته S(٤٤)، وكذا ما ذكره السيّد السيستاني F(٤٥)

قال الشهيد الثاني S: إنّ (الوقف فكّ ملك وإخراج عن ملكيته ـ أي ملكية الواقف ـ وتسليط الغير عليه).

وقال الآخوند S: إنّ الوقف (أمر واحد يتعلّق بالعين ابتداءً، ويظهر أثره في المنفعة والثمرة تبعاً كما هو التحقيق).

وقال المحقق الأصفهاني S: (الوقف هو الحبس المساوق للسكون والإسكان، في قبال الجريان في أنحاء التقليبات والتقلّبات). 

وقال السيّد الخوئي S: إنّ الوقف (عبارة عن الحبس والسكون مقابل الحركة، فليس مفهومه إلّا متقوّماً بالإيقاف والسكون وعدم توارد البيع والشراء والهبة والإجارة عليه بحيث يبقى طبقة بعد طبقة وجيلاً بعد جيل). 

والظاهر من مجموع ما ذكره اللغويون في معنى الوقف والتحبيس ـ وكذلك الصدقة كما سيأتي في كلام المحقّق الأصفهاني S ـ هو المعنى الثاني، أي أنّه تحبيس الملك على أمر ومنع التصرّف فيه كالتصرّف في الأملاك ببيعه وإيجاره ورهنه ونحو ذلك، وأمّا المنفعة فهي من آثار الوقف وثمراته التي لا تنفكّ عنه عادة، ولكنّها ليست من مقوّماته.

وقد صرّح بذلك أستاذنا السيّد الحكيم N في وقف المسجد قائلاً: (ما كان متقوّماً بحفظ عنوان خاصّ من دون نظر إلى موقوف عليه تعود المنفعة إليه، وهو وقف المسجد، فإنّه يتقوّم بعنوانه من دون نظر إلى منفعة خاصّة ترجع لموقوف عليه خاصّ، والانتفاع به للمصلّين ونحوهم من توابع العنوان المذكور لا من مقوّماته)(٤٦)

إذاً، حتّى لمن ذهب إلى دخالة المنفعة في بعض أقسام الوقف لم يبنِ على اطّرادها في جميع أقسامه ممّا يعني عدم دخالتها في نفس الوقف، وإنّما هي من خصوصيات بعض أنحاء الموقوف. 

والحاصل أنّه لا يتقوّم الوقف بشكل عامّ إلّا بالتحبيس لموقوف معيّن، ومنع المالك من التصرّف فيه بتصرّفات المالك من البيع والشراء والإيجار والرهن ونحو ذلك، والمنفعة إنّما هي من التوابع والآثار. نعم، لا بدّ في بعض أقسام الوقف من موقوف عليه كما في الوقف الذرّي ونحوه. 

وقد يستدلّ على ذلك أيضاً بما ذكره المحقّق الأصفهاني S قائلاً: (ويشهد له إضافة الوقف بنفس العين، وكذلك مفهوم التصدّق المذكور في باب الأوقاف، مع أنّه مقتضى مفهوم الوقف، فإنّه ليس إلّا الحبس وما يساوقه مفهوماً، وليس ما ينسب إليه إلّا ما يطابق مفهومه الإنشائي، ولذا كان (وقفت) من الألفاظ الصريحة دون غيرها)(٤٧).

وقد أجاب S عن القول بدخالة المنفعة في حقيقة الوقف استناداً إلى النبويّ المرسل وتعريف الفقهاء قائلاً: (أمّا ما أفيد من كون الوقف حقيقة مركّبة فيمكن أن يقال: إنّ التعاريف الفقهية كما هو المرسوم من باب الرسوم غالباً، لا أنّها حدود حقيقية، ومن البيّن أنّ لازم قصر العين ملكاً على أحد تملّك المنافع من دون قصر فيها، فإطلاق المنافع وتسبيلها لازم اختصاص الحبس الملكي بالعين)(٤٨)

وما ذكره في الجواب في محلّه. 

هذا، وقد اختلف في حقيقة الوقف من جهة أخرى وأنّه هل هو عقد أو إيقاع؟ وهل هو كذلك في جميع أقسام الوقف أو في بعضها؟

فذهب جمع منهم ابن إدريس، والمحقّق، والعلّامة، والمحقّق الكركي، والسيّد البجنوردي S(٤٩) إلى أنّه عقد على تفصيل في تحقّق القبول في الوقف العامّ، ووقف المساجد، ونحوها، في حين ذهب آخرون، منهم السيّد الخميني، والسيّد الروحاني T، وأستاذنا السيّد الحكيم N(٥٠)إلى أنّه إيقاع. 

ولا يهمّ البحث هنا عن هذه الجهة بعد أن لم يكن لها تأثير معتدّ به في ما هو المهمّ من بحثنا.

الأمر الثاني: تحرير محلّ النزاع. 

محلّ النزاع في هذه المسألة يعمّ جميع أنواع المنفعة:

منها: الانتفاع من ريع الوقف بشكل مباشر، سواء كان مالياً كبدل الإيجار للمباني، أو كان عينياً كالصوف واللبن من الدواب، والثمر من الشجر، والماء من البئر، ونحو ذلك.

ومنها: الانتفاع من خدمات الموقوف من قبيل السكن في الدار، أو إشغال الدكان، أو استعمال المركبة.

ومنها: أن يتمّ رفع بعض الالتزامات التي على الواقف، من قبيل أداء ديونه، أو الإنفاق على أولاده وزوجته وضيوفه وغيره من متعلّقيه، ومن ذلك أداء العبادات التي بذمّته كالحجّ.

فالنزاع يكون في أن يشترط الواقف في نفس الوقف بقاء بعض أو تمام منافع الوقف مدّة محدّدة أو غير محدّدة، أو أن يستثني من وقفه ذلك. 

والبحث يشمل وقف العين المستأجرة قبل انتهاء مدّة الإجارة وسيأتي التنبيه على ذلك عند الحديث في حدود المسألة، ولعلّ الظاهر عدم شمول البحث للمنفعة الموجودة فعلاً كالثمرة واللبن الموجودين كما سيأتي التنبيه عليه أيضاً.

ولا يبعد جريان البحث أيضاً في الصدقات حيث يتصدّق أحد على فقير بدار مسلوبة المنفعة مدّة حياة المتصدّق مثلاً، أو مع إيجارها لمدّة طويلة. 

الأمر الثالث: الأقوال في المسألة.

إنّ هذه المسألة مطروحة في ما يبدو في العصور السابقة، وقد نقل للجمهور أقوال فيها ـ كما سيأتي ـ ولكن لم تبلغنا فيها رواية عن الأئمة i. وأمّا فقهاء أصحابنا فأوّل من عثرت عليه ممّن تعرّض لهذه المسألة هو ابن الجنيد S فيما حُكي عنه: (ولا بأس أن يشترط الواقف تطوّعاً لنفسه ولمن يولّيه بعده صدقته الأكل لثمرتها أو لقيمتها إذا لم يجعل له تغيير أصلها وجنسها، وكان آخرها إلى أبواب البرّ من المساكين وغيرهم. وجماعة من أصحابنا منعوا من عود نفع الوقف إلى الواقف وقالوا: لا يجوز له أن يشترط إدرار مؤنته ولا الانتفاع به، لأنّها صدقة، فلا يجوز عود نفعها إليه؛ للأحاديث الدالّة على المنع منه)(٥١)، ولعلّ ظاهر العبارة أنّ المنع كان متقدّماً عليه، ولم أعثر على من منع من السابقين عليه، وأيضاً يستفاد من عبارته أنّ مستند المنع هو الأحاديث.

والأقوال في المسألة أربعة:

القول الأول: الجواز، وهو ما ذهب إليه ابن الجنيد S ـ كما تقدّم ـ وغيره من المتأخّرين، قال الشيخ صاحب الجواهر S: (ولكنّ الظاهر عدم اقتضائها ـ أي اقتضاء قاعدة أنّ الوقف يقتضي نقل الملك والمنافع عن نفسه ـ بطلان اشتراط ذلك ـ أي اشتراط المنافع لنفسه ـ على جهة الاستثناء له من التسبيل الذي قصده بالوقف؛ لقاعدة المؤمنون والوقوف وغيرهما ..)(٥٢)

وقال السيّد صاحب العروة S: (إذا استثنى في ضمن إجراء الصيغة من منافع الوقف مقدار مؤنته ما دام حيّاً، أو استثنى نحو ذلك ممّا يعود إليه نفعه، فالظاهر عدم الإشكال فيه)(٥٣)

وقال السيّد الخوئي S: (بل لا يبعد صحّة وقف العين مع اشتراط بقاء منافعها على ملكه مدّة معيّنة كسنة، أو غير معيّنة مثل مدّة حياته)(٥٤)، ومثله بعض تلامذته T(٥٥)

وقال السيّد السيستاني F: (إذا استثنى في ضمن إجراء الوقف بعض منافع العين الموقوفة لنفسه صحّ؛ لأنّه يعدّ خارجاً عن الوقف لا من الوقف على نفسه ليبطل، فيصحّ أن يوقف البستان ويستثني السعف وغصون الأشجار وأوراقها عند اليبس، أو يستثني مقدار أداء ديونه سواء أكان بنحو التوزيع على السنين كلّ سنة كذا، أو بنحو تقديم أداء الديون على الصرف من مصارف الوقف)(٥٦).

القول الثاني: المنع من استثناء الواقف المنافع لنفسه، وأوّل من عثرت على كلامه هو ابن إدريس S قائلاً: (والذي يقوى عندي أنّ الواقف لا يجوز له الانتفاع بما وقفه على حال)(٥٧)

ومن بعده المحقّق الحلّي S قائلاً: (وكذا لو وقف على غيره وشرط قضاء ديونه أو إدرار مؤنته لم يصحّ)(٥٨)، ووافقه الشهيد الأوّل، والمحقّق الكركي، والشهيد الثاني، والمحقّق السبزواري، وصاحب مفتاح الكرامة، وصاحب الرياض S(٥٩).

وقال العلّامة S: (ولو شرط قضاء ديونه أو إدرار مؤنته أو الانتفاع به بطل الوقف، بخلاف ما لو وقف على الفقهاء وهو منهم، أو على الفقراء فصار فقيراً فإنّه يشارك)(٦٠).

وقال صاحب المناهل S: (لو وقف مسكناً وشرط لنفسه السكنى فيه بطل كما صرّح به الحلّي في ما حكي عنه، وكذا صرّح به العلّامة في التحرير وتذكرة الفقهاء .. وبالجملة: لا يجوز للواقف أن يشرط الانتفاع بما وقفه بأي نحو كان، فلو شرط بطل الشرط .. بل الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه إلّا من الإسكافي على ما حكي، وهو ضعيف)(٦١).

ووافقه على ذلك السيّد الحكيم S قائلاً: (وأمّا إذا وقفها واشترط بقاء منافعها على ملكيته مدّة معيّنة كسنة، أو غير معيّنة مثل مدّة حياة ففي صحّته إشكال، لاحتمال رجوعه إلى الوقف على النفس، لأنّه الوقف على نحو يرجع بعض منافعه إليه، والأظهر البطلان)(٦٢)، ومثله أستاذنا السيّد الحكيم N(٦٣)

القول الثالث: ما ذهب إليه كاشف الغطاء S من التفصيل، فبنى على عدم الجواز في حياة الواقف وجوازه بعد وفاته، فقال S: (ولو شرط عوده إليه في وقف أو عند الحاجة أو وفاء ديونه أو الانتفاع به مدّة أو إعطاء نفقة زوجته أو مملوكه بطل، ويقوى عدم البأس في العمودين. ولو شرط أكل أهله صحّ. ولو شرط إجارة عبادة تجوز عن الأحياء وكان حيّاً كزيارة وحجّة ونحوهما قوي البطلان.

ولو شرط ردّ مظالم عنه أو صدقة أو عبادة أو أداء ديون لزمته في حياته ونحو ذلك قوي القول بالصحّة، وكذا لو وقف على مصارف الأموات فمات. ويمكن إلحاق ذلك بتبدّل الجهات، ويمكن أن يقال بتبدّل الموضوع بذهاب الحياة)(٦٤)

القول الرابع: صحّة الوقف وبطلان خصوص الشرط، وهو ما بنى عليه السيّد البجنوردي S(٦٥)، واحتمله صاحب المناهل S(٦٦)، والكلام في هذا القول سيأتي عند الكلام في حدود المسألة. هذا كلّه بالنسبة إلى فقهائنا. 

وأمّا فقهاء الجمهور فقد قال ابن قدامة: (إنّ الواقف إذا اشترط في الوقف أن ينفق منه على نفسه صحّ الوقف والشرط، نصّ عليه أحمد .. وقال القاضي: يصحّ الوقف رواية واحدة، لأنّ أحمد نصّ عليها في رواية جماعة، وبذلك قال: ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو يوسف والزبير وابن شريح، وقال مالك والشافعي ومحمّد بن الحسن: لا يصحّ الوقف، لأنّه إزالة الملك فلم يجز اشتراط نفعه لنفسه)(٦٧). ولم يجز جمهور المالكية ذلك إلّا إذا كان ما استثناه من منفعة الوقف شيئاً يسيراً بحيث لا يتّهم بأنّه أراد حرمان الورثة(٦٨)

 

الأدلة في المسألة

قد استدلّ على كلّ من القولين الأوّل والثاني ـ ومنه تتبين أدلّة القول الثالث ـ تارة بمقتضى القاعدة، وأخرى بالأدلّة الخاصّة:

أ ـ أمّا القول الأوّل وهو جواز استثناء منافع الوقف لنفسه فقد استدلّ عليه غير واحد(٦٩)بالأدلّة العامّة وهي ثلاثة:

١ ـ عموم ما دلّ على أنّ الوقوف بحسب ما يوقفها أهلها.

٢ ـ عموم المؤمنون عند شروطهم.

٣ ـ عموم لزوم الوفاء بالعقود.

ب ـ وأمّا الأدلّة الخاصّة فهي ثلاثة أيضاً :

١ ـ رواية أبي الجارود.

٢ ـ ما روي من وقف رسول الله e والصرف على أضيافه.

٣ ـ ما روي من استثناء أمير المؤمنين g نفقة بعض عمّاله وأهاليهم من منافع أوقافه. 

أ ـ أمّا الأدلّة العامّة على القول الأوّل فهي:

١ ـ عموم ما دلّ على أنّ الوقوف بحسب ما يوقفها أهلها، وهو ما رواه المشايخ الثلاثة من توقيع العسكري g: (الوقوف [تكون.فقيه] على حسب ما يوقفها [يقفها.كا] أهلها إن شاء الله [تعالى.فقيه).

فقد رواه الكليني(٧٠)عن محمّد بن يحيى،قال: كتببعض أصحابنا إلى أبي محمّد g، ورواه الصدوق قائلاً: (كتب محمّد بن الحسن الصفّار Å إلى أبي محمّد الحسن بن عليّ i في الوقوف وما روي فيها عن آبائه i، فوقّع g..)(٧١)، ورواه الشيخ أيضاً قائلاً: (وكتب محمّد بن الحسن الصفّار إلى أبي محمّد g في الوقوف وما روي فيها، فوقّع g ..)(٧٢)

ولا غبار على سند الصدوق والشيخ، لوثاقة الصفّار صاحب المكاتبة وسندهما إليه معتبر(٧٣)، وقد ذكر الصدوق(٧٤) أنّ مكاتبات الصفّار مع العسكري g بخطّه موجودة عنده. 

وأمّا سند الكليني فقد يقال: إنّه صحيح أيضاً؛ إذ شيخه محمّد بن يحيى العطّار ثقة، وظاهره أنّه قد اطّلع على المكاتبة بشكل مباشر وعرف صحّة انتساب الخطّ إلى الإمام g. ولعلّه لذا بنى المجلسي O(٧٥) على صحّة السند.

ولكن قد يشكل على ذلك بأنّه لا يعدو كونه قد جزم بما كتبه بعض أصحابنا من دون جزم بخطّ الإمام وصحّة المكاتبة، إلّا إذا كان قد علم بكون البعض هو الصفّار، فتأمّل. 

وحاصل الاستدلال بهذا النصّ أنّ المقصود من قوله g: (الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها) هو الإلزام بالعمل بمقتضى الوقف بحسب ما يوقفه أهله، وعمومه يفيد العمل بمقتضاه بجميع كيفياته وأنحائه، والشرط من جملة الأنحاء والكيفية، فيجب العمل بمفاده.

وقد يناقش في ذلك ـ بنظير ما أفاده أستاذنا السيّد الحكيم N في مقام آخر(٧٦)ـ: أنّه لم يتّضح صدق الوقف مع عدم انقطاع الواقف عن الموقوف؛ لقرب كون الوقف من سنخ الصدقة المبنيّة على حرمان النفس وإيثار الغير، فلا يحرز صدقه عرفاً في المقام، ليتمسّك لصحّته بإطلاق أدلّته المقامية أو اللفظية لو كانت. 

ويمكن التأمّل فيه بأنّه إذا كان المقصود هو انقطاع ملكية الواقف عن رقبة الموقوف فمن الواضح تحقّق ذلك في المقام، إذ هو قد حرم نفسه ممّا وقفه وقام بإيثار الغير. وأمّا إذا كان المقصود هو انقطاعه عن الموقوف انقطاعاً تامّاً أصلاً ومنفعة وعلى شكل الدوام فهو ممّا لا شاهد على اشتراطه فيه، كما هو الحال في الصدقة، فقد تقدّم آنفاً في حقيقة الوقف أنّه ليس إلّا تحبيس الأصل، وأمّا تسبيل منافعه كلّها فهو ليس من مقوّماته، بل هو ممّا يقتضيه إطلاقه، فلا ينافي الوقف استثناء المنفعة من قبل الواقف لنفسه مدّة من الزمن حتّى لو كانت كلّ المنافع فضلاً عمّا إذا كان البعض منها. 

وإلّا فماذا يقال في وقف العين واشتراط وفاء ديونه الشرعية أو غيرها بعد وفاته من وارداتها، وقد أفتى أستاذنا السيّد الحكيم N بصحّة ذلك(٧٧)؟! 

٢ ـ وأمّا عموم (المسلمون عند شروطهم)، أو (المؤمنون عند شروطهم) فقد وردت في معتبرة عليّ بن رئاب(٧٨)، ومعتبرة منصور بن بزرج(٧٩)، ومعتبرة الحلبي(٨٠)، ومعتبرة سليمان بن خالد(٨١)، وغيرها من الروايات المعتبرة، فيمكن أن يقال: إنّها مستفيضة عنهم i. 

وحاصل الاستدلال بهذا العموم هو أنّ هذا التعبير كغيره من الجمل الخبرية التي تقوم مقام الإنشاء، ويكون مفاده نفوذ الشرط، وأنّ المؤمنين أو المسلمين ملزمون بالوفاء بالشروط مطلقاً، وشرط بقاء المنافع للواقف من جملة هذه الشروط، فهو نافذ.

ولا فرق في ذلك بين البناء على كون الوقف عقداً أو إيقاعاً؛ فإنّ النصّ شامل لكلّ شرط سواء كان في العقد أو الإيقاع، بل قال البعض: إنّه شامل للشروط الابتدائية.

وقد منع أستاذنا السيّد الحكيم N(٨٢) من شمول دليل نفوذ الشروط للمقام، من جهة أنّه ظاهر في نفوذ الشرط للمشروط له على المشروط عليه، ولا مشروط عليه في المقام.

وقد يناقش في ما ذكره بأنّه ليس المراد من الشرط في النصّ المذكور غير الإلزام والالتزام ـ كما ذكره اللغويون(٨٣)ـ، ولا دخالة في وجود مشروط عليه في تحقّقهما كما هو واضح. 

اللهم إلّا أن يقال: إنّ مفاد الروايات المتعلّقة إنّما هو لزوم الوفاء بالشرط، ومن يصحّ أن يكون مخاطباً بذلك هو المشروط عليه، فلا بدّ من افتراض وجوده.

ولكن يمكن أن يجاب عنه بأنّ المتفاهم العرفي من دليل لزوم الوفاء بالشرط هو المفروغية عن نفوذ الشرط، وإنّما كان الإمام g بصدد بيان وجوب أن يفي المشروط عليه للمشروط له بشرطه، فليتأمّل.

مضافاً إلى أنّه يمكن أن يقال: إنّ المشروط عليه في المقام هو متولّي الوقف أو الموقوف عليهم، فيلزمهم تمكين الواقف من المنافع المستثناة وعدم الاستحواذ عليها، فلا إشكال في شمول دليل نفوذ الشرط لمحلّ الكلام. 

ونظير ذلك ما ورد في مضمرة حمران(٨٤)ـ التي استدلّ بها N في بعض كلماته(٨٥)ـ قال: سألته عن السكنى والعمرى؟ فقال: (إنّ الناس فيه عند شروطهم، إن كان شرطه حياته سكن حياته، وإن كان لعقبه فهو لعقبه كما شرط، حتّى يفنوا، ثمّ يردّ إلى صاحب الدار)، حيث يلاحظ أنّ الإمام g عبّر بقوله: (الناس فيه عند شروطهم) مع أنّ السكنى والعمرى كالوقف من الإيقاعات، والمشروط عليه فيهما ـ إن كان ـ فليس هو سوى من يجعل له الإسكان أو ما بحكمه، فلِم لا يكون في الوقف الموقوف عليهم؟!

هذا، وقد يقال ـ كما تقدّم نظيره ـ: إنّ من الأمور المعتبرة في صحّة الشرط هو أن لا يكون منافياً لمقتضى العقد وإلّا لم يصحّ(٨٦)، وفي المقام شرط استثناء المنافع منافي لمقتضى الوقف ـ كما سيأتي عن المانعين ـ فلا يصحّ.

والجواب عنه: أنّه لا منافاة في البين، وإنّما الثابت هو منافاة هذا الشرط لإطلاق الوقف، ولا ضرر في ذلك؛ فإنّ المعتبر في صحّة الشرط هو عدم منافاته لمقتضى العقد لا لإطلاقه، وسيأتي التفصيل في ذلك. 

ولو شكّ في منافاة الشرط لمقتضى الوقف فما هو المرجع؟ 

ذكر الشيخ الأنصاريS (٨٧) أنّ المرجع عند الشكّ في مخالفة الشرط لمقتضى العقد هو أصالة عدم المخالفة، فيشمله عموم (المؤمنون عند شروطهم)، فإنّه وإن كان الخارج عن هذا العموم هو الشرط المخالف لمقتضى العقد واقعاً لا ما علم مخالفته، إلّا أنّ البناء على أصالة عدم المخالفة يكفي في إحراز عدمها واقعاً كما في سائر مجاري الأصول. 

وقد وافقه على ذلك الميرزا حبيب الله الرشتي والآخوند T(٨٨)، قال الثاني: (ومع عدم ثبوت المنافاة صحّ التمسّك بعموم (المؤمنون عند شروطهم) بضميمة أصالة عدم كون الشرط ممّا وقع بينه وبين مقتضى العقد المنافاة، ومثله باقٍ تحت العموم).

ولكن يمكن أن يورد على ما ذكروه بأمرين:

الأوّل: ما ذكره المحقّق الأصفهاني S(٨٩) من أنّ هذا الأصل من الأصول المثبتة؛ وذلك لأنّ منافاة الشرط لمقتضى الوقف ليست بحكم شرعي ولا موضوع له، وقد ذكرفي محلّهأنّه لايكون مجرىللاستصحاب إلّاالحكم الشرعيأو موضوعه، وإنّما يجرى الأصل هنا لإحراز شمول (المؤمنون عند شروطهم) له.

الثاني: ما أفاده السيّد الخوئي  Sفي مبحث مخالفة الشرط للكتاب والسنّة(٩٠)
ـ ووافقه عليه السيّد الروحاني S(٩١)ـ على القول بعدم صحّة استصحاب العدم الأزلي من أنّه لا حالة سابقة لمورد الأصل المدّعى كي تستصحب؛ وذلك لأنّ وصف المنافاة أو عدمها لازم للشرط من حين حدوثه، وليس للشرط حالة سابقة كي تستصحب، فجريان هذا الأصل يبتني على مسألة جريان استصحاب العدم الأزلي، وهو محلّ بحث في علم الأصول.

٣ ـ وأمّا إطلاق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فالمراد بالعقد مطلق العهد ـ كما فسّر به في معتبرة ابن سنان(٩٢)ـ أو ما يسمّى عقداً لغة وعرفاً وهو شامل لكلّ عهد أو عقد كان مع الناس أو مع الباري a كالنذر والوصية ومنها الوقف، والمراد بوجوب الوفاء هو العمل بما اقتضاه هذا الالتزام في نفسه بحسب دلالته اللفظية، وعليه يحرم بإطلاق الآية جميع ما يكون نقضاً لمضمون الوقف الذي تضمّن شرط بقاء المنفعة للواقف. 

فسواء قلنا إنّ الوقف من العقود ـ كما ذهب إليه جمع ـ أو إنّه من الإيقاعات الملزمة ـ كما ذهب إليه آخرون ـ فالآية شاملة له، لما ذكره غير واحد من أنّ المقصود بالعقد فيها ما يعمّ العقود والإيقاعات والشروط والالتزامات.

قال الشيخ الطوسي S: (العقود جمع عقد، وأصله عقد الشيء بغيره وهو وصله به كما يعقد الحبل إذا وصل به شيئاً. يقال منه: عقد فلان بينه وبين فلان عقداً فهو يعقده. قال الحطيئة:

قَوْمٌ إِذا عَقَدوا عَقْداً لجارِهمُ

شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوْقَه الكَرَبَا

وذلك إذا واثقه على أمر عاهده عليه عهداً بالوفاء له بما عاقده عليه من أمان أو ذمّة أو نصرة أو نكاح أو غير ذلك(٩٣))(٩٤)، ثمّ ذكر عدّة أقوال وعلّق قائلاً: (وأقوى هذه الأقوال ما حكيناه عن ابن عبّاس أنّ معناه أوفوا بعقود الله التي أوجبها عليكم، وعقدها في ما أحل لكم وحرّم، وألزمكم فرضه، وبيّن لكم حدوده. ويدخل في جميع ذلك ما قالوه إلّا ما كان عقداً على المعاونة على أمر قبيح، فإنّ ذلك محظور بلا خلاف)(٩٥).

وقد منع أستاذنا السيّد الحكيم N(٩٦) من الاستدلال بعموم نفوذ العقود بدعوى أنّ الوقف ليس عقداً، ولكن قد تبيّن أنّ العقد في الآية يعمّ العقود الاصطلاحية والإيقاعات والالتزامات بشهادة اللغة والنصّ.

ب ـ وأمّا الأدلّة الخاصّة فقد استدلّ على صحّة استثناء المنافع أو اشتراط بقاء بعض المنافع للواقف ..

١ ـ بما رواه الكليني والشيخ، عن أبي الجارود، قال: قال أبو جعفرg: (لا يشتري الرجل ما تصدّق به، وإن تصدّق بمسكن على ذي قرابته فإن شاء سكن معهم، وإن تصدّق بخادم على ذي قرابته خدمته إن شاء)(٩٧)، فإنّه قد ذكر غير واحد منهم الشيخ S(٩٨) بأنّ المستفاد منها جواز أن يسكن الإنسان داراً أوقفها مع من وقفها عليه، وذلك لا يكون إلّا بوجوه محدّدة، منها أن يكون عنوان الموقوف عليهم منطبقاً عليه، أو يجعل نفسه هو الناظر على الوقف وقد اشترط في الوقف أن يكون للمتولّي حقّ الانتفاع من الوقف، أو يكون قد استثنى بعض المنافع لنفسه، ولم يمنع الإمام g من أيّ من هذه الوجوه، فيثبت المطلوب.

ولكن يمكن المناقشة في دلالة الرواية:

أوّلاً: أنّه ليس من المعلوم أنّ ما تصدّق به كان على نحو الوقف، بل يحتمل أن يكون على نحو السكنى مدّة من الزمن أو العمرى(٩٩)، أو أنّ ذلك يكون بإذن الموقوف عليه(١٠٠)، فلا يكون له علاقة بمحلّ الكلام.

ولكن لا يحمل التصدّق على السكنى ونحوها إلّا مع القرينة، فالمتبادر من الصدقة هو الوقف أو نحوه ممّا يوجب نقل الملكية والتأبيد، ولا يوجد في المقام قرينة على السكنى ونحوها. 

وقد يقال: إنّ نفس جواز السكن معهم مع أنّ المنصرف من تصدّقه بالمسكن هو التصدّق بتمامه، وكذا قرن التصدّق بالمسكن بالتصدّق بالخادم مع بقائه في خدمته أيضاً، قرينة على أنّ المراد هو السكنى ونحوها، فليتأمّل.

نعم، حمل الرواية على إذن الموقوف عليهم لا يخلو من بعد، فهو بلا شاهد.

وقد يقال: إنّ الضمير في (إن شاء) يرجع إلى الموقوف عليهم أو قرابته، وهو يدلّ على لزوم موافقتهم على ذلك.

ولكنه ليس بصحيح؛ إذ الضمير راجع إلى الواقف نفسه كما هو واضح.

وكيف ما كان فالظاهر أنّ المنظور في الرواية أنّه يجوز للرجل أن يسكن مع ذي قرابته، ويجوز أن يستخدم خادمه من جهة أنّه من شؤونهم حسب طبيعة الحياة من سكن الأقارب معاً، وخدمة العبد المملوك لهم جميعاً.

وقد قيّده بذي قرابته، ولو أراد استثناء بعض منافعه لنفسه لم يقيّده بذلك، على أنّه كان يسعه أن يكتفي بأن يقول: (إن تصدّق بمسكن على ذي قرابته واشترط السكن معهم فإن شاء سكن معهم).   

وثانياً: أنّ سند هذه الرواية غير معتبر، لأنّ أحمد بن عديس لم يوثّق.

وأمّا أبو الجارود فقد وقع الكلام في وثاقته فبنى على وثاقته الفاضل الخاجوئي والمحقّق النراقي والسيّد الخوئي S(١٠١) والسيّد السيستانيF وأستاذناالسيّد الحكيم N(١٠٢)، وضعّفه آخرون، منهم المحقّق الحلّي والفاضل الآبي والعلّامة الحلّي وصاحب المدارك والمجلسي الأوّل في بعض كلماته والشيخ الأنصاري والمحقّق الداماد S(١٠٣)، في حين بنى جمع على وثاقته قبل تغيّره وانتحاله مذهباً فاسداً، منهم المجلسي الأوّل في بعض كلماته(١٠٤)واحتمله بعض أساتيذنا (دامت بركاته)(١٠٥).

وقد ذكروا عدّة وجوه للبناء على وثاقته:

الوجه الأوّل: ما ذكره المفيد S(١٠٦) في ضمن رسالته في الردّ على أصحاب القول بالعدد في شهر رمضان قائلاً: (وأمّا رواة الحديث بأنّ شهر رمضان شهر من شهور السنة يكون تسعة وعشرين يوماً ويكون ثلاثين يوماً فهم فقهاء أصحاب أبي جعفر محمّد بن عليّ وأبي عبد الله جعفر بن محمّد وأبي الحسن موسى بن جعفر وأبي الحسن عليّ بن موسى وأبي جعفر محمّد بن عليّ وأبي الحسن عليّ بن محمّد وأبي محمّد الحسن ابن عليّ بن محمّد (صلوات الله عليهم)، والأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام الذين لا يطعن عليهم، ولا طريق إلى ذمّ واحد منهم، وهم أصحاب الأصول المدوّنة، والمصنّفات المشهورة .. وقد فصّلت أحاديثهم بذلك في كتابي المعروف بـ(مصباح النور في علامات أوائل الشهور)، وأنا أثبت من ذلك ما يدلّ على تفصيلها إن شاء الله .. وروى محمّد بن سنان عن أبي الجارود قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ ..).

ومثل هذه التعابير: (فقهاء أصحاب أبي جعفر ..)، و(الأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام)، و(الذين لا يطعن عليهم)، و(لا طريق إلى ذمّ واحد منهم) تدلّ بوضوح على علوّ شأنهم ـ ومنهم أبو الجارود ـ ووثاقتهم واعتبار رواياتهم.

ولكن قد يشكل عليه بأنّه ـ بالرغم من وجود كبار الأصحاب فيهم كأبي الصباح الكناني، ومنصور بن حازم، وابن أبي يعفور، وهارون بن حمزة الغنوي، والفضل بن عبد الملك، وأبي أيّوب الخزّاز، ومحمّد بن عليّ الحلبي ـ من المعلوم أنّ هذه الأوصاف لا تنطبق على جميع من ذكر؛ فإنّ بعضهم ممّن رموا بالضعف والغلوّ كمحمّد بن الفضيل الصيرفي، وبعضهم من أصحاب المذاهب الباطلة كعمّار بن موسى الساباطي وكرّام الخثعمي وأبي الجارود، وبعضهم كان ممّن رمي بالتخليط كجابر الجعفي، وبعضهم لم يرو إلّا روايات محدودة، وبعضهم كان مجهولاً .. إلى غير ذلك من العلل المانعة من انطباق هذه الأوصاف عليهم، فهل يصحّ أن يقال عن هؤلاء: (الأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام) و(الذين لا يطعن عليهم) و(لا طريق إلى ذمّ واحد منهم)؟!

فلذا علّق التستري S(١٠٧) قائلاً: إنّ الشيخ المفيد كان قد عدّهم من غير مراجعة، فعدّ جمعاً ممّن قد اتّفقوا على الطعن فيهم.

إن قيل: إنّ ما ذكره إنّما هو ما تولّد من قناعته بهم، وقد خالفه آخرون، وليس بعزيز اختلافهم في توثيق رجل.

قيل: ليس مؤدّى ما ذكره الشيخ المفيد  Sفي رسالته مجرّد التوثيق كي يقال ذلك، بل تعدّى ذلك ليصفهم بالرؤساء والأعلام وليس عليهم من مطعن ونحو ذلك، وهذا لا يجتمع مع الصفات المذكورة فيهم.

فلعلّ الأولىأن يقال ـ كما ذكره بعض أساتيذنا (دامت بركاته) ـ: (إنّ ما ذكره مبنيّ على ضرب من التغليب، وربما بغرض مزيد من التأكيد على بطلان القول بالعدد)(١٠٨)؛ فإنّه لا تعدّ مثل هذه الكلمات توثيقاً أو اعتداداً بالرواة أنفسهم، وإنّما هي طرق لإثبات مقبولية هذه الروايات لا غير.

نعم، قد يقال: إنّه خلاف الظاهر؛ إذ ظاهر كلامه  Sأنّه يريد توثيقهم ولا سيما أنّه قد عدّ جملة من أسماء الرواة من غير أن يذكر رواياتهم، وحمله على ما ذكر يحتاج إلى القرينة.

ولكن يجاب عن ذلك بأنّه لا غاية له من عدّ الرواة في كتاب جوابات أهل الموصلإلّا الإشارة إلى الروايات التي أوردهافي كتابه مصباح النورـ الذيذكره عدّة مرّات ـ،فمحلّ كلامه هو الروايات وأنّها معتبرة،وليس مقصوده توثيق هؤلاء الرواة. 

إلّا أنّه يبقى أنّ عباراته صريحة في التوثيق كقوله: (الذين لا يطعن عليهم)، وكذا قوله: (لاطريق إلىذمّ واحدمنهم) وهيصريحة فيأنّهم جميعهمكذلك. نعم، (الأعلام الرؤساء) يمكن حمله على الأغلب. 

هذا، ومن الملفت للانتباه أنّ الشيخ المفيد  Sقد روى عن أبي الجارود في هذه الرسالة من طريقمحمّد بنسنان فيحين قالعنه ابنالغضائري: إنّ (أصحابنا يكرهون ما رواه محمّد بن سنان عنه) الظاهر في عدم اعتمادهم رواياته من هذا الطريق، فلعلّ ذلك يشهد بأنّ الشيخ المفيد إنّما قصد الرواة والروايات في الجملة لا بالجملة.

الوجه الثاني: ظهور كلام ابن الغضائري في وثاقته واعتماد رواياته، حيث قال: (زياد بن المنذر أبو الجارود .. وأصحابنا يكرهون ما رواه محمّد بن سنان عنه، ويعتمدون ما رواه محمّد بن بكر الأرحبي)(١٠٩).

وقد استفاد منها غير واحد وثاقة نفس أبي الجارود وقبول رواياته، إذ كان الأصحاب يعتمدون على ما رواه، وإنّما يكرهون ما رواه عنه محمّد بن سنان لعلّة فيه.

ولكن ذكر بعض أساتيذنا (دامت بركاته) أنّه (يمكن يناقش هذا الكلام أوّلاً: بأنّ أقصى ما يدلّ عليه اعتماد الأصحاب على روايات الأرحبي عن أبي الجارود هو أنّ أبا الجارود لم يكن من الضعفاء جداً الذين لا يعتدّ بشيء من رواياتهم أصلاً ـ بل كان مقبول الرواية في الجملة ـ، وأمّا كونه ثقة فلا دلالة في ما ذكر عليه، فليتدبّر.

وثانياً: أنّه يحتمل أن يكون الوجه في ما ذكره ابن الغضائري من التفريق بين ما رواه الأرحبي عن أبي الجارود، وما رواه ابن سنان عنه هو اختلاف حال أبي الجارود نفسه، فقد قال النجاشي: إنّه (روى عن أبي عبد الله g وتغيّر لما خرج زيد J)(١١٠) في الإشارة إلى صيرورته زيدياً وتزعّمه فرقة من فرق الزيدية، وهي الجارودية. 

فلعلّ كراهة أصحابنا لما كان يرويه محمّد بن سنان عنه هي من جهة أنّه أدركه بعد تغيّره،بخلاف محمّدبن بكرالأرحبي إذكانت روايتهعنه قبلذلك، فليتأمّل)(١١١).

وقد ذكر g في وجه التأمّل أنّ الشيخ ذكر في رجاله أنّ محمّد بن بكر الأرحبي مات سنة إحدى وسبعين ومائة وله سبع وسبعون سنة، وخروج زيد كان سنة (١١٨ هـ)، فيستبعد أن تكون رواية الأرحبي عن أبي الجارود قبل تغيّره خاصّة. 

الوجه الثالث: وروده في أسانيد كامل الزيارات، وهذا على مبنى من يرى وثاقة كلّ من جاء في أسانيد رواياته كأستاذنا السيّد الحكيم N(١١٢)، وقد خالفه سيّد أساتيذنا السيستاني F(١١٣)، بل عدل عنه السيّد الخوئي S(١١٤).

وقد فصّل البحث عنه بعض أساتيذنا (دامت بركاته)(١١٥)بما يغني عن الحديث عنه، ومحصّل ما أفاده أنّه لا يفي بوثاقة كلّ من وقع في أسانيده.     

الوجه الرابع: وقوعه في أسانيد تفسير القمّي، وذلك على مبنى من يرى وثاقة من يقع في أسانيده، كما هو مسلك السيّد الخوئي S(١١٦).

وقد ناقش بعض أساتيذنا (دامت بركاته)(١١٧)ـ تبعاً للسيّد السيستاني F ـ في هذا الوجه صغرى وكبرى، فهو يشكّك في صحّة نسبة هذه العبارة إلى عليّ بن إبراهيم القمّي، مضافاً إلى عدم استفادة التوثيق منها.

والحاصل: أنّ القدر المتيقّن ممّا ذكره ابن الغضائري هو أنّه يمكن الاعتماد على أبي الجارود في الجملة، والاقتصار على ما رواه الأرحبي عنه، وفي مقامنا الراوي عنه ليس هو الأرحبي بل هو أبان، فلذا لدينا علّتان في هذا السند: عدم وثاقة أحمد بن عديس وأبي الجارود. 

٢ ـ وقد يستدلّ أيضاً على جواز أن يستثني الواقف المنافع لنفسه بما روي من أنّ الرسول  الأعظم e كان ينفق على أضيافه ممّا أوقفه، وهو ما رواه الحميري، عن أحمد ابن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، قال: وسألته ـ أي الرضا g ـ عن الحيطان السبعة، قال: (كانت ميراثاً من رسول الله e وقف، وكان رسول الله e يأخذ منها ما ينفق على أضيافه، والنائبة تلزمه، فلمّا قبض جاء العبّاس يخاصم فاطمة j فشهد عليّ g وغيره أنّها وقف، وهي: الدلال، والعواف، والحسنى، والصافية، ومال أم إبراهيم، والميثب، والبرقة)(١١٨).

وروى الكليني عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن أبي الحسن الثاني g قال: سألته عن الحيطان السبعة التي كانت ميراث رسول الله e لفاطمة j فقال: (لا، إنّما كانت وقفاً، وكان رسول الله e يأخذ إليه منها ما ينفق على أضيافه، والتابعة يلزمه فيها، فلمّا قبض جاء العبّاس يخاصم فاطمة j فيها فشهد عليّ g وغيره أنّها وقف على فاطمة j، وهي: الدلال، والعواف، والحسنى، والصافية، ومال أم إبراهيم، والميثب، والبرقة)(١١٩)، ومثله ما رواه الصدوق والشيخ مرسلاً(١٢٠). ومن القريب اتحاد الروايتين.

وإسناد الحميري معتبر، وأمّا إسناد الكليني فقد يشكل بالإرسال؛ لأنّ الظاهر أنّ أحمد بن محمّد هو البزنطي بقرينة إسناد الحميري المتقدّم، ولا يروي محمّد بن يحيى عنه إلّا بواسطة، لأنّ محمّد بن يحيى من الطبقة الثامنة، والبزنطي من الطبقة السادسة، ومثله لا يروي عن مثله مباشرة.   

ولكن قد يجاب عن ذلك بأنّه وإن كان محمّد بن يحيى لا يروي عن ابن أبي نصر إلّا بواسطة، ولكن الوسائط بينهما أحد ثلاثة: أحمد بن محمّد بن عيسى، ومحمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، وسهل بن زياد، والأخير لم يتوسّط إلّا في سند واحد من بين ما يقارب (٥٠) رواية، فاحتمال توسّطه في سند الرواية ضعيف لا يعتدّ به، والأوّلان كلاهما ثقة، فيكون السند معتبراً. 

ولا يبعد أن يكون الوسيط هو أحمد بن محمّد بن عيسى كما في سند الحميري المتقدّم، وقد نبّه السيّد الخوئي S على حذف اسم أحمد بن محمّد بن عيسى في عدّة موارد(١٢١)، ولا يبعد حذفه هو أو أحمد بن محمّد بن أبي نصر اشتباهاً.

وقد تقدّم(١٢٢) أنّ هذه الأرض كانت لمخيريق، وأنّ رسول الله e أوقفها بعد مقتله، ويمكن الاستدلال بها على محلّ الكلام، فإنّ رسول الله إنّما يأخذ منها ما ينفق على أضيافه وهي وقف، فلا بدّ أنّه استثنى بعض المنافع لنفسه كي ينفق منها على أضيافه أو بعض الأمور الأخرى.

قال صاحب الحدائق S: (وظاهر الخبر المذكور أنّه e وقف هذه الحوائط في حياته على فاطمة j وشرط الإنفاق منها على أضيافه وما ينوبه، وهو المشار إليه بالتابعة أي ما يتبع الإنسان ممّا يهمّه ويعينه)(١٢٣).

ولا فرق في الوقف بين أن يكون وقفاً في سبيل الله، أو وقفاً على الزهراء j ـ كما في معتبرة ابن أبي نصر ـ؛ فإنّ المنفعة المستثناة في كليهما ممّا تعود إلى الواقف. 

وقد يقال: إنّ العنوان الذي تمّ الوقف عليه يشمل ما يصرف على الضيوف ونحوه، فلا يكون لأجل استثناء المنافع للواقف، فالصدقة لا تختصّ بالفقراء، بل يمكن أن تكون في مطلق وجوه البرّ. مع أنّه يمكن أن يقال: إنّه e قد استأذن من الزهراء j في ذلك، فليتأمّل(١٢٤).

٣ ـ ولعلّه يمكن أن يستدلّ بما صنعه أمير المؤمنين g في وصيته في أمواله، كما في معتبرة عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: بعث إليّ أبو الحسن موسى g بوصية أمير المؤمنين g، وهي: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به وقضى به في ماله عبد الله عليّ ابتغاء وجه الله ليولجني به الجنّة، ويصرفني به عن النار، ويصرف النار عني يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه: أنّ ما كان لي من مال بينبع ـ يُعرف لي فيها وما حولها ـ صدقة ورقيقها، غير أنّ رباحاً وأبا نيزر وجبيراً عتقاء ليس لأحد عليهم سبيل، فهم موالي يعملون في المال خمس حجج، وفيه نفقتهم ورزقهم وأرزاق أهاليهم .. وما كان لي بديمة وأهلها صدقة غير أنّ زريقاً له مثل ما كتبت لأصحابه ..)(١٢٥).

وفي خبر عبد الرحمن، عن أبي عبد الله g، قال: (أوصى أمير المؤمنين g فقال: إنّ أبا نيزر ورباحاً وجبيراً عتقوا على أن يعملوا في المال خمس سنين)(١٢٦).

وفي معتبرة أبي العبّاس، عن أبي عبد الله g، قال: سألته عن رجل قال: غلامي حرّ وعليه عمالة كذا وكذا سنة. قال: (هو حرّ، وعليه العمالة). قلت: إنّ ابن أبي ليلى يزعم أنّه حرّ وليس عليه شيء. قال: (كذب، إنّ عليّاً g أعتق أبا نيزر وعياضاً ورياحاً وعليهم عمالة كذا وكذا سنة، ولهم رزقهم وكسوتهم بالمعروف في تلك السنين)(١٢٧).

والمستفاد من هذه النصوص أنّ كلَّاً من أبي نيزر ورباح أو رياح وجبير أو عياض كانوا من الموالي الذين اعتقوا بشرط أن يستمرّوا بالعمل لسنين محدّدة، ولهم نفقتهم وأهليهم من منفعة هذا الوقف. 

فيمكن أن يقال: إنّ هؤلاء الموالي في فترة عملهم ليسوا أحراراً بل هم موالي حتّى يتمّوا ما اشترط عليهم، ومن ثَمّ فنفقتهم ونفقة أهاليهم في هذه الفترة على مولاهم وهو أمير المؤمنين g، فاستثناء هذه النفقة إنّما هو استثناء لما تعود منفعته للواقف، فيمكن الاستدلال بها في المقام.

ولكن قد يقال: إنّ ما استثناه أمير المؤمنين g إنّما هو أجرهم على عملهم وليس نفقتهم، فتكون أجنبيّة عن محلّ الكلام.

ويجاب عن ذلك: بأنّ عمل المولى في الأرض إنّما هو ملك لمولاه ما دام لم يعتق، فلا يكون له في مقابله أجر، إلّا إذا أراد المولى أن يجعل له على ذلك أجراً. وممّا يؤيّد عدم كون ذلك أجراً في قبال عملهم أنّه لم تذكر نفقتهم ولا نفقة أهاليهم في خبر عبد الرحمن المتقدّم. 

ولكن هناك كلام في أنّ نفقة زوجة المولى في فترة المكاتبة هل تكون على زوجها أو على السيّد، هذا فيما إذا لم تكن أمة للسيّد، وإلّا فإنّ نفقتها على مولاها، ولا يعلم حال المذكورين في زمن الإمام g، وهل كانت زوجاتهم وأهاليهم مملوكين للإمام g أو لا؟ وهل كانت مكاتبتهم مشروطة أو مطلقة؟ فليتأمّل. 

هذا، ولا وجه لتأييد ما ذكر من استثناء الواقف المنافع لنفسه بما رواه الصدوق والشيخ، عن مهران بن محمّد، قال: (سمعت أبا عبد الله g أوصى أن يناح عليه سبعة مواسم، فأوقف لكلّ موسم مالاً ينفق [فيه.فقيه)(١٢٨). فإنّه لا يبعد أن يكون المراد من الوقف هنا بمعنى الجعل والتحديد، فيكون مؤدّى الرواية هو الوصية لا غير.

هذا ما أردنا التعرّض له في هذه الحلقة، وستأتي بقية الكلام في الحلقة اللاحقة إن شاء الله تعالى.

والحمد لله ربِّ العالمين. 

 

 

 


(١) يلاحظ: تاريخ القانون في مصر: ٢٢.

(٢) مدونة جوستنيان في الفقه الروماني: ٥٧. وهذه المدونة كتبها جوستنيان ـ الذي تولّى حكم الإمبراطورية الشرقية التي عاصمتها القسطنطينية، ولبث في الحكم نحو (٣٨ سنة)، وتوفي في سنة (٥٦٥ م)، أي قبل هجرة النبي e بنحو (٥٧ سنة) ـ وقد أولى عنايته بعلم فقه القوانين، فنشر مدونته في سنة (٥٣٣ م)، وهي عبارة عمّا استمدّه من كتب السلف من الفقهاء، ثمّ توالى في النشر لمجاميع من القوانين الأخرى الإضافية في سنتي (٥٤٤ و٥٤٨م)، وكان دور جوستنيان هو جمع ما قد تمّ تدوينه من الفقه القديم. يلاحظ: كلمة المعرّب في مقدّمة المدوّنة ص: م). 

(٣) منوسمرتي (كتاب الهندوس المقدّس): ٥٥٣. وهذا الكتاب يعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، وهو مصدر للهندوس والديانة الهندية القديمة، وقد استمدّ من كتب سبقتها بمدد طويلة، وحسب دعواهم أنّه كتاب تعاليم سماوية. 

(٤) يلاحظ: أحكام الوقف في الشريعة الإسلامية: ٢٤ ـ ٣٢.

(٥) كتاب الأم:٤/٦٠.

(٦) كتاب الأم:٤/ ٥٤.

(٧) المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام: ٩/ ٢٥٩.

(٨) أنساب الأشراف: ١/ ٣٢٥. ونحوه في المغازي للواقدي: ١/ ٢٦٣، وتاريخ دمشق:١٠/ ٢٢٩، وغيرهما.

(٩) يلاحظ: الأحكام السلطانية والولايات الدينية: ١٦٩ ـ ١٧١.

(١٠) سورة البقرة: آية ٢٤٥. 

(١١) مجمع البيان في تفسير القرآن: ٢/ ١٣٧. 

(١٢) الكافي: ٧/ ٥٦، باب ما يلحق الميّت بعد موته ح ٢. 

(١٣) يلاحظ: الكافي: ٧/ ٥٦ ـ ٥٧.

(١٤) الكافي: ٧/ ٥٤ ـ ٥٥، باب صدقات النبيّ e وفاطمة والأئمّة i ح ٩.

(١٥) تهذيب الأحكام: ٩/ ١٣١، باب الوقوف والصدقات ح ٥، وقد رواها الكليني بسندين آخرين ينتهي أحدهما إلى عجلان والآخر إلى عبد الرحمن. يلاحظ: الكافي: ٧/ ٣٩.

(١٦) تهذيب الأحكام: ٩/ ١٤٩، ح ٥٧. وقد رواها الصدوق بسنده إلى عبد الرحمن بن الحجّاج من لا يحضره الفقيه:٤ / ٢٤٩، باب الوقف والصدقة والنحل ح ٢٧.

(١٧) المحيط في اللغة: ٦/ ٤٦.

(١٨) معجم مقاييس اللغة: ٦/ ١٣٥.

(١٩) المخصّص: ٣ ق٣/ ٩٣. ومثله في المحكم والمحيط الأعظم: ٦/ ٥٧٧.

(٢٠) لسان العرب: ٩/٣٥٩.

(٢١) تصحيح الفصيح وشرحه: ٧٨.

(٢٢) عوالي اللآلئ: ٢/٢٦٠.

(٢٣) يلاحظ: السنن الكبرى للبيهقي:٦/ ١٦٢، السنن الكبرى للنسائي:٤/٩٥، مسند الحميدي: ٢/٢٩٠. 

(٢٤) يلاحظ: عوالي اللآلئ: ٢/١٦٥.

(٢٥) العين: ٣/١٥٠، ١٥١.

(٢٦) الصحاح: ٣/ ٩١٥.

(٢٧) معجم مقاييس اللغة: ٢/ ١٢٩.

(٢٨) معجم مقاييس اللغة: ٣/ ١٢٩ ـ ١٣٠.

(٢٩) المبسوط في فقه الإمامية: ٣/ ٢٨٦.

(٣٠) يلاحظ: السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي: ٣/ ١٥٢، إصباح الشيعة بمصباح الشريعة: ٣٤٥، المختصر النافع في فقه الإمامية: ١٥٦، الجامع للشرائع: ٣٦٩، تذكرة الفقهاء: ٢/ ٤٢٧ (الطبعة القديمة)، منهاج الصالحين: ٢/ ٤٧٧. وقال ابن حمزة S (الوسيلة إلى نيل الفضيلة ص:٣٦٩): (الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة على وجه من سبل البرّ).

(٣١) مفاتيح الشرائع: ٣/ ٢٠٧.

(٣٢) يلاحظ: منهاج الصالحين: ٢/ ٢٣٧. 

(٣٣) يلاحظ: منهاج الصالحين: ٢/ ٢٣١. 

(٣٤) الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة: ٢٢/ ١٢٦.

(٣٥) يلاحظ: شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام: ٢/ ٤٤٢، كشف الرموز في شرح المختصر النافع: ٢/ ٤٤، تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية: ٣/ ٢٨٩، قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام: ٢/ ٣٨٧، اللمعة الدمشقية: ٨٨، الدروس الشرعية في فقه الإمامية: ٢/ ٢٦٣، التنقيح الرائع لمختصر الشرائع: ٢/ ٢٩٩، المهذّب البارع في شرح المختصر النافع: ٣/ ٤٧، رسائل المحقّق الكركي: ١/ ١٩٧، العروة الوثقى: ٦/ ٢٧٩.

(٣٦) يلاحظ: مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام: ٥/ ٣١٠، الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة: ٢٢/ ١٢٦، مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلّامة: ٢١/ ٤١٥، رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل: ٩/ ٢٧٣. 

(٣٧) جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ٢٨/ ٢ـ ٣.

(٣٨) يلاحظ: مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام: ٥/ ٣١٠، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ٢٨/ ٢ ـ ٣، قطرات من يراع بحر العلوم (كتاب الوقف): ق١/ ٣، مصباح المنهاج (كتاب الوقف): ٣٤٥، وغيرها.

(٣٩) نهج الفقاهة: ٣٤١ ـ ٣٤٢.

(٤٠) يلاحظ: المكاسب: ٤/ ٥٣ ـ ٥٤. 

(٤١) يلاحظ: منهاج الصالحين: ٢/ ٤٧٧. 

(٤٢) يلاحظ: قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام: ٢/ ٣٩٤. 

(٤٣) منهاج الصالحين: ٢/ ٢٩٣. 

(٤٤) يلاحظ: الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقية: ٣/ ١٦٣، قطرات من يراع بحر العلوم (كتاب الوقف): ق١/ ٤٢، حاشية المكاسب (للأصفهاني): ٣/ ٧٣، مصباح الفقاهة: ٣/ ٤٣١.

(٤٥) يلاحظ: منهاج الصالحين: ٢/ ٤٧٧. 

(٤٦) منهاج الصالحين: ٢/ ٢٩٤. 

(٤٧) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني): ٣/ ٨٦.

(٤٨) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني): ٣/ ٨٦.

(٤٩) يلاحظ: السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي: ٣/ ١٥٩، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام: ٢/ ٤٤٢، تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية: ٣/ ٢٨٩، رسائل المحقّق الكركي: ١/ ١٩٧، القواعد الفقهية: ٤/ ٢٣٤ـ ٢٣٥. 

(٥٠) يلاحظ: كتاب البيع: ٣/ ١٣١، المرتقى إلى الفقه الأرقى (كتاب الخيارات): ١/ ٢٧٧. مصباح المنهاج (كتاب الوقف): ٣٤٥.

(٥١) مختلف الشيعة في أحكام الشريعة: ٦/ ٣٢٤.

(٥٢) جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ٢٨/ ٦٨.

(٥٣) العروة الوثقى: ٦/ ٣٠٢.

(٥٤) منهاج الصالحين: ٢/ ٢٣٦.

(٥٥) يلاحظ: تعليقة السيّد الشهيد S على منهاج الصالحين للسيّد الحكيم S: ٢/ ٢٤٦.

(٥٦) منهاج الصالحين: ٢/ ٤٨٤ـ٤٨٥.

(٥٧) السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي: ٣/ ١٥٥.

(٥٨) شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام: ٢/ ٤٤٩.

(٥٩) يلاحظ: الدروس الشرعية في فقه الإمامية: ٢/ ٢٦٧، جامع المقاصد في شرح القواعد: ٩/ ٢٧، مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام: ٥/ ٣٦٣، كفاية الأحكام: ٢/ ١٢، مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلّامة: ٢١/ ٥٠٤ ـ ٥٠٥، رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل: ٩/ ٢٩٥.

(٦٠) قواعدالأحكام فيمعرفة الحلالوالحرام: ٢/ ٣٨٩.ويلاحظ أيضاً:إرشاد الأذهان في أحكام الإيمان: ١/ ٤٥٢، تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية: ٣/ ٢٩٣، تذكرة الفقهاء: ٢/ ٤٢٨ (الطبعة القديمة). 

(٦١) المناهل: ٥٠٠.

(٦٢) منهاج الصالحين: ٢/ ٢٤٦.

(٦٣) يلاحظ: مصباح المنهاج (كتاب الوقف): ٣٩٥ ـ ٣٩٦.

(٦٤) كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء: ٤/ ٢٥١.

(٦٥) يلاحظ: القواعد الفقهية:٤/ ٢٦٦. 

(٦٦) يلاحظ: المناهل:٥٠٠. 

(٦٧) المغني: ٦/ ١٩٣ـ ١٩٤.

(٦٨) يلاحظ: المجموع في شرح المهذّب:١٥/ ٣٢٩ ـ ٣٣٢. ولاحظ أيضاً للاطّلاع على الوجوه في المنع أو الجواز ما ذكر في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: ٦/ ٢٢٠، ونيل الأوطار من أحاديث سيّد الأخيار: ٦/ ١٣٢. 

(٦٩) يلاحظ: جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ٢٨/ ٦٨، العروة الوثقى: ٦/ ١٩٩. 

(٧٠) الكافي: ٧/ ٣٧، باب ما يجوز من الوقف والصدقة.. ح ٣٧.

(٧١) من لا يحضره الفقيه:٤/ ٢٣٧، باب الوقف والصدقة والنحل ح ١.

(٧٢) تهذيب الأحكام: ٩/ ١٣٠، باب الوقوف والصدقات ح ٢.

(٧٣) وسند الصدوق في المشيخة (من لا يحضره الفقيه: ٤/ ٤٣٤ ): (وما كان فيه عن محمّد بن الحسن الصفّار O فقد رويته عن محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد J، عن محمّد بن الحسن الصفّار). وهو سند معتبر.

وسند الشيخ في المشيخة (تهذيب الأحكام: ١٠/ ٧٣): (وما ذكرته في هذا الكتاب عن محمّد بن الحسن الصفّار فقد أخبرني به الشيخ أبو عبد الله محمّد بن النعمان والحسين بن عبيد الله وأحمد بن عبدون كلّهم عن أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه. وأخبرني به أيضاً أبو الحسين بن أبي جيد، عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن محمّد بن الحسن الصفّار). وهو سند معتبر.

(٧٤) يلاحظ: من لا يحضره الفقيه: ١/ ١٤٢.

(٧٥) يلاحظ: مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول: ٢٣/ ٦٣.

(٧٦) يلاحظ: مصباح المنهاج (كتاب الوقف): ٣٨٧ ـ ٣٨٨.

(٧٧) يلاحظ: منهاج الصالحين (السيّد الحكيم N): ٢/ ٣٠٠ ـ ٣٠١. 

وتجدر الإشارة إلى أنّه N بنى على عدم صحّة اشتراط الواقف أداء ديونه في حال الحياة، لا من جهة عدم صدق الوقف لعدم انقطاع الواقف عن الموقوف، بل لمكاتبة عليّ بن سليمان وصحيح إسماعيل بن الفضل. يلاحظ: مصباح المنهاج (كتاب الوقف): ٣٩١.

(٧٨) قرب الإسناد: ٣٠٣، الكافي: ٥/٤٠٤، باب الشرط في النكاح وما يجوز منه وما لا يجوز ح٩.

(٧٩) الكافي: ٥/ ٤٠٤، باب الشرط في النكاح وما يجوز منه وما لا يجوز ح ٨.

(٨٠) الكافي: ٦/ ١٨٧، باب المكاتب ح ٩.

(٨١) الكافي: ٦/ ١٨٨، باب المكاتب ح ١٣.

(٨٢) يلاحظ: مصباح المنهاج (كتاب الوقف): ٣٨٢.

(٨٣) يلاحظ: المخصّص: ٣ ق ج٣/ ٢٥٢، والقاموس المحيط: ٢/ ٣٦٨.

(٨٤) الكافي: ٧/ ٣٣، باب ما يجوز من الوقف والصدقة.. ح ٢١.

(٨٥) يلاحظ: مصباح المنهاج (كتاب الوقف): ٥٣٥.

(٨٦) يلاحظ: المكاسب: ٦/ ٤٤ ـ ٤٥.

(٨٧) يلاحظ: المكاسب: ٦/ ٥١، ٣١ ـ ٣٢. 

(٨٨) يلاحظ: فقه الإمامية (قسم الخيارات): ١١٦ـ ١١٧، حاشية المكاسب (للمحقّق الآخوند): ١١٢.

(٨٩) يلاحظ: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني): ٣/ ١٥٢.

(٩٠) يلاحظ: مصباح الفقاهة: ٥/ ٣٠٢.

(٩١) يلاحظ: المرتقى إلى الفقه الأرقى (كتاب الخيارات): ٢/ ٢٢٠.

(٩٢) يلاحظ: تفسير العياشي: ١/ ٢٨٩، تفسير القمّي: ١/١٦٠، قال عليّ بن إبراهيم القمّي S: حدثني أبي، عن النضر بن سويد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله g: (قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال: بالعهود)، وهذا السند معتبر. 

كما روى أيضاً عن الحسين بن محمّد بن عامر ـ وهو ثقة ـ، عن المعلّى بن محمّد البصري ـ بنى على وثاقته السيّد الخوئي Sـ [يلاحظ: المعجم: ت (١٢٥٠٧)] ـ، عن ابن أبي عمير، عن أبي جعفر الثاني g في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، قال: (إنّ رسول الله e عقد عليهم لعليّ بالخلافة في عشرة مواطن، ثمّ أنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ التي عقدت عليكم لأمير المؤمنين g).

(٩٣) في النصّ المطبوع بعض الأخطاء الواضحة، وقد ذكر عين هذا التعبير في جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري): ٦/ ٦٥.

(٩٤) التبيان في تفسير القرآن: ٣/ ٤١٤ ـ ٤١٥.

(٩٥) التبيان في تفسير القرآن: ٣/ ٤١٤ ـ ٤١٥.

(٩٦) يلاحظ: مصباح المنهاج (كتاب الوقف): ٣٨٢.

(٩٧) الكافي: ٧/ ٣٩، باب ما يجوز من الوقف والصدقة والنحل والهبة والسكنى والرقبى وما لا يجوز من ذلك على الولد وغيره ح ٤١، وفيه هذا السند معلّق على السابق عليه: (حميد بن زياد عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن أحمد بن عديس، عن أبان). تهذيب الأحكام: ٩/ ١٣٤، باب الوقوف والصدقات ح ١٤.

(٩٨) يلاحظ: تهذيب الأحكام: ٩/ ١٣٩، باب الوقوف والصدقات ح ٢٩. ويلاحظ: جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ١٨/ ٦٨.

(٩٩) يلاحظ: مختلف الشيعة في أحكام الشريعة: ٦/ ٣١٦، الوافي: ١٠/ ٥٢٤، النجعة في شرح اللمعة: ٦/ ٤٤٠.

(١٠٠) يلاحظ: وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: ١٩/ ١٧٧، باب أنّ شرط الوقف إخراج الواقف له عن نفسه ح ٢، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول: ٢٣/ ٦٧. 

(١٠١) يلاحظ: الرسائل الفقهية: ١/ ٧٧، مستند الشيعة في أحكام الشريعة: ١٣/ ١٩٥، معجم رجال الحديث: ٨/ ٣٣٥. 

(١٠٢) يلاحظ: لباس المصلي: ٥٩، مصباح المنهاج (كتاب الطهارة): ٧/ ٣٨٣.

(١٠٣) يلاحظ: المعتبر في شرح المختصر: ٢/ ٤٠٠، كشف الرموز في شرح المختصر النافع: ١/ ٥٣٠، منتهى المطلب في تحقيق المذهب: ٧/ ٨٤، مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام: ٢/ ١٥١، روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: ٤/ ٤٤٩و٥/ ٩٠، أحكام الخلل في الصلاة: ٢٤٥، كتاب الصلاة (تقريرات المحقق الداماد): ٢/ ٤٨، ٧٩. 

(١٠٤) يلاحظ: روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه :١/ ٣٩٨. 

(١٠٥) يلاحظ: قبسات من علم الرجال: ١/ ٢٥٦ ـ ٢٥٧. 

(١٠٦) جوابات أهل الموصل: ٢٥، ٣٠.

(١٠٧) يلاحظ: قاموس الرجال: ١١/ ٢٤٨.

(١٠٨) قبسات من علم الرجال: ١/ ٢٥.

(١٠٩) رجال ابن الغضائري: ٦١.

(١١٠) رجال النجاشي: ١٧٠. 

(١١١) قبسات من علم الرجال: ١/ ٢٥٦ ـ ٢٥٧.

(١١٢) يلاحظ: مصباح المنهاج (الاجتهاد والتقليد): ١٣٩. 

(١١٣) يلاحظ: قبسات من علم الرجال: ١/ ٩١.

(١١٤) يلاحظ: وثيقة عدول السيّد الخوئي S المرفقة في آخر البحث.

(١١٥) يلاحظ: قبسات من علم الرجال: ١/ ٨٩ وما بعدها، وكذا دروس في علم الرجال ألقاها أستاذنا السيّد محمّد باقر السيستاني (دامت بركاته) (مخطوط). 

(١١٦) يلاحظ: معجم رجال الحديث: ١/ ٤٩. 

(١١٧) يلاحظ: قبسات من علم الرجال: ١/ ١٢٤ وما بعدها، وكذا دروس في علم الرجال ألقاها أستاذنا السيّد محمّد باقر السيستاني (دامت بركاته) (مخطوط). 

(١١٨) قرب الإسناد: ٣٦٣ ـ ٣٦٤.

(١١٩) الكافي: ٧/ ٤٧ ـ ٤٨، باب صدقات النبيّ e وفاطمة والأئمّة i ووصاياهم ح ١.

(١٢٠) يلاحظ: من لا يحضره الفقيه: ٤/ ٢٤٤، باب الوقف والصدقة والنحل ح١٣، تهذيب الأحكام: ٩/ ١٤٥، باب الوقوف والصدقات ح ٥٠ و٥١.

(١٢١) يلاحظ: الكافي: ١ / ١٥٢، ٣/ ٨٢، ٥/ ٣٧٦. 

(١٢٢) يلاحظ: صفحة ١٤٧.

(١٢٣) الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة: ٢٢/ ١٦٢ ـ ١٦٣.

(١٢٤) قال التستري S في النجعة في شرح اللمعة (٦/٤٣٠): (والخبر وإن عبّر فيها بالوقف عليها إلّا أنّ المراد النحلة؛ لأنّ الوقف عليها فقط لا يتأتّى في غير الأبدي، والأبدي إنّما يحصل لو كان وقفاً عليها وعلى أولادها إلى الأبد، ولو كان كذلك لما احتاج إلى وقفها بما مرّ).

(١٢٥) الكافي: ٧/ ٤٩، باب صدقات النبيّ e وفاطمة والأئمّة i ووصاياهم ح ٧، تهذيب الأحكام: ٩/ ١٤٦، باب الوقوف والصدقات ح ٥٥ وما بعدها. 

(١٢٦) الكافي: ٦/ ١٧٩، باب الشرط في العتق ح ١. 

(١٢٧) من لا يحضره الفقيه: ٣/ ١٢٧، باب المكاتبة ح ٧. 

(١٢٨) من لا يحضره الفقيه: ٤/ ٢٤٤، باب الوقف والصدقة والنحل ح ١٢، تهذيب الأحكام: ٩/ ١٤٤، باب الوقوف والصدقات ح ٤٩.