حجّيّة قول غير الأعلم
الشيخ جعفر عليّ اليعسوبيّ (دام عزّه)
حجيّة قول غـير الأعلم من الفقهاء مع وجود الأعلم منه من المسائل الابتلائية على نطاق واسع، فهل يتعيّن على المكلَّف الرجوع للأعلم فيما اختلفا فيه من الفتوى، أو أنَّ المجال مفتوح أمامه ليختار فتوى أيٍّ منهما؟
في هذا البحث نحاول الاستدلال على أحد القولين.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين, والصلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد, من المسائل الابتلائية على نطاق واسع مسألة حجيَّة قول غير الأعلم من الفقهاء مع وجود الأعلم منه، فكثيراً ما يتيسّر للمكلّف وبكل سهولة الرجوع إلى مجتهد جامع لشرائط التقليد في تعيين وظائفه الشرعية, فهل يجوز له أن يأخذ الحكم الشرعي من غير الأعلم وتبرء ذمته بالعمل به مع وجود فتوى الأعلم؟ أو أنَّ وظيفته الشرعية توجب عليه العمل بفتوى الأعلم, وعدم حجيَّة قول غير الأعلم في حقه؟
فهذا ما أردنا البحث عنه في هذه السطور لأهمية المسألة من جهة أنَّها تحدّد مسير الإنسان في أخذ دينه, ولكثرة الابتلاء بها من جهة أخرى, فقلّما يوجد من المكلّفين مَنْ لا يُبتلى بهذه المسألة ولاسيّما في عصر ازدهار الحوزات العلمية وتوفّر أهل العلم والفضل في أرجاء العالم.
وأقول مستعيناً بالله سبحانه وتعالى: إنَّ هذه المسألة تتصوّر على صورتين:
الأوَّلى: علم المكلّف بوجود الأعلم من بين المجتهدين إلّا أنَّه لا يعلم بوجود الاختلاف بينهم من الفتوى.
الثّانية: علم المكلّف بوجود الاختلاف بينهم في الفتوى زيادة على علمه بوجود الأعلم من بين المجتهدين أهل الفتوى.
ومورد البحث هنا الصورة الثانية.
فالأمر الذي نحاول أنْ نبحث عنه هو تحديد الموقف الشرعي للمكلّف: هل يكون رأي مجتهد حجّة في حقّ المكلّف الذي قد علم بوجود مَنْ هو أعلم منه وأيضاً قد علم بوجود الخلاف بينهما في الفتوى أو لا يكون حجّة؟ فيتعيّن الرجوع إلى الأعلم.
ثم يمكن البحث في هذه المسألة من جهتين:
الأولى: ما هي وظيفة العامّي في المسألة بمقتضى عقله ـ أي بما يحكم عقله إذا خلى وعقله ـ مع قطع النظر عن فتوى المجتهد في المسألة؟
والأخرى: ما هي فتوى المجتهد في هذه المسألة؟
الذي نريد البحث فيه هي الجهة الثانية؛ لأنّ الجهة الأولى ليس فيها كلام كثير، فإنّ العامّي إذا التفت إلى وجود الاختلاف بين الأعلم وغيره فعقله يحكم بالرجوع إلى الأعلم تعييناً كما ذكره كثير ممّن تعرّض لهذه المسألة منهم السيد الخوئي S في تنقيحه(١). نعم، إذا كانت فتوى غير الأعلم مطابقة للاحتياط دون الأعلم فقد يلزمه العقل باتباعها من حيث إنّه فيها احتياط.
وقبل ذكر الأقوال في المسألة والإشارة إلى ما يبدو صحيحاًً فيها كان من المناسب تقديم تنبيه في معنى الأعلم.
فنقول: قد ذُكِر لكلمة الأعلم تفاسير متعددة:
(منها): إنّ المراد هو الذي قوله أقرب إلى الواقع(٢).
(ومنها): هو الذي يكون أشدّ استنباطاً وأقوى ملكة لاستخراج الفروع من الكليات.
(ومنها): هو الذي يكون أكثر اطّلاعاً على المدارك والقواعد(٣).
(ومنها): هو الذي يكون أكثر إحاطة بالفروع(٤).
والمعنى الذي هو أقرب إلى الاعتبار في تفسير هذه الكلمة: هو الذي يكون الأمتن في الاستنتاج، والأدق في تطبيق الكبريات على الصغريات، والأجود في استخراج الفروع من مداركها, وهذا المعنى ذكره غير واحد من الأجلاء(٥), وهو معنى الأعلم في أي فن وعلم آخر, وهذا لا يكون إلا إذا كان أكثر إحاطة بالقواعد والمدارك من الكتاب والسُنّة في الكمية وكذا أكثر عمقاً في فهمها دلالة وفي تنقيحها سنداً. وأيضاً يستلزم أن يكون أكثر اطلاعاً على ما يتوقف عليه الفهم الصحيح للمدارك من العلوم العربية والأدب العربي القديم ومحاوراتهم وكلمات الفقهاء التي هي بمنزلة القرينة على المراد من كلام المعصوم g ومع كل ذلك يكون أكثر وقادة للذهن واستقامة للفكر(٦).
وقد تبيّن خلال هذا أنّه ليس المراد من الأعلم ما يتوهم من هذه الكلمة في بادي الرأي وهو أن يمتلك الإنسان العلم بالفروع أكثر من الغير؛ لأنّ هذا الأمر لا دخالة له في الأعلمية، بل قد يكون غير الأعلم يجد هذا الشيء أكثر من الأعلم.
وإذا تفرقت الأوصاف الدخيلة في الأعلمية، فمَنْ وجد فيه منها ما هو أكثر دخالة في جودة الاستنباط يكون واجدها أعلم من الآخر.
إنْ قِيلَ: إنّ هذا المعنى للأعلم ليس معنى لغوياً ولم يثبت أنّه أصبح حقيقة شرعية في المعنى الثاني فكيف تفسّر هذه الكلمة الواردة في الروايات بهذا المعنى؟
فإنّه يقال: أوّلاً: إنّه ـ كما يأتي ـ لم يتم إثبات شرط الأعلمية بالروايات عند الأكثر بل بسيرة العقلاء أو بالعقل، وما يثبت بهما شرط الأعلمية فبهذا المعنى.
وثانياً: إنّه بمناسبات الحكم والموضوع نعلم جزماً بأنّ الأعلم بمعنى كون الفقيه أكثر استحضاراً للفروع لا دخل له في ترجيح قول أحد العلماء على قول الآخر.
ولا معنى آخر مناسب له إلّا ما ذكرناه.
ثم نبدأ بذكر الأقوال في المسألة فنقول: فيها أقوال خمسة عند الإمامية:
القول الأوَّل: عدم حجيّة قول غير الأعلم مطلقاً سواء علم المكلّف بالخلاف أو لم يعلم، وسواء وافقت فتوى الأعلم الاحتياط أو خالفته. وهذا ظاهر عبارة بعض القدماء كالسيد المرتضى(٧)، وهو ظاهر عبارات كثير من الأعلام من المتأخرين(٨).
القول الثّاني: حجيّة قوله مطلقاً، وهو مختار جماعة من المتأخرين كصاحب الجواهر والفصول والمستند وغيرهم(٩).
القول الثّالث: عدم حجيّة قوله إذا علم المكلّف اختلاف غير الأعلم مع الأعلم في الفتوى، وإلّا يتخير بينهما، وذهب إليه أكثر المتأخرين(١٠).
القول الرابع: التفصيل بين كون فتوى غير الأعلم مطابقةً للاحتياط فيجوز الرجوع إليه وبين عدمه فلا يجوز.
القول الخامس: التفصيل أيضاً بين كون فتوى غير الأعلم مطابقةً لفتوى الأعلم من الموتى فيجوز الرجوع إليه وبين عدمها فلا يجوز(١١).
وللعامّة قولان:فذهب أحمدبن حنبل،وأصحاب الشافعي،وجماعة من الأصوليين منهم، والغزالي إلى وجوب تقليد الأعلم أي عدم حجيّة قول غير الأعلم، وذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الأصوليين والفقهاء منهم إلى التخيير(١٢).
وينبغي لنا أن نلاحظ ما استند إليه أصحاب هذه الأقوال من الوجوه لنرى ما هو التام منها وما هو غير التام. وعلى فرض عدم تمامية أي قول من هذه الأقوال نذكر الأصل الذي يمكن أن يكون مرجعاً في المسألة. فالكلام يقع في مقامين:
المقام الأوَّل: في الأدلة الاجتهادية في المسألة.
المقام الثّاني: في الأصل العملي في المسألة.
أما المقام الأوَّل: فنتكلم فيه في محورين:
المحور الأوَّل: أدلة القول بعدم حجيَّة قول غير الأعلم مقابل حجّيّته مطلقاً فنجمع بين القول الأوَّل والثّالث في ذكر المستند.
والوجه فيه: هو أّن الوجوه التي استند إليها في كلا القولين هي نفسها، وعليه فمن الأفضل ذكرها مرّة واحدة لنرى نتيجتها، فهل تنتج القول الأوَّل، وهو عدم الحجيّة مطلقاً، أو تنتج القول الثّالث، وهو عدم الحجيّة مع علم المكلّف بوجود الأعلم وعلمه بوجود الاختلاف بينهما؟
المحور الثّاني: في بيان أدلة القول بحجّيّة فتواه مطلقاً.
المحور الأوَّل
في بيان أدلة القول بعدم جواز الرجوع إلى غير الأعلم لعدم حجّيّة قوله.
والقائل بعدم جواز الرجوع إلى غير الأعلم ووجوب الرجوع للأعلم تمسّك بعدد من الأدلة:
الدليل الأوَّل: الإجماع.
ادعى غير واحد أنَّ المسألة إجماعية(١٣).
وأجيب عنه بأمور:
الأمر الأوَّل: إنّه لم يتحقق انعقاد الإجماع لوجود المخالف كصاحب الجواهر وصاحب الفصول والنراقي في المستند وغيرهم(١٤).
وفيه: إنّ مخالفة المتأخّرين لا تضر بإجماع المتقدّمين، مع إمكان تفسير عبارات بعضهم بما لا يوجب المخالفة، ويتبين هذا من مراجعة الفصول فلعلّ صاحبه لا يخالف في صورة العلم بالمخالفة بين الأعلم وغيره.
الأمر الثّاني: لا إجماع في المسألة لعدم تعرّض كثير من القدماء لهذه المسألة، أو عدم وصول كلامهم إلينا ومع هذا كيف يدعي وقوع الإجماع، بل حتى بعض مَن ادّعى الإجماع بالمسألة يحتمل في كلامه أنّه يدعي هذا في الإمامة العظمى لا في ما نحن فيه كما احتمل صاحب الجواهر هذا الشيء في كلام السيد المرتضى S(١٥).
إلّا أنّ كلام السيد المرتضى S واضح في الترجيح بين المفتين بالنسبة إلى المستفتين ولا أدري كيف يأتي فيه الاحتمال المذكور، وإليك نصّ عبارته: (لا شبهة في أنّ هذه الصفات إذا كانت ليست عند المستفتين إلّا لعالم واحد في البلد لزمه استفتاؤه تعيّناً، وإن كانت لجماعة هم متساوون كان مخيّراً، وإن كان بعضهم عنده أعلم من بعض أو أورع وأدين فقد اختلفوا: فمنهم من جعله مخيّراً، ومنهم من أوجب أن يستفتي المقدّم في العلم والدين وهو أولى؛ لأنّ الثّقة ههنا أقرب وأوكد والأصول كلها بذلك شاهدة)(١٦).
وهذه العبارة جاءت تحت عنوان وفصل في صفة المفتي والمستفتي، وكلامه صريح في مورد البحث.
الأمر الثّالث: إنّه على تقديره فهو إجماع مدركي، ومدركه هو الأصل، فقيمته قيمة الأصل(١٧).
الأمر الرابع: إنّه إجماع منقول على أحسن التقادير، وهو ليس بحجّة(١٨).
الدليل الثّاني: الروايات:
ممّا استند إليه القائل بعدم حجيّة قول غير الأعلم روايات دلت ـ حسب دعواهم ـ على عدم حجيّة قول غير الأعلم مع وجود الأعلم منه, وهي روايات عديدة، نذكر منها ما هو أقوى وأدلّ على المدعى:
الأولى: مقبولة عمر بن حنظلة، وقد رواها المشايخ الثلاثة، قال: سألت أبا عبد الله g... إلى أن قال g: (الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر، قال: قلت: فإنّهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر؟ قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، وإنّما الأمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتّبع، وأمر بيّن غيّه فيجتنب، وأمر مشكل يرد علمه إلى الله ورسوله، قال رسول الله e: حلال بيّن، وحرام بيّن، وشبهات بين ذلك، فمَنْ ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومَنْ أخذ الشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم. قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسُنّة وخالف العامّة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسُنّة ووافق العامّة، قلت: جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسُنّة ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامّة والآخر مخالفاً لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: ما خالف العامّة ففيه الرشاد. فقلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعاً؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكّامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر. قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعاً؟ قال: إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقي إمامك فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات)(١٩).
فهي واضحة الدلالة على أنّ المرجع حين الاختلاف هو الأفقه وهي وإن كانت في باب القضاء، لكنّه يثبت ما نحن فيه بعدم القول بالفصل، أو بكون المناط في البابين واحداً، وهو الوصول إلى الواقع وعدم الخصوصية لباب القضاء(٢٠).
وقد أورد على الاستدلال بهذه الرواية من جهات متعدّدة:
الجهة الأولى: الإيراد بضعف الرواية سنداً؛ لأنّ عمر بن حنظلة لم يوثق من قبل علماءالرجال، بل ولا مدح بشيء يطمئن إليه؛ لأنّ المدح الوارد في حقه ليس بسند قوي(٢١) وتوثيق الشهيد الثاني له لا يفيد شيئاً؛ لأنّه اجتهاد منه S (٢٢).
وأمّا قبول الأصحاب لها لم يثبت، وعلى تقدير التسليم فهو مبني على جابرية عمل الأصحاب لضعف الرواية، وهو غير مسلّم؛ لأنّه إنْ ثبت هذا فهو في عمل المتقدّمين بها لا المتأخّرين كما هو في المقام.
وأمّا ما قيل(٢٣) في توثيقه من رواية الثقات عنه ومنهم صفوان وابن أبي عمير ففيه: أنَّ رواية غير المذكورين عنه لا تنفع، ورواية هذين عنه لم تثبت.
توضيح ذلك..
أمّا رواية صفوان عنه فادُعي أنّه روى عنه في موردين، وفي كلٍّ منهما إشكال.
المورد الأوَّل: روى الشيخ بسنده عن سعد بن عبد الله، عن موسى بن الحسن، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي، عن صفوان بن يحيى، عن الحارث بن المغيرة النصري وعمر بن حنظلة، عن منصور بن حازم قالوا: (كنّا نعتبر الشمس بالمدينة بالذراع، فقال لنا أبو عبد الله g: ألا أنبئكم بأبين من هذا؟ قالوا: بلى جعلنا الله فداك، قال: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر إلّا أنّ بين يديها سبحة وذلك إليك فإن أنت خففت سبحتك فحين تفرغ من سبحتك، وإن أنت طولت فحين تفرغ من سبحتك)(٢٤).
ويرد عليه أوَّلاً: أنَّ الطريق ضعيف؛ لأنّ الحسن بن الحسين تعارض فيه التوثيق والتضعيف، فإنّ النجاشي وثقه قائلاً: (كوفي ثقة كثير الرواية له كتاب مجموع النوادر)(٢٥)، ونقل الشيخ في رجاله(٢٦) تضعيف ابن الوليد له.
وقد يقال: إنَّ الرواية نفسها مذكورة بالكافي بسند معتبر حيث روى الكليني عن الحسين بن محمّد الأشعري، عن عبد الله بن عامر، عن علي بن مهزيار، عن فضالة ابن أيوب، عن الحسين بن عثمان، عن ابن مسكان، عن الحارث بن المغيرة وعمر بن حنظلة ومنصور بن حازم قالوا: (كنّا نقيس الشمس بالمدينة بالذراع. فقال لنا أبو عبد الله g... الخ(٢٧).
فوجود هذه الرواية في الكافي بسند معتبر يوجب الاطمئنان بصدورها عن الإمام g، وضعف طريق الشيخ فيها لا يضر اعتبارها، فيثبت أنَّ صفوان قد روى عن عمر بن حنظلة.
وفيه ما لا يخفى, فإنّ وجود الرواية بسند صحيح في الكافي لا يثبت أنّها في التهذيب هي مروية صفوان عن عمر بن حنظلة، بل غاية الأمر أنَّ هذا يدل على صدور هذه الرواية، وأنّ الحسن بن الحسين اللؤلؤي لم يكذب في أصل الرواية، وأمّا إسناده للرواية إلى صفوان عن عمر بن حنظلة فهو أمر آخر لا يلزم من وجود هذه الرواية بسند آخر معتبر في الكافي، فيحتمل أنَّ هذا السند من صنعه.
وثانياً: إنّ صفوان روى الرواية المذكورة عن رواة ثلاثة وهم: الحارث بن المغيرة النصري وعمر بن حنظلة ومنصور بن حازم ووجود (عن) بين الأخيرين تصحيف عن (و) كما يشهد به كلمة ـ قالوا ـ فإنّه مسند إلى الجمع، وكذلك روى الشيخ هذه الرواية في الاستبصار بعطف منصور بن حازم على عمر بن حنظلة(٢٨).
وحينئذ يقال: إنَّ شهادة الشيخ في حقّ صفوان أنّه لا يروي إلّا عن ثقة لا توجب وثاقة عمر بن حنظلة لاحتمال أنَّ صفوان اعتمد في هذه الرواية على الحارث بن المغيرة ومنصور بن حازم وهم من الثقات، ففرض عدم وثاقة عمر بن حنظلة لا يعدّ نقضاً لما التزم به صفوان من الرواية عن الثقات فقط؛ لأنّ وجود ثقة واحد في من روى عنهم كافٍ لما بنى عليه.
ويمكن أن يورد عليه: بأنّ رواية صفوان عن الثلاثة تنحل إلى ثلاث روايات؛ نظراً إلى أنّها على نحو العموم الاستغراقي لا المجموعي، وحينئذ روايته عن عمر بن حنظلة تنافي التزامه ـ على تقدير عدم وثاقته ـ كما هو الحال لو روى الحادثة عن كلٍّ منهم مستقلاً.
وهذا الكلام له وجه، لكن مع هذا نحن نشك في مقدار ما التزم به صفوان سعةً وضيقاً، وهل هو التزم بعدم الرواية عن غير الثقة حتى لو كان منضماً إلى غيره من الثقات، أو كان التزامه بهذا يختصّ بصورة ما إذا كان غير الثقة منفرداً؟ وحينئذ لا يحصل الجزم والاطمئنان بعدم روايته عن غير الثقة حتى ولو كان منضماً إلى بعض الثقات.
وثالثاً: أنّ الشيخ روى في التهذيب رواية يبدو أنّها متحدة مع هذه الرواية وفي سندها (عن صفوان عن الحارث بن المغيرة عن عمر بن حنظلة) حيث قال الشيخ تعليقاً على الرواية السابقة عليهما: (عنه عن صفوان عن الحارث بن المغيرة عن عمر بن حنظلة قال: كنت أقيس الشمس عند أبي عبد الله g، فقال يا عمر: ألا أنبك بأبين من هذا؟ قال: قلت بلى جعلت فداك. قال: إذا زالت الشمس فقد وقع الظهر إلّا أنَّ بين يديها سبحة وذلك إليك، فإن أنت خففت فحين تفرغ من سبحتك، وإن طولت فحين تفرغ من سبحتك)(٢٩). فلاحظ تقارب اللفظ والمعنى فيبعد جداً تعددها، فهي تدل على أنَّ الرواية المذكورة سابقاً صحّف فيها (الواو) بين ابن المغيرة وابن حنظلة عن كلمة (عن) وبالنتيجة ليست هي مروية صفوان عن ابن حنظلة مباشرة ولا تصلح الأولى لمعارضة هذه لضعف طريقها.
نعم، يعارض ذلك أنّ الكليني قد روى هذه الرواية بسند معتبر عن ابن مسكان عن الحارث بن المغيرة وعمر بن حنظلة ومنصور بن حازم قالوا: (كنّا نقيس الشمس..) إلى آخر الحديث(٣٠).
ومقتضى ذلك أنّ ابن المغيرة يروي عن أبي عبد الله g مباشرة، لاسيّما مع قوله (قالوا) فإنّه يؤكد كون الرواية عن الثلاثة وإلّا لقيل (قالا).
لكنْ لا سبيل إلى ترجيح رواية ابن المغيرة مع ابن حنظلة عن الصادق g، وعليه فنعلم إجمالاً أنَّ هناك اشتباهاً في السند، وحينئذ لا مجال للحكم بأنّها مروية صفوان عن ابن حنظلة مباشرة.
المورد الثّاني: روى الصدوق عن صفوان عن عمر بن حنظلة قال: (قلت لأبي عبد الله أتزوّج المرأة شهراً بشيء...الخ(٣١).
وهذا المورد تامّ بحسب ظاهر الإسناد.
لكن يلاحظ عليه: أنّ رواية واحدة لا توجب الاطمئنان بثبوت رواية صفوان عن عمر بن حنظلة، بل من المحتمل سقوط واسطة بين صفوان وبين ابن حنظلة، لاسيّما مع رواية صفوان عن عمر بن حنظلة بالواسطة في سائر الموارد وهي متعددة.
هذا، ومن المحتمل أن يكون الوسيط داود بن حصين، نظراً إلى أمور ثلاثة:
الأوَّل: إنَّ الصدوق ذكر في مشيخته أنّ كلّ ما رواه عن عمر بن حنظلة فهو بطريق صفوان عن داود بن حصين عن عمر بن حنظلة(٣٢).
وهذا الطريق وإن كان بالنظر إلى الروايات التي بدأها الصدوق بعمر بن حنظلة والرواية المبحوث عنها بدأها بـ(صفوان) فلا يشملها هذا الطريق، لكن هذا يقرّب احتمال أنّ روايات (ابن حنظلة) وصلت إلى صفوان بواسطة داود بن حصين.
الثّاني: إنّ مجموع الروايات التي رواها الصدوق في الفقيه وفي سندها عمر بن حنظلة هي ست روايات مع المبحوث عنها. ثلاث منها بدأها بعمر بن حنظلة(٣٣)،
واثنتان منها بدأهما بداود بن حصين عن عمر بن حنظلة(٣٤). ومعناه أنّ هذه الروايات الخمس طريق الصدوق فيها إلى ابن حنظلة هو بواسطة داود بن حصين، وهذا يقرّب أنّ هذه الرواية الواحدة أيضاً سقط في سندها داود بن حصين.
الثّالث: إنّ صفوان روى مكرّراً عن عمر بن حنظلة بواسطة داود بن حصين في غير الفقيه أيضاً كما في الكافي، والتهذيب(٣٥).
وأيّاً كان فبالنظر إلى ذلك فلا يحصل الاطمئنان بأنّ صفوان روى في هذا المورد عن ابن حنظلة مباشرة.
وأمّا رواية محمّد بن أبي عمير عن عمر بن حنظلة فقد وقعت في مورد واحد حيث روى الصدوق في كمال الدين عن محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن أبي عمير عن عمر بن حنظلة، قال: (سمعت أبا عبد الله يقول: قبل قيام القائم خمس علامات...)(٣٦).
لكنّه يرد عليه:
أوَّلاً: إنَّ الطريق ضعيف بالحسين بن الحسن بن أبان، فإنّه مجهول.
ويمكن أن يجاب عن هذا الإيراد: بأنَّ جهله غير ضار؛ لأنَّ الرجل من مشايخ الإجازة فقط, وليس له دور آخر, فإنَّه لا توجد له رواية عن غير الحسين بن سعيد الأهوازي فهذا يكشف عن أنّ الحسين بن الحسن بن أبان كان يجيز بكتبه, ولّما كانت كتبه معروفة فجهالته لا توجب ضعف الطريق.
وثانياً: إنّ هذه الرواية موجودة في غيبة النعماني عن ابن أبي عمير عن أبي أيوب الخزاز عن عمر بن حنظلة(٣٧) فهو دليل سقوط (أبي أيوب) قبل عمر بن حنظلة في سند كمال الدين.
وبهذا ظهر عدم صحة ما توهمه عبارة البحار من أنّ رواية الغيبة أيضاً رواها ابن أبي عمير عن عمر بن حنظلة مباشرة, حيث قال بعد ذكر رواية كمال الدين: (الغيبة للنعماني بسنده عن أبن أبي عمير مثله)(٣٨).
وعلى هذا لم يثبت أنَّ ابن أبي عمير قد روى عن عمر بن حنظلة.
هذا، وهناك أمر يبعّد رواية صفوان وابن أبي عمير عن عمر بن حنظلة، وهو الفصل الطبقي بينهما حيث إنّ الرجلين من الطبقة السادسة وابن حنظلة فيما يبدو من الطبقة الرابعة، ويشهد على هذا أمور..
الأوَّل: روى صفوان وكذا ابن أبي عمير عن ابن حنظلة في جميع الموارد ـ ما عدا المذكورة ـ بالواسطة, وهم مثل: داود بن حصين, ومنصور بن حازم, وابن مسكان, وأبي أيوب الخزاز وغيرهم(٣٩)، وهذا يقرّب أنَّ ابن حنظلة من الطبقة الرابعة, فمن البعيد رواية من هو في الطبقة السادسة عنه.
الثّاني: إنَّ جلّ من روى عن ابن حنظلة هم من الطبقة الرابعة أو الخامسة, مثل: أبي بصير الأسدي, إسماعيل الجعفي, عبد الكريم بن عمرو الخثعمي, زرارة, أبي أيوب الخزاز, موسى بن بكر, علي بن رئاب, داود بن الحصين, فيطمئن بأنّ ابن حنظلة من الطبقة الرابعة.
الثّالث: رواية عمر بن حنظلة عن أبي جعفر الباقر g.
وهذا في موارد:
منها: ما جاء في الكافي(٤٠) بإسناد صحيح نقل الكليني واقعة عن محمّد بن مسلم وفيها: (فحمل عمر بن حنظلة إلى أبي جعفر مقالتهما).
ومنها: ما جاء في المستدرك(٤١) عن كتاب محمّد بن المثنى، عن جعفر بن محمّد بن شريح، عن ذريح المحاربي، عن عمر بن حنظلة عن أبي جعفر g: (أنَّ رسول الله e مرّ على قبر قيس بن فهد...).
ومنها: ما جاء في مكارم الخلاق(٤٢) مرسلاً، قال: (روى عمر بن حنظلة، قال: شكوت إلى أبي جعفر g صداعاً...).
ومنها: ما جاء في بصائر الدرجات(٤٣)، روى بسند فيه إرسال عن عمر بن حنظلة: قال: (قلت لأبي جعفر g إنّي أظنّ أنَّ لي عندك منزلة...).
وهذه الموارد الثّلاثة الأخيرة وإنْ كان في طريقها ضعف ولكن بضمّها إلى الأوّل الذي هو طريق صحيح يتولّد الاطمئنان بأنّ عمر بن حنظلة من أصحاب الإمامين الباقر والصادق h فهو من الطبقة الرابعة, فمن البعيد رواية صفوان وابن أبي عميرعنه لأنَّهما من الطبقة السّادسة، فتأمل.
هذا، ويمكن تحصيل الاطمئنان بصدور هذه الرواية بتجميع القرائن المتعدّدة: إمّا من جهة وثاقة ابن حنظلة، أو من جهة خصوص هذه الرواية.
منها: إنّه ورد مدحه بلسان الإمام الصادق g بما هو يوجب وثاقته، حيث روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن يزيد بن خليفة، قال: قلت لأبي عبد الله g: إن عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت، فقال أبو عبد لله g: (إذاً لا يكذب علينا)(٤٤).
وما أشكل به على هذه الرواية من أنّه في سندها يزيد بن خليفة وهو غير موثوق، فيجاب عنه بأنّ يزيد بن خليفة وإن لم يوثق بالصراحة، لكن رواية صفوان عنه وحده كافية في توثيقه بناءً على أنّه لا يروى إلّا عن ثقة(٤٥).
وبعد حصول الاطمئنان بوثاقة يزيد بن خليفة يثبت ما ورد في حق عمر بن حنظلة من المدح، ويزيد احتمال وثاقته.
ومنها: رواية الأجلاء عنه مثل: أبي أيوب الخزاز، وزرارة، وحريز، وابن بكير، وابن مسكان، وغيرهم(٤٦).
ومنها: عدم ورود أي قدح في حقه مع أنّه كثير الرواية، وهذا يدل على عدم اطلاعهم منه على أمر يقدح فيه.
ومنها: قبول الأصحاب هذه الرواية كما ادّعى صاحب الجواهر(٤٧)وغيره.
لكنّه في الواقع لم يثبت قبول المتقدّمين لهذه الرواية بمضمونها الكامل. نعم، عمل بها الكثيرُ في باب تعارض الأدلة، وهو يفيد بضمّه مع غيره من القرائن.
ومنها: وجود رواية تدلّ على منزلته عند الباقر g، وهي مرويته قال قلت لأبي جعفر: إنّي أظن أنّ لي عندك منزلة. قال: (أجل). قال: قلت....الحديث(٤٨). وهي وإن كانت غير معتبرة لأنّها مرسلة من جهة عدم ذكر اسم الراوي عن عمر. وأيضاً أنّ الراوي هو الناقل لمدح نفسه فلا تكفي وحدها لإثبات وثاقته. لكنّ لا بأس بجعلها مؤيّدة لما قصدنا إثباته.
والكلام نفسه فيما روى الكليني عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله g، قال: (يا عمر، لا تُحمّلوا على شيعتنا، وارفقوا بهم، فإنّ الناس لا يحتملون ما تحملون)(٤٩).
فبجميع ما تقدّم قد يحصل الاطمئنان بصدور هذه الرواية، والعمدة من هذه الأمور معتبرة يزيد بن خليفة التي تقدّم ذكرها، ولعلّه بالنظر إلى هذه الأمور وثّقه الشهيد الثاني في شرح الدراية قائلاً: (إنّ عمر بن حنظلة لم ينصّ الأصحاب عليه بجرح ولا تعديل، لكن حقّق توثيقه من محل آخر)(٥٠).
الجهة الثّانية: الإيراد على هذه الرواية بأنّها تتضمّن أموراً تخالف ما هو مسلّم عند فقهاء المذهب وهي ما يلي:
١. دلّت على جواز الترافع في الواقعة الواحدة إلى الحكّام المتعددين، ولازمه جواز فصل الخصومة بالحكم الصادر منهم، وهو خلاف ظاهر الأصحاب.
٢. تدلّ على نفوذ حكم الحاكم الثّاني بعد صدور الحكم من الأوَّل، وهو ممّا تسالم الأصحاب على عدم صحّته، وحَمْله على صدور الحكمين معاً حملُ على الفرد النادر.
٣. تدلّ على اجتماع صفات أربع، وظاهر الأصحاب الاكتفاء بالأعلمية فقط، فإذا أريد العمل بها فيجب رعاية هذه الأوصاف كلّها لا الأفقهية فقط.
٤. تدلّ على لزوم نظر المترافعَين إلى مدرك الحكم من الروايات من جهة كونها موافقة للمشهور أو مخالفة له، وليس هذا من شأنهم.
٥. تدلّ على أنّ كلّ واحد من الحَكَمين غافل عن معارض ما حكم به هو, وهو لا يناسب العنوان المذكور في الصدر.
٦. هي ظاهرة في تقديم الترجيح من حيث صفات الراوي على الترجيح بالشهرة على الشذوذ في الرواية، مع أنَّ عمل العلماء قديماً وحديثاً على العكس.
٧. مقتضى اختلافهما هو تساقط كلا القولين لا ترجيح أحدهما على الآخر(٥١).
وقد أُجيب أو يمكن أنْ يجاب عن هذه الأمور:
أمّا عن الأوَّل فإنّ الرواية وردت في قاضي التحكيم مع رضا الطرفين بأكثر من واحد، والحكم بالرجوع إلى قاضي التحكيم بيد الإمام g واحد أو أكثر، ولا دليل يمنع من هذا.
وأمّا عن الثّاني فإنّ الرواية وردت أساساً في نظر الحَكَمين معاً في قضية واحدة لا بالتقدّم والتأخر, فلا يكون من قبيل الحمل على الفرد النادر.
وأمَّا عن الثّالث فإنّه عطفُ تفسيرٍ بين الصفات، فالمراد هو كونه أعدل وأصدق وأورع في الحديث والفتوى بمناسبة المقام؛ لوضوح عدم مدخلية مطلق الصدق في الفتوى، وهذا ليس غير كونه أعلم.
أقول: هذا لا يخلو عن تكلّف؛ لأنّ الأعدلية والأورعية صفتان تتعلقان بالرواية من حيث النقل والتطبيق، والأفقهية تتعلّق بها من حيث الدلالة، فلما كان كلّ واحد من الفقيهين اختير من قبل أحد المترافعين فقد يميل طبعاً كلّ واحد إلى صاحبه، ففي مثل هذا المورد كما يحتاج إلى الأفقه كذلك يحتاج إلى كونه أعدل وأورع حتى لا يتسامح في مقام التطبيق بعد فهم صحيح، فهي صفة أخرى غير الأفقهية لترجيح قول أحدهما مع الأفقهية على قول الآخر في مقام فصل النزاع ولا نحتاج إليها في مجرد الاستفتاء. فالجواب المناسب أنّ ظاهر الأصحاب من الاكتفاء بالأعلمية هو خاصّ بمقام الاستفتاء. والرواية تتعلّق بمقام فصل النزاع، فهي دلت على إعمال المرجّح العقلائي حسب المورد.
وأمّا عن الرابع فهي غير ظاهرة في إلزام المترافعين المباشرة في تشخيص الأفقه والأعدل، أو الرواية المشهورة والشاذة، بل لا تمنع من وصولهم إلى هذا ولو بواسطة من عنده خبرة بهذه الأمور، فينتهون إلى النتيجة بالرجوع إلى ثالث، فيكون مفادها أنّه مع اختلاف الفقيهين يُرجّح قول من رجّح قوله أهل الخبرة بالروايات ومعرفة الشخصيات بالرجوع إلى المرجّحات المذكورة فيها.
وأمّا عن الخامس فإنّ الكلام في مجرد فرضٍ فرضه السائل والإمام g أجاب عنه وهذا لا يستلزم شيوع وقوعه، وندرة وقوعه لا استبعاد فيه. مضافاً إلى أنّه لا يستلزم غفلتهما عن المعارض، بل يحتمل أنّ هذا مختاره من المتعارضين.
وأمّا عن السّادس فيمكن أنْ يجاب عنه: بأنّ المقام مختلف عن المقام الذي هو محل تسالم المشهور على تقديم الترجيح بالشهرة؛ لأنّ الثاني هو مقام الاستنباط مع وجود الأخبار المتعارضة، وما هو مورد الرواية هو اختلاف الحَكَمين في مقام الحكومة وفصل النزاع لا مجرد الإفتاء، فاختلاف المقامين اقتضى اختلاف تقديم بعض المرجحات على بعضها الآخر.
وأمّا عن السّابع فنسلّم أنّ مقتضى القاعدة هو التساقط، لكنَّ الشارع سلب الحجيّة عن قول غير الأعلم حين معارضته بقول من هو أعلم منه في مقام القضاء، فلا معارض لقول الأعلم حتى يتساقطا(٥٢).
فتبيّن ممّا ذكر أنّه لا وجه لطرح هذه الرواية من هذه الجهة؛ إذ لا ظهور لها في أمر متسالم على بطلانه.
الجهة الثّالثة: قد يقال، بل، قيل بعدم تمامية دلالتها على المدعى لوجهين:
الأوَّل: إنّها دلت على الترجيح بالأفقهية في باب القضاء، ولا يصحّ التعدي إلى باب الفتوى ـ لأنَّهما بابان مستقلان، لكل واحد منهما أحكام خاصّة، ووجه الحاجة الى كل واحد منهما مختلف، ومقتضى أحدهما غير مقتضى الآخر ـ لا بوحدة المناط في البابين لأنّا لا ندركه. ولا بعدم الخصوصية؛ لأنّها محتملة جداً، وهي أنّ القضاء لا يمكن إلّا بتعيين القاضي، ولا يعقل التخيير فيه، وأنّ القاضي لا بُدّ من تعدّده؛ لعدم إمكان كفاية الواحد لجميع البلدان بخلاف المفتي. ولا بعدم القول بالفصل؛ لأنّه غير كافٍ، بل نحتاج إلى القول بعدم الفصل وهو مفقود. ولا بالتلازم العرفي في البابين، ولذا يجوز مراجعة مجتهد إلى آخر في القضاء دون الفتوى. وكذلك يجوز لمجتهد أن يفتي بغير ما افتى به الأوَّل، ولا يجوز في القضاء(٥٣).
الثّاني: إنّه بعد تسليم التعدي فهي لا تدلّ على وجوب الرجوع إلى الأعلم ابتداءً. بل دلت على التخيير، فيجوز أنْ يختار الاثنين من المفضولين. نعم، إذا اختلفا فيتعيّن الرجوع إلى أفقههما، لا الأفقه من جميع الفقهاء، فهو أعلم نسبي لا مطلقاً، والمطلوب هو الثاني(٥٤).
ويمكن أنْ يقال: إنّه يصلح للجواب عن الوجه الأوَّل ما جاء في كلمات الشيخ الأنصاري S من دعوى أنّ المرجّحات في الرواية ليست مختصّةً بباب القضاء، بل هي في مقام الفتوى مطلقاً، والشاهد على ذلك أمور:
١. إنّ الحكم هنا بمعناه اللغوي، وهو يشمل الإفتاء كما جاء في مقام آخر: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ] ولم يثبت أنّه أصبح حقيقة شرعية في معناه الجديد وهو الحكومة والفصل في مقام النزاع.
٢. قول الراوي: (كلاهما اختلفا في حديثكم) فإنّه يتبادر منه أنّه بيان للاختلاف في الفتوى، والاختلاف في الحكم نفسه ليس اختلافاً في الحديث. نعم، الاختلاف في الفتوى اختلاف في الحديث.
٣. قول الإمام g: (الحُكمُ ما حَكَم به أصدقهما في الحديث) فإنّ صدق الحديث إنّما يناسب أنْ يكون مرجّحاً للفتوى التي هي بمنزلة الحديث دون القضاء، وكون المورد مورد المنازعة لا يستلزم أنْ يكون المراد هو القضاء؛ لأنّ النزاع ربما ينشأ من جهة الاشتباه في الحكم، والظاهر أنّ نزاع الرجلين من هذا القبيل، وإلّا لما كانت الحاجة إلى اختيار رجلين؛ لأنّ فصل الخصومة يحصل بحكم واحد.
٤. قوله g: (ينظر إلى ما كان من رواياتهم عنّا في ذلك الذي حكم به المُجمع عليه عند أصحابك) لا يناسب تعارض الحكم المصطلح لوجهين:
أحدهما: أنّه ليس من شغل المترافعين النظر في مدرك الحَكَمَين، والاجتهاد في ترجيح أحدهما على الآخر إجماعاً.
والآخر: إذا تعارض حكمان ولا يكون لأحدهما مزيّة فالحكم للأسبق، بل لا يبقى للثّاني مجال، ومع صدورهما معاً يتساقطان(٥٥).
أقول: المحاولة غير تامّة لعدم صلاحية الشواهد للشهادة على المدعى وذلك:
أمّا الأوَّل ففيه: أنّ كلمة (الحكم) وإن سلّمنا عدم ثبوت الحقيقة الشرعية فيها، لكن توجد في المقام قرائن تعيّن معناه المصطلح عليه:
منها: استعمال كلمة التحاكم في الرواية، والحكم المترتب على التحاكم هو بهذا المعنى لا الفتوى.
ومنها: قوله g: (فليرضوا به حَكَماً)، ولم يقل مفتياً والحكم الصادر من الحَكَم ليس هو مجرد فتوى.
ومنها: قوله g: (فإنّي جعلته عليكم حاكماً).
ومنها: أنّ موردها التنازع ثم الترافع، وهو ظاهر في أنّ الحكم هو تحديد ما يفصل به النزاع.
ومنها: تعيين الفقيهين معاً للنظر في القضية، فإنّه لا يناسب إلا القضاء؛ لأنّه لا معنى للاستفتاء من فقيهين معاً.
أمّا الثّاني ففيه: إنّه ليس الاختلاف في الفتوى فقط هو الذي قد يرجع إلى الاختلاف في الحديث، بل الاختلاف في الحكم أيضاً قد يكون مرجعه الاختلاف في الحديث، فحتى لو سلّمنا بأنّه كان اختلاف الفقيهين في الفتوى فتبقى خصوصيّة كونه في مقام فصل الخصومة لا مطلقاً.
وأمّا الثّالث ففيه: إنّ كون الفقيه أصدق في الحديث كما يناسب الترجيح في الفتوى كذلك يناسب الترجيح في القضاء؛ لأنّه أيضاً يسند ما حكم به إلى الكتاب والسُنّة. هذا إذا كان المراد هو كونه أصدق في مطلق الكلام. وأمّا إذا كان المراد في الروايات بالخصوص فهو أيضاً لا يختص بالفتوى كما لا يخفى.
وأمّا الرابع ففي وجهه الأوَّل أنّ السؤال يتوجه حتى على الاحتمال الثّاني فيقال: إنّه إذا كان في الاختلاف في الفتوى فأيضاً ليس من شأن المستفتين الاجتهاد في المرجحات. وفي وجهه الثاني ما تقدّم من أنّ مقتضى القاعدة وإن كان هو التساقط، لكنّ الشارع لم يعتبر حكم غير الأفقه معارضاً لحكم الأفقه في مقام حسم النزاع بخصوصه.
فالمحصّل: إنّه من الصعوبة جداً تجريد الرواية عن مورد القضاء، وعلى تقدير التسليم فخصوصية الفتوى في حلّ التنازع محفوظة.
والإنصاف بعد كل هذا أنّ المترافعين وإنْ رجعوا إلى الفقيهين لفصل الحكومة والحكم في حقّ أحدهما، ولكن قول الراوي ـ وكلاهما اختلف في حديثكم ـ ظاهر في أنّ منشأ الاختلاف في الحكم بينهما هو اختلافهما في الفتوى ـ أي الحكم الكلي ـ فالمرجّحات المذكورة هي مرجّحات لفتوى أحدهما على فتوى الآخر، لكنّها في مقام حسم النزاع لا مطلقاً. ولا يتم ما ذكر من طرق التعميم لمطلق الفتوى؛ لأنّ حجية الفتوى في هذا المقام قد يقال بأنّها تستلزم حجيتها مطلقاً، لكن عدم حجية فتوى المفضول هنا لا تستلزم عدمها مطلقاً لعدم معقولية التخيير في المقام ومعقوليته في غيره. فإن حصل الاطمئنان بعدم خصوصية مقام القضاء تعمّ المقبولة لمقام الفتوى مطلقاً، وإلّا فلا يمكن التمسّك بها فيما نحن فيه.
ويمكن أن يقال: إنّ الذي يبعّد التفريق بين المقامين هو أنّ رجوع المكلّف إلى المفضول في مسائل العقود والحقوق والقروض ـ التي يقع التنازع فيها غالباً ـ مع علمه بالاختلاف بينه وبين الأعلم منه في هذه المسائل إذا كان في حال التنازع مع شخص آخر لا يجوز لأنّه لا تكون فتواه حجّة في حقه. وأمّا إذا لم يكن في هذا الحال فيجوز له أنْ يعمل بفتواه، فكيف يعقل أنّ الفتوى الواحدة حجّة ومبرئة للذمة في حالٍ، وليس كذلك في حالٍ آخر بالنسبة إلى مكلّف واحد! وعليه فقد يقال إنّ التفريق بين المقامين ليس من المتفاهم العرفي من النصّ.
وأمّا الوجه الثّاني فيمكن الجواب عنه بأنّ المقصود من كلام الإمام g هو التقديم بمناط الأفقهية مع العلم بالاختلاف مع قطع النظر عمّن أفتى في الأمر أ هما اثنان أو أكثر؟ وإنْ كان المفروض في الرواية هو التحاكم إلى الاثنين والعلم بالاختلاف بينهما كما يدلّ عليه قوله g: (خذ بما حكم به أفقههما) ولكن ليس للعدد خصوصيّة، فلو فرض في الرواية ثلاثة حكّام أو أكثر واختلفوا بينهم كان الحكم هو نفسه. هذا هو المتفاهم العرفي من كلام الإمام g.
ثم على تقدير تسليم عمومية المقبولة للمورد فهي لا تثبت عدم حجيّة قول غير الأفقه مطلقاً، بل على تقدير العلم بوجود الأفقه والعلم بوجود الاختلاف بينهما، وعلى هذا فهي على فرض تماميتها دليل على القول الثّالث لا الأوَّل، بل صدرها ظاهر في حجيّة قول كل فقيه في حدّ نفسه مع قطع النظر عن طروء هذه الحالة، كما سيأتي في أدلة الطرف الآخر.
الثانية: روى الشيخ الصدوق S عن داود بن الحصين عن أبي عبد الله g: (في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف، فرضيا بالعدلين، فاختلف العدلان بينهما، عن قول أيهما يمضي الحكم؟ قال g: ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما فينفذ حكمه ولا يلتفت إلى الآخر)(٥٦).
الثالثة: ذكر الشيخ في التهذيب بإسناده عن موسى بن أكيل عن أبي عبد الله g مثل ما تقدّم في الثانية مع فارق بسيط، وبدون ذكر صفة الأورع(٥٧).
ورواية التهذيب ضعيفة السند؛ لأنّ الشيخ رواها بسنده عن محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسين،
عن ذبيان بن حكيم الأودي، عن موسى بن أكيل النميري عن أبي عبد الله g.
وذبيان بن حكيم لم يوثّق، بل قال ابن الغضائري في حقه: (وذُكر أنّ أمره مختلط)(٥٨).
وكذلك يمكن أنْ يناقش في سند رواية الفقيه من جهتين:
الأولى: إنّ طريق الصدوق في مشيخته إلى داود بن الحصين فيه الحكم بن مسكين(٥٩)
وهو لم يوثّق في الكتب الرجالية.
ويمكن الإجابة عنه: بأنّ الحكم بن مسكين وإنْ لم يوثّق في الكتب الرجالية لكن روى عنه البزنطي وابن أبي عمير(٦٠) وروايتهما عن شخص دليل وثاقته، فعلى هذا المبنى يمكن إثبات وثاقته.
الثانية: لو سلّمنا أنّ طريق الصدوق إلى داود بن الحصين صحيح، لكنّه لا يشمل هذه الرواية؛ لأنّ الصدوق رواها بلفظ روي عن ابن داود، ولا نعلم بشمول طرق الصدوق في المشيخة لأمثال هذه الروايات كما ذكره السيد الخوئي S(٦١).
وقد أجاب عن هذا الإشكال سيدنا الأستاذ بأنّ الدليل القطعي قام على شمول طرق الصدوق في المشيخة لمثل هذه الروايات المروية في الفقيه، وهو أنّ جملة ممّن ذَكر طرقَه إليهم في المشيخة هم أشخاص لم يبتدئ بأسمائهم في الفقيه إلّا باللفظ المذكور ـ أي روي عن فلان ـ ثُمَّ ذكر أسماءهم بالتفصيل فيمكن مراجعة كلامه في بحوثه(٦٢).
فعلى هذا لا إشكال في رواية الفقيه من حيث السند.
وأمّا من حيث الدلالة فوجهها فيها هو وجه الدلالة في الأولى والإيرادات هي الإيرادات، فإنْ قلنا بتماميتها تمت هنا وإلّا فلا. وهذا بالنسبة إلى الوجه الأوَّل في تقريب الدلالة وهو البناء على التعميم بوحدة المناط، أو إلغاء الخصوصية بعد القبول بأنّها في مقام القضاء والحكومة.
وأمّا بناءً على أنّ مقبولة ابن حنظلة يُستظهر منها ـ بقرائن تقدمت الإشارة إليها ـ أنّها ناظرة إلى الاختلاف في الفتوى في مورد النزاع فحينئذٍ تكون هي بمفردها دالة على المدعى. ولا يأتي هذا الوجه في الثانية والثالثة؛ لعدم وجود قرائن فيها تدل على أأنّ الاختلاف بين الفقيهين هو اختلاف في الفتوى، بل ظاهرهما أنّه اختلاف في الحكم، لقرائن..
منها: اتفاقهم على عدلين، فإنّه يقع عادة في محل الفصل وحسم النزاع.
ومنها: قول السائل: (حكم أيّهما يمضي)، ولم يعبّر عنه قول أيّهما يصح أو يؤخذ.
ومنها: قول الإمام g (فينفذ حكمه)، فهذه الكلمة ظاهرة في مقام القضاء.
وحيث لم يتمّ الوجه الأوَّل عندنا فلا تصلح الأخيرتان للاستدلال على المدعى.
نعم، دعوى الملازمة العرفية بين المقامين يمكن تعميمها للمورد كما تقدّم في المقبولة.
وهناك مجموعة أخرى من الروايات استدل بها على المدعى، لكن أكثرها ضعيفة السند، وهي ظاهرة: إمّا في الولاية والحكومة، وإمّا في القضاء، وإمّا في التصدي للإمامة الكبرى قبال الإمام المعصوم g. ولوضوح عدم تماميتها مستنداً للدعوى لا نطيل الكلام بذكرها وذكر ما فيها.
نعم، قد يدعى تماميّة ما رواه الكليني ـ سنداً ودلالةً ـ عن العيص بن القاسم، عن الصادق g حيث قال: (عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وانظروا لأنفسكم فوالله إنّ الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجيئ بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها..)(٦٣).
وهذه الرواية وإنْ كانت معتبرة سنداً؛ لأنّ الكليني رواها عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن العيص بن القاسم، عن الصادق g وكلهم ثقاة، لكنّها غير تامة الدلالة؛ لأنّه بالنظر إلى مجموع ما ورد فيها يتبيّن أنّها في مقام خاصّ، وهو أنّه إذا خرج شخص يدعو إلى نفسه وهناك من هو أعلم منه فلا يجوز الخروج معه بترك من هو أعلم منه فهي أيضاً: إمّا في الإمامة الكبرى بخصوصها، أو في مطلق الرئاسة والحكومة ولا علاقة لها بالفتوى، كما لا يخفى.
الدليل الثالث: الأقربيّة إلى الواقع.
ممّا استدل به على وجوب الرجوع إلى الأعلم هو أنّ فتواه أقرب إلى الواقع، فيجب إتباعه؛ لأنّ المطلوب في العمل بفتوى الفقيه هو الوصول إلى الواقع، فكما أنّ المجتهد نفسه يتبع أقوى الأمارتين حين التعارض بينهما، فكذلك على المكلّف العامّي إذا وقع التعارض في فتوى الفقيهين؛ لأنّ فتوى المجتهد بمنزلة الأمارة عند المكلّف(٦٤).
وقد نوقش في هذا الدليل من حيث الصغرى والكبرى من قبل غير واحد من الأعلام.
أمّا من حيث الصغرى فإنّ فتوى غير الأعلم قد تكون أقرب إلى الواقع من فتوى
الأعلم إذا وافقت فتوى الأعلم الميت، أو الاحتياط، أو جماعة من الفقهاء من المعاصرين، أو المشهور.
وأمّا من حيث الكبرى:
فأوَّلاً: إنّ مطلق الأقربية إلى الواقع لم يقم الدليل على كونها من المرجّحات، لأنّها لا تعدو الظن، ومناط جواز التقليد ليس هو الظن، بل هو تعبّد بأمر الشارع وإنْ كان على نحو الطريقية كحجيّة البيّنة وغيرها من الطرق التي تثبت حجيّتها بالشرع تعبّداً، فكما لم يكن المطلوب هو الواقع بما هو هو بل بطريق خاص يوصل إليه، فكذلك مع تعارض الحجّتين ليس المناط في المرجّح مطلق الأقربية، بل المرجّحات الخاصة الثابتة بالدليل تعبّداً، كما هو الحال في الأمارات على الموضوعات.
وثانياً: إنّ مدارك الفتوى ليست هي الأدلة الاجتهادية دائماً، بل قد تكون بالأصول العملية، فالدليل مع عدم تماميته يكون أخصّ من المدعى(٦٥).
والمناقشة الأولى في الكبرى يمكن أنْ يجاب عنها:
أوَّلاً: إنّ عدم مدخلية الأقربية إلى الواقع ينافي طريقيّة الحجّة.
وثانياً: إنّ عمدة الأدلة على وجوب الرجوع إلى الأعلم هو سيرة العقلاء كما اعترف بعض القائلين به، والعقلاء يرجّحون قول الأعلم في بقية المجالات من جهة أنّه أقرب إلى الواقع لا من جهة أنّ لقوله موضوعيّة، فكذلك في المقام.
لكن لا يخفى ما فيهما:
أما في الأوَّل فلم ينكر أحد مدخليّة الأقربيّة إلى الواقع في حجيّة الحجّة، أو ترجيح إحداهما على الأخرى في الجملة، لكنّ الكلام في مطلق الأقربية إلى الواقع بأي طريق حصلت، بمعنى أنّها تكون مناطاً من دون الحاجة إلى أمر آخر.
وأمّا في الثّاني فأوَّلاً: هو رجوع إلى السيرة العقلائية، فإنْ تمت فتكون هي المرجع لا الأقربية إلى الواقع.
وثانياً: إنّه لا ملازمة بين رجوعهم في الأمور العملية الأخرى إلى ما هو أقرب إلى الواقع وبين الأحكام الشرعية؛ لأنّ العقلاء إذا وجدوا باباً مفتوحاً إلى الواقع يمكن الإشراف منه عليه تجدهم يسلكون كلّ ما هو أقرب إلى ذلك الواقع. ولا يُقاس هذا على مِثل المقام، لأنّه لا يمكن الاطلاع على الواقع، بل مجرد تعبّد بالطرق المرسومة من قبل الشارع وإن كان الكاشف عنها بناء العقلاء أو غيره.
والصحيح في الجواب ـ والله العالم ـ: إنّ فتوى كل من الأعلم وغيره وإنْ كانت حجّة لشمول إطلاق أدلة التقليد لهما، لكن مع وجود الاختلاف بينهما يحتمل:
إمّا بقاء حجيّة فتوى غير الأعلم فيتخيّر بينها وبين فتوى الأعلم.
وإمّا ارتفاع حجيّتها فيتعيّن الرجوع إلى الأعلم. وإثبات أحد الأمرين يحتاج إلى دليل شرعي، ومجرد كون فتوى الأعلم أقرب إلى الواقع لم يثبت من الشرع أنّها من المرجّحات حيث لم يكلِّف الشارع بتحصيل الواقع كيفما كان، بل المكلَّف كُلّف بما يكون معذوراً به عند الله حصَّل الواقع أم لا.
ولا يمكن أنْ يقال في مناقشة هذا الدليل: بأنّه لا يتيسر الاطلاع على الواقع في كثير من موارد الرجوع إلى أهل الخبرة التي لا يظهر فيها آثار الواقع، فلا يُعلم كميّة موارد الإصابة بلحاظها، فحينئذ لا وجه للاستناد إلى أقربية قول الأعلم إلى الواقع في ترجيحه على قول غيره؛ لأنّ احتمال الأقربية إلى الواقع ينشأ من نفس كون أحدهما اعلم من الآخر وأكثر خبرة منه، لا بعد الاطلاع المتكرر على إصابة أقواله الواقع. وهذا الاحتمال يحصل حتى في مورد يكون باب الاطلاع على الواقع فيه مسدوداً.
نعم، يكون الفارق من جهة أخرى وهي أنّه قد يتزلزل احتمال الأقربية إلى الواقع فيما إذا كان الاطلاع على الواقع ممكناً وقد ظهرت علائم عدم إصابة رأي الأعلم الواقع فيبحثون عن السبل المقرّبة إلى الواقع.
الدليل الرابع: السيرة العقلائية.
ادّعى القائل بوجوب تقليد الأعلم على أنّ سيرة العقلاء قائمة في مختلف مجالاتهم وشؤونهم على الرجوع إلى الأعلم إذا علموا باختلاف الرأي بين علماء هذا المجال، ويمكن الاطلاع على هذه السيرة في مجال الطب والهندسة وغيرهما من الفنون والعلوم، وهذه السيرة لم يردع عنها من قبل الشارع فيثبت إمضاؤهُ لها، وهذا واضح جداً إذا كان رأي الأعلم موافقاً للاحتياط. وأما إذا كان مخالفاً فقد يتخيّر بينه وبين العمل برأي المفضول، لكن العمل برأيه يكون من باب العمل بالاحتياط لا من باب حجيّة رأيه(٦٦).
وقد نوقشت دعوى هذه السيرة من عدة جهات، فتارة من جهة أصل وجودها، وثانية من جهة إطلاقها، وثالثة من جهة استلزامها الوجوب.
أمّا من الجهة الأولى فقد قيل: إنّ العقلاء يرجعون إلى أهل الخبرة لا تعبّداً، بل من حيث يحصل لهم الوثوق بقولهم، فإذا حصل الوثوق بقول الأعلم عملوا به، وإذا حصل لهم الوثوق بقول غيره عملوا به، وإذا لم يحصل بقول أحدهما عملوا بالاحتياط مع الإمكان، وإلّا فبأقوى الاحتمالين، ووضّحوا هذا بمثالين:
أوَّلهما: إذا شخّص الطبيب الأفضل ضرورة عمل جراحي لمريض قائلاً إنْ لم يؤتَ بهذا العمل وقع المريض في خطر الموت، وشخّص الطبيب المفضول بخلافه قائلاً إنّه في هذا العمل خطر عظيم يسبّب هلاك المريض، فهل ترى أنّ العقلاء يتّبعون هنا قول الأفضل إتباع الأعمى! وكذلك في صورة العكس.
ثانيهما: إذا قصدوا معرفة قيمة دار أو جوهرة فقوّمها المقوّم الأفضل بثمن قليل وقوّمها غيره بثمن كثير، فهل ترى أنّ العقلاء في هذه الصورة يعملون بقول الأفضل بلا تأمل وتريّث! وكذلك في عكس هذه الصورة، أفلا تراهم أنّهم يعتمدون على الوثوق والاطمئنان بأيّ رأي حصل وإن كان صادراً من المفضول(٦٧).
ويمكن الإجابة عنه: بأنّ رجوع العقلاء إلى أهل الخبرة من جهة الوثوق لا ينافي استقرار بنائهم على الأخذ من الأعلم، لأنّه إذا اختلف غير الأعلم مع الأعلم في الرأي فإنْ حصل الوثوق بقول أحدهما فهو بقول الأعلم مع فرض عدم وجود أمر زائد على قول أحدهما يوجب سلب الوثوق من قوله. نعم، قد لا يحصل الوثوق بقول كل واحد منهما فيتحرّون الأمر لأجل الوصول إلى الوثوق ولو بمراجعة أقوال الآخرين.
ويمكن أنْ نمثّل لذلك: بأنّه إذا أمر المولى عبده بأمور وقال له: إذا خفيت عليك طريقة إتيان المأمور به اسأل أحد أبنائي. وهم أربعة، وكل واحد من شأنه أنْ يفسّر أوامر والده، فيجوز للعبد أنْ يراجع أي واحد منهم، لكنّه إذا علم بأنّ رأي الأكبر من الأولاد في أمر معين يخالف رأي الإخوة الباقين، وكان أكثر مهارة وممارسة وتجربة وأعلم بمرادات والدهم، فهل يجوز عند العقلاء للعبد أنْ يكتفي بقول الأكبر ويترك الصغار!! الظاهر أنّه معذور إذا امتثل أمر الأكبر وكان مخالفاً للواقع؛ لأنّ العقلاء لا يوجبون عليه أنْ يتحرّى الأمر ولو بالمراجعة إلى الآخرين من أولاده أو غيرهم من العقلاء، إلّا إذا وجد هناك أمراً أوجب سلب الوثوق بقول أكبر أولاده، فحينئذٍ يجب عليه أن يتحرّى الأمر وليس مجرد مخالفة المفضول للأفضل بالتي توجب سلب الوثوق به.
لكن هذا فيما إذا أمكن الاطلاع على الواقع والتحرّي في الحصول عليه، وهذا لا يأتي فيما نحن فيه؛ لأنّا نعلم جزماً إمّا بحجية قول كل واحد منهما، وإمّا بقول الأعلم بخصوصه، وليس المطلوب هو تحصيل الواقع، ومع هذا لا يكون هناك مجال لترك كلا القولين فحينئذ يتعيّن الرجوع حسب بنائهم على أخذ قول من يحصل الوثوق بقوله، وحصول الوثوق بقول المفضول دون قول الفاضل يعتبر ضرباً من الخلل في السلوك، وإذا حصل الوثوق بقوله لأمر آخر مثل موافقة الاحتياط فيكون الوثوق به لا من قوله من حيث إنّه قوله. والمثالان المذكوران أيضاً لا ينفيان ما أُريد إثباته بالسيرة وهو عدم جواز الرجوع إلى رأي المفضول من حيث إنّه رأيه حين المخالفة.
وأمّا أنّه يجب الاكتفاء بمجرد رأي الأعلم فلا ندعيه على الإطلاق؛ لأنّه قد يعلم أنّ الغرض هو تحصيل الواقع؛ لأنّه مهم جداً، والوصول إلى الواقع ممكن، أو لا يحصل الوثوق بقول الأعلم من دون التحري في الأمر أكثر من مجرد الرجوع إلى قول الأعلم، فلا يُكتفى بالظن.
وبتعبير آخر: لا ندعي وجود السيرة على الاكتفاء بقول الأعلم مطلقاً، غاية الأمر أنّ المثالين يثبتان أنّ العقلاء قد لا يجوّزون الاكتفاء بقول الأعلم في بعض الموارد، والقائل بالسيرة ليس مهمته إثباتها، لأنّ مهمته هو إثبات عدم بناء العقلاء على الاكتفاء بقول المفضول، ولا ينفيه المثالان. وقد يقال بخروجهما عن محل البحث، لأنّ محل الكلام هو بعد الفراغ عن جواز الرجوع إلى الأعلم، والشك في جواز الرجوع إلى غيره وعدمه.
ولذا نقول في الجواب: إنّ مناط الحجّية في السيرة هو الوثوق، وهو يحصل بقول الأعلم دائماً إذا نظرنا إلى قولهما فيكون العمل بقوله معذِّراً، والعمل بالاحتياط أو التحرّي في المسألة يكون حسناً لا واجباً، فالموارد التي نرى فيها عدم اكتفائهم بقول الأعلم هي التي لم يحصل لهم الوثوق بقوله، وعلمنا في موردٍ ما أنّ المطلوب هنا هو تحقيق الواقع ولو بالعمل بالاحتياط.
وأمّا الجهة الثّانية فقد قيل بأنّ العقلاء وإنْ كانوا يبنون على الرجوع إلى الأعلم، لكن لا مطلقاً بل بحدود معينة، وهي:
أوَّلاً: إذا علموا بوجود الأعلم لا مطلقاً.
ثانياً: إذا علموا بالاختلاف بينهما لا بمجرد احتمال المخالفة.
ثالثاً: أنْ لا يكون الرجوع إلى الأعلم حرجيّاً؛ ولذا يكتفون بأعلم بلدهم ولا يبحثون عن اعلم زمانه، مع العلم الإجمالي بالمخالفة.
وأمّا الجهة الثالثة فقد قيل: إنّ السيرة وإن كانت موجودة لكنّها لا على نحو الإلزام والوجوب، بل على نحو الحسن والاستحباب.
والدليل على هذا: إنّهم يخالفون هذه السيرة بمجرد أعذار بسيطة لا تصلح للعذر لو كان العمل بها واجباً، فمقبولية هذه الأعذار منهم تكشف عن عدم وجوب العمل على طبق رأي الأعلم. نعم، هو حسن بلا إشكال فيه(٦٨).
وأجيب عنه: إنّ هذا قد يوجد في الأغراض الشخصيّة غير المهمّة، وأمّا في الأغراض المولوية فالعقلاء لا يسوّغون مخالفة رأي الأعلم إلّا بعذر يسقط الوجوب به(٦٩).
والصحيح في الجواب: ما ذكر من أنّ هذه الأعذار البسيطة تُقبل حتى في الأغراض المهمّة والأغراض المولويّة لكن فيما إذا لم يعلم بالمخالفة بين الأعلم وغيره، لأنّ الرجوع إلى الأعلم بدون العلم بالمخالفة حسن أيضاً(٧٠).
أمّا بعد العلم بالمخالفة فالرجوع إلى غير الأعلم يعتبر من التقصير عند العقلاء، إلّا إذا كان الغرض غير مهم جداً بحيث لا يُعتنى به وهو خارج عن محل البحث.
وقد يقال أيضاً: إنّ هذه السيرة مردوع عنها بإطلاقات أدلة التقليد فلا تكون حجّة، فيثبت جواز التخيير.
ويمكن أن يجاب عنه: أوَّلاً: إنّه ـ كما سيأتي ـ لم يتم إطلاق أيّ دليل من أدلة التقليد يشمل محل البحث.
وثانياً: لو سلّمنا ذلك فتكون السيرة هي التي تُقَدَّم وتقيّد الإطلاق، لأنّ السيرة لا يردع عنها بالإطلاق بل ردعها يحتاج إلى تصريح؛ لأنّ الإطلاق رأساً يحمل على غير مورد السيرة إذا كانت منافية له.
والسر فيه: إنّ السيرة تصلح قرينة على تقييد الإطلاق، والقرينة دائماً تقدّم على ذي القرينة.
فتحصّل ممّا تقدم من البحث: إنّه لا دليل على عدم حجيّة قول غير الأعلم غير المقبولة على بعض الوجوه المؤيدة ببعض روايات أخرى، وغير السيرة العقلائية، لكنّها لا مطلقاً، بل مقيّدة بوجود العلم بالخلاف لا بمجرد الاحتمال، وبعدم الكلفة والمشقة في الرجوع إلى الأعلم التي تعتبر عذراً عرفاً، ولذا يكتفون عادة بأعلم أهل بلدهم سواء كان الغرض مهماً شخصياً أو مولوياً أو غير مهم، وبعدم وجود ما يدلّ على أنّ المطلوب هو الواقع على كل تقدير، وبعدم وجود ما يسلب الوثوق من رأي الأعلم، وهذا هو الكلام في المحور الأوَّل من المقام الأوَّل.
المحور الثّاني
ونذكر فيه أدلة القول بحجيّة فتوى غير الأعلم مطلقاً.
الدليل الأوَّل: الكتاب.
وهو ثلاث آيات..
الأولى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(٧١).
وجه الدلالة: إنّها تدل على مطلوبية رجوع الجاهل إلى كل من صدق عليه أنّه من أهل الذكر سواء تعدد أو كان واحداً، وعلى تقدير التعدد سواء كان أعلم من الآخر أو دونه في العلم لاسيّما بالنظر إلى أن الحالة العامة هي الاختلاف في الفضل، فهي بإطلاقها دلت على جواز الرجوع إلى المفضول، وهي وإنْ فُسرّ أهل الذكر فيها في التفسير الروائي بأهل البيت i لكنّه من باب الجري والتطبيق من حيث إنّهم أبرز مصاديق أهل الذكر(٧٢).
وقد نوقش الاستدلال بهذه الآية ـ مضافاً إلى عدم تماميّة دلالتها على أصل مشروعية التقليد؛ نظراً إلى أنّها في أهل الكتاب كما يشهد به السياق، أو في أهل البيت بالخصوص كما تفسرها الروايات بأنّ المراد من الذكر هو الرسول e، فلا يشمل أهله غيرهم i ـ بأنّها أوَّلاً: هي في أصول الدين لا في فروعه.
وثانياً: إنّه لو سُلّمت دلالتها على وجوب أصل التقليد فهي لا تتجاوز الدلالة على أصل وجوب رجوع الجاهل إلى العالم، فهي غير ناظرةإلى حالات طارئة لهذه المسألة حتى ينعقد لها الإطلاق.
وبتعبير آخر:هي فيمقام بيانأصل مشروعيةتقليد الجاهلللعالم لاأكثر من هذا(٧٣).
أقول: والصحيح في الجواب هو ما ذكر ثانياً من أنّ الآية لا تعدو من أنّها إرشاد إلى ما هو مرتكز في أذهان العقلاء من لزوم الرجوع إلى العالم، فلا تحمل معنى جديداً حتى نقول بإطلاقها، فهي لا تتجاوز ما هو المرتكز عند العقلاء وقد تقدم بيانه(٧٤).
وأمّا ما قيل باختصاصها بأهل الكتاب، أو بأهل البيت i ففيه: أنَّه لا داعي لتقييد مفهومها بهما(٧٥).
نعم، قديتعيّن المصداقبحسب موردالحاجة فيرجوع الجاهلإلى العالم.
وأمّا ما قيل باختصاصها بالعقائد ففيه: إنّه إن ثبتت حجّية قول غير الأعلم مطلقاً بالعقائد فلا ينكر أحد حجّية قوله في الفروع. نعم، لا ملازمة في العكس.
الثّانية: آية الكتمان {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}(٧٦).
الثّالثة: آية النفر {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}(٧٧).
ووجه دلالتهما على المدعى هو: إنّه يحرم على العلماء كتمان ما أنزل مطلقاً بمقتضى آية الكتمان ولم يقيّد بعدم وجود من هو أعلم منهم، وهذا يستلزم حجيّة قولهم مطلقاً؛ إذ لو لم يكن حجّة لم يكن في البيان ثمّة فائدة.
وكذلك آية النفر أوجبت الإنذار على الفقهاء ولم تقيّده بالقيد المذكور فيجب على المكلّفين الحذر عند إنذارهم من أي فقيه وإلّا يلزم لغوية الإنذار، وهذا هو معنى حجيّة قول الفقيه مطلقاً(٧٨).
وقد أجيب عنهما: بأنّهما وإنْ دلتا على وجوب الرجوع إلى كل واحدٍ واحد عيناً على سبيل العام الأصولي، فيستفاد منهما أنّ كل واحد من العلماء قوله حجّة شأنية لولا المعارض وأمّا معه فلا دلالة فيهما على ذلك؛ لأنّ دخول المتعارضين معاً تحتهما ممتنع، ودخول أحدهما لا بعينه ـ أي على نحو التخيير ـ لا دليل عليه؛ لأنّ مفاد الأدلة إنّما هو الحجّة التعيينية، وتعيّن أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، فمقتضى القاعدة هو التساقط في كلا القولين لا التخيير بينهما، بل التخيير يحتاج إلى دليل خاصّ كالأخبار العلاجية وهي مختصّة بالخبرين المتعارضين فلا تشمل تعارض الفتاوى(٧٩).
أقول: لم تتحقّق دلالتهما على جواز الرجوع إلى كل من صدق عليه أنّه من العلماء أو الفقهاء على نحو العموم تعبّداً:
أمّا آية الكتمان فلأنّها دلّت على حرمة كتمان الحق للعالم به، ولا يستلزم هذا وجوب أخذ السامع بقوله تعبّداً لا عقلاً ولا عرفاً؛ لأنّ فائدة إظهار الحق لا تنحصر في أخذ غيرِه قولَه تعبّداً فهي قاصرة الدلالة على أصل وجوب التقليد، فضلاً عن إطلاقه.
وأمّا آية النفر فهي وإنْ دلّت على وجوب الحذر بعد سماع الإنذار، لكن ليس معنى الحذر هو أخذ قول المنذِر تعبّداً، بل يتحقّق الحذر بالاحتياط، أو بالرجوع إلى الأعلم منه في هذه المسألة، أو بأخذ قول من يحصل الوثوق بقوله، ولا نعلم صدق الحذر على الأخذ بقول غير الأعلم مع الاختلاف في الفتوى، بل لعل مقتضى الحذر هو ترك قوله والأخذ بقول الأعلم، أو العمل بالاحتياط.
وبهذا يتبيّن عدم تمامية الاستدلال على المدعى بالكتاب.
الدليل الثّاني: الروايات.
وهي طائفتان:
الطائفة الأولى: هي التي تتضمن إرجاع الأئمة i شيعتهم إلى أحد أصحابهم، وهي كثيرة، نذكر بعضاً منها:
١. ذكر الكشي بإسناده إلى الحسن بن علي بن يقطين قال: قلت لأبي الحسن الرضا g: جعلت فداك أنّي لا أكاد أصل إليك أسألك عن كل ما احتاج إليه من معالم دينيأَ في ونسبن عبدالرحمن ثقةآخذعنهما احتاج إليه من مع المديني؟فقال: (نعم)(٨٠).
٢. روى الكشي بإسناده عن ابن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله g أنّه ليس كل ساعة ألقاك، ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كلُّ ما يسألني عنه؟ قال: (فما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي، فإنّه قد سمع من أبي وكان عنده وجيهاً)(٨١).
٣. روى الكشي بإسناده عن المفضّل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله g يقول: (فإذا أردت بحديثنا فعليك بهذا الجالس) وأومئ إلى رجل من أصحابه، فسألت أصحابنا عنه؟ فقالوا: زرارة بن أعين(٨٢).
٤. وروى الكشي بسنده عن علي بن المسيّب الهمداني قال: قلت للرضا g شُقتي بعيدة ولست أصل إليك في كل وقت فممّن آخذ معالم ديني؟ قال: (من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا). قال علي بن المسيّب: فلما انصرفت قدمنا على زكريا ابن ادم فسألته عمّا احتجت إليه(٨٣).
٥. وروى بسنده عن شعيب العقرقوفي قال: قلت لأبي عبد الله g ربما احتجنا أن نسأل عن الشيء فمَنْ نسأل؟ قال: (عليك بالأسدي). يعني أبا بصير(٨٤).
٦. روى الكليني بسنده عن أحمد بن إسحاق قال: سمعت أبا الحسن g وقلت من أعامل؟ وعمّن آخذ؟ وقول من أقبل؟ فقال: (العمري ثقتي فما أدّى إليك عني فعني يؤدّي، وما قال لك عني فعني يقول، فاسمع له وأطع فإنّه الثّقة المأمون)(٨٥).
٧. ورد في صحيحة سليمان بن خالد الأقطع قال: سمعت أبا عبد الله g يقول: (ما أجد أحداً أحيا ذكرنا وأحاديث أبي إلّا زرارة وأبو بصير ليث المرادي ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفّاظ الدين وأمناء أبي على حلال الله وحرامه وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون في الآخرة)(٨٦).
فهذه الطائفة من الأخبار دلّت على جواز الرجوع إلى مَنْ هو فقيه مأمون مطلقاً أي سواء وجد من هو أفقه منه أم لا؛ لأنّ الإمام g لم يقيّد الرجوع إلى هؤلاء الآحاد من الفقهاء بأي قيد، مع إنّ التفاوت في الرتبة والاختلاف في الفتوى كان سائداً، وحملها على صورة التساوي في الرتبة أو الاتحاد في الفتوى حمل على النادر(٨٧)، لاسيّما الرواية الأخيرة واضحة جداً في المدعى؛ لأنّ الأربع المذكورون فيها لم يكونوا قطعاً في رتبة واحدة في العلم ولا متفقين في الفتوى، ومع هذا جعلهم مراجع في الدين، فلو كان التقليد مشروطاً بالأعلمية لما صحّ الرجوع إليهم كلهم وكان على الإمام g أن يقيّد بقيد الأعلم منهم.
الطائفة الثّانية: هي تأمر الشيعة بالرجوع إلى كلّ من هو واجد لشرائط أخذ الفتوى منه، وهي عدة روايات:
١. روى الصدوق في كمال الدين بإسناده عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري أنْ يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان l: (أمّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك..ـ إلى أن قال ـ وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجتي عليكم وأنا حجّة الله)(٨٨).
٢. روى الكشي بإسناده عن أحمد بن حاتم بن ماهويه قال: (كتبت إليه ـ يعني أبا الحسن الثالث g ـ أسأله عمّن آخُذ معالم ديني؟ وكتب أخوه أيضاً بذلك. فكتب إليهما: فهمتُ ما ذكرتما فاصمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبّنا وكلّ كثير القدم في أمرنا فإنّهما كافوكما إنْ شاء الله)(٨٩).
٣. في التفسير المنسوب إلى العسكري g رواية عن الصادق g ذيلها: (فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه)(٩٠).
٤. ورد في صدر مقبولة ابن حنظلة عن الصادق g قال: (ينظران إلى مَنْ كان منكم ممّن روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً)(٩١).
فهذه الطائفة تدل على تجويز الأئمّة i لشيعتهم الرجوع إلى كلّ من صدق عليه أنّه من رواة الأحاديث، أو الفقيه، أو مسن في حبهم وكثير القدم في أمرهم، أو ناظر في الحلال والحرام وعارف بالأحكام، ولم يقيّدوا بعدم وجود من هو أعلم منه، مع علمهم i باختلاف الفقهاء في الفتوى وعدم التساوي في الرتبة، فهذا الإطلاق يشمل مورد البحث فيدل على التخيير في الرجوع إلى أيّ واحد منهم، فلو كان التقييد مقصوداً فعدم ذكره في مثل هذا المورد يستقبح عرفاً(٩٢).
وذكر في الجواب عن هذه الإطلاقات وجوه:
الوجه الأوَّل: إنّ هذه الروايات في إثبات أصل وجوب تقليد الجاهل للعالم، أمّا أنّه كل واحد منهم حجّة مطلقاً، أو عند فَقْدِ التعارض فلا دلالة فيها على ذلك(٩٣).
ورُدَّ بأنّ بعض الروايات ظاهرة في الإطلاق؛ لأنّ السؤال فيها بعد المفروغية عن جواز الرجوع إلى الفقيه، وهو سؤال عن تعيين المصداق كما هو شأن الروايات الخاصة(٩٤).
الوجه الثّاني: بعد تسليم الإطلاق فيها يمنع شمول الإطلاق للمورد؛ لأنّ شموله لكليهما معاً ممتنع؛ لأنّه اجتماع الضدين أو النقيضين، وشموله لأحدهما لا بعينه لا دليل عليه؛ لأنّ مفاد أدلة الاعتبار هو الحجّة التعيينية لا حجة هذا أو ذاك، وشموله لأحدهما المعيّن ترجيح بلا مرجح.
إذاً مقتضى القاعدة هو التساقط في كل دليلين متعارضين إلّا إذا قام الدليل على ترجيح أحدهما أو التخيير بينهما كالأخبار العلاجية، ولكنّها تختص بالخبرين المتعارضين وفي المقام لا مرجح ثابت بالدليل فالنتيجة هي تساقط الفتويين(٩٥).
وأورد على هذا الوجه تارة: بأنّ القاعدة تقتضي التخيير بين المتعارضين؛ وذلك لأنّ الأمر يدور بين رفع اليد عن أصل الدليلين وبين رفع اليد عن إطلاقهما فقط مع الحفاظ على أصلهما، ومتى دار الأمر بينهما تعيّن الثاني؛ لأنّه لا موجب لرفع اليد عن الدليلين بالكلية بلا ضرورة تقتضي ذلك(٩٦).
وأخرى: إنّ إطلاق أدلة حجيّة خبر الواحد يختلف عن إطلاق أدلة حجيّة الفتوى؛ لأنّ إطلاق الأوَّل شمولي استغراقي فيجب الرجوع إلى كل روايةٍ رواية، فإذا وُجِدَتْ روايتان متعارضتان فلا يمكن شمول الإطلاق لهما لاستلزامه الجمع بين النقيضين.
أمّا الثّاني فهو إطلاق بدلي، بمعنى أنّه لا يجب على المكلّف الواحد الرجوع إلى كل فقيهٍ فقيه، بل يكفي أن يرجع إلى واحد منهم، فتكون حجيّة فتوى كلّ فقيه بالنسبة إلى مكلّف واحد حجيّة شأنيّة، وإذا رجع إلى معيّن منهم أصبحت فتواه حجّة فعليّة عليه، وعلى هذا فشمول الإطلاق لفتوى كلّ واحد من الفقهاء مع الاختلاف بينهم لا يستلزم أي محذور، وهو معنى التخيير في فتاواهم(٩٧).
وثالثة: لو لم يكن للأدلة إطلاق لما دلّت على التخيير حين التساوي في الفضل أو الفتوى. فلو فرض عدم شمول أدلة التقليد اللفظية لمورد الخلاف في الفتوى حتى في صورة التساوي في الفضل فلا سبيل آخر لإحراز قيام السُنّة اللفظية على جواز التقليد؛ لندرة وجود مجتهدين متفقين في الفتوى في جميع المسائل المبتلى بها(٩٨).
وأجيب عن الإيراد الأوَّل بأنّ التخيير ليس من الجمع العرفي لوجود احتمالات أخرى مساوية، له فلا وجه لترجيحه على غيره وتوضيحه في باب التعارض(٩٩).
وعن الثّاني: بأنّ فتوى كل مجتهد حجّة شأنيّة في حقّ المكلّف قبل رجوعه إلى أحد معين إذا لم يعلم بوجود معارض لها، وأمّا مع وجود معارض أقوى منه فلأنّه ذو مزيّة
فلا نعلم بكون فتوى المفضول مشمولة للأدلة.
هذا، مضافاً إلى عدم تماميّة دعوى أصل الإطلاق في النصوص كما سيأتي(١٠٠).
وعن الثّالث: بأنّ النقض بالتخيير حين التساوي في الرتبة والاختلاف في الفتوى وارد على مَنْ يقول باستفادته من نفس أدلة التقليد لا على غيره الذي يقول إن التخيير مستفاد من خارج الأدلة مثل الإجماع على التخيير أو غيره(١٠١).
وأمّا ما ذكر بعده من لزوم عدم قيام السُنّة على جواز التقليد لو لم نقل بشمول الإطلاق للمقام فهو غريب؛ لأنّ تحقّق التعارض غالباً في الخارج لا يردّ دلالة الأدلة على جواز التقليد.
وبتعبير آخر: إنّ انعقاد الدلالة على جواز التقليد لا يتوقف على تحقّق موضوعها في الخارج، كما إذا فرضنا في الأخبار أنّه يوجد في كلّ باب من أبوابها التعارض بينها فهذا لا يستلزم عدم وجود دليل من السُنّة على حجيّة خبر الواحد.
وأيضاً ليست حالةُ اختلاف الفقهاء في الفضل مع الاختلاف في الفتوى مع علم المكلّف بكلا الاختلافين تفصيلاً هي الغالبة ولاسيّما في الأزمنة السابقة كما لا يخفى.
الوجه الثّالث: تفصيل البيان بين الأخبار الخاصّة التي هي الطائفة الأولى وبين الأخبار العامّة التي هي الطائفة الثّانية.
أمّا الأخبار الخاصّة فلعدم تصوّر الإطلاق اللّفظي فيها؛ لأنّ الاستدلال بها في الشخصيات المعيّنة موقوف على دعوى العلم بوجود الاختلاف بين هؤلاء المفتين في العلم والفتوى، والعلم باطلاع الناس على اختلافهم فيهما.
والإنصاف أنّ إثبات ذلك في مَن أمر الأئمّة i بالاستفتاء منهم في غاية الصعوبة، بل لا يكون ذلك إلّا تخرّصاً بالغيب.
وأمّا الأخبار العامّة فهي مسوقة لبيان جواز نفس التقليد من دون ملاحظة أمر آخر كقولك (راجع الأطباء حين الحاجة)، وأمّا الحالة المترتّبة على هذه الواقعة من وقوع التعارض بين أقوال الأطباء فلا يستفاد حكمها منه؛ ولذلك لا يعدّ بيان المرجّح عند التعارض قبيحاً، ويكون استفسار السائل عنه حسناً كما في المقبولة(١٠٢).
ويمكن الردّ على الشق الأوَّل بأنّ سؤال السائل من الإمام g عن تعيين من يرجع إليه في معالم دينه يدل على تعدّد مَن كان يفتي وكان هناك اختلاف بينهم في الفتاوى وإلّا لم يحسن هذا السؤال، وحمل هذا العدد من الروايات على جهل الراوي عن أصل وجود مَن يصلح أن يؤخذ منه، وأنّ السؤال عن تعيينه من الإمام كان مستبعداً جداً مع مئات من أصحاب الأئمة المتواجدين في مختلف البلدان ولاسيّما في بلدان السائلين بمثل هذا السؤال. مضافاً إلى أنّه يكون خلاف ظاهر الكلام.
وعلى الشق الثّاني بأنّ بعضها منها ظاهر في الإطلاق؛ لأنّ الكلام فيه يكون بعد الفراغ من مشروعية أصل التقليد كما في خبر أحمد بن حاتم بن ماهويه.
والصحيح في الجواب ـ والله العالم ـ أنّ الأخبار الخاصّة لا وجه لإطلاقها بل هي أقرب إلى الدعوى الثانية من دعوى التخيير؛ لأنّها في أشخاص معيّنين، فيحتمل فيها أنّ التعيين كان لعلم الإمام g بأفضليتهم على غيرهم، بل يمكن دعوى أنّ اختيار السائل لاسم معيّن من بين الفقهاء وتأييد الإمام له، أو مبادرة الإمام g في ذلك ظاهر في تعيين المرجع إذا تعدد الفقهاء واختلفوا، ولا يمكن هذا إلّا من جهة أنّه أفضلهم وأعلمهم ولم يكن مجرد بيان مثال ومصداق لكليِّ كلّ مَنْ هو فقيه يعلم الحلال والحرام وإن اختلفوا في الرتبة، ثُمّ لمّا لم يكن رجوع أهل كلّ البلدان ـ مع ما بينهم من بعد ـ إلى واحد من الفقهاء ميسراً احتاج إلى تعيين أفضلهم في كلّ بلد.
وأمّا الأخبار العامّة فأوَّلاً: إنّها ضعيفة السند غير المقبولة ـ على خلاف فيها تقدَّم بيانه ـ .
أمّا الأولى منها فإنّ الصدوق رواها بسنده عن إسحاق بن يعقوب وهو مجهول، وأمّا الثّانية ففي سندها موسى بن جعفر بن وهب وأحمد بن حاتم بن ماهويه وكلاهما مجهول، وأمّا الثّالثة فقد وردت في التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري g والنسبة غير ثابتة، مضافاً إلى أنّها مرسلة لم تذكر الواسطة بين صاحب الكتاب وبين الإمام g.
وثانياً: إنَّ أكثرها غيرُ تامّة الدلالة على المدعى؛ أمّا التوقيع فهو لا ظهور له في الفتوى بل يحتمل إرادة الخصومات والنزاعات؛ لأنّها مقطوعة الصدر كما احتمل بعض الأعلام(١٠٣). ولو سلّم فهو بيان لمسلك أخذ المعالم الدينيّة المقصودة.
إن قلت: إنّ الرجوع إلى الفقهاء كان أمراً معمولاً به قبل ذلك فكيف يمكن حمل التوقيع على أصل الإرجاع إلى الفقهاء؟
قلت: الرجوع إلى الفقيه كان من حيث إنّه أمين على ما أخذ من الإمام وفهم منه، فهو كواسطةٍ بين المكلّف وبين الإمام، والآن أريد الإرجاع إليهم من حيث ما يفهمون ويستنبطون من مأخذ الأحكام بلا وجود إمام معصوم بينهم.
وأمّا غيرها من الأخبار العامّة فهي ـ بعد ما فُرغ من أصل الرجوع إلى العلماء ـ في مقام بيان ما يؤهلهم للمرجعية من أوصافهم ومذهبهم من دون النظر إلى وجود التعارض بين أقوال الواجدين لهذه الأوصاف، وإليك التفصيل:
أمّا المكاتبة فهي في بيان مَنْ يجوز أن يُرجَع إليه في أخذ معالم الدين من فقهاء المسلمين بعد ما فُرغ من مشروعية أصل الرجوع إليهم، فتدل على أنّ كلّ مَنْ هو مسن في حبّهم وكثير القدم في أمرهم يُرجَع إليه ولا يُرجَع إلى مَنْ هو ليس كذلك.
وأمّا من جهة تعدد مَنْ هو واجد لهاتين الصفتين واختلافهم في الفتوى والرتبة، فليس المعصوم g في مقام البيان من هذه الجهة، فلا إطلاق يشمل ذلك.
وبتعبير آخر: كان السؤال عمّن هو داخل في إطار مَنْ تؤخذ منه الأحكام وممّن لا تؤخذ منه من حيث المذهب وغيره من الأوصاف، وأمّا مَن هو داخل في هذا الإطار فهل هو على نحو الإطلاق أو على بعض الصور؟ فلا إطلاق من هذه الجهة.
وأمّا ما ورد في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري g فهو في بيان أوصاف مَن يصلح للمرجعية أيضاً، لذلك فلا إطلاق، وإنْ سلّمنا الإطلاق فلشّدة ضعفه لا يصلح للاستناد، حيث لم يثبت إسناد هذا التفسير إلى الإمام العسكري g، بل فيه ما يدل على عدم صحة النسبة.
وأمّا المقبولة فهي مع الاختلاف في جواز الاعتماد عليها وعدمه فذيلها صريح في أنّها في القاضي فلا يجوز التمسك بصدرها في إثبات إطلاق جواز الرجوع في الفتوى، وإذا قلنا بعمومها للفتوى فهي بذيلها على مدعى الطرف الثّاني أدلّ كما تقدّم, وأمّا صدرها فلا إطلاق فيه، بل الإمام g كان في مقام بيان أوصاف مَنْ يُرجَع إليه كحاكم في خصومة.
وأمّا ما استدل برواية الأربعة ففيه: إنّها لا تعدو التمجيد لهم والشكر لسعيهم وجواز الرجوع إليهم في الجملة, وأمّا صورة اختلافهم في المسألة الفرعية مع اختلافهم في الرتبة فهي غير منظور إليها بتاتاً.
فتحصّل ممّا تقدم: إنّه لم يثبت أي إطلاق في السُنّة، وعلى تقديره فهناك ما يصلح لتقييده بغير ما نحن فيه من صور المسألة من أدلّة وجوب الرجوع إلى الأعلم تعييناً، وقد تقدّم بيانها.
الدليل الثّالث: بناء العقلاء.
فإنّ العقلاء يبنون في أمورهم على جواز الرجوع إلى المفضول لعذر بسيط ولا يكلّفون أنفسهم بالبحث عن الأعلم في فنّه، وحتّى بعد العلم به لا يرون ضرورة الرجوع إليه إذا كان موجباً لزيادة المؤنة على الرجوع إلى غيره، ويسوّغون تركهم للأعلم بأعذار بسيطة، وهذا يكشف عن عدم وجوب تعيين الأفضل بل هو مجرّد احتياط حسن(١٠٤).
وممّن ناقش هذا الوجه بعض الأعلام في تهذيبه قائلاً: إنّه لم تثبت هذه السيرة في مورد البحث، وهو أن يكون الخلاف بين الفاضل والمفضول معلوماً ومع هذا يرجعون إلى المفضول، وعلى تقديرها فهي في أغراضهم الشخصية، وأمّا في أغراض المولى فلم تثبت هذه السيرة(١٠٥).
أقول: تقدم أنّ بناء العقلاء على الاعتماد على قول الأعلم عند العلم بالاختلاف حتى في أمورهم الشخصيّة وذلك لحصول الوثوق بقوله، إلّا إذا كان الرجوع إليه فيه كلفة زائدة فحينئذٍ يكون معذوراً في الرجوع إلى المفضول عرفاً، أو زال الوثوق بقول الأعلم لأمر خارجي، أو كان الغرض غير مهم لا يلزم الاعتناء به، وأمّا مع عدم العلم بالخلاف فلا يلزمون أنفسهم بالرجوع إلى الأعلم فقط.
الدليل الرابع: سيرة المتشرعة.
وهي ثابتة من قبل المتشرعة من زمن النبي e وأيام الأئمّة i على الرجوع إلى أيّ صحابي من أصحاب النبي أو فقيه من أصحاب الأئمّة، ولم يلتزموا بالرجوع إلى الأعلم مع الاختلاف في الفتوى والرتبة ولم ينكر أحد منهم على أحد(١٠٦).
وأجيب: بعدم تحقّق هذه السيرة في مورد البحث لعدم وجود خلاف كثير في عصر المعصومين، وعلى فرضه لم يعلم أنّه كان الرجوع إلى المفضول مع العلم بالاختلاف بينه وبين الأعلم وكان الإمام أو الأصحاب يعلم بوقوع هذا ولم يردعوا عنه(١٠٧).
لكن قد يقال: إنّ الخلاف بين أصحاب النبي e كان معروفاً في الكثير من المسائل وكان الرجوع إلى أيّ واحد من فقهائهم جائزاً عند المسلمين كما قال الشهيد الثاني في المسالك(١٠٨).
ولعلّ هذا لاشتهار حديث نبوي بينهم من أنّه e قال: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم(١٠٩).
فما ينبغي أن يقال في الجواب: هو أنّ سيرة الرجوع إلى أصحاب النبي e وإن سلّمنا أنّها كانت ثابتة عند المسلمين، لكنّها لا تصلح عندنا دليلاً؛ لأنّها سيرة لما عدا الإمامية، وهي لا تستلزم حكماً شرعياً لجواز أن تكون بدعة أو خرافة مثل سيرتهم على العمل بالقياس وغيره.
وأمّا ما قيل من لزوم الردّ عليهم من قبل المعصوم لو كانت بدعة فهو غفلة عمّا صدر عنهم i في ذم المسلمين لتركهم أمير المؤمنين g وبعد هذا لا وجه للذم على ترك الأفقه من الأصحاب.
وأمّا سيرة الإمامية على الرجوع إلى أصحاب الأئمة فهي وإن صَلُحتْ دليلاً لو كانت ثابتة، لكن يحتمل أن تكون سيرتهم هذه هي بناء منهم بما هم عقلاء، فلا تكون غير سيرة العقلاء في معاشهم، وقد عرفت حالها وأنّها لم تثبت مع العلم بالخلاف في الرتبة والفتوى وإمكان الرجوع إلى الأعلم مع أهمية المسألة، وسيرة المتشرعة لا تكون دليلاً إذا احتملت أنّها امتداد لسيرة العقلاء.
وإنْ قيل بعدم تحقّق سيرة العقلاء في ذلك وأنّ ذلك منهم بوصف كونهم متشرعة فتثبت الدعوى.
فنقول: إنّها لم تثبت فيما نحن فيه بل الشواهد تدل على عدمها.
منها: السؤال من المعصوم g في تعيين مَن يُرجَع إليه إذا اختلف الأصحاب كما تقدّم في المقبولة وغيرها، وهذا ظاهر في التسليم بوجوب التوقف حين الاختلاف.
والخلاصة: إنّ السيرة دليل لبيّ يُقتَصَر فيه على القدر المتيقّن وهو الرجوع إلى أي فقيه ما دام لم يُعلم بوجود الأعلم منه مع الاختلاف بينهما.
الدليل الخامس: لزوم العسر والحرج.
إنّ وجوب الاقتصار على الأعلم يوجب العسر والحرج على المكلّفين لاسيّما إذا كان المقصود هو أعلم عصره من ناحية تحديد مفهوم الأعلم، ومن ناحية الوصول إلى فتواه، ومن ناحية تعيين مصداقه(١١٠).
وقد أجيب عنه بوجوه:
الوجه الأوَّل: إنّه لا عسر ولا حرج في أي جانب من هذه الجوانب: أمّا من جانب الوصول إلى فتوى الأعلم فعدمها واضح، لاسيّما في العصور المتأخرة التي تطبع فيها الرسالة العملية للمرجع بآلاف النسخ وتنتشر في العالم.
وأمّا من جانب تحديد المفهوم فكما هو محدّد في بقية الصنائع والعلوم كالهندسة والطب وغيرهما بلا حرج فكذلك ما نحن فيه، وقد تقدّم بيانه.
وأمّا من جانب تشخيص مصداق الأعلم فهو موضوع كبقيّة الموضوعات فيمكن تشخيصه عن طريق أهل الخبرة في هذا الميدان كما هو حال غيره من الميادين الأخرى، فمعرفة الأعلم متيسرة ولو لبعض الأفراد بلا عسر ولا حرج، وسيرة المسلمين على الرجوع إلى الأعلم من دون وقوعهم في العسر والحرج(١١١).
لكنّ الصحيح أنّه لو قيل بوجوب الفحص عن الأعلم مع احتمال وجوده في أي بلد من البلدان الإسلامية فلا يخلو من الحرج على المكلّف، كما اعترف به بعض المحقّقين من المتأخرين(١١٢).
الوجه الثّاني: يمكن أن يقال: إنّ وجوب الرجوع إلى الأعلم ليس بتكليف شرعي نفسي، بل هو حكم عقلي متفرّع على اختصاص الحجيّة بقوله، فلا تجري قاعدة رفع الحرج معه.
والوجه في ذلك: إنّ شأن القاعدة هو رفع التكاليف الحرجية عن المكلّف، لا تشريع أحكام يرتفع بها الحرج، فنتيجة جريان القاعدة هو عدم وجوب العمل على فتوى الأعلم، لا إثبات حجيّة قول غيره الذي هو مقصود إثباته.
نعم، غاية مؤدى القاعدة هو أنّه إذا كان الامتثال اليقيني بفتوى الأعلم متعذّراً فيتنازل إلى الامتثال الظنّي، ومع تعذره إلى الامتثال الاحتمالي: إمّا لحكومة العقل بذلك، أو لاستكشاف حجيّته شرعاً على ما هو مذكور في دليل الانسداد، وهذا ليس ما هو مقصود إثباته من حجيّة قول المفضول مطلقاً.
لكن يرد على هذا: بأنّه لو سلّمنا التعذّر الدائم أو الغالب في هذا الحكم فهو يوجب القطع بأنّ الشارع لم يشرّع هذا الحكم ـ وهو اشتراط الأعلمية ـ؛ لأنّ الشريعة مبنيّة على اليسر والتساهل ولم تأتِ بأمر يضيّق على المكلّفين، فيثبت بهذا التخيير الشرعي بين فتوى الأعلم وغيره، كما جُعِلَ أحد أدلة نفي وجوب الاجتهاد على جميع المكلّفين هو التعذّر والحرج الدائم.
وبهذا ظهر ما في إجابة صاحب الكفاية عن هذا الدليل بقوله: (مع أنّ قضيّة نفي العسر الاقتصار على موضع العسر فيجب (تقليد الأعلم) فيما لا يلزم منه عسر)(١١٣).
فإنّ هذا الجواب صحيح لو فرضنا أنّ العسر ليس في تعيين أعلم العلماء، بل العسر في الوصول إلى بعض فتاويه فحينئذٍ يقال إنّ ما يمكن للمكلّف الوصول إليه من فتاوي الأعلم بلا حرج يجب العمل بها دون ما تعسَّر عليه الوصول إليها. وأمّا إذا قلنا إنّ العسر في أصلوجوب تعيينالأعلم والبحثعنه إذااحتمل وجودهفلا يأتيهذا الكلام.
الوجه الثّالث: إنّه إذا سلّمنا تعذّر تشخيص الأعلم المطلق وحرجيّته فمقتضاه التنزّلإلى الأفضل النسبي لاإلى حجيّةقول كلّفقيه، ولايناسب أنيدّعى تعذّر تشخيص الأفضل النسبي أيضاً، فإذا تعذّر على المكلّف الفحص عن أعلم عصره في العالم نوعاً فلا يتعذّر البحث عن أعلم بلده، لأنّه لمّا كان رفع اشتراط الأعلمية خلاف القاعدة فيُكتفى في رفعه بمقدار ما يرتفع به الحرج لا من أصله، فإنّ الضرورات تقدّر بقدرها(١١٤).
ولا يصح ما أورد على هذا الدليل من أنّه حرج شخصي فلا ينفي الحكم من غيره كما قد يكون الوضوء حرجياً لبعض المكلّفين(١١٥).
لأنّ الدعوى هي الحرج النوعي في هذا الاشتراط لا الشخصي، وهو يستلزم عدم التشريع له من الأوَّل.
ولو سلّم أنّ الدعوى هي الحرج والعسر الشخصيين في هذا الاشتراط ـ ولو في بعض العصور ـ فالحق في الإيراد عليها هو أنّ مقتضى هذا هو الاحتياط، وإذا كان الاحتياط منفيّاً لاستلزامه الحرج، فالعمل بفتوى مَنْ يظن أنّه أعلم أو يحتمله هو المتعيّن لا التخيير بينه وبين غيره.
وليس من الصحيح أن يجاب بأنّه أخصّ من المدعى؛ لأنّ هذا تسليم لجواز التخيير ولو في هذا الحال، وقاعدة الحرج لا تقتضيه.
ومحصّل الجواب: إنّه إذا كان مقصود المستدل هو وجود الحرج لأغلب المكلّفين في جميع العصور ـ كما هو ظاهر كلامه حتى فيما إذا علم بوجود الأعلم وعلم بالاختلاف في الفتوى ـ فلا نسلّم هذه الدعوى، بل نقول لا حرج للغالب في الرجوع إلى الأعلم.
وأمّا إذا كان المقصود أنّ الرجوع إليه حرجي في هذه الحالة بالنسبة إلى بعض المكلّفين فنقول: إنّ هذا يمكن أن يتصوّر، ولكنّه لا يوجب جواز الرجوع إلى أي فقيه، بل عليه: إمّا الاحتياط، أو الرجوع إلى من هو أعلم الباقين.
وأمّا إذا كان مقصوده بالحرج بالنسبة إلى أغلب المكلّفين هو الحرج في وجوب الفحص عن الأعلم على الإطلاق حتى مع عدم العلم بوجوده فهذا نسلّمه، ولكن ليس هو ما ندعيه في المقام.
الدليل السّادس: دليل الأولوية.
إنّ الأئمة i أرجعوا شيعتهم في أيامهم إلى أصحابهم مثل يونس بن عبد الرحمن ومحمّد بن مسلم وزرارة وغيرهم فلو كان الرجوع إلى الأعلم في هذا العصر متعيّناً لكان الرجوع إلى الإمام g في عصره متعيّن بالأولوية القطعية، والثابت خلاف هذا(١١٦).
وأجيب عنه بوجوه:
الأوَّل: إنّ الرجوع إلى الأصحاب لم يكن من حيث إنّهم في عرض الأئمّة i كما هو المقصود من البحث عن الفقهاء، بل كان من حيث إنّهم أمناء على ما أخذوا من الإمام g من الأحكام الإسلامية فكانوا طريقاً للأخذ من الأئمة i (١١٧). وكان هذا ممّا لا بُدَّ منه لبُعد الشُقّة بين المكلّفين وبين الإمام g ولزوم الحرج في الأخذ المباشر من الإمام g فهناك فرق بين هذا وبين ما نحن فيه.
الثّاني: إنّهلم يراجعأحد الشيعةأحداً منالأصحاب مععلمه بمخالفته للإمام g تفصيلاً أو إجمالاً، ومحل البحث هو العلم بالمخالفة(١١٨).
أقول في الأوَّل منهما نظرٌ؛ من جهة أنّه لا يمكن إنكار إعمال بعض أصحاب الأئمة نظرهم في استنباط الأحكام؛ ولذا عرفوا بأنّهم من فقهاء أصحاب الأئمة i.
وحينئذٍ يقال: إنّه لو كان الاشتراط بالأعلمية ثابتاً لكان من جهة أنّ فتوى الفقيه الأعلم أقرب إلى الواقع وأبعد من الخطأ وأكثر وثوقاً، وهذه الميزة موجودة بعينها في قول الإمام فلا فرق بين الموردين من هذه الجهة، ولعلّ مقصود المجيب هو أنّ مثل هذا الحرج لا يلزم من الرجوع إلى اعلم الفقهاء فهذا فرق فارق بين الموردين, فحينئذٍ ينبغي أن يقال: إنّ مقتضى الأصل كان كذلك، أي وجوب الرجوع إلى الإمام g مباشرة أو إلى ما يحصل به اليقين كالتواتر وغيره، لكن ثبت قطعاً تنازل الشارع عن هذا لأجل مصلحة التسهيل على العباد واكتفى بالأخذ من المعصومين i ولو بواسطة راوٍ أو فقيه يستنبط الأحكام من كلام المعصوم، ومقتضى هذه المصلحة نفسها عدم وجوب الفحص على المكلّف عن اعلم من في العالم، وهذا لا يستلزم عدم تعيين الرجوع إلى الأعلم بعد العلم به والعلم باختلافه عن غيره في الفتوى.
وبهذا يتبيّن ضعف ما قيل في المقام من أنّ الشارع قد تنازل عن هذا الأصل المذكور بالنسبة إلى الإمام g وهو ما قد ثبت بالدليل القطعي، ولكنّه لا يستلزم تنازل الشارع عن هذا الأصل بالنسبة إلى الفقيه الأعلم.
والوجه فيه: هو أنّ تعيّن الرجوع إلى الأعلم مطلقاً حتى مع عدم العلم بوجوده وإيجاب الفحص عنه يوجب التضييق على المكلّف بنفس المقدار الموجود في تعيّن الرجوع إلى الإمام g، فثبوت تنازل الشارع في المورد الأوَّل يستلزم تنازله في المورد الثّاني.
إلى هنا تمّ الكلام في المحور الثّاني في المقام الأوَّل، وقد تبيّن أنّ أدلة القائلين بحجيّة قول غيرالأعلم لاتنهض بإثباتهامطلقاً، بلمع عدمالعلم بالتفاضل والاختلاف في الفتوى.
المقام الثّاني: في الأصل العملي الجاري في المسألة.
ثُمّ إذا فرضنا عدم تماميّة الأدلة الاجتهادية للطرفين يأتي دور الأصل العملي في المقام الذي يكون مرجعاً، فما هو الأصل الذي يجري في المقام؟
فيه وجوه نذكر ثلاثةً منها:
١. الأصل الجاري هو الاشتغال فيقتضي تعيّن الرجوع إلى الأعلم، وهو مذهب الأكثر.
٢. قيل هذا يرجع إلى الشّك في أصل التكليف فهو مجرى للبراءة فينتج التخيير.
٣. وقيل إنّ الصحيح هو التفصيل بين البناء على الطريقية في حجيّة الفتوى فيكون مجرى للاشتغال وبين البناء على السّببية فيكون مجرى للبراءة.
تفصيل الوجوه:
أمّا الوجه الأوَّل فبيانه: أنّ الأمر دائر بين تعيّن تقليد الأعلم وبين التخيير بينه وبين غيره؛ لأنّه من باب دوران الأمر بين الحجيّة التعيينية لقول الأعلم على تقدير سقوط فتوى غير الأعلم عن الحجيّة وبين الحجيّة التخييرية لقول الأعلم على تقدير بقاء فتوى غير الأعلم على الحجيّة وهو يقتضي الأخذ بما يحتمل تعيينه.
وبتعبير آخر: حجيّة فتوى الأعلم مقطوع بها، وحجيّة فتوى غيره مشكوك بها فيجب الأخذ بما هو مقطوع الحجيّة(١١٩).
وقد أورد على هذا الوجه بإيرادات..
الإيراد الأوَّل: إنّه إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير فالأصل الجاري فيه هو البراءة عن التعيين؛ لأنّه شكّ في تكليف زائد على أصل التكليف، كما إذا كلّف المولى عبده بعتق رقبة واحتمل تعيّنها بالمؤمنة فتجرى البراءة عن الزائد على أصل الرقبة فكذلك المقام(١٢٠).
وأجيب عنه بوجود فارق بين المقامين..
توضيحه: إنّ الأمر الدائر بين التعيين والتخيير قد يدور في المسألة الفرعية وقد يدور في حجيّة الحجّة.
وعلى الثاني قد يراد بالحجيّة تنجّز الواقع فحسب، كما إذا لم يكن منجّزاً على المكلّف لولا الحجّة الواصلة إليه فلولا هذه الحجّة لكان المورد مجرى البراءة أو أصالة الطهارة والحلية وغيرهما، فحينئذٍ يكون مرجع الشّك هو الشّك بين الإطلاق والتقييد وحاله حال الدوران في الأحكام، وهو أنّ هناك علماً بالجامع وشكّ في الكلفة الزائدة فتجرى البراءة عن الكلفة الزائدة فيكون المكلّف مخيّراً في أخذ أي حجّة منهما.
وقد يراد بالحجيّة التعذير على تقدير مخالفة الواقع؛ لأنّ الواقع قد تنجّز قبل هذه الحجّة بالعلم الإجمالي الكبير، أو العلم الإجمالي المتحقّق في بعض الموارد، ودار الأمر بين الحجيّة التعيينية والتخييرية، والأصل حينئذٍ يقتضي الأخذ بما يحتمل تعيينه.
والوجه في ذلك: إنّ الواقع قد تنجّز مسبقاً فيجب الخروج من عهدته، والمعذّر القطعي هو الطرف الذي يحتمل تعيينه.
وأمّا الطرف الآخر فيحتمل عدم حجيّته أصلاً فلا يؤمن من العقاب بالاعتماد عليه فيحكم العقل بوجوبدفع الضررالمحتمل بالعمل على طبقالحجّة التياحتمل تعيينها.
والمقام من هذا القبيل؛ لأنّ الواقع قد تنجّز على المكلفين بالعلم الإجمالي الكبير فتكون حجيّة الحجج ومنها الفتوى معذّرة فقط، فإذا دار الأمر بين الحجيّة التعيينية والتخييرية فيكون مورداً لقاعدة الاشتغال لا البراءة(١٢١).
ويمكن أن يمثّل له: لو أنّ أحد الفقهاء أفتى بعدم وجوب جلسة الاستراحة في الصلاة والأعلم منه أفتى بوجوبها فالعقل هنا لا يعذّر المكلّف لو اعتمد على فتوى المفضول ووقع في مخالفة الواقع، أمّا لو كانت فتواهما بالعكس فلا يمنع العقل من الرجوع إلى الأعلم ويراه معذوراً لو وقع في مخالفة الواقع بترك جلسة الاستراحة.
وللتأمل في هذا الكلام مجال من جهات..
الأولى: أنّ حجيّة الأمارات والطرق لا تكون على نحو التفكيك بين المنجّزية والمعذّريةلاسيّما بناءًعلى الطريقيّة؛لأنّه علىهذا تكونطريقاً إلىالواقع فتنجّزه، والامتثال الموافق لها يكون معذّراً للمكلّف، فكيف يعقل أن تكون الأمارة معذرة له إذا أتى بالعمل مطابقاً لها من دون أن تنجّز الحكم عليه.
نعم، الأمارة الواردة في مقام الأعذار كحديث الرفع فهي معذّرة في ترك الامتثال دون أن تنجّز شيئاً.
وأمّا دعوى تنجّز الواقع بالعلم الإجمالي ففيه: إنّ المتنجّز به هي التكاليف إجمالاً، وأمّا تنجّز التكليف تفصيلاً فهو بالأمارات ومنها الفتوى، فالتنجيز له مرتبتان: إجمالي وتفصيلي، فإذا علم المكلّف مثلاً إجمالاً بوجوب إحدى الصلاتين من الظهر والجمعة يوم الجمعة فتنجّز عليه الواقع إجمالاً، ثُمّ أفتى المفتي بوجوب صلاة الجمعة انحلّ العلم الإجمالي بمقدار المنجّز وهو الفتوى فيجب عليه الخروج من عهدتها بخصوصها وإذا تركها استحق العقوبة لا على التكليف الإجمالي، بل على صلاة الجمعة بخصوصها، وهذا ما يعبّر عنه بانحلال العلم الإجمالي بالطرق والأمارات، أو بفتاوى الفقهاء.
الثّانية: على فرض تسليم انفكاك جهة المعذريّة في الحجيّة عن جهة المنجزيّة لا مجال لانفكاك جهة المنجزيّة عن المعذريّة؛ لأنّ الحجّة التي تنجّز الحكم يستحيل عقلاً أن لا يكون العمل المطابق لها معذّراً للمكلّف.
الثّالثة: إنّ حجيّة الحجّة إذا دار الأمر فيها بين التعيين والتخيير فالأصل الجاري فيها يقتضي التعيين حتى لو كانت حجيّتها منجّزة.
والوجه فيه: هو أنّ معنى الدوران بينهما أننا نعلم أنّ الشارع جعل إحداهما المعيّنة حجّة في تنجيز الأحكام ونشك في التخيير بينها وبين ما هو مشكوك الحجيّة، ولما كان مقتضى الأصل عدم حجيّة الحجّة الثّانية تبقى الأولى هي الحجّة تعييناً، وعلى هذا فحتى لو فرضنا أنّه لا علم إجماليَ منجَّز في البين، والأحكام تتنجّز بفتاوى الفقهاء واختلف الأعلم مع غيره في الفتوى فنشكّ في أنّ ما تنجّز علينا هو خصوص ما أفتى به الأعلم، أو: إمّا ما أفتى به الأعلم وإمّا ما أفتى به غيره، فحينئذٍ لا تجري البراءة عن تعيين ما أفتى به الأعلم؛ لأنّ الشّك فيه يرجع إلى الشّك في جعل حجيّة فتوى غير الأعلم في هذه الحالة أو لا، والأصل عدمها، فتتعيّن حجيّة فتوى الأعلم.
والصحيح في الجواب ـ والله العالم ـ: إنّ مورد جريان أصالة البراءة في الأمر الدائر بين التعيين والتخيير هو فيما إذا كان في تنجّز الأحكام نفسها بعد الفراغ عن حجيّة الحجّة التي قامت عليها لا ما إذا كان في منجّزيّة أو معذريّة الحجّة نفسها؛ لأنّ الأصل الجاري حينئذٍ هو الاحتياط لما تقدم من أنّه من باب الشّك في حجيّة الحجّة وهو يساوق عدم الحجيّة.
وقد أُجيبَ أيضاً عن هذا الإيراد: بأنّه لا معنى لجريان البراءة عن الكلفة الزائدة في المقام كما تجري في الأحكام؛ لأنّه لا يترتب على مخالفة تقليد الأعلم نفسه العقاب وإنّما يترتب العقاب على مخالفة الواقع، فما لا يترتب على مخالفته عقاب لا مجال لجريان البراءة فيه(١٢٢).
وفيه: أولاً: إنَّه لا يأتي هذا الكلام في البراءة الشرعية؛ لأنّ موضوعها ما لا يعلمون وما نحن فيه منه.
وثانياً: إنّه مبني على انحصار جريان البراءة في الأحكام التكليفية: إمّا بناءً على جريانها في الأحكام الوضعية مطلقاً، أو في الجملة، ولكن هذا لا يصلح؛ لأنّه يمكن أن يقال بجريان البراءة عن شرطية شرط زائد على أصل الفقاهة في صحة التقليد وهو الأعلمية إذا تعدد الفقهاء واختلفوا في الفتوى وكان بعضهم أعلم من بعض.
والصحيح في الجواب هو ما تقدم من أصالة عدم جعل الحجيّة لفتوى غير الأعلم الواردة على أصالة البراءة عن تعيين فتوى الأعلم؛ لأنّه بجريان الأول لا يبقى الأمرُ دائراً بين التعيين والتخيير، بل تتعيّن حجيّة فتوى الأعلم.
الإيراد الثّاني: إنّ الأصل المذكور جارٍ في المسبب، والجاري في السّبب هو البراءة، والثّاني مقدّم على الأوَّل، وتفصيل هذا الكلام وما فيه يأتي في القول الثّاني.
الإيراد الثّالث: إنّ العقل لا يحكم على الإطلاق بكون فتوى الأعلم مقطوعة الحجيّة وفتوى غيره مشكوكة الحجيّة، بل يحكم بهذا الحكم إذا لم تكن فتوى غير الأعلم موافقةً للاحتياط، أو لفتوى الأعلم الميّت، وإلّا لحكم بكون فتوى غيره مقطوعة الحجيّة ولا أقل يحكم بالتساقط، أو التخيير بينهما، أو بترجيح ما يحصل به الوثوق(١٢٣).
وفيه: إنّ محل الكلام هو فتوى الأعلم وغيره بما هي هي مع قطع النظر عن أمر آخر يوجب التساوي بينهما أو ترجيح إحداهما على الأخرى.
الإيراد الرابع: إنّ نتيجة جريان هذا الأصل هو عدم حجيّة قول المفضول لا تعيين الحجيّة لقول الأفضل لاحتمال التخيير بينه وبين قول المفضول(١٢٤).
وفيه: إنّ الحكم الشرعي قد تنجّز على المكلّف إجمالاً، والعمل بقول الأفضل معذّر قطعي: إمّا على نحو التخيير، أو على نحو التعيين فيجب العمل به عقلاً بخلاف قول المفضول فهو مشكوك المعذّرية فلا يصح الاكتفاء به عقلاً.
أمّا الوجه الثّاني فالأصل العملي على هذا الوجه يقرّر على نحوين:
النّحو الأوَّل: التمسّك بالاستصحاب.
وبيانه: أنّه إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الرتبة وكان الرجوع إليهما على نحو التخيير جائزاً ثم أصبح أحدهما أعلم فهنا نشكّ في بقاء حجيّة فتوى الثّاني فنستصحب بقاء حجيّتها، وإذا ثبتت حجيّة فتوى غير الأعلم في مورد تثبت في غيره لعدم القول بالفصل، ولعدم معقولية التفكيك في حجيّة فتوى في مورد دون آخر(١٢٥).
وأجيب عنه: أوَّلاً: بالنقض وذلك حيث كان المجتهد واحداً فقلده العامي ثُمَّ تجدد آخر، لكن الأوَّل كان أعلم فنستصحب وجوب تعيّن الرجوع إليه في هذا المورد،
وفي غيره نحكم بهذا لعدم القول بالفصل.
وثانياً: أنّ موضوع التخيير هو تعدّد المفتي مع التساوي في العلم فيثبت التخيير بالحكم العقلي، أو الإجماع، أو السيرة، ومع صيرورة أحدهما أعلم لم يبقَ هذا الموضوع فهو انتفاء للحكم بانتفاء موضوعه فلا مجال للاستصحاب.
وثالثاً: استصحاب الحجيّة في بعض الموارد غير صالح؛ لأنّه تثبت به حجيّة فتوى غير الأعلم مطلقاً؛ وذلك لأنّ حجيّة فتوى غير الأعلم إذا ثبتت بدليل اجتهادي كخبر واحد في مورد تثبت في جميع الموارد للملازمة الواقعية بين كونها حجّة في بعض الموارد وبين كونها حجّة مطلقاً المستكشفة بعدم القول بالفصل، فإنّ الأدلة الاجتهادية كما أنّها معتبرة في مداليلها المطابقية فهي معتبرة في مداليلها الالتزامية.
أمّا إذاثبتت حجيّةفتوى غيرالأعلم فيبعض المواردبالأصل العمليكالاستصحاب فلا يستلزم ثبوتها في غيره؛ لأنّه يتقوّم بيقين سابق وشكّ لاحق، ولا معنى للتمسّك به في مورد ليس فيه يقين سابق ولا شكّ لاحق. اللهم إلّا إذا قلنا بالأصل المثبت(١٢٦).
وفي هذا الثّالث نظر، من جهة أنّ الدعوى هي أنّه بين ثبوت الحجيّة لفتوى غير العالم في بعض الموارد بالاستصحاب وبين ثبوتها مطلقاً ملازمة شرعية، بمعنى أنّ الشّارع ألزم نفسه بعدم التفكيك في الحجج في موارد دون أخرى، فبناءً على هذه الدعوى لا تكون الملازمة عقلية ولا عرفية حتى يكون من قبيل الأصل المثبت، بل الملازمة شرعية، ولا كلام في جريان الأصول العملية في إثباتها.
النحو الثّاني: التمسّك بالبراءة.
وفي جريانها بيانات أربعة:
البيان الأوَّل: إنّ الأمر دائر بين التعيين والتخيير، ولما كان في التعيين كلفة زائدة على المكلّف فتجري البراءة عنه كما في نظائره، كما إذا دار الأمر في ظهر يوم الجمعة بين تعيين وجوب صلاة الجمعة وبين التخيير بينها وبين صلاة الظهر فتجرى البراءة عن تعيينها، فكذلك بالنسبة إلى تعيين الرجوع إلى فتوى الأعلم(١٢٧).
وقد تقدم الجواب عنه في الوجه الأوَّل فلا نعيد.
البيان الثّاني: إنّ الشّك في حجيّة فتوى المفضول عند المخالفة لفتوى الأعلم مسبّب عن الشّك في اشتراط الأعلمية في المفتي إذا تعدد واختلفوا في الفتوى، ومن المعلوم أنّ أصالة البراءة تحكم بعدم العقاب على مخالفة فتوى الأعلم، ولا تعارضها البراءة عن العقاب على مخالفة فتوى غيره للقطع بعدم العقاب على مخالفة فتواه عند موافقته لفتوى الأفضل في العمل، والأصل إذا جرى في السّبب يكون مقدّماً على الأصل الجاري في المسبب، وأصالة الاشتغال التي قال بها الكثيرون في المقام تجري في المسبّب ولا تصل النوبة إليها مع جريان البراءة في السّبب(١٢٨).
وفيه: إنّ هذا الكلام مبني على مقدمات أربع:
الأولى: إنّ الشّك في حجيّة فتوى غير الأعلم ناشئ عن الشّك في اشتراط الأعلمية في التقليد.
الثّانية: تجري أصالة البراءة عن العقاب على مخالفة فتوى الأعلم.
الثّالثة: لا تعارضها أصالة البراءة عن العقاب على مخالفة فتوى غيره.
الرابعة: جريان أصالة البراءة عن تعيين فتوى الأعلم يُنتج جواز الرجوع إلى غيره.
ويمكن النقاش في أكثرها:
أمّا في الأولى فيقال إنّ القول بالعكس ممكن بمعنى أنّ الشّك في تعيين تقليد الأعلم ناشئ عن احتمال حجيّة قول غيره.
والصحيح: إنّ الشّك في حجيّة فتوى غير الأعلم ناشئ عن الشّك في عموم الجعل لحجيّتها وعدمه.
وبتعبير آخر: نشك في جَعْل فتوى غير الأعلم حجّة على الإطلاق أو عند عدم معارضتها لفتوى الأعلم؟ والأصل عدم حجيّتها على نحو الإطلاق.
وأمّا في الثّانية فقد عرفت فيما سبق بما لا مزيد عليه أنّه لا مجال لجريان البراءة إذا احتمل الخصوصية في حجيّة الحجّة.
وأمّا في الرابعة فإنّ جريان البراءة في حجيّة فتوى الأعلم تعييناً لا ينتج جواز الرجوع إلى غيره وحجيّة فتواه إلّا على القول بالأصل المثبت.
البيان الثّالث: إنّ اشتراط الأعلمية في المرجع موقوف على جعل ثانٍ من ناحية الشارع، فإنّ الأعلمية غير داخلة في مفهوم المرجعية، بل دخولها في هذا المفهوم نفسه مستحيل؛ لأنّ المرجعية ليست من الأوصاف الإضافية، بينما الأفضلية من الأوصاف الإضافية؛ لأنّها لا تعتبر إلّا بعد فرض تعدّد المفتي واختلافهم في الفتوى، وإنما يكون ذلك بجعل ثانٍ غير جعل أصل المرجعية للفقيه، والجعل الثّاني مشكوك فهو مرفوع بالبراءة فيجوز الرجوع إلى غير الأعلم(١٢٩).
وفيه: إنّ الجعل الأوَّل لم يثبت تناوله حسب الفرض لفتوى المفضول مع وجود الفاضل والمخالفة بينهما في الفتوى وقد تناول هذا الجعل فتوى الأعلم، وهذا يكفي في حكم العقل بوجوب الرجوع إليه بلا حاجة إلى الجعل الثّاني.
وبتعبير أوضح: إنّ التعيين لفتوى الأعلم ليس بجعل شرعي غير الجعل الأوَّل بل هو حكم عقلي بوجوب الرجوع إليه، فلا معنى لجريان أصالة عدم الجعل.
البيان الرابع: إنّ المرجّحيّة أمر توقيفي كحجيّة الحجّة نفسها فلا بُدَّ في ثبوتها من دليل شرعي وحين عدمه مقتضى الأصل عدمها، وعلى هذا فالأصل في مرجحية
الأعلمية هو عدم كونها مرجّحاً(١٣٠).
وفيه: أوَّلاً: إنَّ باب المرجحات يأتي بعد فرض تعارض الحجّتين فنحتاج في ترجيح إحداهما على الأخرى إلى المرجحات التعبدية، والمقام ليس من هذا؛ لأنّه مع وجود فتوى الأعلم يشك في حجيّة الحجّة الثانية وهي فتوى غير الأعلم فيساوق القطع بعدم حجيّتها(١٣١).
وثانياً: إنّ أصالة عدم كون الأعلمية مرجحاً لا تثبت لا التخيير العقلي ولا الشرعي: أمّا الأوَّل فلبقاء احتمال الخصوصيّة عقلاً في فتوى الأعلم، وأمّا الثّاني فلعدم شمول الأدلة لفتوى غير الأعلم نفياً وإثباتاً حسب الفرض.
وثالثاً: إنّ أصالة عدم المرجحيّة ـ على فرض جريانها ـ تعارض أصالة عدم الحجيّة في الطرف الآخر فيتساقطان فيحكم العقل بالرجوع إلى الأعلم؛ لأنّه معذِّر قطعاً.
الوجه الثالث: فصَّلَ بعضهم في مقتضى الأصل العملي بين القول بالطريقية في باب الأمارات فيتعيّن الرجوع إلى الأعلم وبين القول بالسّببية فيها فيتخيّر بينه وبين غير الأعلم.
بيانه: أمّا على الطريقيّة فلما سبق من جريان الاشتغال، وأمّا على السّببيّة فلدخول التعارض بين فتوى الأعلم وغيرها في باب التزاحم، ومقتضى حكم العقل فيه هو التخيير وإنْ احتمل الأهميّة في أحدهما.
وحاصل البيان على السّببيّة: أنّه يوجد مقتضي لجعل حكم مماثل في مؤدّى كلّ من الفتويين على السّببيّة، إلّا أنّ احتمال الأهمية في فتوى الأعلم يوجب القطع بمانعيتها عن فعلية الطلب في الطرف الآخر بخلاف العكس، فإنّ مانعيّة فتوى غير الأعلم عن فعلية الطلب في الطرف الآخر ـ وهو الأعلم ـ محتملة لاحتمال عدم المزيّة، ففعلية الطلب في المهم مقطوع العدم وفي طرف الأهم محتملة إلّا أنّ احتمالها لا يوجب احتمال العقاب؛ لأنّه عقاب بلا بيان، وبما أنّ الطلب الخطابي بالإضافة إلى كلّ واحد ثابت وفعليتهما غير معقولة لعدم القدرة على امتثالهما معاً: إمّا من جهة التضاد بين الملاكين، أو من جهة التضاد بين الالتزام بحكمين، بناءً على أنّ التقليد هو الالتزام بالحكم، فيحكم العقل بالتخيير لاستحالة صيرورة الطلب الفعلي التعييني بذاته تعييناً بالفعل في كلا الطرفين عند التزاحم(١٣٢).
وفيه: إنّه خلط بين الأمر الدائر بين التعيين والتخيير في مؤدّى الأمارتين بناءً على القول بالسّببيّة وبين الأمر الدائر بين التعيين والتخيير في حجيّة الأمارة نفسها، وفي الأوَّل يختلف الحكم على القول بالسّببية عن القول بالطريقية بخلاف الثاني فلا يترتّب فيه فرق على القولين؛ لأنّ أصالة عدم جعل حجيّة الحجّة المشكوك حجيّتها تجري على كلا القولين، فاحتمال الأهمية في فتوى المجتهد الأعلم لا يوجب القطع بمانعيتها عن فعليّة الطلب فقط في الطرف الآخر، بل يوجب القطع بمانعيتها عن أصل اقتضاء الطرف الآخر لحكم مماثل؛ لأنّ الشّك في حجيّة الحجّة يساوي القطع بعدم حجيّتها.
ونوقش هذا البيان أيضاً، أوَّلاً: بأنّ موارد الدوران بين التعيين والتخيير تقتضي التساقط على السّببية لا التزاحم؛ لأنّه تعارض في الجعل.
وثانياً: إنّه لو احتمل الأهمية في أحد المتزاحمين فيكون هذا مجرى للاشتغال لا البراءة ببيان مذكور في محله(١٣٣). وقد عرفت أنّه لا محل لهذا الكلام في المورد؛ لأنّ هذا بعد فرض حجيّة الأمارات، ونحن نشكّ في أصل حجيّة الأمارة، والأصل الجاري فيها هو عدم الحجيّة.
إلى هنا تحصّل أنّ الأصل الجاري في المسألة لا تختلف نتيجته عن النتيجة المتحصَّلة من الأدلة الاجتهادية في المقام الأوَّل وهو عدم حجيّة قول غير الأعلم مع وجود الأعلم.
ثمرة المسألة
وللمسألة ثمرات متعدّدة نذكر واحدةً منها للأهمية
وهي أنّه بعدما اخترنا عدم حجيّة قول المفضول في بعض الصور فيبرز هنا سؤال ألا وهو: هل يجب على المكلَّف الفحص عن الأعلم والوصول إليه، وبدونه لا يجوز أن يكتفي برأي أيّ مجتهد، أو لا يجب الفحص عنه؟
أقول: إنّ للمكلّف حالتين:
الأولى: إنّه لا يعلم بوجود الأعلم حتى إجمالاً، أو علم بوجود الأعلم، لكنّه لا يعلم بالاختلاف في الفتوى بينه وبين غيره.
الثّانية: إنّه قد علم بوجود الأعلم ولو إجمالاً وأيضاً علم بالاختلاف في الفتوى كذلك.
أمّا الحالة الأولى فحكمها يتفرّع على ما بني عليه في البحث السابق، فإنْ قيل بعدم حجيّة قول غير الأعلم مطلقاً ومؤدّاه أنّ وجود رأي الأعلم مسقط لرأي غير الأعلم عن الحجيّة من الأساس، فعلى هذا يجب على المكلّف الفحص عن الأعلم، لأنّ حجيّة قول أي فقيه في حقّه متوقفة على إحراز عدم وجود الأعلم منه، ولا يجوز التمسّك بأصالة عدم وجود الأعلم؛ لأنّ الأصل في المسائل الأصولية والشبهات الحكمية لا يجوز التمسّك به إلّا بعد الفحص.
وأمّا إذا قيل بأنّ فتوى غير الأعلم حجّة في نفسها لكن بعدما علم المكلّف بمعارض لها أقوى منه لا يجوز أن يعمل بها، فعلى هذا لا يجب عليه الفحص عن الأعلم مع عدم العلم بوجوده ولو إجمالاً؛ لأنّ فتوى أيّ فقيه لا يعلم بوجود الأعلم منه أو لا يعلم بالاختلاف بينهما حجّة في حقّه ومبرئ لذمته.
وقد تقدّم أنّ مقتضى الأدلة هو الرأي الثّاني لا الأوَّل، فيتفرّع على المختار في البحث السّابق عدم وجوب الفحص عن الأعلم في هذه الصورة.
أمّا الحالة الثّانية فيجب الفحص عن الأعلم فيها حتى على الرأي الثّاني؛ لأنّ المكلّف قد علم بوجود الأعلم إجمالاً، وعلم بالاختلاف في الفتاوى فأصبح رأي أحد الفقهاء الذي هو الأعلم حجّة تعيينية في حقّه، ورأي غيره ليس بحجّة في حقّه وحينئذٍ لا يجوز له أن يتبع رأي أي فقيه لاحتمال أنّه ليس هو الحجّة في حقّه فيجب عليه الفحص حتى يصل إلى ما هو حجّة في حقّه ومبرئ لذمته.
هذا ما أردنا بيانه في هذه المسألة.
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين وصلّى الله على خير خلقه محمَّد وآله الطّيّبين الطّاهرين.
المصادر
(١) التنقيح: ١/ ١٢٧.
(٢) تعليقة الفيروزآبادي على العروة: مسألة ١٧.
(٣) لاحظ العروة الوثقى: مسألة ١٧.
(٤) تعليقة القزويني على المعالم: ٤٨٥.
(٥) التنقيح: ١/ ١٦٧.
(٦) ما ذكرته أكثره مأخوذ من تعليقة السيد علي الحسيني السيستاني F على العروة الوثقى: ١/١٣.
(٧) الذريعة: ٢/ ٣٢٥.
(٨) إرشاد الأذهان: ٢/١٣٨، والدروس الشـرعية: ٢/٦٧، ومسائل المحقق الكركي: ١/٨٠، ومعارج الأصول: ٢٨٠، وتمهيد القواعد: ٣٢١، وزبدة الأصول: ١٦٥، ومعالم الأصول: ٢٤٦.
(٩) الجواهر: ٤٠/٤٤، والفصول الغروية: ٤٢٣. ومستند الشيعة: ١٧/٤٦، والقوانين المحكمة في الأصول: ٤/٥١٩.
(١٠) منهم السيد الخوئي والسيد الكلبايكاني في تعليقتهما على العروة: مسألة ١٢.
(١١) ذكر القول الرابع والخامس في مسائل من الاجتهاد والتقليد (ص٤٩) بدون النسبة إلى قائلهما ولم نجدهما في مصدرٍ من المصادر التي تمكنّا من الوصول إليها.
(١٢) يلاحظ المستصفى للغزالي: ٣٧٤, والأحكام للآمدي: ٤/ ٢٣٨.
(١٣) حُكىت في المستمسك: ١/٢٠ دعوى الإجماع عن المحقق الثاني. وقد ادّعى السيد المرتضـى أنه من مسلمات الشيعة, الذريعة: ٢/٣٢٥، وادّعى صاحب المعالم أنه هذا ما وصل إلينا من كلماتهم, معالم الدين: ٢٤٦، وقال الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: ٣٢١: هذا هو الحق عندنا.
(١٤) التنقيح: ١/ ١١٤.
(١٥) مسائل من الاجتهاد والتقليد للنوري: ٦٧.
(١٦) الذريعة إلى أصول الشريعة: ٢/ ٣٢٥.
(١٧) كفاية الأصول: ٣/ ٣٧٧.
(١٨) المصدر السابق.
(١٩) الكافي: ١/ ٦٨.
(٢٠) لاحظالاجتهاد والتقليدتقريرات الشّيخضياء الدينالعراقي: ٣٠٥,ومطارح الأنظار:٢/٦٦٣.
(٢١) لاحظ مسائل من الاجتهاد والتقليد للسيد الخوئي: ٧٣.
(٢٢) لاحظ التنقيح: ١/ ١١٥.
(٢٣) تعارض الأدلّة واختلاف الحديث: ٢/٢٠.
(٢٤) التهذيب: ٢/٢٢.
(٢٥) رجال النجاشي: ٤٠.
(٢٦) رجال الطوسي: ٤٢٤.
(٢٧) الكافي: ٣/ ٢٧٦.
(٢٨) الاستبصار: ١/ ٢٥٠.
(٢٩) تهذيب الأحكام: ٢/ ٢٤٦.
(٣٠) الكافي: ٣/ ٢٧٦.
(٣١) الفقيه: ٣/ ٤٦١.
(٣٢) شرح مشيخة الفقيه للسيد حسن الموسوي الخرسان: ٣٥.
(٣٣) الفقيه: ١/ ٢٢٧، ٤٧٧، ٣/ ٢٣٩.
(٣٤) الفقيه: ٣/ ٨، ٨٥.
(٣٥) الكافي: ٧/٤١٢. والتهذيب: ٦/ ٢١٨ و٦/٣٠١.
(٣٦) كمال الدين وتمام النعمة: ٢/ ٦٥٠.
(٣٧) الغيبة للنعماني: ٢٥٢.
(٣٨) بحار الأنوار: ٥٢/ ٢٠٥.
(٣٩) كما في التهذيب ٩/٦, ٨١, و٦/ ٢١٨, ٣٠١. الكافي: ٦/٧١, و٧/٤١٢.
(٤٠) الكافي: ٧/ ٤٤٠.
(٤١) المستدرك: ٢/ ٢١٣.
(٤٢) مكارم الأخلاق: ٣٧٣.
(٤٣) بصائر الدرجات: ١/ ٢١٠.
(٤٤) الكافي: ٣/ ٢٧٥.
(٤٥) لاحظ الفقيه: ٢/ ٤١٠. التهذيب: ٥/ ١٣٤, ٥/ ٣٥٧, ٧/ ١٣٧.
(٤٦) لاحظ التهذيب: ٣/ ٢٤٥, ٢/١٧, ٧/٢٧٠. والكافي: ٢/ ١٥٦, ٣/ ٣٩, ٨/ ٣١٠.
(٤٧) الجواهر: ٤٠/ ٤٤.
(٤٨) بصائر الدرجات في فضائل آل محمد e: ١/ ٢١٠.
(٤٩) روضة الكافي: ٣٣٤، ح٥٢٢.
(٥٠) لاحظ شرح الدراية: ٤٤. وتنقيح المقال: ٢/ ٣٤٣.
(٥١) أكثر هذه الإيرادات مستفادة من فرائد الأصول: ٤/ ٦٠.
(٥٢) هذه الوجوه من الأجوبة بعضها موجودة في كلمات بعض الأعلام، وبعضها خطر في البال.
(٥٣) لاحظ الاجتهاد والتقليد للسيد رضا الصدر: ١٧٥.
(٥٤) لاحظ التنقيح: ١/ ١١٦.
(٥٥) هذا ملخص ما جاء في مطارح الأنظار: ٢/ ٦٦٣, ورسالة في تقليد الأعلم: ٣٢ وما بعده.
(٥٦) من لا يحضره الفقيه: ٣/ ٨.
(٥٧) تهذيب الأحكام: ٦/ ٣٠١.
(٥٨) رجال ابن الغضائري: ١/ ٦٠.
(٥٩) قال الصدوق S: (وما كان فيه عن داود بن الحصين فقد رويته عن أبي ومحمّد بن الحسن (رضي عنهما)، عن سعد بن عبد الله، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحكم بن مسكين، عن داود ابن الحصين الأسدي). شرح مشيخة الفقيه تأليف السيد حسن الموسوي الخرسان: ٦٤.
(٦٠) لاحظ الكافي: ٢/ ١٩١، ٥/ ١٩، ٥/ ٤٩٢، الاستبصار: ١/ ٣٧١.
(٦١) مستند العروة الوثقى (كتاب الصوم): ٢/ ٢٠٢.
(٦٢) لاحظ بحوث في شرح مناسك الحج: ٨/ ٤٤٤، قبسات من علم الرجال: ٢/ ٥٩٤.
(٦٣) الكافي: ٨/ ٢٦٤.
(٦٤) مطارح الأنظار: ٢/ ٥٤٤.
(٦٥) لاحظ مسائل من الاجتهاد والتقليد للشيخ حسين النوري الهمداني: ٨٩.
(٦٦) لاحظ التنقيح في شرح العروة: ١/ ١١٤.
(٦٧) لاحظ الاجتهاد والتقليد للسيد رضا الصدر: ١٧١.
(٦٨) لاحظ الاجتهاد والتقليد للسيد الخميني: ٨٨.
(٦٩) لاحظ تهذيب الأصول: ٣/ ١٧٦.
(٧٠) المصدر السابق.
(٧١) النحل: ٤٣.
(٧٢) لاحظ الفصول الغروية: ٤٢٣، والجواهر: ٤٠/ ٤٤.
(٧٣) لاحظ تهذيب الأصول: ٣/ ١٧٦.
(٧٤) المصدر السابق: ٣/ ١٧٧.
(٧٥) المصدر السابق: ٣/ ٦٢٧.
(٧٦) البقرة: ١٥٩.
(٧٧) التوبة: ١٢٢.
(٧٨) لاحظ الجواهر: ٤٠/ ٤٤ مع بيان إضافي منّا.
(٧٩) لاحظ التنقيح في شرح العروة: ١٠٩.
(٨٠) رجال الكشي: ٤٩٠.
(٨١) المصدر السابق: ١٦٢.
(٨٢) المصدر السابق: ١٣٦.
(٨٣) المصدر السابق: ٥٩٥.
(٨٤) المصدر السابق: ١٧١.
(٨٥) الكافي: ١/ ٣٣٠.
(٨٦) رجال الكشي: ١٣٧.
(٨٧) وممّن قرّب الاستدلال بها المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية: ٦/ ٤٠٧ ثُمَّ ناقشه.
(٨٨) كمال الدين وتمام النعمة: ٢/ ٤٨٤.
(٨٩) رجال الكشي: ٥.
(٩٠) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: ٣٠٠.
(٩١) الكافي: ١/ ٦٧.
(٩٢) المعنى المذكور للشيخ محمد علي الكركي H في رسالته في الاجتهاد والتقليد: ٤٧١.
(٩٣) لاحظ كفاية الأصول: ٣/ ٣٧٦.
(٩٤) لاحظ الاجتهاد والتقليد للسيد رضا الصدر: ١٨٧.
(٩٥) لاحظ التنقيح في شرح العروة: ١/ ١٠٩.
(٩٦) لاحظ التنقيح: ١/ ١١٠.
(٩٧) لاحظ رسالة في الاجتهاد والتقليد للشيخ محمّد علي آراكي: ٤٨٦. والاجتهاد والتقليد للشيخ محمّد مهدي شمس الدين: ٤٠٥.
(٩٨) لاحظ الاجتهاد والتقليد للسيد رضا الصدر: ١٨٦.
(٩٩) لاحظ التنقيح: ١/ ١١١.
(١٠٠) لاحظ مطارح الأنظار: ٢/ ٦٥٢.
(١٠١) لاحظ المحكم في أصول الفقه: ٦/ ٣٦٢.
(١٠٢) لاحظ رسالة في تقليد الأعلم: ١٩ وما بعده. ومطارح الأنظار: ٢/ ٥٣٨.
(١٠٣) لاحظ تهذيب الأصول: ٣/ ٦٣٧.
(١٠٤) لاحظ الاجتهاد والتقليد للشيخ محمّد مهدي شمس الدين: ٣٨٣. والاجتهاد والتقليد (أصول الاستنباط): ٣١٨ للسيد علي تقي الحيدري.
(١٠٥) لاحظ تهذيب الأصول: ٣/ ١٧٦.
(١٠٦) جواهر الكلام: ٤٠/ ٤٤, والفصول الغروية: ٤٢٤.
(١٠٧) مطارح الأنظار: ٢/ ٦٦٠.
(١٠٨) المسالك: ٢/ ٤٣٩.
(١٠٩) لاحظ فيض القدير في شرح جامع الصغير نقلاً عن البيهقي:١/ ٢٧١.
(١١٠) لاحظ الاجتهاد والتقليد (أصول الاستنباط): ٣١٩.
(١١١) لاحظ التنقيح: ١/١١١.
(١١٢) لاحظ مستمسك العروة الوثقى: ١/ ٢١.
(١١٣) كفاية الأصول: ٣/ ٣٧٦.
(١١٤) لاحظ مطارح الأنظار: ٢/٦٦١.
(١١٥) لاحظ رسالة في تقليد الأعلم للميرزا حبيب الله الرشتي: ٣٠.
(١١٦) لاحظ الفصول الغروية: ٤٢٤.
(١١٧) لاحظ الاجتهاد والتقليد للصدر: ١٩٧، بتصرف منّا.
(١١٨) لاحظ مطارح الأنظار: ٢/ ٥٤٠.
(١١٩) لاحظ مطارح الأنظار: ٢/ ٦٤٢. وكفاية الأصول: ٣/ ٣٧٥.
(١٢٠) الجواهر ٤٠/ ٤٤. ذكر صاحب الجواهر هذا الكلام وتبنّاه وهو يصلح كإيراد على الوجه المذكور، فليلاحظ.
(١٢١) لاحظ التنقيح في شرح العروة الوثقى: ١/ ١٢٠.
(١٢٢) لاحظ فقه الشيعة (الاجتهاد والتقليد): ١٠٤.
(١٢٣) لاحظ الاجتهاد والتقليد للصدر: ١٦٨.
(١٢٤) لاحظ المحكم في أصول الفقه: ٦/ ٣٦٥.
(١٢٥) لاحظ الاجتهاد والتقليد: ٣١٥ للكجوري.
(١٢٦) لاحظ التنقيح: ١/ ١٢٣.
(١٢٧) لاحظ قوانين الأصول: ٤/ ٥٢١.
(١٢٨) الاجتهاد والتقليد للصدر: ١٦٤.
(١٢٩) المصدر السابق: ١٦٦.
(١٣٠) ذكر هذا الوجه في مطارح الأنظار: ٢/ ٦٤٤.
(١٣١) الجواب المذكور قريب ممّا ذكر في مطارح الأنظار: ٢/ ٦٤٩.
(١٣٢) نهاية الدراية: ٦/ ٤٠٤.
(١٣٣) لاحظ التنقيح في شرح العروة: ١/ ١٢٤.