دراسات علميّة
مجلّة نصف سنويّة تعنى بالأبحاث التخصّصيّة في الحوزة العلميّة
تصدر عن المدرسة العلميّة (الآخوند الصغرى) في النجف الأشرف
العددان التاسع والعاشر
شعبان المعظّم ١٤٣٧ هـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد ١٦١٤ لسنة ٢٠١١
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }.
التوبة ١٢٢
الأسس المعتمدة للنشر:
محتويات العدد
|
|
| إدارة المجلّة ........................................................................ |
٧ |
|
|
| بعض أساتذة الحوزة العلميّة ...................................................... |
١١ |
|
|
| الشيخ جعفر اليعسوبي (دام عزّه) ................................................. |
١٥٩ |
|
|
| الشيخ أحمد العوادي (دام عزّه) .................................................... |
٢٣٩ |
|
|
| الشيخ حميد رمح الحلّيّ (دام عزّه) .................................................. |
٣٢٥ |
|
|
| الشيخ محمد الجعفري (دام عزّه) .................................................. |
٣٧٥ |
|
|
| تحقيق: السيّد جواد الموسويّ الغريفيّ (دام عزّه) ................................... |
٤٥٩ |
الافتتاحية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الّذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم, والصَّلاة والسَّلام على مدينة العلم وعلى بابها, وارث علم النَّبيِّين, وأبنائه الغُرِّ الميامين.
وبعد, لا يمرُّ زمنٌ طويل حتى نجد أنفسنا مرّة أخرى أمام مهمّة تهيئة عدد جديد من المجلَّة، وكلّما مضينا قُدماً في الأعداد نشعر بأننا نمضي خطوة إلى الأمام في طريق دعم البحث المستقل (المنشور) المبنيّ على أسس علميَّة يصلح لأنْ يكون وجهاً مضيئاً ومعبِّراً عمّا يدور من بحوث في أروقة الحوزات العلميَّة عامّة وحوزة النَّجف الأشرف خاصَّة.
وهذا الواقع الّذي عكسته مجلَّتنا يجعلنا أمام مسؤوليَّة تتعاظم مع توالي الأعداد ألا وهي المحافظة على مستوى البحوث المنشورة من ناحية طريقة العرض والمضمون بنحوٍ تكون مؤهَّلة لانتجاعها من قبل الباحثين والمهتمِّين بقراءة البحوث المتخصِّصة في فنون الفقه الإسلامي بفروعه الرَّئيسيَّة المهمَّة.
وكثيرة هي الموضوعات الّتي يمكن أنْ يعالجها الباحثون والكتّاب، بأسلوب يستحقّ القراءة والنَّشر، ويمكن للمهتمِّ بهذا المجال من العلم إذا ما تصفَّح الأعداد الثَّمانية السَّابقة أنْ يلمح فيها عناوينَ تجعله يتوقَّف رغبة في قراءتها وإحساساً منه بالحاجة إلى زيادة المعرفة في موضوعات معيَّنة أو تعميقها.
ويرتبط سبب إفراز الاهتمام بتلك الموضوعات غالباً بمناحٍ معيَّنة من الحياة الفكريَّة أو العمليَّة العامَّة تلامس مرتكزات المسلم وفهمه في تصوراته الدِّينيَّة والفكريَّة المنبثقة عنها، فتتناغم معها تارة، ويقتُم الموقف منها أُخرى، وتتقاطع ثالثة، أو هكذا تبدو. حتّى يصل الأمر إلى درجة التَّأثير في الموقف العملي أحياناً؛ إذ غير خفي استناد المسلم في آرائه ومواقفه العمليَّة في كثير من القضايا إلى تصوّراته واعتقاداته الدِّينيَّة والتَّشريعيَّة.
ومن ذلك كلِّه نستوحي عمق الحاجة إلى ملامسة روح العصر في حركتنا العلميَّة موضوعاً وعرضاً وبياناً وحجَّة، لكي لا تظهر الأُسس التَّشريعيَّة وكأنَّها أوامر ونواهٍ وتصوّرات خالية من الملاكات أو منفصلة وغائبة عن أفق مصالح التَّشريع بالنسبة لغير عصرها.
ومع ذلك, فما تحقَّق من تلك الغاية فيما سلف من الأعداد المنشورة قليلٌ؛ إذ لا زالت الموضوعات التَّقليديَّة أو الطَّرح المتعارف يحتلّ الحيّز الأكبر من جهد الباحثين ومساحة النَّشر، ونحن وإنْ كنّا ننظر بأُفق الرّاحة نسبيّاً لتواصل عدد من الأفاضل بالكتابة والبحث في المجلّة ــ بغض النَّظر عن التَّصور الّذي قدَّمناه ــ إلّا أنَّ الهدف الأسمى لكلِّ سعي علمي هو أنْ يكون فاعلاً ومتفاعلاً في بيئته ومن خلال ثقافة عصره، يجدّد ما بَليَ، ويُعالج ما استجدّ من صوره المختلفة سواء كان شبهاتٍ تطرح استُغلت استغلاقاً في فهم صورة علميَّة قديمة لا يستعصي على المشتبه نقضها، أو عوامل أثّرت في تراكم الجهد المعرفي للبشر عموماً ينتفع منه الباحثون كمقدِّمة للحكم الشَّرعي أو جهة منقِّحة للموضوع أو جانب منه.
وكيف كان ــ وإلى أنْ نرى مزيداً من الجهود في هذا المضمار ــ فنحن سعداء بما يتحقّق من الأثر على صفحات المجلَّة، فهناك يراع يفتِّش ويكتب، وقرائح تتلقَّى وتنقد، وقديم طريف يُحفظ من إهمال الزّمان أو يستخرج من خزائن المخطوطات فيُحقَّق ويُقابَل ويخرج بهيّاً على صفحات المجلَّة البيضاء ويزداد به ثراء التّراث ومعين الفقيه. وبين هذا وذاك تنمو الحركة الثَّقافيَّة والعلميَّة وتزداد حصون الشَّريعة أو تتوثَّق، وتنفق سوق العلم وتتنوَّق.
وقد وقع في النّظر إخراج العددين التّاسع والعاشر مزدوجين في إصدار واحد؛ نظراً لسعة بعض البحوث وطبيعة اتصال موضوعها المانع من إمكانية تقسيمها إلى حلقات تتباعد في الزمن الفاصل بين كلّ عددين.
هذا، وقد توافق العمل على هذا العدد مع انصراف ثُلَّة من أفاضل وطلبة الحوزة العلميّة المباركة إلى ساحات الجهاد لكسر شوكة الإرهاب بعد تمدّده بتنظيماته المسمَّاة زوراً بـ(الإسلاميَّة) في الأراضي العراقيَّة ليعيث في الأرض فساداً ويملأها قتلاً ورعباً، وكادوا يهدِّدون الأماكن المقدَّسة بالتَّعدي على ناموس قدسيَّتها وهتك حرمتها لولا رجال مؤمنون هبّوا لدفع غائلة المعتدين وفلّ حدّهم، فحفَّ فيمن حفَّ بهم متطوِّعون من فضلاء الحوزة العلميَّة يقوّون عنصر الإيمان فيهم ويحملون السِّلاح معهم، وثوى منهم شهداء نالوا الحُسْنَيين: طلب العلم والشّهادة في سبيل حفظ النَّاموس المقدَّس في الدِّين والأعراض والنُّفوس.
ومع هذا الظَّرف الّذي تنقسم فيه الجهود ويتشوَّش فيه البال لم تنقطع المشاركة العلميَّة في البحث والكتابة طالما كان العلم وتداوله يمنعان من انتشار عدوى التَّطرُّف وروح الكراهية والجهل الّذي تبني عليه تلك التَّنظيمات الإرهابيَّة المدَّعية للدِّين آمالها ونفوذها. فكما أنّ المجاهدين بالسِّلاح يحاصرونهم في الأرض والآفاق، فالعاملون بالعلم يضيِّقون عليهم ــ بأقلامهم ــ منافذهم المسمِّمة للعقول والنُّفوس، ويبطلون دعايتهم المضلِّلة المعتمدة على الدَّغل في الدِّين وتفرقة المسلمين ولا حول ولا قوَّة إلّا بالله العليّ العظيم.
نقرأ في العددين التّاسع والعاشر:
نقرأ فيهما موضوعاً جديداً يرتبط بتدعيم الجانب الإعجازي البلاغي في القرآن الكريم لم يسبق أنْ طُرق بهذا المستوى وكان للمجلَّة قصب السِّبق في نشره، وهو بلا شكّ يعزّز من مكانة القرآن الكريم في الحجَّة والتَّشريع طالما كان أحد المصدرين الأساسيين والثّقل الأكبر للإسلام.
وفي الفقه تنشر المجلَّة بحثاً عن مدى حجِّيَّة قول غير الأعلم، وما يمكن أنْ يستدلّ به عليها والموقف منه. وبحثاً آخر حول موارد الموسَّعات في الأحكام ودور تلك السِّعة في مقام الامتثال، وأهميَّتها في علاج ما يبدو من التَّعارض بين الرِّوايات.
ويعثر القارئ الكريم أيضاً على بحثين في الرِّجال أحدهما: دعوى الشّيخ الطّوسيّ في الاعتماد على مراسيل المشايخ الثّلاثة المعروفين: ابن أبي عمير، وصفوان، والبزنطي على أساس التزامهم بعدم الإرسال إلا عن الثّقات.
والآخر: حلقة أخرى هي الثَّالثة في مسلسل البحث عن الرّاوي الشّهير (جابر الجعفي), هذا الرّاوي المهم الّذي له آثار في كلتا المدرستين: أهل البيت i بعد اختصاصه بالمعرفة بهم وترك مَنْ عداهم. والجمهور ورواتهم الّذين اهتموا به ونقلوا عنه قبل أنْ يتحوَّل إلى الاختصاص بآثار أئمَّة أهل البيت i. ويعتني الباحث الصَّبور المجدّ في مواكبة هذه الشَّخصية في خصوص هذه الحلقة بتتبّع الخطوط العامَّة لآثار جابر الجعفي في غير الفقه من علوم التَّفسير والقرآن والعقائد والفضائل والأخلاق والتَّاريخ.
وسيطالع القارئ الكريم أيضاً ــ كما عوَّدته المجلَّة في صفحاتها الأخيرة ــ تحقيقاً لمخطوطةٍ منتقاة بعناية موسومة بـ(شرح المراسم) ويتوقَّع القائم على تحقيقها أنَّها أقدم شرح لكتاب المراسم للفقيه الشَّيخ حمزة بن عبد العزيز الدّيلميّ الملقّب بـ(سلّار) (ت٤٤٨ أو ٤٦٣هـ).
وهذا الشّرح وإن لم يُعرَف مؤلِّفه على وجه التَّحديد بسبب ما أخنى عليه الزَّمان من آثار صروف الحدثان والنّقصان بفقد الأوراق الأولى منه، إلّا أنَّ بعض القرائن الدّاخليّة والخارجيّة ــ كما سيوافيك في مقدّمتها ــ تشير إلى أنَّ عصر الشَّارح قريب من عصر الماتن، بل يترقّى بالظَّنّ في زمن شخص الشَّارح حتّى يحصره بين تلامذة المحقّق ابن إدريس الحلي (ت ٥٩٨هـ). ويأمل المحقّق من هذا الشّرح النّفيس أنْ يكون معيناً في تصحيح بعض العبائر في نسخة المتن المتداولة المطبوعة، كما يمكن الاعتناء به كمصدر لبعض الرِّوايات الّتي جاءت في الموسوعات الفقهيَّة مجهولة المصدر.
وفي الختام نتقدَّم بالشُّكر الخالص إلى اللَّجنة العلميَّة المشرفة على استيفاء البحوث للسلامة العلميَّة الأساسيَّة لسعيها الجاد وتعاونها مع الباحثين، كما نشكر كلّ من وضع يداً في هذا العمل ليخرج أقرب ما ساعدت عليه الظُّروف إلى الضَّبط والإتقان، وأبعد ما تعاونت عليه الأيدي عن النَّقص في التَّرتيب والتَّنظيم، وعن التَّقصير في مراعاة قواعد النَّشر، فإذا وُجِدَ فيه عيب بعد ذلك فالمرجو حسن الظَّنّ والتَّنبيه لتداركه، وما توفيقنا إلّا بالله سبحانه وتعالى عليه توكَّلنا وإليه ننيب.