تحقيق حال جابر الجعفيّ
(الحلقة الثانية)
الشيخ محمّد الجعفريّ (دام عزّه)
الغلاة فرقة نشأت في أوساط المسلمين تبتني دعواها على رفع أئمة أهل البيت i عن درجة الإمامة والاصطفاء الإلهي إلى درجة النبوة أو الإلوهيَّة، ويقترن بها غالباً الغلوّ في النبي e أيضاً ورفعه عن درجة النبوة إلى درجة الإلوهيَّة، وكذلك الغلوّ في عدد من صحابة النبي e مثل سلمان والمقداد وأبي ذر والنقباء الاثني عشر.
وتبني كثير من مذاهب الغلوّ على التناسخ بمعنى أنَّ الأرواح تنتقل بعد الموت من جسم إلى آخر، أو المسخ بمعنى نقلها إلى أجسام بعض الحيوانات معاقبة لها، كما أنَّها غالباً لا أحكام فقهيَّة لها، بل هي تهتم بأمر المعرفة وترى أنَّها مناط الإيمان.
بسم الله الرحمن الرحيم
كان الكلام في الحلقة الأولى في تحقيق حال التابعي جابر بن يزيد الجعفي في المقام الأوَّل في جهات: نسبه وكنيته، قبيلته، عقبه وقرابته، مشايخه في العلم، ولادته ووفاته وعمره، من روى عنه من أئمة أهل البيت i، طبقته، مذهبه، نشاطاته، أخذه العلم في مكة والمدينة، وعصره.
ووصل الكلام إلى:
الجهة الثالثة عشرة: شهرة جابر في الوسط الاجتماعي ..
يظهر من مجموع ما جاء في كتب الرجال والفِرَق والتواريخ أنَّ جابراً كانت له شهرة كبيرة في عصره في حدود المائة، وتستمد تلك الشهرة:
الأوَّل: أصالته ..
فإنَّه كان عربياً أصيلاً من سادات بيت جعفي، وهذا بطبيعة الحال يؤثّر في وجاهته وموقعه الاجتماعي.
فقد عرفنا أنَّ قبيلة جعفي كانت إحدى القبائل اليمنيّة التي شارك بعض بطونها في حرب القادسية، حتى كانوا قسماً من الجيش، وعيّن عليهم عمر أحدَ رجالها، ثمَّ استقروا في الكوفة. وكان لها حضور بارز فيها حتى كان لهم حيٌّ من أحيائها الأربعة المحيطة بمسجد الكوفة.
وقد كان من هذه القبيلة علمان مشهوران من مشاهير رجال الكوفة من أصحاب ابن مسعود قبل طبقة جابر:
أحدهما: سويد بن غفلة بن عوسجة الجعفي من أولاد حريم بن جعفي بن سعد العشيرة(١)، أحد فقهاء الكوفة من أصحاب ابن مسعود وأمير المؤمنين g، قيل عنه الإمام القدوة الفقيه، تُوفّي سنة (٨٠هـ) عن مائة وعشرين سنة، وقد شهد حرب القادسية، كما شهد صفين، وقد حُكيت له فتاوى في كتب الفقه.
والآخر: خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة، من أولاد مرار بن جعفي بن سعد العشيرة، من الفقهاء العلماء العبّاد، تُوفّي قبل سنة (٨٠هـ) حيث حكي أنَّ أبا وائل (ت٨٠هـ) قال في جنازته: (وا حزناه)، وهو صاحب ابن مسعود أيضاً، وهو من بيت وجيه من (جعفي) كان معروفاً بالكوفة يسمّى ببيت أبي سبرة ــ وهم يلتقون مع جابر في كونهم من فرع مران بن جعفي ــ.
وكان قد وَفَدَ وَفْدُ جعفي على النبي e في عام الوفود، وكان وافدهم على النبي e أبا سبرة مع ولديه سبرة وعزيز، فسمّى النبي e عزيز بـ (عبد الرحمن)، وهو والد خيثمة، وكان الوافد من العشائر وجهاءهم وساداتهم وأهل المكانة فيهم، وقد جاءوا أيضاً إلى العراق لحرب القادسية وشاركوا فيها وتوطنوا في الكوفة.
وخلّف خيثمة هذا ولده (عبد الرحمن) الذي كان له أولاد عدّة يُعدّون هم وأولادهم في أصحاب الإمامين الباقر والصادق h، منهم: (خيثمة بن عبد الرحمن) المعدود من أصحاب الباقر والصادقh ، وهو غير خيثمة المعدود من أصحاب ابن مسعود كما يعطيه التأمل في كلام النجاشي وتقتضيه الطبقة، فإنَّ خيثمة الأوَّل تُوفّي قبل سنة (٨٠هـ) فلا يُعدّ من أصحاب الباقر ‚ بطبيعة الحال، وَوَهَم فيه بعض الأعلام في تهذيب المقال(٢).
وقد ذكر النجاشي في (بسطام بن الحصين بن عبد الرحمن الجعفي) أنَّه كان وأبوه (الحصين) وعمومته وهم (خيثمة وإسماعيل وغيرهما) وجوهاً في أصحابنا، (وكان أوجههم إسماعيل. وهم بيت بالكوفة من جعفي، يقال لهم بنو أبي سبرة، منهم خيثمة ابن عبد الرحمن صاحب عبد الله بن مسعود)(٣).
وفي هذا البيت عدد من المحدّثين والرواة كما اعتنى بجمعهم بعض الأعلام(٤)، ومقتضى عموم كلام النجاشي أنَّ خيثمة أيضاً كان من أصحابنا.
ويبدو أنَّ جابراً لم يدرك هذين العلمين (سويد وخيثمة)، ومن ثَمَّ لا نجد رواية له عنهما، وهذا يؤيد ما استظهرناه من أنَّه ولد حدود (٦٠هـ) دون (٥٠هـ).
ويبدو أنَّ جابراً كان أوجه أفراد عشيرته في طبقته، حيث لا نجد ذكر أيٍّ من قومه من جملة المشاهير في تابعي الكوفة ــ من قبل ابن حبّان (ت٣٥٤هـ) في مشاهير علماء الأمصار ــ فهو أبرز شخصية في هذا البيت، وهو الشخصية الوحيدة التي تذكر منها في هذه الطبقة في كتب الأنساب.
الثاني: نشاطه العلمي ..
فإنَّ النشاط العلمي لجابر كان واسعاً وكان جابر بعلمه وسعة حديثه مؤهّلاً لأداء دور أكبر في الوسط الإسلامي العام، لاسيّما مع شيخوخته في الحديث تدريجاً، وسيأتي أنَّ جابراً كان قد تتلمذ على كبار التابعين في التفسير والحديث كما كان عالماً بالتاريخ معنياً به، وهذه هي العلوم الثلاثة المفروضة في عصره، ولولا أنَّه مال إلى المذهب الإمامي لعُدَّ من قبل علماء الجمهور من مشاهير التابعين في طبقته في الكوفة كما عُدّ سويدٌ وخيثمة.
الثالث: التحوّل الذي صار في مذهبه إلى مذهب الباقر والصادق h ..
فإنَّه إذا كان قد سقط به من أعين جماعة، فقد أصبح ذلك من جهة أخرى سبباًَ في مزيد شهرته بهذا الأمر، لأنَّه كان تحوّلاً في مذهبه بعد أن تعلَّم وكان شيخاً فاضلاً من شيوخ الحديث، فكان لذلك صدى في أوساط أهل الحديث من بعض مشايخه الذين كانوا على قيد الحياة كالشعبي، ومن زملائه وتلامذته بطبيعة الحال، لاسيّما أنَّه كان يفصح عن هذا التحوّل بنحو أو آخر.
والذي يتوقع أنَّ جابراً أدّى دوراً كبيراً في تحوّل قبيلة جعفي إلى التشيّع الإمامي ــ الذي كان جزءاً من التحوّل العام للكوفة إلى هذا المذهب ــ ، ولم يكن غريباً أنَّ بعض أتباع معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بعد ممات جابر كان يروّج أنّ جابراً الجعفي وجابر بن عبد الله الأنصاري منهم ويوافقانه على ما يروّجه من الغلوّ كي يجد قبولاً في الوسط الشيعي.
وقد كان لقبيلة جعفي قطعاً دور كبير في الفتن والحروب التي نشأت في أوساط أهل الكوفة مثل حركة المختار وابن الزبير وزيد بن علي وغيرهم.
الجهة الرابعة عشرة: جابر والسلطة الحاكمة ..
لقد عاش جابر ــ كما أسلفنا ــ في زمان الخلافة الأمويّة وتولّي ولاتهم للكوفة التي كانت علويّة الهوى، وقد كان وجهاء الشيعة وعلماؤهم في الكوفة ــ على العموم ــ تحت رقابة السلطة الحاكمة، إذ كانوا يعتبرون مصدر تهديد لها، وهذا ممّا كان يساعد على إمكان تصدّر بعض غير أهل العلم والفقه والوجاهة للحركات الثوريّة وذهابهم إلى مذاهب في الغلوّ والاعتقاد مخالفة لبديهيّات الإسلام وإسقاطهم للتكاليف الفرعيّة رأساً تخلّصاً عن عناء استنباطها وتكفّل مرجعيّتها فيظهر بذلك جهلهم.
ولما ذكرنا كان وجهاء الشيعة مضطرين إلى التخفّي تارة، وإظهار الجنون أخرى، والتقية ثالثة، ومن أمثلة ذلك ما اتفق لمعاصري جابر من وجهاء الشيعة ورجالهم ما ذكره النجاشي عن (محمَّد بن علي البرقي) جدّ (أحمد بن محمَّد بن خالد البرقي) المشهور من حبس يوسف بن عمر له بعد قتل زيد x ثمّ قتله إياه، فهرب ابنه عبد الرحمن مع ولده خالد وكان صغير السن إلى (برق رُوْذُ)(٥)، وذكر في (يقطين بن موسى) ــ والد (علي بن يقطين البغدادي) المشهور (١٢٤ ــ ١٨٢هـ) من موالي بني أسد ــ أنَّه كان داعية فطلبه مروان فهرب، وكانت (أمّ علي) هربت به وبأخيه عبيد إلى المدينة حتى ظهرت الدولة ورجعت، ومات علي بن يقطين نفسه في سجن هارون بعد أربع سنين من الحبس(٦).
وقال ابن الغضائري في شرح تكملة رسالة أبي غالب في حديثه عن آل أعين ــ (زرارة وإخوته) وبعضهم مثل حمران في طبقة جابر ــ: (كلّ واحد منهم كان فقيهاً يصلح أن يكون مفتي بلد، ما خلا عبد الرحمن بن أعين، فسألته عن العلّة فيه؟ فقال: كان يتعاطى الفتوى إلى أيام الحجّاج، فلمّا قدم الحجّاج إلى العراق قال: لا يستقيم لنا الملك، ومن آل أعين رجل تحت الحجر، فاختفوا وتواروا، فلمّا اشتدّ الطلب عليهم ظفر بعبد الرحمن هذا المفتي من بين إخوته، فأُدخل على الحجّاج، فلمّا بصر به قال: لم تأتوني بآل أعين، وجئتموني بزبارها، وخلّى سبيله)(٧).
وذكر النجاشي وغيره في (سلمان بن خالد) من أصحاب أبي جعفر g: (كان قارئاً فقيهاً وجهاً، روى عن أبي عبد الله وأبي جعفر h، وخرج مع زيد، ولم يخرج معه من أصحاب أبي جعفر g غيره فقطعت يده، وكان الذي قطعها يوسف بن عمر بنفسه)(٨).
وروى الكشّي عن علي بن الحسن بن فضّال قال: (يوسف بن عمر هو الذي قتل زيداً، وكان على العراق، وقطع يد أمّ خالد وهي امرأة صالحة على التشيّع، وكانت مائلة إلى زيد بن علي h)(٩).
وممَّن قتل من الشيعة في زمان الحجّاج قنبرٌ مولى أمير المؤمنين g (١٠)، وسعيد بن جبير (ت٩٥هـ)(١١)، ويحيى بن أمّ الطويل(١٢)، واتفق لرجال الشيعة في زمن بني العباس مثل ذلك من قتل وحبس وتعقّب كما اتفق لعلي بن يقطين، ومعلّى بن خنيس، وابن أبي عمير، وعمر بن أذينة وغيرهم.
هذا، وقد عاش جابر في عصر الخلافة الأمويّة منذ ولادته حتى وفاته (١٢٨هـ)، وعاصر جميع خلفاء بني مروان وأوَّلهم مروان بن الحكم الذي ولي الخلافة سنة (٦٥هـ) وآخرهم مروان الحمار الذي ولي الخلافة سنة (١٢٧هـ).
وقد جاء في بعض الأخبار من طرق الإمامية أنَّ جابر الجعفي تعرّض للتعقّب من قبل هشام بن عبد الملك بن مروان الذي تولّى الخلافة من سنة (١٠٥ ــ ١٢٥هـ)، وقد ولّى خالد بن عبد الله القسري إمارة الكوفة من (١٠٥ ــ ١٢٠هـ)، ثمَّ عزله وولّى يوسف ابن عمر الثقفي (١٢٠هـ) إلى أنْ عزله يزيد بن الوليد (١٢٦هـ)، ثمَّ ولّى يزيد منصور ابن جمهور سنة (١٢٦ ــ ١٢٨هـ).
ولكن اختلفت الأخبار في طريقة تخلّص جابر عن هذا التعقّب فجاء في بعض الأخبار أنَّه تخلّص عنه بإظهار الجنون، وفي بعضها الآخر أنَّه تخلّص عنه بالتخفّي والاستتار، وربّما يحتمل تعدّد الواقعة، وعلى كلّ حال فإنَّ ذلك كان بعد بلوغ جابر مستوى مرموقاً من الشخصيّة الاجتماعيّة والعلميّة في مجتمعه، إذ كان يبلغ عمره آنذاك خمسين سنة فما فوق.
١. فقد جاء فيما روى الكليني عن (علي بن محمَّد(١٣) [الرازي الكليني المعروف بعلّان، خال الشيخ الكليني، ثقة](١٤)، عن صالح بن أبي حمّاد [أبو الخير الرازي. مختلف فيه](١٥) عن محمَّد بن أورمة(١٦)، عن أحمد بن النضر [الخزاز، ثقة](١٧)، عن النعمان بن بشير [مجهول](١٨)، قال: (كنت مزاملاً لجابر بن يزيد الجعفي، فلمّا أنْ كنّا بالمدينة دخل على أبي جعفر g فودّعه وخرج من عنده وهو مسرور حتى وردنا الأخيرجة(١٩) ــ أوَّل منزل نعدل من فَيد(٢٠) إلى المدينة ــ يوم جمعة فصلّينا الزوال، فلمّا نهض بنا البعير إذا أنا برجل طوال آدم معه كتاب، فناوله جابراً فتناوله فقبّله ووضعه على عينيه وإذا هو: من محمَّد ابن علي إلى جابر بن يزيد وعليه طين أسود رطب، فقال له: متى عهدك بسيدي؟ فقال: الساعة، فقال له: قبل الصلاة أو بعد الصلاة؟ فقال: بعد الصلاة، ففكّ الخاتم وأقبل يقرؤه ويقبض وجهه حتى أتى على آخره، ثمّ أمسك الكتاب فما رأيته ضاحكاً ولا مسروراً حتى وافى الكوفة، فلّما وافينا الكوفة ليلاً بتُّ ليلتي، فلّما أصبحت أتيته إعظاماً له فوجدته قد خرج عليَّ وفي عنقه كعاب، قد علّقها وقد ركب قصبة، وهو يقول: أجد منصور بن جمهور أميراً غير مأمور وأبياتاً من نحو هذا، فنظر في وجهي ونظرت في وجهه فلم يقل لي شيئاً ولم أقل له، وأقبلت أبكي لما رأيته واجتمع عليَّ وعليه الصبيان والناس، وجاء حتى دخل الرحبة وأقبل يدور مع الصبيان والناس يقولون: جُنَّ جابر ابن يزيد جُنَّ، فوالله ما مضت الأيام حتى ورد كتاب هشام بن عبد الملك(٢١) إلى واليه أن انظر رجلاً يقال له: جابر بن يزيد الجعفي فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه، فالتفت إلى جلسائه فقال لهم: من جابر بن يزيد الجعفي؟ قالوا: أصلحك الله كان رجلاً له علم، وفضل وحديث، وحج، فجُنَّ وهو ذا في الرحبة مع الصبيان على القصب يلعب معهم، قال: فأشرف عليه فإذا هو مع الصبيان يلعب على القصب، فقال: الحمد لله الذي عافاني من قتله ..). قال: ولم تمضِ الأيام حتى دخل منصور بن جمهور(٢٢) الكوفة وصنع ما كان يقول جابر)(٢٣).
وقد ذكر المحدّث النوري: أنَّ إسناد الحديث حسن إلى أحمد بن النضر الثقة، (وأخرجه الكليني في جامعه الذي عرفت حاله، وفيه ضروب من المعاجز)(٢٤).
أقول: إنَّ الحديث ممّا رواه غير واحد من المتّهمين بالغلوّ مثل محمَّد بن أورمة، وصالح بن أبي حمّاد، وينتهي إلى رجل مجهول وهو النعمان بن بشير.
ويحتمل كونه تحريفاً عن (النعمان بن عمرو الجعفي) الذي ذكره الشيخ في الرجال في أصحاب الصادق g وقال: (أسند عنه)(٢٥)، لاسيّما أنَّه من عشيرته.
وبالجملة: فالخبر ضعيف جداً بحسب الإسناد، ولا شهادة لوروده في الكافي على اعتباره، كما أنّه غريب من حيث المضمون، بما تضمّنه من مجيء رجل من الجن رآه النعمان بن بشير ــ مضافاً إلى جابر ــ، ومقتضى الخبر ــ كما أسلفنا ــ أنّه كان في حياة الإمام الباقر g فيكون في زمان ولاية خالد بن عبد الله القسري.
وقد جاء في كتاب الاختصاص المنسوب إلى المفيد عن (محمَّد بن الحسن [ابن الوليد]، عن محمَّد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمَّد بن عيسى، عن البرقي، عن أحمد بن النضر الخزّاز، عن النعمان بن بشير، وفيه: ورد كتاب هشام بن عبد الملك على يوسف بن عثمان بأنْ انظر رجلاً من جعف يقال له: جابر بن يزيد ...)(٢٦).
وقد ذكر بعض الأعلام أنَّ هذا الإسناد ــ أي ما ورد في الاختصاص ــ صحيح(٢٧).
ولكن لم يظهر الوجه فيه مع جهالة النعمان بن بشير، مضافاً إلى عدم اعتبار كتاب الاختصاص على ما حقّق في محلّه.
والظاهر أنَّ (يوسف بن عثمان) محرّف عن (يوسف بن عمر)، إذ كان يكتب (عثمان) من دون الألف فيشبه (عمر).
وعليه فيقتضي أنّ الواقعة كانت في أواخر عهد جابر لأنَّ يوسف بن عمر تولّى الكوفة سنة (١٢٠هـ).
ولكن هذا لا يناسب ما فرض من حياة الإمام الباقر g، فالحديث مضطرب.
وروى الحديث ابن شهرآشوب في المناقب(٢٨) عن النعمان بن بشير بمثل لفظ الكافي، وكأنَّه أخذه منه.
٢. وروى الكشّي عن نصر بن الصباح، قال: (حدّثنا أبو يعقوب إسحاق بن محمَّد البصري، قال: حدّثنا علي بن عبد الله، قال: خرج جابر ذات يوم وعلى رأسه قوصرة راكباً قصبة حتى مرَّ على سكك الكوفة، فجعل الناس يقولون: جنّ جابر جنّ جابر! فلبثنا بعد ذلك أيّاماً، فإذا كتاب هشام قد جاء بحمله إليه. قال: فسأل عنه الأمير فشهدوا عنده أنَّه قد اختلط، وكتب بذلك إلى هشام فلم يتعرَّض له، ثمَّ رجع إلى ما كان من حاله الأوَّل)(٢٩).
وهذا الخبر أيضاً ضعيف من جهة الإرسال بين علي بن عبد الله وجابر، مضافاً إلى تضعيف نصر حيث اتّهم بالغلوّ، وكذلك إسحاق بن محمَّد البصري فقد اتّهم بالغلوّ، بل قال الكشّي إنَّه من أركانهم، ونسب إليه فرقة الإسحاقية.
وأمَّا علي بن عبد الله فلعلَّه (ابن مروان) وقد عدَّه الشيخ من أصحاب العسكري ‚، وقال الكشّي إنَّه سأل عنه العيّاشي فقال: (إنَّ القوم ــ يعني الغلاة ــ يمتحن في أوقات الصلوات، ولم أحضره في وقت صلاة، ولم أسمع فيه إلّا خيراً)(٣٠).
٣. وروى الكشّي أيضاً عن نصر، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا علي بن عبيد، ومحمَّد بن منصور الكوفي، عن محمَّد بن إسماعيل، عن صدقة، عن عمرو بن شمر، قال: (جاء العلاء بن يزيد رجل من جعفي، قال: خرجت مع جابر لمّا طلبه هشام حتى انتهى إلى السواد ...)(٣١). وتتمّة الرواية فيها كرامتان لجابر الجعفي.
وهذا الإسناد أيضاً ضعيف، وقد ذكرنا حال نصر وإسحاق.
وأمَّا (علي بن عبيد) فلعلَّه (علي بن عبد الله) المتقدّم، ولعلَّ (محمَّد بن إسماعيل) هو الرازي البرمكي، و(صدقة) مجهول، وعمرو بن شمر مضعّف بالغلوّ، والعلاء بن يزيد مجهول كما ينبّه عليه قول الراوي رجل من جعفي.
هذه نصوص تعقّب هشام بن عبد الملك لجابر.
٤. ووقع في بعض الأخبار الضعيفة تعقّبه من قبل بعض خلفاء بني أمية ــ على الإجمال ــ من دون تعيينه، فقد ذكر الحسين بن حمدان الخصيبي [الغالي] (ت ٣٣٤هـ) في الهداية حديثاً موهوناً جاء في ذيله: (فرفع بعض الأخبار إلى بني أمية فأنفذوا ليريدوا قتله، فصادفوه في طرقات المدينة راكب القصب يطوف ويصيح: جنّ جابر، فكتبوا يخبرون السلطان من بني أميّة بجنونه، فبعث إليهم أردنا قتله لما فعل فإذا كان قد جنّ اتركوه. فقال أهل المدينة: الجنون لجابر خير من القتل)(٣٢).
والذي يخطر في الذهن: أنَّه لا يبعد أصل تعقّب هشام لجابر، ولا يبعد كونه في زمان يوسف بن عمر الذي اشتهر بشدّته على الشيعة بعد الحجّاج، ولكن باقي القضية
تلفيقات من الغلاة والوضّاع.
ويساعد على أصل ذلك: أنَّ تظاهر جابر بالجنون ممّا لا ريب فيه، وقد ذكره علماء الجمهور أيضاً في ترجمته، ومثل جابر مظنَّة لتعقّبه من قبل الدولة الأمويّة وولاتها.
٥. هذا، وفي حديث آخر أنَّ جابراً تظاهر بالجنون عند قتل الوليد، فقد روى الكشّي عن حمدويه، قال: حدّثنا يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن عبد الحميد بن أبي العلا، قال: (دخلت المسجد حين قتل الوليد، فإذا الناس مجتمعون، قال: فأتيتهم فإذا جابر الجعفي عليه عمامة خزّ حمراء وإذا هو يقول: حدّثني وصي الأوصياء ووارث علم الأنبياء محمَّد بن علي g، قال: فقال الناس: جنّ جابر، جنّ جابر)(٣٣).
وهذا الحديث صحيح.
والوليد المقتول هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك تولّى الخلافة بعد هشام سنة (١٢٥هـ) واشتهر بشدّة مجونه وفسقه حتى نُقم عليه، فخرج عليه ابن عمّه يزيد بن الوليد بن عبد الملك في سنة (١٢٦هـ) فقتله وتولّى الخلافة، وقد اضطرب ملك بني مروان بعد مقتل الوليد بما وقع فيهم من الخلاف في أحداث وصفت في التاريخ.
ويلاحظ أنَّ ما جاء في الرواية يحتمل أكثر من وجه:
الأوَّل: أنَّ جابراً أظهر الجنون من جهة حساسيّة الوضع بعد مقتل الوليد، مضافاً إلى أن عهد كل خليفة جديد مظنَّة للتشديد في أوَّله.
والثاني: أنْ يكون ذلك لحدوث انفراج ما في الوضع، فكان قول جابر هذا نحو إشهار لإمامة أبي جعفر g، ولكن مع التظاهر بالجنون احتياطاً لنفسه.
ويحتمل غير ذلك.
الجهة الخامسة عشرة: جنون جابر أو تظاهره بالجنون ..
لا شكَّ في أنَّ جابراً كان يتصرّف تصرّفات غير موزونة يتراءى منها الجنون، كما ورد في تراث الفريقين..
أمَّا الجمهور فقد ذكر ابن حجر في ترجمته: (قال أبو بدر(٣٤): كان جابر يهيج به في السنة مرَّة فيهذي ويخلط في الكلام، فلعلَّ ما حكي عنه كان في ذلك الوقت. وخرّج أبو عبيد في فضائل القرآن حديث الأشجعي(٣٥) عن مسعر، حدَّثنا جابر قبل أنْ يقع فيما وقع فيه. قال الأشجعي: ما كان من تغيّر عقله)(٣٦).
أقول: في المصادر الحديثية الأولى للجمهور ــ والتي اعتمد عليها ابن حجر ــ كسنن الدارمي (ت٢٥٥هـ) ما لفظه: (حدَّثنا القاسم بن سلام أبو عبيد، قال: حدَّثني عبيد الله الأشجعي، حدَّثني: مسعر، حدَّثني جابر قبل أنْ يقع فيما وقع فيه)(٣٧). وليس فيها هذا الذيل: (قال الأشجعي: ما كان من تغيّر عقله).
وحمل على هذا المعنى بعض الأعلام(٣٨) ما ذكره مسلم في ديباجة جامعه عن مسعر، (قال: حدَّثنا جابر بن يزيد قبل أنْ يحدث ما أحدث)(٣٩). وما ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمته: (قال شهاب بن عبّاد: سمعت أبا الأحوص يقول: كنت إذا مررت بجابر الجعفي، سألت ربي العافية)(٤٠).
والصحيح ــ بناءً على وجود هذا الذيل ــ أنَّ قول مسعر ناظر إلى تغيّره الفكري إلى مذهب الإمامة، والتعبير الثاني المحكي عنه يوضح ذلك، وله نظائر كقول محمَّد بن مسلم: (دخلت عليه ــ أي الإمام الباقر g ــ بعد ما قتل أبو الخطّاب، قال: فذكرت له ما كان يروى من أحاديثه تلك العظام قبل أن يحدث ما أحدث)(٤١).
وذكر ابن معين بإسناده عن منصور قال: (حدّثنا حمّاد قبل أن يحدث ما أحدث)(٤٢)، وهو يعني دخوله في الإرجاء كما يوضّحه ما نقله قبل ذلك.
وإنّما ذلك على حدّ قول سفيان [ابن عيينة]: (كان الناس يحملون عن جابر قبل أن يظهر ما أظهر، فلمّا أظهر ما أظهر اتّهمه الناس في حديثه وتركه بعض الناس. فقيل له: وما أظهر؟ قال: الإيمان بالرجعة)(٤٣).
ومنه يظهر أنَّ قول الأشجعي في تفسير قول مسعر ليس صحيحاً.
وأما قول الأحوص فالظاهر أنَّه أيضاً ناظر إلى أنَّ جابراً بعد حظّه من العلم والورع افتتن بالرفض، وقد نقله غير واحد من أرباب الرجال بين أقوال ذامَّة له(٤٤).
وأمَّا الإماميَّة فقد رووا أيضاً عمل جابر بما يتراءى منه الجنون، كما مرَّ في معتبرة عبد الحميد بن أبي العلاء فيما وصفه به بعد مقتل الوليد بن يزيد.
ويؤيّد ذلك آثار أخرى ضعيفة رواها الضعفاء والغلاة ممَّن كان ينتمي إليه، فإنَّ غالب الآثار الضعيفة تبتني على أمور ثابتة يزاد فيها وفق هوى رواتها، كما يتبيّن بالتتبع.
وقد مرَّ ذكر بعض الروايات التي تتضمَّن ذلك، وهي:
١. رواية الكشّي بإسناده عن علي بن عبد الله، قال: خرج جابر ذات يوم وعلى رأسه قوصرة راكباً قصبة حتى مرَّ على سكك الكوفة، فجعل الناس يقولون: جنّ جابر جنّ جابر! فلبثنا بعد ذلك أياماً، فإذا كتاب هشام قد جاء بحمله إليه. قال: فسأل عنه الأمير فشهدوا عنده أنَّه قد اختلط، وكتب بذلك إلى هشام فلم يتعرَّض له، ثمَّ رجع إلى ما كان من حاله الأوَّل)(٤٥).
٢. ما رواه الخصيبي (ت ٣٣٤هـ) في الهداية في حديث جاء في ذيله: (فرفع بعض الأخبار إلى بني أمية فأنفذوا ليريدوا قتله، فصادفوه في طرقات المدينة راكب القصب يطوف ويصيح: جنّ جابر، فكتبوا يخبرون السلطان من بني أميَّة بجنونه، فبعث إليهم أردنا قتله لما فعل فإذا كان قد جنَّ اتركوه. فقال أهل المدينة: الجنون لجابر خير من القتل)(٤٦).
وربّما ظنَّ بعضهم أنَّ قول النجاشي عن جابر: (وكان مختلطاً) يشير إلى جنونه(٤٧)، وليس كذلك، فإنَّ الاختلاط وإنْ كان لغة بمعنى الجنون، إلّا أنَّ هذا التعبير استعير عند المحدّثين لمن يخلط الغثّ بالسمين ويروي أموراً منكرة كما يظهر بالتتبع. نعم، إذا قيل: (اختلط فلان في آخر عمره) كان بمعنى الجنون.
وكيف كان فالراجح في النظر أنَّ ما صدر من جابر ممّا يتراءى منه الجنون كان تكلّفاً كما تشير إليه معتبرة عبد الحميد بن أبي العلاء من حيث إنّها تدلّ على توقيت جنونه مع مقتل الوليد بن يزيد، وتصرّح بذلك سائر الآثار المتقدّمة.
وقد عهد مثل هذا التصرّف من بعض النابهين من العلماء، فقد ذكر بعض المؤرخين ــ وهو ابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ) ــ أنَّ ابن الهيثم بعدما وفد على الحاكم الفاطمي بمصر (ولّاه بعض الدواوين فتولّاها رهبة لا رغبة، وتحقّق الغلط في الولاية، فإنَّ الحاكم كان كثير الاستحالة مريقاً للدماء بغير سبب، أو بأضعف سبب من خيال يتخيّله، فأجال فكرته في أمر يتخلّص به فلم يجد طريقاً إلى ذلك إلّا إظهار الجنون والخبال، فاعتمد ذلك وشاع فأحيط على موجوده له(٤٨) بيد الحاكم ونوّابه، وجعل برسمه من يخدمه ويقوم بمصالحه، وقيد وترك في موضع من منزله، ولم يزل على ذلك إلى أن تحقق وفاة الحاكم، وبعد ذلك بيسير أظهر العقل وعاد إلى ما كان عليه)(٤٩).
نعم، بعض تلامذته من الجمهور لم يلتفتوا إلى ذلك من جهة عدم التنبّه إلى مقتضيات هذا التصرف من قبل جابر، على أنَّ جمهور تلامذته ومعاصريه لم يصفوه بالاختلاط والجنون، ولعلّهم عرفوا أنَّ ذلك تكلّف منه في مسعاه لصيانة نفسه.
وفي مثل هذا التصرّف من جابر ما يدلّ على حراجة موقف الشيعة آنذاك، حتى أنَّ مثل جابر في وجاهته وشيخوخته وعلمه يضطر إلى التظاهر بالجنون لأجل صيانة نفسه.
الجهة السادسة عشرة: طبيعة تعامل جابر مع الوسط السُنّي العام
بعد تحوّله الفكري إلى المذهب الإمامي ..
فهل كان جابر يتكتّم على تحوّله الفكري، أو على ما تلقّاه من أحاديث عن الإمام الباقر g في الأوساط العلميّة والاجتماعيّة العامّة التي كان يعيشها في المرحلة الأولى، كما قد يناسب ذلك ما رواه عنه الفريقان من أنّه تحمّل آلاف الأحاديث ولم يحدّث بها؟
أم أنَّ جابراً أبرز تحوّله الفكري في تلك الأوساط وبذلك انفصل عن بيئة مشايخه وتلامذته في المرحلة السابقة، فتُرِكَ من قبل أصحابه من قبل، وانتقل إلى بيئة شيعيّة محضة، كما يتراءى ذلك في حق آخرين من أهل العلم والفضيلة ممَّن تتلمذ على الإمام الباقر g كزرارة بن أعين؟
ويناسب هذا الاحتمال ما دلّ على ترك جماعة من تلامذته له.
أم كان موقف جابر بين هذا وذاك؟
والذي يظهر بالتأمّل في آثار جابر أنَّه لم يكن كبعض آخر من الرواة وحملة العلم عن الإمامين الصادقَين h ممَّن كان في أوائل حمله للحديث من أتباع الوسط العلمي والاجتماعي العاميّ كزرارة بن أعين ــ مثلاً ــ، فإنَّ زرارة بعد معرفته للحق انتقل في الجو العلمي إلى بيئة شيعيّة محضة ولم يظهر أنَّه بقي يحدّث أتباع ذلك الجو الذي انتقل منه بالآثار العاميّة، وأمَّا جابر فالذي يظهر بالتأمّل في آثاره أنَّه جمع بصعوبة بين الاتجاهين، فلم يزل يحدّث طلاب المدرسة العاميّة بالحديث الذي تلقّاه من أساتذته من الصحابة والتابعين قبل تحوّله لمدرسة أهل البيت i، ومن آثار هذا الاتجاه حمل مثل سفيان الثوري ــ الذي هو من مشاهير المحدّثين ــ الحديث عنه، وهو في هذا الاتجاه لا يُخْرِج ــ على العموم ــ لتلامذة حلقته ما كان تلقّاه من العلم والفقه والمعارف من الإمام الباقر g ممّا لا يتحملونه، ومن ثَمَّ استمر جلّ هؤلاء بالحضور عليه كما يظهر ممّا رواه الجمهور عن تلامذته عنه، ولم يرووا عنه ما يباين الآثار التي يعهدونها.
بينما تكشف آثار أخرى لجابر أنَّه كان يعمل في نفس الوقت ضمن اتجاه آخر خاص يتقيّد فيه بالرواية للخاصّة عن الإمام الباقر g في الفقه والمعارف، إذ يظهر ذلك ممّا نسب إليه من كتب من أصل ونوادر وتفسير وغيرها، حيث تضمّنت ما لا يتقبله الجمهور حسب أصولهم، كما سيأتي بيان ذلك في الحديث عن كتبه.
ولكنه h كان يظهر أحياناً ما لا يتلائم مع أصول الأوساط العلميّة العاميّة، فيشير بذلك إلى تحوّله لمدرسة أهل البيت i، ومن ذلك:
١. تحديثه بانتهاء علم النبي e إلى الأئمَّة من أهل البيت i فقد ورد عن ابن عيينة أنَّه قال: (تركت جابر الجعفي وما سمعت منه. قال: دعا رسولُ الله e علياً يعلّمه ما يعلمه، ثمَّ دعا عليٌ الحسنَ فعلّمه ما يعلم، ثمّ دعا الحسنُ الحسينَ فعلّمه ما يعلم، حتى بلغ جعفر بن محمَّد. قال: فتركته لذلك ولم أسمع منه)(٥٠).
٢. وأيضاً عندما كان ينقل حديثاً عن الإمام الباقر g، يقول:
حدّثني وصيّ الأوصياء، فقد ورد عن ابن أكثم الخراساني(٥١) أنّه قال لسفيان بن عيينة (١٠٧ــ ١٩٨هـ): (أرأيت يا أبا محمَّد الذين عابوا على جابر الجعفي قوله حدّثني وصيّ الأوصياء، فقال سفيان: هذا أهونه)(٥٢).
٣. وكذلك كان يحدِّث برجعة الأمر إلى آل البيت i، حيث ورد عن سفيان بن عيينة أنَّه قال: (كان الناس يحملون عن جابر قبل أنْ يظهر ما أظهر فلمّا أظهر ما
أظهر اتّهمه الناس في حديثه وتركه بعض الناس. فقيل له: وما أظهر؟ قال: الإيمان بالرجعة)(٥٣).
٤. وأيضاً كان يحدِّث أنّه سمع من الإمام الباقر g أحاديث كثيرة جداً، فقد ورد عن الجراح بن مليح(٥٤) أنّه قال: (سمعت جابراً يقول عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر عن النبي g كلّها)(٥٥).
٥. وأيضاً كان يحدِّث بوجود باطن للقرآن الكريم:
أمَّا من طرقنا فقد روى شريس الوابشي، عنه أنَّه قال: سألت أبا جعفر g عن شيء من التفسير فأجابني، ثمَّ سألته عنه ثانية فأجابني بجواب آخر، فقلت: جُعلت فداك كنت أجبتني في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم. فقال: (يا جابر إنَّ للقرآن بطناً وللبطن بطناً، وله ظهر وللظهر ظهر، يا جابر ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إنَّ الآية يكون أوَّلها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل منصرف على وجوه) (٥٦).
وأمَّا من طرق العامَّة فقد ورد عن ابن عيينة أنَّه قال: (سمعت رجلاً سأل جابر الجعفي عن قوله: [فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي]. قال جابر: لم يجئ تأويلها)(٥٧).
الجهة السابعة عشرة: جابر والحركات الثوريّة ..
لقد كانت الكوفة تضّج بالمشاعر والحركات الثورية ضد خلافة بني أمية فيما بعد مقتل الإمام الحسين g (سنة ٦١هـ) إلى نهاية هذه الخلافة بانتصار العباسيين في (سنة ١٣٢هـ)، وهذه هي الفترة التي عاش بها جابر، وقد شهدت عدَّة ثورات سبق ذكرها أدرك جابر منها (شاباً) ثورة ابن الأشعث (سنة ٨٣هـ) والتي شارك فيها جلّ علماء العراق، و(شيخاً) ثورة زيد بن علي بن الحسين i (سنة ١٢٢هـ)، وثورة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر (سنة ١٢٧هـ)، ولم تحكَ مشاركة جابر في شيء من هذه الثورات بعمل أو فتوى أو تحريض، كما فعله كثير من وجوه معاصريه، ومشايخه وتلامذته كسلمة بن كهيل، وأبي حنيفة وغيرهما، وقد ذكرنا بعضهم من قبل. ولم يكن هذا الأمر سهلاً على جابر اجتماعياً؛ إذ كان هوى عامَّة أهل الكوفة مع الثورة على بني أميَّة وولاتها.
ومن المتوقع أنْ يكون موقف جابر هذا ناشئاً عن تعلّمه عند الإمام الباقر g ووصيته إياه وكان g لا يرى الخروج آنذاك، وجاء أنَّه نهى أخاه زيداً عن الخروج، ولم يخرج زيد إلّا بعد وفاته بعدَّة سنين، وجاء في بعض الأخبار أنَّه لم يخرج من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله h مع زيد أحد إلّا سليمان بن خالد، وقد ورد في الحديث أنَّ الإمام g نهى جابراً عن الخروج:
فقد ورد في أصل جعفر بن محمَّد الحضرمي عن إبراهيم بن جبير عن جابر الجعفي قال: قال لي محمَّد بن علي g: (يا جابر إنَّ لبني العباس راية ولغيرهم رايات، فإيَّاك ثمَّ إيَّاك ثلاثاً حتى ترى رجلاً من ولد الحسين g يبايع له بين الركن والمقام معه سلاح رسول الله e، ومغفر رسول الله e، ودرع رسول الله e وسيف رسول اللهe)(٥٨).
وروى النعماني في الغيبة ما نصّه: أخبرنا أحمد بن محمَّد بن سعيد، عن هؤلاء الرجال الأربعة ــ وهم محمَّد بن المفضَّل، وسعدان بن إسحاق بن سعيد، وأحمد بن الحسين بن عبد الملك، ومحمَّد بن أحمد بن الحسن ــ، عن ابن محبوب. وأخبرنا محمَّد بن يعقوب الكليني أبو جعفر، قال: حدّثني علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه. قال: وحدّثني محمَّد بن عمران، قال: حدثنا أحمد بن محمَّد بن عيسى، قال: وحدّثنا علي بن محمَّد وغيره، عن سهل بن زياد، جميعاً، عن الحسن بن محبوب. قال: وحدثنا عبد الواحد بن عبد الله الموصلي، عن أبي علي أحمد بن محمَّد بن أبي ناشر، عن أحمد بن هلال، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: قال أبو جعفر محمَّد بن علي الباقر g: (يا جابر، الزم الأرض ولا تحرك يداً ولا رجلاً حتى ترى علامات أذكرها لك إنْ أدركتها: أوَّلها اختلاف بني العباس، وما أراك تدرك ذلك، ولكن حدِّث به من بعدي عنّي ...)(٥٩).
وفي بعض الروايات أنَّ جابراً أنبأ زيداً بمقتله قبل خروجه، فقد ذكر السيد محسن الأمين أنَّه روى الخوارزمي في كتاب المقتل عن جابر الجعفي أنَّه قال: قال لي محمَّد بن علي الباقر g: (إنَّ أخي زيد بن علي خارج مقتول وهو على الحقّ، فالويل لمن خذله، والويل لمن حاربه، والويل لمن يقتله).
قال جابر: فلمّا أزمع زيد بن علي على الخروج، قلت له: إنّي سمعت أخاك يقول كذا وكذا، فقال لي: يا جابر لا يسعني أن أسكت وقد خولف كتاب الله وتحوكم إلى الجبت والطاغوت، وذلك أنّي شهدت هشاماً، ورجل عنده يسبّ رسول الله e، فقلت للسابّ: ويلك يا كافر أمَا إنَّي لو تمكّنت منك لاختطفت روحك وعجّلتك إلى النار. فقال لي هشام: مه عن جليسنا يا زيد، فوالله إنْ لم يكن إلّا أنا ويحيى ابني لخرجت عليه وجاهدته حتى أفنى(٦٠).
هذا، وقد لوحظ خروج بعض الغلاة خاصّة في عهد جابر ــ كما ذُكر في كتب الفرق والتأريخ ــ:
منهم: المغيرة بن سعيد، فقد خرج مع ستة أو سبعة أشخاص بظهر الكوفة (سنة ١٢٠هـ) فقبض عليهم عبد الله بن خالد القسري وأحرقهم، وكان ينسب نفسه إلى الإمام الباقر g، وكان g يتبرأ منه، لكن حيث كان من يتبعه من عوامّ الناس ولم يكونوا أهل بحث وفقه فلم يكن ينكشف كذبه لديهم، وهذا ممّا كان يعاني منه أئمة أهل البيت i حيث كانوا قاطنين بعيداً عن الكوفة التي كانت مركز الشيعة، وقد مرّ أنَّ بعضهم زعم أنَّ جابراً خلف المغيرة بعد مقتله، وكأنَّه حدس ناشئ من توهّم تماثل اعتقادات جابر مع المغيرة.
وهذا خطأ واضح، فأين جابر في موقعه في سلامة الاعتقاد والدين والعلم ومذاقه الثوري من ابن المغيرة الذي نُسب إليه دعوى الإلوهية والنبوة ومزاعم غريبة أخرى، وكانت له مطامح سياسية!
ومنهم: سعيد بن منصور العجلي الملقب بـ (كسب)، خرج (سنة ١٢١هـ) في الكوفة وقتل.
الجهة الثامنة عشرة: عناية الإمام الباقر g بجابر ..
يتراءى ممّا رواه الفريقان أنَّ جابراً كان يذكر عناية الإمام الباقر g به، ولا يبعد الاطمئنان بذلك بملاحظة بعض تلك الروايات، إلّا أنَّه لا ينبغي الشكّ في أنَّ الضعفاء من القصّاصين والغلاة وغيرهم أضافوا على ذلك شيئاً غير قليل.
وفيما يأتي بعض ما روي من مظاهر هذه العلاقة:
١. مخاطبته كثيراً باسمه في الكلام معه حيث يرِد أنَّ الإمام g قال: (يا جابر)(٦١).
٢. شكاية الإمام الباقر g أحياناً له، فقد روى الكليني بإسناده عن علي بن الحكم، عن أبي عبد الله المؤمن، عن جابر قال: دخلت على أبي جعفر g فقال: (يا جابر والله إني لمحزون، وإني لمشغول القلب)، قلت: جعلت فداك وما شغلك؟ وما حزن قلبك؟
فقال: (يا جابر، إنَّه من دخل قلبه صافي خالص دين الله شغل قلبه عمّا سواه، يا جابر، ما الدنيا وما عسى أنْ تكون الدنيا هل هي إلّا طعام أكلته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها؟! يا جابر، إنَّ المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا ببقائهم فيها ولم يأمنوا قدومهم الآخرة، يا جابر، الآخرة دار قرار، والدنيا دار فناء وزوال ولكن أهل الدنيا أهل غفلة وكأنَّ المؤمنين هم الفقهاء أهل فكرة وعبرة، لم يصمّهم عن ذكر الله جلّ اسمه ما سمعوا بآذانهم، ولم يعمهم عن ذكر الله ما رأوا من الزينة بأعينهم ففازوا بثواب الآخرة، كما فازوا بذلك العلم. واعلم يا جابر، أنَّ أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم لك معونة، تذكّر فيعينونك وإن نسيت ذكّروك، قوّالون بأمر الله قوّامون على أمر الله، قطعوا محبتهم بمحبة ربَّهم ووحّشوا الدنيا لطاعة مليكهم ونظروا إلى الله a وإلى محبته بقلوبهم وعلموا أنَّ ذلك هو المنظور إليه، لعظيم شأنه، فأنزلْ الدنيا كمنزل نزلته ثمّ ارتحلت عنه، أو كـمالٍ وجدته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء، إنّي [إنَّما] ضربت لك هذا مثلاً، لأنَّها عند أهل اللبّ والعلم بالله كفيء الظلال، يا جابر، فاحفظ ما استرعاك الله a من دينه وحكمته ولا تسألن عمّا لك عنده إلّا ما له عند نفسك، فإنْ تكن الدنيا على غير ما وصفتُ لك فتحوّل إلى دار المستعتب، فلعمري لرُبَّ حريص على أمر قد شقي به حين أتاه، ولرُبَّ كاره لأمر قد سعد به حين أتاه، وذلك قول الله a: [وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ)(٦٢).
٣. العناية بتعليمه حتّى حمل عنه أحاديث كثيرة فيما حكاه هو على ما نقله عنه الفريقان كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى.
٤. تعليمه أموراً لم يكن ليبثها الإمام لكل واحد، كما حدّث بنفسه فيما رواه الفريقان.
٥. إعطاؤه كأساً حفظ ببركته أربعين ألف حديث، فعن شبابة(٦٣) عن ورقاء(٦٤)
عن جابر: (دخلت على أبي جعفر الباقر فسقاني في قعب حسائي حفظت به أربعين ألف حديث)(٦٥).
٦. تعليمه ما يتحفظ به على حياته الشخصيّة من السلطة كما في الرواية المتقدّمة التي تضمنت أنَّ الإمام بعث إليه بعد خروجه من المدينة من يوصل إليه رسالة يوصيه فيها بالحذر، وقد تظاهر بالجنون بعد ذلك.
ولكن مرّ ضعف هذه الرواية.
٧. دعاؤه g له، فقد روى الكليني عن العدّة عن أحمد بن أبي عبد الله، عن بعض العراقيين، عن محمَّد بن المثنى الحضرمي، عن أبيه، عن عثمان بن زيد، عن جابر قال: قال لي أبو جعفر g: (يا جابر، لا أخرجك الله من النقص ولا التقصير)(٦٦).
ومن المظاهر الأخرى لهذه العلاقة:
١. تسليمه كتاباً كما رواه هو حيث قال: ودفع إلي كتاباً وقال لي: (إنْ أنت حدّثت به حتى تهلك بنو أميّة فعليك لعنتي ولعنة آبائي، وإذا أنت كتمت منه شيئاً بعد هلاك بني أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي، ثمّ دفع إلي كتاباً آخر، ثمّ قال: وهاكَ هذا فإنْ حدّثت بشيء منه أبداً فعليك لعنتي ولعنة آبائي)(٦٧).
وقد تقدّم ضعف هذه الرواية أيضاً.
٢. ما روي من أنَّ الإمام g أراه ملكوت السموات والأرض، فقد روى الصفّار عن (محمَّد بن المثنى عن أبيه عن عثمان بن زيد عن جابر عن أبي جعفر g قال: سألته عن قول الله a: [وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] قال: فكنت مطرقاً إلى الأرض فرفع يده إلى فوق ثمّ قال لي: (ارفع رأسك). فرفعت رأسي فنظرت إلى السقف قد انفجر حتى خلص بصري إلى نور ساطع حار بصري دونه قال، ثمّ قال لي: (رأى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض هكذا)، ثمّ قال لي: (اطرق). فأطرقت، ثمّ قال لي: (ارفع رأسك). فرفعت رأسي فإذا السقف على حاله. قال: ثمّ أخذ بيدي وقام وأخرجني من البيت الذي كنت فيه وأدخلني بيتاً آخر، فخلع ثيابه التي كانت عليه ولبس ثياباً غيرها، ثمّ قال لي: (غضّ بصرك) فغضضت بصري، وقال لي: (لا تفتح عينك، فلبثت ساعة، ثمّ قال لي: أتدري أين أنت؟) قلت: لا، جعلت فداك. فقال لي: (أنت في الظلمة التي سلكها ذو القرنين). فقلت له: جعلت فداك، أتأذن لي أنْ أفتح عيني. فقال لي: (افتح فإنَّك لا ترى شيئاً). ففتحت عيني فإذا أنا في ظلمة لا أبصر فيها موضع قدمي ثمّ صار قليلاً ووقف، فقال لي: (هل تدرى أين أنت؟). قلت: لا. قال: (أنت واقف على عين الحياة التي شرب منها الخضر (g. وخرجنا من ذلك العالم إلى عالم آخر فسلكنا فيه فرأينا كهيئة عالمنا في بنائه ومساكنه وأهله، ثمّ خرجنا إلى عالم ثالث كهيئة الأوَّل والثاني، حتى وردنا خمسة عوالم. قال، ثمّ قال: (هذه ملكوت الأرض ولم يرها إبراهيم، وإنَّما رأى ملكوت السماوات وهي اثنا عشر عالماً كل عالم كهيئة ما رأيت، كلَّما مضى منّا إمام سكن أحد هذه العوالم حتى يكون آخرهم القائم في عالمنا الذي نحن ساكنوه). قال، ثمّ قال: (غضّ بصرك) فغضضت بصري. ثمّ أخذ بيدي فإذا نحن بالبيت الذي خرجنا منه فنزع تلك الثياب ولبس الثياب التي كانت عليه وعدنا إلى مجلسنا، فقلت: جعلت فداك كم مضى من النهار؟ قال g: (ثلاث ساعات)(٦٨).
٣. ما ذكره غير واحد من أنَّ جابراً كان باباً للإمام الباقر أو الصادق h مثل ابن شهرآشوب وجماعة من قبله(٦٩)، وعوّل عليه جماعة من المتأخرين(٧٠).
والذي يرجُح في النظر بالتأمل في مجموع التاريخ أنَّ مصطلح الباب قد عُمّم في عصر الغيبة الصغرى وما بعدها من قبل الغلاة، فقد كان يطلق على السفراء من جهة أنَّهم باب الاتصال مع الإمام الحجة g، وكان مبنياً على الاتصال الحسيّ بالإمام g، ثمّ زعم بعض الغلاة أنَّهم باب الإمام على أساس الاتصال المعنوي به، وأنَّهم مخزن أسراره وعلومه، وجعلوا ذلك قاعدة، وزعموا أنَّه كان لكل من النبي e والأئمة i باباً، فاختاروا أشخاصاً رأوا مناسبة شخصيّتهم لدعوى كونهم باباً للنبي e والأئمة i فادّعوا أنَّهم كانوا أبوابهم فجعلوا باب النبي e الإمام أمير المؤمنين g، وسلمان باباً لأمير المؤمنين g(٧١)، وسفينة باباً للإمام الحسن المجتبى g(٧٢)، ورشيد الهجري باباً للإمام الحسين g(٧٣)، وأبا خالد الكابلي باباً للإمام علي بن الحسين h(٧٤)، والإمام الباقر g بابه جابر بن يزيد الجعفي(٧٥)، والإمام الصادقg بابه المفضَّل بن عمر(٧٦)، والإمام الكاظم g بابه محمَّد بن المفضَّل(٧٧)، والإمام الرضا g بابه محمَّد بن الفرات(٧٨)... وهكذا.
ولم يعهد من أصحابنا مثل هذا المعنى، كما لا نجد في رجال البرقيّ والنجاشيّ ورجال الكشّي وفهرست الشيخ ورجاله والغيبة له وغيرها ذكراً لكون أحد باباً للأئمة المتقدمين، وإنَّما ذكر وكالة بعض أصحابنا لهم.
نعم، ذكر الشيخ الطوسيّ في غيبته: (أنَّ محمَّد بن علي الشلمغاني لم يكن قطُ باباً إلى أبي القاسم ولا طريقاً له، ولا نصبّه أبو القاسم لشيء من ذلك على وجه ولا سبب)(٧٩).
وأيضاً أورد الكشّي رواية ضعيفة جداً عن أبي جعفر g أنَّ أمير المؤمنين g قال: (يا أبا ذر، إنَّ سلمان باب الله في الأرض)(٨٠).
ولكن بعض أصحابنا اتّبعوا الغلاة ومن تأثّر بهم في ذلك كالطبريّ والخصيبي وغيرهما، ثمّ تبعهما المتأخرون.
الجهة التاسعة عشرة: خوارق جابر أو كراماته ..
قد كان في أوساط المسلمين كالأمم السابقة رجال من الصالحين يتفق لهم الكرامات وإنْ لم يكونوا أنبياء، نظير ما كان يتفق لمريم ابنة عمران على ما قصّه القرآن الكريم، كما كان هناك آخرون يوهمون من خلال تعلّم العلوم الغريبة من السحر وأخواته أنَّهم أصحاب معاجز وكرامات ليثبتوا دعاوى باطلة.
ويظهر من مجموع أخبار جابر لدى الفريقين أنَّ جابراً كان ممَّن يتفق له أمور عجيبة، ولعل ذلك من مصاديق ما ذكره زياد بن أبي الحلال فيما ذكره من أعاجيب جابر ــ في رواية تقدم ذكرها عنه ــ.
إلّا أنَّ الجمهور الذين يعتقدون بفساد عقيدة جابر حملوا ما رؤي منه على أنّه خديعة ومخاريق، فذكر ابن عدي أنَّه قال عثمان بن أبي شيبة حدثني أبي عن جدّي قال: (كنت آتيه في وقت ليس فيه فاكهة ولا قثّاء ولا خيار فيذهب إلى بُسيتين له في داره فيجيء بقثّاء وخيار فيقول: كُلْ، فوالله ما زرعته)(٨١).
وذكر ابن قتيبة في المعارف عن جابر أنَّه (كان صاحب شبه ونيرنجات)(٨٢)، و(نيرنج) على الأغلب معرّب، وأصله بالفارسية (نيرنگ) بالكاف الفارسيّة، وهو بمعنى الخدعة. واشتهر إطلاقه على الخدع الخفيّة فمنهم من جعله من السحر(٨٣)، ومنهم من قال إنَّه أُخَذ يشبه السحر وليس به كما في القاموس وغيره(٨٤).
وهذا يخالف ما ذكره غير واحد منهم من أنَّ الرجل كان صاحب ورع وصدق.
وقد ورد في تراث الإمامية بعض الآثار في كرامات جابر على ضعف في أغلبها، ويتوقع أنْ يكون الغلاة والوضّاع والقصّاصون قد زادوا عليها. فمن ذلك:
١. ما رواه الكليني بإسناده إلى النعمان بن بشير عند طلب هشام بن عبد الملك لجابر الجعفي، وكان ذلك في حياة الإمام الباقر g وعلّمه كيف يحافظ على حياته، وجاء في آخر الخبر: (فوجدته قد خرج عليَّ وفي عنقه كعاب، قد علّقها وقد ركب قصبة وهو يقول: أجد منصور بن جمهور أميراً غير مأمور وأبياتاً من نحو هذا ... قال: ولم تمضِ الأيام حتى دخل منصور بن جمهور(٨٥) الكوفة وصنع ما كان يقول جابر)(٨٦).
٢. ما رواه الكشّي عن نصر بن الصباح، قال: (حدثنا إسحاق بن محمَّد، قال: حدثنا فضيل عن زيد الحامض، عن موسى بن عبد الله، عن عمرو بن شمر، قال جاء قوم إلى جابر الجعفي فسألوه أنْ يعينهم في بناء مسجدهم؟ قال: ما كنت بالذي أعين في بناء شيء يقع منه رجل مؤمن فيموت، فخرجوا من عنده وهم يبخّلونه ويكذّبونه، فلما كان من الغد أتمّوا الدراهم ووضعوا أيديهم في البِناء، فلما كان عند العصر زلت قدم البنّاء فوقع فمات)(٨٧).
٣. أيضاً ما رواه الكشّي عن محمَّد بن مسعود، قال: حدّثني محمَّد بن نصير، عن محمَّد بن عيسى. وحمدويه بن نصير، قال: حدّثني محمَّد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن عروة بن موسى، قال: (كنت جالساً مع أبي مريم الحنّاط وجابر عنده جالس، فقام أبو مريم فجاء بدورق من ماء بئر منازل [خ: مبارك] ابن عكرمة، فقال له جابر: ويحك يا أبا مريم كأنَّي بك قد استغنيت عن هذه البئر واغترفت من هاهنا من ماء الفرات، فقال له أبو مريم: ما ألوم الناس أنْ يسمونا كذّابين ــ وكان مولى لجعفر g ــ كيف يجيء ماء الفرات إلى هاهنا؟ قال: ويحك، يُحتفر هاهنا نهر أوله عذاب على الناس وآخره رحمة يجري فيه ماء الفرات، فتخرج المرأة الضعيفة والصبي فيغترف منه، ويُجعل له أبواب في بني رواس، وفي بني موهبة، وعند بئر بني كندة، وفي بني فزارة حتى تتغامس فيه الصبيان.
قال علي ــ أي ابن الحكم ــ: إنَّه قد كان ذلك، وأنَّ الذي حدث على عهده(٨٨). ولعل أنّه قد سمع بهذا الحديث قبل أنْ يكون)(٨٩).
٤. أيضاً ما رواه الكشّي عن نصر، قال: (حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا علي بن عبيد ومحمَّد بن منصور الكوفي، عن محمَّد بن إسماعيل، عن صدقة، عن عمرو بن شمر، قال: جاء العلاءَ بن يزيد رجلٌ من جعفي، قال: خرجت مع جابر لما طلبه هشام حتى انتهى إلى السواد، قال: فبَينا نحن قعود وراعٍ قريب منّا: إذ لفتت نعجة من شائه إلى حمل، فضحك جابر، فقلت له: ما يضحكك أبا محمَّد؟ قال: إنَّ هذه النعجة دعت حملها فلم يجيء، فقالت له: تنح عن ذلك الموضع فإنَّ الذئب عاماً أوَّل أخذ أخاك منه. فقلت: لأعلمن حقيقة هذا أو كذبه، فجئت إلى الراعي فقلت له: يا راعي تبيعني هذا الحمل؟ قال، فقال: لا، فقلت: ولِمَ؟ قال: لأنَّ أمه أفره شاة في الغنم وأغزرها درّة، وكان الذئب أخذ حملاً لها عند عام الأوَّل من ذلك الموضع، فما رجع لبنها حتى وضعت هذا فدرّت، فقلت: صدق. ثمّ أقبلت فلما صرت على جسر الكوفة نظر إلى رجل معه خاتم ياقوت، فقال له: يا فلان خاتمك هذا البرّاق أرنيه، قال: فخلعه فأعطاه، فلما صار في يده رمى به في الفرات، قال الآخر: ما صنعت، قال: تحب أنْ تأخذه؟ قال: نعم، قال، فقال بيده إلى الماء، فأقبل الماء يعلو بعضه على بعض حتى إذا قرب تناوله وأخذه)(٩٠).
٥. أيضاً ما رواه الكشّي عن نصر بن الصباح، قال: (حدّثني إسحاق بن محمَّد البصري، قال: حدّثنا محمَّد بن منصور، عن محمَّد بن إسماعيل، عن عمرو بن شمر، قال: أتى رجلٌ جابر بن يزيد فقال له جابر: تريد أنْ ترى أبا جعفر؟ قال: نعم، قال: فمسح على عيني فمررت وأنا أسبق الريح حتى صرت إلى المدينة. قال: فبَينا أنا كذلك متعجب إذ فكرت فقلت: ما أحوجني إلى وتد أوتده فإذا حججت عاماً قابلاً نظرت هيهنا هو أم لا، فلم أعلم إلّا وجابر بين يدي يعطيني وتداً، قال: ففزعت، فقال: هذا عمل العبد بإذن الله فكيف لو رأيت السيد الأكبر! قال: ثمّ لم أره. قال: فمضيت حتى صرت إلى باب أبي جعفر g فإذا هو يصيح بي ادخل لا بأس عليك، فدخلت فإذا جابر عنده، قال، فقال لجابر: (يا نوح غرّقتهم أولاً بالماء وغرّقتهم آخراً بالعلم فإذا كسرت فاجبر). قال: ثمّ قال: (من أطاع الله أطيع، أي البلاد أحب إليك؟). قال: قلت الكوفة قال: (بالكوفة فكن). قال: سمعت أخا النون بالكوفة، قال فبقيت متعجباً من قول جابر فجئت فإذا به في موضعه الذي كان فيه قاعداً، قال: فسألت القوم هل قام أو تنحى؟ قال: فقالوا لا، وكان سبب توحيدي أنْ سمعتُ قوله بالإلهية وفي الأئمة).
قال الكشّي: هذا حديث موضوع لا شكّ في كذبه(٩١).
وقد روى الغلاة شيئاً كثيراً حول كرامات جابر من ذلك:
١. ما رواه الطبريّ بقوله: (عن جابر بن يزيد ــ رحمه الله ــ قال: خرجت مع أبي جعفر g وهو يريد الحيرة، فلما أشرفنا على كربلاء قال لي: (يا جابر، هذه روضة من رياض الجنة لنا ولشيعتنا، وحفرة من حفر جهنم لأعدائنا). ثمّ قضى ما أراد، ثمّ التفت إليّ، فقال: (يا جابر). فقلت: لبيك يا سيدي. فقال لي: (تأكل شيئاً؟) فقلت: نعم يا سيدي. قال: فأدخل يده بين الحجارة، فأخرج لي تفاحة لم أشمّ قطُ رائحة مثلها ولا تشبه رائحة فاكهة الدنيا. فعلمت أنها من الجنة، فأكلتها فعصمتني عن الطعام أربعين يوماً لم آكل ولم أحدث)(٩٢).
٢. وأورد في المستدرك عن (الحسين بن حمدان [الخصيبي الغالي]، عن أحمد بن يوسف بن محمَّد، عن أبي سكينة، عن عمرو بن الزهير، عن الصادق g قال: (إنَّما سمِّي جابر لأنّه جبر المؤمنين بعلمه، وهو بحر لا ينزح، وهو الباب في دهره، والحجّة على الخلق من حجة الله أبي جعفر محمَّد بن علي ((h (٩٣).
الجهة العشرون: جابر والأنباء الغيبية ..
لا شكّ بحسب دلالة الروايات التاريخية في أنَّ الإمام أمير المؤمنين g كان مطلعاً على أمور غيبيّة من الوقائع المستقبلية، وغيرها من وقائع في الأمم السابقة ونشأة الكون الماديّ وعوالم الملائكة، كما يتمثّل ذلك بوضوح بتتبع خطبه المذكورة في نهج البلاغة وغيره ممّا يتضمّن ذكر الملاحم وغيرها، وهذا الأمر موضع إقرار غير الشيعة من جهة تواتر أصله، وثبوته ثبوتاً تاريخياً لا شكّ فيه، وقد أذعن به ابن أبي الحديد المعتزلي وآخرون.
وهذا إنَّما يتخرّج على أحد أمرين: تعلّمه من النبي e. أو إلهامه من قبل الله سبحانه وتعالى، كما يتفق لبعض عباده الصالحين، الذين يعبر عنهم بـ (المحدَّثين) ــ مبنيّاً للمفعول ــ وهو تعبير شائع في العصر الأول.
وعلى كلا التقديرين فإنَّ في ذلك ما يشهد على مذهب الإمامية من أنَّ الإمام أمير المؤمنين g مصطفى من قبل الله سبحانه من بين هذه الأمة.
وقد لوحظ لدى الأئمة من أولاده مثل هذه الحال، وهو أمر ثابت لدى الإمامية الذين عاشوا معهم بنحو متواتر وبيِّن، وقد جاء عن الإمام الصادق g التصريح بأنَّهم وَرِثوا كتباً عن أمير المؤمنين g تتضمّن ثبت المُغيّبات، ويُعبّر عنها بالجفر والجامعة، وقد اشتُهر عنهم قضايا في التاريخ العامّ، نظير ما حكاه أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين من قول الصادق g لعبد الله بن الحسن المثنى في اجتماع الأبواء ــ الذي انقدح بين المعارضتين للدولة الأموية من بني هاشم من العلوييّن والعباسييّن ــ عندما طالبه بالبيعة لولده محمَّد أنّه لا يلي هذا الأمر وإنَّما هو لصاحب القباء الأصفر مشيراً إلى المنصور العباسي(٩٤). ومثل ذلك ما كتبه الإمام الرضا g في وثيقة ولاية العهد من أنَّها لا تتم، كما حكاه التفتازاني ممّا رآه في المكتبة الرضوية بخطّه g إلى غير ذلك من الموارد.
ثُمَّ إنَّ الأئمة i ــ فضلاً عمّا كانوا يذكرونه من ذلك لعامّة المجتمع أو عامّة أصحابهم ــ كانوا يبثّون بعض الأنباء الخاصّة أو يعلّمون بعض هذا العلم لبعض أصحابهم ممَّن كانوا يجدون فيهم قابلية واهتماماً بذلك، وقد وُصف بعض أصحاب أمير المؤمنين g بشيء من هذا العلم، كما عن مِيثم التمار وحبيب بن مظاهر الأسدي.
وربَّما كان أهل العلم من الجمهور لا يتحمّلون أنْ يدّعي أحد العلم بذلك، إذ كانوا يعدّونه من دعوى العلم بالغيب. ولكن الواقع أنَّ ذلك ليس من قبيل علم الغيب، بل هو تعلّم من ذي علم، وقد جرت سُنّة الله سبحانه مع عباده الصالحين على إنبائهم ببعض الأمور المغيّبة كما يحكى ذلك عن الأنبياء السابقين وصدر عن النبي e في تراثه المروي بين الفريقين. إلّا أنَّ عدم الإيمان باصطفاء آل البيت i من قبل الله سبحانه هو الذي أدّى في الحقيقة إلى استبعاد مثل هذه الأمور في حقِّهم وعدِّها ضرباً من الغلوّ والمبالغة في مقاماتهم.
هذا، ولما ذكرنا كان أصحاب الأئمة i على قسمين: قسم نال حظّاً من هذا العلم حسب دلالة الشواهد الروائية والتاريخية. وقسم لم يلج هذا الباب واعتنى بالعقائد والفقه مثل زرارة ومحمَّد بن مسلم.
وتدل الشواهد الروائية والتاريخية في تراث الإمامية على أنَّ جابراً كان من القسم الأول فهو كان قد تعلّم شيئاً من هذا العلم عند الإمام الباقر g.
قال العقيلي (ت ٣٢٢هـ): (حدّثنا الحسن بن داود: حدّثنا علي بن ولّاد الرازي:
حدّثنا يحيى بن المغيرة: حدثنا جرير، قال: أردت أنْ آتي جابر الجعفي فمررت برجل من بني أسد يقال له هدبة، فقال لي: أين تريد؟ فقلت له: أريد جابر الجعفي. قال: لا تأته، إنّي سمعته يقول: الحارث بن شريح(٩٥) في كتاب الله، فقال له رجل من قومه: والله ما في كتاب الله شريح، وتهجّاه)(٩٦).
أقول: الصواب (الحارث بن سريج)(٩٧)، وهذا كان قد ثار على الدولة الأموية في زمان هشام بن عبد الملك (سنة ١١٦ هـ) في خراسان وكان واليها عاصم بن عبد الله(٩٨)، وفي (سنة ١٢٦هـ) أعطاه يزيد الناقص الأمان، وكتب بذلك كتاباً إلى واليه على الكوفة عبد الله بن عمر بن عبد العزيز يأمره بردّ ما كان أخذ منه من ماله وولده، ثمّ ثار مرة أخرى في زمن مروان الحمار وقتله جديع الكرماني في سرخس لستٍ بَقْيَن من رجب (سنة ١٢٨هـ) وصُلب عند مدينة مرو بغير رأس(٩٩) وقُتل معه أيوب السختياني.
وهذا الرجل (هدبة) لم يفهم معنى كلام جابر الجعفي من أنَّ الحارث بن سريج في كتاب الله، أي أنَّ خروجه من القضاء المبرم الذي لا بُدَّ منه، وهذا من المغيّبات التي أخبر الله تعالى بها رسوله ٢، وهو بدوره قد أعلمها لخلفائه _, وهم بدورهم أعلموها خاصّة أوليائهم.
ولعلّ ما رواه علماء الجمهور عنه من إثباته الرجعة كان من جملة هذه الأخبار، فقد ذُكر عن الشافعي قال: (سمعت ]سفيان[ ابن عيينة يقول: سمعت من جابر الجعفي كلاماً بادرت، خفت أنْ يقع علينا السقف).
وفي حديث آخر: عن الشافعي قال: (قال لي ابن عيينة: حدّثني جابر الجعفي عن عبد الله بن نجي، وكان جابر يؤمن بالرجعة)(١٠٠).
والملاحظ أنَّ الذهبي في ميزان الاعتدال دمج الروايتين في حديث واحد، قال: (عن الشافعي، قال: سمعت سفيان، سمعت من جابر الجعفي كلاماً بادرت، خفت أنْ يقع علينا السقف. قال سفيان: كان يؤمن بالرجعة)(١٠١).
وعن نعيم بن حمّاد المروزي (ت ٢٢٨هـ) في كتاب الفتن قال: (حدّثنا سعيد أبو عثمان عن جابر [الجعفي(١٠٢)] عن أبي جعفر، قال: إذا بلغ العباسي خراسان طلع من المشرق القرن ذو الشفا ..)(١٠٣).
وعنه أيضاً قال: (حدّثنا سعيد أبو عثمان: حدّثنا جابر الجعفي: عن أبي جعفر، قال: إذا بلغت سنة تسع وعشرين ومائة، واختلفت سيوف بني أمية ووثب حمار الجزيرة فغلب على الشام ظهرت الرايات السود..)(١٠٤).
ولنذكر نماذج من أخبار جابر في هذا الباب، لكن ينبغي الإشارة إلى أنَّه لا سبيل إلى الأخذ بما يرد من الأخبار من غير أنْ يثبت اعتبارها، لأنَّ باب الملاحم والمُغيّبات من الأبواب التي كثر الوضع فيها، كما نبّه عليه علماء الحديث، لأنَّ كثيراً من القصّاصين والضعفاء يضعون في مثل ذلك لإعجاب الناس بهذا الباب، ومن ثَمَّ كان النقّاد من أصحابنا معنيين فيما يُنقل من هذا الباب أنْ يثبت كونه قبل وقوع الواقعة التي أخبر عنها، خشية أنْ يكون ممّا لُفِّق بعد وقوع الواقعة حتى إذا كان الراوي من رجال ظاهرهم الثقة، وقد جاء في الكافي بعد حكاية حديثٍ عن إمامة ابن الحسن العسكري h عن أحمد بن أبي عبد الله: (قال محمَّد بن يحيى: فقلت لمحمَّد بن الحسن ــ أي الصفّار ــ: يا أبا جعفر وددت أنَّ هذا الخبر جاء من غير جهة أحمد بن أبي عبد الله. قال: فقال: لقد حدثني قبل الحَيْرة ــ أي الغيبة ــ بعشر سنين)(١٠٥).
لكن من جهة أخرى: لا ينبغي أنْ يكون كثرة الوضع في هذا الباب ــ لاسيّما من الغلاة ــ باعثاً على نفي صدور ذلك كله برمّته، كما مال إليه بعض الباحثين(١٠٦)، حتى تعجّب من اليعقوبي في إيراد بعض أخبار جابر من هذا القبيل.
هذا، وممّا ورد في التاريخ عن إخبار جابر في هذا الباب ما نقله اليعقوبي في تاريخه، قال بعد ذكر ما وقع لقحطبة ــ الذي كان على مقدمة جيش أبي مسلم الخراساني ــ: (قال حميد بن قحطبة: حدثني أبي قال: دخلت مسجد الكوفة أيام بني أميّة، وعليّ فرو غليظ، فجلست إلى حلقة، وشيخ في صدر القوم يحدّثهم، فذكر أيام بني أميّة، وذكر السواد ومن يلبسه فقال. يكون ويكون، ويخرج رجل يقال له قحطبة، كأنّه هذا الأعرابي، وأشار إلي، ولو أشاء أن أقول هو هو لقلت. قال قحطبة: فخفت على نفسي، فتنحيت ناحية، فلما انصرف كلّمته، فقال: لو شئت أن أقول إنك أنت هو لقلت. فسألت عنه فقيل لي: هو جابر بن يزيد الجعفي)(١٠٧).
قلت: قد يحسن الظنُّ بهذا الخبر، وذلك لأنَّ اليعقوبي شيعي معتدل بعيد عن الكذب والوضع والغلوّ، كما يعلم بتتبع تاريخه، وما رواه من الأخبار عن قحطبة وأولاده ودورهم في نصرة بني العباس يماثل ما ذكره غيره من المؤرخين، ومن ثَمَّ يرجّح أنَّ إسناد اليعقوبي إلى حميد بن قحطبة في هذا الأثر هو إسناده وإسناد غيره في سائر أخباره، وقحطبة وبنوه ممَّن لا يتهمّ في إثبات فضيلة لبني جابر الجعفي فقد كانوا من أمراء الجيش لدى العباسيين، وقاتلوا وقتلوا كثيراً من العلوييّن كما ذكر في التاريخ.
وقد ذكر ابن حجر عند ذكر خبر منكر روي عن أخيه الحسن بن قحطبة عن المنصور، قال: (لعلّ الآفة فيه من الحسن بن قحطبة فإنّه ليس من أهل الحديث، وإنَّما كان من أمراء بني العباس، فلعلّه حمله عن كذّاب حدّث به عن المنصور فتوهّم أنّه عن المنصور)(١٠٨). فالملحوظ أنّه لم يتّهمه بالكذب.
وورد في تراث الإمامية بعض الآثار التي قد يوثّق ببعضها، بعضها إخبار من جابر نفسه، لا على سبيل الحكاية، وبعضها حكاية عن أبي جعفر g.
فمن القسم الثاني:
١. ما سبق في معتبرة عبد الحميد بن أبي العلاء من قول جابر عند مقتل الوليد بن يزيد: (حدّثني وصي الأوصياء ووارث علم الأنبياء محمَّد بن علي g ...)(١٠٩). بناءً على استظهار أنَّ مفاد قول جابر هذا: أنَّ الإمام الباقر g كان قد أخبره بهذا الحدث، وكان g قد تُوفي (سنة ١١٤هـ)، وكان قتل الوليد (سنة ١٢٦هـ).
٢. وما مرّ في رواية ضعيفة عن النعمان بن بشير من إخبار جابر بأمر منصور بن جمهور الذي وَلي الكوفة(١١٠).
ومن الأوَّل:
١. روى الكشّي عن نصر بن الصباح، قال: (حدّثنا إسحاق بن محمَّد، قال: حدّثنا فضيل عن زيد الحامض، عن موسى بن عبد الله، عن عمرو بن شمر، قال جاء قوم إلى جابر الجعفي فسألوه أنْ يعينهم في بناء مسجدهم؟ قال: ما كنت بالذي أعين في بناء شيء يقع منه رجل مؤمن فيموت، فخرجوا من عنده وهم يبخّلونه ويكذّبونه، فلما كان من الغد أتموا الدراهم ووضعوا أيديهم في البِناء، فلما كان عند العصر زلت قدم البنّاء فوقع فمات)(١١١).
وهذه الرواية فيها قوم من الغلاة والضعفاء منهم: نصر بن الصباح، وإسحاق بن محمَّد، وهو البصري الذي تتكرّر رواية الكشّي عن نصر عنه، وقد مرّت شدّة ضعفه.
وأما فضيل فيحتمل أنْ يكون هو فضيل الرسان، الذي روى الكشّي عن محمَّد بن مسعود أنَّه سأل علي بن الحسن بن فضّال، عن فضيل الرسان؟ فقال: (هو فضيل بن الزبير وكانوا ثلاثة إخوة عبد الله وآخر)(١١٢).
ولكن هذا الاحتمال بعيد جداً، فإنَّ الطبقة لا تساعد على ذلك: فإنَّ فضيل الرسان هذا من أصحاب أبي عبد الله g.
فإذاً هذا الرجل مهمل.
وأما زيد الحامض ــ هكذا في رجال الكشّي، ولكن في المعجم محمَّد بن زيد الحافظ [الحامض](١١٣) ــ فهو على كل تقدير لا ذكر له في كتب رجال الفريقين.
وأما موسى بن عبد الله فهو أيضاً مجهول الحال.
وأما عمرو بن شمر فهو تلميذ جابر المتّفق على ضعفه.
٢. روى الكشّي عن محمَّد بن مسعود، قال: حدّثني محمَّد بن نصير، عن محمَّد بن عيسى. وحمدويه بن نصير، قال: حدّثني محمَّد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن عروة ابن موسى، قال: (كنت جالساً مع أبي مريم الحنّاط وجابر عنده جالس، فقام أبو مريم فجاء بدورق من ماء بئر منازل [خ.ل: مبارك] ابن عكرمة، فقال له جابر: ويحك يا أبا مريم كأنَّي بك قد استغنيت عن هذه البئر واغترفت من هاهنا من ماء الفرات، فقال له أبو مريم: ما ألوم الناس أنْ يسمونا كذابين ــ وكان مولى لجعفر g ــ كيف يجئ ماء الفرات إلى هاهنا. قال: ويحك يحتفر هاهنا نهر أوَّله عذاب على الناس وآخره رحمة يجري فيه ماء الفرات، فتخرج المرأة الضعيفة والصبيّ فيغترف منه، ويجعل له أبواب في بني رواس، وفي بني موهبة، وعند بئر بني كندة، وفي بني فزارة حتى تتغامس فيه الصبيان.
قال علي: إنّه قد كان ذلك ــ أي حفر هذا النهر ــ، وأنَّ الذي حدّثَ على عَهْدِه(١١٤)، ولعلَّ أنَّه قد سمع بهذا الحديث قبل أنْ يكون)(١١٥).
قوله: (قال علي: إنَّه قد كان ذلك، وأنَّ الذي حدّثَ على عَهْدِه). هذا الكلام لمحمَّد ابن عيسى.
والمقصود به: أنَّ ما حدّثَ به علي بن الحكم كان قد حصل في حياته ووقف عليه، ومن ثَمَّ أضاف الكشّي عبارة: (ولعلَّ أنَّه قد سمع بهذا الحديث قبل أنْ يكون). أي أنَّ (علي بن الحكم) قد سمع بهذا الحديث قبل أنْ يُحتفر هذا النهر. وهذا هو الراجح في النظر القاصر.
وعلى هذه القراءة تندفع الريبة فيما يرد من الإخبار بالمُغيَّبات المستقبليّة، فإنَّه إخبار قبل الحصول، وأما لو كان إخبار الراوي بها بعد حصولها فيحتمل الوضع.
وهناك قراءة ثانية وهي: (وأنَّ الذي حدّثَ عليَّ عَهِدَه). أي الذي أخبرني الخبر ــ فيكون (حدَّثَ) ضُمِّن معنى (أملى عليَّ) ــ وهو (عروة بن موسى) قد وقف على حفر هذا النهر.
ولكن على هذه القراءة يكون احتمال الوضع وارداً جداً.
وأمَّا على نسخة المحقق الداماد ــ وهي: (وأنَّ الذي حدّث علي وعَمَّرَ) ــ فيكون إشارة إلى أنَّ (علي بن الحكم) الذي حدَّثَ بهذا الحديث ورواه، قد عَمَّرَ عمراً طويلاً، فلعلّه قد سمع بهذا الحديث قبل أنْ يُحفر هذا النهر.
وهذا الاحتمال ذكره المحقّق المزبور، واستظهر أنَّ قوله: (وأنَّ الذي حدّث علي وعَمَّرَ) من كلام الكشّي.
وأيّاً كان فهذا الحديث معتبر الإسناد إلى عروة بن موسى، وأمَّا هو فهو مجهول ولم يرد إلّا في إسناد علي بن الحكم، وربَّما وصف بالجعفي فيظهر أنَّه من أفراد قبيلة جابر ممَّن زعم إدراكه والرواية عنه.
وبعض رواياته مريبة بعض الشيء من مثله من المجاهيل، فروى الصفّار عن محمَّد بن إسماعيل، عن علي بن الحكم، عن عروة بن موسى الجعفي قال:
(قال لنا أبو عبد الله g يوماً ونحن نتحدث عنده: (فُقئت عين هشام في قبره). قلنا ومتى مات؟ قال: (ثلاثة أيام). فحسبنا وسألنا عن ذلك فكان كذلك)(١١٦).
وفي الاختصاص عن أحمد بن محمَّد بن عيسى، ومحمَّد بن إسماعيل بن عيسى، عن علي بن الحكم مثله(١١٧)، ومثله مرسلاً في المناقب(١١٨). وله روايتان أخريان لا غبار عليهما(١١٩).
وروى الحسين بن حمدان الخصيبي (ت٣٣٤هـ) قريب من هذا المعنى، ولكنه ينتهي إلى الإمام الباقر g، قال: (عن علي بن محمَّد الصيرفي قال: حدّثني علي بن محمَّد بن عبد الله الخياط، قال: حدّثني الحسين بن علي عن أبي حمزة البطائني وهو علي بن معمّر، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر الباقر g قال: خرج أمير المؤمنين إلى أصحابه فقال: يا قوم أرأيتم أنْ لا تذهب الأيام والليالي حتى يجري ها هنا نهر تجري فيه السفن، فما أنتم قائلون؟ أفأنتم مصدّقون فيما قلت أم لا؟ قالوا يا أمير المؤمنين: ويكون هذا؟ قال: والله كأنَّني أنظر إلى نهر في هذا الموضع يزخر فيه الماء وتجري فيه السفن يحرفه طاغوت ينسب إلينا، وليس هو منّا يكون على أهل هذه العترة أولاً عذاباً، ورحمة عليهم آخراً فلم تذهب الأيام والليالي حتى حفر الخندق بالكوفة حفره المنصور فكان عذاباً على أهلها أولاً ورحمة عليهم آخراً، ثمّ جرى فيه الماء والسفن وانتفع الناس به فكان هذا من دلائله (g (١٢٠).
٣. ورد من طرق الزيديّة عن جابر إخباره عن ثورة أبي السرايا محمَّد بن إبراهيم بن إسماعيل المعروف بابن طباطبا بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو ما رواه في مقاتل الطالبيين عن أحمد بن محمَّد بن سعيد الهمداني [الحافظ ابن عقدة]، قال: حدّثنا محمَّد بن منصور، قال: حدّثنا علي بن الحسين، قال: حدّثنا عمر بن شبة المكي، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمَّد بن علي، قال: (يخطب على أعوادكم يا أهل الكوفة سنة تسع وتسعين ومائة في جمادي الأولى رجل منّا أهل البيت، يباهي الله به الملائكة)(١٢١).
وروى أبو الفرج مثل ذلك عن ابن عقدة أحمد بن محمَّد بن سعيد الهمداني، قال: حدّثنا محمَّد بن منصور بن يزيد أبو جعفر المرادي، قال: حدّثنا الحسن بن عبد الواحد الكوفي، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين عن سعيد بن خيثم بن معمّر، قال: سمعت زيد ابن علي يقول: (يبايع الناس لرجل منّا عند قصر الضرتين، سنة تسع وتسعين ومائة، في عشر من جمادي الأولى، يباهي الله به الملائكة. قال الحسن بن الحسين: فحدّثت به محمَّد ابن إبراهيم فبكى)(١٢٢).
والحديث مريب وإنْ تعدد إسناده، لاسيّما بالنظر إلى ما احتواه من تحديد لسنة بعينها، وهو أمر غير متعارف.
٤. روى الصدوق من طريق الشيخ أحمد بن زياد الهمداني قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، قال: حدّثنا محمَّد بن عيسى بن عبيد، قال: حدّثنا محمَّد بن سليمان البصري، عن أبيه، عن إبراهيم بن أبي حجر الأسلمي، قال: حدّثنا قبيصة، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: (سمعت وصيَّ الأوصياء ووارث علم الأنبياء أبا جعفر محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يقول: حدّثني سيد العابدين علي بن الحسين، عن سيد الشهداء الحسين بن علي بن أبي طالب، عن سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب i قال: قال رسول الله e: ستدفن بضعة منّي بخراسان، ما زارها مكروب إلّا نفّس الله كربته، ولا مذنب إلّا غفر الله ذنوبه)(١٢٣).
وفي وثاقة شيخ الصدوق المذكور نظر، والرواة الأربعة قبل جابر مجاهيل أو ضعفاء.
٥. روى الغلاة عن جابر أخباراً كثيرة، منها ما رواه الحافظ رجب البرسي (ت٨١٣هـ) عن جابر بن يزيد قال: (كنّا مع أبي جعفر g في المسجد فدخل عمر بن عبد العزيز وهو غلام، وعليه ثوبان معصفران فقال أبو جعفر g: لا تذهب الأيام حتى يملكها هذا الغلام، ويستعمل العدل جهراً والجور سراً، فإذا مات تبكيه أهل الأرض ويلعنه أهل السماء)(١٢٤).
وهذا خلاف التاريخ جداً، فإن عُمْرَ (عمر بن عبد العزيز) يقارب عمر الإمام g، وقد كانت وفاته (عام ١٠١هـ)، فكيف شاهده جابر والإمام g وهو غلام، وهذا ممّا يقتضي أنْ يكون جابر يَكبُر عمر بن عبد العزيز بعشرين سنة مثلاً.
هذا، وقد أورد الخصيبي في هدايته أخباراً عن جابر، كما في باب رسول الله e (١٢٥)، وباب أمير المؤمنين g (١٢٦)، وباب الإمام الحسن المجتبى g(١٢٧)، وباب الإمام علي بن الحسين h (١٢٨)، وباب الإمام الباقر g (١٢٩)، وباب الإمام الحسن العسكري g(١٣٠).
وهناك أخبار أخرى تروى عن جابر عن أبي جعفر g في الإخبار بالمُغيّبات مثل أخبار الظهور تمامها ضعيف، ومنها ما يكون من غير طريقه. ولكن لا وثوق بروايتها من طريقه:
منها: بعض أخباره في نقل أسماء الأئمَّة الاثني عشر عن النبي e وبعض أخبار عصر الظهور: فمن الأول:
١. ما رواه النعماني (ت٣٦٠هـ) في الغيبة ــ حدّثنا أبو الحارث عبد الله بن عبد الملك بن سهل الطبراني، قال: حدّثنا محمَّد بن المثنى البغدادي، قال: حدّثنا محمَّد بن إسماعيل الرقي، قال: حدّثنا موسى بن عيسى بن عبد الرحمن، قال: حدّثنا هشام بن عبد الله الدستوائي، قال: حدّثنا علي بن محمَّد، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن محمَّد بن علي الباقر h، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطّاب، قال: قال رسول الله e: (إنَّ الله a أوحى إلي ليلة أسري بي: يا محمَّد، من خلفت في الأرض في أمتك ــ وهو أعلم بذلك ــ؟ قلت: يا رب، أخي. قال: يا محمَّد، علي بن أبي طالب؟ قلت: نعم، يا رب. قال: يا محمَّد، إني اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها، فلا أذكر حتى تذكر معي، فأنا المحمود وأنت محمَّد، ثمّ إني اطلعت إلى الأرض اطلاعة أخرى فاخترت منها علي بن أبي طالب فجعلته وصيك، فأنت سيد الأنبياء وعلي سيد الأوصياء، ثمّ شققت له اسماً من أسمائي فأنا الأعلى وهو علي. يا محمَّد، إنَّي خلقت علياً وفاطمة والحسن والحسين والأئمَّة من نور واحد، ثمّ عرضت ولايتهم على الملائكة، فمن قبلها كان من المقرَّبين، ومن جحدها كان من الكافرين. يا محمَّد، لو أنْ عبداً من عبادي عبدني حتى ينقطع ثمّ لقيني جاحداً لولايتهم أدخلته ناري. ثمّ قال: يا محمَّد، أتحب أنْ تراهم؟ فقلت: نعم. فقال: تقدّم أمامك، فتقدّمت أمامي فإذا علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمَّد بن علي، وجعفر بن محمَّد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمَّد بن علي، وعلي بن محمَّد، والحسن بن علي، والحجة القائم كأنَّه الكوكب الدري في وسطهم، فقلت: يا ربّ، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الأئمَّة، وهذا القائم، محلِّل حلالي، ومحرِّم حرامي، وينتقم من أعدائي. يا محمَّد، أحببه فإنِّي أحبَّه وأحبُّ من يحبه)(١٣١).
٢. ما رواه الخزّاز القمّي (ت ٤٠٠هـ) ولفظه: (حدّثنا أحمد بن إسماعيل السلماني ومحمَّد بن عبد الله الشيباني، قالا حدّثنا محمَّد بن همام، عن جعفر بن محمَّد بن مالك الفراري، قال حدّثني حسين بن محمَّد بن سماعة، قال حدّثني أحمد بن الحارث، قال حدّثني المفضَّل بن عمر، عن يونس بن ظبيان، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: لمّا أنزل الله تبارك وتعالى على نبيه e: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ] قلت: يا رسول الله قد عرفنا الله ورسوله، فمن أولوا الأمر منكم الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال g: (خلفائي وأئمَّة المسلمين بعدي، أوّلهم علي بن أبي طالب، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ علي بن الحسين، ثمّ محمَّد بن علي المعروف بالتوراة بالباقر، وستدركه يا جابر فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام، ثمّ الصادق جعفر بن محمَّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ علي بن موسى، ثمّ محمَّد بن علي، ثمّ علي بن محمَّد، ثمّ الحسن بن علي، ثمّ سمييّ وكنييّ حجّة الله في أرضه ونَفَسه في عباده ابن الحسن بن علي، ذلك الذي يفتح الله تعالى ذكرُه على يده مشارق الأرض ومغاربها ذلك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلّا من امتحن الله قلبه للإيمان. قال جابر: فقلت: يا رسول الله فهل لشيعته الانتفاع به؟ فقال g: (والذي بعثني بالنبوة إنَّهم ليستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس إن سترها سحاب ...))(١٣٢).
٣. وأيضاً روى الخزّاز القمّي عن محمَّد بن عبد الله الشيباني O قال: حدّثنا أبو عبد الله جعفر بن محمَّد بن جعفر بن الحسن العلوي، قال: حدّثني أبو نصر أحمد بن عبد المنعم الصيداوي، قال حدثنا عمرو بن شمر الجعفي، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر محمَّد بن علي الباقر h، قال: قلت له: يا ابن رسول الله e إن قوماً يقولون: إنَّ الله تبارك وتعالى جعل الإمامة في عقب الحسن والحسين قال: (كذبوا والله، أوَ لم يسمعوا الله تعالى ذكرُه يقول [وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ] فهل جعلها إلّا في عقب الحسين. ثمّ قال: يا جابر إنَّ الأئمَّة هم الذين نصّ رسول الله e بالإمامة، وهم الأئمَّة الذين قال رسول الله e: لمّا أسري بي إلى السماء وجدت أساميهم مكتوبة على ساق العرش بالنور اثنا عشر اسماً، منهم علي وسبطاه وعلي ومحمَّد وجعفر وموسى وعلي ومحمَّد وعلي والحسن والحجة القائم ..)(١٣٣).
ومن الثاني:
١. ما رواه النعماني في الغيبة عن محمَّد بن همام، قال: حدّثنا جعفر بن محمَّد بن مالك، قال: حدّثني أحمد بن علي الجعفي، عن محمَّد بن المثنى الحضرمي، عن أبيه، عن عثمان بن زيد، عن جابر، عن أبي جعفر محمَّد بن علي الباقر g، قال: (مثل خروج القائم منّا أهل البيت كخروج رسول الله e، ومثل من خرج منّا أهل البيت قبل قيام القائم مثل فرخ طار فوقع من وكره فتلاعبت به الصبيان)(١٣٤).
٢. وأيضاً روى النعماني عن علي بن أحمد، عن عبيد الله بن موسى العلوي، عن محمَّد بن الحسين، عن محمَّد بن سنان، عن عمار بن مروان، عن منخل بن جميل، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر الباقر g أنّه قال: (اسكنوا ما سكنت السماوات والأرض، أي لا تخرجوا على أحد فإنَّ أمركم ليس به خفاء، ألا إنَّها آية من الله a ليست من الناس، ألا إنَّها أضوء من الشمس لا تخفى على برٍّ ولا فاجر، أتعرفون الصبح؟ فإنَّها كالصبح ليس به خفاء)(١٣٥).
٣. وأيضاً روى النعماني عن علي بن الحسين، قال: حدّثنا محمَّد بن يحيى، قال: حدّثنا محمَّد بن حسان الرازي، قال: حدّثنا محمَّد بن علي الصيرفي، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن شمر، عن جابر, قال: دخل رجل على أبي جعفر الباقر g، فقال له: عافاك الله، اقبض مني هذه الخمسمائة درهم فإنَّها زكاة مالي. فقال له أبو جعفر g: (خذها أنت فضعها في جيرانك من أهل الإسلام والمساكين من إخوانك المسلمين، ثمَّ قال: إذا قام قائم أهل البيت قسّم بالسوية، وعدل في الرعية، فمن أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله، وإنَّما سمّي المهدي مهدياً لأنّه يهدي إلى أمر خفي، ويستخرج التوراة وسائر كتب الله a من غار بأنطاكية، ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن، وتجمع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها، فيقول للناس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام، وسفكتم فيه الدماء الحرام، وركبتم فيه ما حرَّم الله a، فيعطي شيئاً لم يعطه أحد كان قبله، ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً ونوراً كما ملئت ظلماً وجوراً وشرّاً)(١٣٦).
٤. وروى أيضاً عن علي بن أحمد، عن عبيد الله بن موسى العلوي، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمَّد بن حفص، عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، قال: سألت أبا جعفر محمَّد بن علي h عن قول الله تعالى: [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ]، فقال: (يا جابر، ذلك خاصّ وعامّ، فأمَّا الخاصّ من الجوع فبالكوفة، ويخصّ الله به أعداء آل محمَّد فيهلكهم، وأمَّا العامّ فبالشام يصيبهم خوف وجوع ما أصابهم مثله قط. أمَّا الجوع فقبل قيام القائم g. وأمَّا الخوف فبعد قيام القائم g)(١٣٧).
٥. وروى أيضاً عن أحمد بن محمَّد بن سعيد، قال: حدّثنا محمَّد بن المفضَّل وسعدان ابن إسحاق بن سعيد وأحمد بن الحسين بن عبد الملك ومحمَّد بن أحمد بن الحسن جميعاً، عن الحسن بن محبوب، عن يعقوب السرّاج، عن جابر، عن أبي جعفر g أنَّه قال: (يا جابر، لا يظهر القائم حتى يشمل الناس بالشام فتنة يطلبون المخرج منها فلا يجدونه، ويكون قتل بين الكوفة والحيرة قتلاهم على سواء، وينادي منادٍ من السماء)(١٣٨).
٦. وروى أيضاً بقوله: أخبرنا أحمد بن محمَّد بن سعيد، عن هؤلاء الرجال الأربعة ــ وهم محمَّد بن المفضَّل، وسعدان بن إسحاق بن سعيد، وأحمد بن الحسين بن عبد الملك، ومحمَّد بن أحمد بن الحسن ــ، عن ابن محبوب. وأخبرنا محمَّد بن يعقوب الكليني أبو جعفر، قال: حدّثني علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه. قال: وحدَّثني محمَّد بن عمران، قال: حدّثنا أحمد بن محمَّد بن عيسى، قال: وحدّثنا علي بن محمَّد وغيره، عن سهل بن زياد، جميعاً، عن الحسن بن محبوب. قال: وحدّثنا عبد الواحد بن عبد الله الموصلي، عن أبي علي أحمد بن محمَّد بن أبي ناشر، عن أحمد بن هلال، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: قال أبو جعفر محمَّد ابن علي الباقر g: (يا جابر، الزم الأرض ولا تحرّك يداً ولا رجلاً حتى ترى علامات أذكرها لك إنْ أدركتها: أوَّلها اختلاف بني العباس، وما أراك تدرك ذلك، ولكن حدِّث به من بعدي عني، ومنادٍ ينادي من السماء، ويجيئكم صوت من ناحية دمشق بالفتح، وتخسف قرية من قرى الشام تسمّى الجابية، وتسقط طائفة من مسجد دمشق الأيمن، ومارقة تمرق من ناحية الترك، ويعقبها هرج الروم، وسيقبل إخوان الترك حتى ينزلوا الجزيرة، وسيقبل مارقة الروم حتى ينزلوا الرملة، فتلك السنة ــ يا جابر ــ فيها اختلاف كثير في كلّ أرض من ناحية المغرب، فأوَّل أرض تخرب أرض الشام ثمَّ يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات: راية الأصهب، وراية الأبقع، وراية السفياني، فيلتقي السفياني بالأبقع فيقتتلون فيقتله السفياني ومن تبعه، ثمّ يقتل الأصهب، ثمَّ لا يكون له همَّه إلّا الإقبال نحو العراق، ويمر جيشه بقرقيسياء، فيقتتلون بها فيقتل بها من الجبّارين مائة ألف، ويبعث السفياني جيشاً إلى الكوفة وعدّتهم سبعون ألفاً، فيصيبون من أهل الكوفة قتلاً وصلباً وسبياً، فبينا هم كذلك إذ أقبلت رايات من قبل خراسان وتطوي المنازل طيّاً حثيثاً ومعهم نفر من أصحاب القائم، ثمَّ يخرج رجل من موالي أهل الكوفة في ضعفاء فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة والكوفة، ويبعث السفياني بعثاً إلى المدينة فينفر المهدي منها إلى مكة، فيبلغ أمير جيش السفياني أنَّ المهدي قد خرج إلى مكة، فيبعث جيشاً على أثره فلا يدركه حتى يدخل مكة خائفاً يترقّب على سُنَّة موسى بن عمران g. وقال: فينزل أمير جيش السفياني البيداء فينادي منادٍ من السماء: يا بيداء، بيدي القوم، فيخسف بهم، فلا يفلت منهم إلّا ثلاثة نفر، يحوّل الله وجوههم إلى أقفيتهم، وهم من كلب، وفيهم نزلت هذه الآية: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا] الآية. قال: والقائم يومئذ بمكة، قد أسند ظهره إلى البيت الحرام مستجيراً به، فينادي: يا أيّها الناس، إنّا نستنصر الله فمن أجابنا من الناس فإنّا أهل بيت نبيكم محمَّد e، ونحن أولى الناس بالله وبمحمَّد e، فمن حاجّني في آدم فأنا أولى الناس بآدم، ومن حاجّني في نوح فأنا أولى الناس بنوح، ومن حاجّني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم، ومن حاجّني في محمَّد e فأنا أولى الناس بمحمَّد e، ومن حاجَّني في النبيين فأنا أولى الناس بالنبيين، أليس الله يقول في محكم كتابه: [إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]؟ فأنا بقيَّة من آدم، وذخيرة من نوح، ومصطفى من إبراهيم، وصفوة من محمَّد (صلَّى الله عليهم أجمعين). ألا فمن حاجّني في كتاب الله فأنا أولى الناس بكتاب الله، ألا ومن حاجّني في سنة رسول الله فأنا أولى الناس بسُنَّة رسول الله، فأنشد الله من سمع كلامي اليوم لما أبلغ الشاهد منكم الغائب، وأسألكم بحقّ الله وبحقّ رسوله وبحقّي، فإنَّ لي عليكم حقّ القربى من رسول الله إلّا أعنتمونا ومنعتمونا ممَّن يظلمنا فقد أُخفنا وظُلمنا وطُردنا من ديارنا وأبنائنا وبُغي علينا ودُفعنا عن حقّنا وافترى أهل الباطل علينا، فالله الله فينا لا تخذلونا وانصرونا ينصركم الله تعالى. قال: فيجمع الله عليه أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، ويجمعهم الله له على غير ميعاد قزعاً كقزع الخريف، وهي ــ يا جابر ــ الآية التي ذكرها الله في كتابه: [أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] فيبايعونه بين الركن والمقام، ومعه عهد من رسول الله e قد توارثته الأبناء عن الآباء، والقائم ــ يا جابر ــ رجل من ولد الحسين يصلح الله له أمره في ليلة، فما أشكل على الناس من ذلك ــ يا جابر ــ فلا يشكلن عليهم إذا نودي باسمه واسم أبيه وأمّه)(١٣٩).
٧. روى الخزّاز القمّي عن محمَّد بن علي J، قال: حدّثنا جعفر بن محمَّد بن مسرور J، قال: حدّثنا الحسين بن محمَّد بن عامر، عن عمّه [عن](١٤٠) محمَّد بن أبي عمير، عن أبي جميلة المفضَّل بن الحسن(١٤١) بن صالح، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله e: (المهدي من ولدي، اسمه اسمي وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً، يكون له غيبة وحيرة يضلّ فيها الأمم، ثمَّ يقبل كالشهاب الثاقب يملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً)(١٤٢).
الجهة الحادية والعشرون: جابر والغلاة..
إنَّ جابراً أحد الرجال الذين تدّعيهم الغلاة ويزعمون أنَّه كان منهم ولم يكن من عموم الشيعة الإمامية الذين يعتقدون باصطفاء أهل البيت i وإمامتهم من عند
الله تعالى.
ولنقدِّم مقدِّمة حول الغلوّ والغلاة قبل الحديث عن جابر وادعائه من قبل الغلاة وآثاره عندهم، فنقول:
إنَّ الغلاة فرقة نشأت في أوساط المسلمين تبتني دعواها على رفع أئمّة أهل البيت i عن درجة الإمامة والاصطفاء الإلهي إلى درجة النبوّة أو الإلوهيَّة، ويقترن بهذه الدعوى غالباً الغلوّ في النبي e أيضاً ورفعه عن درجة النبوّة إلى درجة الإلوهيَّة، وكذلك الغلوّ في عدد من صحابة النبي e مثل سلمان والمقداد وأبي ذر والنقباء الاثني عشر.
ثمَّ في بعض رؤوس الغلوّ ممَّن كان يدّعي صحبة أئمّة أهل البيت i والإيمان بهم مثل: (عبد الله بن سبأ والمغيرة بن سعيد وأبي الخطّاب) وآخرين، وتبتني كثير من مذاهب الغلوّ على مبدأ التناسخ بمعنى أنَّ الأرواح تنتقل بعد الموت من جسم إلى آخر، أو المسخ بمعنى نقلها إلى أجسام بعض الحيوانات معاقبة لها، كما أنَّها غالباً لا أحكام فقهية لها، بل هي تهتم بأمر المعرفة وترى أنَّها مناط الإيمان.
وقد بدأت حركة الغلوّ بالتزامن مع تصدّي الإمام أمير المؤمنين g للخلافة حيث حكي غلوّ ابن سبأ وجماعة فيه والاعتقاد بإلوهيّته(١٤٣)، وبغيبته ومهدويته بعد وفاته، ثمَّ كان في زمان أغلب أئمّة أهل البيت i من يرفعهم إلى درجة الإلوهيَّة.
ومن ذلك يظهر أنَّ الغلاة فرقة غير الشيعة الإمامية بحسب عقائدها، وهي معدودة في قبالها في كتب الفرق جميعاً، إلّا أنَّ هناك جوانب صورية مشتركة بينهما:
الأوَّل: إنَّ الغلاة يعتقدون بامتياز الأئمَّة من أهل البيت i ــ كالشيعة ــ فجلّهم يلتزم بالغلوّ فيمن عاصره من الأئمَّة الاثني عشر ومن سبقه من الأئمَّة i، وضمّ بعضهم في الغلوّ الزهراء –، ولذلك قد يعدّون في جملة فرق الشيعة فيقال: إنَّ الشيعة على قسمين: الغلاة وغيرهم.
ولكن الواقع إنَّ هذا التشابه شكلي، وذلك:
١. لأنَّ الغلوّ عقيدة باطنية محضة مغايرة لدين الإسلام، فإنَّ الإسلام دين واضح المعالم من كتابه المحفوظ وهو ينفي الغلوّ في المخلوقات نفياً صريحاً قاطعاً.
٢. على أنَّ البون بين نوعي الامتياز واسع، فالإماميّة يلتزمون باصطفاء أهل بيت النبي e من عند الله سبحانه شأن اصطفاء بيوت الأنبياء السابقين، كما ورد في الآيات الشريفة ذكر اصطفاء آل إبراهيم وآل عمران وآل داود. وأمَّا الغلاة فهم يرفعون الأنبياء والأئمَّة إلى درجة الإلوهيّة.
٣. كما أنَّ الغلاة لا يقتصرون على إثبات الامتياز للأنبياء والأئمَّة i، بل إنَّهم يغلوّن في رؤسائهم ويرفعونهم إلى مصافّ الأنبياء والأئمَّة، وهذا بخلاف الإمامية فإنَّهم لا يتجاوزون فيما يعتقدون به من الاصطفاء الإلهي المعهود إلى غير النبي e وابنته الزهراء والأئمَّة من آل البيت i.
٤. إنَّ طريقة تلقّي النصوص الشرعية كتاباً وسُنّة تختلف بين الفريقين جدّاً. فالإمامية أهل رواية وجرح وتعديل وهم يستندون في إثبات الاصطفاء الإلهي لأهل البيت إلى نصوص متّفق على نقلها من الكتاب والسُنَّة، كآية التبليغ والمباهلة والتصدّق راكعاً وحديث الثقلين والغدير وغير ذلك.
كما ترتكز مدرسة الإمامية على أنَّ أئمَّة أهل البيت i أَثبتوا ذلك لأنفسهم فعلاً كما تجد توصيف الإمام علي g مكرّراً امتياز أهل البيت في خطبه وأقواله المأثورة في نهج البلاغة، كما أنَّ ذرّيته كالباقر والصادق وأولاده i كانوا يؤمون قوماً يعتقدون بإمامتهم ويهتمّون بتراثهم، ويرون فيهم أنَّهم أوصياء للنبي e، كما كانت السلطة تتعامل معهم على هذا الأساس.
وأمَّا الغلاة فلا يستندون في ذلك إلى نصوص تدلّ على ذلك، بل يتمّ تأويل عامَّة النصوص وصرفها عن ظاهرها، ويعترف كثير من فرق الغلاة بلعن أئمة أهل البيت i لرؤوسها، ولكنها تأوّل ذلك بأنَّ باطن اللعن هو الرحمة على طريقتهم في التوسّع في التأويل حتى أوَّلوا الأشياء بأضدادها.
الثاني: إنَّ الغلوّ ظاهرة نشأت في الوسط الشيعي خاصَّة، بمعنى أنَّ الغلاة في الغالب كانوا من الشيعة بمعنى المحبين لأهل البيت i أو القائلين بإمامتهم في أوَّل الأمر، وربمَّا كانوا على صفة الاستقامة، ثم انتقلوا في أثر عوامل مختلفة إلى الغلوّ في أهل البيت، كما أنَّ المتأثّرين برؤوس الغلوّ والمتّبعين لهم كانوا من عامَّة الشيعة غير المتفقّهين في الدين الذين كانوا يتأثّرون بالدعاوي المبالغ فيها ويصدقونها بالأساليب البدائية التي يستخدمها رؤوس الغلوّ من غير تثبّت.
الثالث: إنَّ الغلاة كانوا يدّعون جماعة من رواة الشيعة الإمامية وعلمائهم ممَّن عرفوا بأنَّهم كانوا مقرَّبين من الأئمَّة i ممَّن يجدون في شخصيتهم صفات خاصة تناسب مدّعاهم في حقّهم، كأنْ تكون الشخصية غامضة أو عرفت بأنَّها من خواصّ الأئمَّة i وأصحاب أسرارهم، ولا يختارون في هذا الصدد عادة الذين اشتهروا بالفقه أو العبادة كزرارة وجميل بن دراج ومحمَّد بن أبي عمير وأمثالهم، ويسندون مروياتهم المتضمّنة للغلوّ إلى الأئمَّة من طريقهم؛ وذلك لإثبات حقّانية دعواهم وإيهاماً لصدق رواياتهم، وبذلك ينازعون الإمامية في دعوى أنَّ هؤلاء الرجال منهم، وكان يُسهِّل ذلك لهم سعة باب الباطن عندهم في الرجال كسعته في النصوص، فيدّعون أنَّه كان لهم باطن غير ظاهرهم وروايات مستورة من الأسرار غير رواياتهم المشهورة، وقد ورّثوها لأهل السرّ من تلامذتهم، بل فعلوا ذلك في جماعة من الصحابة.
يضاف إلى ذلك: أنَّ الغلاة المتأخرين كانوا يطوّرون دائماً ــ قبل عصر استقرار تراثهم ــ نظريات في مقامات معنوية لا بُدَّ من اتصاف جماعة بها اتّصافاً مطّرداً في شأن النبي e وجميع الأئمَّة i من قبيل (الأبواب) و(النقباء) و(الأيتام) و(الحجب) و(النجباء) و(الأبدال).
وعلى وفق ذلك(١٤٤) فإنَّهم كانوا يضطرون إلى تعيين مصاديق لهذه العناوين في شأن النبي e وأئمَّة أهل البيت i فيختارون من أصحابهم مَن يجدون شخصيته أنسب بتلك الدعاوي في حقهم، وربَّما اضطروا في هذا السياق إلى اختيار أسماء غير مناسبة ملئاً للفراغ.
الرابع: إنَّ عامَّة الغلاة كانوا يتظاهرون بأنَّهم على عقائد الشيعة الإمامية وكان اعتقادهم أمراً مبَّطناً، وكانت لذلك أسباب عديدة، أهمّها: أنَّ عامَّة المجتمع الإمامي كانوا من الشيعة الإمامية، وكان كشفهم عن عقائدهم ممّا يوجب تكفيرهم من قبلهم ومن قبل سائر المسلمين، وهذا ممّا يؤدي إلى محاذير عديدة، منها: الخطورة عليهم، ومنها: هجر الناس لهم وتعذّر النفوذ في عامَّة الناس وتحصيل الأتباع منهم، ومنها: كشف زيف مستنداتهم ومروياتهم، ووقوع الشبهة فيها لدى أغلب المتأثّرين بهم.
وعلى هذا الأساس، كان الغلاة بحسب الانتماء المذهبي والعلمي والاجتماعي معدودين من جملة الشيعة الإمامية ويعيشون بينهم، ويشاركون في النشاطات المختلفة من قبيل رواية التاريخ والحديث وسائر فروع المعرفة ويدسّون مجعولاتهم فيما بين التراث الإمامي، بل روى جماعة منهم أحاديث في ذمّ الغلاة، وفي تزكية بعض مشايخهم المتهمين بالغلوّ، كما روى الكشّي في رجاله أخباراً كثيرة في ذلك من طرق الغلاة أنفسهم، بل نسب إلى بعضهم تأليف كتاب في الردّ على الغلاة كما ذكر النجاشي في محمَّد ابن موسى بن عيسى أبو جعفر الهمداني السمّان، ضعّفه القمّيون بالغلوّ، وكان ابن الوليد يقول: إنَّه كان يضع الحديث، والله أعلم. له... كتاب الرد على الغلاة(١٤٥). ولذا اضطر علماء الإمامية إلى ذكرهم في كتب الرجال والفهارس والتنبيه على اعتقادهم والتخليط في مروياتهم.
الخامس: إنَّ الغلاة كانوا يروون مختارات من الروايات المأثورة لدى محدّثي الإمامية ممّا يجدونها مناسبة لمدعياتهم فيصرفوها إلى مدّعياتهم من خلال بعض الشبهة والبيان بما يقتنع بها عامَّة الناس، مثل احتجاج محمَّد بن نصير النميري على صواب عقيدة الغلوّ وخطأ عقيدة جمهور الشيعة الإمامية(١٤٦) بما ورد من قلَّة المؤمن وأنَّه كالكبريت الأحمر(١٤٧)، وأنَّ قليلاً من الناس يكونون في موقع التبعية والانقياد في الصعوبات والفتن.
ولأجل ذلك كلّه كان هناك تشابه وخلاف كبير حول عدد من الرواة بين كونهم من الإمامية أو من الغلاة، كما وقع تشابه غير قليل في التراث الحديثي ونقده المضموني بين ما يكون في الحقيقة من أفكار الغلاة وغيره.
ولاسيّما أنَّه قد كان من طرق الغلاة دسّ الزيادة في الروايات والكتب المأثورة كما يظهر بالمقارنة بين الرواية الواحدة الواردة من طرقهم ومن طرق غيرهم، فقد روى الكشّي عن يونس بن عبد الرحمن أنَّه قال: (وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر g ووجدت أصحاب أبي عبد الله g متوافرين، فسمعت منهم وأخذت كتبهم، فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا g فأنكر منها أحاديث كثيرة أن يكون من أحاديث أبي عبد الله g. وقال لي: إنَّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبد الله g. لعن الله أبا الخطّاب، وكذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله g..)(١٤٨).
وعنه أيضاً، عن هشام بن الحكم، أنَّه سمع أبا عبد الله g يقول: (كان المغيرة بن سعيد يتعمَّد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدسّ فيها الكفر والزندقة، ويسندها إلى أبي ثمَّ يدفعها إلى أصحابه ويأمرهم أنْ يبثوها في الشيعة، فكلّما كان في كتب أصحاب أبي من الغلوّ فذاك ما دسَّه المغيرة بن سعيد في كتبهم)(١٤٩).
على أنَّ للغلاة آثاراً يختصّون بها لا يرويها عامَّة الإمامية، وهذه الآثار على العموم طرأ عليها كثير من التشويش، وذلك لأنَّ الإمامية تركوا ــ على العموم ــ رواية المؤلّفات الكاملة في الغلوّ(١٥٠)، وكذلك ما كان واضحاً وصريحاً في الغلوّ من الآثار، وربمَّا بقي بعض خيوط أفكار الغلاة في هذا التراث ممّا يمكن تحديده أو تحديد المشتبه منه بالنقد الرجالي من جهة، والمقارنة مع الآثار الباقية للغلاة لديهم من جهة أخرى.
فقد بقيت آثار الغلاة في أوساط الفرق الغالية كالنصيرية، إلّا أنَّ من الصعوبة بمكان الإثبات التاريخي لهذه الآثار وفق أسانيدها، إلّا بمقدار ما تؤكّده كتب الفرق في وصف أقوال الغلاة، أو يرد في علم رجال الإمامية، أو يكون له نسخة مخطوطة ترجع إلى تاريخ سابق.
والوجه في ذلك أمور متعدّدة:
منها: إنَّ آثار الغلاة على العموم مبنيَّة على الكتمان والسرّية ممّا يتعذّر معه الإثبات التاريخي.
ومنها: إنَّ كثيراً من روايات الغلاة هي في حقيقتها إنشاء منهم، ولكنهم يضطرون إلى نسبتها لأهل البيت i بتوسّط الرواة السابقين؛ لأنَّ الموقع الرمزي لأهل البيت i يجعل دور اللاحقين مقصوراً على الإذعان القلبي بتلك الحقائق ومعرفتها، أو شرحها وبيانها وترتيبها وملء نقاط فراغ مستنبطة لها ومزيد تأويل للمأوّل.
ومنها: إنَّه ليس لدى الغلاة عموماً علم إسناد وطبقات ولا علم رجال مبني على النقد والتمحيص للمنقولات(١٥١) بذريعة أنَّ هذه المنقولات أسرار وأنَّ حملتها بطبيعة الحال إنّما حملوها سرّاً، وأنَّ تحمّل هذه الأسرار بنفسه لا يتأتّى إلّا لمن محّض الإيمان وكان أهلاً لأنْ يكون مستودعاً للأسرار، ومن ثَمَّ ترى اختلالاً كبيراً في أسانيدهم من إرسال بين رجالها، أو قلب، أو تحريف عجيب للأسماء، أو غير ذلك.
هذا حديث عام عن الغلوّ.
وأمَّا عن جابر وعلاقته بالغلوّ والغلاة فنقول:
إنَّ حركة الغلوّ نشأت قبل جابر وذلك في الطبقة الأولى من طبقات الرواة بعد النبي e حيث غلا بعض الناس في عهد أمير المؤمنين g، واستمرّت حركة الغلوّ في الطبقات اللاحقة بما فيها الطبقة الرابعة ــ الذين يعدّ جابر منهم ــ.
١. قد ادّعى بعض الغلاة في هذه الطبقة انتماءهُ إلى جابر، فقد ذكر النوبختي أنَّه بعد مقتل عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في سنة ١٢٩هـ ــ الذي كان قد ثار على مروان بن محمَّد بن مروان بن الحكم سنة ١٢٧هـ بالكوفة ــ وكان قد ادعي أنَّه (افترقت فرقته بعده ثلاث فرق، وقد كان مال إلى (عبد الله بن معاوية) شذاذ صنوف الشيعة برجل من أصحابه يقال له (عبد الله بن الحارث) وكان أبوه زنديقاً من أهل المدائن فأبرز لأصحاب (عبد الله) فأدخلهم في الغلوّ والقول بالتناسخ والأظلة والدور وأسند ذلك إلى (جابر بن عبد الله الأنصاري) ثمَّ إلى (جابر بن يزيد الجعفي) فخدعهم بذلك حتى ردّهم عن جميع الفرائض والشرائع والسنن وادّعى أنَّ هذا مذهب جابر بن عبد الله وجابر بن يزيد).
قال النوبختي: (رحمهما الله فإنَّهما قد كانا من ذلك بريئين)(١٥٢).
ومن الملاحظ أنَّ نسبة العقائد الغالية إلى جابر الجعفي هنا تصدر لأوَّل مرَّة بعد مماته من قبل بعض الغلاة؛ لأنَّه كان يناسب اعتزاله واختصاصه بالباقر g واهتمامه بتأويل الآيات الشريفة، كما سيأتي بيانه في المقام الثاني.
هذا، وكانت الحارثية مسبوقة بفرقتين ذكر النوبختي أنَّهما كانتا من الغلاة أيضاً:
إحداهما: فرقة الكيسانية، وهي القائلة بإمامة محمَّد بن الحنفية فلما توفي (سنة ٨١هـ) زعم (حمزة بن عمارة البربري) ــ وكان من أهل المدينة ــ أنَّه نبي وأنَّ محمَّد بن الحنفية هو الله a ــ تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ــ، وأنَّ حمزة هو الإمام وأنَّه ينزل عليه سبعة أسباب من السماء فيفتح بهن الأرض ويملكها، وكان قد نكح ابنته وأحلّ جميع المحارم، وقال من عرف الإمام فليصنع ما شاء فلا إثم عليه، فتبعه على ذلك ناس من أهل المدينة وأهل الكوفة فلعنه أبو جعفر محمَّد بن علي بن الحسين g وبرئ منـه وكـذّبه وبرئت منـه الشـيعة، فاتّبعه على رأيه رجلان من نهد يقال لأحـدهما (صائد) وللآخر (بيان) إلى آخر ما ذكره.
ويظهر ممّا ذكره من لعن الباقر g إيّاه أنَّه كان في زمان تصدّيه للإمامة بعد شهادة أبيه السجاد g (سنة ٩٤هـ)، وقد ذكر أنَّ (بياناً) ادّعى أنَّ الباقر g أوصى إليه، وكان قـد كتب إلى الباقر يدعو إلى نفسه والإقرار بنبـوته، وأخـذه خالد بن عبد اللّه القسـري ــ الذي وَليَّ الكوفة من سنة (١٠٥ ــ ١٢٠هـ) ــ هو وخمسة عشر رجلاً وقتلهم(١٥٣).
والأخرى: فرقة العبّاسية (الراوندية)، وهي القائلة: إنَّ الإمام بعد ابن الحنفية هو (محمَّد بن علي بن عبد الله بن عبّاس) وأنَّه الإمام وهو الله a، وهو العالم بكلّ شيء، فمن عرفه فليصنع ما شاء.
وذكر النوبختي: أنَّ بدء الغلوّ كان من الكيسانية والعباسية والحارثية (حتى قالوا إنَّ الأئمَّة آلهة وإنَّهم أنبياء وإنَّهم رسل وإنَّهم ملائكة، وهم الذين تكلموا بالأظلة وفي التناسخ في الأرواح، وهم أهل القول بالدور في هذا الدار، وإبطال القيامة والبعث والحساب..)(١٥٤). إلى آخر ما ذكره في شرح عقائدهم.
٢. وتتالت بعد جابر في زمان الإمام الصادق g (ت ١٤٨هـ) ومن بعده فرق الغلاة، ويظهر بملاحظة روايات الغلاة والمضعّفين أنَّ جابراً كان من جملة من ترفع إليه الآثار المتضمنة للغلوّ والأفكار الغالية.
وربَّما ساهم في تأكيد هذه النسبة في الطبقة الخامسة جملة من تلامذة جابر مثل: (عمرو ابن شمر، وأبي جميلة المفضَّل بن صالح، والمنخل بن جميل) حيث ضعّف الثلاثة جميعاً.
وكأنَّ سرَّ التضعيف هو ملاحظة أدبيات الغلاة وخيوط أفكارهم وتلفيقاتهم فيما يروونه عن جابر، لاسيمّا عمرو بن شمر الذي أصبح راوية جابر وكان يصلّي في مسجده من بعده، وبقي بعده طويلاً، وروى عنه آثاراً كثيرة انفرد بها.
وقد روى عن جابر جمع آخر ممَّن ضعّف أو اتّهم بالغلوّ مثل: عمرو بن أبي المقدام، والربيع بن محمَّد المسلمي، وعبد الله بن الحارث ــ الذي عُدَّ من رؤوس الغلاة ممَّن فرّق الثوار عن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيّار ــ، وعبد الله بن غالب، وسعد الأسكاف، وحميد بن شعيب، وضريس الوابشي، وعثمان بن زيد، وإبراهيم بن عمر اليماني، وصباح المزني، ويونس بن ظبيان، على تأمّل في روايته عنه مباشرةً؛ لأنَّه من أحداث الطبقة الخامسة.
ومِن جملة مَن نسب إليه الغلوّ وقد روى عن جابر ــ ممَّن يحتمل أنْ يكون قد ساهم
في ترسيخ اهتمام الغلاة بجابر ــ المفضَّل بن عمر الجعفي ــ وهو من قبيلة جابر نفسها ــ وهذا الرجل يتراءى أنَّه المفكر الأبرز للغلاة في الأعصار كلّها حتى تنسب إليه الغلاة كثيراً من الآثار الفكرية المختلفة التي تختصّ بها الغلاة بلسان الرواية عن الصادق g كالهفت الشريف، ورغم أنَّ بعض هذه الآثار مختلقة، أو يتوقع أنْ يكون قد زِيدَ فيها ونقص، إلّا أنَّه يبقى من الصعوبة بمكان نفي استناد الغلوّ إليه مطلقاً، ولكنَّه ربَّما كان من الغلاة الذين يجمعون بين الباطن والظاهر، ولا يلغون العمل بالشريعة.
وفي الطبقة السادسة ــ طبقة تلامذة تلاميذ جابر ــ كان من أبرز الرواة المضعّفين والمتّهمين بالغلوّ عن جابر هو (محمَّد بن سنان الزاهري) ــ الذي يعدّه الغلاة من أركانهم، ويعدّونه راوية لآثار الغلاة السابقين وتراثهم مثل تراث المفضَّل بن عمر ــ، وقد حكي عنه اعترافه قبل موته بأنَّه كان يروي عن الوجادة، كما حكي عنه أنَّه كان يقول في مسجد الكوفة: (من أراد المعضلات فإلي، ومن أراد الحلال والحرام فعليه بالشيخ، يعني صفوان بن يحيى)(١٥٥).
وذُكر عن صفوان بن يحيى أنَّه قال: (هذا ابن سنان لقد هَمّ أنْ يطير غير مرَّة فقصصناه حتى ثبت معنا)(١٥٦).
وقد روى محمَّد بن سنان عن الغلاة والمتهمين بالغلوّ ممَّن كانوا في طبقة مشايخه كالمفضَّل بن عمر، وربَّما روى ابن سنان عن جابر مباشرة، وهو مرسل طبعاً.
ومن سائر الرواة الغالين والضعفاء عن جابر بالواسطة في هذه الطبقة: عبد الله بن القاسم، وعبد الله بن حمّاد، وبكر بن صالح، وإسماعيل بن مهران، ومحمَّد بن عبد الرحمن بن محمَّد العزرمي وغيرهم.
وهكذا اعتني برواية المضامين المتضمّنة للغلوّ والتخليط عن جابر في الأجيال اللاحقة من الرواة الغلاة والمخلطين، مضافاً إلى رواية عامّة الروايات لبعض ما أُثر عنه ممّا لم يشخّصوه غلوّاً وتخليطاً.
٣. إلى أنْ تبلورت فكرة البابيَّة التي سرعان ما وجهّها الغلاة إلى أنَّه لا يتيسّر استقاء المعرفة من أئمَّة أهل البيت i مباشرة، بل لا بُدَّ من الدخول إلى معارفهم من خلال أبواب لهم، فأعطي لـ(جابر) البابيَّة للإمام الباقر أو الصادق h.
ويلاحظ أنَّ التعبير بـ (الباب) في الأصل ــ على الأغلب ــ كان اقتباساً لما ورد من أنَّ علياً g باب علم النبي e.
واستخدام التعبير بـ (الباب) عن بعض أصحاب الأئمَّة نشأ ــ على الأغلب ــ في زمان الإمام الهادي والعسكري h حيث إنَّ الأئمَّة على أثر تشديد الرقابة عليهم وصعوبة اللقاء بهم أرجعوا إلى وكلاء موثوقين عندهم كمحمَّد بن عثمان العمري، وعبّر عن هؤلاء بالأبواب والسفراء، وكان المراد بالباب في الإطلاق العامّ هو سبيل الاتصال مع الإمام g.
وقد توسَّع بعض الإمامية طرداً للفكرة إلى الأزمنة السابقة فانتزع لكلّ واحد من النبي e والأئمَّة i باباً، فجعل باب النبي e أمير المؤمنين g، وباب أمير المؤمنين سلمان، وباب الحسن g سفينة، وباب الحسين g رشيد الهجري، وباب علي بن الحسين g أبا خالد الكابلي، ويحيى بن أم الطويل، وباب الباقر g جابراً، وهكذا.
وممَّن جرى على ذلك:
١. في تاريخ الأئمَّة المنسوب إلى أبى بكر محمَّد بن أحمد بن عبد الله بن إسماعيل بن أبي الثلج الكاتب البغدادي المولود (سنة ٢٣٧هـ) والمتوفّى حدود (٣٢٢هـ) في ذكر خصائص النبي e والأئمَّة i عقد عنواناً في (أبواب النبي e والأئمَّة i)، وعُدَّ باب الباقر g جابر بن يزيد الجعفي، وباب جعفر بن محمَّد h المفضَّل بن عمر، وباب الكاظم g محمَّد بن المفضَّل، وباب الرضا g محمَّد بن الفرات، وباب الجواد g عمر بن الفرات، وباب الهادي g عثمان بن سعيد العمري.
وقال: (وقال قوم إنَّ محمَّد بن نصير النميري الباب. وأنَّ عثمان بن سعيد الباب، ومحمَّد بن نصير المعلّم).
وقال في باب الحسن بن علي h: (عثمان بن سعيد ومحمَّد بن نصير كما قالوا في أبيه وهم النصيرية).
وباب القائم الحجة المنتظر l عثمان بن سعيد(١٥٧).
٢. في طبّ الأئمَّة لابن سابور الزيّات (ت ٤٠١هـ) في ذكر إسناده إلى رواية (محمَّد ابن جعفر بن علي البرسي، قال: حدّثنا محمَّد بن يحيى الأرمني ــ وكان باباً للمفضَّل بن عمر، وكان المفضَّل باباً لأبي عبد الله الصادق g ــ...)(١٥٨).
٣. الشيخ الطوسي R(ت ٤٦٠هـ) عطف ذات مرَّة في الغيبة عمَّن كان يختصّ ببعض الأئمَّة i أو ادّعي اختصاصه من السفراء والوكلاء ــ من غير أن يعتني بجعل شخص بخصوصه باباً للإمام، بل ذكر طيفاً من الوكلاء في الأمور الماليّة وغيرها، كما لم يهتم بجعل باب لكلّ واحد من الأئمَّة الاثني عشر، بل نظر إلى الصادق ومَن بعده من أئمَّة أهل البيت i. على أنَّه لم يركّز على التعبير عنهم بالباب، بل عبَّر بالسفراء والوكلاء ــ (الأبواب)(١٥٩). نعم، عبّر عن سفراء الحجة l بالأبواب(١٦٠)، وذكر فصلاً بعنوان (ذكر المذمومين الذين ادّعوا البابيَّة والسفارة كذباً وافتراءً)(١٦١)، ومن جملتهم الحلّاج ومحمَّد بن نصير وآخرين.
٤. ابن شهرآشوب (ت٥٨٨هـ) في مناقبه حيث اعتنى بذكر باب لكل واحد من الأئمَّة i، وجعل أيضاً باب الباقر g جابر بن يزيد الجعفي(١٦٢)، وجعل باب الصادق g محمَّد بن سنان(١٦٣)، وباب الكاظم g المفضَّل(١٦٤)، وباب الرضا g محمَّد ابن راشد(١٦٥)، وباب الجواد g عثمان بن سعيد(١٦٦)، وباب الهادي g محمَّد بن عثمان العمري، وباب العسكري g الحسين بن روح النوبختي.
ولكن يتوقّع أنْ يكون استنباط هذه الأبواب للأئمَّة مشاكلة مع دعاوي الغلاة، كما ينبّه عليه بعض وجوه الاشتراك، وفي جملة منها ملاحظات تاريخية واضحة.
ولم يذكر جلّ الإمامية أبواباً للأئمَّة i منهم المفيد في الإرشاد.
وأيّاً كان فلم يكن غرض هؤلاء بالباب في شأن سائر الأئمَّة i إلّا أنَّه كان طريقاً إلى السؤال من الإمام g.
هذا، ولكن كثيراً من الغلاة حرّفوا معنى البابيَّة إلى كون صاحبها محلّ أسرار الأئمَّة ــ التي هي العقائد الغالية التي كانوا يعتقدون بها ــ واستغلوا هذه الدعوى في وقت كان يصعب لعامَّة الناس التحقّق من دعاويهم، ورغم أنَّ الأئمَّة i كانوا يصدّرون لعناً بمدّعي البابيَّة لهم، إلّا أنَّ الغلاة كانوا يفسرون هذا اللعن بأنَّ ظاهره عذاب وباطنه رحمة، وحيث إنَّ دعوى احتكار معارف الأئمَّة i والقدرة الخارقة على التواصل معهم كان أمراً جاذباً لفريق من عامَّة الناس غير المتثبّتين فقد سلك الغلاة سبيل ادّعاء المعرفة لغرض جذب هؤلاء، ولاسيَّما أنَّ أغلبهم لم يكن من أهل الاطلاع على الفروع الفقهيَّة.
وقد اشتدّ الابتلاء بعد استشهاد الإمام الحسن العسكري g وغياب الإمام المهدي l فاستراح الغلاة من الوجود الظاهر للأئمَّة i، وكذّبوا سفراء الإمام المهدي وزعموا أنَّهم الباب إليه، وازداد الابتلاء بعد الغيبة الكبرى من جهة انقطاع رسائل اللعن والتشهير بهم من قبل الإمام g، ولم يزل يظهر رجال من أهل الغلوّ والجهل يزعمون أنَّهم أبواب الإمام g.
والحاصل: أنَّه بعد انتشار فكرة الأبواب أعاد مدّعو البابيَّة والمعرفة ومنظّروها النظر في مواقع مشاهير الشيعة من أصحاب النبي e وأهل البيت i، أو الذين عرفوا بمحبّتهم لهم i؛ وذلك لأجل أنْ يتأتى أنْ يعتبروا أنفسهم ورؤساءهم بالنسبة إلى الإمام الحاضر بمثابة هؤلاء بالنسبة إلى من سبق فجعلوا في كلّ زمان باباً ونجباء ونقباء وعناوين أخرى وطبقوها على أصحاب الأئمَّة السابقين لضمان اطرّاد الفكرة.
ويرى الغلاة للباب شأناً عظيماً، إذ قد يتجلّى الخالق سبحانه فيهم فيدّعون الإلوهية، أو يتجلّى النبي e فيهم فيدّعون النبوة.
قال الجليّ تلميذ الخصيبي ــ وهما من أركان المذهب النصيري ــ: (وأمَّا نداء أبي الخطّاب منه السلام على مئذنة الجامع وتصريحه: (أنا المألوه بالإلوهيَّة المعروف بالأزليَّة، فمن ادَّعى عليَّ ما لم أقلْ فقد برئ من توحيد جعفر الرفيع الأعلى الذي هو الأزل القديم) فكان أبو الخطّاب في ذلك الوقت قد ظهر به الميم [يعني محمَّد e ]... وقد جرى من الأبواب إليهم التسليم من النداء بتوحيد العين في أماكن كثيرة. وقد
نادى عمر بن الفرات وأبو شعيب (إليهما التسليم) بمعنويَّة العين [يعني إلوهيَّة علي] واسميَّة الاسم في أماكن شتى. فشكا أهل الظاهر ذلك إلى الموالي [يعني الأئمَّة]i ــ جلّوا وعلوا ــ فلعنوهم في الظاهر تسكيناً لأهل الظاهر ــ أهل الكفر والعناد والتقصير والإلحاد ــ وكانت اللعنة رحمة، وقد لعن مولانا جعفر الصادق أبا الخطّاب وجرى من لعنه هذا المجرى. وقد جرى من نداء عبد الله بن سبأ قديماً قبل المبعث ]يعني قبل بعثه مرَّة أخرى حسب ما ادّعوه في أساطيرهم من أنه بُعِثَ مكرراً بعد قتله[ وفيه وبعد غيبة الميم منه السلام بمعنوية الأزل ما هو أشهر وأكثر من أن يدرك ويحصى وقُتِلَ ستاً، وتكون السابعة أكبر ممّا تقدَّم وتأخَّر.
وأمَّا نداء المعنى [يعني علياً g، ويعبَّر عنه بالمعنى لأنَّه حقيقة الإلوهيَّة] بالكوفة والبصرة وتصريحه بذاته وتوحيده على المنابر بالكوفة والبصرة وغيرهما في خطبة الأقاليم، وخطبة البيان، وخطبة الكشف والطثنجية(١٦٧)، وقوله: أنا الأوَّل، أنا الآخر، أنا الظاهر، أنا الباطن، أنا بكلِّ شيء عليم، أنا قرم من حديد، أنا أبدئ وأعيد، أنا مهلك عاد وثمود). وهذا وأمثاله إشارة إلى ذاته ظاهراً موجوداً سَمِعَه الخاصّ والعامّ والمخالف والمؤالف)(١٦٨).
وعلى هذا الأساس قالوا في أحد تنظيراتهم ــ وهو تنظير خلفاء محمَّد بن نصير النميري مثل الخصيبي(١٦٩) ومن بعده ــ إنَّ باب علي g سلمان الفارسي،
وباب الحسن g قيس ابن ورقة، وباب الحسين g رشيد الهجري، وباب زين العابدين g أبو خالد
الكابلي، وباب الباقر g يحيى بن معمّر بن أم الطويل، وباب الصادق g جابر بن يزيد الجعفي، وباب الكاظم g أبو الخطّاب، وباب الرضا g المفضَّل، وباب الجواد g محمَّد بن المفضَّل، وباب علي الهادي g عمر بن الفرات الكاتب، وباب الحسن العسكري g محمَّد بن نصير. وجعل محمَّد بن سنان واحداً من النقباء الاثني عشر وابن سبأ من بين النجباء الأربع والعشرين.
ولا يبعد أنَّه كان لسائر الغلاة المدعين للبابيَّة قبيل الغيبة الصغرى وبعدها ترتيب آخر للرواة، وقد ذكر الخصيبي في القسم الثاني من الهداية الكبرى المعقود لذكر الأبواب ــ بعد ذكر الأبواب على هذا الترتيب ــ أنَّ اعتبار محمَّد بن سنان وعلي بن حسكة ــ وهو من مدعي البابيَّة ــ ليس صحيحاً(١٧٠).
ومن الطريف في هذا التصنيف عدم ملاحظة الجوانب التاريخية بنظر الاعتبار، فإنَّ جابراً كان من خواص الباقر g، وهم يضيفون الروايات التي يروونها عن جابر ممّا يتضمَّن لديهم أسراراً إلى أنَّه سمعها من الإمام الباقر g، إلّا أنَّ قلَّة الشخصيات المناسبة لدعوى البابيَّة ووجود شخصيَّة مناسبة أخرى في نظرهم لدعوى البابيَّة للباقر g أدّى إلى صرف جابر إلى بابيَّة الإمام الصادق g.
كما أنَّ المفضَّل أُلْصِقَ بالصادق وكلّ ما رووه عنه من الرسائل إنَّما كان رواية عنه، بل لم يبقَ ظاهراً إلى زمان الرضا g، ومع ذلك جعلوه بابه g، لأنَّ هذه الفرقة لم تكن معنية بالاطلاع على التاريخ ومراعاة ثوابته، ولا تخاطب جمهوراً يدركون الأمور التاريخية ويعتبرون بها.
فضلاً عن التأويلات التي يمكن أنْ تكون مخرجاً لهم عن أي اضطراب من هذا القبيل.
فظهر بما ذكرنا أنَّ مصطلح البابيَّة بمعنى باب المعرفة المتصف بالتجليات والتصرّفات الخارقة ممّا اخترعه الغلاة عند الغيبة الصغرى أو قبيلها.
نعم، ذكر مصطلح الباب في كلام سعد بن عبد الله الأشعري القمّي (ت ٣٠١هـ) في كتابه المقالات والفرق في ذكر مذهب المخمّسة الذين هم أصحاب أبي الخطّاب(١٧١)، إلّا أنَّ الذي يظهر من سياق عبارته أنَّه لم يكن ناظراً إلى تقرير هذا المذهب بصيغته القديمة المعهودة لدى أبي الخطّاب، بل التقرير الكلّي للمذهب، وتشهد عبارته على أنَّه مقتبس من كلمات متأخري المخمّسة. علماً أنَّ الذي يظهر استمرار أفكار المخمّسة حتى عهد الغيبة الصغرى التي عاش فيها سعد، ومن ثَمَّ نجد أنَّ معاصره النوبختي لم يذكر مصطلح الباب في شرح أفكار الخطّابية.
وهذا من الأخطاء التي تقع فيها كتب الفرق حيث يذكرون تقرير مذاهب قديمة ببيانات متأخّرين قد تتضمَّن زيادات وتفاصيل ومصطلحات لم تعهد أوَّلاً.
وأيَّاً كان فبطبيعة الحال كان لاعتبار جابر (باباً) إلى الإمام g ــ بما للباب من مقام رفيع يلي مقام الإمام ــ تأثير:
أوَّلاً: على الغلوّ في شخصيّة جابر نفسه وتولّد روايات حول مدح الأئمَّة إياه ومآثره وعجائبه، كما عقد الخصيبي بحثاً ــ في ضمن ما عقده في مناقب سائر الأبواب كأبي الخطّاب الغالي ومحمَّد بن نصير ــ حول جابر ومآثره(١٧٢)، وتبعه أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني (ت ٤٢٧هـ) في المعارف(١٧٣).
ومن أمثلتها: ما عن الباقر g أنَّه قال له: (ادخل يا نظير الذي أغرق الخليقة بالماء وأنت أغرقتهم بالعلم).
وعن الصادق g: (إنَّما سمّي جابر لأنَّه جبر المؤمنين بعلمه، وهو بحر لا ينزف، وهو الباب في دهره والحجَّة على الخلق، حجَّة أبي جعفر محمَّد بن علي).
وطرق هذه الأخبار جمعٌ من المجاهيل، وجمعٌ من مشاهير الغلاة مثل أبي الخطّاب، ومحمَّد بن سنان، ويونس بن ظبيان، ومحمَّد بن صدقة العنبري البصري.
وثانياً: على زيادة المرويّات التي تضاف إلى جابر، وقد تضمّنت كتب الغلاة
ــ المحفوظة بعض الشيء على الإجمال في تراث العلويين ــ روايات عديدة قصيرة وطويلة عن جابر يعتبر مضمون جملة منها من الأسرار.
وعلى الإجمال فإنَّ جابراً يعتبر عند الغلاة من جملة مشاهير حملة العلم الباطن ــ الذي يعنون به العلم المكتوم عن عامَّة الشيعة الإمامية ــ وقد ذكروا إنَّ كنية جابر (أبو محمَّد) وكنيته الخاصَّة (أبو التحف)(١٧٤)، وقالوا إنَّه يشرف على جماعة يندرجون في طبقة الأيتام وهم: (خالد بن يحيى المعبراني، بشارة بن المغيرة، ميمون بن إبراهيم، فرات بن أحنف، حمران بن أعين)(١٧٥).
وثالثاً: اعتنى مؤسسو المذهب العلوي بترتيب مناسبات اجتماعية يحتفلون بها كما في سائر الأديان والمذاهب لإضفاء حيوية خاصَّة على هذا المذهب، وفي هذا السياق جعل عيدين من الأعياد العربية باسم جابر الجعفي.
قال أبو سعيد الطبراني ــ وهو من أركان الغلاة ــ في كتاب مجموع الأعياد: (الأعياد العربية عشرة أعياد) ثم عدَّها وقال: (إنّها يوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم الغدير، والسبعة عدد الأيام السبعة التي ذكرها الله a وعلا من جهة الأبواب).
وقال في السادس: (ومنها: اليوم (يوم الاثنين) الذي خاطب محمَّد الباقر منه السلام لجابر بن يزيد الجعفي، ووضع يده على صدره فوجد برد أنامله في ظهره، وقال: جابر حجّة الله في أرضه وسماواته على أهلها، وكان ذلك يوم الاثنين لسبعة خلون من شهر ذي الحجَّة)(١٧٦).
وقال في التاسع منها: (ومنها اليوم الذي أمر الباقر منه السلام بالبيان لجابر بن يزيد الجعفي بالدعاء إلى الله جهراً فدعا، فأخذ فترك السندان المحمي على يده حتى حالت حمرته، ثم قتل، وكان ذلك اليوم يوم السبت لستة عشر يوماً خلون من ذي الحجَّة)(١٧٧).
وجعلوا في جملة ادعيتهم التوسّل بالأبواب ومنهم جابر الجعفي(١٧٨). على أنَّ دستور العلوية الباطني لم يتضمَّن ذكر الأبواب عدا محمَّد بن نصير النميري وخلفائه، وهو دستور ترتّب لاحقاً وأدخل عليه تغييرات تدريجية. هذا ما أردنا بيانه في هذه الحلقة.
ويقع الكلام ــ إنْ شاء الله تعالى ــ في الحلقة القادمة في تكملة هذه الجهة في الآثار المنسوبة إلى جابر الجعفي عند الغلاة، ثمَّ في المقام الثاني في علوم جابر وكتبه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين وصلَّى الله على خير خلقه محمَّد وآله الطيبين الطاهرين.
(١) لاحظ نسبه في جمهرة أنساب العرب لابن حزم: ٤١٠.
(٢) لاحظ تهذيب المقال في تنقيح كتاب رجال النجاشي: ٤/ ١٨٠.
(٣) رجال النجاشي: ١١٠ــ١١١.
(٤) لاحظ تهذيب المقال في تنقيح كتاب رجال النجاشي: ٤/ ١٦٧ وما بعدها.
(٥) لاحظ رجال النجاشي: ٧٦/ رقم ١٨٢.
(٦) لاحظ رجال النجاشي: ٢٧٣/ رقم ٧١٥.
(٧) تكملة رسالة أبي غالب الزراري مع شرح العلامة الأبطحي: ١٠٠.
(٨) رجال النجاشي: ١٨٣/ رقم ٤٨٤.
(٩) اختيار معرفة الرجال: ٢/ ٥١١/ ح٤٤٢.
(١٠) المصدر السابق: ١/ ٢٨٩/ ح١٣٠.
(١١) المصدر السابق: ١/ ٣٣٥/ ح١٩٠.
(١٢) المصدر السابق: ١/ ٣٣٨/ ح١٩٥.
(١٣) روى الكليني O مباشرة عن ثلاثة رواة مسمين بهذا العنوان، وهم: علي بن محمَّد بن إبراهيم بن أبان الرازي الكليني المعروف بـ (علّان) خاله، وعلي بن محمَّد بن بندار، وعلي بن محمَّد بن عبد الله بن عمران البرقي القمّي، والملاحظ أنَّ الكليني عادة يقيّد الأخيرين، فقد روى عن ابن بندار في: ٢/ ٢٤١، ٣/ ٢٣، ١٢٣، ٤/ ١٢، ٢٧، ١٠٣، ١٥١، ١٥٢، ٢٧٨، ٥٤٨، وفي الجزء الخامس عشرين رواية، والسادس ست وثلاثين رواية، والسابع أربع روايات، وروى عن علي بن محمَّد بن عبد الله في: ١/١١، ٣١، ٣٧، ٥٢، ١٥٠، ٢٧٥، ٣٩١، ٣٩٨، ٤٤٩، ٤٥٣، ٥٤٣، وفي الجزء الثالث ست روايات، وفي الجزء الرابع عشرة روايات، وفي الجزء الخامس روايتين، وفي الجزء الثامن رواية واحدة.
وأما في الأوَّل فلم يقيّده إلّا في رواية واحدة (٥/ ٥٤١ ح٥) قال: (علي بن محمَّد الكليني عن صالح ابن أبي حماد). وقد أكثر علي بن محمَّد ــ المطلق ــ عن صالح بن أبي حمّاد. فبقرينة هذا المورد يكون المراد ما استظهرناه في المتن. مضافاً إلى أنَّه في مورد إطلاق العنوان ينصرف إلى الأشهر الأعرف وهو في هذه الطبقة خاله الكليني الرازي.
(١٤) يلاحظ فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ٢٦٠، ٣٧٧.
(١٥) ضعّفه النجاشي وابن الغضائري وارتضاه الفضل بن شاذان، وبالنتيجة يكون الرجل مجهول الحال. يلاحظ فهرست أسماء مصنفي الشيعة: ١٩٨. ورجال ابن الغضائري: ٧٠. واختيار معرفة الرجال: ٢/ ٨٣٧.
(١٦) رمي بالغلوّ ولكن لم يرتضِ ذلك ابن الغضائري والنجاشي. يلاحظ رجال ابن الغضائري: ٩٣. وفهرست أسماء مصنفي الشيعة: ٣٢٩، ولكن ضعّفه الشيخ في الرجال: ٤٤٨ والفهرست: ٢٢٠. ولا يبعد قبول روايته إلّا ما كان مضموناً مريباً.
(١٧) لاحظ فهرست أسماء مصنفي الشيعة: ٩٨.
(١٨) الرجل مجهول لم يذكر في رجال العامّة والخاصّة، وهو ليس المعروف بهذا العنوان الذي كان والياً على الكوفة من قبل معاوية ثمّ ابنه يزيد عند دخول مسلم بن عقيل g إليها، إذ قتل هذا الرجل في سنة (٦٤ أو ٦٥هـ) في مرج راهط حين كان زبيرياً. تهذيب الكمال: ٢٩/ ٤١٧.
(١٩) أخاريج وأخرجة والخرج اسم موضع بالمدينة.
(٢٠) قلعة في طريق مكة.
(٢١) وقد ملك هشام بن عبد الملك في شهر رمضان (سنة ١٠٥هـ)، وهلك في العاشر من ربيع الأوَّل (سنة ١٢٥هـ). يلاحظ الأخبار الطوال: ٣٣٤ــ٣٣٥، وتاريخ اليعقوبي: ٢/ ٣١٦، ٣٣١. وولّى هشام خالد بن عبد الله القسري العراق عند تسنّمه للخلافة. يلاحظ تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٣١٦، ثمّ ولّى يوسف بن عمر الثقفي (سنة ١٢٠هـ). تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٣٢٣.
وكانت شهادة الإمام الباقر (صلوات الله عليه) في السابع من ذي الحجة الحرام (سنة ١١٤هـ).
وعليه فلا بُدَّ أن يكون أمر هشام بقتل جابر بن يزيد الجعفي في حياة الإمام الباقر g عندما كان الوالي خالد بن عبد الله القسري الذي استمرت ولايته على الكوفة خمس عشرة سنة.
(٢٢) هو منصور بن جمهور الكلبي ولّاه يزيد بن الوليد بن عبد الملك ــ يزيد الناقص ــ الكوفة عند تسنّمه الخلافة بعد عزله ليوسف بن عمر الثقفي في أوَّل رجب من سنة ست وعشرين ومائة. يلاحظ تاريخ الأمم والملوك: ٥/ ٥٣٤. والكامل في التاريخ: ٥/ ٢٧٠. وتاريخ اليعقوبي: ٢/ ٣٣٥.
وكان ذلك بعد وفاة الإمام الباقر g باثنتي عشرة سنة، وهذا ــ إنْ تمّت الرواية ــ من المغيّبات التي أخبر الإمام g جابراً O بها.
ثمّ ولّى مروان بن محمَّد بن مروان ــ مروان الحمار ــ يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري العراق، فقدمها (سنة ١٢٨هـ) ولما قدم يزيد بن عمر بن هبيرة العراق هرب منصور بن جمهور. يلاحظ تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٣٣٩.
(٢٣) الكافي: ١/ ٣٩٦ باب: إنّ الجن تأتيهم فيسألونهم ح٧.
(٢٤) خاتمة المستدرك: ٤/ ٢٠٢.
(٢٥) لاحظ رجال الطوسي: ٣١٥/ رقم: ٤٦٩٥.
(٢٦) الاختصاص: ٦٧.
(٢٧) لاحظ تهذيب المقال في تنقيح كتاب رجال النجاشي: ٥/ ٩٦.
(٢٨) لاحظ مناقب آل أبي طالب: ٣/ ٣٢٣.
(٢٩) اختيار معرفة الرجال: ٢/ ٤٤٣/ ح٣٤٤.
(٣٠) المصدر السابق: ٢/ ٨١٢/ ح١٠١٤.
(٣١) لاحظ المصدر السابق: ٢/ ٤٤٤/ ح٣٤٦.
(٣٢) الهداية الكبرى: ٣٤٠.
(٣٣) اختيار معرفة الرجال: ٢/ ٤٣٧/ ح٣٣٧.
(٣٤) هو شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، وكانت له سن قد جاوز التسعين، وكان كثير الصلاة، ورعاً، وتوفي ببغداد (٢٠٤هـ) في شهر رمضان. لاحظ الطبقات الكبرى: ٧/ ٣٣٣.
(٣٥) هو عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، وكان ثقة. لاحظ المصدر السابق: ٦/ ٣٩١.
(٣٦) تهذيب التهذيب: ٢/ ٤٤.
(٣٧) سنن الدارمي: ٢/ ٤٥٢، ويلاحظ شعب الإيمان للبيهقي (ت٤٥٨هـ): ٢/ ٥٢٩، وتفسير القرطبي (ت٦٧١هـ): ٤/ ٢.
(٣٨) لاحظ تهذيب المقال في تنقيح كتاب رجال النجاشي: ٥/ ٩٨.
(٣٩) صحيح مسلم: ١/ ١٥.
(٤٠) ميزان الاعتدال: ١/ ٣٨١.
(٤١) بصائر الدرجات: ٢١٤/ ح٢.
(٤٢) تاريخ ابن معين برواية الدوري: ١/ ٣١٧.
(٤٣) صحيح مسلم: ١/ ١٥.
(٤٤) لاحظ الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي: ٢/ ١١٤، وميزان الاعتدال للذهبي: ١/ ٣٨١، وتهذيب التهذيب: ٢/ ٤٤، وإمتاع الأسماع للمقريزي: ١٣/ ١٢.
(٤٥) اختيار معرفة الرجال: ٢/ ٤٤٣/ ح٣٤٤.
(٤٦) الهداية الكبرى: ٣٤٠.
(٤٧) لاحظ تهذيب المقال في تنقيح كتاب رجال النجاشي: ٥/ ٩٣ وما بعدها.
(٤٨) هكذا في المصدر. وفي تاريخ مختصر الدول لابن العبري (ت٦٨٥هـ) (فأحيط على موجودة) وهو الصحيح.
(٤٩) عيون الأنباء في طبقات الأطباء: ٥٥١.
(٥٠) الكامل في ضعفاء الرجال: ٢/ ١١٥.
(٥١) هو يحيى بن أكثم بن محمَّد بن قطن بن سمعان ... توفي في ذي الحجة سنة٢٤٢هـ، وكان عمره نيفاً وثمانين سنة. تهذيب الكمال: ٣١/ ٢٠٨ ــ ٢٢٢. والرجل مختلف فيه وهو متهم بإتيان الغلمان.
(٥٢) الضعفاء الكبير [ضعفاء العقيلي]: ١/ ١٩٤. رقم: ٢٤.
(٥٣) الجامع الصحيح [صحيح مسلم]: ١/ ١٥. (دار الفكر. بيروت ــ لبنان).
(٥٤) هو الجراح بن مليح بن عدي الرؤاسي، والد وكيع. (ت ١٧٥ أو ١٧٦هـ).
(٥٥) ضعفاء العقيلي: ١/ ١٩٣.
(٥٦) المحاسن: ٢/ ٣٠٠/ ح٥.
(٥٧) الكامل في ضعفاء الرجال: ٢/ ١١٦.
(٥٨) الأصول الستَّة عشر: ٧٩.
(٥٩) الغيبة: ٢٨٨ــ٢٩١ ح٦٧ باب ما جاء من العلامات قبل قيام القائم g.
(٦٠) أعيان الشيعة: ٧/ ١١٦.
(٦١) لاحظ ــ على سبيل المثال ــ المحاسن: ١/ ١٣٣/ ح١٠، ١٨٥/ ح١٩٣، ٢٢٧/ ح١٥٧، ٢٦٠/ ح٣١٦، ٢/ ٣٠٠/ ح٥.
(٦٢) الكافي: ١/ ١٣٢/ ح١٦ باب ذمّ الدنيا والزهد فيها.
(٦٣) هو شبابة بن سوار المدائني أصله من خراسان يقال كان اسمه مروان مولى بني فزارة، (ت ٢٠٤ أو٢٠٥هـ).
(٦٤) هو ورقاء بن عمر بن كليب اليشكري ويقال الشيباني أبو بشر الكوفي نزيل المدائن يقال أصله من مرو، من الطبقة السابعة.
(٦٥) يلاحظ الكامل في ضعفاء الرجال: ٢/ ١١٤.
(٦٦) الكافي: ٢/ ٧٢/ ح٢.
(٦٧) اختيار معرفة الرجال: ٢/ ٤٣٨/ ح٣٣٩.
(٦٨) بصائر الدرجات الكبرى: ٨/ ٤٢٤ باب: ١٣ ح٤.
(٦٩) لاحظ دلائل الإمامة: ٢١٧، ومناقب آل أبي طالب: ٣/ ٣٤٠.
(٧٠) لاحظ تهذيب المقال في تنقيح كتاب رجال النجاشي: ٥/ ٧٠.
(٧١) لاحظ مناقب آل أبي طالب: ٣/ ٩٠.
(٧٢) لاحظ دلائل الإمامة: ١٦٣.
(٧٣) المصدر السابق: ١٨١.
(٧٤) المصدر السابق: ١٩٣.
(٧٥) المصدر السابق: ٢١٧.
(٧٦) المصدر السابق: ٢٤٦.
(٧٧) المصدر السابق: ٣٠٨.
(٧٨) المصدر السابق: ٣٥٩.
(٧٩) الغيبة: ٤٠٨/ ح٣٨١.
(٨٠) اختيار معرفة الرجال: ١/ ٥٩/ ح٣٣.
(٨١) لاحظ الكامل في ضعفاء الرجال: ٢/ ١١٤.
(٨٢) لاحظ المعارف: ٤٨٠.
(٨٣) لاحظ تاج العروس مادة (دنبد): ٤/ ٤٤١.
(٨٤) لاحظ المصدر السابق مادة (نرج): ٣/ ٤٩٧.
(٨٥) تقدمت ترجمته.
(٨٦) الكافي: ١/ ٣٩٦/ ح٧.
(٨٧) لاحظ اختيار معرفة الرجال: ٢/ ٤٤٣/ ح٣٤٥.
(٨٨) حسب نسخة البحار: ٦٦/ ٢٨١ باب: ٣٧ صفات خيار العباد وأولياء الله. (ط. بيروت)، ولعله هو الصواب، وفي نسخة الكشّي تحقيق حسن المصطفوي: ١٩٨ (ط. دانشكاه مشهد): (علي وعهده)، وبتحقيق الداماد: (علي وعمر). وسيأتي الكلام في هذا الذيل في الجهة اللاحقة.
(٨٩) اختيار معرفة الرجال: ٢/ ٤٤٩/ ح٣٤٨.
(٩٠) اختيار معرفة الرجال: ٢/ ٤٤٤/ ح٣٤٦.
(٩١) اختيار معرفة الرجال: ٢/ ٤٤٧/ ح٣٤٧.
(٩٢) نوادر المعجزات: ١٣٥/ ح٦.
(٩٣) خاتمة مستدرك الوسائل: ٤/ ٢١٣.
(٩٤) لاحظ مقاتل الطالبيين: ١٥٨. ومنهاج الكرامة: ٥٦.
(٩٥) كما هو موجود في تاريخ خليفة بن خياط (ت ٢٤٠هـ): ٢٧٢، وتهذيب التهذيب: ٢/ ٤٤، ولسان الميزان: ٢/ ١٤٢.
(٩٦) ضعفاء العقيلي: ١/ ١٩٦.
(٩٧) كما هو موجود في تاريخ الطبري: ٥/ ٤٠٠ وما بعدها، وأنساب الأشراف للبلاذري (ت ٢٧٩هـ): ٤/ ١٢٩، وتهذيب الكمال في أكثر من موضع منها: ١/ ٥١٦، والكامل في التاريخ: ٥/ ١٥١، وتاريخ الإسلام: ٧/ ٣١١.
(٩٨) لاحظ تاريخ الطبري: ٥/ ٤٢٨.
(٩٩) المصدر السابق: ٦/ ١١.
(١٠٠) الكامل في ضعفاء الرجال: ٢/ ١١٥.
(١٠١) ميزان الاعتدال: ١/ ٣٨١.
(١٠٢) حسب ما موجود في كتاب التشريف بالمنن في التعريف بالفتن للسيد ابن طاووس: ١٠٣.
(١٠٣) كتاب الفتن: ١٣٠.
(١٠٤) المصدر السابق: ١١٨.
(١٠٥) الكافي: ١/ ٥٢٦ ح٢.
(١٠٦) لاحظ كتاب جابر بن يزيد الجعفي لسعيد مسرور طاووسي باللغة الفارسية: ٩١.
(١٠٧) تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٣٤٣.
(١٠٨) لسان الميزان: ٥/ ٤١٠.
(١٠٩) اختيار معرفة الرجال: ٢/ ٤٣٧/ ح٣٣٧.
(١١٠) لاحظ الكافي: ١/ ٣٩٦/ ح٧ باب: إنّ الجنّ تأتيهم فيسألونهم.
(١١١) اختيار معرفة الرجال ج:٢ ص:٤٤٣/ ح٣٤٥.
(١١٢) المصدر السابق: ٢/ ٦٢٨/ ح٦٢١.
(١١٣) معجم رجال الحديث: ٤/٣٤٢. (ط. القرص الفقهي).
(١١٤) حسب نسخة البحار: ٦٩/ ٢٨٠ــ٢٨١ باب: ٣٧ صفات خيار العباد وأولياء الله. (ط. مؤسسة الوفاء. بيروت)، وفي نسخة الكشّي تحقيق حسن المصطفوي ص:١٩٨ (ط. دانشكاه مشهد): (علي وعهده)، وبتحقيق الداماد: (علي وعمر).
(١١٥) اختيار معرفة الرجال: ٢/ ٤٤٩/ ح٣٤٨.
(١١٦) بصائر الدرجات الكبرى: ٨/ ٤١٧ باب:١٢ ح٥.
(١١٧) الاختصاص: ٣١٥ في أنّ الأرض تطوى لهم.
(١١٨) مناقب آل أبي طالب: ٣/ ٣٥٣.
(١١٩) بصائر الدرجات الكبرى: ٨/ ٤٣٥ باب:١٨ في أنّ أمير المؤمنين قسيم الجنة والنار ح٢ و٤٣٦/ ح٨، والمحاسن: ٢/ ٤٦٠/ ح٤١٠.
(١٢٠) الهداية الكبرى: ١٢٨.
(١٢١) مقاتل الطالبيين: ٣٤٨.
(١٢٢) المصدر السابق.
(١٢٣) عيون أخبار الرضا: ٢/ ٢٨٨/ ح١٤، والأمالي: ١٨٠/ ح١٨٢.
(١٢٤) مشارق أنوار اليقين: ١٣٨.
(١٢٥) لاحظ الهداية الكبرى: ٤١/ح١، ٦٥/ ح١٩، ٧٠/ ح٢٤، ٧٧/ ح٢٧.
(١٢٦) المصدر السابق: ١٢٤، ١٢٨، ١٥٣، ١٦٠.
(١٢٧) المصدر السابق: ١٩٥.
(١٢٨) المصدر السابق: ٢١٥ــ٢١٦، ٢٢٦.
(١٢٩) المصدر السابق: ٢٣٩، ٢٤٣.
(١٣٠) المصدر السابق: ٣٣٩.
(١٣١) الغيبة: ٩٤/ ح٢٤.
(١٣٢) كفاية الأثر في النص على الأئمَّة الاثني عشر: ٥٣ــ٥٦.
(١٣٣) المصدر السابق: ٢٤٦.
(١٣٤) الغيبة: ٢٠٦/ ح١٤.
(١٣٥) المصدر السابق: ٢٠٧/ ح١٧.
(١٣٦) المصدر السابق: ٢٤٢/ ح٢٦.
(١٣٧) المصدر السابق: ٢٥٩/ ح٧.
(١٣٨) المصدر السابق: ٢٨٨/ ح٦٥.
(١٣٩) المصدر السابق: ٢٨٨ــ٢٩١/ ح٦٧ باب ما جاء من العلامات قبل قيام القائم g.
(١٤٠) كما في البحار (٣٦/ ٣٠٩) نقلاً عن الكفاية, وهو الصحيح؛ حيث نقلها في الكفاية عن الصدوق وهي في كمال الدين وتمام النعمة (٢٨٦) ح١: (عن عمّه عبد الله بن عامر, عن محمَّد بن أبي عمير).
(١٤١) هذا حشو, وإنَّما هو (المفضَّل بن صالح) كما في بعض نسخ الكفاية, وفي كمال الدين وتمام النعمة أيضاً. هذا مضافاً إلى عدم وجود راوٍ بهذا الاسم في هذه الطبقة.
(١٤٢) كفاية الأثر في النصّ على الأئمَّة الاثني عشر: ٦٦ــ٦٧.
(١٤٣) كما قال g: (هلك فيَّ رجلان: محبٌ غالٍ، ومبغضٌ قالٍ). نهج البلاغة: ٤٨٩ حكمة:١١٧.
(١٤٤) يلاحظ أنَّ التوصيف المذكور لعقائد الفرق الغالية يمثّل الأصول التاريخية الواضحة للغلاة وعقائدهم وهو قد لا ينطبق بالضرورة انطباقاً تامّاً على عامّتهم في العصور الأخيرة، فقد يكون بعض وجوه هذه الفرق ممَّن يقرّون بالإسلام على وجهه العامّ عند المسلمين، كما قد يكون كثير من عوامّهم الذين يقرّون بالإسلام ممَّن لم يطّلعوا أو يعتقدوا قلباً بالتنظيرات التي بنى عليها خواصّهم.
(١٤٥) لاحظ رجال النجاشي: ٣٣٨ رقم: ٩٠٤.
(١٤٦) لاحظ كتاب الصورة والمثال، في ضمن (سلسلة التراث العلوي): ١/ ٢١٢، ٢٢٠ــ٢٢٢.
(١٤٧) لاحظ الكافي: ٢/ ٢٤٢ باب قلة عدد المؤمنين ح١.
(١٤٨) اختيار معرفة الرجال: ٢/ ٤٨٩ رقم: ٤٠١.
(١٤٩) اختيار معرفة الرجال: ٢/ ٤٩٠ رقم: ٤٠٢.
(١٥٠) على أنَّها كانت موجودة عندهم كما يظهر بتتبع أخبار الرجال والفهارس كما قال الكشّي: (ورأيت في بعض كتب الغلاة وهو كتاب الدور: عن الحسن بن علي، عن الحسن بن شعيب، عن محمَّد بن سنان..). اختيار معرفة الرجال: ٢/ ٨٤٩ رقم: ١٠٩١.
(١٥١) ذكر عن نصر بن الصباح الذي وصفه الكشّي بالغلوّ مكرراً ــ لاحظ مثلاً اختيار معرفة الرجال: ١/ ٧١ رقم:٤٢ ــ بأنَّ له كتاب معرفة الناقلين (رجال النجاشي: ٤٢٨ رقم: ١١٤٩). والظاهر أنَّ كتابه من مصادر الكشّي، لاسيّما في شأن الغلاة.
(١٥٢) فرق الشيعة: ٣٤ ــ ٣٥. (الناشر: دار الأضواء. بيروت. ١٤٠٤هـ. ط. الثانية).
(١٥٣) لاحظ نفس المصدر: ٢٧ ــ ٢٨.
(١٥٤) المصدر نفسه: ٣٦.
(١٥٥) اختيار معرفة الرجال: ٢/ ٧٩٦ رقم: ٩٨١.
(١٥٦) نفس المصدر والموضع: رقم: ٩٨٠.
(١٥٧) لاحظ تاريخ الأئمَّة: ٣٢ــ٣٣.
(١٥٨) طبّ الأئمَّة: ١٢٨.
(١٥٩) لاحظ الغيبة: ٤١٤.
(١٦٠) نفس المصدر: ٣٩٣.
(١٦١) نفس المصدر: ٣٩٧.
(١٦٢) لاحظ مناقب آل أبي طالب: ٣/ ٣٤٠.
(١٦٣) المصدر السابق: ٣/ ٣٩٩.
(١٦٤) نفس المصدر: ٤٣٨.
(١٦٥) نفس المصدر: ٤٨٧.
(١٦٦) نفس المصدر والموضع.
(١٦٧) هكذا في المصدر وفي مشارق أنوار اليقين للحافظ رجب البُرسي (ت حدود٨١٣هـ) (ص: ٢٦٣) هناك خطبة بألفاظ مقاربة جداً تسمى (خطبة التطنجية).
(١٦٨) سلسلة التراث العلوي: ٢/ ٣٣٠ ــ ٣٣١. (تحقيق أبو موسى والشيخ موسى. نشر دار لأجل المعرفة. ديار عقل. لبنان. ٢٠٠٦م).
(١٦٩) لاحظ الرسالة الراستباشية للخصيبي. سلسلة التراث العلوي: ٢/ ٥٥.
(١٧٠) لاحظ الهداية الكبرى في سلسلة التراث العلوي: ٧/ ٣٣٧ وما بعدها. (القسم الثاني في الأبواب).
(١٧١) قال: (وأنَّ كلَّ مَن كان من الأوائل مثل أبي الخطّاب، وبيان، وصائد، والمغيرة، وحمزة بن عمارة وبزيع، والسري، ومحمَّد بن بشير، هم أنبياء أبواب بتغيير الجسم وتبديل الاسم، وأنَّ المعنى واحد وهو سلمان وهو الباب الرسول يظهر مع محمَّد في كلّ حال من الأحوال، في العرب والعجم فهذه الأبواب يظهر مع محمَّد أبداً في أي صورة ظهر وظهروا فأقاموا معه الأبواب، والأيتام، والنجباء، والنقباء، والمصطفين، والمختصّين، والممتحنين، والمؤمنين، فمعنى الباب هو سلمان وهو رسول محمَّد متصل به ومحمَّد الربّ، ومعنى اليتيم المقداد سمّي يتيماً لقربه من الباب وتفرّده بالاتصال بهما)... إلى آخر ما ذكره. المقالات والفرق: ٥٦ ــ ٥٩ (الناشر: مركز انتشارات علمي وفرهنگي. ١٣٦٠ ش. ط. الثانية).
(١٧٢) لاحظ سلسلة التراث العلوي، الهداية الكبرى: ٧/ ٣٦٤ ــ ٣٦٨ وقد أرجع في نهاية الباب إلى ما ذكره حول مآثر الباقر g.
(١٧٣) لاحظ ما جاء في هامش الهداية الكبرى عن الطبراني. سلسلة التراث العلوي. الهداية الكبرى: ٧/ ٣٦٤ وما بعدها.
(١٧٤) لاحظ سلسلة التراث العلوي: ٢/ ٥٦.
(١٧٥) نفس المصدر: ٢/ ٧١.
(١٧٦) نفس المصدر: ٣/ ٢٣١.
(١٧٧) نفس المصدر والموضع.
(١٧٨) سلسلة التراث العلوي: ٩ (كتاب المشيخة)/ ١٧٢.