تبعيّة المدلول الالتزاميّ للمدلول المطابقيّ في الحجّيّة
الشيخ إسكندر الجعفري (دام عزّه)
يُسلّطُ هذا البحث الأضواء على مسألة أُصوليَّة مهمَّة وهي (تبعيَّة المدلول الالتزامي للمدلول المطابقي) حيث استعرض البحثُ الأقوال مع أدلّتها، ثُمَّ نقدها ومناقشتها.
وسيتَّضـح ـ إنْ شاء الله تعالى ـ أنَّ الأقوال ثلاثة، أوّلها: التّبعيّة مطلقاً. ثانيـها: عدم التبعيّة مطلقاً. ثالثها: التَّفصيل.
ثُمَّ ينـتـهـي البحث إلى اختيار القول الثالث، ولكن على أساس آخر غيـر الّذي اعتمده أصحاب هذا القول.
المقدّمة
بسم الله الرحمن الرحيم
من المسائل الأصوليّة المهمة هي هذه المسألة، لما يترتب عليها من ثمرات فقهيّة كثيرة، وقد وقعت محلّاًللكلامبينالأعلام،حيثتعرّضوالبحثهافيموضعين، الأوَّل: في مبحث الضد، والآخر: في مبحث التعارض، وسنعرضها ضمن الأبحاث التالية:
البحث الأوّل: تحرير محل النّزاع.
البحث الثّاني: آراء الأعلام في المسألة.
البحث الثّالث: الرأي المختار.
البحث الأوَّل: تحرير محل النّزاع
من الواضح أنّ الدلالة الالتزاميّة تابعة للدلالة المطابقيّة في الوجود، بمعنى أنّ وجودها تابع لوجود المطابقيّة، ولكن الكلام في الحجّيّة، فهل الدلالة الالتزاميّة تابعة للمطابقيّة في الحجّيّة أيضاً؟ بمعنى أنّ دليل الحجّيّة يدل عليهما في عَرَض واحد، أو يدلُّ عليهما بشكلٍ طولي فدلالته على الحجّيّة الالتزاميّة فرع دلالته على الحجّيّة المطابقيّة. ويترتب على الاحتمال الأوَّل عدم الملازمة بين الدلالتين في الحجّيّة، إذ دليل الحجّيّة يدلّ على كلِّ واحدةٍ منهما بشكلٍ مستقل، فلا يلزم ـ حينئذٍ ـ من سقوط إحداهما سقوط الأخرى لعدم التلازم بينهما في الحجّيّة، بينما على الاحتمال الثّاني يمكن أن تثبت الملازمة بينهما في الحجّيّة لافتراض الطوليّة بينهما، فإذا سقطت المطابقيّة سقطت الالتزاميّة؛ لأنّها فرعها، وهذا بخلاف العكس، فإذا سقطت الالتزاميّة فلا يلزم منه سقوط المطابقيّة؛ لأنّ المطابقيّة ليست فرعاً منها.
والذي ينبغي أن يُعلم أنّ المراد من السّقوط: سقوط حجّيّة الدلالة المطابقيّة، لا سقوطها في الوجود، فإذا عُلم بكذب المُخبِر أو بخطئه خرج المورد عن محل النّزاع؛ للعلم حينئذٍ بعدم وجود الدلالة المطابقيّة من رأس وما كان موجوداً قبل العلم مجرد وهم، وسيتضح لاحقاً ـ إن شاء الله تعالى ـ أنّ بعض المناقشات والإشكالات تبتني على دخول هذه الصورة في محلّ النّزاع، وهو أمر لا يمكن قبوله؛ لكون المورد حينئذٍ من السّالبة بانتفاء الموضوع، فكيف يُعقل بقاء الدلالة الالتزاميّة فضلاً عن حجّيّتها بعد العلم بعدم وجود الدلالة المطابقيّة!
إذا اتّضح هذا يُعلم أنّ القائل بعدم التبعيّة ـ كالمحقّق النّائيني S ـ لا يقول بها في هذه الصورة وإنّما يقول بها في صورة سقوط حجّيّة الدلالة المطابقيّة دون وجودها، فالمفروض وجودها الذي يُعلم معه وجود الالتزاميّة، ولكن سقطت حجّيّتها بسبب وجود المعارض مثلاً أو غيره، فيبقى النزاع بعد ذلك في بقاء حجّيّة الدلالة الالتزاميّة.
البحث الثّاني: آراء الأعلام في المسألة
والآراء ثلاثة:
الأوَّل: عدم التبعيّة مطلقاً.
الثّاني: التبعيّة مطلقاً.
الثّالث: التفصيل.
وتفصيلها ما يلي:
الرأي الأوَّل: عدم التبعيّة مطلقاّ..
وقد صار إليه جماعة من الأعلام، منهم: المحقّق الخراساني، والمحقّق العراقي، والمحقّق النّائيني، والسّيّد البجنوردي، والسّيّد الحكيم S.
وحاصله: أنّ الدلالة الالتزاميّة وإن كانت تابعةً للدلالة المطابقيّة في الحدوث والوجود، لكنّها ليست تابعةً لها في الحجّيّة، فمتى سقطت المطابقيّة عن الحجّيّة بسبب التعارض أو نحو ذلك لا يلزم منه سقوط الالتزاميّة عنها، وقد اتّضح ممّا سبق أنّ محل الكلام فيما لو سقطت المطابقيّة عن الحجّيّة فقط، لا عن الوجود، وإلّا لسقطت الالتزاميّة حينئذٍ أيضاً؛ لكونها من السّالبة بانتفاء الموضوع.
وبتعبير آخر: إنّ الدلالة المطابقيّة قد أُخذت في موضوع وجود الالتزاميّة، ولم تؤخذ في موضوع حجّيّتها، فهي فرعها في الوجود والتحقّق، وليست فرعها في الحجّيّة، فهما بلحاظ دليل الحجّيّة متساويان.
وقبل عرض أدلة هذا الرأي لابأس بنقل بعض عباراتهم..
١. المحقّق الخراساني S..
اختلفت الكلمات في نسبة هذا الرأي إليه بين مثبتٍ ونافٍ، ولكن عند التأمل فيما ذكره S في حاشيته على الفرائد المسمّاة (دُرر الفوائد) يتّضح التزامه بالتفكيك بين الدلالتين في الحجّيّة.
حيث ذكر في تقريب دلالة الخبرين المتعارضين على نفي الثّالث ما نصّه :
(وأمّا بالنّسبة إلى مدلولهما الالتزامي ـ وهو نفي الثّالث المخالف لكلّ واحد منهما ـ فلمّا لم يكن بينهما تنافٍ ولم يُعلم كذب أحدهما ـ ولو إجمالاً ـ فلا مانع من جمعهما مع وجود المقتضي على ما هو المفروض من اشتمال كلٍّ على جميع ما يعتبر في الحجّيّة.
وبالجملة: لا بُدَّ أن يقتصر في رفع اليد عن الحجّيّة مع وجود المقتضي على قدر المانع، ولا مانع منهما إلَّا بالنّسبة إلى مدلولهما المطابقي دون الالتزامي، فيكون نفي الثّالث مستنداً إلى كلّ واحد)(١).
وتوضيحه: أنّ المدلول المطابقي لكلٍّ من المتعارضين قد سقط عن الحجّيّة بسبب المعارضة، ولكن مقتضى الحجّيّة في كلٍّ واحدٍ منهما موجود إلّا أنّ المعارضة تمنع من تأثيره، وأمّا المدلول الالتزامي لكلٍّ منهما فلا يوجد ما يمنع من تأثيره؛ إذ لا معارضة بينهما حسب الفرض، فيكون المدلول الالتزامي في كلٍّ منهما حجّة في نفي الثّالث المخالف. وواضح من هذا البيان التزامه S بالتفكيك بين المدلولين في الحجّيّة، ولكن مع توفر شرطين أساسيين هما :
١. مقتضي الحجّيّة في كلا المدلولين المطابقيين والالتزاميين.
٢. وجود المانع وهو التكاذب بلحاظ المدلولين المطابقيين، وعدم وجوده بلحاظ المدلولين الالتزاميين.
ثمّ ناقش S في هذا الدليل وقال ما نصّه:
(ولكن التّحقيق على ما يقتضيه النّظر الدّقيق أن يقال: إنّ الأصل سقوط أحدهما بلا عنوان، من دون تعيين لا واقعاً ولا ظاهراً عن الحجّيّة، وبقاء الآخر كذلك على الحجّيّة. وأمّا نفي الثّالث مستند إلى أحدهما الحجّيّة، لا إلى كلِّ واحد؛ وذلك لأنّ المفروض لمّا كان وجود المقتضي وليس المانع إلَّا العلم بالكذب وليس ما عُلم كذبه إلَّا أحدهما كذلك، فلا وجه لسقوط غيره عن الحجّيّة بالنّسبة إلى كلا مدلوليه المطابقي والالتزامي، كما لا وجه لبقائه على الحجّيّة بالإضافة إلى مدلوله الالتزامي، وهذه على ما قرّر أوَّلاً؛ إذ ليس للَّفظ دلالة عليه بالاستقلال، بل يتبع دلالته على مدلوله المطابقي ـ كما حقّق في محلَّه ـ فكيف يبقى حجّة بالنّسبة إليه بعد ما لم يكن حجّة إلى ما كان دلالته بتبعه. نعم، لمّا كانت الحجّة أحدهما بلا عنوان كانت حجّيّته بالإضافة إلى مؤدّاه المطابقي غير مفيدة إلَّا نفي الثّالث بتبعه، لا التزام به بخصوصه لعدم تعيّنه، وكان الأمر بالنّسبة إليه كما إذا لم يكن واحد منهما بحجّة أصلاً، كما لا يخفى)(٢).
وحاصل المناقشة: أنّنا نلتزم بنفي الثّالث ولكن ليس بكلا المدلولين الالتزاميين، وإنّما بأحدهما؛ لأنّ أحد المدلولين المطابقيين نعلم بكذبه، وبالتالي نعلم بعدم صدوره أصلاً، فكيف يبقى مدلوله الالتزامي على الحجّيّة، وهو فرعه في الوجود والتحقّق؟ وهذا ممّا يؤكّد ما ذكرناه في البحث الأوَّل من خروج صورة العلم بكذب المُخبِر أو الخبر عن محل النّزاع؛ إذ الجميع متفق على سقوط المدلول الالتزامي عن الحجّيّة؛ لأنّه من السّالبة بانتفاء الموضوع.
والذي نريد قوله: إنّ المحقّق الآخوند S لم يناقش في كبرى (التفكيك بين المدلولين) وإنّما ناقش في قضية أخرى، وهذا ممّا يؤكّد التزامه بها.
٢. المحقّق العراقي S..
قال في المقالات ما نصّه:
(إنّ دليل حجّيّة الظهور لا يفرّق بين الدلالتين، (فتكون) الدلالة الالتزاميّة (مستقلة) تحت (التعبّد) بالظهور وإن (كانت بوجودها) تبعاً للدلالة (المطابقيّة)، ولذا ربّما ( تكون) حجّة بلا حجّيّة الدلالة المطابقيّة، كما هو الشأن في موارد التعارض الموجب لتساقطهما في المدلول المطابقي مع قيامهما على الحجّيّة في (المدلول) الالتزامي في نفي الثّالث كما هو تبانيهم أيضاً على ذلك كما لا يخفى)(٣).
٣. المحقّق النائيني S..
قال S ـفي ردّمَن قال:إنّ الدلالةالالتزاميّة فرعالمطابقيّة وبعدسقوط المتعارضين في المدلول المطابقي لا مجال لبقاء الدلالة الالتزاميّة لهما على نفي الثّالث ـ ما نصّه:
(إنّ الدلالة الالتزاميّة إنّما تكون فرع الدلالة المطابقيّة في الوجود لا في الحجّيّة)(٤).
٤. السيّد البجنوردي S..
قال S ما نصّه:
(إنّ تبعيّة دلالة اللفظ والكلام على مدلوله الالتزامي لدلالته على مدلوله المطابقي في عالمالوجود، لافي عالمالحجّيّة، فيمكنالتفكيك فيعالم الحجّيّةبعد وجودهما معاً)(٥).
٥. السّيّد الحكيم S..
كرّر S في كتابه حقائق الأصول التزامه بفكرة (التفكيك بين المدلولين) في عدّة مواضع منه، فمن ذلك قوله:
(فإنْ قلت: الدلالة على ثبوت المناط إذا كانت التزاميّة فهي تابعة للدلالة المطابقيّة على فعليّة الحكم، فإذا سقطت الدلالة المذكورة عن الحجّيّة سقطت الدلالة الالتزاميّة أيضاً.
قلت: الدلالة الالتزاميّة لا بُدَّ أن تكون تابعة للدلالة المطابقيّة ثبوتاً ووجوداً ولا يجب أن تكون تابعة لها حجّيّة وإثباتاً؛ إذ لا مانع من التفكيك بينهما في الجملة إذا ساعده الجمع العرفي كما في بعض الأمارات التي لا يكون المثِبت منها حجّة؛ فإنّ ذلك إنّما هو لعدم حجّيّة الدلالة الالتزاميّة مع حجّيّة الدلالة المطابقيّة، وكما في باب المتعارضين فإنّه سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ في مبحث التعارض أنّ الوجه في بناء الأصحاب على حجّيّة المتعارضين في الدلالة على نفي الحكم الثّالث في مورد التعارض ـ مع البناء على أصالة سقوط المتعارضين عن الحجّيّة ـ هو إمكان التفكيك بين الدلالة المطابقيّة والالتزاميّة في الحجّيّة)(٦).
هؤلاء خمسة من الأعلام قد التزموا بالتفكيك بين المدلولين، كما قد اتّضح ذلك من خلال كلماتهم التي نقلناها، وهناك غيرهم قد التزموا بذلك أيضاً، كالسّيّد مصطفى الخميني S(٧).
وبعد عرض كلمات أصحاب هذا الرأي ننتقل إلى عرض أدلتهم أو ما يمكن الاستدلال به لهم، مع عرض المناقشات التي سُجلت عليها، أو التي يمكن أن تُسجل عليها، وهي كالتالي:
يتفق أصحاب هذا الرأي على أنّ دليل الحجّيّة شامل لكل من المدلولين في عرض واحد، فالمدلول المطابقي مشمول لدليل الحجّيّة القائل (صدّق العادل)، كما أنّ المدلول الالتزامي مشمول أيضاً له، فكلُّ واحدٍ منهما فرد من أفراد الحجّيّة بشكل مستقل عن الآخر، فإذا سقط أحدهما عن الحجّيّة لسببٍ وآخر لا يلزم منه سقوط الآخر عنها أيضاً.
ويمكن أن نصوغ هذا الدليل بشكل أكثر فنيّة، فنقول: إنّ دليل حجّيّة الخبر عامّاً أو مطلقاً يشمل كل خبرٍ خبر، سواء الأخبار ذات المداليل المطابقيّة أو ذات المداليل الالتزاميّة، وسواء الأخبار المتعارضة فيما بينها أو غير المتعارضة. نعم، خرج من تحت هذا العموم أو الإطلاق الخبران المتعارضان، وحيث إنّ المتيقّن منه خروج المدلولين المطابقيين، ولا يُعلم بخروج المدلولين الالتزاميين، نقتصر فيه على المتيقّن، ويبقى غيره تحت العامّ أو المطلق، بعد الالتفات إلى كون المدلول الالتزامي فرداً آخر من أفراد الحجّيّة كما ذكرنا، فيثبت المطلوب.
ثم إنّ التفكيك بين الدلالتين ليس بعزيز؛ إذ له شواهد متعددة، نذكر منها :
الشّاهد الأوَّل: فيما لوكان المدلول المطابقي مجملاً، والمدلول الالتزامي مبيَّناً، فإنّه ممّا لا شكّ فيه يكون المدلول الالتزامي حجّة فيؤخذ به، بخلاف المطابقي.
الشاهد الثاني: إنّ سقوط تمام المطابقي لا يلازم سقوط المدلول التضمني، ومثاله: الخبر إذا سقط بعضه فإنّ البعض الآخر يبقى على الحجّيّة ويؤخذ به.
وقد سُجلت على هذا الدليل عدة إشكالات، أهمها :
الإشكال الأوَّل: ما ذكره المحقّق السّيّد الخوئي S نقضاً وحلّا ً..
أمّا النّقض فبعدة موارد، منها..
المورد الأوَّل: (ما إذا قامت البيِّنة على ملاقاة الثّوب للبول ـ مثلاً ـ، ثُمَّ علمنا من الخارج بكذب البيِّنة، أو عدم ملاقاة الثّوب للبول، ولكن احتملنا نجاسته من جهة أُخرى ـ كملاقاته للدم مثلاً أو نحوه ـ فحينئذ هل يمكن الحكم بنجاسة الثّوب من جهة
البيِّنة المذكورة، بدعوى: أنّ الإخبار عن ملاقاة الثّوب للبول إخبارٌ عن نجاسته بالدلالة الالتزاميّة؛ لأنّ نجاسته لازمة لملاقاته للبول، وبعد سقوط البيِّنة عن الحجّيّة بالإضافة إلى الدلالة المطابقيّة من جهةِ مانعٍ لا موجب لسقوطها بالإضافة إلى الدلالة الالتزاميّة؛ لعدم المانع عنها أصلاً، ولا نظن أن يلتزم بذلك أحد حتّى من يدعي بأنّ سقوط الدلالة المطابقيّة عن الحجّيّة لا يستلزم سقوط الدلالة الالتزاميّة عنها، وهذا واضح جداً)(٨).
وفيه:
أنَّ هذا المورد خارج عن محل الكلام؛ لأنّه يفترض كذب البيِّنة، أو العلم بخطئها، كما لو عُلم بعدم حصول الملاقاة؛ فإنّ هذا المورد ـ كما ذكرنا عند تحرير محل النّزاع ـ خارج عن كلامنا؛ لأنّ مفروض الكلام سقوط حجّيّة المدلول المطابقي فقط، لا سقوطه وجوداً وثبوتاً؛ فإنّ المورد سيكون من السّالبة بانتفاء الموضوع.
المورد الثّاني: (ما إذا كانت الدار ـ مثلاً ـ تحت يد زيد، وادّعاها عمرو وبكر، وأَخبرتْ بيِّنة على أنّها لعمرو، وأُخرى على أنّها لبكر فتساقطت البيِّنتان من جهة المعارضة بالإضافة إلى مدلولهما المطابقي، فلم يمكن الأخذ بهما ولا بإحداهما، فهل يمكن عندئذ الأخذ بالبيِّنتين في مدلولهما الالتزامي ـ وهو عدم كون الدار لزيد ـ بدعوى: أنّ التعارض بينهما إنّما كان في مدلولهما المطابقي لا في مدلولهما الالتزامي، وبعد سقوطهما عن الحجّيّة في مدلولهما المطابقي لم يكن موجب لرفع اليد عنهما في مدلولهما الالتزامي ـ وهو أنّ الدار ليست لزيد ـ فلا بُدَّ أن يعامل معها معاملة مجهول المالك؟ ولا نظن أن يلتزم به متفقه فضلاً عن الفقيه)(٩).
وفيه:
أوَّلاً: نُسب إلى المحقّق العراقي S الالتزام بذلك، مع الالتفات إلى كونه من القائلين بالتفكيك كما تقدّمت عبارته(١٠).
وثانياً: إذا رجعنا إلى الروايات وكلمات الأعلام في هذا المجال نجدها تذكر التفصيل التالي: إذا قامت بيِّنة على ملكيّة الدار لشخص، وقامت أُخرى على أنّها لشخص آخر، وكانت الدار في يد ثالث، وقد تكافأت البيِّنتان، فإن أقرّ الثّالث لأحدهما قُضي بها للمشهود له، وإن دفعهما قُضي لهما مناصفةً تبعاً لبعض الروايات، أو يُقرع بينهما، فمن خرج اسمه أُحلف وقُضي له، فإن نكل أُحلف الآخر، فإن حلف قُضي له، وإن نكل أيضاً نُصّفت بينهما على ما هو المشهور، تبعاً لبعض الروايات(١١).
ومنه يتّضح أنّ القائلين بالتفكيك بين المدلولين لا يمكنهم المصير إلى ما يقتضيه المدلول الالتزامي: إمّا للدليل التعبدي في المسألة، وإمّا لأنّ الحكم بالمناصفة إعمالٌ لمقتضى المدلول المطابقي في كلٍّ منهما، الذي معه لا يُصار إلى ما يقتضيه المدلول الالتزامي. وعليه فعدم الحكم على وفق المدلول الالتزامي، لا من أجل تبعيّة المدلول الالتزامي للمطابقي في الحجّيّة وإنّما من أجل ما ذكرناه.
المورد الثالث: (ما إذا شهد واحد على أنّ الدار في المثال المزبور لعمرو، وشهد آخر على أنّها لبكر، والمفروض أنّ شهادة كلِّ واحد منهما ليست بحجّة في مدلولها المطابقي مع قطع النظر عن معارضة إحداهما مع الأُخرى، لتوقف حجّيّة شهادة الواحد على ضمّ اليمين، ففي مثل هذا الفرض هل يمكن الأخذ بمدلولهما الالتزامي ـ وهو عدم كون هذه الدار لزيد ـ لكونهما متوافقين فيه فلا حاجة إلى ضمّ اليمين في الحكم بأنّ الدار ليست لزيد؟ كلا)(١٢).
ويرد عليه:
أوَّلاً: ما ذكره بعض أعلام العصر S بقوله:
(إنّ بعض هذه النقوض ليس من باب سقوط الدلالة المطابقيّة بل من باب عدم ترتب الأثر عليها، لعدم توفّر شرائط الحجّيّة كلّها ـ كما في النّقض الثّالث ـ والمُدعى عند القائل بالتبعيّة سقوط الدلالة الالتزاميّة بسقوط المطابقيّة، لا توقف حجّيّتها على حجّيّة المدلول المطابقي وترتب أثر شرعي عليه بالفعل)(١٣).
ولكنّه ليس بتام؛ وذلك لأنّ المراد من السقوط عدم الحجّيّة مطلقاً، أي سواء كان ذلك بسبب وجود مانع من تأثير المقتضي كما في المتعارضين، أو بسبب عدم تماميّة
المقتضي كما في المقام، فإنّ شهادة الواحد جزء المقتضي، ووجه الإطلاق وعدم الفرق واضح، فإنّ محل البحث توقف وجود المدلول الالتزامي على وجود المدلول المطابقي، سواء كان المدلول المطابقي حجّة أو لا، وسواء كان عدم الحجّيّة بسبب وجود المانع أو بسبب عدم تماميّة المقتضي.
والمناسب في الجواب أن يُقال: إنّ موضوع البيِّنة غير متحقّق في المقام ليكون مشمولاً لدليل حجّيّتها؛ وذلك لأنّ تحقّق موضوعها متوقف على توفّر شاهدين عادلين، مع عدم العلم بخطئهما أو أحدهما، وفي المقام نحن نعلم: إمّا بكذب أحدهما، وإمّا بخطئه؛ فإنّ المفروض أنّ أحد الشاهدين قد شهد لعمرو، والآخر لبكر، ومدلولهما الالتزامي عدم كون الدار لزيد، فدليل البيِّنة ليس شاملاً لهذا المدلول الالتزامي.
إن قلت: إنّ العلم بكذب أحدهما أو خطئه لم يكن بلحاظ المدلول الالتزامي؛ إذ هما متفقان في ذلك، فلماذا لا يكون المدلول الالتزامي مشمولاً لدليل البيِّنة؟
قلت: بعد العلم بكذبه لا يتحقّق عنوان الشاهدين العادلين، وأمّا في صورة احتمال الخطأ فلا تبقى قيمة لشهادته؛ إذ الخطأ في المدلول المطابقي يلازم الخطأ في المدلول الالتزامي، وهو شيء واضح.
إذا اتّضح هذا نقول: إنّ عدم حجّيّة المدلول الالتزامي في المقام لا من أجل تبعيّته للمطابقي، وإنّما من أجل عدم كونه مشمولاً لدليل حجّيّة البيِّنة.
إذن عدم التزام الأعلام في المقام بحجّيّة المدلول الالتزامي لا يكشف عن بطلان نظريّة التفكيك، فلا يصلح المورد المذكور للنقض.
المورد الرابع: (ما إذا قامت البيِّنة على أنّ الدار التي في يد عمرو لزيد، ولكنّ زيداً قد أقرّ بأنّهاليست له،فلا محالةتسقط البيِّنةمن جهةالإقرار، فإنّهمقدّم عليها،وبعد سقوط البيِّنة عن الحجّيّة بالإضافة إلى الدلالة المطابقيّة من جهة قيام الإقرار على خلافها، فهل يمكن الأخذ بها بالإضافة إلى الدلالة الالتزاميّة، والحكم بعدم كون الدار لعمرو؟ كلا)(١٤).
وفيه: يمكن للخصم أن يدعي أنّ المدلول الالتزامي ـ في المقام ـ ثابت غير أنّه لا يترجّح على أماريّة اليد، أو أنّ ترجحه ليس شيئاً واضحاً؛ لاقتران البيِّنة بتكذيب المشهـود له، فيمكن القول: إنّ البـيِّنـة التي تتقدّم على اليد هي البيِّنة غير المقرونة بتكذيب
المشهود له، فإنّ ذلك مضعّف لها، كما هو واضح.
وعليه فعدم التزام الأعلام بمدلول البيِّنة الالتزامي في المقام لا لتبعيته للمطابقي في السقوط، وإنّما من أجل أقوائيّة اليد عليه لخصوصيةٍ في المورد.
إلى هنا اتّضح أنّ النقوض التي سجّلها المحقّق السّيّد الخوئي S ليست بتامّة.
هذا كله بلحاظ النقض.
وأمّا الإيراد الحلّي فقد بيَّنه S بقوله:
(وأمّا حلّا ً فلأنّ الدلالة الالتزاميّة ترتكز على ركيزتين من ضم إحداهما إلى الأُخرى يتشكل القياس على نحو الشّكل الأوَّل، الأُولى: ثبوت الملزوم. الثانية: ثبوت الملازمة بينه وبين شيء. ومن ضمّ الصغرى إلى الكبرى تحصل النتيجة، وهي ثبوت اللّازم. وأمّا إذا لم تثبت الصغرى أو الكبرى أو كلتاهما فلا يمكن إثبات اللّازم، وفي المقام بما أنّ المدلول الالتزامي لازم للمدلول المطابقي فثبوته يتوقف على ثبوت الملازمة وثبوت المدلول المطابقي، فإذا لم يثبت المدلول المطابقي أو ثبت ولكن لم تثبت الملازمة فلا يثبت المدلول الالتزامي لا محالة، ولا يفرّق في ذلك بين حدوثه وبقائه أصلاً.
وبعبارة أُخرى: إنّ ظهور الكلام في مدلوله الالتزامي وإن كان مغايراً لظهوره في مدلوله المطابقي، إلّا أنّ ظهوره في ثبوت المدلول الالتزامي ليس على نحو الإطلاق، بل هو ظاهر في ثبوت حصة خاصّة منه، وهي الحصة الملازمة للمدلول المطابقي.
مثلاً: الإخبار عن ملاقاة الثّوب للبول وإن كان إخباراً عن نجاسته أيضاً، إلّا أنّه ليس إخباراً عن نجاسته على الإطلاق بأيّ سبب كان، بل إخبار عن حصة خاصّة من النّجاسة، وهي الحصة الملازمة لملاقاة البول، بمعنى أنّه إخبار عن نجاسته المسبّبة عن ملاقاته للبول في مقابل نجاسته المسبّبة لملاقاته للدم أو نحوه، فإذا قيل إنّ هذا الثّوب نجس، يراد به أنّه نجس بالنّجاسة البولية، وعندئذ إذا ظهر كذب البيِّنة في إخبارها بملاقاة الثّوب للبول، فلا محالة يُعلم بكذبها في إخبارها بنجاسة الثّوب المسبّبة عن ملاقاته للبول. وأمّا نجاسته بسبب آخر وإن كانت محتملة، إلّا أنّها نجاسة أُخرى أجنبية عن مفاد البيِّنة تماماً. وعليه فكيف يمكن الأخذ بالدلالة الالتزامية بعد سقوط الدلالة المطابقية!!)(١٥).
ملاحظة: إنّ النقطة الجوهرية التي يعتمد عليها هذا الإشكال هي أنّ الإخبار عن اللّازم ليس إخباراً عنه بشكلٍ مطلق، بل إخبار عن الحصة المقارنة للمدلول المطابقي، فالإخبار عن ملاقاة البول للثوب ليس إخباراً عن مطلق النّجاسة، وإنّما عن النّجاسة البوليّة.
وفيه: أنّنا نسلّم بذلك، ولكن الكلام ليس في سقوط المدلول المطابقي وجوداً، وإنّما الكلام في سقوطه حجّةً، والمفروض في الإشكال العلم بكذب الخبر، أو اتّضاح اشتباهه، وقد ذكرنا عند تحرير محل النّزاع أنّ بعض الإشكالات تبتني على تصور النّزاع في حالات العلم بكذب الخبر أو خطئه، وهو شيء لا يدعيه أحد.
الإشكال الثاني: ـ وهو المناسب في الجواب ـ حيث نقول: إنّ الدليل على حجّيّة الخبر إمّا النّصوص، وإمّا السّيرة. وعلى الأوَّل يكون المقام من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
وتوضيحه: أنّ المفروض كون كلٍّ من المدلول المطابقي والالتزامي فرداً مستقلاً للحجّيّة، وقد دلَّ الدليل على خروج المدلول المطابقي من تحت عموم حجّيّة الخبر: إمّا للتعارض، وإمّا لشيء آخر، فيبقى المدلول الالتزامي مشكوكاً؛ إذ لا نعلم ـ بعد سقوط مدلوله المطابقي ـ هل يبقى مشمولاً للعامّ أو لا؟ وفي مثله لا يكون العامّ حجّة فيه؛ لأنّ العامّ لا يثبِت موضوع نفسه، كما هو واضح.
هذا كلّه إذا كان دليل الحجّيّة لفظياً.
وأمّا إذا كان لُبيّاً ـ وهي السّيرة ـ فالمناسب الاقتصار على المقدار المتيقن، وهو حجّيّة المدلول الالتزامي إذا كان المطابقي باقياً على الحجّيّة بالفعل، وأمّا في صورة سقوطه عن الحجّيّة فإنّنا نشكُّ في بقاء الالتزامي على الحجّيّة، ومعه لا يمكن التمسّك لإثبات حجّيّته بالسّيرة لأنّها دليل لبيّ.
والحاصل: عدم تماميّة الدليل المذكور.
وأمّا الشّاهدان المذكوران لصالح التفكيك فيمكن مناقشتهما بما يلي:
١. أمّا الشّاهد الأوَّل فإنّه أخصّ من المدعى؛ إذ المدعى بقاء حجّيّة المدلول الالتزامي بعد سقوط حجّيّة المطابقي مطلقاً، سواء كان السّقوط بسبب التعارض أو بسبب الإجمال أو غير ذلك، وأقصى ما يثبته الشّاهد إمكان التفكيك في صورة إجمال المدلول المطابقي. مضافاً إلى أنّ ذلك يحتاج إلى تتبع الموارد التي يلتزم فيها الفقهاء بالتفكيك مع مساعدة العرف على ذلك، ليتّضح وجود سيرة على ذلك والتي هي العمدة في باب الظهورات أو عدم وجودها.
٢. أمّا الشّاهد الثّاني فيمكن مناقشته من جهتين:
الجهة الأولى: إنّ الأخذ ببعض الخبر إذا سقط بعضه الآخر ليس من المدلول الالتزامي وإنّما هو أخذٌ بالمدلول التضمّني، ولا ملازمة بين الأمرين.
الجهة الأُخرى: إنّ قيام السّيرة العقلائيّة على الأخذ ببعض الخبر بعد عدم إمكانالأخذ بالكلّ أوَّل الكلام؛ إذ أنّنا نشكّك في جريان السّيرة على التفكيك في مدلول الخبر الواحد إذا كان السّياق واحداً، وفي مثله يكفي الشّكّ القاضي بعدم حجّيّتها، لكونها دليلاً لُبيّاً، الذي يحتاج في تماميّته إلى حصول اليقين أو الاطمئنان.
الإشكال الثّالث: إنّ الدلالة الالتزاميّة ليست من دلالة اللفظ على المعنى، وإنّما من دلالة المعنى على المعنى، فاللفظ يدل على المعنى المطابقي، ثمَّ يدل المعنى المطابقي على المعنى الالتزامي، كما هو الحال في الكنايات، فإذا سقطت الدلالة المطابقيّة لا يبقى ما يدل على الالتزاميّة، فتثبت التبعيّة بينهما.
وفيه: أنّ هذا الدليل يفترض سقوط الدلالة المطابقيّة بكاملها، وفي مثله لا خلاف في سقوط الدلالة الالتزاميّة وجوداً فضلاً عن الحجّيّة؛ لأنّها من السّالبة بانتفاء الموضوع، كما تقدّم التنبيه على ذلك عند تحرير محل النّزاع.
إلى هنا انتهينا من عرض الرأي الأوَّل ومناقشته، وقد اتّضح أنّ الإشكال الثّاني وارد على هذا الرأي، بينما الإشكالان الأوَّل والثالث غير واردين.
الرأي الثاني: التبعيّة مطلقاً.
وقد اتّضح وجهه من خلال عرض الرأي الأوَّل ومناقشاته.
وحاصله: أنَّ المدلول الالتزامي كما هو تابع للمدلول المطابقي في الوجود هو تابع له في الحجّيّة أيضاً، فمتى سقطت حجّيّة المطابقي سقطت حجّيّة الالتزامي؛ لأنَّها متفرّعة عليها. وقد تبنى هذا الرأي جماعة منهم المحقّق السّيّد الخوئي S كمااتّضح ذلك من مناقشته للرأيالأوَّل، ومنهمالسّيّد الشّهيد محمَّدباقر الصدرS،ومنهم الميرزا التبريزي S، ومنهم شيخنا الأستاذ الإيرواني (دامت افاداته) (١٦)وغيرهم، ولننقلبعض عباراتهم:
١.المحقّق النّراقي S..
ذكر المحقّق النّراقي S في عوائده: أنّ الدلالة الالتزاميّة فرع الدلالة المطابقيّة. وهو S وإن لم يذكر مقصوده من التفرّع ولكن اتّضح مقصوده من خلال الأمثلة التي ساقها..
قال S في بيان ذلك: (اعلم أنّ من الأمور الواضحة: أنّ المدلول الالتزامي للفظ فرع مدلوله المطابقي وتابع له. فإذا انتفى المطابقي ينتفي الالتزامي أيضاً.
ويتفرّع على ذلك: أنّه لو جاء خبر: أنّ من تزوج باكراً بإذن وليّها خاصّة ثبت لها حقّ المضاجعة، فمدلوله المطابقي ثبوت حقّ المضاجعة للزوجة، ويدل بالالتزام الشّرعي على وجوب النفقة، ولمحقِّق الزوجيّة، وصحة النّكاح، وغير ذلك.
فلو جاء خبر يدل على عدم ثبوت حقّ المضاجعة لها أو لمطلق الزوجيّة، وترجّح على الخبر الأوَّل عند فقيه، وَرَدَّ الخبر الأوَّل لأجل تلك المعارضة، لا يمكنه القول بثبوت الزوجيّة والنّفقة المفهومين من الخبر الأوَّل، حيث إنَّ المعارض مخصوص بحقّ المضاجعة؛ لأنّ الزوجيّة والنّفقة كانتا تابعتين لثبوت حقّ المضاجعة، فإذا لم يثبت فأين الدال على الزوجيّة والنّفقة؟)(١٧).
فقوله: (إنّ المدلول الالتزامي للفظ فرع مدلوله المطابقي وتابع له، فإذا انتفى المطابقي ينتفي الالتزامي أيضاً)، وإن كان لم يصّرح فيه بالتبعيّة في الحجّيّة إلّا أنّه يمكن استفادة ذلك: إمّا من نفس إطلاق العبارة، وإمّا من خلال المثال الذي ذكره، فإنّه لم يفرض سقوط الخبر الأوَّل وجوداً وإنَّما فرض وقوع التعارض بينه وبين خبرٍ آخر، وتقدّمه عليه، وهذا يعني سقوط حجّيّته فقط.
٢.المجدد الميرزا الشّيرازي S..
جاء في تقريرات درسه ما نصّه: (والحاصل: أنّ الأصول اللفظيّة طريقيّتها بالنسبة إلى المداليل الالتزاميّة ليست أصليّة في عرض كشفها عن المداليل المطابقيّة، بل إنّما هي تابعة لطريقيّتها حينئذٍ إلى المداليل المطابقيّة، فإذا سقطت عن كونها طريقاً إلى المدلول المطابقي بسبب التعارض، وصار اللفظ مجملاً فيه، فلا يعقل ـ حينئذٍ ـ طريقيّتها وكشفها عن المدلول الالتزامي، فإنّه كان لازماً عند العقل لإرادة الملزوم، فإذا لم يُعلم إرادته فلا يعقل الظن من اللفظ بإرادة اللّازم، فعلى هذا فالحقّ هو التساقط رأساً)(١٨).
٣. المحقّق السّيّد الخوئي S..
تقدّم نقل كلامه S عند عرض مناقشته للرأي الأوَّل.
٤. الميرزا التبريزي S..
فإنّه بعد عرضه لاستدلال المحقّق النّائيني S في إثبات نظريته في التفكيك قال ما نصّه:
(ولكن لا يخفى ما فيه؛ فإنّ الإخبار عن المدلول الالتزامي إنّما هو بفرض ثبوت المدلول المطابقي لا مطلقاً; ولذا لو سُئِلَ مِن المخبِر لو اتفق في الواقع عدم ثبوت للمدلول المطابقي في خبرك فهل تخبر مع ذلك بثبوت المدلول الالتزامي؟ يكون جوابه النفي، فالمعارضة المفروضة بين الخبرين المتعارضين في مدلولهما المطابقي تجري في مدلوليهما الالتزاميين أيضاً; ولذا لو أخبر شخص بإصابة البول لمايع فهو إخبار بنجاسته المترتّبة على إصابته، فإنْ أخبر شخص آخر أنّه أصابه الخمر دون البول فهو أيضاً إخبار بنجاسته المترتّبة على إصابة الخمر فلا تثبت نجاسته; لأنّ النّجاسة المترتّبة على ذلك المايع نجاسة خاصّة ينفيها من يخبر بإصابة الخمر إيّاه لا البول، وأيضاً لا يؤخذ المال من ذي اليد إذا أخبر عدل بأنّ ذلك المال لعمرو، وأخبر عدل آخر أنّه ليس لعمرو بل هو لبكر، فلا يقال إنّخبرهما في موردٍ يعتبر بيّنة على أنّالمال ليسلذي اليدإلى غير ذلك)(١٩).
هذا جانب من كلمات بعضهم واستدلالاتهم، وفيما يلي نستعرض أهم أدلتهم مع المناقشة.
ملاحظة: بعض أدلّة هذا الرأي قد تقدّمت، وتقدّمت مناقشتها أيضاً، كالذي ذكره السّيّد الخوئي S من المناقشة، فإنّه مناقشة للرأي الأوَّل وفي نفس الوقت تشييد لهذا الرأي فلا نعيد ذكره والمناقشة التي سُجلت عليه.
وأمّا باقي الأدلة فهي:
الدليل الأوَّل: ما ذكره السّيّد الشّهيد محمَّد باقر الصدر S بقوله:
(التقريب الثّالث ـ وهو الوجه المختار ـ: إنّ ملاك الحجّيّة في الدلالتين واحد فلا تبقى نكتة لحجّيّة الدلالة الالتزاميّة إذا سقطت الدلالة المطابقيّة.
وتوضيح ذلك: أنّ نكتة الحجّيّة وملاكها في الإخبار والحكاية إنّما هو أصالة عدم الكذب ـ بالمعنى الشّامل للاشتباه ـ وفي الإنشاء والقضايا المجعولة أصالة الظهور وإرادة المعنى من اللفظ، وإذا سقطت الدلالة المطابقيّة بظهور كذبها في باب الإخبار أو عدم إرادتها في باب الإنشاء فافتراض عدم ثبوت المدلول الالتزامي لها لا يستدعي افتراض كذب زائد في الإخبار أو مخالفة زائدة في الإنشاء؛ لأنّ هذه الدلالة لم تكن بدال إخباري أو إنـشـاء مسـتقـل وإنّمـا كـانت من جهـة الملازمـة بيـن المدلولين فـتكـون مـن دلالـة المدلـول على المدلول وليست دلالة واجدة لملاك مستقل للكاشفيّة والحجّيّة.
وعلى هذا الأساس صحّ التفصيل في التبعيّة بين الدلالة الالتزاميّة البيِّنة عرفاً ـ أي الدلالة التصوريّة ـ والدلالة الالتزاميّة غير البيِّنة ـ الدلالة التصديقيّة العقليّة ـ حيث لا نلتزم بالتبعيّة في الأولى؛ إذ لو كانت الدلالة الالتزاميّة بدرجة من الوضوح بحيث تشكّل ظهوراً في الكلام زائداً على مدلوله المطابقي فسوف يكون عدم إرادة المتكلم لها مخالفة إضافية زائداً على ما يستلزمه عدم إرادته للمدلول المطابقي فيكون مثل هذه الدلالة الالتزاميّةمستقلة عنالدلالة المطابقيّةفي ملاكالحجّيّة فلاتتبعها في السقوط)(٢٠).
ويمكن تلخيص ما ذكره S في نقطتين :
الأولى: إنَّ كذب المدلول الالتزامي لا يستدعي مخالفة زائدة في نظر العرف.
الأخرى: بناءً على النّقطة الأولى يمكن التفصيل في التبعيّة؛ إذ أنّ المدلول الالتزامي على نحوين:
١. مدلول التزامي بيّن يشكّل في نظر العرف مدلولاً مستقلاً؛ لأنّ مخالفته تستدعي مخالفة زائدة في نظرهم. وفي هذا النحو لا نقول بالتبعيّة؛ إذ سقوط الالتزامي يحتاج إلى بيان زائد.
٢. مدلول التزامي غير بيّن لا يشكّل مدلولاً مستقلاً، في نظر العرف، وفي هذا النّحو نلتزم بالتبعيّة.
هذا خلاصة الدليل.
وفيه:
أوَّلاً: إنّ ما ذكره S مبني على دخول صورة العلم بكذب الخبر أو الاشتباه في محلّ النّزاع، وقد تقدّم أنّ هذه الصورة خارجة عن محل الكلام.
ثانياً: إنّ نكتة (المخالفة الزائدة) تتنافى مع التفصيل الذي ذكره S بين كون المدلول الالتزامي بيِّناً واضحاً، وبين كونه غير بيِّن؛ وذلك لأنّ المخالفة الزائدة تفترض كذب المُخبر بلحاظ مدلوله المطابقي، ومعه كيف يُعقل بقاء المدلول الالتزامي سواء كان بيِّناً أو غير بيِّن!!
ثالثاً: إنّنا نلتزم بالتفصيل، ولكن لا لما ذكره من فكرة (المخالفة الزائدة) وإنّما من جهة ٍ أخرى سنشير إليها عند عرض الرأي الثّالث.
الدليل الثّاني: ما يُستفاد من بعض الكلمات المتقدّمة.
وحاصله: أنّ وقوع المعارضة على مستوى المدلول المطابقي توجب إجمال الدليل فيسري هذا الإجمال إلى المدلول الالتزامي أيضاً، ومعه لا يمكن الالتزام بالتفكيك.
وفيه:
أوَّلاً: هذا الدليل أخصّ من المدعى؛ إذ أقصى ما يثبته هو تبعيّة المدلول الالتزامي للمطابقي في صورة المعارضة فقط، أو في صورة إجمال المطابقي، بينما المدعى ثبوت التبعيّة مطلقاً، أي حتى في صورة عدم المعارضة وعدم الإجمال كما في صورة عجز المكلّف عن امتثال المدلول المطابقي.
ثانياً: إنّنا لا نسلّم سريان الإجمال إلى المدلول الالتزامي دائماً، بل نسلّمه في الجملة، كما سيتضح ذلك لاحقاً إن شاء الله تعالى.
الدليل الثّالث..
وحاصله: أنّ دليل حجّيّة الخبر هو السّيرة، وهي دليل لبّيّ يُقتصر فيه على القدر المتيقن، والقدر المتيقن هو حجّيّة المدلول الالتزامي حال بقاء المطابقي على الحجّيّة،
وأمّا في صورة الافتراق فلا يُعلم انعقاد سيرتهم على بقاء حجّيّة المدلول الالتزامي.
وبتعبير آخر: لا يُعلم قيام السّيرة العقلائية على التفكيك بين المدلولين في الحجّيّة.
وفيه..
ما سيتضح لاحقاً ـ إن شاء الله تعالى ـ من إمكانيّة التفكيك عرفاً في بعض الموارد.
هذا حاصل الرأي الثّاني مع مناقشته.
الرأي الثالث: التفصيل..
وقد اختلف أصحاب هذا الرأي في أساس التفصيل، على أنحاءٍ..
التفصيل الأوَّل: ما ذهب إليه المحقّق الأصفهاني S..
وحاصله: أنّ الدلالة التصديقيّة متقوّمة بالقصد والالتفات، فإذا كان اللّازم مقصوداً للمخِبر وملتفتاً إليه فهو حجّة حتى في صورة سقوط المدلول المطابقي عن الحجّيّة، أو فيما إذا كان المدلول الالتزامي مدلولاً عرفياً عادياً ثابتاً لدى العرف، بحيث لا يتأتى للمتكلم إنكاره.
والذي يظهر من السّيّد الحكيم F في المحكم تبني هذا التفصيل مع زيادة في البيان والتوضيح، قال F:
(فلعلّ الأَوْلى أن يقال: المدلول الالتزامي..
تارة: يراد به ما يساق الكلام لبيانه ببيان الملزوم، بأن يكون المتكلم في مقام الحكاية عنه، نظير الكنايات.
وأخرى: يراد به ما لا يستفاد من الكلام إلّا لمحض الملازمة الواقعيّة بينه وبين مؤداه من دون أن يكون المتكلم في مقام بيانه ولا بصدد الحكاية عنه: إمّا لاعتقاده عدم الملازمة، أو غفلته عنها، أو عدم تعلّق غرضه ببيان اللازم.
أمّا الأوَّل فيصدق عليه عنوان الخبر والشهادة وظاهر الكلام ونحوها من موضوعات الحجّيّة كما تصدق على المدلول المطابقي، ويشتركان معاً في الدخول تحت عموم الحجّيّة. فيتجّه ما سبق في توجيه التفكيك بينهما في السّقوط عن الحجّيّة من لزوم الاقتصار على المدلول المطابقي لاختصاص المانع عن الحجّيّة به، ويبقى المدلول الالتزامي حجّة بمقتضى العموم بعد كونه فرداً آخر له في قبال المدلول المطابقي.
وأمّا الثّانيفلا تصدق عليهعناوين موضوعاتالحجّج منالخبر والشّهادة ونحوهما، لتوقفها على قصد الحكاية وبيان المؤدّى، وإنّما بني على الحجّيّة فيها توسعاً في إعمال عمومها فيالمدلول المطابقيوتبعاً لهبضميمة المرتكزات العقلائيّة التييبتني عليها عموم الحجّيّة، من دون أن يكون فرداً آخر للعموم في قبال المدلول المطابقي، على ما سبقالتعرّض لهفي لواحقمبحث الأصلالمثبت فيبيان الفرقبين الأمارة والأصل)(٢١).
والمقدار الذي أضافه السّيّد الحكيم F هو في بيان مستند الحجّيّة، ففي الحالة الأولى يدخل المدلول الالتزامي تحت عنوان الظهور بشكل مستقل؛ لأنّ الكلام قد سيق لبيانه كما في مثل الكناية، بينما في الحالة الثانية لا يدخل تحت عنوان الظهور لعدم سوق الكلام لبيانه، وإنّما فُهم من الكلام بتبع المدلول المطابقي.
والشّيء الذي ذكره المحقّق الأصفهاني S ولم يذكره السّيّد الحكيم F هو إدخال صورة كون المدلول الالتزامي لازماً عرفيّاً بيِّناً في الحالة الأولى.
والإنصاف مع المحقّق الأصفهاني؛ إذ المدار على الظهور وعدمه، واللّازم إذا كان واضحاً عرفاً بيِّناً لا يتأتى للمتكلم إنكاره يدخل تحت عنوان الظهور العرفي.
ويُسجّل علىالسّيّد الحكيمF:أنّ المدلولالالتزامي إذاكان هوالمقصود للمتكلم ـ كالكنايات ـ فما معنى التفكيك بين المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي في الحجّيّة؟ إذ المدلول المطابقي ليس مقصوداً للمتكلم، وإنّما هو مجرد طريق للالتزامي ليس إلّا، والتفكيك المبحوث بين المدلولين إنّما يكون في صورة وجود مدلولين مستقلين في الوجود والحجّيّة، والمفروض بناءً على ما ذكره أنْ لا وجود لمدلولٍ مطابقيّ مستقلٍ وإنّما وجوده مرآة وطريق للالتزامي.
ثم ذكر السّيّد الحكيم شيئاً آخر وهو: أنّه (لا بُدَّ من ملاحظة بناء العقلاء ومرتكزاتهم في عموم الحجّيّة للّازم أو قصورها عمّا إذا لم يكن الدليل حجّة في المدلول المطابقي. والظاهر أنّه يختلف باختلاف منشأ عدم الحجّيّة فيه..
فإن كان ناشئاً من قصور في طريقيّة الطريق كان مستتبعاً لعدم حجّيّته في اللّازم، لتفرّع طريقيّته عليه عندهم على طريقيّته على الملزوم، سواء كان ذلك لعدم طريقيّته رأساً، كما لو علم بكذبه فيه، وإن احتمل تحقّق اللّازم، أم لعدم طريقيّته شرعاً، كما لو شهد كل من الشّاهدين بأمرٍ مباينٍ لما شهد به الآخر، واشترك كلا الأمرين المشهود بهما في لازم واحد، أو شهدت البيِّنة في الحسيات عن حدس، كالشّهادة اعتماداً على الحساب بهلال شهرٍ إذا استلزم تعيين هلال شهر آخر، وغير ذلك.
أمّا إذا كان عدم حجّيّة الطريق في المدلول المطابقي ناشئاً من خصوصية فيه يمتاز بها عن اللّازم تمنع من ثبوته بالطريق من دون قصور في طريقيّة الطريق ولا في كاشفيّته، فلا يكون مستتبعاً لعدم حجّيّة الطريق في اللّازم بعد فرض عدم اشتماله على الخصوصية المذكورة وصلوحه لأنْ يثبت بالطريق المذكور، كما لو أُخذ في حجّيّة الطريق عنوان لا ينطبق على المدلول المطابقي، كالإقرار المتقوّم بكون موضوعه حقّاً على الُمقرّ، حيث قد لا يتضمن الخبر حقّاً على المخبر بمدلوله المطابقي، بل بلازمه. أو فُرِّق بين الموضوعات في حجّيّة الطريق بنحو لا ينطبق على المدلول المطابقي، كما في السّرقة التي هي موضوع الحدّ، حيث لا تثبت بالشّاهد واليمين، لأنْ الحدّ من حقوق الله تعالى، فإنّه حيث لا يرجع إلى قصور في طريقيّة الشّاهد واليمين المتضمنين للسرقة، بل لخصوصية في السّرقة تمنع من ثبوتها بهما، تعيّن ثبوت لازمها بها إذا كان حقّاً للناس، كالضمان)(٢٢).
أقول: ما ذكره متين جداً، ولكن السّؤال ما هو المرجع في تحديد كون الطريق إلى المدلول الالتزامي كاشفاً لا قصور في كاشفيته، ليُقال بأنّ المدلول الالتزامي لا تتضرر حجّيّته من جرّاء سقوط حجّيّة المدلول المطابقي؟
فلا بُدَّ من إبراز هذا المرجع ليكون التفصيل المذكور تامّاً.
التفصيل الثّاني: ما ينبغي أن يُقال: إنّ أسباب سقوط حجّيّة المدلول المطابقي متعدّدة ومختلفة..
فمنها: سقوطها بسبب المعارضة.
ومنها: سقوطها بسبب العجز وعدم القدرة على الامتثال.
ومنها: سقوطها بسبب إجمال المدلول المطابقي.
ومنها: سقوطها بسبب قصور المدلول المطابقي عن إثبات الحجّيّة له لانخرام شرط عرفي أو شرعي. إلى غير ذلك من الأسباب.
ويبدو أنّ بعض الأعلام قد لاحظ بعض هذه الأسباب، بينما البعض الآخر قد لاحظ بعضاً آخر، فالذي يُرجِع المسألة إلى الإجمال لاحظ السّبب الثّالث، وألحق به السّبب الأوَّل، والذي لاحظ السّبب الرابع أهمل بقية الأسباب كالثّاني ـ مثلاً ـ وهكذا.
والتحقيق يقتضي ملاحظة جميع الصور، بل ملاحظة الصورة الواحدة واختلافها بحسب الموارد، فالأولى ـ مثلاً ـ قد تقتضي الإجمال الساري إلى الالتزامي، وقد لا تقتضي ذلك، وحيث لا توجد ضابطة يمكن الركون إليها والاعتماد عليها نوكل الأمر إلى ركيزتين :
الأولى: الدليل الشّرعي، فإذا فهم منه التفكيك أُخذ به، وإلّا يُرجع إلى الركيزة الأخرى.
الأخرى: العرف، فإذا فَهِمَ التفكيك فهو المرجع؛ لأنّ المسألة من صغريات الظهور الذي يعتمد في حجّيّته على السّيرة العقلائيّة.
ولنلاحظ المثالين التاليين..
المثال الأوَّل: ما ورد في الإقرار..
جاء في روايات الإقرار أنّ مَن أقرّ على نفسه ثمَّ أنكر لزمه الحدّ؛ من قبيل موثقة الحلبي، عن أبي عبد الله (دامت افاداته) في رجل أقرّ على نفسه بحدّ ثم جحد بعدُ، فقال: (إذا أقرّ على نفسه عند الإمام أنّه سرق ثم جحد، قُطعت يده وإن رغم أنفه، وإن أقرّ على نفسه أنّه شرب خمراّ، أو بفرية فاجلدوه ثمانين جلدة، قلت: فإن أقرّ على نفسه بحدّ يجب فيه الرجم، أكنتَ راجمه؟ فقال: لا، ولكن كنتُ ضاربه الحدّ)(٢٣).
وهناك غيرها بالمضمون نفسه.
بتقريب: أنّالإقرار بالجنايةوالفرية مدلولمطابقي، بينماثبوت الحدّمدلول التزامي، فمع إنكاره للمدلول المطابقي لم يسقط المدلول الالتزامي حيث رتّب عليه الإمام (دامت افاداته) الحدّ، وهذا يدلّ على عدم الملازمة بين المدلولين في هذا المورد.
إنْ قلت: لِمَ لم يأخذ الإمام (دامت افاداته) بالمدلول الالتزامي في صورة استحقاق الرجم، ألا يدلُّ هذا على التبعيّة؟
قلت: عدم أخذه (دامت افاداته) بالمدلول الالتزامي في حدّ الرجم وأخذه به في بقية الحدود دليل على التفكيك التعبدي، ومعلوم من حال الشّارع تحفظه في موارد الدماء والفروج.
هذا، ولكن لم يتّضح من الرواية سقوط المدلول المطابقي لتكون شاهداً لصالح التفكيك؛ اذ لا يُعلم من إنكاره كذب مدلوله المطابقي، فكما يُحتمل كذبه عند الإقرار يُحتمل كذبه عند الإنكار أيضاً، فلا يُعلم حينئذٍ حاله، ومعه كيف يُعلم سقوط المدلول المطابقي؟
ويمكن أنْ يُجاب ثانياً: بأنّ المفروض في المسألة كون المدلول الالتزامي قضيةً مستقلةً عن قضية المدلول المطابقي تلازمها في الوجود والثبوت، وفي مقامنا ليس الأمر كذلك؛ إذ الإقرار موضوع لإقامة الحدّ، وحيث يثبت الموضوع يثبت الحكم، فثبوت الحدّ في الرواية كاشف عن تحقّق موضوعه وهو الإقرار، وهذا يعني أنّ الإقرار مطلقاً سواء لحقه الإنكار أو لا، يُحقِّق موضوع الحكم بإقامة الحدّ.
المثال الآخر: ما ذكره المحقّق النّراقي S في باب الشّهادات من الأمثلة..
حيث ذكر S أمثلة للشهادات التي قد يُدّعى اتفاقها أو اختلافها في المشهود به، ثُمَّ علّق عليها، بإمكان الالتزام ـ في بعضها ـ بتماميّة الشّهادة بلحاظ المدلول الالتزامي، مع عدم تماميّتها بلحاظ المدلول المطابقي، وفيما يلي نذكر خلاصة ما ذكره(٢٤).
بعد أنْ ذكر هذه القضيّة وهي: (أنّه يشترط في قبول شهادة الشّاهدين ورودهما على فعل واحد) فرّع نوعين من الفروع.
النّوع الأوَّل: ادّعى أنّ الفقهاء قد التزموا فيها بعدم قبول الشّهادة، من قبيل..
١. أنْ يشهد أحد الشّاهدين بالبيع، والآخر بالإقرار بالبيع.
٢. أنْ يشهد أحدهما أنّه أقرّ على نفسه بغصبيّة ثوبٍ، والآخر: أنّه أقرّ على نفسه بغصبيّة دينار.
٣. أنْ يشهد أحدهما أنّه قذف غدوة، والآخر: أنّه قذف عشيّة. إلى غيرها من الفروع.
النّوع الآخر: ادّعى أنّ الفقهاء قد قبلوا فيها الشّهادة، من قبيل..
١. لو شهد أحدهما أنّه أقرّ بقتلٍ أو دينٍ أو غصبٍ ببغداد أو يوم الخميس أو بالعربية، والآخر أنّه أقرّ بذلك بعينه بالكوفة أو يوم الجمعة أو بالفارسيّة، ثبت المقرّ به.
٢. لو شهد أحدهما أنّه أقرّ لزيد بألف، والآخر أنّ له ألفين، ثبت الألف بهما، والألف الآخر بانضمام اليمين.
٣. لو شهد أحدهما أنّه سرق ثوباً قيمته دينار، والآخر أنّه سرق ثوباً قيمته ديناران، ثبت الدينار بشهادتهما. إلى غيرها من الفروع.
ثمّ قال S: (لو شهد أحدهما أنّه أوصى لزيد بمائة يوم الخميس، أو في المرض الفلاني، أو في مكان كذا، وبوصايته على صغيره كذا، وشهد الآخر بأنّه أوصى به يوم الجمعة، أو في المرض الآخر، أو في مكان آخر، لم أعثر فيه على تصريح منهم على أنّه من قبيل النّوع الأوَّل، أو النّوع الثاني، إلا أنّ ظاهرهم قبول ذلك).
وبعد ذلك استشكل في الفرق بين كثير من فروع النّوع الأوَّل، وفروع النّوع الثّاني، وطرح حلّا َ لذلك..
وخـلاصته: أنّ في جميـع هذه الفـروع مداليـلَ مطابقيّـة، وأخرى التـزاميـة، وعليـه: فـإنْ كان التغاير والاختلاف بين الشّهادتين الثّابت لهما على مستوى المدلول المطابقي يسري ويتعدى إلى المدلول الالتزامي لم تُسمع الشّهادة؛ لأنّه إمّا غير متحقّق الوجود، وإمّا غير متحدّ من حيث الشّهادة، كما في فروع النّوع الأوَّل؛ لأنّه إن أُخذ المشهود به جنس هذه الأمور بلا فصلٍ لم يمكن وجوده خارجاً وإن اتحد في الشّهادتين، وإنْ أُخذ الجنس مع الفصل فإنّه وإن أمكن وجوده خارجاً، ولكن فصله المشهود به متغاير فلا تثبت الشّهادة.
هذا كلّه إذا كان التغاير مسرياً ومتعدياً إلى اللّازم.
وأمّا إذا لم يكن مسرياً ومتعدياً إلى اللّازم، وكان اللّازم ممكن التحقّق في الخارج فتُسمع الشّهادة عليه ويثبت المشهود به، كمثال الإقرار والوصية من فروع النّوع الثّاني؛ وذلك لأنَّ المدلول المطابقي وهو (الإقرار) في المثال وإن تغاير في الشّهادتين وقتاً وقدراً ولكن لازمهما ـ الذي هو تعلّق حقّ المُقرّ له بالمُقرّ به، أو القدر الناقص، أو استحقاق الموصى له للموصى به بعد موته ـ أمر واحد ممكن الوجود في الخارج، والمشخصان المذكوران في الشّهادة ليسا مشخصين للّازم أصلاً، فيكون اللّازم مشهوداً به. غاية الأمر عدم بيان بعض مشخصاته وهو لا يضرّ.
هذه خلاصة ما ذكره S.
ومرجع ما ذكره إلى أنّ أدلة الشّهادة قاصرة عن شمول المدلول المطابقي في هذه الفروع، وعدم قصورها عن شمول المدلول الالتزامي، فتثبت في الثّاني دون الأوَّل، فيكون ذلك من أمثلة التفكيك في الحجّيّة بين المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي فيما لو ساعد الفهم العرفي على ذلك.
إنْ قلت: إنّ الأمثلة المذكورة لا تصلح شاهداً لصالح القائلين بالتفكيك في بعض الصور والحالات لخروجها عن حريم النزاع تخصصاً؛ إذ الخلاف بين الأعلام قائم فيما لو سقطت حجّيّة المدلول المطابقي بسبب المعارضة، لا بسبب القصور في مقتضي الحجّيّة كما في المقام.
قلت: يمكن أنْ نجيب بجوابين :
١. إنّ المهم إنّما هو سقوط حجّيّة المدلول المطابقي مع بقاء حجّيّة المدلول الالتزامي سواء كان السّقوط بسبب المعارضة أو بسبب القصور في المقتضي، أو بسبب الإجمال، أو نحو ذلك، وسواء ثبتت الحجّيّة للمطابقي أوَّلاً ثم سقطت، أو لم تثبت له من البداية أصلاً، فإنّ المطلوب تفرّع حجّيّة المدلول الالتزامي عن حجّيّة المدلول المطابقي أو عدم تفرّعها.
٢. يظهر من بعض الأعلام دخول هذه الصورة في محل النّزاع، فالمحقّق السّيّد الخوئي S قدذكر فيبعض المواردالتي منهذا القبيل:أنّ الحجّيّةفي المدلول الالتزامي تتوقف على القول بعدم التبعيّة، فراجع(٢٥).
وقد اعترف السّيّد الشّهيد محمّد باقر الصدر S بحجّيّة المدلول الالتزامي وشمول أدلة البيِّنة له على الرغم من عدم حجّيّة المدلول المطابقي فيماكان منهذا القبيل، فليراجع(٢٦).
البحث الثّالث: الرأي المختار..
قد اتّضح ممّا سبق أنّ القول الأوَّل القائل بالتفكيك مطلقاً ليس بتام، وهكذا القول الثاني القائل بالتبعيّة مطلقاً، فيبقى القول بالتفصيل هو المناسب، ولكنّه لا يبتني على الأساس الذي ذكره العلمان المحقّق الأصفهاني S، والسّيّد الحكيم F، وإنّما يبتني على تتبع الموارد والحالات، بحسب أدلتها الشّرعيّة التي تقتضي التبعيّة تارةً، وأخرى عدم التبعيّة، وملاحظة الفهم العرفي في غير ذلك، وقد اتّضح أنّ ما كان من قبيل القصور في المقتضي يمكن الالتزام فيه بالتفكيك، وأمّا بقيّة الموارد فتحتاج إلى أمثلة وتطبيقات ليتضح الحال فيها.
والحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على خير خلقه محمَّد وآله الطاهرين.
المصادر والمراجع
(١) درر الفوائد في الحاشية على الفرائد: ١/ ٤٤٤.
(٢) درر الفوائد في الحاشية على الفرائد: ١/ ٤٤٤ ـ ٤٤٥.
(٣) مقالات الأصول: ٢/ ١٩٥.
(٤) فوائد الأصول: ٤/ ٧٥٦.
(٥) منتهى الأصول: ٢/ ٧٥٦.
(٦) حقائق الأصول: ١/ ٣٦٢.
(٧) ثلاث رسائل، دروس الأعلام ونقدها: ١٥.
(٨) محاضرات في أصول الفقه: ٣/ ٧٤. وطبعة الموسوعة: ٤٤/٣٦٥.
(٩) محاضرات في أصول الفقه: ٣/ ٧٤. وطبعة الموسوعة: ٤٤ /٣٦٥.
(١٠) يلاحظ: منتقى الأصول: ٢/٣٨٦ هامش: ١.
(١١) راجع روايات المسألة في وسائل الشيعة: ٢٧/ ٢٤٩، الباب: ١٢ من أبواب كتاب القضاء. وللوقوف على كلمات الأعلام راجع جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ٤٠/ ٤٢٤.
(١٢) محاضرات في أصول الفقه: ٣/ ٧٤ ـ ٧٥. وطبعة الموسوعة: ٤٤ /٣٦٦.
(١٣) بحوث في علم الأصول: ٧/ ٢٦٢.
(١٤) محاضرات في أصول الفقه: ٣/ ٧٥. وطبعة الموسوعة: ٤٤ /٣٦٦.
(١٥) محاضرات في أصول الفقه: ٣/ ٧٥ ـ ٧٦. وطبعة الموسوعة: ٤٤ /٣٦٦ ـ ٣٦٧.
(١٦) قواعد نافعة في الاستنباط: ١٥٧.
(١٧) عوائد الأيام. العائدة: ٨٦/ ٧٣٥.
(١٨) تقريرات آية الله المجدد الشيرازي: ١/ ١٧١ ـ ١٧٢.
(١٩) دروس في مسائل علم الأصول: ٦/١١٢.
(٢٠) بحوث في علم الأصول: ٧/ ٢٦٤.
(٢١) المحكم في أصول الفقه: ٦/ ١٥٠.
(٢٢) المحكم في أصول الفقه: ٦/ ١٥١ ـ ١٥٢.
(٢٣) وسائل الشيعة: ٢٨/ ٢٦ الباب: ١٢ من أبواب مقدمات الحدود وأحكامها العامّة ح ١.
(٢٤) مستند الشّيعة في أحكام الشّريعة: ١٨/ ٤٠٧ وما بعدها، بتصرّف.
(٢٥) التنقيح في شرح العروة الوثقى ( الموسوعة ): ٣/ ١٧١.
(٢٦) بحوث في شرح العروة الوثقى: ٤/ ١١٤.