جعل الأمارة وثمرات تتميم الكشف
الشيخ علي العقيلي (دام عزّه)
لا شكّ في أنّ مبحث الأمارة من أهمّ الأبحاث، وله أثر كبيـر في استنباط الأحكام الشرعية.
وهذه الدّراسة الّتـي بين أيدينا تتضمّن محاولة لبيان ما هو المجعول في الأمارة على أهم مـسالك الأعلام.
كما تتضمّن ذكر أهمّ الثمرات المترتّبة على مسلك تتميم الكشف الذي شيّد أركانه المحقّق النائيني S.
وهذه الثمرات مهمّةٌ لكونها تدخل في كثـير من مباحث علم الأصول.
تمهيد:
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ علم الأصول يعدُّ منطق علم الفقه، فهو علم موضوع لتكوين القواعد العامة والنظريات المشتركة وفق الشروط المسموح بها شرعاً، وعلم الفقه هو الموضوع لتطبيق تلك القواعد على عناصرها الخاصة، وتلك العملية التطبيقية تسمى بعملية الاستنباط والاجتهاد، والنتيجة من هذه العملية هي المسألة الفقهية والحكم الفقهي.
ولا يخفى أنّ غالب الأحكام الشرعية الفقهية هي أحكام نظرية تحتاج إلى تلك العملية الاستنباطية، والعمدة في عملية الاستنباط والاجتهاد هي حجّية ظواهر الألفاظ وحجّية الأخبار، وهما من الظنون الخاصة والأمارات المعمول بها في استنباط الأحكام الشرعية الخارجة عن أصل عدم الحجّية، وعن أصالة حرمة العمل بما سوى العلم والاطمئنان في الشرعيّات، ومن هنا تُعدّ مسألة حجّية خبر الواحد من أهمّ المسائل الأصولية، وبإثباتها ينفتح باب العلميّ في الأحكام الشرعية، وينسدّ باب الانسداد، وبنفيها ينسدّ باب العلميّ ويأتي البحث عن دليل الانسداد.
ثُمَّ إنّ الفقيه إذا لم يحصل عنده القطع الوجداني أو الاطمئنان بالحكم ينتهي إلى الحكم عن طريق وظيفة ظاهرية مقرّرة من أمارة ـ كرواية معتبرة سنداً وتامة دلالة ومتناً وجهة ـ أو أصل عملي.
وهذه دراسةٌ تتناول مسألة جعل الأمارة والتركيز على مسلك تتميم الكشف للمحقّق النائيني S, والاستفادة منه في تخريج جملة من المسائل التي وقعت محلّ بحث بين الأعلام, ولذا سيكون منهج الدراسة كالآتي:
مقدمة: يُذكر فيها معنى الأمارة لغةً, وما هو المراد منها اصطلاحاً.
المقام الأوّل: في مُفاد أدلّة الأمارات من جهة وجود جعل وعدمه, وفيه رأيان رئيسان:
الرأي الأوّل: عدم وجود جعل ومجعول في الأمارة.
الرأي الثاني: وجود جعل ومجعول فيها، وسنقتصر على أهمّ المسالك المذكورة في المسألة:
المسلك الأول: جعل الحكم المماثل.
المسلك الثاني: المنجّزية والمُعذّرية.
المسلك الثالث: تتميم الكشف.
المقام الثاني: في الثمرات الأصولية المترتّبة على المسلك الثالث.
المقدّمة:
الأمارة لغةً: هي العلامة(١).
وأمّا في اصطلاح الأصوليين فهي ـ إجمالاً ـ تعني الأدلة الظنية العقلائية التي لها نحو كشف ناقص عن الواقع فلا تصل لمرتبة اليقين والقطع في كشف مؤدّاها عن الحكم الواقعي وبمطابقة مدلولها للواقع، وعليه فإنّما تكون الأمارة حجّة شرعاً ويصحّ التعبد بها ويعوّل عليها في استكشاف الحكم إذا قام الدليل القطعي على حجّيتها شرعاً؛ فهي إذاً مفتقرة إلى الجعل والاعتبار، فحجّية الأمارات حجّية مجعولة لا ذاتية كالقطع، ولولا الجعل والاعتبار لما كانت مؤهّلة وصالحة للدليلية والكاشفية والوسطية في الإثبات، ولما صحّ ترتيب الأثر على مؤدّاها لعدم إحراز الواقع بها؛ لأنّها دليل ظنّي، والذي له حقّ اعتبار الحجّية للدليل الظنّي هو الشارع المقدس؛ لأنّ الذي يراد التعرّف عليه بواسطة الأمارة هو الحكم الشرعي، ويثبت للشارع الاحتجاج على المكلّف.
وبعبارة أخرى: إنّ الظنّ وإنْ كان فيه رجحان ولكنّه ليس بحجّة ولا يجوز العمل به عقلاً، وإنّما حجّيته تحتاج إلى جعل شرعي، ووقوع التعبّد من الشرع بالأمارة والظنّ أمر ممكن، فالمشهور إمكان ذلك, بل وقوعه، ولا يلزم من إمكان وقوع التعبّد بالظن مفسدة ومحال ـ كاجتماع الضدين أو المثلين ـ فما ذكر من محاذير في استحالة وقوع ذلك ثـبـوتاً مـدفـوع(٢)، والتعبّـد بالظـن واقـع، فقـد وقـع التعبّـد بأمارات كخـبر الواحـد وظـواهـر الكلام.
وأهمّ الأمارات في الفقه الظواهر وخبر الثقة(٣) و(لا إشكال في أنّ معنى اعتبار الأمارة هو أنّه إذا قامت على حكم أو موضوع ذي حكم يجب ترتيب آثار القطع بهما عليها، فكما أنّ القطع بهما منجّزٌ وموجب لوجوب العمل على وفقه عقلاً كذلك الأمارات المعتبرة... فإذا كانت صلاة الجمعة مشكوكاً فيها وقامت الأمارة على وجوبها وحكم الشارع باعتبار تلك الأمارة يجب عقلاً ترتيب آثار القطع بوجوبها. وكذا إذا شك في حياة زيد فقامت على حياته، يجب ترتيب آثار القطع بحياته. فالحكم الواقعي يصير منجّزاً بالأمارة المعتبرة كتنجّزه بالقطع بلا افتراق بينهما من هذه الحيثية)(٤).
ولكن هناك اختلاف في بيان مفاد أدلة اعتبار الطرق والأمارات، فقيل بأنّه لا جعل أصلاً. وقيل بوجود جعل. ثُمَّ وقع الكلام على الثاني في أنّه ما هو المجعول في باب الأمارات، أي ما هو مدلول أدلة الأمارات(٥)؟
المقام الأوَّل
لا شبهة في أنّ القاعدة الأولية(٦) المستفادة من حكم العقل وعمومات النقل عند الشك في إنشاء الحجية هي الحرمة وعدم الحجية الفعلية(٧) ـ إلّا ما خرج بالدليل ـ بمعنى عدم ترتيب آثار الحجية من صحّة الاستناد إليها في مقام العمل، وعدم صحّة إسناد مؤداها إلى الشارع، ولا شبهة في أنّ الاستناد والإسناد من آثار حجية الأمارة بوجودها العلميّ؛ فحرمة الاستناد والإسناد مترتّبان على عدم العلم بالحجّية الأعم منه ومن العلم بالعدم، فمع عدم العلم والإذعان بحكم الشارع يكون الإسناد والاستناد تشريعاً قولياً وعملياً وقد قامت الأدلة على حرمته فيكون إسناداً بلا إذن منه سبحانه، وافتراءً عليه تعالى، وإسناد ما لم يعلم أنّه من الدين إلى الدين. إلّا أنّه وقع الكلام في ما هو المستفاد من أدلّة اعتبار الأمارات من ناحية وجود جعل وعدمه؟ رأيان رئيسان:
الرأي الأوّل: عدم تضمّن تلك الأدلّة لوجود جعل في البين.
ذهب بعض الأصوليين إلى عدم وجود جعل في الأمارات من قبل الشارع أصلاً، وإنّما هي طرق عقلائية دائرة بينهم، غاية الأمر أنّه يستكشف الإمضاء والرضا بها من قبل الشارع من خلال عدم ردعه عنها، فالموجود من قبل الشارع ليس هو إلّا الإمضاء والتقرير لما بنى عليه العقلاء من العمل بأخبار الثقة ـ مثلاً ـ على أساس ما فيها من نكتة أقربيتها إلى الواقع وأقوائية كشفها عنه من غيرها من الأخبار، فلا جعل في باب الأمارات ولا مجعول لا من قبل العقلاء ولا من قبل الشارع، فليس هناك جعل من قبل الشارع حتى يكون المجعول هو العلم التعبدي والكاشفية أو غير ذلك.
وبعبارة أخرى: إنَّ الموجود هو الإمضاء لهذا الكشف الناقص عن الواقع، وهذا الإمضاء مستفاد من سكوت الشارع عن السيرة العقلائية الجارية على الأخذ بخبر الثقة والظواهر، فينتزع العقل الحجية، فالحجية أمر انتزاعي عقلي، فتترتب المنجزية والمعذرية، فمضافاً إلى حكم العقل بحجية العلم والقطع الوجداني الحقيقي ـ الذي هو متفق عليه ـ يحكم العقل أيضاً بحجية الأمارة تعبداً بعد أنْ أمضى الشارع السيرة.
وعلى هذا الوجه ـ من عدم جعل شرعي أساساً في باب الأمارات ـ لا تصل النوبة أصلاً إلى البحث عن تعيين ما هو المجعول، ويكون الأمر من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.
وممّن ذهب إلى هذا المسلك السيد الخميني O، حيث قال في تقرير ذلك ما نصّه: (فاعلم أنّ الأمارات المتداولة على ألسنة أصحابنا المحققين كلّها من الأمارات العقلانية التي يعمل بها العقلاء في معاملاتهم وسياساتهم وجميع أمورهم، بحيث لو ردع الشارع عن العمل بها لاختل نظام المجتمع، ووقفت رحى الحياة الاجتماعية، وما هذا حاله لا معنى لجعل الحجية له وجعله كاشفاً محرزاً للواقع بعد كونه كذلك عند كافة العقلاء، وها هي الطرق العقلائية ـ مثل الظواهر، وقول اللغوي، وخبر الثقة، واليد، وأصالة الصحة في فعل الغير ـ ترى أنّ العقلاء كافة يعملون بها من غير انتظار جعل وتنفيذ من الشارع، بل لا دليل على حجّيتها بحيث يمكن الركون إليه إلّا بناء العقلاء، وإنّما الشارع عمل بها كأنّه أحد العقلاء.
وفي حجية خبر الثقة واليد بعض الروايات التي يظهر منها بأتمّ ظهور أنّ العمل بهما باعتبار الأمارية العقلائية، وليس في أدلّة الأمارات ما يظهر منه بأدنى ظهور جعل الحجية وتتميم الكشف، بل لا معنى له أصلاً.
ومن ذلك علم أنّ قيام الأمارات مقام القطع بأقسامه ممّا لا معنى له: أمّا في القطع الموضوعي فواضح؛ فإنّ الجعل الشرعي قد عرفت حاله وأنّه لا واقع له، بل لا معنى له. وأمّا بناء العقلاء بالعمل بالأمارات فليس وجهه تنزيل المؤدى منزلة الواقع، ولا تنزيل الظن منزلة القطع، ولا إعطاء جهة الكاشفية والطريقية أو تتميم الكشف لها، بل لهم طرق معتبرة يعملون بها في معاملاتهم وسياساتهم من غير تنزيل واحد منها مقام الآخر، ولا التفات إلى تلك المعاني الاختراعية والتخيلية، كما يظهر لمن يرى طريقة العقلاء ويتأمل فيها أدنى تأمل. ومن ذلك يعلم حال القطع الطريقي، فإنّ عمل العقلاء بالطرق المتداولة حال عدم العلم ليس من باب قيامها مقام العلم، بل من باب العمل بها مستقلاً ومن غير التفات إلى تلك المعاني. نعم القطع طريق عقلي مقدم على الطرق العقلائية، والعقلاء إنّما يعملون بها عند فَقْدِ القطع، وذلك لا يلزم أنْ يكون عملهم بها من باب قيامها مقامه، حتى يكون الطريق منحصراً بالقطع عندهم، ويكون العمل بغيره بعناية التنزيل والقيام مقامه)(٨).
كما اختاره الشيخ الفياض F، حيث قال: (لا جعل ولا مجعول في باب الأمارات أصلاً وإنّما هو إمضاء وتقرير من الشارع لما بنى عليه العقلاء من العمل بأخبار الثقة على أساس ما فيها من النكتة المبرّرة لذلك البناء، وهو أقربيتها إلى الواقع من غيرها، وهذا القول هو الصحيح)(٩).
وقال F أيضاً: (قد ذكرنا في غير مورد أنْ لا جعل ولا مجعول في باب الأمارات في مقتضى دليل حجّيتها، لا الطريقية والكاشفية، ولا المنجّزية والمعذّرية، ولا الحكم الظاهري المماثل للحكم الواقعي في صورة المطابقة والمخالفة في صورة عدم المطابقة؛ لما ذكرناه من أنَّ عمدة الدليل على حجيتها بناء العقلاء على العمل بها وإمضاء الشارع لهذا البناء، وقد تقدّم أنّه يكفي في الإمضاء السكوت وعدم الردع؛ فلهذا ليس في هذا الباب شيء مجعول من قبل الشارع فضلاً عن كون المجعول الطريقية والعلم التعبدي ... وحيث إنَّ عملهم بها لا يمكن أنْ يكون جزافاً وبلا نكتة، فالنكتة فيه قوة درجة الكشف النوعي لأخبار الثقة عن الواقع من أخبار غير الثقة فلا جعل في البين من قبل العقلاء. وأمّا من قبل الشارع فلا يكون إلّا إمضاء هذه السيرة وتقريرها، ويكفي في الإمضاء السكوت وعدم الردع. نعم، هذا الإمضاء يكون منشأ لانتزاع الحجية لها بمعنى المنجّزية والمعذّرية، وهذا معنى ما ذكرناه من أنّه لا جعل ولا مجعول في باب الأمارات)(١٠).
ولكـن يمكـن أنْ يقـال: إنَّ الشـارع المقدس قام بإقرار بعض الـطـرق ورفـض بعـضها
الآخر، وليس هذا إلّا بنكتة قوة الكاشفية والطريقية الثابتة عن الواقع عند عدم توفّر القطع بالواقع، وهو بعدما أمضى وأقرّ طريقة العقلاء بالعمل بخبر الثقة ـ مثلاً ـ والأخذ به فهذا يعني أنّه اعتبر العمل به طريقاً إلى الواقع، ويقوم مقام القطع فيترتب عليه الأثر من المنجّزية والمعذّرية، في مقابل ردعه وعدم موافقته على بعض الطرق والمعاملات ـ كردعه عن القياس، أو الاستحسان، أو النهي عن بيع الموزون بزيادة ـ، فالظن حجيته وطريقيته ليست ذاتية فلا بُدَّ أنْ تكون بجعل جاعل وهو ينقسم إلى ما يكون حجّة مجعولة وما لا يكون كذلك.
ولك أنْ تقول: إنّ سكوت الشارع وعدم ردعه عن بعض الطرق يكون دالاً على الالتزام بها، وأنّها لا تخالف مرامه، ويكشف عن اعتباره لها وإعطائها صفة الحجية، فسكوته نفسه معناه جعل الاعتبار لها في مقابل ما نهى عنه من الطرق، فمفاد أدلة اعتبار الأمارات هو وجود جعل واعتبار للحجية كحكم شرعي ظاهري، وهذه المرحلة بيد المولى، وهذه الحجية الإمضائية المجعولة تستلزم وتستتبع المنجّزية والمعذّرية في الموقف العملي للمكلّف تجاه المولى.
وإنْ شئت قلت: إنَّ الشارع في مقابل رفضه لبعض الطرق الظنية والذي يعني عدم إعطائه صفة الحجية لها وسلبها عنها، توجد موافقة وإمضاء منه لبعض الطرق العقلائية، وهذا يعني إعطاءه صفة الحجية لها، وهذا الإمضاء ناتج عن عدم الردع، وهو يعني اعتبارها، بمعنى جعل الحجّية لها والطريقية، وجعل الحجية بعدم الردع الملازم للإمضاء والارتضاء هو كجعل الحجّية التأسيسية لشيء من الأشياء، وهذه الحجية الإمضائية(١١) لبعض الأمارات والتقنين لها أثرها من التنجيز والتعذير عقلاً، فإنْ أصابت فهي منجزة وإلّا فهي معذّرة(١٢).
ولا إشكال ولا غائلة من جعل الحجية الإمضائية بمعنى اعتبار العمل الخارجي وأنّه حجّة يوافق مرام الشارع.
ولا ضرورة لأنْ يكون المراد من الجعل في الكلمات هو خصوص الجعل التأسيسي والأمارة التأسيسية الصرفة ـ كقاعدة الفراغ والتجاوز ـ حتى يقال لا جعل أساساً من الشارع، لاسيّما مع التفات القائلين بوجود الجعل إلى أنّها طرق إمضائية موجودة عند العقلاء يعملون بها وليست تأسيسية مخترعة من الشارع. وإذا كان مراد النافي نفيه الجعل التأسيسي فلا كلام.
وكون الأمارات طرقاً يعتمد عليها العقلاء في أمورهم وبيان مراداتهم لعدم اعتنائهم باحتمال مخالفتها وجعلها كالعدم، والبناء على أنّها كالعلم بنظرهم لا ينافي ولا يمنع من الجعل التشريعي على هذا البناء العقلائي، حيث وقع الإمضاء على هذا البناء بإلغاء احتمال الخلاف تشريعاً.
وبعبارة أخرى: إنّ كون الأمارة طريقاً عقلائياً وليست طريقاً شرعياً ابتدائياً لا يمنع من جعلها الإمضائي شرعاً، ولا مقتضي لتخصيص الجعل بخصوص الطريق التأسيسي المحض الصرف. وجعل الحجية في الأمارة ـ بمعنى أنّها معتبرة عند المولى ويُستند إليها ـ هو شيء عقلائي حيث يمكن أنْ يكون الشيءُ حجّةً عقلائيةً يحتجّ به
عندهم مع ردع الشارع عنه ـ كالقياس ـ ويمكن العكس.
ثمّ إنّ المرتكزات العقلائية تقتضي أنّ الإمضاء يدل على الجعل الإلزامي الشرعي، وإلّا فما ذكر من مجرّد ارتضاء ذلك بلا جعل لا يقتضي الإلزام من ناحية الأحكام والتكاليف الشرعية الإلهية التي هي بيد المولى تشريعاً، وكذلك بيده اعتبار طرق الوصول إليها التي يحتج بها على العبد، والعقلاء يرتبون آثار الأمر عند اعتباره ممّن بيده الاعتبار، فالمجعول الشرعي في باب الأمارات يكون على ما استقر عليه بناء العقلاء، ولم يتعلق بناؤهم على جعل حكم تكليفي في موارد الطرق، بل يحتجون بها ويتعاملون بها عملياً في مواردها.
ثم إنّ تلك الارتكازات مقتضية بأنّ جعل الأمارة هو جعل نفس الحجية وصحة الاحتجاج بها من معتبرها، وأنّه يستند إليها ويحتجّ بها على الغير وأنّ هذه الطرق حجّة على مؤدياتها كالقطع، وبالتالي تُحمل أدلّة اعتبار الأمارة على ذلك، وتترتب على ذلك الأحكام العقلية من المنجّزية والمعذّرية عند الموافقة والمخالفة للواقع؛ فإنّ ارتضاء الأمارة يدل على اعتبار الحجية لها بهدف ترتيب آثار العلم عليها من كونها طريقاً مجعولاً إلى الواقع فيترتب عليها عقلاً صحة المؤاخذة والاعتذار، وليست الحجية المجعولة عين المنجّزية والمعذّرية بل هي غيرهما، وهما متفرعان عنها، ومترتبان عليها، ولازمان لها عقلاً، فإذا لم يُجعل الشيء أوّلاً حجّة صالحاً للاحتجاج به لا يصحّ الاحتجاج وإلزام الغير به، ولا تترتب عليه صحة المؤاخذة.
ثم إنّ لازم جعل الحجية شرعاً ـ التي هي الموضوع للمنجّزية والمعذريّة ـ أمران:
أ ـ المنجّزية والمعذّرية عقلاً، وهما من مختصّات العقل غير القابلة للجعل.
ب ـ عدم الاعتناء باحتمال الخلاف، وذلك لا يعني العلمية بالضرورة.
وعليه فإنَّ مرجع التعبّد بالشيء ظاهر في جعله، والأحكام التكليفية وكذلك الحجية من الأحكام القابلة للجعل التشريعي(١٣)، وبعد أنْ يجعل الشارع الحجية للأمارة يلزم من ذلك عقلاً استلزام العقاب أو الأمان.
الرأي الثاني: تضمّن أدلة اعتبار الأمارات وجود جعل.
وبناءً على تكفّل أدلّة اعتبار الأمارة بوجود جعل فما هو المجعول فيها؟ فيه عدّة مسالك:
المسلك الأوَّل: جعل الحكم المماثل
نُسب إلى المشهور أنّ المجعول في باب الأمارات هو الحكم الظاهري المماثل للواقع لما أدت إليه الأمارة، فالأمارة إذا قالت ـ مثلاً ـ: (تجب صلاة الجمعة) فهذا يعني جعل الشارع حكماً وجوبياً تكليفياً ظاهرياً لصلاة الجمعة مماثلاً لمضمون الأمارة، فما تقوله الأمارة يجعل الشارع مماثله من الحكم، ثم نحن ننتزع الحجية من ذلك الحكم التكليفي والوجوب الشرعي المجعول.
إنّ مؤديات الأمارات ـ كخبر الثقة ـ أحكام ظاهرية شرعية، أو قل أحكام واقعية ثانوية قد جُعِلت للموضوع الذي قامت عليه الأمارة بسبب قيامها عليه، فمعنى حجية الأمارة هو جعل الحكم المماثل لمؤداها، فإذا دلّت على الوجوب فدليل حجيتها يجعل وجوباً مماثلاً لمؤداها، وإذا دلت حجيتها على الحرمة يجعل حرمة مماثلة، وإذا أخبرت الأمارة بطهارة ثوب ثبتت طهارة ظاهرية مماثلة للطهارة التي أخبرت عنها. هذا هو المعروف بينهم كما اعترف به صاحب الكفاية(١٤).
ولعل هذا المسلك يظهر من الشيخ الأنصاري O فقد قال في دليل الانسداد في ردّ الوجه الثاني من أدلة القائلين باعتبار الظن في المسائل الأصولية دون الفرعية ـ الذي ذكره الشيخ محمد تقي O صاحب هداية المسترشدين ـ: (إنّ تفريغ الذمة عمّا اشتغلت به: إمّا بفعل نفس ما أراده الشارع في ضمن الأوامر الواقعية، وإمّا بفعل ما حكم حكماً جعلياً بأنّه نفس المراد وهو مضمون الطرق المجعولة)(١٥).
وقال أيضاً في بحث دليل الانسداد: (مثلاً: إذا فرضنا حجّيّة الخبر مع الانفتاح تخيّر المكلّف بين امتثال ما علم كونه حكماً واقعياً بتحصيل العلم به، وبين امتثال مؤدّى الطريق المجعول الذي عُلِمَ جعله بمنزلة الواقع، فكلّ من الواقع ومؤدّى الطريق مبرئ مع العلم به، فإذا انسد باب العلم التفصيلي بأحدهما تعيّن الآخر، وإذا انسد باب العلم التفصيلي بهما تعيّن العمل فيهما بالظن)(١٦).
ثمّ إنّه على هذا المسلك يكون مفاد دليل الأمارة ابتداءً هو جعل أحكام شرعية وإحداث أحكام مماثلة على طبق مؤديات الأمارة، ثم بعد ذلك تنتزع الحجية من تلك الأحكام، وهذا بخلافه على المسلكين الآتيين ـ جعل المنجّزية والمعذّرية، تتميم الكشف ـ فهما لا يتضمّنان جعل حكمٍ أصلاً وإنّما يتضمّنان جعل المنجزية أو جعل العلمية لا أكثر، فالحجية المجعولة للأمارات لا تستتبع حكماً.
قال الآخوند O: (فمؤدّيات الطرق والأمارات المعتبرة ليست بأحكام حقيقية نفسية ولو قيل بكونها أحكاماً طريقية، وقد مرّ غير مرة إمكان منع كونها أحكاماً كذلك أيضاً وأنّ قضية حجيتها ليست إلّا تنجيز مؤدياتها عند إصابتها والعذر عند خطئها، فلا يكون حكماً أصلاً إلّا الحكم الواقعي)(١٧).
ولا يخفى أنَّ الآخوند O وإنْ اختار أنّ المجعول في باب الأمارة هو الحجية ونفى كون المراد من جعل الحجية إنشاء أحكام ظاهرية شرعية على طبق مؤدّى الأمارة في أكثر من مورد(١٨)،ولكنّه O ذكر أنَّ المستفاد من أخبار باب الاستصحاب أنَّ المجعول فيه إنشاء الحكم المماثل(١٩)، وسيأتي في الوجه الآتي التعرّض لكلمات الآخوند O.
وعلى أيّ حال يلاحظ على مسلك جعل الحكم المماثل:
١ـ لا دليل ظاهر إثباتاً في جعل المؤدّى وتنزيله منزلة الواقع، وظهور الأدلة في التعبد بلحاظ العمل لا يدلّ على أنَّ ذلك بعناية التنزيل، بل غاية ما يقتضيه دليل التعبد كونها مورداً للعمل كالواقع ولزوم البناء على كون مضمونها هو الواقع لا تنزيل أمر آخر منزلة الواقع.
وبعبارة أخرى: إنَّ عمدة أدلة الأمارات والعمل بها هو بناء العقلاء، وهو دليل لبّي، ولا لسان للسيرة حتى يستفاد منها التنزيل، فغاية ما يستفاد هو لزوم المتابعة عملاً بلا تفريع ذلك على عناية التنزيل وجعل الحكم المماثل، أو التنزيل منزلة العلم.
إنْ قيل: إنَّ غالب الطرق حجيتها بالبناء العقلائي الممضى، ومقتضى المرتكزات العقلائية التنزيل على ذلك، فتحمل أدلة الإمضاء على ذلك.
أمكن الجواب: بأنَّ المتيقّن من البناء هو العمل بالطرق وترتيب مضمونها عملاً، وعدم الاعتناء باحتمال الخطأ، فيقتصر على ذلك، فالارتكازات والسيرة دليل لبّي لا لفظي حتى يصح التنزيل كما في (الطواف بالبيت صلاة) فإذاً بناء العقلاء لا يقتضي كون العمل بها بعناية التنزيل، ولم يتعلق بناؤهم على جعل حكم تكليفي في موارد الطرق.
وما استدل به من الأدلة اللفظية هو في مقام التأكيد لما بنى عليه العقلاء والإمضاء له، ومفادها الإرشاد إلى ما هو المرتكز في أذهان العرف والعقلاء، والثابت في أعماق نفوسهم، وهو العمل بها.
٢ـ لا يصح ثبوتاً أنْ يكون مراد دليل الاعتبار جعل المؤدّى وتنزيله منزلة الواقع وجعله كالواقع، فإنّ هذا يستلزم جعل الحكم الظاهري في قبال الحكم الواقعي، وهو محل إشكال، إذ يستلزم التصويب وتبعية الواقع لقيام الطريق، وهو خلاف مذهب العدلية. ولأجل ذلك لو فرضنا ورود التنزيل فهو يحمل على الكناية عن حجية الأمارة وإحراز الواقع وترتيب آثاره.
٣ـ إنّ ترتيب أثر الواقع على المؤدّى ليس متوقفاً على توسط عناية التنزيل، بل يكفي في ذلك اتصاف الأمارة بالحجية ابتداءً من خلال إمضاء الشارع لبناء العقلاء على العمل بها.
المسلك الثاني: المنجّزية والمعذّرية
نسب إلى صاحب الكفاية O كون المجعول في باب الأمارات هو جعل نفس المنجّزية والمعذّرية، فالمقصود من كون الأمارة حجّة وكون الخبر حجّةً هو أنّه ينجّز الحكم الواقعي في ظرف إصابته له؛ بمعنى استحقاق العقوبة على المخالفة ويكون معذّراً في فرض الخطأ، فالوجوب الواقعي لصلاة الجمعة مثلاً بما أنّه مجهول لا يكون منجَّزاً، ولكن إذا دلّ عليه خبر الثقة صار منجَّزاً(٢٠).
إنَّ اعتبار الأمارة هو بمعنى حجيتها وجعلها منجِّزة للواقع في ظرف الإصابة فيستحق العبد المؤاخذة لو خالف التكليف الإلزامي، وأنّها معذِّرة للمكلف في ظرف الخطأ إذا عمل المكلف بها، وأنّ فوت الواقع عنه لا يوجب الذم واللوم(٢١).
وبعبارة أخرى: إنّ المستفاد من الحجية هو جعل المنجّزية والمعذّرية بجعل ذلك شرعاً وتعبداً، وليس المستفاد من الحجية هو جعل الحكم النفسي الثانوي على طبق مؤدّى الطريق ـ كما عن المشهور ـ ولا جعل الحكم المماثل الطريقي الذي لازمه جعل الحكم المماثل في حال الإصابة، لا في حال الخطأ. فإذاً لا حكم في مرحلة الظاهر وليس هناك حكم غيرَ الحكم الواقعي أصلاً، وإنّما الغرض هو الطريقية إلى الحكم الواقعي غاية الأمر عند عدم الإصابة يكون العامل على طبق الأمارة معذوراً.
وهذا المسلك والاتجاه لعلّه يظهر من الآخوند O في بعض كلماته(٢٢).
ولكن يمكن أن يقال: إنّه يظهر من كلامه في مبحث الظن بصورة واضحة أنّ مفاد أدلة اعتبار الطرق والأمارات هو جعل نفس الحجية، وهي مستلزمة ومستتبعة وموجبة للمنجّزية والمعذّرية ـ وهما في واقعهما حكمان عقليان منتزعان من جعل الشارع الحجية بالجعل الشرعي الإمضائي ـ وليس المجعول هو عين المنجّزية والمعذّرية، ويدل على ذلك قوله ـ في مبحث الظن، في جوابه الأول عمّا ذكره عن أدلة استحالة اعتبار الأمارة وجعلها ـ : (إنَّ ما ادعي لزومه إمّا غير لازم، أو غير باطل؛ وذلك لأنّ التعبد بطريق غير علمي إنّما هو بجعل حجيته، والحجية المجعولة غير مستتبعة لإنشاء أحكام تكليفية بحسب ما أدى إليه الطريق، بل إنّما تكون موجبة لتنجيز التكليف به إذا أصاب، وصحة الاعتذار به إذا أخطأ، ولكون مخالفته وموافقته تجرياً وانقياداً مع عدم إصابته كما هو شأن الحجّة غير المجعولة، فلا يلزم اجتماع حكمين مثلين أو ضدين، ولا طلب الضدين، ولا اجتماع المفسدة والمصلحة، ولا الكراهة والإرادة، كما لا يخفى)(٢٣).
فهذه العبارة تدل على أنّ مختاره O كون المجعول هو نفس الحجية الصرفة والطريقية(٢٤) لا غير؛ بمعنى أنّها لا تستتبع ولا توجب جعل الحكم النفسي المماثل لما أدت إليه الأمارة ـ كما هو المنسوب إلى المشهور ـ ولا تستتبع ولا توجب جعل الحكم الطريقي ـ إمّا بتبع جعل الحجية، أو من غير جعل الحجية ـ وإنّما تستتبع وتوجب المنجزية لو أصابت، والمعذرية لو أخطأت. وحجية الطريق لا تماثل الحكم الواقعي الثابت ولا تضادّه، وترتبُ العمل على الحجية عقليٌ.
فعبارته O تدل بوضوح على أنَّ المجعول هو نفس الحجية، وهي من الأحكام الوضعية القابلة للجعل بالاستقلال شرعاً، وتترتب عليها آثارها الأربعة من تنجيز التكليف الواقعي على تقدير إصابة الأمارة له، والتعذير مع عدمها، وكون مخالفتها تجرياً، وموافقتها انقياداً.
ومن الواضح أنَّ المنجّزية والمعذّرية ولزوم الإطاعة وعدم المعصية من مختصات العقل غير القابلة للجعل شرعاً، وإنّما يكون للشارع جعلُ موضوعاتها، وهي الأحكام التكليفية أو الحجية أو نحوهما، وبناءً على تمامية هذا الفهم لا يُشكل بأنّ المنجّزية والمعذّرية ـ اللذين هما حكمان عقليان ـ غير قابلين للجعل الشرعي في غير موضوعهما؛ فلا يصحّ جعل المنجزية والمعذرية في صورة الأمارة غير العلمية؛ فإنّ لازمه التخصيص في حكم العقل، وحكم العقل ـ بعد ثبوت مدركه ـ غير قابل للتخصيص.
ولا يخفى أنّ عبارته O في مبحث الظن هي الأساس؛ لأنّها هي محل البحث في المجعول في الأمارة، وهو الموضع الأصلي لذلك. وأمّا كلماته الأخرى التي فيها ذكر المنجّزية والمعذّرية فيمكن حملها ـ مثلاً ـ على أنّه ذَكرهما وركّز عليهما باعتبارهما الأثر المهم لحجية الأمارة أو ذَكرهما باعتبار نفيه لجعل الحكم المماثل. وإلّا فالمجعول هو الحجية، أو جعل ما يصح الاحتجاج به على المكلف ممّا يستلزم المنجّزية والمعذّرية عقلاً، أو قل جعل المنجّزية والمعذّرية الشرعية، ولازم ذلك المنجّزية والمعذّرية العقلية، وحكم العقل بالمنجّزيّة والمعذّريّة موضوعه الأعمّ من العلم الوجداني والعلم التعبدي والحجيّة التعبديّة، فالمجعول هو الحجيّة الشرعيّة، أو قل المنجّزية والمعذّريّة الشرعيّة. وعلى أيّ حال لا يبعد أن يكون المجعول في الأمارة هو ما تقدّم.
المسلك الثالث: مسلك تتميم الكشف
تبنّى المحقّق النائيني ـ وتبعه السيد الخوئي S ـ أنَّ المجعول في باب الأمارات هو تتميم الكشف وجعل العلمية التعبدية، فالخبر ـ مثلاً ـ هو ظنّ وليس علماً وقطعاً، وهو طريق ناقص لا تامّ، فإذا اعتبره الشارع فذلك يعني جعله فرداً من العلم وطريقاً تامّاً بعد أنْ كان ظناً وطريقاً ناقصاً، فدور الجعل هو اعتبار الأمارة الظنية علماً تعبداً وتتميم الكشف. وأدلّة اعتبار الأمارة توسّع خاصيّة الكشف التامّ للأعمّ من القطع والأمارة وبالتالي قيام الأمارة يوجب العلم بالواقع تعبداً.
قال المحقّق النائيني O ـ بعد ذكره جهات ثلاث تمثّل خواصّ العلم الوجداني ـ: (فهذه الجهات الثلاث كلها مجتمعة في العلم وتكون من لوازم ذات العلم، حيث إنّ حصول الصورة عبارة عن حقيقة العلم ومحرزيّته وجدانيّ والبناء العمليّ عليه قهريّ. ثمّ إنّ المجعول في باب الطرق والأمارات هي الجهة الثانية من جهات العلم، وفي باب الأصول المحرزة هي الجهة الثالثة. وتوضيح ذلك: هو أنّ المجعول في باب الأمارات نفس الطريقيّة والمحرزيّة والكاشفيّة، بناءً على ما هو الحق عندنا من تعلّق الجعل بنفس الطريقيّة، لا بمنشأ انتزاعها، كما هو مختار الشيخ S ـ وسيأتي إن شاء الله تفصيله في مبحث الظن ـ وأنّ تصوير ما يكون منشأ لانتزاع الطريقية في غاية الإشكال، بل كاد أنْ يكون من المحالات. وليس المجعول في باب الأمارات هو المؤدّى بحيث يتعلق حكم بالمؤدّى غير ما للمؤدّى من الحكم الواقعي، فإنّ ذلك غير معقول كما سيأتي، بل المجعول هو الطريقية والوسطية في الإثبات والكاشفية عن الواقع، أيْ تتميم الكاشفية بعد ما كان في الطرق والأمارات جهة كشف في حدّ أنفسها، غايته أنّ كشفها ناقص وليس ككاشفية العلم. ومن هنا اعتبرنا في كون الشيء أمارة من أن يكون له في حدّ ذاته جهة كشف، والشارع في مقام الشارعيّة تمّم كشفه وجعله محرزاً للواقع ووسطاً لإثباته، فكأنّ الشارع في عالم التشريع جعل الظنّ علماً من حيث الكاشفية والمحرزية بلا تصرف في الواقع ولا في المؤدّى، بل المؤدّى بعدُ باقٍ على ما هو عليه من الحكم الواقعي صادفت الأمارة للواقع أو خالفت، لأنّه يكون من مصادفة الطريق أو مخالفة الطريق لذي الطريق من دون توسعة في الواقع وتنزيل شيء آخر منزلة الواقع، فإنّ كل ذلك لم يكن، بل المجعول هو نفس الطريقية والكاشفية والمحرزية التي كان القطع واجداً لها بذاته والظن يكون واجداً لها بالتعبد والجعل الشرعي، فهذا هو المجعول في باب الطرق والأمارات)(٢٥).
وقال O: (إنّ مقتضى التحقيق أنّ المجعول في باب الأمارات والطرق ـ كما أشرنا إليه في بعض مباحث القطع ـ أنّما هو المرتبة الثانية من العلم الطريقي وهي المحرزية والوسطية في الإثبات دون الأحكام التكليفية البعثية أو الزجرية على ما سيجيء في بحث الاستصحاب من كون الأحكام الوضعية ـ في غير الجزئية والشرطية والسببية والمانعية ـ ممّا تنالها بأنفسها يد الجعل تشريعاً وليست هي منتزعة من الأحكام... فإذا كان الحكم الوضعي بنفسه قابلاً للجعل كالحكم التكليفي ولم يكن هناك مقتض لتخصيص المجعول الشرعي بخصوص الحكم التكليفي فلا مانع من كون المجعول في باب الطرق والأمارات نفس صفة المحرزية والوسطية في الإثبات؛ إذ هي نظير الملكية والزوجية والرقية وغيرها في كونها قابلة للاعتبار ممّن بيده الاعتبار... وممّا يدلّ على أنّ المجعول في باب الطرق محض صفة المحرزية ليس إلّا أنّه ليس في الشريعة طريق مجعول ابتدائي أبداً، وإنّما الطرق الشرعية هي التي يعتمد عليها العقلاء في أمور معاشهم ومعادهم لما يرونها طرقاً متقنة نظير العلم الوجداني ولا يعتنون باحتمال مخالفة الطريق للواقع بل يفرضون هذا الاحتمال كالعدم... وإذا كانت الطرق المجعولة طرقاً عقلائية ولم يكن للشارع بالإضافة إليها تصرف إلّا إمضاؤها فلا بدّ وأنْ يكون المجعول محض صفة الطريقية والمحرزية. ضرورة أنّ جعل الأحكام التكليفية في موارد تلك الطرق غير محتمل من العقلاء بالكلية، بل شأنهم أنّما هو إلغاء احتمال الخلاف الموجود في موارد تلك الطرق وجعله كالعدم والمعاملة معها معاملة الطرق العلمية. فلو سلمنا أنّ لاحتمال كون الحجية منتزعة من الحكم التكليفي مجالاً واسعاً على تقدير كون الطرق مجعولات شرعية ابتدائية لكنّه ليس له مجال على تقدير كونها مجعولات إمضائية، كما هو الواقع.. وبالجملة الإشكال إنّما يتوجّه على من ذهب إلى عدم استقلال الحجّية بالمجعولية، وإنّما هي تنتزع من الحكم التكليفي، وبعد البناء على كونها بنفسها قابلة للجعل من دون أن يكون في موردها حكم تكليفي غير الأحكام الواقعية يندفع الإشكال ويكون انتفاء التضاد بين الحكم الواقعي والظاهري من باب السالبة بانتفاء الموضوع)(٢٦).
وبملاحظة كلماته O تتّضح عدة أمور:
١ ـ إنّ الشارع المقدّس جعل الطريقية والحجية، وليست الحجية منتزعة من الحكم التكليفي.
٢ ـ إنّ معنى جعل الحجّية للأمارة هو تتميم كاشفية الأمارة واعتبارها علماً(٢٧) ومحرزيتها للواقع كإحراز القطع والعلم للواقع ـ غايته محرزية القطع للواقع ذاتية لا تحتاج إلى جعل واعتبار بخلافه في الأمارة فهي بواسطة الجعل ـ فيكون لها نفس الدور الثابت للقطع، وهو الوسطية في الإثبات والكاشفية عن الواقع.
٣ـ إنّ الأمارة لا تقتضي تبدّل الواقع، بل الواقع باقٍ على ما هو عليه، كما أنّه لا يُتصرّف في الواقع بجعل مؤدّى الأمارة وما تكشف عنه واقعاً تنزيلاً(٢٨)، كما أنّه لا يُجعل حكم مماثل للأمارة، وإنّما جعل الشارع الأمارة في عالم التشريع علماً ووسّع خاصية الكشف التامّ للأعمّ من القطع والأمارة، فالمجعول في أدلة الحجية ليس هو التنزيل ولا الحكم المماثل، بل جعل الظنّ علماً على حدّ المجاز الادعائي عند السكاكي، واستفاد O من ذلك في التخلّص من محذور المنافاة مع القاعدة العقلية وغيره، كما سيأتي في ثمرات مسلك تتميم الكشف.
٤ ـ إنّ الشارع المقدس جعل الأمارة فرداً تشريعياً من العلم بتتميم كشف الأمارة ولو إمضاءً بإلغاء احتمال الخلاف تشريعاً، كما أنّ احتمال الخلاف في العلم ملغىً تكويناً، وهذا بخلاف الأصل فإنّ المجعول فيه هو الجري العملي مطلقاً، قال S: (إنَّ المجعول في الأمارات ... إنّما هو نفس صفة المحرزية والوسطية في الإثبات... وبعبارة أخرى: جعل فرد تشريعي من العلم، وهذا بخلاف الأصل، فإنّ المجعول فيه هو الجري العملي مطلقاً...)(٢٩).
وبالتالي يكون دور الأمارة دور الوسطية في الإثبات كما هو حال القطع، ويترتب على ذلك ثبوت المنجزية والمعذرية، غايته أنّ موضوعية القطع للتنجيز والتعذير ثابتة بالوجدان وموضوعية الأمارة لهما ثابتة بالتعبد والجعل الشرعي، فبالتعبّد أخرجت الأمارة حقيقة من الظنون بعد إعطائها خاصيّة الكشف.
٥ ـ إنّ الوجه في اختيار كون المجعول في الأمارات هو الطريقية وتتميم الكشف هو أنّ الأمارات ليست مخترعةً من الشارع، وإنّما هي طرق معتمدة عند العقلاء في أمورهم وبيان مراداتهم، وبملاحظة العقلاء نجد أنّهم لا يعتنون باحتمال مخالفتها ويجعلونه كالعدم، ويبنون على الأمارات باعتبارها كالعلم الوجداني في نظرهم، فجاء الجعل التشريعي عليه حيث وقع الإمضاء على هذا البناء العقلائي.
٦ـ إنّ القطع تجتمع فيه ثلاث جهات: جهة كونه صفة قائمة بنفس العالم من حيث إنشاء النفس صورة على طبق ذي الصورة. وجهة إضافة الصورة لذي الصورة وهي جهة كشفه عن المعلوم ومحرزيته له. وجهة البناء والجري العملي على وفق العلم. والمجعول في باب الأمارات الجهة الثانية، وفي الأصول المحرزة الجهة الثالثة، ففي مثل الأمارات والطرق الناظرة إلى الواقع يكون المجعول الشرعي الطريقية إلى الواقع كما أنّ القطع طريق إليه، وفي مثل الأصول المحرزة ـ التي أُخذ الشك في موضوعها، وليس لها نظر إلى الواقع ولكن حكم الشارع مع فرض الشك بالبناء على الواقع وبعدم الاعتناء بوجوده كالاستصحاب ـ يكون المجعول الشرعي الجري العملي، وفي كل منهما يكون لأدلّة اعتبارهما حكومة ظاهرية على الأدلّة الواقعية.
وعن الميرزا S أنّه قسّم الأصول العملية إلى ثلاثة أقسام: تنزيلي، ومحرز، وصرف غير التنزيلي وغير المحرز:
والأول كأصالة الطهارة وأصالة الحل، فيُراد بهما تنزيل المشكوك منزلة الطاهر والحلال، فالشارع المقدّس لا يلاحظ الاحتمال بل مباشرة يعطينا النتيجة.
والثاني كالاستصحاب، فالشارع هنا يلاحظ الاحتمال ويقول: لا تنقض اليقين بالشك.
والثالث كالبراءة والاحتياط, والمجعول فيهما صفة المنجزية والمعذرية. والفرق بين الأصل العملي المحرز وبين جعل العلمية للأمارة أنّ الملاحظ في الأول هو فقط خصوصية الجري العملي. وأمّا في الثاني فالملاحظ هو خصوصية الكاشفية التامة،
والجري العملي إنّما جاء من الانكشاف(٣٠). هذا أحد الفروق بينهما.
ومن الفروق الأخرى التي ذكرت: أنّ الأمارة ـ في حدّ ذاتها ومع قطع النظر عن حجيتها شرعاً ـ قد أُخذت فيها حيثية الكشف عن الواقع، وهذا بخلاف الأصول فإنّها لم تلحظ فيها هذه الجهة.
ومنها: أنَّ مثبتات الأمارة حجّة دون مثبتات الأصول.
ومنها: أنّ الأمارات حاكمة على الأصول، بمعنى أنّها رافعة لموضوع الأصول وهو الشك، فموضوع الأصول يرتفع بوجود الدليل(٣١).
قال O: (فظهر: أنّ المجعول في الأمارات ليس هو مجرد تطبيق العمل على المؤدّى،
بل تطبيق العمل على المؤدّى من لوازم المجعول فيها، وإنّما المجعول أولاً وبالذات نفس الإحراز والوسطية في الإثبات، وبتوسطه يلزم تطبيق العمل على المؤدّى. نعم، المجعول في باب الأصول العملية مطلقاً هو مجرد تطبيق العمل على مؤدّى الأصل، إذ ليس في الأصول العملية ما يقتضي الكشف والإحراز، وليست هي طريقاً إلى المؤدّى، بل إنّما تكون وظائف تعبدية للمتحير والشاك لا تقتضي أزيد من تطبيق العمل على المؤدّى)(٣٢).
وأضاف S: (فالأقوى: أنّ الحجّية والوسطية في الإثبات بنفسها ممّا تنالها يد الجعل بتتميم كشفه، فإنّه لا بُدّ في الأمارة من أنْ يكون لها جهة كشف عن الواقع كشفاً ناقصاً، فللشارع تتميم كشفها ولو إمضاء بإلغاء احتمال الخلاف في عالم التشريع، كما ألقى احتمال الخلاف في العلم في عالم التكوين، فكأنّ الشارع أوجد في عالم التشريع فرداً من العلم، وجعل الطريق محرزاً للواقع كالعلم بتتميم نقص كشفه وإحرازه، ولذا قامت الطرق والأمارات مقام العلم المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية)(٣٣).
وأفاد السيد الخوئي O هذا المضمون أيضاً بقوله:(أنّ المجعول في باب الطرق والأمارات هو الكاشفية والطريقية بتتميم الكشف، بمعنى أنّ الشارع يعتبر الكاشف الناقص كاشفاً تامّاً، والأمارة غير العلمية علماً، إذ عليه يكون التعبد ناظراً إلى نفس الطريقية والكاشفية، بلا حاجة إلى كون المؤدى حكماً شرعياً أو ذا أثر شرعي)(٣٤).
وقال السيد الشهيد الصدر O: (إنّهم حاولوا تخريج قيام الأمارة مقام العلم الطريقي على أحد أساسين:
١ ـ ما صنعته مدرسة المحقق النائيني S من أنّ المجعول في الأمارات هو الطريقية
واعتبار الأمارة علماً من دون تنزيل وإسراء فيرتفع اللابيان وينقلب بياناً وعلماً.
٢ـ ما ذهبت إليه مدرسة الشيخ الأنصاري S حيث ادعت أنّ التنزيل بحسب الحقيقة لمؤدّى الأمارة منزلة المقطوع؛ لأنّ المؤدّى إمّا حكم شرعي أو موضوع لحكم شرعي فيكون قابلاً للإسراء الشرعي)(٣٥).
فإذن على مسلك تتميم الكشف يكون المراد من حجّية الأمارة هو اعتبارها فرداً من العلم، وبعد صيرورتها علماً تترتب عليها آثار العلم قهراً من التنجيز والتعذير، لا تنزيلها منزلة العلم، والفارق بين عمليتي الاعتبار والتنزيل أنّه في الأول تصير الأمارة فرداً من العلم من قبيل المجاز السكاكي وتترتب عليها آثاره قهراً، وهذا بخلافه في الثاني فإنّه تبقى الأمارة ظناً، غاية الأمر ترتب عليها آثار العلم فالمنظور ابتداءً في باب التنزيل الآثار.
وعلى هذا فلا يصح الإيراد على المحقق النائيني O بأنّ جعل الأمارة علماً ـ الذي يعني تنزيلها منزلة العلم ـ هو عبارة أخرى عن جعل أحكام العلم من التنجيز والتعذير لها، والمفروض استحالة ذلك، لأنّه يجاب بأنّه ليس مقصود المحقق النائيني O تنزيل الأمارة منزلة العلم في الآثار، بل مقصوده اعتبار الأمارة علماً ثم يرتّب O على هذا الاعتبار التنجيز والتعذير.
وقد رتّب واستفاد المحقّق النائيني على مسلكه في موارد كثيرة وسيأتي التعرض لذلك.
وعلى أيّ حال يلاحظ على مسلك تتميم الكشف وجعل الأمارة تعبداً من حيث كونه طريقاً وكاشفاً:
١ـ أنّه لا معنى ثبوتاً لاعتبار الطرق علماً، وإنّما التعبد والاعتبار يتناول الحقائق الجعلية.
وبعبارة أخرى: إنَّ جعل ما ليس بعلم علماً يستحيل صدوره عن الحكيم حيث لا يترتّب عليه أثر؛ لأنّ خبر الثقة ـ وكذا ظواهر الألفاظ ـ في حدّ ذاته كشفه غير تام وطريقيته ناقصة، فطريقية الأمارات ذاتية غايته ظناً نوعاً، أو قل تفيد الظن النوعي ـ كما أنَّ طريقية القطع ذاتية وتكوينية غير قابلة للجعل ـ ولا يمكن بالأمر والجعل التشريعي جعل العلمية له.
إنْ قيل: المراد جعل الطريقية والكاشفية الاعتبارية التشريعية لا جعل الطريقية التكوينية.
كان الجواب: إنَّ هذا لا أثر له فهو لا يزيد في طريقية أخبار الثقة، فوجود الطريقية كالعدم. اللهم إلّا أنْ يرجع جعل الطريقية لأخبار الثقة إلى تنزيل أخبار الثقة منزلة العلم. ولكن مدرسة المحقق النائيني تنفي تنزيل الأمارات منزلة العلم، بل تقول بالطريقية تعبداً.
٢ـ مع التنزّل والقول بإمكان الجعل المذكور، فإنّه إثباتاً لا مجال لاستفادته من الأدلّة؛ لعدم تضمّن أدّلة الاعتبار توصيف الطرق بأنّها علم وبالتالي جعل العلمية يحتاج إلى مثبت، فالسيرة القطعية الجارية عند العقلاء على العمل بأخبار الثقة(٣٦) في أغراضهم الاجتماعية والشخصية والدينية وغيرها لا تدلّ على جعل العلمية، وما استدل به من الآيات والروايات على حجية أخبار الآحاد تفيد التأكيد لا التأسيس.
إنْ قيل: يلزم حمل الأدلّة على ذلك بقرينة ورودها مورد الإمضاء لبناء العقلاء، وعملهم بالطرق مبنيٌ على معاملتها معاملة العلم الوجداني.
كان الجواب: أنَّ المتيقّن من بنائهم هو العمل وترتيب مضمونها وعدم الاعتناء عملاً باحتمال خطئها والخلاف، وأمّا البناء تشريعاً على كونها علماً والتعبد بذلك فهو بحاجة إلى دليل، ولا يستفاد من سيرة العقلاء وارتكازاتهم، فالدليل المهم ـ إثباتاً ـ على حجّية خبر الثقة هو السيرة، وهي لا لسان لها يدلّ على جعل ما ليس بعلم علماً، فالسيرة كما لا تدلّ على جعل الأحكام الظاهرية المماثلة كذلك لا تدلّ على جعل العلمية، وغاية ما هو ثابت في نفوس العقلاء هو العمل على طبق الأمارة ومن يخالف يستحق العقوبة، ولا تدلّ سيرتهم على أنّهم يجعلون خبر الثقة علماً ثم يرتبون عليه المنجزية والمعذرية كالقطع.
إنْ قيل: إنَّ استحقاق العقوبة هو أثر ومعلول عقلي للعلم والقطع ولا يقبل الجعل، فإذاً العقلاء مسبقاً يعتبرون الأمارة علماً، فيترتّب قهراً استحقاق العقوبة.
كان الجواب: إنّه أثر عقلي للعلم وليس أثراً عقلياً للأمارة، ثم إنَّ الأثر العقلي يمكن جعله ـ والعقلاء ببابك ـ كما لو قال أحدٌ: عليكم باتباع أمر ولدي، ومن خالف سأعاقبه.
هذا كله إذا كان المراد أنَّ دليل حجية الأمارة يدلّ مباشرة على أنَّ خبر الثقة معناه جعله علماً. وأمّا إذا كان المراد أنَّ دليل حجية الأمارة يجعل الأمارة موجبة لاستحقاق العقوبة، ونستكشف أنَّ المولى قد جعلها علماً من باب الدلالة الالتزامية فيرده: أنّه لا معنى لجعل الأمارة علماً وجدانياً؛ لأنّ كلّ حاكم يتصرّف في موضوع الأحكام الصادرة عنه دون الصادرة عن غيره، والعقل يحكم باستحقاق العقوبة بخصوص العلم الوجداني، فلا معنى لأنْ يأتي غيره ويوسّع ذلك إلى الأمارة. نعم، الذي يعقل هو أنْ يكون حكم العقل من البداية معلقاً على ما إذا لم يجعل الشارع الأمارة علماً، ولكن هذا لا يتوقف على خصوص جعل العلمية للأمارة فالعقل يمكن أنْ يقول إذا أمر الشارع باتباع الأمارة فأنا أرفع اليد عن حكمي بكون المنجّز هو خصوص القطع.
وعلى أيّ حال لا يبعد أنَّ الأقرب هو كون مفاد أدلّة اعتبار الأمارة جعل واعتبار نفس الحجية لها، كما تقدّم بيان ذلك في التعليق على الوجه الأول، وكذلك في الوجه الثالث، فلاحظ. وهذا أيضاً ظاهر عبارة الآخوند في باب الظن وتقدّم توضيحه.
ولا ظهور للأدلة في كون لسانها لسان التنزيل ـ سواء أ كان تنزيل المؤدّى منزلة الواقع أم التنزيل منزلة العلم وإلغاء احتمال الخلاف معها ادعاءً لأجل التنزيل المذكور ـ كما لا يتضمّن لسانها جعل العلمية التعبدية. والذي لا إشكال في ثبوته وظهوره من أدلّة الاعتبار هو التعبد بلحاظ العمل، ولزوم البناء على كون مضمونها هو الواقع والتعبّد بذلك، والإحراز له إثباتاً، وبيان جعل الحجية لهذه الطرق، وأنّها حجة في مؤدّياتها كالقطع في ظرف الجهل بالواقع، ومعنى جعل الحجية أنّها معتبرة عند معتبرها أي يستند إليها في الاحتجاج فالخبر إذا كان حجّة يحتجّ به، وبالتالي لازم ذلك عقلاً المنجزية والمعذرية، وهذا المعنى من الحجية عقلائي وهو مرتكز عرفاً دون جعل الحكم المماثل أو تتميم الكشف، فالمرتكز في أذهان العرف والعقلاء والثابت في أعماق نفوسهم هو العمل بالطرق والاعتناء بمضمونها عملاً وعدم الاعتناء باحتمال خطئها.
وبعبارة أخرى: إنّ العقلاء يعتنون بخبر الثقة عملاً ويرونه طريقاً متقناً ولا يعتنون باحتمال الخلاف، ومن لم يعمل بخبر الثقة يلام عندهم، فخبر الثقة حجّة يحتجّ به، ويكفي في ترتيب أثر الواقع اتصاف الأمارة بالحجية من خلال إمضاء الشارع لبناء العقلاء على العمل بها. وأمّا القول بجعل العلمية أو بجعل حكم تكليفي مماثل فهذا بحاجة إلى مثبت واضح وإلى كلفة ومؤونة زائدة، ولا دليل من بناء العقلاء على ذلك، والعقل يدرك حجية الأمارة شرعاً بعد إمضاء الشارع لهذا البناء، فالمنجّز عقلاً القطع وكذلك ما جعله الشارع من خلال الحجية الإمضائية(٣٧).
المقام الثاني
(ثمرات مسلك تتميم الكشف)
إنَّ هذا المسلك ـ الذي شيّد أركانه المحقّق النائيني وتبعه السيد الخوئي S ـ ترتّبت عليه كثير من الثمرات، الأعم من اختصاص ترتبها على هذا المسلك ومن كونها توظيفات وتفريعات عنه ونتائج له, وإليك جملة منها:
١ـ الجواب عن شبهة ابن قِبة..
يوجد في باب الظنّ عدّة من المباحث..
بحث ثبوتي في أنَّ الظن بنفسه ـ رغم الرجحان الذي فيه ـ ليس بحجّة لا يجوز العمل به عقلاً، وإنّما تحتاج حجيته إلى عناية جعل شرعي، أو تطرأ حالة استثنائية ـ كالانسداد لباب العلم ـ وهذا البحث عرف ممّا تقدّم.
وكذلك يوجد بحث ثبوتي آخر في إمكان وقوع التعبد من الشرع بالظن ولا يلزم من وقوع التعبد محال، فالظنّ ليس بممتنع أنْ يجعل الشارع الحجّية له عقلاً، بل هو ممكن(٣٨)، ولكن نُسب إلى ابن قِبة استلزام وقوع التعبد بالظنّ للمحال، فيكون الظنّ ممتنع الحجّية، وأنّ الشارع لا يمكنه جعل الحكم الظاهري ـ وهو جعل الأمارة حجّة(٣٩)
ـ لأنّ لازم جعل الحجية للأمارة والظن ـ التي أحد أفرادها خبر الثقة ـ تحليل الحرام وبالعكس.
ويقول السيد الشهيد الصدر O: إنَّ شبهة ابن قِبة حرّكت الفكر الأصولي في باب الأمارات والأحكام الظاهرية باتجاه التماس تخريجات وتفسيرات لحقيقة هذا الحكم وكيفية الجمع بينه وبين الحكم الواقعي(٤٠).
وقد ذكر الأصوليون عدّة أجوبة عن شبهة ابن قِبة ـ بعد أنْ قرّروها بعدة محاذير، محصلها أنَّ الحكم الظاهري يتنافى مع الحكم الواقعي ولا يجتمع معه ـ وأطلقوا على هذا المبحث اسم الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية.
وبيّن المحقّق النائيني O أنَّ المحاذير المتوهمة من التعبد بالأمارات: منها ما يرجع إلى محذور ملاكي. ومنها ما يرجع إلى محذور خطابي. وأراد بالأول تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة، وبالثاني اجتماع الضدين أو المتناقضين(٤١). وفي المحذور الثاني ذكر O ما أُجيب به عنه وناقشه، ثمّ ذكر جوابه المختار بناءً على مسلكه, قال S: (ليس المجعول فيها حكماً تكليفياً حتى يتوهم التضاد بينه وبين الحكم الواقعي... ـ إلى أن قال ـ (ليس في باب الطرق والأمارات حكم حتى ينافي الواقعي ليقع في إشكال التضاد أو التصويب، بل ليس حال الأمارة المخالفة إلّا كحال العلم المخالف، فلا يكون في البين إلّا الحكم الواقعي فقط مطلقاً أصاب الطريق الواقع أو أخطأ، فإنّه عند الإصابة يكون المؤدّى هو الحكم الواقعي كالعلم الموافق ويوجب تنجيز الواقع وصحة المؤاخذة عليه كالعلم المخالف من دون أنْ يكون هناك حكم آخر مجعول)(٤٢).
وقال O: (إنّ مقتضى التحقيق أنَّ المجعول في باب الأمارات والطرق ـ كما أشرنا في بعض مباحث القطع ـ إنّما هو المرتبة الثانية من العلم الطريقي وهي المحرزية والكاشفية في الإثبات دون الأحكام التكليفية أو الزجرية على ما سيجيء في بحث الاستصحاب من كون الأحكام الوضعية ـ في غير الجزئية والشرطية والسببية والمانعية ـ ممّا تنالها بأنفسها يد الجعل تشريعاً وليست هي منتزعة من الأحكام التكليفية... فإذا كان الحكم الوضعي بنفسه قابلاً للجعل كالحكم التكليفي ولم يكن هناك مقتضٍ لتخصيص المجعول بخصوص الحكم التكليفي فلا مانع من كون المجعول في باب الطرق والأمارات نفس صفة المحرزية والوسطية في الإثبات، إذ هي نظير الملكية والزوجية والرقية وغيرها في كونها قابلة للاعتبار ممّن بيده الاعتبار.... وممّا يدل على أنَّ المجعول في باب الطرق محض صفة المحرزية ليس إلّا أنّه ليس في الشريعة طريق مجعول ابتدائي أبداً، وإنّما الطرق الشرعية هي التي يعتمد عليها العقلاء... وإذا كانت الطرق المجعولة طرقاً عقلائية ولم يكن للشارع بالإضافة إليها تصرف إلّا إمضاؤها فلا بدّ وأنْ يكون المجعول محض صفة الطريقية والمحرزية، ضرورة أنَّ جعل الأحكام التكليفية في موارد تلك الطرق غير محتمل من العقلاء بالكلية، بل شأنهم إنّما هو بإلغاء احتمال الخلاف... وبالجملة الإشكال إنّما يتوجه على من ذهب إلى عدم استقلال الحجية بالمجعولية، وإنّما هي تنتزع من الحكم التكليفي، وبعد البناء على كونها بنفسها قابلة للجعل من دون أن يكون في موردها حكم تكليفي غير الأحكام الواقعية يندفع الإشكال، ويكون انتفاء التضاد بين الحكم الواقعي والظاهري من باب السالبة بانتفاء الموضوع)(٤٣).
والخلاصة: أنَّ الأمارة لا تجعل حكماً ـ بل الحكم واحد وهو الحكم الواقعي ـ كي يلزم المحذور، وإنّما هي مجرّد طريق قد تخطئ وقد تصيب(٤٤).
٢ـ التخلّص من محذور تخصيص القاعدة العقلية..
لا إشكال بين الأصوليين في قيام الأمارة مقام القطع الطريقي في التنجيز والتعذير لكن يوجد إشكال فني نظري، وهو أنَّ المنجِّز ـ أي الموجب لاستحقاق العقوبة على المخالفة ـ هو العلم والقطع فقط؛ لأنّ مقتضى القاعدة العقلية المشهورة هو قبح العقاب بلا بيان، فالعقل يقبّح العقاب بلا بيان أي بلا علم، وهذا معناه أنّ الذي ينجِّز فقط هو العلم بمعنى القطع وغير القطع لا يصح معه العقاب، فكيف يجعل المولى الأمارة حجة منجزة ومعذرة! فهذا مخالف للحكم العقلي والقاعدة العقلية المتقدّمة، وهو يستلزم تخصيص حكم العقل، والأحكام العقلية لا تقبل التخصيص، فلا يصحّ أنْ يقال (إنَّ العقاب بلا بيان قبيح إلّا مع قيام الأمارة على التكليف), فإنّ العقاب بلا بيان في هذا المورد ليس بقبيح.
وبعبارة أخرى: إنَّ الظن ليس منجّزاً لعدم كون الحجية من لوازمه ومقتضياته في نفسه؛ لأنّه ليس فيه انكشاف تام للواقع كما في القطع، لوجود احتمال الخلاف فلا يجوز العمل به عقلاً، فلو قيل: بأنّه منجّز لزم تخصيص القاعدة العقلية، وهو غير ممكن.
فإذاً فرض كون مفاد الحكم الظاهري هو جعل المنجزية من دون سبق جعل العلمية ليس بصحيح، بل يستحيل؛ لأنّه ليس بياناً فيلزم محذور تخصيص قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
والتخلّص من هذا المحذور والإشكال على مسلك جعل العلمية يكون بأنْ يعتبر المولى الأمارة علماً كالعلم الوجداني، ومعه يتمّ البيان، وسوف تثبت المنجزية للأمارة قهراً بحكم العقل بلا حاجة إلى جعل التنجيز.
قال المحقّق النائيني O: (المجعول فيها نفس المحرزية، والتنجيز والعذر من اللوازم العقلية المترتبة على ما هو المجعول، لوضوح أنَّ التنجيز لا يكون إلّا بالوصول إلى الواقع وإحرازه إمّا بنفسه ـ كما في العلم والطرق والأمارات والأصول المتكفلة للتنزيل ـ وإمّا بطريقه ـ كما في موارد جريان أصالة الاحتياط ـ ... وعلى كل حال: نفس التنجيز والعذر غير قابل للجعل كما ربّما يوهمه بعض الكلمات، وإنّما الذي يكون قابلاً للجعل هو المحرزية والوسطية في الإثبات ليكون الواقع واصلاً إلى المكلّف ويلزمه عقلاً تنجيز الواقع)(٤٥).
وقال السيد الخوئي O: (ثمّ إنّ الصحيح في باب الأمارات هو القول بأنّ المجعول هو الطريقية والكاشفية، لا القول بأنّ المجعول هو المنجزية والمعذرية، لكونه مستلزماً
للتخصيص في حكم العقل، وحكم العقل بعد ثبوت ملاكه غير قابل للتخصيص)(٤٦).
والخلاصة: أنَّ التخلص من الإشكال إنّما يكون بجعل البيان والعلم تعبداً، فيكون دليل اعتبار الأمارة موسّعاً لقاعدة قبح العقاب بلا بيان بتوسعة موضوعها ـ الذي هو البيان والعلم والقطع الوجداني ـ ليشمل الأمارة كخبر الثقة بجعلها طريقاً وبياناً، فدليل اعتبار الأمارة يوسّع البيان الوارد من الشارع لما يشمل البيان الواقعي ـ الوجداني، والظاهري التعبدي ـ فبقيام الأمارة يتحقق فرد من البيان الشرعي، وحينئذ يرتفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
٣ـ قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي الطريقي..
إنَّ القطع والجزم الذي لا يحتمل الخلاف يجب السير على وفقه عملاً، وهذا هو معنى حجية القطع، وللقطع الحاصل من القاطع خواص ثلاثة: الكاشفية، والمحركية والمنجزية لتكليف المولى على العبد عقلاً، وهذه الخاصية الثالثة هي ما يبحث عنه في علم الأصول فإذا قالوا القطع حجّة فالمراد منجزيته ومعذريته.
واستدل بعض على حجّية القطع بحكم العقل كما استدل بعضهم بحكم العقلاء، والمعروف امتناع الردع عن حجّية القطع ومنجزيته ـ وهذا هو معنى أنَّ حجّية القطع ذاتية ـ وإنّما الممكن تنبيه المخطئ في قطعه إلى الخلل في مقدمات قطعه فيحصل تبدّل قطعه، والقطع على نحوين طريقي وموضوعي. والأول هو طريق، ويُثبت المنجزية والمعذرية للحكم الثابت، ولا يكون مأخوذاً في موضوع الحكم. الآخر هو القطع المأخوذ في موضوع الحكم واقعاً(٤٧) بأنْ كان له دخل في ترتب الحكم واقعاً، فدور القطع الموضوعي أنّه يثبت به الحكم، أو قل يتحقّق به موضوع الحكم، كما لو قيل (الشهادة المقطوع بها تجوز) فجواز الشهادة موضوعه القطع بالشيء، وإلّا لا تجوز الشهادة.
وقُسّم القطع الموضوعي إلى قسمين باعتبار أنَّ القطع قد يكون مأخوذاً في الموضوع بنحو الصفتية وبما هو صفة نفسانية، وقد يكون مأخوذاً في الموضوع بنحو الطريقية بما هو طريق ومنجِّز للواقع؛ لأنّ القطع من الصفات الحقيقية ذات الإضافة التي تحتاج في وجودها إلى المتعلق وهو المقطوع به، فللقطع جهتان: الأولى: كونه من الصفات المتأصلة وله تحقق واقعي. والثانية: كونه متعلقاً بالغير وكاشفاً عنه، وحينئذ قد يكون القطع مأخوذاً في الموضوع بلحاظ الجهة الأولى، ويسمى بالقطع الموضوعي الصفتي، وقد يكون مأخوذاً في الموضوع بملاحظة الجهة الثانية، ويسمى بالقطع الموضوعي الطريقي(٤٨).
وقد وقع الكلام بين الأصوليين في أنّ الأمارة لو خُلينا نحن ودليل حجّيتها هل تفي بالقيام مقام القطع الموضوعي؟ فلو قال المولى: (كل ما قطعت بأنّه خمر فأرقه) وقامت أمارة على أنَّ هذا خمر، فهل يترتّب وجوب الإراقة؟ المعروف أنَّ الأمارات تقوم مقام القطع الموضوعي المأخوذ على نحو الطريقية دون المأخوذ على نحو الصفتية، والشيخ الآخوند O ذهب إلى عدم قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقية(٤٩).
وحاصل بيان مرامه كما حرّره السيد الخوئي S: (أنَّ التنزيل يستدعي لحاظ المنزّل والمنزّل عليه. ولحاظ الأمارة والقطع في تنزيل الأمارة منزلة القطع الطريقي آلي؛ إذ الأثر مترتب على الواقع المنكشف بالقطع لا على نفس القطع كما هو المفروض، فيكون النظر في الحقيقة إلى الواقع ومؤدى الأمارة، ولحاظ الأمارة والقطع في تنزيل الأمارة منزلة القطع المأخوذ في الموضوع استقلالي؛ إذ الأثر مترتب على نفس القطع، فالجمع بين التنزيلين في دليل واحد يستلزم الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي المتعلقين بملحوظ واحد في آن واحد ولا يمكن الجمع بينهما، فلا يمكن أنْ يكون دليل واحد متكفلاً لبيان كلا التنزيلين، وحيث إنَّ أدلة حجّية الأمارات ظاهرة بحسب متفاهم العرف في التنزيل من حيث الطريقية فلا بُدّ من الأخذ به ما لم تقم قرينة على التنزيل من حيث الموضوعية)(٥٠).
واختار المحقّق النائيني Oأنَّ الأقوى هو قيام الأمارة مقام القطع الطريقي مطلقاً ولو كان مأخوذاً في الموضوع، فهوO فرّع على مسلكه ـ من جعل العلمية وتتميم الكشف ـ قيام الأمارة مقام كلا قسمي القطع.
قال O: (فإنّ ما ذكر مانعاً عن قيامها من القطع المأخوذ موضوعاً على وجه الطريقية ـ من استلزام الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في لحاظ واحد ـ ضعيف غايته، فإنّ الاستلزام المذكور مبني على جعل المؤدى الذي قد تبيّن فساده. وأمّا على المختار من أنَّ المجعول في باب الطرق والأمارات هو نفس الكاشفية والمحرزية والوسطية في الإثبات فيكون الواقع لدى من قامت عنده الطرق محرزاً كما كان في صورة العلم، والمفروض أنّ الأثر مترتب على الواقع المحرز، فإنّ ذلك هو لازم أخذ العلم من حيث الكاشفية موضوعاً، وبنفس دليل حجية الأمارات والأصول يكون الواقع محرزاً فتقوم مقامه بلا التماس دليل آخر ... فإنّ مبنى الإشكال هو تخيّل أنَّ المحمول في باب الطرق والأمارات والأصول هو المؤدّى وتنزيله منزلة الواقع ... فيقال: إنَّ في قيام الظن مقام العلم المأخوذ موضوعاً يحتاج إلى تنزيلين: تنزيل المظنون منزلة المقطوع، وتنزيل الظن منزلة القطع، وأنت بعدما عرفت حقيقة المجعول في باب الأمارات والأصول ظهر لك: أنّه ليس في البين تنزيل أصلاً، بل الشارع إنّما أعطى صفة المحرزية للظن، فيرتفع الإشكال من أصله)(٥١).
وقال السيد الخوئي O بعد ذكر رأي صاحب الكفاية: (وفيه: أنَّ تنزيل مؤدى الأمارة منزلة الواقع مبني على القول بالسببية والموضوعية في باب الأمارات، وهذا المسلك منافٍ لما التزمه صاحب الكفاية S من أنَّ المجعول في باب الأمارات هو المنجزية والمعذرية على ما صرح به غير مرة. مضافاً إلى أنّه فاسد في أصله ثبوتاً وعدم مساعدة الدليل عليه إثباتاً. أمّا الأول فلاستلزامه التصويب الباطل. وأمّا الثاني فلأنّ أدلة حجّية الأمارات ـ وعمدتها سيرة العقلاء ـ لا دلالة لها على جعل الحكم مطابقاً لمؤدى الأمارات أصلاً... وأمّا بناءً على ما اختاره صاحب الكفاية S ـ من أنَّ المجعول في باب الأمارات هو المنجزية والمعذرية ـ فلا يلزم من تنزيلها منزلة القطع الجمع بين اللحاظين الآلي والاستقلالي بل لزم لحاظ واحد استقلالي؛ إذ لا يكون هناك تنزيل المؤدى منزلة الواقع فلا يكون إلّا تنزيل واحد وهو تنزيل الأمارة منزلة القطع، غاية الأمر أنّ التنزيل إنّما هو اعتبار خصوص الأثر العقلي للقطع من التنجيز والتعذير، أو باعتبار خصوص الحكم الشرعي المأخوذ في موضوعه القطع، وباعتبار مطلق الأثر. وإطلاق أدلة التنزيل يمثّل كلا الحكمين العقلي والشرعي. وكذا الحال على القول بأنّ المجعول في باب الأمارات هو الطريقية والكاشفية بإلغاء احتمال الخلاف، وإنْ شئت فعبر عنه بتتميم الكشف، باعتبار أنَّ الأمارات كانت كاشفة ناقصة فاعتبرها الشارع كاشفة تامة بإلغاء احتمال الخلاف، فيجري الكلام المذكور هنا أيضاً ويقال: إنّ اطلاق دليل التنزيل شامل للأثر العقلي والأثر الشرعي المترتب على القطع)(٥٢).
فإذاً الشيخ الآخوند يقول إنَّ الاستدلال على قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي بنحو الطريقية من خلال إطلاق دليل اعتبار الأمارة الذي ينزّل الأمارة منزلة العلم، غير صحيح، حيث يستلزم من تكفّل دليل واحد لكلا التنزيلين اجتماع لحاظين آلي واستقلالي في شيء واحد، وهو محال، فلا بُدّ من حمل الدليل على تنزيل الأمارة منزلة القطع الطريقي فقط؛ لأنّه هو ظاهر دليل الاعتبار، والتنزيل بلحاظ المنجزية والمعذرية ـ أي اللحاظ آلي ـ هو الأمر المتيقن من دليل حجية الأمارة. وأمّا المحقّق النائيني فقال: إنَّ إشكال صاحب الكفاية يأتي بناءً على جعل المؤدّى في باب الأمارة، والصحيح أنَّ المجعول هو المحرزية للواقع والكاشفية التامة عن الواقع والواسطة في الإثبات(٥٣).
وبناءً على هذا المسلك لا يلزم المحذور؛ لأنّ الشارع إذا أوجد فرداً من الطريقية والعلمية تعبداً فالأمارات بمقتضى دليل اعتبارها تقوم مقام القطع الطريقي المحض في التنجيز والتعذير، وفي نفس الوقت تقوم مقام القطع الموضوعي المأخوذ في الموضوع بنحو الطريقية بالحكومة؛ لأنّ دليل اعتبارها يوسّع الدائرة فما يترتّب على الطريقية الحقيقية من الأثر الشرعي يترتب أيضاً على الطريقية التعبدية.
٤ـ الجواب عن إشكال التعارض بين مفهوم آية النبأ والتعليل..
اعترض على الاستدلال بمفهوم الشرط في آية النبأ بعدّة اعتراضات وأهمّها ـ والذي قد قيل إنّه لا يمكن دفعه ـ: أنّ في الآية قرينة تدلّ على أنّه لا مفهوم للقضية الشرطية، وهي عموم التعليل في قوله تعالى: {أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ}(٥٤)، وهذا التعليل يجري في سائر موارد عدم العلم ـ أي يأتي حتى في خبر العادل ـ، فعموم التعليل إمّا يمنع انعقاد المفهوم، أو لو انعقد المفهوم فهو معارِض له، وعلى كل حال لا يصحّ التمسك بالمفهوم على حجية قول العادل الذي لا يفيد العلم؛ لأنّ التعليل يدلّ على عدم اعتبار القول الذي لا يفيد العلم؛ لأنّه من إصابة القوم بجهالة.
قال الشيخ الأنصاري O إنّ هذا الإيراد لا يمكن دفعه، وأفاد في بيان ذلك: (وكيف كان: فقد أورد على الآية إيرادات كثيرة ربما تبلغ إلى نيف وعشرين، إلّا أنَّ كثيراً منها قابلة للدفع فلنذكر أولاً ما لا يمكن الذبّ عنه ثم نتبعه بذكر بعض ما أورد من الإيرادات القابلة للدفع. أمّا ما لا يمكن الذبّ عنه فإيرادان:
أحدهما: إنّ الاستدلال إنْ كان راجعاً إلى اعتبار مفهوم الوصف ـ أعني الفسق ـ ففيه: أنَّ المحقق في محله عدم اعتبار المفهوم في الوصف خصوصاً في الوصف الغير معتمد على موصوف محقق كما فيما نحن فيه، فإنَّه أشبه بمفهوم اللقب ... وإن كان باعتبار مفهوم الشرط ... فالجملة الشرطية هنا مسوقة لبيان تحقق الموضوع كما في قول القائل: (إن رزقت ولداً فاختنه)...
الثاني: ما أورده في محكي العدة و... من أنّا لو سلّمنا دلالة المفهوم على قبول خبر العادل الغير المفيد العلم، لكن نقول: إنّ مقتضى عموم التعليل وجوب التبيّن في كل خبر لا يؤمن الوقوع في الندم من العمل به وإن كان المخبر عادلاً فيعارض المفهوم، والترجيح مع ظهور التعليل)(٥٥).
وقد أجيب عن هذا الإيراد بعدّة أجوبة..
منها: ما عن المحقّق النائيني O من خلال تطبيق فكرة الحكومة تفريعاً على مسلكه من أنّ المفهوم حاكم على عموم التعليل، حيث إنّ المفهوم يدلّ على حجية خبر العادل، والحجية تعني جعل العلمية، وبعد اعتبار خبر العادل علماً تعبداً يخرج عن موضوع التعليل الذي هو الجهل وعدم العلم، وهذا الخروج التعبدي يصطلح عليه بالحكومة.
قال O: (ولكن الإنصاف: أنّه لا وقع لأصل الإشكال لما فيه:
أوّلاً: أنّه مبني على أنْ يكون معنى الجهالة عدم العلم ليشترك خبر العادل مع الفاسق في ذلك، وليس الأمر كذلك، بل الجهالة بمعنى السفاهة والركون إلى ما لا ينبغي الركون إليه والاعتماد على ما لا ينبغي الاعتماد عليه ...
وثانياً: أنَّه على فرض أن يكون معنى الجهالة عدم العلم بمطابقة الخبر للواقع لا يعارض عموم التعليل للمفهوم، بل المفهوم يكون حاكماً على العموم؛ لأنّه يقتضي إلغاء احتمال مخالفة خبر العادل للواقع وجعله محرزاً وكاشفاً عنه فلا يشمله عموم التعليل، لا لأجل تخصيص بالمفهوم كي يقال: إنّه يأبى عن التخصيص، بل لحكومة المفهوم عليه؛ فليس خبر العدل من أفراد العموم، لأنّ أقصى ما يقتضيه العموم هو عدم جواز العمل بما وراء العلم، والمفهوم يقتضي أنْ يكون خبر العدل علماً في عالم التشريع فلا يعقل التعارض بين المفهوم وعموم التعليل؛ لأنّ المحكوم لا يعارض الحاكم ولو كان ظهور المحكوم أقوى من ظهور الحاكم أو كانت النسبة بينهما العموم والخصوص من وجه. والسر في ذلك: هو أنَّ الحاكم إمّا يتعرض لعقد وضع المحكوم إمّا بتوسعة الموضوع بإدخال ما ليس داخلاً فيه، وإمّا بتضييقه بإخراج ما ليس خارجاً منه...)(٥٦).
٥ ـ حجّية الأمارة في لوازمها ومثبتاتها..
المعروف بين علمائنا حجية الأمارة في لوازمها ومثبتاتها غير الشرعية(٥٧)بخلاف الأصل، مثلاً لو قال الأب: (لله علي إنْ نبتت لحية ولدي الغائب تصدقت) فإذا أخبر الثقة بحياة الولد وبلوغه فلازمه نبات اللحية، وبالتالي وجوب التصدّق بخلاف ما لو ثبتت حياة الولد بالاستصحاب(٥٨).
والسؤال هو لماذا الأمارة حجّة في لوازمها ومثبتاتها غير الشرعية دون الأصل؟
وفي مقام الجواب ذكرت عدّة وجوه، (أحدها) ما أفاده المحقّق النائيني O بناءً على مسلكه من جعل العلمية والمحرزية في الأمارة، وبالتالي فإنّ العلم بالشيء ـ كالحياة ـ يستلزم العلم بلوازمه مطلقاً ولو كانت عقلية أو عادية ولا بُدَّ من ترتب الأثر الشرعي المترتب على هذه اللوازم، فالشارع جعل الأمارة حجّة وعلماً بلحاظ مؤدّاها فيلزم أنّها كـذلك بلحاظ اللوازم، وهذا بخلاف الأصـل فإنّ المجعـول فيه الجري العملي دون صفة
المحرزية والكاشفية.
قال O: (إنّ المجعول في باب الأمارات معنى يقتضي اعتبار مثبتاتها ولو بألف واسطة عقلية أو عادية، بخلاف المجعول في باب الأصول العملية، فإنّه لا يقتضي أزيد من اعتبار نفس مؤدى الأصل، أو ما يترتب عليه من الأحكام الشرعية بلا واسطة عقلية وعادية ... الوجه فيه: هو أنّ الأمارة إنّما تكون محرزة للمؤدّى وكاشفة عنه كشفاً ناقصاً، والشارع بأدلة اعتبارها قد أكمل جهة نقصها، فصارت الأمارة ببركة اعتبارها كاشفة ومحرزة كالعلم، وبعد انكشاف المؤدّى يترتب عليه جميع ما للمؤدى من الخواص والآثار على قواعد سلسلة العلل والمعلولات واللوازم والملزومات ولا يحتاج في إثبات اللوازم إلى كون الأمارة حاكية عنها، بل إثباتها إنّما يكون من جهة إحراز الملزوم، كما لو أحرز الملزوم بالعلم الوجداني ... نعم، بين الأمارة والعلم فرق، وهو أنّ العلم لما كان لا تناله يد التعبد الشرعي، فلا يتوقف إثباته للوازم والملزومات على أن يكون في سلسلتها أثر شرعي، بخلاف الأمارة، فإنّه لا بُدَّ فيها من أن ينتهي الأمر ـ ولو بألف واسطة ـ إلى أثر شرعي، حتى لا يلزم لغوية التعبد بها)(٥٩).
وقال O: (حيث إنّ المجعول في باب الأمارات نفس صفة المحرزية والوسطية في الإثبات فعند قيامها على شيء يكون الوجود الواقعي لذلك الشيء محرزاً بالتعبد؛ إذ المفروض أنّها فرد من العلم الطريقي بجعل الشارع وحيث إنّ العلم بالشيء وإحرازه وجداناً يستتبع العلم بلوازمه وملزوماته مع الالتفات إليها، فكذلك يكون العلم التشريعي؛ إذ المفروض عدم الفرق بينهما إلّا بالوجدانية والتعبدية... وهذا بخلاف الأصول فإنّ المجعول فيها من جهة كونه الجري العملي لا يكون ناظراً إلى الواقع، بل الثابت إنَّما هو الجري بالمقدار الثابت من التعبد فإذا فرضنا تعلق اليقين والشك بحياة زيد دون اللوازم وملزوماتها فلا بُدَّ من الجري العملي بهذا المقدار وترتيب الآثار الشرعية المترتبة على نفس المتيقن، وأمّا آثار لوازمه الغير المتيقنة سابقاً فهي خارجة عن مورد التعبد؛ إذ المفروض عدم تعلق اليقين والشك المأخوذين موضوعين للجري العملي لا بأنفسها ولا بموضوعاتها)(٦٠).
٦ـ الانحلال التعبدي..
إذا علمنا بنجاسة أحد الإناءين علماً إجمالياً فإنْ وقف العلم على الجامع ولم يسرِ إلى الفرد فهو منجّز، وإنْ سرى إلى فرد ـ بأنْ علمنا أنّ النجاسة وقعت فيه ـ انقلب إلى علم تفصيلي بنجاسة ذلك الفرد وشكّ بدويّ في نجاسة الإناء الثاني، فتجري البراءة عنه فلا يجب تركه والاجتناب عنه، واصطلح على حالة السراية هذه بانحلال العلم الإجمالي بالعلم بالفرد.
والعلم بالفرد له عدة أنحاء، (أحدها) ما لو شهد الثقة بنجاسة الإناء الأول ـ مثلاً ـ وفي مثل هذه الحالة لا إشكال في سقوط العلم الإجمالي عن المنجزية ولا يجب ترك الإناء الثاني.
ولكن ما هو التخريج الفنيّ لزوال المنجزية؟
الجواب: أنّه بناءً على مسلك جعل العلمية يقال: إنّ ذلك للانحلال التعبدي ببيان:
أنَّ دليل حجية خبر الثقة يجعل خبر الثقة علماً فيترتّب عليه آثار العلم ومنها الانحلال، فالمراد من الانحلال التعبدي هو زوال العلم الإجمالي بواسطة الأمارة التي هي علم تعبداً، فالتعبد بعلميتها يقتضي انحلال العلم الإجمالي فيها تعبداً، كما أنَّ العلم الوجداني يقتضي انحلال العلم الإجمالي حقيقة.
فإذاً بناءً على مسلك تتميم الكشف وجعل العلمية في باب الأمارات يتمّ الانحلال التعبّدي والتعبّد بالانحلال للملازمة بينهما، فإذا قامت الأمارة على أنّ النجس هو الإناء الأول فقد صار المكلّف عالماً بنجاسته كالعالم تكويناً وحقيقة ووجداناً، ولازم ذلك الانحلال التعبدي التعبد بالانحلال.
وبالجملة: العلم الإجمالي ينحل بالأمارة حكماً وتعبداً؛ لأنّ دليل اعتبارها علماً يقتضي أن يترتب عليها جميع آثاره ومنها الانحلال.
قال المحقّق النائيني O: (وأمّا الترخيص الظاهري فينحصر موجبه بما إذا كان في بعض الأطراف أصل نافٍ للتكليف غير معارض بمثله؛ وذلك إنّما يكون بقيام ما يوجب ثبوت التكليف في بعض الأطراف المعين: من علم أو أمارة أو أصل شرعي أو عقلي، لكن يبقى الأصل النافي للتكليف في الطرف الآخر بلا معارض، من غير فرق بين أنْ يكون الموجب لثبوت التكليف في البعض حاصلاً قبل العلم الإجمالي أو بعده، غايته أنّه في الأول يوجب عدم تأثير العلم الإجمالي، وفي الثاني يوجب انحلاله)(٦١).
وقال O: (ومن هنا يتّضح أنّه لو كان في بعض أطراف العلم الإجمالي أصل أو أمارة بلا معارض لأوجب انحلال العلم أو عدم تأثيره من أول الأمر، فإنّ تنجيز العلم الإجمالي يتوقف على تحقق العلم بالتكليف الفعلي على كل تقدير وعدم انحلاله، فإذا لم يكن هناك علم بالتكليف كذلك ـ كما إذا كان بعض الأطراف خارجاً عن محلّ الابتلاء ـ أو كان، ولكن كان في بعض الأطراف منجّز للتكليف بخصوصه ـ كما إذا قامت الأمارة على نجاسة بعض الأطراف بخصوصه، أو كان مستصحب النجاسة، أو كان من أطراف العلم الإجمالي بالنجاسة قبل هذا العلم ـ فلا مانع من الرجوع إلى الأصل النافي في الطرف الآخر. ومن هنا يعلم الملازمة العقلية بين سقوط الأصول في أطراف العلم الإجمالي وعدم انحلاله؛ إذ متى كان الأصل جارياً في بعض الأطراف فلا محالة ينحل العلم به ويرجع معه إلى الأصل في الطرف الآخر)(٦٢).
٧ـ الاستصحاب في مؤدّيات الأمارات..
لا إشكال في أنّ مؤدّى الأمارة لو شكّ في بقائه يستصحب، فالثقة لو شهد صباحاً بنجاسة الماء ـ مثلاً ـ يحكم بالنجاسة، ولو شككنا مساءً في بقاء تلك النجاسة يجري استصحابها اتفاقاً.
ولكن يوجد إشكال فنيّ حاصله: أنَّ شهادة الثقة صباحاً تفيد الظن ولا تفيد اليقين، ومع عدم حصول اليقين بحدوث النجاسة فكيف تستصحب إلى المساء؟ حيث لايقين بالحدوث.
واختلفت الأجوبة عنه، فأجاب المحقّق النائيني مستفيداً من مسلكه بأنّ الأمارة تفيد العلم، فمعنى اعتبار الأمارة وجعلها حجّة هو جعلها علماً غايته تعبداً، وما دام يحصل العلم فيمكن جريان الاستصحاب، فالتوسعة التعبدية لآثار العلم من خلال دليل الأمارة الحاكم يجعل الأمارة فرداً من أفراد العلم تعبداً.
قال O: (لا فرق في جريان الاستصحاب بين أنْ يكون الحكم الثابت قبل الشك ثابتاً بالعلم الوجداني، أو بالأمارة المعتبرة والطرق الغير العلمية؛ وذلك لما ذكرناه في محلّه من أنّ المجعول في باب الطرق والأمارات ليس إلّا صفة المحرزية والوسطية في الإثبات، فكما يكون العلم الوجداني محرزاً للواقع وجداناً فكذلك يكون الطرق والأمارات أيضاً بالحكم الشرعي... وحيث إنّ اليقين في أخبار الاستصحاب أُخذ موضوعاً لحرمة النقض بما أنّه طريق إلى الواقع ومقتضٍ للجري العملي لا محالة يقوم مقامه الطرق والأمارات في ذلك)(٦٣).
وبنى على جريان هذا الاستصحاب أيضاً السيد الخوئي S وأفاد في بيانه: (إنّ معنى جعل حجية الأمارات هو جعل الأمارات من أفراد العلم في عالم الاعتبار، فيكون لليقين حينئذ فردان: اليقين الوجداني، واليقين الجعلي الاعتباري، فكما أنّ لليقين الوجداني أثرين: الأوّل: الآثار الواقعية للمتيقن. والثاني: آثار نفس اليقين إذا كان له أثر، كما إذا كان موضوعاً لحكم من الأحكام، فكذا اليقين الجعلي يكون له هذان الأثران، فكما لو علمنا بحكم من الأحكام ثمّ شككنا في بقائه نرجع إلى الاستصحاب، كذلك إذا قامت الأمارة على حكم ثمّ شككنا في بقائه لا مانع من جريان الاستصحاب. واليقين المذكور في أدلة الاستصحاب وإن كان موضوعاً للاستصحاب، إلّا أنّه مأخوذ في الموضوع بما هو كاشف)(٦٤).
٨ـ تقدّم الأمارة على الأصول..
لا إشكال بين الأصوليين في أنَّ الأمارة تقدّم في موردها على الاستصحاب ـ وهكذا على بقية الأصول ـ ولكن وقع الكلام في الوجه الفني لذلك التقديم والاستدلال عليه، فالواقع بين العلماء هو كلام علمي في النكتة الفنية في التقديم.
فقد اختار المحقّق النائيني والسيد الخوئي S أنَّ التقديم هو للحكومة، وهذا الوجه مبنيٌ على أنّ المجعول في باب الأمارات هو العلمية فيرتفع الشك المأخوذ في موضوع الاستصحاب ـ مثلاً ـ ، فدليل حجية الأمارة إذا جعلها علماً فسوف يكون المكلف عالماً بالحكم الذي دلت عليه، وهذا يعني رفع الشكّ الذي هو موضوع الأصل، ودليل الأمارة عندما يريد جعل المكلّف عالماً فمعنى ذلك أنّه ناظر لموضوع الأصل ـ وهو الشكّ ـ ويريد رفعه.
قال المحقّق النائيني O: (وأمّا القسم الثاني منها فهو إنّما يكون فيما بين الأدلة المتكفّلة لبيان الأحكام الظاهرية، والحكومة فيها إنّما تكون ظاهرية، وذلك كحكومة الأمارات مطلقاً على الأصول الشرعية، وكحكومة الأصول التنزيلية على غيرها، وكحكومة الأصل السببي على الأصل المسببي، فإنّ الحكومة في جميع ذلك إنّما تكون بإعدام دليل الحاكم في عالم الاعتبار والتشريع ما أخذ موضوعاً في دليل المحكوم. وذلك لأنّ المجعول في الأمارات إنّما هو الوسطية في الإثبات والإحراز ـ على ما أوضحناه في محله ـ ولم يؤخذ الشك موضوعاً في باب الأمارات، بل الجهل بالواقع يكون مورداً للتعبد بها، فتكون الأمارة رافعة للشك الذي أخذ موضوعاً في الأصول ... وبالجملة: حكومة الأدلة المتكفلة للأحكام الظاهرية بعضها على بعض إنّما تكون باعتبار رفع دليل الحاكم موضوع دليل المحكوم في عالم التشريع مع بقائه في عالم التكوين، فإنّ قيام الأمارة على خلاف مؤدّى الأصل لا يوجب رفع الشك خارجاً؛ لاحتمال مخالفة الأمارة للواقع، فموضوع الأصل محفوظ تكويناً، ولكن لما كان المجعول في باب الأمارات هو الإحراز وإلغاء احتمال الخلاف كانت الأمارة رافعة للشك في عالم التشريع؛ لأنّ المكلف يكون محرزاً للواقع بحكم التعبد بالأمارة، فلا يبقى موضوع الأصل. وكذا الكلام في حكومة الأصول بعضها على بعض)(٦٥).
وأفاد السيد الخوئي S في بيان تقدّم الأمارة على الأصل: (وأمّا الحكومة فهي عبارة عن انتفاء الموضوع لثبوت المتعبد به بالتعبد الشرعي... وكذا سائر الأُصول الشرعية فإنّه بعد كون الأمارة علماً تعبدياً... لا يبقى موضوع لأصل من الأُصول الشرعية تعبداً. فتحصّل ممّا ذكرناه: أنّ تقديم الأمارات على الاستصحاب ليس من باب الورود ... بل تقديمها عليه إنّما هو من باب الحكومة التي مفادها عدم المنافاة حقيقةً بين الدليل الحاكم والمحكوم عليه)(٦٦).
ولا يخفى أنَّ كلا العلمين يقولان بأنّ المجعول في باب الاستصحاب هو العلمية، ولكن الفارق بينهما أنَّ الشيخ النائيني يقول إنَّ المجعول هو من جهة الجري العملي فقط ـ فلذلك يبقى أصلاً وسمّاه أصلاً محرزاً ـ لا من جهة الكاشفية، خلافاً للسيد الخوئي إذ المجعول عنده هو العلمية من حيث الكاشفية أيضاً مضافاً إلى الجري العملي، وبما أنَّ المجعول هو الكاشفية فيصير الاستصحاب أمارة.
فإنْ قيل: إذا كان الاستصحاب عند السيد الخوئي O أمارة فكيف تُقدّم أمارة على أمارة أخرى؟
الجواب: إنَّ روايات الاستصحاب قد أُخذ في موضوعها الشكّ بالبقاء، فمع عدم الشك لا جعل للعلمية، وبالتالي لا يجري الاستصحاب، بينما الأمارات ـ كخبر الثقة ـ لم يؤخذ في موضوعها الشكّ، فإذن الأمارة متى ما وجدت سترفع الشكّ الذي هو موضوع الاستصحاب(٦٧).
ثمّ لا يخفى أنّ المشهور بين العلماء أنَّ المورد الواحد متى ما اجتمعت فيه أمارة واستصحاب قدّمت الأمارة سواء كانت مخالفة للاستصحاب أم كانت موافقة له بحسب النتيجة(٦٨)، ولكن كما تقدّم اختلف في وجه التقديم.
٩ـ تقدّم الاستصحاب على الأصول الشرعية..
إنَّ الاستصحاب قد يتعارض مع استصحاب آخر ـ وهذا سيأتي في الثمرة العاشرة ـ كما أنّه قد يتعارض مع أصول أخرى كأصل البراءة، وفي هذه الصورة إذا كانت الأصول عقلية ـ أي الاحتياط والتخيير والبراءة العقلية على المشهور ـ فالاستصحاب يقدم عليها بنكتة الورود كما هو واضح، فمع وجود الاستصحاب والتعبّد ببقاء اليقين السابق يرتفع حقيقة موضوع هذه الأصول ويكون حجّة مؤمنة رافعة لاحتمال العقاب الذي هو موضوع الاشتغال، ولتساوي الطرفين وعدم وجود المرجّح الذي هو موضوع التخيير، ولعدم البيان الذي هو موضوع البراءة العقلية، ومعلوم أنَّ حكم العقل تعليقي.
وأمّا إذا كانت الأصول شرعية ـ أي الاحتياط والتخيير والبراءة وأصالة الطهارة ـ فالاستصحاب أيضاً مقدّم بلا إشكال، ولكن اختلف في التخريج الفني لذلك.
فعلى مسلك المحقّق النائيني O ـ من كون المجعول في الاستصحاب الطريقية والعلمية فيكون الاستصحاب أصلاً محرزاً تعبّداً ـ يكون حال الاستصحاب معها حال الأمارات مع الاستصحاب في أنَّ تقدّمه من باب الحكومة، فبعد جريان الاستصحاب يصير المكلف عالماً ـ غايته عند المحقّق النائيني من حيث الجري العملي وفق العلم، أمّا السيد الخوئي فالعلمية من حيث الجري العملي والكاشفية، فهو عنده O أمارة كخبر الثقة ـ تعبداً فلا يعود مجال لهذه الأصول الشرعية.
قال O: (وأمّا نسبة الاستصحاب مع سائر الأصول العملية ـ من البراءة والتخيير والاحتياط وقاعدة الحل والطهارة ـ فقد تقدم أنّ الاستصحاب يكون وارداً على الأصول العقلية وحاكماً على الأصول الشرعية؛ لأنّه من الأصول المحرزة المتكفلة للتنزيل، ولذلك يقوم مقام القطع الطريقي، فيكون الاستصحاب رافعاً لموضوع الأصول العقلية حقيقة بالورود، ولموضوع الأصول الشرعية بالحكومة)(٦٩).
١٠ـ تقدّم استصحاب على آخر..
عندما يتعارض الاستصحاب مع استصحاب آخر مثله فإن كان تعارضهما من باب العلم الإجمالي من دون أن يكون أحدهما سبباً والآخر مسبباً فالمشهور عدم جريانه في كليهما إذا كانا معذّرين ومرخّصين، وجريانه إذا كانا منجّزين(٧٠).
وإنْ كان تعارضهما بأن كان أحدهما سبباً والآخر مسبباً ـ أي يكون عندنا أصلان متعارضان والشكّ في أحدهما مسبب عن الشكّ في الآخر(٧١) ـ فالمشهور تقدّم الأصل السببي بلا فرق بين أنْ يكون السببي أصلاً محرزاً أو لا، ومن دون فرق أيضاً بين أنْ يكون الاستصحابان متوافقين في النتيجة أو مختلفين، ويشترط لتقدّم السببي أمران:
١ـ كون الترتب والملازمة والسببية شرعية.
٢ـ كون الأصل السببي رافعاً لما يقتضيه الأصل المسببي.
وعليه فالأصل السببي ـ الذي يكون فيه المستصحب هو الموضوع للحكم الشرعي ـ مقدّم على المسبّبي لكونه ناظراً إلى إثبات الموضوع الذي هو بمثابة السبب الشرعي للحكم، أمّا الأصل المسبّبي فهو ناظرٌ إلى الحكم الذي هو بمثابة المسبّب شرعاً للموضوع.
واختُلف في الوجه الفنيّ لتقدّم الأصل السببي على المسببي، فقيل: إنّه الإجماع. وقيل: روايات الخفقة والخفقتين. وقيل: غير ذلك. واختار المحقّق النائيني O التقدّم بالحكومة بناءً على مسلكه من أنّ المجعول في الاستصحاب هو العلمية في مقام العمل.
قال O: (فإذا كان الأصل السببي واجداً لهذين الشرطين فلا ينبغي التأمّل في حكومته على الأصل المسبّبي؛ لأنّه رافع لموضوعه، فلا يمكن أنْ يعارضه الأصل المسبّبي؛ لأنّ كل حكم مشروط بوجود موضوعه، فلا بُدَّ من فرض وجود الموضوع في ترتب الحكم عليه، ولا يعقل أنْ يكون الحكم متكفلاً لوجود موضوعه. فالأصل المسببي إنّما يجري إذا بقي الشك الذي أخذ موضوعاً فيه، والأصل السببي رافع ومعدم له في عالم التشريع؛ لأنّ التعبد بمؤدّى الأصل السببي بمدلوله المطابقي يقتضي إلغاء الشك المسببي، ولا عكس، وبداهة أنّ التعبد بطهارة الماء المغسول به الثوب النجس بنفسه يقتضي التعبد بطهارة الثوب؛ إذ لا معنى لطهارة الماء إلّا كونه مزيلاً للحدث والخبث، سواء كانت طهارة الماء مؤدّى الاستصحاب أو مؤدّى قاعدة الطهارة، فيرتفع الشكّ في بقاء نجاسة الثوب. وأمّا التعبد بنجاسة الثوب فهو بنفسه لا يقتضي التعبد بنجاسة الماء المغسول به. نعم، لازم بقاء النجاسة في الثوب هو نجاسة الماء فإنّه لو كان الماء طاهراً لم تبقَ النجاسة في الثوب، فاستصحاب بقاء نجاسة الثوب بمدلوله المطابقي لا يقتضي نجاسة الماء وغير مزيل للشك فيها.
فإثبات نجاسة الماء المغسول به الثوب باستصحاب بقاء نجاسة الثوب يتوقّف على مقدمتين، الأولى: بقاء الشك في نجاسة الثوب بعد غسله بالماء المشكوك الطهارة. الثانية: حجّية الأصل المثبت. والأصل الذي يكون مؤدّاه طهارة الماء يرفع الشكّ في بقاء نجاسة الثوب، لما عرفت من أنّه لا معنى لطهارة الماء إلّا كونه مزيلاً للحدث والخبث، فلم يبقَ موضوع لاستصحاب بقاء نجاسة الثوب)(٧٢).
١١ـ وقوع التعبد بالأمارات غير العلمية..
لا إشكال في أنَّ مقتضى الأصل عند الشك في الحجّية عدم ثبوتها، وإنَّما حصل الكلام في التخريج الصناعي لذلك(٧٣) على وجوه، منها: التمسّك بعمومات الأدلّة المانعة عن العمل بغير العلم لإثبات حرمة العمل بمشكوك الحجية.
وأورد عليه المحقّق النائيني بأنّ أدلّة حجية الأمارة حاكمة على الأدلة المانعة، فمثلاً السيرة العقلائية جارية على العمل بظواهر الألفاظ.
ولكن اعتُرض بوجود رادعين عن السيرة:
الأول: الآيات الناهية عن العمل بالظن، وكذا الروايات وإنْ لم تكن دلالتها حجّة، لكن مع ذلك يبقى احتمال مطابقتها للواقع موجوداً فلا يحصل إحراز إمضاء السيرة على العمل بالظهور، والشكّ في الحجّية مساوق للقطع بعدمها.
الثاني: أدلّة الأصول العملية؛ فالشكّ المأخوذ في لسان أدلتها يراد به المعنى العرفي واللغوي؛ أي بمعنى عدم العلم الشامل للظنّ أيضاً.
وأجاب المحقّق النائيني O بناءً على مسلكه: بأنّ أدلّة حجّية الأمارات مقدمة على الأدلة المانعة عن العمل بغير العلم من باب الحكومة، فبعد كون معنى حجّية الأمارة هو اعتبارها علماً تعبداً في عالم التشريع تخرج ظواهر الألفاظ عن الأدلة المانعة عن العمل بغير العلم موضوعاً، فإنّ مفاد دليل حجية الأمارة كون الأمارة علماً بالتعبد هو نفي للحكم بلسان نفي الموضوع وتخصيص بلسان الحكومة، فعند الشكّ في حجية شيء لا يصحّ التمسك بالعمومات والإطلاقات الدالّة على النهي عن اتباع الظن وغير العلم لكون الشبهة مصداقية؛ إذ الحجية المشكوكة على فرض ثبوتها تكون بلسان جعل الطريقية والعلمية فتكون رافعة لموضوع عدم العلم.
فإذاً موضوع الآيات والروايات الناهية هو الظن ـ وكذلك موضوع الأصول العملية ـ والمفروض أنَّ حجية ظواهر الألفاظ ـ بعد إمضاء السيرة العقلائية ـ تتصف بالحجية، فتكون علماً تعبدياً، وإذا كانت علماً تكون حاكمة ورافعة تعبداً لموضوع الآيات والروايات.
قال O: (ليس معنى الحجية إلّا الوسطية في الإثبات أو ما في حكمها. ومن المعلوم أنّ فعلية هذا المعنى وترتب الأثر عليه لا يكون إلّا في ظرف الإحراز ومقام الإثبات، وإلّا فصرف إنشاء الحجية لشيء مع عدم وصوله إلى العبد لا يوجب وقوعه وسطاً في الإثبات...
أمّا الأدلة العامة ففي جواز التمسك بها لإثبات عدم حجية أي أمارة غير علمية شك في حجيتها إشكال، ووجه الإشكال: أنّ موضوع تلك الأدلّة إنَّما هو الظنون التي لم يعتبر الشارع لها صفة الحجية والوسطية في الإثبات، وأمّا هي فخارجة عن موضوعها على نحو الحكومة ـ على ما سيجيء بيانه في محلّه إنْ شاء الله تعالى ـ ، فإذا شكّ في اعتبار الحجّية لأمارة خاصّة كان التمسك بها لإثبات عدم حجّيتها تمسكاً بالعموم في الشبهة المصداقية وهو غير جائز على ما أوضحناه سابقاً، وأمّا التمسك بالاستصحاب فإنْ بنينا على عدم جريانه في الأحكام الكلية المشكوك حدوثها في الشريعة فلا ريب في عدم جريانه في المقام، وأمّا إذا بنينا على جريانه فيها فلا يمكن التمسك به لإثبات عدم الحجّية في مورد الشك أيضاً، لا لأنّ العقل يحكم بعدم الحجية في ظرف الشكّ فلا يكون فائدة في إجراء الاستصحاب ـ كما ربّما ينسب ذلك إلى شيخنا العلامة الأنصاري S ـ إذ حكم العقل بذلك إنَّما هو في مرتبة متأخرة عن الحكم الشرعي، وحكم الشرع بعدم الحجية يكون رافعاً لموضوع حكم العقل، فكيف يمكن أنْ يكون الحكم العقلي مانعاً عن الحكم الشرعي؟ بل لأنّ الحجية وإنْ كانت من الأحكام الشرعية إلّا أنّ مفاد الاستصحاب لكونه جرياً عملياً على طبق اليقين السابق يحتاج إلى أثر عملي في مورده حتى يمكن الجري على طبقه)(٧٤).
١٢ـ حجّيّة خبر الواحد..
تُعتبر حجّية خبر الواحد من أهم المسائل الأصولية؛ لأنّ غالب الأحكام الشرعية الفقهية أحكام نظرية تحتاج إلى استنباط، والاستنباط في جميع أبواب الفقه منوط بهذه المسألة، وعملية الاستنباط والاجتهاد في المسائل الفقهية من أخبار الآحاد تتوقف على حجية الأخبار سنداً ودلالة وجهة، والأمران الأخيران ثابتان. أمّا الثاني فباعتبار حجّية الظواهر كقاعدة عامة. وأمّا الثالث فباعتبار نكتة عامة وهي أنَّ كل كلام صادر عن متكلم مختار ظاهر في أنّه لبيان مراده الواقعي عن جدٍّ، وحمله على أنّه صدر عنه تقية بحاجة إلى قرينة. وأمّا الأمر الأوَّل فالمعروف تماميته، وحجية خبر الواحد أيضاً لأدلة مذكورة في محلّها.
ولكن ممّا استدل به على عدم الحجية هو الآيات الناهية عن العمل بالظنّ وما وراء العلم كقولة تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}(٧٥) و{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (٧٦)وحيث إنّ خبر الثقة لا يفيد إلّا الظن يكون العمل به مردوعاً عنه بمقتضى هذه النصوص.
وممّا أجاب به المحقّق النائيني O بناءً على مسلكه: أنَّ جريان السيرة العقلائية(٧٧)
ـ مثلاًـ على الأخذ بخبر الثقة ليس من باب كونه ظنّاً؛ لعدم الالتفات إلى مخالفته للواقع، فيكون خارجاً تخصّصاً عن موضوع الآيات، ولا أقلّ من كونها حاكمة عليها ؛ إذ بعد جريانها على التمسك بالخبر يكون حجّة، ومعنى الحجية هو العلمية، وبجعله علماً يخرج عن موضوع الآيات الناهية عن اتباع الظن، وبما أنَّ خروج الخبر عن موضوع الآيات تعبدي لا حقيقي فتكون حاكمةً عليها؛ فإنّ الدليل الذي يوسّع أو يضيق تعبداً موضوع دليل آخر يكون حاكماً.
قال O: (أمّا الآيات فلأنّ مساقها حرمة العمل بالظن في باب العقائد وأصول الدين، وعلى فرض تسليم عمومها لمطلق الأحكام الشرعية فغايته أنْ تكون دلالتها على المنع عن الظن الحاصل من الخبر الواحد بالعموم، فلا بُدّ من تخصيصه بما سيأتي من الأدلة الدالة على جواز العمل بخبر الواحد، بل نسبة تلك الأدلّة إلى الآيات ليست نسبة التخصيص بل نسبة الحكومة، فإنّ تلك الأدلة تقتضي إلقاء احتمال الخلاف وجعل الخبر محرزاً للواقع، فيكون حاله حال العلم في عالم التشريع، فلا يمكن أنْ تعمّه الأدلّة الناهية عن العمل بالظن لنحتاج إلى التخصيص، لكي يقال: إنّ مفاد الآيات الناهية آبية عن التخصيص، هذا في غير السيرة العقلائية القائمة على العمل بالخبر الموثوق به. وأمّا السيرة العقلائية فيمكن بوجه أنْ تكون نسبتها إلى الآيات الناهية نسبة الورود بل التخصص، لأنّ عمل العقلاء بخبر الثقة ليس من العمل بالظن، لعدم التفاتهم إلى احتمال مخالفة الخبر للواقع، فالعمل بخبر الثقة خارج بالتخصيص عن العمل بالظن، فلا تصلح الآيات الناهية عن العمل به لأنْ تكون رادعة عن السيرة العقلائية القائمة على العمل بخبر الثقة ـ إلى أن قال ـ وإن منعت عن ذلك كله، فلا أقلّ من أن يكون حال السيرة حال سائر الأدلة الدالة على حجية الخبر الواحد من كونها حاكمة على الآيات الناهية، والمحكوم لا يصلح لأن يكون رادعا عن الحاكم، كما لا يخفى)(٧٨).
وأجاب السيد الخوئي Sعن إشكال العمل بخبر الواحد؛ لأنّه داخل تحت عموم الآيات الناهية عن العمل بالظنّ ما لفظه: (وفيه أوّلاً: أنّ مفاد الآيات الشريفة إرشاد إلى حكم العقل بوجوب تحصيل العلم بالمؤمّن من العقاب وعدم جواز الاكتفاء بالظن به، بملاك وجوب دفع الضرر المحتمل إنْ كان أُخروياً، فلا دلالة لها على عدم حجّية الخبر أصلاً. وثانياً: أنّه على تقدير تسليم أنّ مفادها الحكم المولوي، وهو حرمة العمل بالظن، كانت أدلة حجّية الخبر حاكمة على تلك الآيات، فإنّ مفادها جعل الخبر طريقاً بتتميم الكشف، فيكون خبر الثقة علماً بالتعبد الشرعي، ويكون خارجاً عن الآيات الناهية عن العمل بغير العلم موضوعاً.
هذا بناءً على أنّ المجعول في باب الطرق والأمارات هي الطريقية كما هو الصحيح، وقد تقدّم الكلام فيه في الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري. وأمّا بناءً على أنّ المجعول هو الحكم الظاهري مطابقاً لمؤدى الأمارة، وأنّ الشارع لم يعتبر الأمارة علماً، فتكون أدلة حجّية خبر الثقة مخصصة للآيات الناهية عن العمل بغير العلم، فإنّ النسبة بينها وبين الآيات هي العموم المطلق؛ إذ مفاد الآيات عدم حجّية غير العلم من خبر الثقة وغيره في أُصول الدين وفروعه، فتكون أدلة حجّية خبر الثقة أخص منها، وبالجملة أدلة حجّية خبر الثقة متقدمة على الآيات الشريفة إمّا بالحكومة أو بالتخصيص)(٧٩).
١٣ـ حجية الخبر مع الواسطة..
المراد من الخبر مع الواسطة هو الخبر الواصل الينا بواسطتين أو ثلاث أو أكثر. ولا إشكال في أنَّ أدلة حجية أخبار الآحاد تدلّ على حجية الخبر بلا واسطة ـ أي الواصل إلينا بواسطة واحدة عن الإمام gـ كما لو كنّا معاصرين لزرارة وأخبرنا عن الإمام g بوجوب قراءة السورة بعد الحمد في الصلاة الواجبة، فهو خبر ثقة ثابت بالوجدان وإخباره عن حس والمخبر به له أثر شرعي(٨٠).
وأمّا الخبر مع الواسطة فقد ذُكر إشكالان على ثبوت الحجية له تعرض إليهما الأصوليون، وهما يعمّان جميع أدلّة حجية الخبر ولا يختصّان بآية النبأ ـ مثلاًـ.
والإشكال الأول هو اتّحاد الحكم مع الموضوع، وحاصله: أنّه قد ثبت بالأدلة أنّ خبر الثقة حجّة بمعنى الحكم بوجوب تصديقه، وهذا الحكم يوجب التصديق، وموضوعه هو: وجود خبر مع وجود أثر شرعي لذلك الخبر، كما لو أخبر الشيخ عن المُفيد `، وحينئذٍ نسأل ما هو الأثر الشرعي لخبر المفيد؟ أنّه لا أثر شرعي له سوى وجوب تصديقه, فإنّ خبر الشيخ وإنْ كان ثابتاً لنا بالوجدان ولكن لا أثر شرعي له سوى أنّ المفيد أخبرني، وخبر المفيد ليس له أثر شرعي إلّا الحجية لأنّه عادل، فإذاً خبر الشيخ فاقد لشرطية الأثر الشرعي، فيلزم اتّحاد الحكم مع موضوعه حيث إنّ الحكم هو وجوب التصديق، والموضوع ـ أي الأثر ـ أيضاً وجوب التصديق(٨١).
وهذا الإشكال لا يختصّ بخبر الشيخ بل يجري في جميع سلسلة الرواة ابتداءً من الشيخ عدا الأخير الذي ينقل عن الإمام g؛ لأنّ مضمون خبره قول الإمام g الذي يكون حكماً شرعياً كوجوب السورة فلا اتّحاد، حيث إنّ الحكم هو وجوب التصديق بينما الأثر الشرعي هو وجوب السورة وهو شيء آخر. ثمّ إنّه لا يقال: إنّه يوجد أثر شرعي لخبر الشيخ، وهذا الأثر الشرعي هو الحجية التي تثبت لخبر المفيد بواسطة ثبوتها لخبر الشيخ، فخبر الشيخ إذاً ذو أثر شرعي.
فإنّه يقال: المفروض أنَّ اشتمال الخبر على الأثر الشرعي شرط في ثبوت الحجية له، أي لا بدّ أولاً ومسبقاً أنْ يكون الخبر واجداً للأثر الشرعي قبل ثبوت الحجية له، وأمّا إذا كانت الحجية هي نفسها الأثر الشرعي المصحح لثبوت الحجية للخبر لزم محذور الاتّحاد، فإذاً الأثر الشرعي يجب أنْ لا يكون هو الحجية وإلّا كان خبر الشيخ فاقداً لشرط الحجية.
وأجاب المحقّق النائيني O بأنّ المجعول في باب الأمارات هو الطريقية والكاشفية والعلم التعبدي، فالشارع جعل خبر الثقة علماً، فإذا أخبر الشيخ عن المفيد فمعنى حجية خبر الشيخ أنّه علم بخبر المفيد، فشمول دليل الحجية لخبر الشيخ لا يتوقف على أنْ يكون خبر المفيد حكماً شرعياً في نفسه أو موضوعاً لحكم شرعي، بل يكفي أنْ يكون خبر الشيخ علماً، وإذا كان علماً فهو يفيد العلم بخبر المفيد، وهذا المقدار يكفي في شمول دليل الحجية فينطبق دليل الحجية على تمام السلسلة.
والحاصل: أنّه بناءً على أنَّ المجعول في الأمارات تتميم الكشف، فهذا الإشكال لا أساس له؛ لأنّ أدلّة الحجية للخبر هي تتميم ما نقص من كاشفية الأمارة، ولا نظر لها إلى مضمون الأمارة وأنّ لها أثراً شرعياً أو لا، وبالتالي لا معنى لاشتراط ثبوت الحجية للخبر باشتماله على أثر شرعي.
قال O: (إنّه يلزم أنْ يكون الأثر الذي بلحاظه وجب تصديق العادل نفس تصديقه، من دون أنْ يكون في البين أثر آخر كان وجوب التصديق بلحاظه. وتوضيح ذلك ... ولا يخفى: أنّ هذا الإشكال إنّما يتوجه بناءً على أنْ يكون المجعول في باب الأمارات منشأ انتزاع الحجية. أمّا بناءً على ما هو المختار: من أنّ المجعول في باب الطرق والأمارات نفس الكاشفية والوسطية في الإثبات فلا إشكال حتى نحتاج إلى التفصي عنه، فإنّه لا يلزم شيء ممّا ذكر؛ لأنّ المجعول في جميع السلسلة هو الطريقية إلى ما تؤدّي إليه، أي شيء كان المؤدّى، فقول (الشيخ) طريق إلى قول (المفيد) وقول (المفيد) طريق إلى قول (الصدوق) وهكذا إلى أنْ ينتهي إلى قول (زرارة) الحاكي لقول الإمام g ولا يحتاج في جعل الطريقية إلى أنْ يكون في نفس مؤدّى الطريق أثر شرعي، بل يكفي الانتهاء إلى الأثر ولو بألف واسطة ـ كما في المقام ـ فإنّ جعل الطريقية لأقوال السلسلة لمكان أنّها تنتهي إلى قول الإمام g فتكون جميع الأقوال واقعة في طريق إثبات الحكم الشرعي)(٨٢).
وأجاب السيد الخوئي O عن إشكال حجية الخبر مع الواسطة بما لفظه: (وهذا الإشكال ساقط من أساسه على المختار من أنّ المجعول في باب الطرق والأمارات هو الكاشفية والطريقية بتتميم الكشف ... نعم، لو قلنا بأنّ المجعول في باب الطرق هو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، يتوجّه الإشكال بأنّ التنزيل المذكور متوقف على أن يكون المؤدّى حكماً شرعياً أو ذا أثر شرعي، وإلاّ فلا معنى لتنزيله منزلة الواقع....وأمّا على المسلك المعروف من أنّ المجعول في باب الطرق والأمارات هو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، فيمكن الجواب عن الإشكال المذكور بوجوه)(٨٣).
هذا، ونكتفي بهذا القدر من الثمرات التي فرّعها المحقّق S على مسلكه.
والحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على نبيّنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
نتائج الدراسة:
المصادر
القرآن الكريم.
الأولى: تحقيق ونشر: مؤسسة صاحب الأمر l، ط: الأولى، الطبعة: ستاره ـ قم، سنة الطبع: ربيع الأول ١٤١٩هـ.
الثانية: طبع في مطبعة العرفان ـ صيدا ـ لبنان ١٩٣٣م.
١٤٠٧هـ ـ ١٩٨٧ م.
(١) (الأمارة) و(الأمَار) أيضاً بفتحهما الوقت والعلامة. ينظر مختار الصحاح: ٢٥.
(٢) وهذا هو المسمّى عندهم بمسألة الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي، وجميع المحاذير مبنية على بقاء الحكم الواقعي في مورد الأمارة على قوته ـ كما هو الصحيح ـ؛ لأنّ ارتفاع الحكم الواقعي يستلزم التصويب الباطل.
(٣) ذكر السيد الشهيد الصدر O أنّه لمّا كان الدليل المهمّ على حجّيتها السيرة العقلائية كنّا بحاجة إلى بحث مستقل عن السيرة ودليليتها. كما أنّه ذكر فائدة أخرى في الاستدلال بالسيرة، حيث قال ما لفظه: (والواقع أنّ الاستدلال بالسيرة لم يقتصر على خصوص المسائل الأصولية وفي باب الأمارات، بل شاع ذلك في الفقه أيضاً ـ خصوصاً في مثل أبواب المعاملات التي يكون للعقلاء تقنين فيهاـ، بل الملحوظ اتساع دائرة الاستدلال بها كلما تقلصت الأدلة التي كان يعوّل عليها سابقاً لإثبات المسلّمات والمرتكزات الفقهية من أمثال الإجماع المنقول والشهرة، وإعراض المشهور عن خبر صحيح، أو عملهم بخبر ضعيف ونحو ذلك، فإنّه قد عوض بالسيرة عن مثل هذه الأدلة في كثير من المسائل التي يتحرّج فيها الفقيه الخروج عن فتاوى القدماء من الأصحاب، أو الآراء الفقهية المشهورة). بحوث في علم الأصول: ٤/ ٢٣٣.
(٤) لمحات الأصول: ٤٢٥. وفي الهامش ذكرت عبارة أنوار الهداية (اعلم أنّ الأمارات المتداولة... هذا حال الأمارات).
(٥) بناءً على أنّ جعل الأمارات وحجيتها من باب الطريقية والكاشفية من دون أنْ تكون دخيلة في الواقع أصلاً في مقابل الحجّية بمعنى السببية والموضوعية للأمارات التي لها تأثير في الواقع، وهذا التفسير فيه عدة أقوال: ١- السببية المنسوبة للأشاعرة. ٢- السببية المنسوبة للمعتزلة. ٣- ما ذكره الشيخ الأنصاري O من السببية بمعنى المصلحة السلوكية، ويقصد بها كون المصلحة في نفس سلوك الأمارة وتطبيق العمل عليها.
(٦) يراد من الأصل الأولي القاعدة المستفادة من حكم العقل أو النقل، الدالة على حكم ما في بادئ الأمر في مقابل الأصل الثانوي الذي هو القاعدة المستفادة من الأدلة الخاصة على خلاف ما دلّ عليه الأصل الأولي غالباً، فيقال ـ مثلاً ـ إنّ الأصل الأولي عدم حجّية الظنّ بشتى أقسامه؛ لأجل العمومات الدالة على حرمة العمل بالظن، لكن خرجنا عن هذا الأصل بما دلّ على حجية بعض الظنون كالسنّة المنقولة بطريق معتبر.
(٧) وقد ذكرت عدّة وجوه في ذلك.
(٨) أنوار الهداية: ١/ ١٠٥ـ ١٠٨.
(٩) المباحث الأصولية: ٣/ ٤٢٧ في مبحث الإجزاء.
(١٠) نفس المصدر: ٨/ ٢٨. وهذا المضمون مكرّر في المباحث الأصولية في مظانه.
(١١) الحجية حكم من الأحكام الوضعية.
(١٢) تعلّقت إرادة المولى بإعطاء القانون الطريقي، فخبر الثقة بعنوانه العام ممضى، وهذا الطريق حجّة يقوم مقام القطع، وتترتب عليه آثار القطع من المنجّزية والمعذريّة، والتنجيز والتعذير فرع إمضاء الشارع.
(١٣) ذُكر أنّ الأمور الواقعية ـ كالخمر والإسكار والسمّ ـ يرجع التعبد بها إلى جعل أحكامها، لا إلى جعلها؛ وذلك لأنها تابعة لأسبابها التكوينية الخارجية الحقيقية ولا تقبل الجعل التشريعي.
(١٤) كفاية الأصول: ٤٧٨. عند الكلام على الاستدلال على جواز تقليد الميت بقاءً بالاستصحا والمناقشة فيه. نفس المصدر: ٤٠٥ عند الكلام في التنبيه الثاني من تنبيهات الاستصحاب، وفي هامش ص٤٠٥: (وأمّا بناءً على ما هو المشهور من كون مؤديات الأمارات أحكاماً ظاهرية شرعية، كما اشتهر أنّ ظنية الطريق لا ينافي قطعية الحكم).
(١٥) فرائد الأصول: ١/ ٤٥٧. فيظهر منه O أنّ المجعول في الأمارات هو الحكم التكليفي وبالتالي فإنّ الحجية غير مجعولة بنفسها ولكنّها مجعولة بتبع جعل منشأ انتزاعها أي الأحكام التكليفية. ولاحظ فوائد الأصول: ٣/١٠٩ ـ ١١٠.
(١٦) نفس المصدر:١/٤٤٦ عند أدلة القائلين باعتبار الظن في المسائل الأصولية دون الفرعية، في مناقشة ما ذكره صاحب الفصول، المناقشة الخامسة.
وحكي هذا المسلك عن الآخوند في حاشيته على الرسائل وأنّه يستفاد من دليل الأمارة تنزيل مؤدياتها منزلة الواقع.
وقال السيد الخوئي O: (وأمّا على المسلك المعروف من أنّ المجعول في باب الطرق والأمارات هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع) مصباح الأصول: ٤٧/ ٢١١. وقال الشيخ الفياض F في المباحث الأصولية: ٧/ ٢٢٩ (أو بمعنى تنزيل المؤدى منزلة الواقع وجعل الحكم الظاهري المماثل للحكم الواقعي على تقدير الإصابة كما بنى عليه الشيخ الأنصاري).
وفي بداية الوصول إلى علم الأصول: ٥/ ١٧٦: (إنّ مهم الأقوال في المجعول في الأمارة ثلاثة: الأول مختاره قدس سره... الثاني: كون المجعول فيها هو الحكم الطريقي، وهو جعل حكم على طبقها بعنوان أنّه هو الواقع، وهو ما يظهر من الشيخ الأعظم في رسائله وسيأتي تقريبه عند تعرض المصنف له. الثالث: كون المجعول فيها هو الحكم النفسي، وهو المنسوب إلى المشهور لظاهر قولهم: إنّ ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم).
(١٧) كفاية الأصول: ٤٦٩, بحث التخطئة والتصويب في الاجتهاد.
والمراد من الحكم الحقيقي النفسي هو الحكم الناشئ عن مصلحة في نفسه أو في متعلقه وكونه كسائر الأحكام الواقعية، ويقابل ذلك الحكم الطريقي الغيري وهو ما ينشأ عن مصلحة الواقع ـ وليس عن مصلحة في نفس متعلقه تنشأ بسبب الأمارة ـ فقيام الأمارة موجب لجعل حكم طريقي غيري كما عن الشيخ الأنصاري O.
(١٨) نفس المصدر: ٤٠٥، ٤٧٨، وكذلك لاحظ عبارته في مبحث الظن، ص٢٧٧.
(١٩) نفس المصدر: ٤١٤ في باب الاستصحاب، التنبيه السابع.
(٢٠) لاحظ أجود التقريرات: ٣/ ١٣١، تحقيق ونشر: مؤسسة صاحب الأمر (عج)، وكذلك لاحظ محاضرات في علم الأصول: ٤٤/٦٩، نشر مؤسسة الإمام الخوئي ـ مبحث الإجزاء.
(٢١) ولو فرض أنّ الخبر كان مخطئاً للواقع، فإذا سار المكلف على طبقه كان منقاداً وإذا لم يسر على طبقه كان متجرياً.
(٢٢) كفاية الأصول: ٤٠٥ مبحث الاستصحاب، التنبيه الثاني، وص ٤٧٨ عند الاستدلال على جواز تقليد الميت بقاءً بالاستصحاب والمناقشة فيه، وص٤٦٩ في بحث التخطئة والتصويب من مباحث الاجتهاد. ولا يخفى أنّه O ذكر في ص٤١٤ في باب الاستصحاب، التنبيه السابع أنّ المستفاد من أخبار الاستصحاب أنّ المجعول فيها إنشاء الحكم المماثل.
(٢٣) كفاية الأصول: ٢٧٧. مبحث الظن، الجواب الأول. وله O عبارة في المقصد الثامن، تعارض الأدلة ـ عند كلامه عن وجه تقدّم الأمارات على الأصول الشرعية، ص: ٤٣٨ ـ: (ضرورة أنّ نفس الأمارة لا دلالة لها إلّا على الحكم الواقعي، وقضية حجيتها ليس إلّا لزوم العمل على وفقها شرعاً. هذا مع احتمال أن يقال: إنّه ليس قضية الحجية شرعاً إلّا لزوم العمل على وفق الحجّة عقلاً وتنجيز الواقع مع المصادفة، وعدم تنجّزه في صورة المخالفة. وكيفما كان: ليس مفاد دليل الاعتبار هو وجوب إلغاء احتمال الخلاف تعبداً). فذكر O ثلاث احتمالات، الثالث: وقد نفاه، والثاني هو احتمال كون المجعول المنجّزية والمعذّرية ـ ذكره هنا كاحتمال ـ، وأمّا الأول فقد فسّر بأنّ المراد منه جعل الحكم المماثل لمؤدى الأمارة على اعتبار أنّ الاحتمالات في دليل حجية الأمارة ثلاثة، وبما أنّ الأخيرين واضحان فيكون المراد من الاحتمال الأول هو جعل الحكم المماثل.
ولكن يمكن أن يقال: إنّ مراد الآخوند من الاحتمال الأوَّل هو جعل نفس الحجية، وهو O نفى صريحاً أن يكون المراد من جعل الحجية في باب الأمارات إنشاء أحكام ظاهرية شرعية على طبق مؤدى الأمارة كما هو المنسوب للمشهور في مواضع متعددة. فلاحظ ص٤٠٥ التنبيه الثاني من تنبيهات الاستصحاب، وص٤٧٨ عند كلامه في الاستدلال على جواز تقليد الميت بقاءً بالاستصحاب والمناقشة فيه، ص٤٦٩ بحث التخطئة والتصويب في مباحث الاجتهاد، ص٢٧٧ مبحث الظن. ولا حصر لاحتمالات دليل حجية الأمارة في ثلاثة.
(٢٤) الطريقية لها عدة استعمالات: بمعنى الحجية. وبمعنى أنّه لا يوجد حكم مجعول ظاهري أصلاً، فالطريقية هي التي لا تنشأ عن مصلحة في نفسها، بل للتحفظ على الملاكات الواقعية. وفي مقابل السببية والموضوعية. وأيضاً جاءت في تعبير المحقق النائيني O في بيان مسلكه: (الطريقية والمحرزية والكاشفية) فوائد الأصول: ٣/ ١٧- ١٨.
(٢٥) فوائد الأصول: ٣/ ١٧ ـ ١٨. وفي مصباح الأصول: ٤٨/ ١٨٥قال ما نصّه:(وذكر المحقق النائيني S وجهاً ثالثاً: وهو أنّ المجعول في باب الأمارات هي الطريقية واعتبارها علماً بالتعبد، كما يظهر ذلك من الأخبار المعبّرة عمّن قامت عنده الأمارة بالعارف كقوله g: (من نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا...) فيكون من عنده الأمارة عارفاً تعبدياً بالأحكام...). وأيضاً في مصباح الأصول: ٤٨/ ٢٩٨ (فإنّه بعد كون الأمارة علماً تعبديّاً كما في تعبير الأئمة E عمّن قامت عنده الأمارة بالعارف والفقيه والعالم لا يبقى موضوع لأصل من الأصول الشرعية تعبداً...).
وفرّع الشيخ النائيني O على مسلكه أموراً كثيرةً كقيام الأمارة مقام كلا قسمي القطع وتقدّم الأمارات على الأصول وغير ذلك كما سيتضح.
(٢٦) أجود التقريرات: ٣/ ١٢٩وما بعدها، وله عبارات أخرى كثيرة.
(٢٧) في باب الاعتبار تجعل الأمارة فرداً من العلم، ثم بعد ذلك يلحقها آثار العلم قهراً، فالشارع في باب الاعتبار ابتداءً يعتبرها فرداً من العلم، وهذا بخلافه في باب التنزيل فإنّه تبقى الأمارة ظناً ولا تُجعل فرداً من العلم، غاية الأمر تُرتّب ابتداءً آثار العلم على الأمارة، فهناك فرق بين أنْ يقول الشارع (اعتبرت الأمارة علماً) وبين قوله (جعلت الأمارة بمنزلة العلم). ودليل التنزيل يحاول توسيع الآثار الثابتة للمنزّل عليه للمنزّل فالشارع عندما يقول (الطواف بالبيت صلاة) يريد إثبات أحكام الصلاة للطواف، وللشارع ذلك باعتبار أنّ جعل الأحكام الشرعية بيده.
(٢٨) أحد المسالك والمباني فيما هو المجعول في الأمارات والأصول هو أنّ أدلة الحجية للأمارات والأصول تقتضي تنزيل المؤدّى منزلة الواقع أي أنّ الشارع نزّل الحكم المستفاد من الأمارة أو الأصل منزلة الواقع وكأنّه ينشئ حكماً واقعياً مطابقاً لمفاد الأمارة، فلو ورد خبر مفاده حرمة أكل الأرنب فإنّه يكون سبباً لنشوء حكم واقعي مطابق لمؤدّى الخبر، وهو حرمة أكل لحم الأرنب، وهكذا لو أجريت أصالة الطهارة في مشكوك الطهارة فإنّه يوجب تحقيق حكم واقعي وهو طهارة المشكوك ـ وقد جاء في كلمات السيد الخوئي O في مصباح الأصول: ٤٧/ ٢١١ أنّ المسلك المعروف هو أنّ المجعول في باب الطرق والأمارات هو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع ـ.
وقد أورد على هذا المبنى:
أ ـ إنّه يستلزم التصويب، والمراد من التصويب هنا: إمّا التصويب المعتزلي والذي يعني تبدّل الواقع عمّا هوعليهوانقلابه،إلىما يتناسبمعمؤدىالأمارةوالأصل، أوبمعنىانخلاقواقعجديدبسبب قيام الأمارة أوالأصل. وبماأنّ صاحبهذا المبنىيلتزم بانحفاظالواقع فالظاهرأنّ المعنىالثاني هو الأنسب.
ب ـ أنْ لا شيء من أدلة الحجية للأمارات تصلح لإثبات تنزيل مؤديات الأمارات منزلة الواقع.
ثم إنّ أحد المباني والمسالك فيما هو المجعول في الأمارات هو مبنى تنزيل الأمارة منزلة القطع من حيث العمل بمؤداها، فالتنزيل هنا بلحاظ الأثر التكويني للقطع ـ وهو المنجزية والمعذرية ـ؛ وذلك ببيان: أنّ جعل الحجية للأمارة عبارة عن التصرّف في عقد الوضع ـ وهو العلم ـ بتوسيع دائرته واعتبار الأمارة فرداً منه ادعاءً على طريقة المجاز السكاكي، فهو نظير قوله (إنّ الفقّاع خمر استصغره الناس)، فإنّ الفقّاع مباين لواقع الخمر، لكنّ تنزيل الشارع له منزلة الخمر لغرض ترتيب الآثار الثابتة للخمر على الفقّاع.
وقد أورد على هذا المبنى أنّ المنجزية والمعذرية من الآثار العقلية للقطع وعندئذ لا يكون للشارع بما هو شارع التصرف في المنزّل عليه ـ وهو القطع ـ بتوسيع دائرته لغرض تعدية آثاره العقلية للمنزّل ـ الأمارة ـ؛ لأنّ الشارع بما هو شارع ليس له شأنية التصرّف في الآثار التكوينية، إذ إنّها تابعة لأسبابها الواقعية فهي غير قابلة للتصرف، وهذا ما يعبّر عن أنّ المنجزية والمعذرية لو كانت ثابتة للأمارة فهي ثابتة بواسطة الاعتبار الشرعي ابتداءً نتيجة مبررات نشأ عنها الاعتبار، ومن هنا لو كان دليل الحجية ظاهراً في التنزيل فلا بدّ من التصرّف فيه بما يتناسب مع هذا المحذور.
(٢٩) أجود التقريرات: ٢/ ٤١٦.
(٣٠) إنّ للعلم أربع خصوصيات: الكشف عن الواقع، والجري العملي على طبقه، وكونه منجّزاً ومعذّراً، وكونه صفة نفسية تتسم بالاستقرار وعدم التزلزل بخلاف صفة الشك. والصفة الأولى هي المجعولة في الأمارة، والثانية في الأصل المحرز، والثالثة في الأصل الصرف والمحض، وأمّا الرابعة فهي صفة تكوينية مختصّة باليقين فقط.
(٣١) يُلاحظ فوائد الأصول: ٤/ ٤٨١ ـ ٤٨٢، ٤/ ٤٨٧ ـ ٤٩٢، فرائد الأصول: ٢/ ١١.
(٣٢) فوائد الأصول: ٤/ ٤٨٥ ـ ٤٨٦.
(٣٣) نفس المصدر: ٣/ ١٠٨.
(٣٤) مصباح الأصول: ٤٧/٢١٠.
(٣٥) بحوث في علم لأصول: ٤/ ٧٨.
(٣٦) والنكتة هي: أنّ أخبار الثقة تفيد الوثوق النوعي بالواقع، فهي أقوى كشفاً عن الواقع وأقرب طريقاً من أخبار غيره، ومن لم يعمل بخبر الثقة لعدم وثوقه الشخصي يُلام عقلائياً.
(٣٧) إنّ وصول الأحكام للمكلّف تارة: بالعلم الوجداني، وأخرى: بالاطمئنان والوثوق، وثالثة: بالعلم التعبدي ـ وجود أمارة معتبرة، كخبر الثقة.ـ فالأمارة المعتبرة توجب وصول الأحكام الواقعية ظاهراً وتنجزاً، وكون الأمارة من المولى حجّة إنَّما هو لاهتمام المولى بالحفاظ على الأحكام الواقعية، وعدم رضاه بتفويتها في حالة الاشتباه والشكّ. ورابعة: بالتنجّز كما في قاعدة الاشتغال في موارد الشبهات الحكمية قبل الفحص، فهنا التكليف قد وصل بالتنجّز وعدم جريان الأصول المؤمنة.
(٣٨) وهناك بحث في مرحلة الإثبات في وقوع التعبد بالظن، وبيان ما هو الأصل، ومقتضى القاعدة الأوليةالمستفادة منحكم العقل،أو عموماتالنقل عدمالحجّية الفعليةعند الشكفي إنشائها، بمعنى عدمترتب آثارالحجية منصحة الاستناداليها فيمقام العمل،ومن صحةإسناد مؤداهاإلى الشارع.
(٣٩) المراد بالحكم الظاهري هنا هذه الحجية الثابتة للأمارة فإنّ الحكم الظاهري كما يطلق على الحكم المستفاد من الأمارة أو الأصل يطلق أيضاً على نفس الحجية الثابتة للأمارة أو الأصل، فيصحّ أنْ يقال الحكم الظاهري في باب الأمارات هو حجية الأمارة، وفي باب الأصول هو حجية الأصل.
(٤٠) لاحظ بحوث في علم الأصول: ٤/ ٧٣، موضوع (قيام الأمارة مقام القطع الطريقي).
(٤١) وقال O بأنّ لزوم اجتماع المثلين ليس محذوراً، فإنّ الاجتماع يوجب التأكّد ويكون الوجوب الجامع آكد وأقوى مناطاً. لاحظ فوائد الأصول: ٣/ ٩٩، أجود التقريرات: ٣/ ١٢٣.
(٤٢) فوائد الأصول: ٣/ ١٠٥، ١٠٨.
(٤٣) أجود التقريرات: ٢/ ٧٥.
(٤٤) شبهة ابن قِبة حرّكت الأصوليين في ذكر مسالكٍ في حجية الأمارة، ولا يخفى أنَّ الجواب واحد على مسلك الآخوند وأيضاً على مسلك المحقّق النائيني، وهو أنَّ الأمارة لا تجعل حكماً فلا محذور, ولكن المحقّق النائيني ترك مسلك الآخوند في ما هو المجعول في الأمارة؛ لاستلزامه محذور تخصيص قاعدة قبح العقاب بلا بيان ـ هذا بناءً على فهم أنَّ مبنى الآخوند هو أنَّ المجعول المنجزية والمعذرية ـ مضافاً إلى أنّ العقلاء في واقع حالهم عندما يأخذون بالأمارة فذلك لعدم اهتمامهم باحتمال الخلاف فشأنهم إلغاء احتمال الخلاف، وهذا معناه صفة المحرزية والكاشفية.
(٤٥) فوائد الأصول: ٣/ ٢٠.
(٤٦) مصباح الأصول: ٤٧/ ٣٩.
(٤٧) فالقطعالطريقي هوالذي لم يؤخذفي الموضوع،كما لوقالالمولى: (الخمرحرام) فالحرمة ثابتة لذات الخمر واقعاًوإنْ لميقطع المكلّفبكون السائلخمراً بخلاف(الخمر المقطوع بخمريتهحرام)، فالقطع هنا موضوعي لأنّه أُخذ كجزء من الموضوع، ومع عدم قطع المكلف بالخمرية لا تثبت الحرمة واقعاً.
(٤٨) كما لو قال: (إذا قطعت بكون زيدٍ مريضاً فزره) فالقطع في هذا المثال أُخذ في الموضوع بما هو طريق لإحراز المرض. ومثال الصفتي (إنْ قطعت بكون الحقّ لزيد فاشهد له) فالقطع في هذا المثال أُخذ في الموضوع بما هو صفة نفسانية، أي إنْ قطعت في نفسك أنّ الحق لزيد فاشهد له.
(٤٩) المعروف قيام الأمارة مقام القطع الطريقي المحض، فدليل حجّية الأمارة يدلّ على قيامها مقامه في إثبات المنجزية والمعذرية وهو القدر المتيقن من دليل حجّيتها وكونها كالقطع، كما أنَّ المعروف عدم قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي الصفتي؛ إذ أقصى ما يستفاد من دليل حجّية الأمارة أنّها كالقطع من ناحية التنجيز والتعذير، وأمّا من ناحية الآثار من جهة كونه موضوعاً وصفة ـ كجواز الشهادة ـ فلا يستفاد ذلك لقصور في المقتضي. وأمّا قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي الطريقي فقد اتضح الحال فيه.
(٥٠) مصباح الأصول: ٤٧/ ٣٧ - ٣٨.
(٥١) فوائد الأصول: ٣/ ٢١ - ٢٣.
(٥٢) مصباح الأصول: ٤٧/ ٣٨ ـ ٣٩.
(٥٣) اتّضح أنّ المحقّق النائيني O يقول إنّ حكومة الأمارة على أدلة الأحكام الواقعية هي حكومة ظاهرية، وذكر أنّه O سمّاها أيضاً الحكومة في مقام الإثبات ـ في قبال الحكومة الواقعية التي في مقام الثبوت ـ باعتبار أنّ دليل الأمارة لا يتكفل التوسعة أو التضييق في الواقع، بل في طريق إحراز الواقع وسمّاها أيضاً بأنّها الحكومة التي تكون في طول الواقع باعتبار أنّ حكومة دليل الأمارة بلحاظ وقوعها في طريق إحراز الواقع في رتبة الجهل به، لا بلحاظ التوسعة في رتبة الواقع نفسه.
(٥٤) الحجرات: ٦.
(٥٥) فرائد الأصول: ١/ ٢٥٦ـ ٢٥٩.
(٥٦) فوائدالأصول: ٣/ ١٧١ومابعدها. وذكرأنّ كونالتعليل متصلاًبالمفهوم لايمنع منثبوت وانعقاد
المفهوم، فإنّ هذا تام لو كان التعليل منافياً للمفهوم، وأمّا إذا قلنا المفهوم حاكم على التعليل فلا يكون منافياً له حتى يمنع من انعقاده. كما يُلاحظ كلام السيد الخوئي في مصباح الأصول: ٤٧/ ١٩١.
(٥٧) إنّ اللوازم بالمعنى الأعم للحياة ـ كنبات اللحية ـ التي قد تطرأ وقد لا تطرأ، واللوازم بالمعنى الأخص للحياة ـ كالتنفس والأكل والنوم ـ كلاهما يثبتان بالأمارة، فالثانية من باب أنّها داخلة في الظهور، وأمّا الأولى فمن باب أنّ الأمارة حجّة في لوازمها غير الشرعية ـ العقلية أو العادية ـ. فإذاً لوازم الأمارة سواء بالمعنى الأعم أو الأخص هي حجّة. غايته أنّ الثانية من باب الظهور، وتظهر الثمرة باعتبار ذلك دليلاً لفظياً، والأولى من باب اللوازم، فهي ليست دليلاً لفظياً، فإذا شك يتمسك بالقدر المتيقّن. وأمّا في الأصل فكلا اللازمين لا يثبت.
(٥٨) قال السيد الخوئي O: إنّ الأمارة ليست حجّة في مثبتاتها ولوازمها كالأصل إلخ. لاحظ مصباح الأصول: ٤٨/ ١٨٥ـ ١٨٦.
(٥٩) فوائد الأصول ٤/ ٤٨٧ ـ ٤٨٨.
(٦٠) أجود التقريرات: ٢/٤١٦ ط. مطبعة العرفان صيدا ١٩٣٣.
(٦١) فوائد الأصول: ٤/ ٣٧.
(٦٢) أجود التقريرات:٢/ ٢٤٥.
(٦٣) أجود التقريرات: ٢/ ٣٨٧.
(٦٤) مصباح الأصول: ٤٨/ ١١٨ ـ ١١٩.
(٦٥) فوائد الأصول: ٤/ ٥٩٥ ـ ٥٩٦.
(٦٦) مصباح الأصول: ٤٨/ ٢٩٧ ـ ٢٩٨.
(٦٧) لاحظ مصباح الأصول: ٤٨/ ٢٩٩ ـ ٣٠٠.
(٦٨) كما لو كان الثوب نجساً صباحاً ـ مثلاً ـ ثمّ شهد الثقة بأنّه قد طهّر حكم بالطهارة لأجل الأمارة، وكذا لو ورد حديث يدلّ على وجوب الجمعة في عصر الغيبة، والاستصحاب يقتضي ذلك كما هو واضح، فإنّه يحكم بوجوب الجمعة لأجل الحديث وليس لاقتضاء الاستصحاب.
(٦٩) فوائد الأصول: ٤/ ٦٨٠، ولاحظ مصباح الأصول: ٤٨/ ٣٠١.
(٧٠) مثال كون الأصول الجارية المتعارضة مرخصة ما لو كان عندنا إناءان حالتهما السابقة الطهارة، ثم علمنا بطرو النجاسة على أحدهما، فهنا يقتضي الاستصحاب في كل منهما الطهارة، ويصطلح على استصحاب الطهارة بالأصل المرخّص والمعذّر، باعتبار أنّه رخّص لنا الارتكاب كشرب الماء. ومثال كون الأصول الجارية المتعارضة منجزة هو العكس فيكون استصحاب النجاسة في كل منهما هو استصحاب منجّز حيث ينجّز وجوب الاجتناب، ولو ارتكب أحدهما وكان واقعاً نجساً فلا عذر.
(٧١) كما إذا كان عندنا ماء قليل مستصحب الطهارة، وثوب متنجس قطعاً فغسل الثوب بهذا الماء فهنا بعد الغسل يجري استصحابان متعارضان:
أـ استصحاب طهارة الماء وهو يقتضي حصول الطهارة للثوب.
ب ـ استصحاب نجاسة الثوب وبقائها حتى بعد الغسل. والاستصحاب الأوَّل سببي والاستصحاب الثاني مسببي؛ لأنّ الشك في بقاء النجاسة في الثوب ـ بعد الغسل ـ ناشئ ومسبب عن الشك في طهارة الماء الذي غسل به، فإذا تعبدنا الشارع ببقاء طهارة الماء ظاهراً يكون معناه ترتيب ما للماء الطاهر الواقعي من الآثار، ومن ذلك طهارة الثوب المغسول به، فالتعبد ببقاء الأصل السببي يرفع الشك في جانب الأصل المسببي أي النجاسة مرتفعة. والمعروف تقدّم الأصل السببي فتثبت طهارة الماء، ومن ثمَّ طهارة الثوب بلا معارضة باستصحاب نجاسة الثوب.
(٧٢) فوائد الأصول: ٤/ ٦٨٢ ـ ٦٨٥.
(٧٣) استدل على أنَّ الأصل الأولي عدم الحجّية عند الشك في أنّ الظن حجّة في الشريعة أو لا بعدّة وجوه:
١ـ إنَّ الشك في الحجّية مساوق للقطع بعدمها.
٢ـ إطلاق وعمومات الآيات والروايات الناهية عن العمل بالظن يشمل الأمارات المشكوكة.
٣ـ التمسك بأدلة حرمة التشريع كقوله تعالى: {ءاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} (يونس: ٥٩) والروايات الدالة على أنَّ إدخال ما لم يعلم أنّه من الدين في الدين تشريع محرم، فلاحظ. الوسائل: ١٨/ ٩ ب٤ من صفات القاضي.
٤ ـ التمسك باستصحاب عدم جعل الحجّية عند الشك فيها.
(٧٤) أجود التقريرات: ٢/ ٨٦ ـ ٨٧.
(٧٥) سورة يونس: ٣٦.
(٧٦) سورة الإسراء: ٣٦.
(٧٧) النظر في هذا الكلام للسيرة العقلائية فهي التي بحاجة إلى الإمضاء بخلاف سيرة المتشرعة فلا تحتاج إلى إمضاء ـ كي يقال بأنّ الردع عنها ثابت ـ فإنّ نفس جريان سيرة المتشرعة على شيء دليل على رضا المعصوم g به وإلّا لم يكونوا متشرعة ومتقيّدين برضا الإمام g.
(٧٨) فوائد الأصول: ٣/ ١٦١ ـ ١٦٢.
(٧٩) مصباح الأصول: ٤٧/ ١٧٧ـ ١٧٨.
(٨٠) وجوب السورة هو أثر مضمون خبر زرارة، ووجود أثر شرعي لمضمون الخبر شرط
للحجية، والحجية ـ أي الحكم بوجوب التصديق ـ مشروطة به وإلّا إذا لم يكن لمضمون الخبر أثر شرعي فثبوت وجوب التصديق له يكون لغواً وبلا معنى، أي يلزم منه محذور اللغوية، فلو أخبر شخص بأنّ الجو شديد الحرارة فهنا لا يمكن أنْ يحكم عليه الشارع بالحجية لعدم الأثر الشرعي لحرارة الجو.
(٨١) مفروض الكلام ـ وكما هو الواقع ـ أنّ المولىأنشأوجوباًواحداًللتصديقلاوجوباتمتعددة للتصديقب عددالأفرادحتىيزولالإشكال،ويقالإنّوجوبالتصديقالثابت لخبر الشيخ مغاير لوجوب التصديق الثابت لخبر المفيد فلا يلزم اتّحاد الحكم وموضوعه. نعم، أجيب بأنّ الإشكال مندفع من أساسه؛ لأنّ وجوب التصديقالثابتلخبرالثقةينحلإلىوجوباتمتعددةبعددأفراد أخبار الثقة نظير انحلال حرمة شرب الخمر إلى حرمات متعددة بعدد أفراد الخمر. وبناءً عليه يكون وجوب التصديق الثابت لخبر الشيخ مغايراً لوجوب التصديق الثابت لخبر المفيد. وبنفس هذايُجاب عن الإشكال الثاني الآتي، وهو لزوم تقدّم الحكم على موضوعه، أو قل تقدّم فعلية الحكم على وجود موضوعه.
(٨٢) فوائد الأصول: ٣/ ١٧٩ ـ ١٨٤، ولاحظ أجود التقريرات: ٢/ ١٠٦ وما بعدها.
(٨٣) لاحظ مصباح الأصول: ٤٧/٢٠١ـ٢١٣. وأحد الوجوه أنّه لا دليل من آية أو رواية على لزوم كون مؤدى الأمارة حكماً شرعياً أو ذا أثر شرعي، وإنّما نعتبر ذلك من جهة حكم العقل بأنّ التعبّد بأمر لا يكون له أثر شرعي لغوٌ لا يصدر من الحكيم، ويكفي في دفع محذور اللغوية وقوع الخبر في سلسلة إثبات الحكم الشرعي الصادر من الإمام g، ويكفي في حجية أخبار الرواة ترتّب الأثر الشرعي على مجموعها من حيث المجموعولاملزملاعتبارترتّبأثرشرعيعلىكلّخبرمعقطعالنظرعنخبر آخر.