حجّيّة الوجدان
الشيخ محمّد أمجد رياض (دام عزّه)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين واللّعنة الدّائمة على أعدائهم أجمعين.
وبعد، فإنّ ما دفعني للبحث عن (حجّيّة الوجدان) هو أهمّيّته الناشئة من كثرة استخدام الوجدان في المباحث الأصوليّة والفقهيّة، وكون استخدامه بشكل يشعر بالتسالم على حجّيّته، مع ما انقدح في نفسي من تساؤل حول المسألة بفضل تنبيهات بعض أساتذتي. وبدأت أخوض في المسألة وأعيد فيها الفكر وألاحظها عند مطالعتي لكتب الفقه والأصول حتّى استقرّ في الذهن شيءٌ أردتُ أن لا يكون حاسماً حتّى أبحث المسألة بحثاً مستقلّا ً مستقصياً ما يمكن تعلّقه بها؛ لكي يكون ما أتبنّاه فيها عن بحثٍ وافٍ بالموضوع، والله وليّ التوفيق.
وقبل الدخول في صلب البحث لا بُدَّ من توضيح وتحرير محلّ البحث، وذلك في مقدّمتين:
الأولى: توضيح مفردات عنوان البحث لغةً واصطلاحاً.
الأخرى: في الاستخدام الأصوليّ للوجدان.
المقدّمة الأولى: توضيح مفردات عنوان البحث..
يتضمّن عنوان البحث مفردتين هما: (الحجّيّة) و(الوجدان).
والمراد من (الحجّة) لغة: (وجه الظفر عند الخصومة، الفعل حاججته فحججته، واحتججت عليه بكذا)(١).
وأمّا المعنى الاصطلاحي فإنّ لهم إطلاقات متعدّدة:
منها: المنجِّز والمعذِّر، كما في قولهم: (القطع حجّة) أي أنّه معذّر للعبد في علاقته مع مولاه، ومنجّز للمولى في إلزامه به.
ومنها: الكاشفيّة المعتبرة في مثل قولهم: (العام المخصَّص حجّة في غير مورد التخصيص)، أو (أنّ أصالة الظهور حجّة).
والذي نريده من الحجّيّة هنا هو المعنى الثاني، أي هل الوجدان كاشف معتبر أم لا؟ وسيأتي بيان وجه هذا الاختيار.
وأمّا (الوجدان) فالمراد منه لغة الإصابة، قال الخليل: (الوجدان والجِدَة من قولك: وجدت الشيء، أي أصبته)(٢). وفسَّر الزبيديّ الإصابة بأنّها: (الوجدان)(٣).
وأمّا المعنى الاصطلاحي فله معنيان نتعرّض لهما إجمالاً:
١. الإحراز الوجداني الذي يستخدم في قبال الإحراز التعبّديّ، والمقصود منه الإحراز بطريق القطع الحقيقيّ في قبال الإحراز بالأمارات ونحوها، كما ذكره السيّد الصدر S: (فالمعروف بين المحقّقين أنَّه متى كان الموضوع مركّباً وافترضنا أنَّ أحد جزئيه محرز بالوجدان أو بتعبّدٍ ما فبالإمكان إجراء الاستصحاب في الجزء الآخر)(٤).
٢. وهو إجمالاً ما يجده الشخص من نفسه عند مراجعتها في أمر ما، كما لو عُرِض عليه مسألة ادّعي تحقّقها عرفاً فيراجع وجدانه، فيرى ـ بالاستناد إلى وجدانه ـ أنّها عرفيّة، وهذا المعنى هو الذي يشيع استخدامه في علم الأصول، خصوصاً في مقام ذكر الأدلّة على المسائل(٥).
ثُمَّ إنّ للوجدان نحوين، وجدان شخصيّ، وهو ما مرّ بيانه، ووجدان عام، وهو إجمالاً الوجدان الذي يشترك فيه نوع البشر أو المتحاورون أو العرف، وسيأتي بيانٌ تفصيليٌّ لحقيقته.
المقدّمة الأخرى: الاستخدام الأصوليّ للوجدان.
وهي في بيان كيفيّة استخدام الوجدان، وبيان موارد استخدامه والاستناد إليه عند الأصوليين، وهي مقدّمة دخيلة في تصوّر موضوع البحث، تساعد على الوصول إلى صورة أوضح عن التطبيق العملي لهذا الدليل، ويقع الكلام في ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: في بيان كيفيّة استخدام الوجدان
يستخدم الوجدان الشخصيّ كدليل محرِز يُحرَز به الوجدان النوعيّ تارة، وعناوين كحكم العرف أو الظهور أو التبادر أو حكم العقل من تحسين أو تقبيح تارة أخرى.
ولبيان ذلك نقول: إنّ الأساليب الإحرازيّة بشكل عامّ متنوعة..
منها: الإحراز الحسّيّ، كما لو أردت معرفة هطول المطر، فتستخدم الحاسّة الباصرة أو السامعة.
ومنها: الإحراز بالاستقراء، كما لو أردت معرفة تأثير مادّة معيّنة في جسم الإنسان، فتستقرئ موارد استخدامها.
ومنها: الإحراز المنطقيّ، كما في موارد استخدام الأقيسة المنطقيّة؛ لاستخراج القواعد الكلّيّة.
هذا بشكل عامّ، وأمّا في محلّ كلامنا وهو إحراز المواضيع التي نحتاج لإحرازها فهناك أساليب متعدّدة له، فلإحراز الظهور الشخصيّ ـ مثلاً ـ يمكنك أن تعرض الكلام على شخص فترى ما يستظهره، ويمكنك أن تستخدم وجدانك فتعرف الظهور الشخصيّ، فتقول: هذا ما أجده في وجداني من ظهور لهذا الكلام.
وكذا في إحراز حكم العرف في مورد ما مثلاً، فكما يمكن أن تستخدم القرائن وقوانين الأحكام العرفيّة والشواهد يمكنك أن تستخدم وجدانك لمعرفة حكم العرف، فقد تُسأل في مورد عن حكم أنّه ما أدراك أنّ العرف يحكم بذلك؟ فتجيب: الوجدان، ولمكان استخدامه كمحرِز يقع في بعض تعبيراتهم ـ كما سنعرضها فيما يأتي ـ التعبير عن الوجدان بـ(الحسّ الباطنيّ).
ومن ثَمَّ فإنّ الوجدان حين يستخدم تارة يعبّر عنه بشكل صريح. وأخرى يستخدم ويعبّر عنه باسم (المحرز)، فيذكر أنّ العرف يحكم وأنّ الظاهر كذا، والمستخدم في الحقيقة هو الوجدان، وتدلّ على ذلك قرائن سيأتي تفصيلها.
القسم الثاني: في موارد استخدام الوجدان.
والاستخدام الأصوليّ للوجدان شائع جدّاً بشكل صريح، أو غير صريح فيعبّر عنه بتعبيرات أُخر كما أسلفنا، وموارد الاستعمال عديدة منها..
أ. استخدام الوجدان في إحراز الواقع، كوجود أمر في نفس الإنسان، وإحراز الأمور العرفيّة كالاختلاف بين شيئين، وطريقة العرف في التعامل مع أمر.. وما إلى ذلك. وعادة ما يذكر بشكل صريح في هذه الاستخدامات.
قال صاحب الفصول S: (وحيث إنّ المطلوب بالمقدّمة مجرّد التوصّل بها إلى الواجب وحصوله فلا جرم يكون التوصّل إليه وحصوله معتبراً في مطلوبيّتها، فلا تكون مطلوبة إذا انفكّت عنه، وصريح الوجدان قاضٍ بأنّ من يريد شيئاً لمجرّد حصول شيء لا يريده..)(٦)، وغيرها من الموارد(٧).
ب. استخدام الوجدان في الشؤون اللفظيّة، كإحراز الظهور في بعض موارد الاستعمال، وكذا في مفاد الصيغ ونحوها، وكذا في إحراز المعنى الوضعيّ، فيستخدم تارةً: ويذكر بشكل صريح كما ذكره السيّد الخوئي S بقوله: (من أنَّ أخذ مفهوم الشيء في المفاهيم الاشتقاقيّة يستلزم تكرّر الموضوع في قضيّة زيد قائم، والإنسان كاتب وما شاكلهما، والتكرّر خلاف الوجدان والمتفاهم عرفاً من المشتقّات عند استعمالاتها في الكلام)(٨).
وتارةً أخرى: يستخدم في إحراز التبادر أو لإحراز الظهور العرفيّ للكلام حيث يذكر بعنوان (الُمحرَز)، كما أشار إلى هذا النوع السيّد الصدر S في بحوثه(٩).
ولا يبعد كون هذا النوع من أساليب الإحراز المعروفة في علم الأصول، وسيأتي تفصيل الكلام في هذه النقطة(١٠).
ج. استخدام الوجدان في موارد التحسين والتقبيح العقليّين، أي في إحراز كون شيء واجباً أو قبيحاً أو ممّا يحسن فعله أو ممّا يذمّ فاعله، كما قال المحقّق الآخوند S: (لا شبهة في أنّ القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة والمثوبة على الموافقة في صورة الإصابة، فهل يوجب استحقاقها في صورة عدم الإصابة على التجرّي بمخالفته واستحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته أو لا يوجب شيئاً؟ الحقّ أنَّه يوجبه لشهادة الوجدان بصحّة مؤاخذته وذمّه على تجرّيه)(١١).
القسم الثالث: في نوع الوجدان المستخدم
إنّ الوجدان الذي يشيع استخدامه في الأصول والفقه هو الوجدان الشخصيّ، وحين يطلق الوجدان فإنّ المستخدَم يكون الشخصيّ منه ـ إذ يجوز أن يقصد منه الوجدان النوعيّ عند الإطلاق ـ هذا كأصل أوّلي، إلّا إذا قامت قرينة على خلاف ذلك.
لكن قد يتساءل فيقال: لعلّهم حين ذِكر الوجدان يقصدون الوجدان النوعيّ ويكون إحرازه على عهدتهم، أي ما الذي يدلّ على كونهم يستخدمون وجدانهم الشخصيّ في تلك الموارد التي يدّعون قيام الوجدان فيها؟
فيجاب بـ : أنّ الذي يظهر كونه المستخدم حين الاستدلال بالوجدان ـ بحسب الحالة الأوّليّة ـ هو الوجدان الشخصيّ، وكذا في موارد ادّعاء حكم العقل والعرف والظهور والتبادر ـ بدون ذكر دليل ـ فإنّه وإن لم يصرّح بكون الدليل هو الوجدان الشخصيّ في هذه الموارد إلّا أنّه ظاهراً كذلك، وتدلّ على ذلك قرائن، هي:
١ـ إنّ الاحتمال المقابل لرجوعه إلى وجدانه الشخصيّ هو الرجوع لقرائن، أو الرجوع إلى المتابعة والاستقراء لتحصيل الظهور أو حكم العرف وما إلى ذلك، إلّا أنّ مثل ذلك ممّا لا يترك ذكره عادة، فالملاحظ أنّهم يشيرون إلى القرائن والشواهد عند تحصيلها ممّا يدلّ على أنّهم لو لم يذكروها رجعوا إلى وجدانهم.
قال السيّد المجدّد الشيرازيّ S: (ونحن لمّا علمنا من وجداننا ومن العرف
ـ أيضاً ـ جواز سلب الضارب عمّن انقضى عنه الضرب..)(١٢) ممّا يدلّ على أنّه زيادة على مراجعة وجدانه راجع العرف، وذكر صاحب الفصول S: (فإن قيل: يمكن العلم بصحّة الاستعمال على الوجه المذكور بمراجعة الوجدان، أو بملاحظة محاورات أهل اللسان)(١٣) والعطف بـ(أو) دليل المغايرة، وكذا ما ذكره المحقّق الخراساني S في (الجهة الثالثة: لا يبعد كون لفظ الأمر حقيقة في الوجوب لانسباقه عنه عند إطلاقه ويؤيّده قوله تعالى: >فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ<، وقوله e: (لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسواك)، وقوله e: لبريرة بعد قولها: أتأمرني يا رسول الله؟ (لا بل إنَّما أنا شافع) إلى غير ذلك، وصحّة الاحتجاج على العبد ومؤاخذته بمجرّد مخالفة أمره وتوبيخه على مجرّد مخالفته كما في قوله تعالى: >مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ<)(١٤) حيث إنّه S استدلّ بالتبادر وأيّده بشواهد من الآيات والروايات وأمثلة أخرى(١٥).
٢. إنّ السيّد الصدر S قال: (أو كان من باب الخلاف في استظهارات عرفيّة قد لا يمكن تخريج نكات موضوعيّة لها كما نصنع ذلك في أكثر الاستظهارات) بعد أن ذكر (أنَّ جملة من الخلافات ترجع إلى نكات ذاتيّة)(١٦) وهو يدلّ على أن أكثر الاستظهارات هي عبارة عن استظهارات شخصيّة ـ والتي هي استخدام للوجدان الشخصيّ في إحراز الظهور كما سيتبيّن(١٧) ـ لا ترجع إلى أمور موضوعيّة من قبيل الاستقراء أو مراجعة فهم العقلاء بطرق معيّنة. وسيأتي التعرّض لكلامه S بشيء من التفصيل.
٣. ما يُذكر تفسيراً لبعض التعبيرات، مثل (العرف ببابك) ونحوها ممّا يدلّ على أنّ المراد بالعرف وأشباهه من استخدامات الوجدان ما هي إلّا مراجعة الشخص لنفسه، قال المحقّق النائينيّ S: (بل العرف ببابك، فهل ترى من نفسك اختلاف تصدّي نفسك وحملتها نحو ما كان في منتهى درجة المصلحة...)(١٨) حيث شرح قوله: (العرف ببابك) بإرجاع الأمر إلى نفس المخاطب ـ أي وجدانه الشخصيّ ـ مع أنّه لو كان المقصود هو المراجعة الاستقرائيّة لما كان هنالك وجه للإرجاع إلى النفس.
٤. ما ذكر في وقاية الأذهان في مناقشة المحقّق الخراسانيّ S: (فهل يشكّ المنصف الذي لم يفسد وجدانه بمزاولة الشبهات)، وكذا قوله: (فراجع وجدانك وأنصف)(١٩) ممّا يدلّ على نسبة الوجدان إلى الشخص يقتضي أن يكون المناط في تحقيق دليل الوجدان هو الوجدان الشخصيّ. ونحوه ما ورد في مواضع أُخر من وقاية الأذهان(٢٠)، وغيرها(٢١).
والظاهر أنَّ المقصود بالوجدان عند إضافته إلى المخاطب هو نفس الوجدان عند إطلاقه؛ إذ يستخدم في نفس موارد استخدام الوجدان المطلق، ولو كان له معنى مغاير لتعرّض له.
٥. ما ذكره صاحب المنتقى S في مناقشة بعض الأدلّة: (أمّا الوجه الأوَّل والثاني فهما وجهان يرجعان إلى تحكيم الوجدان؛ لذلك كانت المناقشة فيهما سهلة، لإمكان إنكار التبادر وصحّة السلب ودعوى العكس، وأنّ المتبادر هو الأعمّ كما حدث فعلاً؛ فقد جاء في استدلال الأعمّي على دعواه ادعاء التبادر وعدم صحّة السلب. وعليه فالالتزام بأحد الطرفين ممّا لا يمكن الجزم به وفرضه، بل أمر يوكل إلى ما يلمسه وجدان كلّ فرد من أهل العرف)(٢٢). وهذا المقطع قويّ الدلالة على ما ذكرناه؛ حيث ذكر أنّ مناقشة الوجه الوجدانيّ أمر سهل، إذ يقابل وجدان المدّعي بوجدان المناقِش، ممّا يعني أنّ الوجه الوجدانيّ المراد به وجدان المدّعي. وكذا ما ذكره من إحالة الأمر إلى وجدان كلِّ فرد، فإنّه يفيد أنّ المعتبر في الاستدلال بالوجدان ما يلمسه صاحب الوجدان.
٦. إنّه من المستبعد أن يكون المقصود بالوجدان هو الدليل الاستقرائي، أو أيّ نحو آخر غير الرجوع إلى الوجدان الشخصيّ؛ إذ لم يظهر أنّ التعبير بالوجدان عن الدليل الاستقرائي أو أي نحو آخر أنّه تعبير متعارف، حتّى يستخدم ويعوّل في فهمه على معهوديّته في الأذهان، مع ما عرفت فيما سبق أنّ مثل المتابعة والظفر بالشواهد والمؤيّدات ممّا لا يترك ذكره عادة كي نفترض أنّهم يذكرون الوجدان فقط ويريدون به ذلك.
وحاصل الأمر: أنّ المستخدم في إحراز العرف والظهور والوجدان والتحسين والتقبيح ونحوه من التعبيرات هو الوجدان الشخصيّ ما لم تقم على خلاف ذلك قرينة.
تحرير محلّ النزاع..
بعد أن تمّ بيان معاني (الحجّيّة) و(الوجدان)، وأنواعه، واستخدامه العلميّ، لا بُدَّ من بيان المراد والمقصود في محلّ البحث فنقول..
إنّ محلّ البحث هل أنّ الوجدان الشخصيّ كاشف معتبر أم لا؟ وبتعبير آخر هل هو طريق معتبر للوصول إلى الواقع أم لا؟
ومعنى ذلك أنّا اخترنا من معاني الوجدان: الشخصيّ، ومن معاني الحجّيّة: الكاشفيّة.
ووجه الاختيار الأوّل: أنّه قد مرّ أنّ للوجدان نوعين: وجدان شخصيّ وآخر عامّ، وحيث إنّ الوجدان العام يمثّل تطابق وجدان عامّة البشر أو نوعهم على أمرٍ، كتطابقهم على مفاد صيغة معيّنة ـ مثلاً ـ فيستشعرون بوجدانهم أمراً مشتركاً فيمثّل هذا الأمر المشترك حينئذٍ الظهور العرفيّ للصيغة، وكذا لو استشعروا قبح أمرٍ ما فيكون قبيحاً عند العقلاء، فالوجدان العام المتعلق بأمرٍ ما يمثّل الموضوع المراد إحرازه كالعرف والظهور والقبح والحسن ـ حيث إنّ ما يجدونه من أنفسهم هو الموضوع، أي إمّا عرفيّة الشيء أو قبحه أو ظهوره ـ فلا محلّ للبحث عنه هنا.
ووجه الاختيار الآخر ـ وهو الكاشفيّة من معاني الحجّيّة، حيث إنّه قد مرّ أنَّ لها معنيين، وهما: المنجّزيّة والمعذّريّة، والكاشفيّة ـ أنّ حجّيّة الوجدان لو تمّت فهي من قبيل الطرق والأدلّة المحرزة، فالبحث عن حجّيته هو البحث عن أنّ كاشفيّته معتبرة أو غير معتبرة، ولذا فإنّ التقريبات التي سنذكرها تركّز على اعتبار كاشفيّة الوجدان.
وبتعبير آخر: إنّ المنجّزيّة والمعذّريّة لو ثبتت للوجدان فهي تثبت من جهة اعتبار كاشفيّته فيعود الأمر بالأخير للحجّيّة بمعنى الكاشفيّة؛ وذلك لأنّ الدليل على حجّيته يكون مفيداً لاعتبار كاشفيّة الوجدان وكونه دليلاً محرزاً معتبراً.
القول بالحجّيّة وتقريباته
إنّ الوجدان مع كثرة الاستناد إليه والاستدلال به ـ كما مرّ بعض شواهده ـ لم أجد من صرّح بحجّيّته، وكأنّهم متسالمون على حجّيته، والاستدلال به شائع، بل لم أقف على من صرّح بعدم حجّيّة الوجدان.
وقبل الخوض في التقريبات ومناقشتها لا بُدَّ من بيان أمرين لهما دخالة في فهم المناقشات..
الأمر الأوَّل: إنّ الشواهد التي أذكرها بخصوص الوجدان في المناقشات مبنيّ على أنّ المستخدم فيها هو الوجدان الشخصيّ ـ على ما مرّ بيانه ـ. نعم، الموارد التي كنت أشكّ في كون الوجدان المذكور فيها شخصيّاً لم أذكرها؛ لاحتفافها بقرينة أو بمحتمل القرينيّة.
الأمر الآخر: إنّ المناقشات المذكورة على نحوين..
١ ـ المناقشة في التقريب بأنّه لا يبرّر استخدامات الأعلام العمليّة ـ أي الاستخدامات التي تقع منهم في الاستدلال في مختلف المطالب ـ للوجدان، فيكون الدليل أخصّ من المدّعى؛ إذ لو ثبت استخدام الأعلام للوجدان في موردٍ ما فإنّه يكشف عن التزام ضمني بكونه صالحاً كحجّة في ذلك المورد، فإذا تبيّن عدم وفاء التقريب بحجّيّة الوجدان في ذلك المورد كان التقريب أخصّ فيما يثبته من الحجّيّة الملتزَمة من قبل الأعلام.
٢ ـ عدم مطابقة الدليل للواقع، بالخدشة في مقدّماته أو شواهده.
ويمكن ذكر عدّة تقريبات لهذا القول:
التقريب الأوّل
تقريب حجّيّته من باب كونه يفيد القطع..
فعند مراجعة المرء لوجدانه الشخصيّ عند تحقيق حال أمر من كونه حسناً أو قبيحاً، أو في تحقيق حكم العرف في مسألة ما، أو في ظهور لفظ ما يحصل له القطع بأنّ ما قام عليه وجدانه هو الواقع، فلو راجع وجدانه عند البحث عن دلالة صيغة الأمر على الوجوب يجد أنّها تدلّ على ذلك، فيقطع بكونه هو الواقع، أي أنّ الظهور العرفيّ للصيغة هو الوجوب؛ لأنّ هذا الوجدان لا ينشأ من فراغ.
وهذا التقريب وإن لم يُصرّح به إلّا أنّه يمكن أن يستفاد من كلمات بعض علماء الأصول:
منها: ما ذكره المحقّق التقي S بعد ذكر أحد الأدلّة: (أنّه ليس ذلك من الفطريّات ولا من الوجدانيّات ونحوهما حتّى يدّعى الضرورة فيه)(٢٣)، وهو يشير إلى أنّ الوجدانيّات ممّا يقطع العقل بالضرورة بها حتّى أنّه عطفها على الفطريات، وكذا قال S: (إفاضة العلوم الضروريّة؛ إذ هي منحصرة بحسب الاستقراء في ثلاثة: الفطريّات والوجدانيّات وذوات الأسباب..)(٢٤).
ومنها: ما ذكره الشيخ آل راضي S، حيث قال: (لأنّ الوجدانيّات من الأمور الضروريّة)(٢٥). وفي موضع آخر عدّد أقسام الضروريات فذكر: (أو الحسّ الباطنيّ كالوجدانيّات وهي ككون أنَّ لنا علماً بكذا..)(٢٦).
وما قد يستفاد من السيّد المجدّد الشيرازيّ S، حيث قال: (ونحن لمّا علمنا من وجداننا ومن العرف ـ أيضاً ـ جواز..)(٢٧)، فإنَّه يشير إلى استفادة العلم بواسطة الوجدان.
نعم، قد يقال: بأنّ مقصوده حصول العلم من العرف والوجدان معاً. ولكن الظاهر بمقتضى قوله (أيضاً) إرادة حصول القطع من كلٍّ منهما بالاستقلال.
والمحقّق العراقيّ S حيث أفاد: (إذ بداهة الوجدان قاضٍ بأنَّه لا مدخليّة لعنوان الإيصال والترتّب..)(٢٨) بناءً على تفسير نسبة البداهة للوجدان بكونها من قبيل نسبة المعلول إلى علّته، أي الوضوح الناشئ من الوجدان كما في قولنا: ضوء الشمس وحرارة الجو. وله تفسير آخر يأتي بيانه في التقريب الأخير.
وقد يستفاد من بعض الكلمات إفادته الاطمئنان، كما ذكر المحقّق الهمدانيّ S: (فإنّا إذا راجعنا وجداننا لا نستبعد إطلاق الكرّيّة على الماء..)(٢٩).
وهذا التقريب يبرّر ويعالج كلّ استخدامات الوجدان الشخصيّ الإحرازيّة التي مرّ الكلام عنها، وهي استخدامه في إحراز الشؤون اللفظيّة (التبادر والظهور)، وأحكام العرف وحكم العقل؛ وذلك لأنَّ مرجع التقريب إلى كون الوجدان مسبّباً للقطع الذي يكون حجّة مطلقاً.
ويمكن أن يعترض عليه بعدّة اعتراضات:
الاعتراض الأوَّل: أنّ هذا التقريب يبتني على مقدّمة مطويّة، وهي موضوعيّة هذا الإحراز، أي أنّ استخدام الوجدان الشخصيّ في إحراز الوجدان العامّ موضوعيّ، فمجرّد قيام الوجدان الشخصيّ يوجب القطع بشكل موضوعي بواقع الوجدان العامّ.
إلَّا أنّ الذي يظهر عدم موضوعيّة هذا الإحراز؛ فإنّ هذا الإحراز لا يطابق الأساليب الموضوعيّة، وذلك أنّ الوجدان النوعيّ هو عنوان ينتزع من تطابق الوجدانات الشخصيّة على شيء، وليس الوجدان النوعيّ وجداناً حقيقيّاً، بل هو من قبيل العناوين الانتزاعيّة كالتقدّم والتأخّر.
وعليه فالاستدلال بالوجدان الشخصيّ بدعوى مطابقة ما يقوم عليه للوجدان النوعيّ، كدعوى مطابقة الفرد لعنوان الأُمّة. فهل يعدّ الاستدلال على كون الأُمّة سعيدة أو الشعب غنيّاً بالنظر إلى كون المستدلّ يرى نفسه غنيّاً أو سعيداً موضوعيّاً! بل من الواضح أنّ هكذا استدلال ليس موضوعيّاً، وإلَّا لم تكن حاجة للاستقراء؛ لاستغنائنا بمثل هذه الطريقة في الاستدلال.
والسرّ في عدم موضوعيّته: أنّ الترتيب المنطقيّ لهذا الاستدلال مخدوش؛ فإنّ المدّعى هو كون الوجدان النوعيّ محكوماً بالحكم (أ)، والمعطى الذي يحصل عليه عند إحرازه الوجدان النوعيّ بوجدانه الشخصيّ هو كون وجدانه الشخصيّ محكوماً بالحكم (أ)، فحقّانيّة المعطى لا علاقة لها بحقّانية المدّعى، فكما أنّ الاستدلال على أنّ العين النابعة دامعة بأنّ العين البصريّة دامعة خاطئ وغير موضوعيّ، وهو لا يحتاج لأكثر من ذلك لكي يقال بأنّه ليس بحجّة؛ وذلك لكونه من سنخ المغالطة، والقياس مختلف الحدّ الأوسط قياس فاسد، فكذلك يجري الإشكال في الاستدلال بالوجدان الشخصيّ، حيث إنَّ الاستدلال على أنَّ الوجدان يقتضي (أ) هو بالنحو التالي: (أ) يقتضيه الوجدان الشخصيّ، والوجدان النوعيّ حجّة، واتّصاف بعض أجزاء منشأ الانتزاع لا يلازم اتّصاف العنوان المنتزع بنفس ذلك الوصف، فإنّ كون وجدان الشخص قائماً على شيء لا يعني كون الوجدان النوعيّ قائماً عليه، فإنّ الوجدان النوعيّ ينتزع من تطابق الوجدانات الشخصيّة على شيء، فليس منتزعاً من وجدان الشخص بحدّ ذاته حتى يتطابقا.
قد يقال: كيف! وأنّا نجد أنّ وجداننا يتطابق مع الاستقراء في بعض الموارد، كما في الوجدانات غير المختلف فيها، كظهور صيغة الأمر في الوجوب.
فيقال: وكذا فيما قيس عليه فإنّ المستدلّ على أنّ الشعب حزين، قد يستدلّ بأنّه يرى من نفسه أنّه حزين ويطابق ذلك مؤدّى الاستقراء؛ فإنّ الطرق المخدوشة والأساليب غير الموضوعيّة لا يمتنع أن تصيب الواقع في بعض الموارد، لكن ذلك لا يخرجها عن عدم الموضوعيّة.
ثُمَّ إنَّه قد يقال في الدفاع عن الاستدلال بالوجدان الشخصيّ بما ذكره سيّدنا الأستاذ (دامت بركاته) ـ في جواب إيرادٍ على حجّيّة استخدام الوجدان ـ (إنّ وجود البعد الوجدانيّ للأفعال والمعاني النفسيّة بطبيعته يقتضي إمكان التعويل عليه مع الاستيثاق من وجوده مع امتلاك أدوات تحليليّة دقيقة، والتفتيش عن مناشئ الزيف المحتمل في هذا الشعور والتحرّز عنها، وإعطاء توجيه قريب لدعوى الشعور الوجدانيّ على عكس ذلك.
وليس وقوع الخطأ في دعوى الوجدان أو نفيه بالذي يقتضي رفع اليد عن الاستهداء به تماماً، فإنّ مثل هذا الخطأ ممّا يتّفق في سائر أنواع الأدلّة كالأدلّة الاستنباطيّة والاستقرائيّة والحسّيّة، ولو كان مثله عائقاً عن الاعتماد على الدليل لزم السفسطة، كما استند القائلون بها إلى مثل هذه الحجّة. فالمنهج الصحيح الاعتبار بالأخطاء في ترشيد الاستدلال ومزيد الدقة فيه لا إبطال التعويل عليه رأساً)(٣٠).
إلَّا أنَّه قد يُتساءل:
أوَّلاً بـ : أنّ أوّل ما ذكره i لم يُقِم عليه دليلاً، فلِمَ افترض أنّ هذا البعد الوجدانيّ يكون التمسّك به تمسّكاً موضوعياً حتّى مع ما ذكر من الاستيثاق.
ويمكن الجواب عنه: بأنَّه i كان في محلّ جواب إيراد عن استخدام الوجدان بكلا نحويه الخفيّ والجليّ، فهذا الأمر أُخذ مسلَّماً من المُورِد ومنه i، ولذا لم يُقِم عليه دليلاً حيث إنّ محلّ كلامهم كان هو في الاستدلال بحدود الوجدان لا في الاستدلال بأصله.
وثانياً بـ : أنَّ هذا الجواب لا يثبت حجّيّة الوجدان كما هو محلّ البحث؛ فإنّ البحث عن الوجدان وصحّة التمسّك به كدليل، لا البحث عن الوجدان مع وجود تقريب لما قام عليه ومع قيد التفتيش عن مناشئ الزيف، وكون المستدلّ لديه من الأدوات ما يميّز له الوجدانات الدقيقة ويرجع كلّا ً منها إلى أسبابه؛ فإنّ كلّ هذه القيود خارجة عن موضوع البحث، وهو الوجدان من غير أيّ قيد، فإنّ التمسّك بالوجدان ـ إذا لم يقم على موضوعيّته دليل ـ مع هذه الأمور هو في الحقيقة تمسّك بها لا به.
والسرّ في ذلك: أنَّ التقييد في كلامه i يوجب أن يُتمسّك بالوجدان في هكذا موارد مع مثل تلك القيود، ومن ثَمَّ لو لاحظت فإنّ تلك القيود ممّا يمكن التمسّك بها لو خلت عن الوجدان، فإنّ التوجيه الذي يبيّن سبب حصول شعور وجدانيّ على خلاف وجدان صاحب التوجيه بما يقدّم من قرائن ونحوها ممّا يمكن التمسّك به ـ بعد فرض كونه موضوعيّاً ـ دون الوجدان، وذلك أنَّه لو كان هنالك وجدانان شخصيّان، كلّ منهما يدّعى أنَّه هو الواقع وهو الوجدان النوعيّ، فإن وجد توجيه يبيّن الزيف في أحد الوجدانين الشخصيّين يكون بنفسه دليلاً على الوجدان النوعيّ لكفايته بذلك من غير حاجة لوجود الوجدان، أي لو لم يكن لديك وجدان في أمرٍ وكان لديك توجيه يبيّن زيف الوجدان الشخصيّ المدّعى في الأمر فإنَّه يُبيّن بذلك الوجدان المطابق للواقع، وكذا باقي القيود كما سيتمّ بيانه ضمن الكلام. فالحقّ أنّ التمسّك بهذا الدليل المركّب من الوجدان والقيود هو ـ في الحقيقة ـ تمسّك بها، إذ تلك القيود يصحّ التمسّك بها من دون وجود الوجدان بخلافه، فعدمه ووجوده لا يغيّران شيئاً في التمسّك بهذا الدليل.
وثالثاً بـ : أنَّ ما ذكره i من أنّ الخطأ يقع في الحسّ ونحوه والاعتماد على هذا الأمر موجب للسفسطة، فهو مشكل من جهتين..
الأولى: أنّ نسبة الأخطاء في الوجدان كبيرة بشكل لا يظهر أنّها مقاربة لنسبة الأخطاء في الحسّ ونحوه، كما سيتبيّن.
والأخرى: أنّ لزوم السفسطة لا يكون إلّا مع انحصار السبيل إلى الواقع بالوجدان الشخصيّ، وهو مشكل لما هو واضح من وجود السُبل الأُخر، كالاستقراء والتحليل لإحراز الواقع، كما ستعرف تفصيله في التنبيه الثاني.
ثُمَّ إنّه يمكن أن يقال: إنَّ ممّا يبتني عليه ما أفاده i ـ من توجيهٍ لحجّيّة الوجدان ـ هو أنّ الوجدان الشخصيّ يمكن بالنظر إليه منفرداً انتزاع وجدان نوعيّ وذلك بإزالة الحالة الشخصيّة له، وذلك أنّه i افترض أنّ الوجدان متكوّن من نوعين من الأمور: أمور هي مناشئ للزيف، وأخرى حقّة، فعلينا أن نتفحّص الوجدان فنتّجه إلى الأمور الصائبة، ونتحرّز عن الزائفة.
ولكن هذا ـ مع مخالفته لما مرّ ذكره في كيفيّة انتزاع الوجدان النوعيّ ـ مشكل من حيث إنّ الوجدان الشخصيّ ليس أمراً مركباً، بل هو حالة من حالات النفس البسيطة، أو كما عبّر عنه i بالشعور ـ كالخوف والقلق وغيرها من الأمور التي لا تكون مركّبة ـ، فكما أنّ حقيقة خوفك من أمرٍ ما حقيقة بسيطة ثابتة في نفسك بغضّ النظر عن أسبابها فكذا الوجدان على أمرٍ شعور بسيط، فهو نتاج أمور إلّا أنّ الناتج بسيط ينتفي بزوال جزء علّته فالوجدان الناتج عن الأسباب الحقة فقط غيرُ الوجدان الناتج عن المجموع منها ومن الزائفة، فبمجرّد اكتشاف الزيغ في أحد مناشئ الوجدان وإزالة أثره عن الوجدان يتغيّر الناتج بعد إزالة هذا المؤثّر، فلا يبقى الاستدلال بمثل هذا الناتج استدلالاً بالوجدان، بل بشيء جديد.
والحاصل: أنّ الوجدان الشخصيّ هو عبارة عن هذه الحالة النفسيّة المتشخّصة في أفق النفس الناتجة عن كلّ تلك الأسباب، فأيّ تصرّف في هذه الأسباب لا يكون الناتج عين السابق، فلا تكون مستدلّا ً بالوجدان.
إلّا أن يقال: إنّه بعد اكتشاف أحد مناشئ الزيف لا يعدّ الوجدان حجّة.
ثُمَّ إنّ هنالك أمراً لا بُدَّ من التعرّض له: وهو أنّ هنالك غموضاً وطويّاً لمقدّمةٍ، وهي ما هو معنى الزائف والصائب الذي هو مقتضى الدقّة؟
والجواب عنه: هو أنّ مقتضى التأمّل أن يكون المنشأ الزائف هو ما يوجب جعل الوجدان شخصيّاً غيرَ كاشف عن الوجدان النوعيّ، والمنشأ الصحيح هو ما يجعل الوجدان يقوم على ما قام عليه الوجدان النوعيّ؛ لأنّ المناط هنا هو إحراز الوجدان النوعيّ.
فإذا تمّ ذلك يقال: إنّ الوجدان الشخصيّ بما له من مناشئ فاسدة وصحيحة هو بكلّ تلك المناشئ وجدان شخصيّ خارجاً، فكما أنّ وجود الطبيعي في الأفراد ـ كما حقّق في محلّه ـ بنحو الآباء والأبناء ـ لا بنحو ما ينسب للرجل الهمدانيّ ـ فإنّ الإنسان في زيد ليس عين الإنسان في عمرو. نعم، ينتزع منهما صورة مشتركة، فكذا المبرّر الذي يدّعى كونه صحيحاً ونوعيّاً (صائباً) ليس بنوعي بل هو منشأ شخصيّ أيضاً بوجوده النفسي، فأنت حين ترجع إلى وجدانك تجد المناشئ كلّها شخصيّة لا أنّك تجد مناشئ شخصيّة ونوعيّة لتجري عليها ما تجده من تعديل مناسب.
فإن قيل: كيف إذن يصحّ أن يقال: إنّ هذا الكلام منشؤه أمر شخصيّ، وذاك منشؤه أمر موضوعيّ نوعيّ بعد ما ذكر؟
فيقال: إنّ سبب هذا التوصيف هو مقايسة المناشئ واستقراؤها، فما تطابق عليه من بين المناشئ يكون نوعيّاً وما تفرّد به يكون شخصيّاً، إلّا أنّ هذا مع المحافظة على كونها في مقام وجودها الخارجيّ متشخّصة في أفق النفس، كما في انتزاع الكلّيّ من الأفراد الخارجيّة، حيث كلّ طبيعيّ خارجيّ مغاير للطبيعيّ الآخر.
وعليه فإيجاد مناشئ الزيف هو بالاستقراء ونحوه ممّا يكشف كشفاً موضوعيّاً عن كون المنشأ شخصيّاً، فبذلك نعود إلى الاعتماد على الاستقراء في إحراز الوجدان النوعيّ ولا نعتمد على الوجدان الشخصيّ؛ ولذا لو كان مؤدّى الاستقراء كاشفاً عن نتيجة مباينة للوجدان الشخصيّ للمُستقرِئ لم يعبأ به؛ لأنّه لا قيمة له بحالته الشخصيّة. مع أنّ هذه النتيجة قد تخالف ما يُفهم من كلامه i حيث إنّه افترض أنّك تحافظ على وجدانك بشكله الجديد بعد افتراض إيجاد مناشئ الزيف والتحرّز عنها.
ثُمَّ إنّ ما ذكره i من التفتيش قد لا يمكن تطبيقه عمليّاً.
بيان ذلك: أنّ الأشياء على قسمين:
قسم يكون نتاجاً واضحاً لأسباب واضحة، أو يمكن بسهولة اكتشاف أسبابه، كاحتراق الورقة الذي يعرف منشؤه وسببه.
وقسم يكون نتاجاً عن جملة من الأسباب بنحو معقّد، فينتج من عدّة أسباب طوليّة أو عرضيّة.
والوجدان الشخصيّ من قبيل القسم الآخر، فالظاهر أنّه حالة (شعور) ناتجة عن ظروف عديدة وملابسات وخبرات شخصيّة قد تكون بعضها حادثة، وأخرى قديمة الوجود، ولا أقلّ من أنّه يحتمل رجوعه لمثل هكذا أسباب، ولمّا كان البحث عن مناشئ الزيف لا بُدَّ أن يشمل كلّ ما يحتمل تأثيره، فلا بُدَّ من شموله لمثل هذه الأسباب.
ومن ثَمَّ لمّا كانت هذه الأسباب لا تنحصر في كونها أسباب قريبة ومباشرة بل تكون بعضها قديمة، أو مجهولة مزروعة في طبيعة الإنسان أو إرثه، فلا يستطيع تمييزها فيصبح البحث عن مناشئ الزيف في الوجدان: إمّا متعسّراً؛ لعدم قدرة صاحبه على الإحاطة بكافّة المناشئ، أو متعذّراً إذا لاحظنا أنّ الكلام عامّ في كلّ وجدان يُراد الاستدلال به، وقد عرفت أنّ الاستدلال بالوجدان كثير جدّاً.
ثُمَّ إنّه مرّت الإشارة إلى كلام السيّد الصدر S ولا بُدَّ هنا من التعرّض له شرحاً، ولتأييده لما ذكرنا من عدم موضوعيّة إحراز الوجدان النوعيّ بالشخصيّ، فإنّه قال: (إنّ جملة من الخلافات ترجع إلى نكات ذاتيّة غير قابلة للحلّ بالبحث، كما إذا كان من باب القطع الوجدانيّ الحاصل من مزاج في فهم الأدلّة، والتعدّي من مدلولها أو الجمود عليها، أو كان من باب الخلاف في استظهارات عرفيّة قد لا يمكن تخريج نكات موضوعيّة لها، كما نصنع ذلك في أكثر الاستظهارات، أو يرجع الخلاف إلى الخلاف في فهم الذوق العقلائيّ وارتكازاتهم في باب العقود والمعاملات)(٣١).
وهو يشير إلى أنّ القطوع المستندة إلى الوجدان شخصيّة ليست قابلة للبحث، أي أنّها ليست موضوعيّة، ولا بُدَّ هنا أن نشير إلى أمرين:
الأوّل: الظاهر أنّ المقصود من المزاج ليس مجرّد الاستحسان والمناسبة الشخصيّة، بل هو الذوق والمزاج الذي يحصل للباحث بالنظر إلى ممارسة النصوص الشرعيّة، والإحاطة بجوانبها، ومعرفة ذوق الشارع في عموم تشريعاته، وهذا الذوق قد يختلف من شخص إلى آخر، ثُمَّ إنّ مجرّد كون الذوق مستنداً إلى ممارسة شخصيّة ووجدانٍ، ولو كان ذلك الوجدان متأثراً في ضمن المناشئ المُحدِثة له بأمور من قبيل الممارسة في النصوص الشرعيّة، إلّا أنّ هذا لا يخرجه عن كونه ممارسة شخصيّة متفاعلة بباقي المؤثّرات الشخصيّة، وقد تقدّم الكلام عن هذا الأمر.
والآخر: إنّه قد يتوهم أنّ في كلامه S تناقضاً، حيث إنّه صرّح أنّ جملة من الاستظهارات لا يمكن إيجاد نكات موضوعيّة لها، ثُمّ ذكر أنّا (نصنع ذلك في أكثر الاستظهارات).
لكنه يندفع بما سيأتي نقله عنه تفصيلاً(٣٢) من أنَّه S يعتقد بوجود أصل عقلائيّ يبرّر الاعتماد على الظهور الشخصيّ في إحراز الظهور النوعيّ.
لكن قد يقال: إنّ هنا فهماً آخر لكلامه، وهو أنّ مقصوده (طاب ثراه) من قوله: (كما نصنع ذلك في أكثر الاستظهارات) أي أنّنا نخرِّج لاستظهاراتنا نكات موضوعيّة، لا أنّ استظهاراتنا تكون بناءً على نكات شخصيّة.
فيقال: بأنّ هذا الاحتمال لا يناسب غرض كلامه وسياقه، وذلك..
١ـ إنّ محلّ كلامه S هو وجود خلافات ليست قابلة للحلّ، فذِكر كون أكثر استظهاراته من قبيل ما يمكن حلّه ـ بناءً على هذا التفسير ـ هو خلاف المراد إبلاغه من وجود جملة من تلك الخلافات، فيكون كلامه أشبه بنقض الغرض.
٢ـ إنّ سوق الكلام هو عن ادّعاء وجود استظهارات لا يمكن تخريج نكات موضوعيّة لها فكأنّه S أراد أن يبعد توهم أنّ هذه دعوى بلا دليل، أو أنّ هذه الاستظهارات تحصل في موارد قليلة، فأتى بهذه الجملة التي تكون كالدليل على وجود هذا النوع من الاستظهارات. وأمّا لو فسّرنا هذه الجملة بالتفسير الثاني كانت جملة اعتراضية لا علاقة لها بالكلام والمقصود؛ لأنَّ مفادها هو كون استظهاراته S في أكثرها موضوعيّة وهو لا ربط له بما يريده بكلامه، ولعلّ الأنسب أن يكون الكلام مترابطاً، والله العالم.
وعلى أي حال فليس هذا هو صلب الأمر.
هذا تمام الكلام في الاعتراض الأوّل.
الاعتراض الثاني: أنَّه لا ينبغي للمتأمّل حصول مثل هذا القطع بعد الاطّلاع على كافّة الاعتبارات في المسألة، خصوصاً بعد الاطّلاع على نسب الاختلافات الحاصلة في دعاوى قيام الوجدان، إذ إنّ من المظنون أنّ المتتبع لموارد استخدام الوجدان الشخصيّ لا يخفى عليه حجم الاختلافات في دعوى قيام الوجدان على أمرٍ، فإنّنا أخذنا من كتب علم الأصول والفقه وبشكل عشوائي (٤٧) مورداً من موارد كثيرة جدّاً استُعمل فيها الوجدان، ثُمَّ قارنا بينها فوجدنا أنّ موارد الاختلاف وعدم الاتّفاق في دعوى الوجدان حول أمر واحد (٣١) مورداً، وأنّ في (١٦) مورداً لم نجد دعوى الخلاف فيها. فحال النسبة في الوجدان المستخدم ٦٦% منه فيه اختلاف، و٣٣% لم يتمّ العثور فيها على دعوى الخلاف.
ولا بُدَّ لنا أن نشير إلى أنّ الاختلاف لا يشمل فقط موارد استخدام الوجدان الشخصيّ في المساحات الضبابيّة، بل يشمل موارد قد يُعتقد بكونها مسلّمة أو جليّة، ولك منها مثال هو أنّ سيدنا الأستاذ (دامت بركاته) أنكر شهادة الوجدان على وجوب المقدّمة(٣٣) مع ما يتكرّر من بعض الأعلام دعوى قيام الوجدان عليه(٣٤).
هذا كلّه في الاستخدام الصريح للوجدان.
أمّا استخداماته الأُخر في إحراز التبادر والظهور ونحوه فهي في اختلافاتها لا تقلّ عن الوجدان، بل قد تزيد عليه في بعضها كاستخدامه في إحراز الظهورات، وأعني بالاختلافات ليس مطلق الاختلافات، بل هي المستندة إلى استخدام الوجدان الشخصيّ فقط، لا المستندة إلى الاختلاف في القواعد اللغويّة ونحوه من الأمور الموضوعيّة.
ولمزيد بيان وتفصيل في الموارد راجع الملحق.
الاعتراض الثالث: أنَّ لازم اتّخاذ هذا المنهج في الاستدلال على حجّيّة الأدلّة أن نقبل به في كافّة الأدلّة غير المعتبرة فيدّعى الركون إلى القياس ـ المنهي عنه ـ بدعوى حصول القطع من القياس! فيُستدلّ به في المسائل عمليّاً لأجل هذه الدعوى، وهذا ممّا لا يتوقّع التزامهم به، كيف! وتراهم يوسمون الاستدلالات ـ في مختلف المطالب ـ بكونها من القياس(٣٥)، فإنّ الظاهر من كلماتهم إبطال القياس بقولٍ مطلقٍ دون التفصيل بين ما يفيد القطع وما لا يفيده، بل إنّ بعضهم كصاحب الجواهر S أشار إلى أنّ القطع من القياس لا يعتمد عليه(٣٦)، وذكر السيّد صاحب العروة S أنّه حتّى مع دعوى القطع لا يعتمد عليه ما دام قياساً(٣٧)، حيث يظهر من قوله: (عدم خصوصيّة للعبد في ذلك، بل المناط الشروع حال عدم الوجوب لعدم الكمال ثُمَّ حصوله قبل المشعر. وفيه: أنَّه قياس) أنّ مدّعى المستدلّ القطع بالمناط، ومع ذلك أُجيب بكونه قياساً، فالمستفاد منه أنّ القطع الناتج من الأدلّة التي ليست بمعتبرة لا يعتمد عليه، كما أنّ ما ورد في صحيحة أبان بن تغلب: قال: قلت لأبي عبد الله g: ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها؟ قال: (عشر من الإبل). قلت: قطع اثنين؟ قال: (عشرون). قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: (ثلاثون). قلت: قطع أربعاً؟ قال: (عشرون). قلت: سبحان الله! يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله، ونقول الذي قاله شيطان. فقال: (مهلاً يا أبان، هكذا حكم رسول الله e إنّ المرأة تقابل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، والسُّنّة إذا قيست محق الدين)(٣٨)، لا يبعد ظهوره في كون أبان O كان قاطعاً أو مطمئنّاً بكون الحكم غير صحيح، حتّى أنّه نسبه إلى الشيطان مستنداً إلى حكم القياس، كما أنّ جواب الإمام g ممّا يدل على أنّ القياس لا ينفع صاحبه وإن ولّد القطع له.
والحاصل: أنّ كلّ دليل لا بُدَّ أن يثبت موضوعيّة الاحتمال الناتج منه كالاطمئنان الذي يحصل من ضمّ قرائن إلى أمارة ظنّيّة، أو أن تثبت حجّيته بنحو التعبّد كخبر الثقة
ـ بناءً على دلالة الآيات على حجّيّته ـ أو إمضاءً لاعتبار العقلاء له كحجّيّة الظهور، وليس مجرّد حصول القطع منه كافياً في إثبات حجّيّته، فلا يمكن التعويل عليه في مقام الاحتجاج أو البحث العلميّ.
الاعتراض الرابع: أنّه لا يصحّ أن يحتجّ بالوجدان في مقام الاحتجاج والنقاش؛ وذلك لأنّه لا إلزام به للخصم، فإنّه قطع شخصيٌّ ناشئ من الوجدان الشخصيّ، فهو غير قابل للإثبات والنفي بين المتخاصمين، مع أنّ الملاحظ أنّهم يستدلّون به، وأمّا القول بأنّهم يستدلّون به لأنفسهم ولا يريدون به الإلزام فبعيدٌ ولو في جملة من الموارد، كما فيما ذكره المحقّق العراقي S(٣٩)؛إذ فيها يستخدم الوجدان في قبال بعض الآراء ومناقشتها، وكما يدلّ على ذلك ملاحظة أنّه يُذكر مع باقي الأدلّة، ويناقش دون فرض كونه مسوقاً لإقناع النفس، بل ما ذكر من مناقشة الوجدان في كلام السيّد الروحانيّ S(٤٠) شاهد على أنّ دعوى الوجدان ظاهرة في إلزام الطرف الآخر، ويدلّ عليه أيضاً أنّ ذكر المؤيّدات ـ التي ستأتي مواردها ـ شاهد على محاولة الإقناع بالوجدان؛ ذلك أنّه حسب الفرض موجب لحصول القطع لدى صاحبه، فلا وجه للمؤيّدات لو كانت مسوقة للنفس.
والحاصل: أنّ اللازم إمّا أن نقول بأنّ الوجدان يصلح كدليل لنفس المستدلّ، فنلتزم بعدم ذكره في المناقشات والمناظرات، وهو ما لا أعتقد أنّهم يستطيعون الالتزام به، بل قد عرفت أنَّه يُستند إليه في مقام الاحتجاج، أو أن نلتزم بورود الإشكال على التقريب.
لكن قد يقال: إنّ ذكر الوجدان الشخصيّ يراد منه تنبيه الخصم وإلفاته، فلعلّه حين ذِكر مقتضى الوجدان يلتفت الخصم إلى وجدانه الشخصيّ فيجد قوله مخالفاً للوجدان، فيكون ذِكره منبّهاً للوجدان الشخصيّ للخصم.
فيقال: إنّ هذا لو سُلّم ينفع في تبرير ما يقع من الأعلام، إلَّا أنّه لا ينفي أنّه لا يجوز استخدام الوجدان بنحو الاستدلال والإلزام.
على أنّه لا يجري في موارد انكشاف الخلاف، أي لو تبيّن اختلاف وجدان المُستدلّ عن وجدان المراد تنبيهه فإنَّه حينئذ لا إلزام به. نعم، لو أوجب بيان الوجدان الشخصيّ أن يزول القطع لدى الخصم الناتج عن وجدانه فإنّ ذلك يبرّر الإشارة إليه، إلَّا أنّه لا يُجوز الاستدلال به وإلزام الخصم به؛ لأنّه قطع شخصيّ ـ كما مرّ بيانه ـ.
الاعتراض الخامس: إذا كان الوجدان موجباً للقطع فأيّ وجه لدعمه بالشواهد والمؤيّدات؟ إذ إنّه بوجوده منفرداً كافٍ لحصول القطع، فلا معنى لذكر المؤيّدات والشواهد ما دامت لا تضيف أيّ شيء لكفاية الوجدان، مع أنّه يؤتى به مع الشواهد(٤١).
لا يقال: إنّه أيّ مانع من تعدّد الأدلّة على مسألة واحدة، فهل يمتنع أن يُستدلّ بدليلين قطعيّين على أمرٍ واحد؟
لأنّه يقال: إنّ هنالك فرقاً بين ما يُذكر من أدلّة على شيء بنحو الاستقلال، فيقوم كلّ دليل بنفسه مستغنياً عن صاحبه، وبين ما يذكر دعماً وتحشيداً لدليل آخر لإتمام دلالته وتمكينه من النفس، ممّا يكشف عن التعامل مع دلالته بنحو يشوبها النقصان لتحتاج إلى الشواهد.
ولكن يمكن القول: إنّ الإتيان بالشواهد أحياناً يكون لأجل التنبيه والإيقاظ لا للتتميم كما فيما يذكر من أمور وأمثلة، لكي يخرج الوجدان من مرحلة الارتكاز والإجمال إلى مرحلة الوضوح والتفصيل، فيكون من قبيل ما يقال: الأدلّة على البديهيّات إنَّما هي منبّهات لا أدلّة.
وهذا صحيح، فإنّه يبرّر ما وقع من الأعلام، إلّا أنّه لا ينفي أنّ اللازم ـ بعد الالتزام بحجّيّة الوجدان بهذا التقريب ـ عدم صحّة إحضار الشواهد والأدلّة لتتميم دليليّة الوجدان بعد قيامه.
وحاصل الكلام: أنَّه لا يصحّ الإتيان بشواهد لتتميم دليليّة الوجدان. نعم، المنبّهات ونحوها من الأمور التي غايتها إيضاح الوجدان لا يمسّها الإشكال.
الاعتراض السادس: ما يمكن بيانه بمقدّمات..
المقدّمة الأولى: ادّعاء أنَّ الوجدان الشخصيّ يفيد القطع بالوجدان النوعيّ، يعني أنّ مجرّد وجود الوجدان الشخصيّ منشأ للقطع بحدّه.
المقدّمة الثانية: يقع من الأعلام التنازل عن الوجدان لقيام البرهان على خلافه، كما وقع ذلك في ما نقله صاحب الوقاية من قول المحقّق الخراسانيّ S: (إنّ معك الوجدان ومعي البرهان)(٤٢) الذي يدلّ على أنَّه حتى مع قيام الوجدان فإنَّه يتمسّك بالبرهان.
المقدّمة الثالثة: أنّه بناءً على المقدّمة الأولى ينبغي أن لا يكون هنالك مبرّر لذلك، فإنّ الوجدان بوجوده علّة تامّة للقطع، فكيف مع وجوده يتنازل عنه لوجود البرهان! فإنّه على هذا التقريب لا يوجد ما يبرّر ذلك، فتأمّل.
هذا تمام الكلام في التقريب الأوّل.
التقريب الثاني
أنَّه قد مرّ أنّ للوجدان استخدامات عديدة، ومرّ أنّ من ضمنها استخدامه في إحراز التبادر وفي إحراز الظهور العرفيّ.
وقد ذكر السيّد الصدر S ما يبرّر هذا الاستخدام لإثبات حجّيّة الوجدان في هذه الموارد، وحاصل ما ذكره ـ مع مزيد تقريب وبيان ـ يتألف من مقدّمات..
المقدّمة الأولى: أنّ المقصود بالظهور الذي يكون حجّة، والتبادر الذي يدلّ على الوضع هو الظهور النوعيّ والتبادر لدى العرف. وهذه المقدّمة أُخذت كأصل موضوعيّ، فإنّ لها محلّا ً آخر في الإثبات.
المقدّمة الثانية: أنّه يمكن إحراز التبادر لدى العرف والظهور النوعيّ بالظهور الشخصيّ والتبادر الشخصيّ تعبّداً، أي أنّ الظهور الشخصيّ وكذا التبادر أمارة عقلائيّة على الظهور النوعيّ والتبادر لدى العرف.
والذي يدلّك على هذه الأماريّة هي أنّ السيرة جارية على اكتفاء الشخص بالظهور والتبادر المتحقّق عنده، وعدم جريان العادة على مراجعة الآخرين لمعرفة استظهاراتهم والمتبادر عندهم، بل يكتفون في إحراز الظهور النوعيّ والتبادر لدى العرف بما لديهم من ظهور وتبادر، ويمكن التعبير عن هذه الأمارة بأصالة التطابق بين الظهور الشخصيّ والنوعيّ.
المقدّمة الثالثة: أنّ التبادر والظهور الشخصيّين يتمّ إحرازهما بالوجدان الشخصيّ؛ لأنّ كلا الحالتين ممّا يكون السبيل لمعرفتهما لدى الشخص هو وجدانه الشخصيّ، فتكون حجّيّة الوجدان وجواز التعويل على ما يجده المستظهر من ظهور، والمتبادر من تبادر هو بالوجدان، من جهة كون وجدانه كاشفاً معتبراً باعتبار عقلائيّ.
وقد ذكر هذا التقريب S ـ بأصله ـ في مواضع لكنّه لم يعبّر بالوجدان الشخصيّ(٤٣).
وهذا التقريب يمكن الاستفادة منه وتوظيفه في الاستدلال على الوجدان في موارد إحراز الحالات العرفيّة بأخذ المقدّمة الثانية بشكل رئيس والتي يكون مؤدّاها أنّ السيرة قامت على أنّ الناس عند حاجتهم إلى إحراز أمر عرفيّ يرجعون إلى أنفسهم، ثُمّ يأخذون نتيجة هذا الرجوع ويضعونها كحكم العرف، فيكون ذلك من باب أنّهم يرون ذلك طريقاً صالحاً للإحراز.
إلَّا أنّ من خصوصيّات هذا التقريب أنّه لا يصحّح ولا يعالج استخدام الوجدان في إحراز حكم العقل؛ وذلك لوضوح أنّ إحراز الأحكام العقليّة لا يتمّ بالأمارات بل بطرق عقليّة، فالتعبّد لا يجري في مواضع حكم العقل.
ويمكن أن يعترض على هذا التقريب بعدّة اعتراضات..
الاعتراض الأوَّل: أنَّ هذه الأماريّة المدّعاة بحسب التقريب دليلها السيرة، وهي دليل لبّيّ يقتصر به على القدر المتيقّن، وعليه لا يُعلم شمول السيرة لاستخدام الوجدان في إحراز التبادر وإن سُلِّم قيامها على استخدامه في إحراز الظهور.
ذلك أنّ السيرة يلحظ فيها موارد المحاورات العرفيّة والتي تعتمد على الظهور الشخصيّ لا التبادر، فإنّ تعيين المعنى الحقيقي لا يحتاجه العرف، بل يعتمد على ظاهر الكلام ولو كان مجازيّاً، فإنّ من يحتاج لإحراز التبادر والبحث عن حاله هو من يريد معرفة المعنى الحقيقيّ، وعليه لا يُحرَز أنّ العرف يعتمد على ما يجده الشخص بوجدانه من تبادر ـ الذي هو التبادر الشخصيّ ـ في إحراز التبادر العرفيّ، ذلك لعدم وجود حالات بمقدار من الكثرة لكي يُنظر لموقف العرف باتجاه هذا الأمر.
وبعبارة أخرى: لا يوجد حاجة للتبادر فلا يوجد عمل وموقف من العقلاء باتّجاه التبادر لانتفاء الحاجة.
والحاصل: أنّ استخدام الوجدان في إحراز التبادر العرفيّ لا يُعلم شمول السيرة له، وهي دليل لبّيّ، فلا تُثبت إلّا القدر المتيقّن منها، فلا ينتج من هذا التقريب المدّعى ولا يثبت إلّا استخدام الوجدان في موارد الظهور الشخصيّ، فالدليل لا يفي بكلّ ما يُدّعى شمول التقريب له.
لكن يمكن أن يقال: إنّ البحث عن المعنى الحقيقي ومحاولة إحرازه لا يَتمّ بصورة صريحة وكظاهرة منفردة، إلّا أنَّه يحصل في سياق إحراز الظهورات؛ وذلك أنَّ الوضع يمثّل منشأ من مناشئ الظهور، فإحرازه قد يوجب إحراز الظهور؛ ولذا يتمّ بصورة ضمنيّة كخطوة سابقة على إحراز الظهور، فليتأمّل.
الاعتراض الثاني: أنَّ السيرة لمّا قامت على موارد المحاورات العرفيّة التي يعتمد فيها المحاور على الظهور الشخصيّ لديه، فإنّه يمكن أن يقال: إنّ الموارد التي تحصل في الخارج خالية عن الخلاف في الاستظهار الشخصيّ بين المتحاورين، فلا يُعلم شمول السيرة للموارد التي يكون الاختلاف فيها كبيراً وظاهراً، ولا أقلّ من كون الموارد الخالية من الخلاف هي القدر المتيقّن من موارد قيام السيرة، فإنَّه لا يبعد كونها الغالب في موارد المحاورات.
وهذا التقريب يسعى لإثبات الاعتماد على ما يجده الشخص بوجدانه من ظهور
ـ الذي هو الظهور الشخصيّ ـ في الإحراز بشكل مطلق، بينما المقدار الذي يثبت منه هو الاعتماد على ما يجده الشخص في نفسه من ظهور في الموارد التي لا تعارضه فيها ظهورات شخصيّة أُخر.
الاعتراض الثالث: أنّ السيرة قائمة في باب المحاورات على اعتماد المحاور على ما يجده في نفسه من ظهور ـ أي الظهور الشخصيّ ـ والاكتفاء به دون النظر إلى شيء آخر، فأيّ مبرّر لما يرد في كلمات الأعلام بتخصيص الذوقِ بالسليم أو الوجدانِ بالمستقيم أو الخالي عن الشُبه(٤٤)، فإنَّه لا يظهر أنّ السيرة قائمة على اعتبار الظهور الشخصيّ السليم أو المستقيم، بل الظهور الشخصيّ لأيٍّ كان، وهو ظاهر إطلاق المدّعي للسيرة، والمناسب لحال العرف من عدم لحاظ الخصوصيّات، ولذا فإنّ مَن يحصل لديه ظهور بوجدانه لا يتوقّف عن العمل به إلى حين التأكّد من كون وجدانه سليماً.
الاعتراض الرابع: أنَّ لازم كون الوجدان حجّة من باب الأمارات هو جريان أحكامها عليه، ومن ضمنها أنّه إذا اختلف وجدان شخصين، أو ظهور شخصين المستند إلى وجدانهما فإنّه يُدرج ذلك في باب تعارض الأمارات، فيرجع: إمّا إلى المرجّحات، أو إلى التساقط مع فقدها.
وهذا الأمر ممّا لا يمكن أن يُلتزم به، كما أنّه مخالف للتمسّك بالوجدان الشخصيّ دون النظر إلى وجدان الآخرين؛ لأنّه يكون من باب التمسّك بالأمارة دون الفحص عمّا يعارضها.
وهذا التمسّك بالوجدان دون النظر إلى وجدان الآخرين ممّا يقع ظاهراً من الأعلام في موارد الاستدلال بالوجدان الشخصيّ؛ حيث إنّهم يذكرون وجدانهم فقط، بل اكتفاء بعضهم بوجدانه وظهوره الشخصيّ في الردّ على وجدان الآخر دليلٌ على عدم اعتنائهم بوجوده عند الآخرين.
وكذا مخالف لما يصدر من العلماء من مجرّد منع الوجدان باستخدام الوجدان الشخصيّ(٤٥)، حيث إنّ الوجدان إن كان أمارة لزم إقامة التعارض بينه وبين ما يدّعى من وجدان في قباله، كما يحصل ذلك في الأخبار فهل يمكن أن يُرَدّ خبر بمجرّد وجود خبر يخالفه دون النظر إلى المرجّحات!
والحاصل: أنّ الملاحظ أنّهم يعتمدون على وجدانهم الشخصيّ بلا اهتمام بوجدان الآخرين، أو في مقابلة وجدان الآخرين دون إعمال مرجّحات، أو جعلهما متعارضين. نعم، قد يذكرون بعض المؤيّدات لوجدانهم.
وعليه إنّ هذا اللازم ـ من جريان أحكام الأمارات على الوجدان ـ مخالف لسيرة جملة من العلماء، وممّا لا يمكن الالتزام به.
إن قيل: إنّ أماريّة الوجدان قد أخذ في موضوعها شخص الذي قام عنده الوجدان فيكون معناها أنّ الوجدان الشخصيّ حجّة لمن قام عنده الوجدان، فلا يكون حجّة على من لم يقم لديه الوجدان، فتكون نتيجة ذلك أنّ الذي يجد معارضاً لوجدانه من وجدانٍ آخر فليس ملزماً بشيء؛ إذ إنَّ الوجدان الآخر ليس بحجّة عليه، بل هو حجّة على من حصل عنده.
فيقال في الجواب عنه..
أ ـ إنّ هذا خلاف إطلاق التقريب الذي لم يدّعِ سوى كونه أمارة فلمْ يخصّصه بشخص الذي قام عنده.
ب ـ إنّ هذا التقريب ذُكر في جواب إشكال على التبادر، ومن المعلوم أنّ للتبادر نحوين: الأوّل تبادر الشخص نفسه، والآخر التبادر الذي يحصل عند العالم باللغة فيرجع إليه الجاهل بها، وهذا النحو الآخر لا يمكن تصحيحه بناءً على هذا التخصيص المقترح؛ حيث إنّه يفترض حجّيّةً للرجوع لوجدان شخص آخر ـ وهو وجدان العالم باللغة ـ مع أنّ الفرض المتقدّم أنّ الوجدان الذي يقوم عند شخص لا يكون حجّة على غيره.
ج ـ إنّ هذا التخصيص ليس بسليم، حيث إنّ هذه الأمارة ليست تعبّديّة، بل هي أمارة عقلائيّة يفترض أن يكون منشؤها الكشف ـ كما قد يُفهم من كلام السيّد الصدر S عند تقريبه ـ، فلا وجه حينئذ لإدخال هذا القيد؛ لأنّ الكشف في الوجدان الشخصيّ لا يفرق بين شخص الذي قام عنده أو شخص غيره بعد خلوّهما عن المرجّحات الموضوعيّة، فإنّ كلامنا في الموارد التي لا تقوم فيها قرائن خاصّة على عدم كاشفيّة وجدان الشخص الآخر، فإنّ الوجدان الشخصيّ لو كان أمارة لكان كاشفاً، ولم يكن فيه فرق بين من قام عنده أو قام عند غيره.
والظاهر خروج بعض أفراد الوجدان عن محلّ الكلام، وهي الوجدانات التي يقوم الدليل على كونها غير كاشفة، وقد استندت إلى أسباب شخصيّة، فإنّ هذه الأفراد خارجة عن تقريب الأماريّة كما لا يخفى.
والحاصل: أنّ التقريب يثبت الحجّيّة للوجدان بشكل مطلق ـ أي على من قام لديه ومن لم يقم لديه ـ فيلزم اللازم الذي ذكرناه.
الاعتراض الخامس: أنَّ مقتضى كون الوجدان أمارة أن لا يُرجع إليه إلّا بعد استفراغ الوسع في البحث عن كلّ الأدلّة الأخرى الموجبة للقطع والاطمئنان كالاستقراء والقرائن ونحوها كما في سائر الأمارات، وهو مخالف لما جروا عليه في الرجوع إليه مباشرة، بل قد يُرجع إليه ويجعل الأساس ويُؤيّد بالقرائن(٤٦)، وقد يظهر ذلك من المحقّق العراقي S(٤٧) أيضاً، بل ذكر صاحب الفصول S في مسألة الصحيح والأعم: (نقول معيار الفرق والتمييز في نظائر المقام إنَّما هو بالوجدان، ونحن إذا رجعنا إلى وجداننا..)(٤٨)، وكذا ما ذكره السيّد الحكيم S: (إذ الظهور وعدمه من الوجدانيّات التي لا يرجع فيها إلّا إلى الوجدان..)(٤٩)، إلَّا أنّ مقتضى كونه أمارة أن يجب عليك قبل العمل بما لديك من ظهور أو وجدان البحث عن وجود أيّ دليل قطعي، فإن لم تجد جاز لك أن ترجع إلى وجدانك.
الاعتراض السادس: أنَّ السيرة المدّعى قيامها إن أقيم دليل على ثبوتها ـ كالاستقراء أو تحشيد القرائن على ذلك ـ فلا إشكال، لكنّي لم أجد من فعل ذلك، وإن كانت مُحرزَة بالخبرة الشخصيّة ـ كما قد يظهر من التقريب حيث ادّعيت وأيّدت بشاهد فقط ـ فسيأتي الكلام في ذلك.
الاعتراض السابع: أنَّ الموارد التي يظهر نظر المستدلّ إليها ـ والتي هي القدر المتيقّن ـ هي موارد المحاورات الشخصيّة ونحوها، أمّا موارد إحراز الظهورات النوعيّة للصيغ ونحوها من الموارد فلا يعلم شمول السيرة لها، بل قد يقال بعين ما قيل في الإشكال الأوّل من كون عامّة الناس لا يحتاجون لمثل هذه الأمور ليبدوا موقفاً منها إلّا قليلاً، فهل رأيت من المتحاورين من العقلاء ـ بما هم عقلاء لا بما هم متخصّصون ـ مَن يبحث عن كون صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب، أو كون الأوامر في المركّبات الارتباطيّة محمولة على الإرشاد، ويستدلّ بوجدانه الشخصيّ؟ فلا حاجة تدعوهم للبحث عن مثل هذه الكبريات، لكي يتّخذوا وجدانهم سبيلاً للإحراز، مع أنّ الأعلام يستدلّون بوجدانهم أحياناً في مثل هذه الموارد(٥٠)، بل إنّه وقع من السيّد الصدر S(٥١)، فلا بُدَّ من الالتزام بالوجدان في موارد إحراز ظهور المفردات والجمل في المحاورات، وعدم الاستناد إليه في إحراز الأصول اللفظيّة والظهورات النوعيّة؛ لعدم العلم بشمول السيرة لها، وهو خلاف ما يقع منهم.
الاعتراض الثامن: أنَّ الاعتماد على ما يجده الشخص في نفسه ـ الوجدان الشخصيّ ـ من ظهور من قِبل العرف والسيرة عليه يمكن أن يكون بنحوين:
الأوّل: أن يكون الاعتماد بنحو الأداة العمليّة لكي يسهل التفاهم في المحاورات، لا أن يكون الاعتماد على ما يجده الشخص في نفسه من ظهور من باب كونه كاشفاً عن الظهور النوعيّ، فهو معتبر لأجل تسهيل عمليّة المحاورة، لا لأجل الكشف، فيكون جري العقلاء عليه بنفسه لا باعتبار كاشفيّته.
والآخر: أن يكون الاعتماد بنحو الكاشف عن الظهور النوعيّ، فيجعل كاشفاً عنه ومسبّباً لحصول درجة اعتقاديّة بالظهور النوعيّ فيكون معتبراً بنكتة الكاشفيّة.
والفرق في مقامنا بين النحوين: هو أنّ الأوّل إن سُلّم جريان السيرة عليه فإنّ هذا لا يُثبت كونه كاشفاً، بل مجرّد أداة عمليّة، فمتى ما لم يكن هنالك مورد عمليّ ـ كما في المباحث التخصّصيّة ـ أو كان هنالك غرض مهمّ جدّاً لم يجز الاعتماد على هذه الأداة؛ لأنّ الأدوات العمليّة لا تجري في المباحث التخصّصيّة التي مناطها كشف الواقع والذي يحصل بالكواشف المعتبرة إمّا تعبّداً أو إحرازاً؛ وذلك أنّ ما تجري السيرة عليه من جهة كونه طريقاً عمليّاً لا لأجل كونه يعطي كاشفيّة معتبرة لا يمكن أن يُؤخذ كطريق محرز؛ لعدم الجري عليه كذلك من قبل العقلاء، فلا يكون أمارة.
ولمّا كان الدليل لبّياً فلا معيِّن لكشف أحد النوعين، بل قد يدّعى أنّ الأنسب لوضع العقلاء هو كونه أداة عمليّة؛ وذلك لأنَّ هذا المقدار هو المحتاج إليه بحسب أغراض العقلاء، حيث إنّهم لا يحتاجون غالباً أن يحرزوا الواقع، بل أن يتفاهموا بما يلبّي أغراضهم، ولما ورد في كلام السيّد الصدر S من قوله: (إنّه قد لا تتاح للإنسان فرصة علاج من هذا القبيل..) ـ بعدما ذكر أنّ طرد هذا الاحتمال ممكن بسؤال أشخاص آخرين مختلفين ومن بيئات مختلفة ـ ممّا يدل على ارتباط المسألة بصعوبة الفحص، وكون هذه الأمارة سبيلاً للتسهيل على المكلّفين.
وعلى أيّة حال يكفينا لبّيّة الدليل وعدم تعيُّن أحدهم في نقض التقريب.
الاعتراض التاسع: أنّه لا يعلم أنّ السيرة قائمة على أن يعتمد المحاور على وجدانه الشخصيّ فقط، فقد يقع من أهل المحاورة الاعتماد على أصول لفظيّة، أو على تفسير الكلام بعضه ببعض، أو طرق أخرى، إلَّا أنَّه قد يقال: إنّ وقوع ذلك لا يخدش في قيام السيرة على الاعتماد على الوجدان الشخصيّ؛ فإنّه لم يثبت أنّ ما يقع من أهل المحاورة من الاعتماد على غير الوجدان يكون بنحوٍ يشكّل سيرة على عدم الاكتفاء بالوجدان.
هذا تمام الكلام في التقريب الثاني.
التقريب الثالث
وهو أن نلتزم بأنّ موضوع الحجّيّة في الظهور، والعلاميّة في التبادر، والعرف في المواضيع التي يرجع فيها إليه، وحكم العقل هو ما يجده الشخص من ظهور أو من تبادر أو من حكم عقل أو من حكم عرف، فيكون الرجوع إلى الوجدان الشخصيّ من باب الرجوع إلى واقع الشيء، فيكون ما تجده من نفسك ـ الذي هو الوجدان الشخصيّ ـ هو واقع تلك المواضيع، فحين تقول إنّ التبادر حجّة تقصد به تبادرك الشخصيّ أي ما وجدته في نفسك من تبادر، فلإحراز وجود الموضوع ترجع إلى نفسك فإمّا تجده أو لا تجده، فيكون الرجوع إلى الوجدان كالنظر إلى اللوح لمعرفة ما فيه.
ويشير إلى هذا التقريب بعض كلماتهم، كما قد يستفاد من كلام المحقّق العراقيّ S(٥٢) من أنّ المقصود بموضوع حجّيّة حكم العقل هو الوجدان الشخصيّ المتمثّل بحكم عقل صاحب الوجدان، ومن هنا يقال: إنّ حكم العقل مقام ثبوته إثباته.
وما أشار إليه السيّد الصدر S حيث قال: (فهذا ظهور فعلي في طلب الحيوان المفترس، وهو الذي قال عنه الأصوليّون المتأخّرون أنَّه هو موضوع الحجّيّة..)(٥٣). والذي يقصده بالظهور الفعليّ هو الظهور الشخصيّ، والذي يدلّ على مراده هذا عبارته التالية في الموضع المشار إليه، حيث نسب إلى الأصوليّين أنّ موضوع الحجّيّة هو ما يجده الشخص من ظهور عنده، فعليه يكون ما تجده من نفسك من ظهور هو مصداق لموضوع حجّيّة الظهور.
وكذا ما مرّت الإشارة إليه من كلام المحقّق العراقيّ S حيث قال: (إذ بداهة الوجدان قاضٍ بأنَّه لا مدخليّة..)(٥٤)، إذا فسّرنا بداهة الوجدان بالوجدان الجليّ الذي يظهر بجلاء ووضوح، كما ذُكر أنّ في الوجدان ما هو جليّ وخفيّ(٥٥).
ووجه دلالته بناءً على هذا التفسير ـ لا ما مرّ في التقريب الأوَّل ـ: أنَّه يقصد أنّ هذا الشيء واضح وجليّ من الوجدان، فيكون كمن يقول إنّ عدم وجود زيد في البيت جليّ وواضح، فإنّ هذا التعبير يفترض أنّ الوجدان لوح وواقع، فيه ما هو جليّ للنظر وما هو ليس كذلك.
والحاصل: أنّ هذه الكلمات تدلّ على أنّ المعتبر في تحقيق المواضيع التي تتّصف بالحجّيّة ـ كحكم العقل كما فيما نقلناه أوَّلاً، أو الظهور كما فيما نقلناه ثانياً ـ هو ما يجده الشخص من نفسه من حكم عقل أو من ظهور، وما يجده الشخص من نفسه هو الوجدان الشخصيّ.
إلّا أنّ هذا التقريب لإثبات الحجّيّة لا يفيد الحجّيّة بالمعنى الذي هو محلّ النزاع، أي إثبات الحجّيّة بمعنى كون الوجدان الشخصيّ كاشفاً معتبراً، وهذا التقريب يبتني على تغيير المواضيع المراد كشفها، فلا يقدّم هذا التقريب تبريراً لاستخدام الوجدان الشخصيّ كمحرز، بل يجعل الوجدان الشخصيّ هو المكشوف والمُحرَز. وعليه فجعل هذا التقريب ثالثاً من جهة أنَّه يجتمع مع سابقيه في النتيجة العمليّة، وهي صحّة الرجوع إلى الوجدان إلَّا أنّ الأوّلين يتمحوران حول تصحيح كاشفيّة الوجدان الشخصيّ، والأخير يقوم على جعله هو المأخوذ في المواضيع التي يهتمّ بإحرازها.
ويمكن أن يعترض على هذا التقريب بعدّة اعتراضات:
الاعتراض الأوَّل: أنّه يترتّب على كون الوجدان الشخصيّ هو المعتبر في تحقيق تلك المواضيع أن لا يكون هنالك وجه لذكر الوجدان في مقام الاحتجاج، كما قد يكون الظاهر الأوّليّ هو ذكره بهذا النحو؛ حيث إنّ الأدلّة إذا ذكرت في موارد الخلاف يكون المقصود بها الإلزام والاحتجاج كما يظهر من مناقشتهم للظهورات ـ كما مرّ في شواهد الاكتفاء بالمنع ـ، إذ لو لم يروا أنّ الدليل موجّه لهم لما تصدّوا لمناقشته، وكذا من المناقشة في الأدلّة التي تطرح في عموم المطالب بكونها مبنائيّة، فإنّ هذا يكشف عن أنّ المفروض كون الدليل ليس بمبنائيّ، فإنّ المعتبر حينئذٍ حصول الوجدان الشخصيّ فإن لم يحصل فأيّ وجه للاحتجاج بوجدان المُستدِلّ على أمرٍ مادام المعتبَر هو وجدان المُستدَلّ له لا وجدان المُستدِلّ، وكذا لا وجه لذكر الملاكات في باب الحسن والقبح(٥٦)؛ إذ هذه الملاكات لا تصلح للوقوف في وجه الوجدان الشخصيّ لو قام على خلافها ما دام هو المعتبَر، وكذا لا وجه لذكر القوانين والأصول العقلائيّة في الظهور العرفيّ، كظهور الأوامر في الإرشاد إلى الجزئية ونحوها في المركّبات الارتباطيّة، وظهور صيغة الأمر في الوجوب، حيث إن حصل الظهور الشخصيّ على خلافها لم يبقَ اعتبار لها، فإنّ ذكرها يصحّ لو كان المعتبَر هو الوجدان النوعيّ، حيث إنّها سوف تكون وسائل لإحراز ذلك الوجدان النوعيّ.
الاعتراض الثاني: أنَّ الوجدان الشخصيّ لا يصلح أن يكون المقصود من هذه العناوين، وهي الظهور والتبادر وحكم العقل والعرف؛ لأنَّ معنى ذلك أن يكون اعتمادك على هذه العناوين اعتماداً على الوجدان الشخصيّ؛ إذ كيف يجوز الاعتماد عليه مع ما عرفت من كثرة الاختلافات فيه وكونه مرتبطاً بشخص الإنسان! فمثلاً كيف يعتمد عليه في الشؤون اللفظيّة؟ مع أنّ السبيل إلى إحراز مراد المتكلّم والمتبادر لدى العرف لا بُدَّ أن يكون كاشفاً له مقدار من الاحتمالية، مع أنّ الاعتماد على الوجدان الشخصيّ يلزم أن لا تصل مرادات المتكلّمين إلى المخاطَبين ـ كما يريدون ـ في جملة من الموارد لتأثير الوجدان الشخصيّ للمخاطَبين في فهم الخطابات، ومن ثَمَّ فكيف تراعى وجداناتهم في الخطابات العامّة لو أراد المتكلّم محاولة إحراز وصول مراده إليهم.
والحاصل: أنّ الوجدان الشخصيّ غير صالحٍ لكي يكون سبيلاً لإحراز مراد المتكلّمين ولا لتنظيم أمورهم في موارد حكم العرف، أو تحديد ما ينبغي أو ما لا ينبغي في موارد حكم العقل؛ لكثرة الاختلافات فيه، وتأثّره بشخص صاحبه المقتضي لعدم انضباطه وعدم صلاحيّته ليكون سبيلاً للإحراز.
الاعتراض الثالث: أنَّ الاستدلال بالعرف سيكون مشكلاً(٥٧)؛ وذلك لأنّه مادام المعتبَر هو الوجدان الشخصيّ فإنَّه وإن سلّم قيام العرف على شيء، فأيّ ملزم في ذلك لصاحب الوجدان الشخصيّ إن قام وجدانه على خلاف العرف؟ بعد فرض أن ما يُعتبر هو وجدانه، لا ما يقوم عليه العرف.
الاعتراض الرابع: أنّه إذا كان الوجدان الشخصيّ هو الحجّة باعتبار كونه هو المعتبَر في تحقيق العناوين المتّصفة بالحجّيّة، فأيّ حاجة للبحث عن مبحث الظهورات وتنقيح الأصول اللفظية والتعامل الصحيح مع القرائن وما إلى ذلك! فإنّ كلّ تلك القواعد غير نافعة مع قيام الوجدان الشخصيّ على خلافها، فيكون ثبوتها وعدمه سواء، والبحث عن تنقيح حالها بلا ثمرة، لعدم دخولها وتأثيرها في موضوع الحجّيّة، مع أنّ ذكر هذه المباحث ممّا لا يحتاج إلى شاهد.
الاعتراض الخامس: أنّ جعل الوجدان الشخصيّ هو الحجّة مشكل من جهة أنّ في ذلك قبولاً لدخول المؤثّرات والملابسات والأذواق في تكوين الظهورات وفي تطبيق أحكام العرف، ولك مثال لترى أثر ذلك فلو كان هنالك عبد بطبعه ميّال للتهرّب من المسؤوليات الملقاة على عاتقه، فعندما يُطرح عليه فعل أمر بصيغة الأمر يَفهم منه الاستحباب ويكون وجدانه الشخصيّ قائماً على ذلك، وحينئذٍ يَترك امتثال الأمر، مع إقراره أنّ الفهم العرفيّ هو الوجوب من هذه الصيغة، لكن وجدانه ـ صادقاً ـ قام على الاستحباب، فإنّا بذلك لا حقّ لنا في معاقبته؛ لأنَّ الحجّة هو ما قام عليه وجدانه.
وكذا لو أنّ شخصاً بطبيعته لا يحترم الآخرين فإنّه حين إقدامه على تصرّف في حقّ شخص لا يجد من وجدانه الشخصيّ ـ صادقاً في ذلك حسب الفرض ـ أنّ ذلك إهانة، مع علمه بأنّ العرف يعدّه إهانة، فيلزم أيضاً أن لا يكون معرّضاً للعقاب؛ لأنَّ المناط هو وجدانه في تحديد أحكام العرف.
وفتح هذا الباب ـ بناءً على الالتزام بهذا بالتقريب ـ مشكل جداً؛ لدخول كلّ الملابسات الشخصيّة فيما يتعلّق بالأمور الشرعية ـ كتكوين الظهورات من الخطابات الشرعيّة ـ والقبول بفهمِ ما يناسب الذوق الشخصيّ للمتتبّع للنصوص.
نعم، إنّ ما قد يخطر في بعض الأذهان من مصاديق الملابسات الذهنيّة ذات التأثير الخفيف الذي قد لا يوجب أثراً ملموساً، مُوهمٌ لعدم تأثير هذا التقريب لمثل هذه النتيجة، لكن ـ كما يعلم ـ أنّ السماح للوجدان الشخصيّ بكونه هو الموضوع موجب لاعتباره مطلقاً مع أيّ ملابس بلا فرق بين أنواع الملابسات، وقد مرّ تفصيل الكلام في ذلك.
الاعتراض السادس: أنّ اعتبار الوجدان هو الموضوع للأحكام العقليّة يعني أنّه حين يحكم العقل بالحسن يكون عقل الشخص هو الذي يحكم، والذي يجب عليه متابعته من أحكام العقل العملي هو ما يراه الشخص حسناً، ولازم ذلك أن يكون الشيء الواحد حسناً وقبيحاً في آنٍ واحدٍ، فهو حسن عند زيد، فيكون ممّا يجب فعله واقعاً، وهو قبيح عند عمرو وممّا يجب تركه، مع كونه شيئاً واحداً، فكيف يلحقه حكمان!!
ولا يتوهّم أنّا نقول: إنّ له في صقع الواقع حكماً واحداً لكن الأنظار اختلفت فيه؛ لأنّ ذلك مبنيّ على أنّ الحكم العقليّ النوعيّ هو الموضوع، أمّا على هذا التقريب ـ الذي يعتبر أنّ الحسن ما حسّنه عقل الشخص ـ فهو يعتبر الحكم العقليّ الشخصيّ هو الموضوع، فيختلف الحكم وتتعدّد المواضيع باختلاف العقول الذي يلزم منه التناقض واتّصاف الشيء الواحد بحكمين مختلفين، لا من جهتين، بل من جهة واحدة. وكذا يلزم أنّ الكذب ـ مثلاً ـ لو حسّنه شخص في عقله نتيجة لتأثير ظروف، أو على الأقلّ لم يحكم بقبحه يكون ليس ممّا ينبغي تركه واقعاً؛ لأنّ حكم عقله هو الموضوع، فإنْ لم يحكم عقله لم يكن هنالك حكم في الواقع، مع أنّ لازم ذلك أن لا يذمّ من قبل العقلاء، وأنّه لم يفعل ما ينبغي تركه، فهل يلتزم بمثل هذا اللازم؟!
ثُمَّ إنّ هنا أمراً يجب التنبيه عليه: وهو أنّه وقع في ضمن ما ذكر من المناقشات مع التقريب الأخير وصف الوجدان الشخصيّ بالحجّة، مع أنّه بناءً على هذا التقريب يكون الوجدان هو موضوع الحجّيّة؛ حيث هو المعتبر في تحقيق العناوين المتّصفة بالحجّيّة، وليس دليلاً، لكي يوصف بالحجّيّة.
ووجه وصف الوجدان بالحجّة ليس لأجل اعتباره كاشفاً، بل لأنّ مقتضى كون الوجدان الشخصيّ المعتبر في تلك العناوين هو أن يكون حجّة على مَن يحرزه، لكون هذه العناوين موضوعاً للحجّيّة.
هذه خلاصة الوجوه في تقريب حجّيّة الوجدان التي حاولتُ استخراجها بالنظر إلى كلمات الأعلام.
القول بعدم الحجّيّة وأدلّته
وقبل بيان هذا القول وإثباته نقول: إنّ هنالك قاعدة معروفة مفادها أنّ الشكّ في الحجّيّة يساوق القطع بعدم الحجّيّة(٥٨)، لذا فإنّه يكفي في إثبات عدم الحجّيّة نقض الأدلّة القائمة على الحجّيّة، فعند عدم ثبوت ما يصلح لإثبات الحجّيّة يثبت ما ندّعيه.
وقد مرّ بيان المناقشة في التقريبات، ونتعرّض الآن لمحاولة الاستدلال على عدم الحجّيّة..
وتقريبه: أنّ بملاحظة حجم الاختلافات الموجودة في الوجدانات يحصل لدينا علم إجمالي بأنّه: إمّا الوجدان الذي قام لدينا أو الوجدان الآخر كاذب، فإنّه في مثل هذه الحالة يتنجّز العلم الإجماليّ، وحتّى مع كون الوجدان أمارة ـ لو قيل بهذا التقريب ـ فإنَّه لا يمكن العمل بالأمارات بعد أن علم كذبها إجمالاً، فيكون هذا التقريب مفيداً لعدم الحجّيّة، حتّى لو سلّم إفادة التقريب الثاني لحجّيّة الوجدان.
وبيان ذلك يمكن أن يكون بوجهين:
الأوّل: أنّه حين يتعارض وجدانان في مسألةٍ فإنّ أحد الوجدانين كاذب في كشفه عن الوجدان النوعيّ لا محالة، فيحصل علم إجمالي بكذب أحدهما، فلا يجوز العمل بهما، ولا مرجّح في أحدهما للعمل به على الآخر؛ لأنّهما وجدانان شخصيّان لا مزيّة لأحدهما على الآخر، وفي فرض وجود مرجّح فإنَّه يكون الاستدلال ـ في الحقيقة ـ بذلك المرجّح كما مرّ بيانه.
والآخر: أنّه بملاحظة حجم الاختلافات يحصل علم بالنظر إلى الوجدانات المدّعاة أنّ بينها كاذباً، فكيف نعمل ببعضها دون بعض آخر؟ كما لو علم بكذب سبعة أخبار من عشرة فلا يمكن العمل بأحدها، إلّا أنَّه قد يدّعى ـ بالقياس على ما يقال في باب الأمارات ـ أنّ هنالك انحلالاً للعلم الإجماليّ بحصول علم بكذب سبعة معيّنة منها، فينحلّ العلم ويجوز العمل بالثلاثة الباقية.
لكن يقال: إنّ هذه الدعوى لا بُدَّ أن تجتاز كُلّا ً من المرحلتين التاليتين:
الأولى: أنّ كشف وتعيين الكاذب من الوجدانات المطروحة يكون: إمّا بنفس الوجدان الشخصيّ، وهو غير ممكن؛ حيث إنّ ذلك يندرج في إثبات الشيء لحجّيّة نفسه. وإمّا يُكشف الكاذب بكاشف آخر، وحينئذٍ يكون هو المتّبع، ونخرج عن الاستدلال بالوجدان كما مرّ بيانه.
والأخرى: أن يثبت أنّ مقدار المكشوف بالعلم الجديد مطابق لمقدار المعلوم كذبه، فإنَّه لو عَلم تفصيلاً بخمسة من الأخبار الكاذبة لم ينفع ذلك في دعوى الانحلال، لبقاء خبرين من الخمسة الباقية كاذبة بلا تعيين بالنسبة إلى المقيس عليه في الفرض. وعلى المدّعي عهدة إثبات اجتياز الدعوى للمرحلتين معاً.
والحاصل: أنّ العلم الإجمالي منجّز، بل قد يقال: بأنّ الالتفات إلى مثل هذا العلم
ـ كما ينبغي ذلك عند البحث قضاءً لحقّ استقصاء كافة جهات المسألة ـ موجب لتزلزل الوجدان الشخصيّ الحاصل عند الشخص.
إلّا أنّه تجدر الإشارة إلى أنّ هذا الاستدلال لا يجري بناءً على التقريب الثالث من تقريبات حجّيّة الوجدان.
بيان ذلك: أنّه بناءً على هذا التقريب يكون نفس الوجدان الشخصيّ هو الواقع، فمن يقوم لديه وجدان يرى أنَّه مُحرز للواقع وإنْ عارضه وجدانُ آخر، ولا قيمة لوجدان الآخر، فلا يحصل علم إجماليّ لديه بكذب وجدانه، أو الوجدان الآخر.
والمتحصَّل من البحث أمور..
الأوّل: أنّه لم تثبت للوجدان حجّيّة موجبة للعمل به، كما يظهر من الاعتراضات على وجوه حجّيته المحتملة، فلا يجوز الاستدلال به، فالمختار هو القول الثاني وإن لم أجد من التزم به.
الثاني: أنّه لو سلّمت حجّيته من باب التقريب الأوّل أو الثاني فإنَّه لا يكون من المنهج العلميّ الاستدلال به، إلّا على التقريب الثاني بعد استفراغ الوسع في عدم إيجاد دليل قطعي محرز.
الثالث: أنّه يمكن إقامة دليل على عدم حجّيته.
تنبيهان
وهما في التعرّض لبعض الأمور التي قد لا يمكن إدخالها في ضمن فصول البحث، أو يُحتاج إلى التعرّض لها استقلالاً..
التنبيه الأوّل: الوجدان والسيرة
يمكن استخدام الوجدان في إحراز السيرة بنوعيها، فيقال ـ حين التعرّض للسيرة ـ: إنّ هذه السيرة ثابتة بالرجوع إلى ما تجده من نفسك من جري العقلاء وسلوكهم، إلّا أنَّ ذلك يكتنفه شيء من الغموض، حيث إنّ السيرة هي سلوك وجري عمليّ، والوجدان هو شعور وإدراك نفسيّ، فكيف يعقل الرجوع إليه في إحراز السيرة!
إلَّا أنَّه يمكن أن يقال: إنّه يمكن الرجوع إلى الوجدان في مقامنا بنحوين:
الأوّل: أن ينظر في السلوك المطلوب أو المدّعى قيام السيرة عليه، فيطبّقه على سلوكه الخارجيّ، فيرى بوجدانه إذا ما كان يصدر منه أو لا، ومن ثَمَّ يأخذ النتيجة ويعمّمها على العقلاء.
والآخر: أن يرجع إلى خبرته الشخصيّة مع العقلاء بحسب ما عاشه معهم بأن يرجع إلى خبرته الشخصيّة المتضمّنة لتفاعله مع تلك الحوادث بشكل إجمالي، فهو لا ينظر لنفسه في السيرة، بل إلى تجربته مع العقلاء، على أن لا يكون رجوعه بشكل استقرائيّ، كأنْ يرجع إلى ذاكرته لكي يجد الحوادث المرتبطة بالموضوع، ومن ثَمَّ يحاول جعلها قرائن أو مفردات للاستقراء.
نعم قد يقال: لا يعدّ الرجوع إلى الخبرة الشخصيّة رجوعاً إلى الوجدان، ولذا لم يعهد في موارد الاستدلال بالسيرة ذكر الوجدان.
إلَّا أنَّه يمكن أن يقال: إنّه لا أثر كبير لتحقيق كون هذا الرجوع إلى الخبرة الشخصيّة من الرجوع إلى الوجدان، بل المهمّ هو تصوير البحث بتقريباته وإشكالاته في الرجوع إلى الخبرة الشخصيّة في السيرة.
وكلا النحوين يشملهما الخدش الذي مرّ، وكذا يمكن أن تشملهما التقريبات لإثبات الحجّيّة، والأمر يحتاج إلى مزيد نظر.
التنبيه الآخر: البديل للوجدان
قد يُتساءل: إذا لم يكن الوجدان حجّة، فما السبيل لإحراز الظهورات ونحوها من الشؤون اللغويّة والعرفيّة؟
والـجواب: أنّ في الـمسألة عـدّة سبـل، فهنـالك الاسـتقـراء والتحليـل والقرائـن والـمؤيّدات، فـليس السـبـيـل لإحـراز الـوجـدان النـوعيّ منحـصـراً باسـتخـدام الـوجـدان الشخصيّ، كمـا أشار إلى ذلك السيّد الصدر S: (إحـرازه وجداناً وبالتحليـل، وذلك بملاحظة ما ينسبق من اللفظ إلى الذهن من قبل أشخاص متعدّدين مختلفين في ظروفهم الشخصيّة بنحو يطمئن بحساب الاحتمالات أنّ انسباق ذلك المعنى الواحد من اللفظ عند جميعهم إنَّما كان بنكتة مشتركة هي قوانين المحاورة العامّة لا القرائن الشخصيّة؛ لأنَّ هذا خُلف اختلافهم في الملابسات الشخصيّة)(٥٩).
وكذا ذكر سيّدنا الأستاذ (دامت بركاته): (..بل التبادر إلى ذهن الجميع، وهو اختبار ذهني يمكن التحقّق منه بالنظر إلى ما يخطر في أذهان الآخرين..)(٦٠)، لذا فأسلوب الاستقراء ونحوه من السبل الممكنة، وهو ليس بغريب عن علماء الأصول.
ملحق
في رصد الاختلافات وعدمها في دعاوى الوجدان على موضوع واحد
الاختلافات:
١. فوائد الأصول: ١ـ٢/ ١٣١: الاختلاف في أنَّ الوجدان قاضٍ بوجود صفة وراء الإرادة وعدمها.
٢. وقاية الأذهان: ٢٦٥: نقل دعوى الوجدان على كلّ من القول بالمقدّمة الموصلة أو مع قصد التوصل، والقول بالمقدّمة مطلقاً.
٣. حقائق الأصول: ١/ ٧٠: الاختلاف حول وجدانيّة تبادر الصحيح، حيث قال S: (دعوى التبادر دعوى وجدانيّة لا برهانيّة. والإنصاف أنّه لا يساعدها الوجدان).
٤. بحوث في علم الأصول: ٣/ ٣١: الاختلاف بين المصنّف S وبين المقرّر ـ في مبحث اجتماع الأمر والنهي ـ حول وجدانيّة تلازم بين شعورين.
٥. بحوث في علم الأصول: ٥/ ٢٤٣ : اختلاف آخر، ففي المورد الأوّل نقل الاختلافات في دعوى الوجدان في بعض مسائل انحلال العلم الإجماليّ، وفي المورد الثاني ذكر S وجدانه مخالفاً لما سبق ذكره من وجدان.
٦. بحوث في شرح مناسك الحج: ٨/ ٢٥٦: الاختلاف في شهادة الوجدان حول الانحلال في بعض أصناف الخطابات.
٧. منتقى الأصول: ٢/ ٣٣٣: الاختلاف حول وجوب المقدّمة.
٨. نهاية الدراية: ١/ ٣٢٩: بحوث في علم الأصول: ٣/ ١٥٤، الاختلاف حول أداة الشرط.
٩. دراسات في علم الأصول: ١/ ٢٥٣، مباني الأصول: ١٠/ ٥٢٢: في الدراسات القول بأنّ الوجدان قاضٍ بنفي الوجوب الغيريّ للأجزاء، وفي المباني نقل اعترافاً بوجود هذا الوجوب في الوجدان.
١٠. منتقى الأصول: ١/ ٢٧٠، مطارح الأنظار: ١/ ٧٣: الاختلاف في الوجدان أنَّه قاضٍ أن الوضع للصحيح أو الأعم.
١١. كفاية الأصول: ١٢٦، مباني الأصول: ١٠/ ٩٩: الاختلاف حول أصل وجوب المقدّمة.
١٢. كفاية الأصول: ٢٥٩، بحوث في شرح مناسك الحج: ١/ ٢٩١: اختلاف في ما يقتضيه الوجدان في التجرّي.
١٣. نهاية الأفكار: ١ـ٢/ ٤٨١، بحوث في علم الأصول: ٣/ ١٧٢، الخلاف حول ما يقتضيه الوجدان في دلالة الجملة الشرطيّة على اللزوم والعلّيّة من عدمهما.
١٤. الفصول الغروية: ٨٦، نهاية الأفكار: ١ـ ٢/ ٣٣٨: اختلاف حول اعتبار الإيصال في معروض الوجوب الغيريّ.
موارد عدم وجود دعوى الخلاف:
٣. كفاية الأصول: ٢٥٨.
٤. الفصول الغرويّة: ٢٣.
٥. الفصول الغرويّة: ٥٦.
٦. كفاية الأصول: ١٣.
٧. مقالات الأصول: ١/ ٤٨٤.
٨. معالم الدين: ٧٨.
٩. وقاية الأذهان: ١٧٠.
١٠. بحوث في علم الأصول: ٢/ ٣٦٣.
١١. بحوث في علم الأصول: ٣/ ١٤ .
١٢. بحوث في علم الأصول: ٣/ ٢١٤.
١٣. بحوث في علم الأصول: ٣/ ٤٠٩.
١٤. بحوث في علم الأصول: ٥/ ٣٣٦.
١٥. دراسات في علم الأصول: ٢/ ٢٤١.
١٦. الهداية في علم الأصول: ٢/ ٣٩٨ .
١٧. وقاية الأذهان: ٣١٢.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين وصلّى الله على محمّد وعترته الطّاهرين.
المصادر
(١) العين: ٣/ ١٠.
(٢) العين: ٦/ ١٦٩.
(٣) تاج العروس: ٢/ ١٥٤.
(٤) دروس في علم الأصول: ٣/ ٢٠١. ويلاحظ أيضاً: مقالات الأصول: ٢/١٧، فوائد الأصول: ٣/ ٣٨٣، درر الفوائد: ٢/ ٣٣١.
(٥) يلاحظ: هداية المسترشدين: ١/ ٢٢٦، الفصول الغرويّة في الأصول الفقهيّة: ٢٠، فرائد الأصول: ١/ ٥٢١، كفاية الأصول: ٩٧، مقالات الأصول: ١/ ٣٣٤.
(٦) الفصول الغرويّة في الأصول الفقهيّة: ٨٦.
(٧) يلاحظ: الفصول الغرويّة في الأصول الفقهيّة: ٢٩٩، فرائد الأصول: ١/ ٥٢١، ٥٧٩، ٣٧٨.
(٨) محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٣٠٦.
(٩) يلاحظ: بحوث في علم الأصول: ١/ ٢٩٢ـ٢٩٣، ٤/ ١٦٦ـ١٦٧.
(١٠) يلاحظ: لاستخدام الوجدان في الشؤون اللفظيّة عموماً الفصول الغرويّة في الأصول الفقهيّة: ٩٣، ١٩٨، ٢٠٩، درر الفوائد: ١/٦٠، مقالات الأصول: ١/ ٨٧ ، ٩٠.
(١١) كفاية الأصول: ٢٥٩. ويلاحظ غيرها من الموارد: فرائد الأصول: ٢/ ١٢٥، كفاية الأصول: ٢٦٨، ٣٤٣، مقالات الأصول: ٢/ ١٣.
(١٢) تقريرات المجدّد الشيرازيّ: ١/ ٢٦٦.
(١٣) الفصول الغرويّة في الأصول الفقهيّة: ٣٨.
(١٤) كفاية الأصول: ٦٣.
(١٥) وكذا يلاحظ: كفاية الأصول: ٣٤٤.
(١٦) بحوث في علم الأصول: ٤/ ١٩.
(١٧) سيأتي في صفحة : ١٥٥.
(١٨) فوائد الأصول: ١ـ٢/ ١٣٥.
(١٩) وقاية الأذهان: ٢٦٢ و٢٦٥.
(٢٠) يلاحظ: وقاية الأذهان: ١١٢، ٣٧٥.
(٢١) يلاحظ: مصباح الفقيه: ٣/ ١١٣، فوائد الأصول: ١ـ٢/ ١٢٤، أجود التقريرات: ٢/ ٣٥٩.
(٢٢) منتقى الأصول: ١/ ٢٦١.
(٢٣) هداية المسترشدين: ٢/ ٣٥٦.
(٢٤) هداية المسترشدين: ٣/ ٥١٨.
(٢٥) بداية الوصول: ٩/ ٣١٧.
(٢٦) بداية الوصول: ٥/ ٢٥.
(٢٧) تقريرات المجدّد الشيرازيّ: ١/ ٢٦٦.
(٢٨) نهاية الأفكار: ١ـ٢/ ٣٣٨.
(٢٩) مصباح الفقيه: ١ق١/ ٢٤.
(٣٠) مباني الأصول: ١٠/ ٩٨ ـ ٩٩.
(٣١) بحوث في علم الأصول: ٤/ ١٩.
(٣٢) سيأتي في صفحة: ١٦٤.
(٣٣) يلاحظ: مباني الأصول: ١٠/ ٩٩.
(٣٤) يلاحظ: كفاية الأصول: ١٢٦، مقالات الأصول: ١/ ٣٣٣، فوائد الأصول: ١ـ٢/ ٢٨٤.
(٣٥) يلاحظ: تذكرة الفقهاء: ٢/ ٢٣٦، ١٠/ ٢٣٥، جامع المقاصد: ٥/ ٢١٦، مسالك الأفهام: ٧/ ٢٥٨، مستند الشيعة: ٨/ ١٦٣.
(٣٦) يلاحظ جواهر الكلام: ١/ ٢٢٨.
(٣٧) يلاحظ: العروة الوثقى: ٤/ ٣٥١.
(٣٨) الكافي: ٧/ ٢٩٩ـ٣٠٠، باب الرجل يقتل المرأة والمرأة تقتل الرجل، وفضل دية الرجل على دية المرأة في النفس والجراحات، ح ٦.
(٣٩) يلاحظ: نهاية الأفكار: ١ـ٢/ ٤٣، ٣/ ٧٦.
(٤٠) يلاحظ: منتقى الأصول: ١/ ٢٦١.
(٤١) يلاحظ: كفاية الأصول: ١٦٢، ٣٤٤، مقالات الأصول: ١/ ١٩٤، فوائد الأصول: ١ـ٢/ ١٠٨.
(٤٢) وقاية الأذهان: ٢٦٢ـ٢٦٥.
(٤٣) يلاحظ: مباحث الأصول: ق١ ج١/ ٢٧٤، ق٢ ج٢/ ٢٥٦، بحوث في علم الأصول: ١/ ١٦٧، ٤/ ٢٩٢.
(٤٤) يلاحظ: الحدائق الناضرة: ٣/ ٧٥، ٧/١٣٠، ١١/٢٥٣، مفتاح الكرامة: ١١/ ٢٢٤، رياض المسائل: ٣/٣٨٥، الفصول الغرويّة: ٦٨، مشارق الشموس: ١/١١، هداية المسترشدين: ٢/ ١٩٩، مقالات الأصول: ١/ ٦٢.
(٤٥) يلاحظ: مستند الشيعة: ٦/ ٣٥٧، جواهر الكلام: ٢٨/ ١٥٦، حاشية أغا رضا الهمدانيّ: ٤٦٥، مصباح الفقيه: ١٤/ ٦٨٠، الفصول الغرويّة في الأصول الفقهيّة: ٥٦، الكفاية مع حواشي المشكينيّ: ١/ ٣٠٩.
(٤٦) يلاحظ: كفاية الأصول: ٧٠، الفصول الغرويّة: ٢١٢، بحوث في علم الأصول: ٣/ ١٧٠، نهاية الأفكار: ١ـ٢/ ١٠٩، المحكم في أصول الفقه: ١/ ٥٣٢.
(٤٧) يلاحظ: مقالات الأصول: ١/ ٤٨٤.
(٤٨) الفصول الغرويّة: ٤٦.
(٤٩) حقائق الأصول: ١/ ٥٦٩.
(٥٠) يلاحظ: كفاية الأصول: ٦٣، منتقى الأصول: ١/ ٣٩٣.
(٥١) يلاحظ: بحوث في علم الأصول: ٢/ ٣٨٢، ١٢٢، ٣/ ١٧١، ٢١٤.
(٥٢) يلاحظ: نهاية الأفكار: ٤ ق١/ ٢٤، حيث قال S: (بل من جهة الجزم بانتفائه حينئذٍ ... وبهذه الجهة نفرّق بين سنخي الحكم العقلي في باب التخطئة والتصويب أيضاً).
(٥٣) مباحث الأصول: ٢ ق٢/ ٢٥٥.
(٥٤) نهاية الأفكار: ج١ـ٢/ ٣٣٨.
(٥٥) يلاحظ: مباني الأصول: ١٠/ ٩٨.
(٥٦) يلاحظ: هداية المسترشدين: ١/ ٥٤٩، فرائد الأصول: ١/ ١١٦، نهاية الأفكار: ١ـ٢/ ٥٥٠، بداية الوصول: ٣/ ١٤، مصباح الأصول: ٣/٢٥٧، المحكم في أصول الفقه: ٢/٣٠١.
(٥٧) يلاحظ: قوانين الأصول: ٧٧، نهاية الأفكار: ٥/ ٦٢، مقالات الأصول: ١/ ٤٨٤، أجود التقريرات: ١/ ٣٧، مصباح الأصول: ٣/ ١٦٤، محاضرات في أصول الفقه: ٥/ ٣٦٧.
(٥٨) يلاحظ: كفاية الأصول: ٢٧٩، محاضرات في أصول الفقه: ٣/ ٢٧٦، دروس في علم الأصول: ٢/ ٤٦.
(٥٩) بحوث في علم الأصول: ٤/ ٢٩٣.
(٦٠) مباني الأصول: ٣/ ٢٦٦.