حكم إبداء المرأة وجهها وكفّيّها
ونظر الرجل إليهما
(الحلقة الأولى)
الشيخ جعفر اليعسوبيّ (دام عزّه)
تتميّز الشريعة الإسلاميَّة بمراعاة قوانينها للقيم الأخلاقيَّة في العفة والسَّتر من جهةٍ وعدم التَّضييق على المكلَّف من جهةٍ أخرى.
وما بين يديك ـ عزيزي القارئ ـ محاولةٌ لاستكشاف رؤية الإسلام في موضوعٍ ملحٍّ لعموم النَّاس ألا وهو كشف المرأة لوجهها وكفيّها أمام الرَّجل الأجنبيّ ونظر الرَّجل إليهما.
وذلك من خلال قراءة النصوص الشرعيّة وعرض آراء مَن يمثّلون الطوائف الإسلاميّة ومناقشتها.
بسم الله الرحمن الرحيم
من المسائل الابتلائيّة في المجتمعات الإسلاميّة خروج المرأة أمام الرجل الأجنبيّ كاشفة وجهها وكفَّيها، ونظر الرجل إليها وهي في تلك الحالة، ولم يكن قاصداً للتلذُّذ وبدون دافع الشهوة، فما هو موقف الإسلام تجاه هذه الحالة؟ فهل يمنع الإسلام المرأة من الخروج دون تغطية بدنها من قرنها إلى قدميها، ويحذّر الرجل من أن تقع عيناه على وجهها أو كفَّيها ولو بدون قصد شهوةٍ وتلذُّذ، أو لا يمنع من كذلك؟ وقد اختلفت آراء الفقهاء فيها قديماً وحديثاً.
وهذه محاولة بسيطة في سطور لاستكشاف رؤية الإسلام في هذه القضيّة المهمّة من خلال عرض آراء مَن يمثّلون الطوائف الإسلاميّة ومناقشتها، وبالله التوفيق.
والكلام في حكم نظر الرجل إلى المرأة يمكن أن يقع في صورٍ ثلاثة:
الصورة الأولى: أن ينظر إلى امرأةٍ بنظرة شهوةٍ وقصد تلذُّذٍ، وهذا لا إشكال ولا خلاف في حرمته فيما عدا الزوجة بلا استثناء أي جزء من أجزاء بدنها، بلا فرق بين المحارم وغيرها، وبلا فرق بين مَن تلتزم بالحجاب وغيرها، وكذلك بلا فرق بين أن نقول بوجوب ستر جميع البدن على المرأة أو لا.
الصورة الثانية: أن ينظر إلى جسد امرأةٍ أجنبيّةٍ ملتزمة بالحجاب ما عدا الوجه والكفين وكذلك القدمين ـ على قول ـ، وهذا أيضاً قد تسالم فقهاء الإسلام على حرمته وإن كان بدون شهوة وقصد تلذُّذ كما تسالموا على حرمة إبداء المرأة جسدها لغير المحارم عدا الوجه والكفّين والرجلين إلّا في حالات خاصّة استثنوها من هذا الحكم، مثل نظر الطبيب لغرض العلاج وأمثاله. وأمّا جواز النظر إلى وجه وكفَّي المحارم فكاد أن يكون مجمعاً عليه.
وكذلك النساء غير الملتزمات بالحجاب فقد جوّز الكثيرون النظر إلى شعورهن؛ لوجود بعض النصوص الدالّة على جواز ذلك.
ونظراً إلى وضوح الأمر في هاتين الصورتين وعدم وجود خلاف معتدٍّ به أعرضت عن التفصيل فيهما.
الصورة الثالثة: هل هناك استثناء لبعض الأعضاء من جسم المرأة الأجنبيّة أو لا؟ بمعنى هل يوجد لها عضو يجوز لها الكشف عنه أمام الرجل الأجنبيّ بدون ضرورة تقتضيه، ويجوز للرجل أن ينظر إليه إذا لم يكن بقصد التلذُّذ والشهوة، ومع عدم الخوف من الوقوع في الحرام، أو يجب عليها ستر جميع بدنها، ويحرم على الأجنبيّ النظر إلى شيءٍ من جسدها؟
فيه أقوالٌ سوف نشير إليها ثُمَّ نتعرّض لأدلّتها للنظر فيها، ونختار ما يبدو صحيحاً منها حسب الظاهر، وبالله التوفيق.
فيقع الكلام في مقامين:
المقام الأوَّل: الأقوال في المسألة
وهي خمسة:
القول الأوَّل: لا يجوز للمرأة الكشف عن شيء من جسدها للأجنبيّ، كما لا يجوز للرجل أن ينظر إلى شيء من جسدها. ذهب إلى هذا القول جمع من علماء الإماميّة فتوى أو احتياطاً.
منهم: الشيخ الطوسيّ(١)، وابن البرّاج(٢)، وابن إدريس(٣)، وابن سعيد الحلّيّ(٤)، والعلّامة(٥)، وفخر المحقّقين(٦)، والشهيد (٧)، والمحقّق الكركيّ(٨)، والشهيد الثاني(٩)، والفيض الكاشانيّ(١٠)، والفاضل الهنديّ(١١)، والشيخ محمّد إسماعيل الخواجوئيّ(١٢)، والسيّد اليزديّ(١٣)، ووافقه بعض مَن علّق على هذه المسألة، منهم: السيّد البروجرديّ، والمحقّق الحائريّ، والمحقّق النائينيّ(١٤)، والسيّد أبو الحسن الأصفهاني(١٥)، ومال إلى الحرمة السيّد الحكيم في المستمسك(١٦)، والسيّد أبو القاسم الخوئي (١٧)، وبعض الأعلام المتأخّرين عنه، مثل: السيّد محمد رضا الگلبايگاني(١٨)، والشيخ جواد التبريزي(١٩) O ، والشيخ محمّد إسحاق الفياض F(٢٠) في رسائلهم العمليّة.
هذا ما عن علماء الإماميّة.
وأمّا علماء العامَّة فقليل منهم مَن أختار هذا القول حسب ما اطّلعنا عليه..
١. ابن قدامة الحنبليّ، قال: (أمّا نظر الرجل إلى الأجنبيّة من غير سبب فيحرم عليه النظر إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد)(٢١)، ثُمَّ بعده بأسطر ذكر الأدلّة على هذا الرأي.
فيظهر منه..
أوّلاً: أنّه يختار هذا القول.
وثانياً: أن هذا القول منسوب إلى أحمد بن حنبل أيضاً.
٢. أبو بكر بن عبد الرحمن، حسب نقل محمّد بن أحمد القرطبيّ الأندلسيّ المالكيّ، حيث قال: (وذهب أبو بكر بن عبد الرحمن وأحمد إلى أنَّ المرأة كلّها عورة)(٢٢). ومعنى هذا الكلام أنَّ أبا بكر بن عبد الرحمن ـ الذي هو من الفقهاء التابعين ـ سبق أحمد في اختيار هذا القول حسب هذا النقل.
٣. محمّد بن أحمد الشربينيّ(٢٣)، حيث جعل حرمة النظر حتّى إلى وجه المرأة وكفَّيها ولو بدون خوف الفتنة وقصد التلذُّذ، قولاً صحيحاً.
٤. النوويّ الشافعيّ، حيث قال: (إذا أراد الرجل أن ينظر إلى امرأة أجنبية عنه من غير سبب فلا يجوز له ذلك، لا إلى العورة، ولا إلى غير العورة)(٢٤).
٥. عليّ بن سلمان المرداويّ، قال: (إنَّ المصنِّف وأكثر علماء الحنابلة ذهبوا إلى حرمة النظر إلى الأجنبيَّة مطلقاً، وهذا هو الصحيح، وهو مذهب أحمد)(٢٥).
ومراده من المصنِّف هو ابن قدامة؛ لأنَّ كتابه هذا بمثابة شرح لكتاب المقنع لابن قدامة. ويظهر من هذه الكلمات أنَّ أحمد وأكثر علماء الحنابلة اختاروا هذا القول مقابل غيرهم. ولكن سيأتي التشكيك في نسبة هذا القول إلى أحمد.
والملاحَظ أنّ هذه الأقوال وإن لم يصرّح كلُ واحد فيها إلّا بأحد الحكمين ـ من حرمة نظر الرجل أو وجوب الستر على المرأة ـ ولكنّ لمّا كان عامّة فقهاء المسلمين ـ فيما وجدناه ـ بنو على الملازمة بين الحكمين ولم ينسب القول بالتفكيك إلّا إلى قليل منهم نسبنا إليهم الحكم الثاني أيضاً، ولا سيّما بالنظر إلى أنّ بعض الأدلّة التي اختاره كلُّ طرف في أحد الحكمين يكفي في إثبات الحكم الآخر كما سوف يأتي تقريبه. وكذا بالنظر إلى دعوى وجود ارتكاز الملازمة بين الحكمين عند المتشرّعة وسوف يأتي تقريبها أيضاً، فكأنّ الأصل هو أنّ من أفتى بوجوب الستر على المرأة لجميع بدنها أفتى بحرمة نظر الرجل إليها مطلقاً، وكذا العكس.
وهكذا تعاملنا مع الأقوال التي نذكرها لاحقاً إلّا من وجدنا منه التصريح بالتفكيك بين الحكمين.
القول الثاني: يجوز للمرأة الكشف عن وجهها وكفَّيها أمام الرجال الأجانب، كما يجوز للأجنبيِّ النظر إلى وجه المرأة وكفَّيها إذا كان بدون شهوة وقصد التلذُّذ، ولا خوف الوقوع في الحرام.
اختار هذا القول كثير من علماء الإماميَّة، منهم:
١. الشيخ الصدوق O، فإنَّه يمكن أن يدّعى أن هذا القول هو ظاهر كلامه، حيث ذكر في كتابه المقنع: (وروي عن أبي عبد الله g أنّه قال: على الصبي إذا احتلم الصيام، وعلى المرأة إذا حاضت الصيام والخمار)(٢٦). فلمَّا لم يذكر ما يخالف هذه الرواية يظهر اختياره لها والإفتاء بها.
ومعنى الرواية أنَّ المرأة إذا بلغت يجب عليها الخمار لا أكثر. وسوف يأتي البحث عن معنى الخمار، وأنَّه ثوب يستر الرأس دون الوجه.
ولكن في الرواية احتمال آخر، وهو: أنَّ المراد من وجوب الخمار هو ستر الرأس في الصلاة؛ لأنَّ الصبية لا يجب عليها ستر الرأس، فالإمام g يريد أن يبيّن حكم المرأة من حيث الصيام والصلاة، وليس في مقام بيان مقدار ما تستره المرأة من جسمها أمام الأجنبيّ.
وعلى هذا يصعب الاعتمـاد على هذا الكلام في نسبة هذا القول إلى الشيخ الصدوق O.
٢. الشيخ المفيد، حيث قال: (ولا يحلّ له أن ينظر إلى وجه امرأة ليست له بمحرم ليلتذ بذلك)(٢٧). ويفهم من هذا الكلام أنَّ النظر إلى وجه المرأة بلا قصد التلذُّذ ليس بحرام عنده، وإلَّا لزم لغوية هذا القيد.
٣. الشيخ الطوسيّ O ، حيث ادّعى الإجماع على هذا القول(٢٨). ووافقه على ذلك كلٌّ من:
٤. الراونديّ O في فقه القرآن(٢٩).
٥. الطبرسيّ O في المؤتلف من المختلف(٣٠).
٦. الشهيد الثاني O في المسالك(٣١).
٧. السبزواريّ O في الكفاية(٣٢).
٨. المحدِّث البحرانيّ O في الحدائق(٣٣).
٩. النراقيّ O في المستند(٣٤).
١٠. صاحب الرياض O (٣٥).
١١. الشيخ الأنصاريّ O في كتاب النكاح(٣٦).
١٢. الجزائريّ O في قلائده(٣٧).
١٣. وبعض الأعلام المتأخّرين مثل: السيّد الخمينيّ O، والسيّد السيستانيّ F،
والسيّد محمد سعيد الحكيم F، والسيّد الشبيريّ الزنجانيّ F، والفاضل اللنكرانيّ O في رسائلهم العمليَّة.
وأمّا علماء العامّة فأكثرهم ذهب إلى هذا القول، منهم:
١. محمَّد بن أحمد السرخسيّ الحنفيّ، قال: (يجوز النظر إلى وجه وكفَّي الأجنبيَّة، وهو قول ابن عباس وعليّ)(٣٨). فنسب جواز النظر إلى ابن عباس، وعليّ بن أبي طالب g.
٢. محمَّد بن أحمد القرطبيّ المالكيّ، قال: (أمّا مسألة حدّ العورة في المرأة فأكثر العلماء على أنَّ بدنها كلّه عورة ما خلا الوجه والكفَّين)(٣٩). فنسب الجواز إلى الأكثر وإن كان مختاره الحرمة، كما تقدّم.
٣. ابن حزم الأندلسيّ الظاهريّ في المحلّى، قال: (وهي [أي العورة] من المرأة جميع جسمها، حاشا الوجه والكفَّين فقط)(٤٠).
٤. عليّ بن سلمان المرداويّ في الإنصاف، نسب القول بالجواز إلى جماعة من الحنابلة والقاضي، وحكى عن الشيخ تقي الدين أنَّه قال: (هل يحرم النظر إلى وجه الأجنبيّة لغير حاجة؟ رواية عن الإمام أحمد يكره ولا يحرم). وحكى عن ابن عقيل أنَّه قال: (لا يحرم النظر إلى وجه الأجنبيّة إذا أمن الفتنة)، ثُمَّ قال: (قلت: وهذا [أي الجواز] الذي لا يسع الناس غيره خصوصاً للجيران والأقارب غير المحارم الذين نشأ بينهم، وهو مذهب الشافعيّ)(٤١).
٥. ناصر الدين الألبانيّ السلفيّ، حيث قال: (إنَّ تتبُّعنا الآيات القرآنية، والسُنّة المحمَّديَّة، والآثار السلفيَّة في هذا الموضوع الهامّ، قد بيّن لنا أنَّ المرأة إذا خرجت من دارها وجب عليها أن تستر جميع بدنها، وأن لا تظهر شيئاً من زينتها، حاشا وجهها وكفَّيها ـ إن شاءت ـ)(٤٢).
ونسب العلّامة T إلى أكثر الشافعيّة القول بالجواز مع الكراهة(٤٣).
والظاهر من هذه العبارات أنَّ أكثر علماء العامّة ذهبوا إلى الجواز، واشتهرت نسبة القول بالحرمة إلى أحمد بن حنبل، وإن كان تقيّ الدين نسب إليه الكراهة نافياً نسبة الحرمة، حسب نقل المرداويّ.
القول الثالث: يجوز للمرأة الكشف عن وجهها وكفَّيها، ولكنّه لا يجوز للرجل الأجنبيّ النظر إليها. ذهب إلى هذا الرأي صاحب الجواهر(٤٤)، ومال إليه المحقّق
الداماد T(٤٥).
القول الرابع: يجوز للرجل أن ينظر إلى وجه المرأة وكفَّيها مرةً واحدةً، ولا يجوز التكرار. ذهب إليه المحقّق(٤٦)، والعلّامة(٤٧)، والشهيد الأوّل S(٤٨).
وهل مقصود القائل بهذا القول أنَّه لا يجوز للرجل النظر بالتكرار مع حرمة الكشف للمرأة، أو أنَّ مقصوده أنَّ المرأة يجوز لها الكشف؟
يمكن أن يقال: أنَّ ظاهر مرادهم هو الثاني، وحينئذٍ فهذا القول يكون قريباً من القول الثالث الذي اختاره صاحب الجواهر.
قال المحقّق T في الشرائع: (ساترة جميع جسدها ما عدا الوجه والكفَّين وظاهر القدمين، على تردُّد في القدمين)(٤٩). وقال في موضع آخر: (يجوز أن ينظر إلى وجهها وكفَّيها على كراهية مرّةً، ولا يجوز معاودة النظر)(٥٠)، وعبارته ظاهرة في الإطلاق، من جهة أنَّها قامت للصلاة في معرض وقوع نظر الأجانب عليها، أو كانت مأمونة من هذا الجانب، ومعه لم يقل بوجوب ستر الوجه والكفَّين.
القول الخامس: يجوز للمرأة الكشف عن قدميها مضافاً إلى الوجه والكفَّين.
ذهب إليه من الإماميَّة ابن أبي المجد الحلبيّ T(٥١).
وذكر الشيخ الصدوق T(٥٢): أنَّ خمسة أعضاء من جسد المرأة يجوز النظر إليها، ثُمَّ ذكر مرسلة مروك بن عبيد التي دلّت على جواز النظر إلى الوجه والكفَّين والقدمين من المرأة.
ونُسب هذا القول إلى أبي حنيفة من العامّة(٥٣).
المقام الثّاني: في ذكر أدلّة الأقوال
أدلة القول الأوَّل:
الدليل الأوَّل: الكتاب، وهي آيات:
الآية الأولى: قال الله سبحانه في كتابه: {ولَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ}(٥٤).
والاستدلال بهذه الآية على حرمة نظر الأجنبيّ إلى الأجنبيّة مطلقاً، وحرمة كشف شيء من بدنها بتقريبات:
التقريب الأوَّل: ما جاء في كلمات السيّد الخوئيّ S حيث قال: إنَّ (البداء معناه الظهور كما في قوله تعالى: {بدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا}، والإبداء معناه الإظهار فإذا كان هذا متعلّقاً بشيء ولم يكن متعدّياً باللام يكون في مقابل الستر، وإذا كان متعلّقاً باللام كان في مقابل الإخفاء بمعنى الإعلام والإراءة كما يقال: يجب على الرجل ستر عورته وليس له إظهارها في ما إذا كان يحتمل وجود ناظر محترم، وكذلك يقال: أنَّ بدن المرأة كلّه عورة فيراد به ذلك، وأمّا إذا قيل: أبديت لزيد رأيي أو مالي، فمعناه: أعلمته، وأريته.
ومن هنا يظهر معنى الآية الكريمة، فإنَّ قوله a أوّلاً: {لَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} إنَّما يفيد وجوب ستر البدن الذي هو موضع الزينة، وحرمة كشفه ما عدا الوجه واليدين؛ لأنَّهما من الزينة الظاهرة، فيستفاد منه أنَّ حال بدن المرأة حال عورة الرجل لا بُدَّ من ستره بحيث لا يطّلع عليه غيرها باستثناء الوجه واليدين فإنّهما لا يجب سترهما.
لكنّك عرفت أنَّ ذلك لا يلزم منه جواز نظر الرجل إليهما، في حين أنَّ قوله a ثانياً: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} يفيد حرمة إظهار بدنها وجعل الغير مطّلعاً عليه وإراءته مطلقاً من دون فرق بين الوجه واليدين وغيرهما، إلّا لزوجها والمذكورين في الآية الكريمة.
فيتحصَّل من جميع ما تقدّم: أنَّ الآية الكريمة بملاحظة النصوص الواردة في تفسير الزينة تفيد الحكمين التاليين:
الأوَّل: حكم ظهور الزينة في حدّ نفسه، فتفيد ستر غير الظاهرة منها، دون الظاهرة التي هي الوجه واليدان.
الثاني: حكم إظهار الزينة للغير، فتفيد حرمته مطلقاً، من دون فرق بين الظاهرة والباطنة إلّا للمذكورين في الآية الكريمة حيث يجوز لها الإظهار لهم.
وحيث عرفت أنَّ حرمة الإظهار ووجوب التستّر تلازم حرمة النظر إليها فتكون الآية الكريمة أَوْلى بالاستدلال بها على عدم الجواز من الاستدلال بها على الجواز)(٥٥).
ومقصود السيّد S من قوله: (بملاحظة النصوص الواردة) هو أنَّه لولا النصوص في المقام لحملنا لفظ الزينة على ما يتزيّن به المرء لا محلّ الزينة، لكنّه بملاحظة النصوص يُفهم أنَّ المراد به هو مواضع الزينة.
ثُمَّ يقول S فيما بعد: (والذي يظهر ـ والله العالم ـ أنَّ الروايات الواردة في تفسير هذه الآية الكريمة تؤكِّد ما ذكرناه من التفصيل في الزينة بين ما يجب سترها في نفسه، وما يحرم إبداؤها لغير الزوج، فإنَّ بعضها تسأل عن القسم الأوّل، وبعضها الآخر تسأل عن القسم الثاني في الآية الكريمة.
فمن الأوّل: معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله g: (قال: سألته عن قول الله a: {لَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}؟ قال: الخاتم، والمسكة، وهي القلب)(٥٦).
فهي صريحة في أنَّ السؤال عن القسم الأوّل من الآية الكريمة دون القسم الثاني فلا تدلّ إلَّا على جواز كشف الوجه واليدين، وعدم وجوب سترهما في نفسه، وقد عرفت أنَّ ذلك لا يلازم جواز النظر إليهما.
ومن الثاني: صحيحة الفضيل، حيث ورد السؤال فيها عن الذراعين من المرأة أهما من الزينة التي قال الله a: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ}؟ فأجاب g: (نعم)(٥٧). فدلّت على حرمة إبدائهما لغير الزوج ومَن ذُكر في الآية الكريمة، فبملاحظة هذه النصوص يتّضح جلياً أنَّ ما تفسره معتبرة أبي بصير غير ما تفسره صحيحة الفضيل، وأنَّهما منضمّان إنّما يفيدان أنَّ الزينة على قسمين: قسم منها يجب ستره في نفسه، وهو ما عدا الوجه والكفَّين من البدن. وقسم منها لا يجوز إبداؤه لغير المذكورين في الآية الكريمة مطلقاً، وهو تمام البدن من دون استثناء)(٥٨).
ويتفرَّع على كلامه أحكام، هي:
١ ـ جواز كشف المرأة وجهها وكفَّيها في حدّ نفسه.
٢ ـ عدم جواز نظر الأجنبيّ إلى بدن الأجنبيّة مطلقاً حتّى الوجه والكفَّين.
٣ ـ عدم جواز اطّلاع الرجل الأجنبيّ على شيء من بدنها.
وقد سبقه إلى هذا التفسير للآية السيّد باقر الكشميريّ(٥٩) حسب ما نقل عنه السيّد عليّ نقيّ في كتابه إثبات الحجاب(٦٠).
أقول: كلامه T يرجع إلى عدّة أمور:
الأمر الأوَّل: أنَّ المراد من لفظ الزينة في الآية الكريمة مواضع الزينة ولو بمعونة بعض الروايات.
الأمر الثاني: أنَّ الإبداء بدون التعدّي باللام يعطي معنى غير المعنى الذي يعطيه عند التعدّي باللّام، فالأوّل هو الإظهار في نفسه مقابل الستر، والثاني هو جعل الغير مطّلعاً على الشيء الذي أظهره مقابل الإخفاء.
الأمر الثالث: أنَّه لا ملازمة بين جواز الكشف عن الوجه والكفَّين للمرأة وبين جواز نظر الرجل إليهما.
الأمر الرابع: أنَّ المراد من الزينة في الفقرة الثانية من الآية، وهي: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} بدن المرأة كلّه بدون استثناء شيء منه.
الأمر الخامس: هناك ملازمة بين حرمة الكشف للغير وبين حرمة نظر الغير إليها.
الأمر السادس: أنَّ الروايات الواردة في تفسير الآية تؤيِّد التفصيل الذي اختاره في تفسير الآية.
ولكن يمكن المناقشة في ما ذكره T بعدّة أمور:
أمّا الأوّل وهو: أنَّ الزينة في نفسها ـ أي مع قطع النظر عن الروايات الواردة في تفسيرها ـ ظاهرة في إرادة ما تتزيّن به المرأة لا مواضعها، ولكن الروايات فسّرت الزينة بمواضعها.
فأقول: قد وقع النزاع قديماً وحديثاً في المراد من لفظ الزينة في قوله سبحانه: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ}، فقد ذهب بعض المفسّرين والفقهاء إلى أنَّ المراد هو مواضع الزينة، والبعض الآخر ذهب إلى أنَّ المراد هو ما تتزيّن به المرأة من الثياب والقلادة والسوار وغير ذلك، وأكثر من قال بالقول الأوَّل اعترف بأنَّ الزينة في نفسها ظاهرة في ما يتزيّن به المرء، ولكن بقرينة المقام أو الروايات يفسّر بمواضعها: إمّا من باب إطلاق الحال وإرادة المحل منه، أو بتقدير كلمة (ذو) أو غير ذلك.
ويمكن ملاحظة القول الأوَّل في الخلاف للشيخ(٦١)، وأحكام القرآن للجصّاص(٦٢)، ومتشابه القرآن ومختلفه لابن شهرآشوب(٦٣)، ومجمع البيان للطبرسيّ(٦٤)، وزبدة البيان في أحكام القرآن للأردبيليّ(٦٥)، ومسالك الأفهام إلى آيات الأحكام للفاضل الشيخ جواد ابن سعيد الكاظميّ(٦٦)، وإرشاد الأذهان في تفسير القرآن للشيخ محمّد حبيب الله السبزواريّ(٦٧)، والميزان في تفسير القرآن للسيد الطباطبائيّ(٦٨)، والبلاغ في تفسير القرآن بالقرآن(٦٩).
ومَن قال بالقول الثاني: الشيخ في التبيان(٧٠)، والزمخشريّ(٧١)، والجرجانيّ(٧٢)، والفاضل المقداد(٧٣)، والآلوسيّ(٧٤)، والإشتهارديّ(٧٥).
وهذا الاختلاف بين العلماء في تفسير كلمة (الزينة) مبنيٌّ على عدم إمكان إرادة المعنى العامّ الجامع لكلا الأمرين ـ ما يتزيّن به، ومواضع الزينة ـ والحال أنَّه يمكن أن يدّعى عدم اختصاص لفظ الزينة بشيء منهما، بل الزينة هو مطلق ما يحسّن به شيء ويجمّل سواء حصل من ذات الشيء، أو بضمّ شيء من خارجه؛ لأنَّ الزينة اسم من الزَيْن وهو يقابل الشَيْن، فتخصيص الزينة بما هو من خارج الشيء هو من تخصيص المعنى العامّ بأحد أفراده لكثرة الاستعمال فيه.
وما يشهد بصحّة هذه الدعوى كلام بعض اللغويين:
قال الراغب في مفرداته: (الزينة الحقيقيّة: ما لا يشين الإنسان في شيء من أحواله لا في الدنيا ولا في الآخرة.. والزينة بالقول المجمل ثلاث: زينة نفسيّة كالعلم والاعتقادات الحسنة، وزينة بدنيّة كالقوّة وطول القامة، وزينة خارجية كالمال والجاه)(٧٦).
وقال الجوهريّ: (الزينة: ما يتزيّن به، ويوم الزينة: يوم العيد... قال المجنون:
فيا رَبِّ إذ صَيَّرْتَ ليلَى لِيَ الهَوَى فـزِنّـِي لِعَـيْـنَيْـهـا كـمـا زِنْتَـهـا لِيَـا
ورجل مزين، أي مقذذ الشعر)(٧٧).
وقال الأزهريّ: (الزين: نقيض الشين، وسمعت صبيّاً من بني عُقيل يقول لصبي آخر: وجهي زين، ووجهك شين. أراد أنَّه صبيح الوجه، والآخر قبيحه، والتقدير وجهي ذو زين. قال الليث: الزينة اسم جامع لكلّ شيء يتزيّن به. زانه الحسن يزيّنه زيناً)(٧٨).
وهذه الكلمات واضحة الدلالة على أنَّ الزينة تشمل الحسن والجمال من ذات الشيء بدون ضمّ شيء إليه، وعلى هذا لا تختصّ زينة النساء مفهوماً بالقلادة والقرط والخلخال وغيرها، إنّما هي مصاديق للزينة، بل وجههن وشعرهن ومحاسنهن الأخرى أيضاً هي زينتهن.
ولذا نرى في قوله a: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}(٧٩) أنَّ عدداً غير قليل من المفسرين فسّروا الزينة بالمعنى العامّ من الثياب والتمشّط والغسل، على وفق ما جاء في الروايات، وذكر بعضٌ آخر هذا التفسير ناسباً إيّاه إلى غيره بدون الردّ عليه وإن كان الكثير منهم قد فسّروا الزينة بالثياب الجميلة.
ذكر الشيخ في التبيان(٨٠): الزينة: هي الثياب الجميلة والحِلية. والحِلية في اللغة: هي صفة المرء(٨١) أو صفة المرء وصورته وخلقته(٨٢). فإذا كان المرء جميلاً كان جماله زينة له.
وذكر السيّد هاشم البحرانيّ في البرهان(٨٣) روايات متعدّدة بعضها تفسّر الزينة بالثياب، وبعضها بالتمشُّط، وبعضها بالغسل. وهذا أيضاً يشهد بعموم لفظ الزينة للشعر المُسرّح والوجه المغسول.
وعلى هذا كان استعمال الزينة في الآيات القرآنية بما يتزيّن به الشيء من الخارج، في مثل قوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ}(٨٤) أي: قارون، وفي وقوله تعالى: {قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ}(٨٥) وغيرها من الآيات من باب استعمال المطلق في بعض أفراده بالقرينة.
وحينئذٍ لا مانع من استعمال كلمة (الزينة) وإرادة مطلق ما تتزيّن به النساء من أعضاء بدنها، أو الحُلي التي تلبسها، بل يكون هو مقتضى الإطلاق مع عدم القرينة على التقييد، بل نقول توجد في المقام أكثر من قرينة على إرادة مواضع الزينة إمّا بالخصوص، أو بإرادة المعنى العامّ الشامل لها:
الأولى: أنَّه لو أريد من (الزينة) ما تتزيّن به المرأة من الثياب والحلي لا يبقى انسجام بين فقرات الآية.
توضيحه: أنَّ هنا ثلاث فقرات متتالية:
الأولى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}.
الثانية: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ}.
الثالثة: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ...}.
فإذا فرضنا أنَّ المراد من الزينة هو الثياب والحُلي فقط تكون الفقرة الأولى دالة على المنع من إظهارها إلّا ما ظهر منها. والثانية دالة على وجوب ستر الجيوب، أي: الصدور بالخمر. والثالثة دالة على المنع من إظهار الثياب والحُلي أيضاً لغير الأزواج ومَن ذُكر بعدهم.
وهذا كما ترى لا يترك انسجاماً بين الفقرات الثلاث؛ لأنَّ الفقرة الثانية أصبحت غريبة عن الأولى والثالثة، وهذا بخلاف ما لو أريد من الزينة المعنى العامّ الشامل لأعضاء جسم المرأة؛ لأنَّه حينئذٍ تكون الفقرة الثانية منسجمة تماماً مع الأخريين.
وبالنظر إلى هذا قال السيّد الحكيم S: (وحمله [أي: إلَّا ما ظهر منها] على زينة الثياب.. مع أنَّه خلاف الظاهر في نفسه مخالف لقرينة السياق مع قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ})(٨٦).
القرينة الثانية: يمكن أن يقال: أنَّه من البعيد أنَّ الآية تتعرّض لحكمين، وهما: حرمة الكشف عمّا تزيّنت به المرأة من الحُلي، ووجوب ستر الجيب بالخمار، ثمّ تجوّز الكشف عن الزينة للأزواج وبعض أصناف أخرى من الرجال، وتسكت عن لزوم ستر الجيوب بالخمار وعدمه أمام الأزواج والمحارم الآخرين.
إلى هنا انتهينا إلى أنَّ الزينة المذكورة في الآية في حدّ نفسها شاملة لمواضع الزينة حتى لو لم نستعن بالروايات الواردة في تفسيرها على هذا المعنى، مثل: صحيحة الفضيل، قال : (سألت أبا عبد الله g عن الذراعين من المرأة أهما من الزينة التي قال الله تبارك وتعالى : {ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ}؟ فقال : نعم، وما دون الخمار من الزينة وما دون السوارين)(٨٧).
فهي وأمثالها ـ التي دلّت على أنَّ المراد هو مواضع الزينة ـ تكون مؤيّدة لهذا التفسير، ولا تكون هناك منافاة بينها وبين الرواية التي فسرت الزينة بما تتزيّن به المرأة من الحلي كما في خبر أبي بصير، عن أبي عبد الله g، قَالَ: (قال سألته عن قول الله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: الخاتم والمسكة وهي القلب)(٨٨).
ووجه عدم المنافاة هو أنَّ كلّ واحد من القسمين من الروايات تعرّض لمصداق من مصاديق الزينة.
ويؤيّد إمكان هذا الجمع: الرواية التي جمعت بين كلا الأمرين، وهي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر g في قوله سبحانه وتعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (قال: هي الثياب والكحل والخاتم وخضاب الكفَّ والسوار، والزينة ثلاث: زينة للناس، وزينة للمحرم، وزينة للزوج. أمّا زينة الناس فقد ذكرناه. وأمّا زينة المحرم فموضع القلادة فما فوقها والدملج وما دونه والخلخال وما أسفل منه. وأمّا زينة الزوج فالجسد كلّه)(٨٩).
والمراد من (زينة للناس) (وزينة للمحرم) (وزينة للزوج) هي الزينة التي يجوز إظهارها لهذه الأصناف، فهذه الرواية جمعت بين مواضع الزينة وبين الحلي التي تتزيّن بها المرأة.
هذا هو الأمر الأوَّل في كلام السيّد الخوئي S.
وأما الأمر الثاني: وهي أنَّ لفظ (يبدين) في قوله سبحانه وتعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} بمعنى، وفي قوله: {ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} بمعنى آخر؛ لأنَّ الإبداء قد يأتي متعدّياً بدون اللّام، فيكون بمعنى إظهار الشيء في نفسه، وقد يأتي متعدّياً باللّام، فيكون بمعنى إظهاره للغير واطلاع الغير عليه.
فيمكن المناقشة فيه..
أوّلاً: أنَّ هذا التفصيل لا تساعد عليه استعمالات هذه الكلمة، ولا أقوال أهل اللغة؛ فإنَّه بالنظر إلى استعمالات هذا اللفظ وما ذَكَر له أهل اللغة من المعنى فهو معنى واحد(٩٠)، وهو: الإظهار وكشف الستر عن الشيء، ويتعدّى إلى المكشوف بدون حرف جر.
نعم، قد يكون الملحوظ فيه هو الكشف لناظرٍ معيّن فيذكر ويتعدّى إليه باللّام، وقد لا يكون هذا الأمر منظوراً، بل المقصود هو جعل الشيء مكشوفاً في معرض النظر لأيّ ناظرٍ فلا يذكر، بل يكتفى بالمفعول الأوَّل، وفي الحقيقة يكون المفعول الثاني مقصوداً دائماً: إمّا يكون خاصّاً فيتعيّن ذكره، أو مطلق مَن يصلح أن يكون ناظراً فيحذف، فلهذا السبب نرى الاختلاف في موارد استعماله، حيث يتعدّى باللّام إلى المفعول الثاني في مورد وبدونه في مورد آخر.
وكذلك في المقام، ففي الفقرة الأولى الإبداء مطلق من جهة الناظر، لكنّه مقيّد من جهة أعضاء جسم المرأة، وفي الفقرة الأخرى مطلق من جهة الأعضاء، لكنّه مقيّد من جهة الناظر فتعدّى إليه باللام، فكلام السيّد S خلاف استعمالات هذه الكلمة.
وثانياً: أنَّ النتيجة المتفرّعة على هذا التفريق في استعمال لفظ الإبداء غريبة. وهي أنَّ المقطع الأوَّل من الآية جوّز الكشف عن الوجه والكفَّين للمرأة في نفسه، والمقطع الثاني حرّم عليها هذا الأمر للناظر غير الزوج ومَن ذكر بعده.
ولازم هذا الكلام أنَّ الحكم الأوَّل يختصّ بحالة الشكّ في وجود الناظر الأجنبيّ وعدمه، فالإبداء للوجه والكفَّين جائز حينئذٍ، والحكم الثاني يختصّ بحالة العلم بوجود الناظر الأجنبيّ.
ويمكن أن يورد عليه:
أوّلاً: لا دلالة في الآية على هذا التفريق في الحكم، بل لا إشارة فيها، بل الظاهر أنَّ الحكم منصبّ على موضوعه الواقعي في كلتا الفقرتين.
وثانياً: لم يذهب أحد من العلماء ـ حسب تتبّعي ـ إلى هذا التفريق في الحكم، وهو أنَّه لا يجوز للمرأة الكشف عن وجهها وكفَّيها إذا علمت بوجود الناظر غير المحرم، ويجوز مع الشكّ والاحتمال في وجوده، على نحو أن يكون هذان حكمين شرعيين لموضوعين مختلفين. نعم، قد يدّعى عدم وجوب الستر عند الشكّ في وجود الناظر؛ لعدم تنجّز الحكم الشرعيّ، لعدم العلم بتحقّق الموضوع، وهذا أمر آخر، كما لا يخفى.
وأمّا الأمر الثالث ـ وهو أنَّه لا ملازمة بين جواز كشف المرأة لوجهها وكفَّيها في نفسه وبين جواز نظر الأجنبيّ إليها ـ فيمكن أن يكون الكشف جائزاً، ونظر الأجنبيّ إليها حراماً، كما هو كذلك عند جماعة بالنسبة إلى جسم الرجل؛ فإنَّه يجوز له الكشف عمّا عدا العورتين، لكنّه لا يجوز للنساء النظر إليه.
ولكنّك قد عرفت أنَّه لا معنى لجواز كشف المرأة وجهها وكفَّيها في نفسه، بل المراد هو جواز جعلهما في معرض نظر الغير، وحينئذٍ فالعرف يرى الملازمة بين هذا الحكم وبين جواز نظر الغير إليها، كما نفهم هذه الملازمة في موارد أخرى مثل جواز كشف المرأة عن بدنها للطبيب، فإنَّه يفهم منه جواز نظر الطبيب إليه، وكذلك جواز الكشف لضرورة إقامة الشهادة عليها.
لكن الإنصاف عدم وضوح دعوى الملازمة بين الحكمين في حدّ نفسيهما؛ لأنَّه من الممكن جدّاً أن يكون جواز الكشف للمرأة عن وجهها وكفَّيها لوجود مفسدة في وجوب الستر لهما غالبة على مفسدة جواز الكشف عنهما فجوّز لها الكشف، وهذا لا يستلزم جواز نظر الرجل الأجنبيّ إليها، وحينئذٍ لا مانع ثبوتاً من أن يجوّز المولى T للمرأة كشف وجهها وكفَّيها حتّى إذا كانت في معرض نظر الرجل الأجنبيّ، ولكنّه لا يجوز للرجل النظر إليهما.
وقياس المقام مع مورد الطبيب والشهادة قياس مع الفارق؛ فإنَّه لا يحصل الغرض من جواز الكشف إلَّا إذا جوّز النظر للطبيب والشاهد.
ولكن مع هذا يمكن دعوى الملازمة في هذا المورد بالنظر إلى أمور ثلاثة:
الأوَّل: أنَّ جواز الكشف للمرأة مع حرمة نظر الرجل مطلقاً حكم حرجيّ في حقّ الرجل؛ ولذا جوّز النظر إلى شعور مَن لا ينتهين، ولا يصحّ قياسه على جواز كشف
الرجل عن بعض جسمه مع حرمة نظر المرأة إليه، كما لا يخفى.
الثاني: أنَّ الملازمة بين هذين الحكمين من مرتكزات المتشرّعة؛ ولذا ذهب أكثر العلماء إلى الملازمة واستفادة أحد الحكمين من دليل الحكم الآخر أمر واضح مسلّم، ولم يذهب إلى التفكيك بينهما ـ حسب التتبع ـ إلَّا نادر.
الثالث: أنَّ التعبير الوارد في الآية ـ وهو الإبداء ـ لا يكون مناسباً لو لم يكن نظر الرجل جائزاً.
والوجه فيه: أنَّ القرآن لو عبّر عن هذا المعنى ـ مثلاً ـ بـ(لا يجب على المرأة ستر وجهها وكفَّيها) لكان لإنكار الملازمة بين الحكمين مجال، ولكن لما جاء بتعبير (لا يبدين زينتهن إلّا ما ظهر) وكان ظاهره أنّه لا مانع من ابداء الزينة الظاهرة، وفسّرت الزينة الظاهرة بالوجه واليدين، كان هذا الكلام ظاهراً في جواز نظر الرجل إليها؛ لأنَّ الإبداء هو إظهار الشيء للغير، فلا يناسب جواز الإبداء للغير مع حرمة نظر هذا الغير.
الأمر الرابع: وهو أنَّ المراد من الزينة في الفقرة الثانية ـ وهي قوله سبحانه: {ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} ـ هي مطلق بدن المرأة بدون استثناء شيء منه.
وللمناقشة فيه مجال من جهة أنَّ هذا خلاف ظاهر فقرات الآية؛ لأنَّه إذا ضُمّت الفقرة السابقة، وهي قوله سبحانه: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} إلى هذه الفقرة يكون الظاهر منها أنَّ المرأة يجب عليها ستر بدنها ما عدا الوجه والكفَّين عن كلّ ناظر، ولا يجوز لها الكشف عنه، وهذا مفاد الفقرة الأولى ثُمَّ استثنت الفقرة الثانية من هذا الحكم(٩١) بعض الرجال مثل الأزواج والمحارم، فالزينة في الجملة الثانية ـ التي حرم الكشف عنها في الفقرة الأولى التي هي بدن المرأة ـ عدا الوجه والكفَّين لا مطلق البدن.
وإذا تنازلنا عن دعوى الظهور في هذا المعنى فعلى الأقلّ هو احتمال يساوي الاحتمال الذي اختاره السيّد الخوئي S فلا يتمُّ الاستدلال.
الأمر الخامس: وهو أنَّ حرمة الكشف عن مواضع البدن تستلزم حرمة نظر الأجـنبـيّ إليـه؛ لأنَّ حرمـة الكشف لا موضوعيّة لـها، وإنَّمـا هي مقدّمـة لعدم نـظـر الرجـل إليها، فتثبت حرمة نظر الرجل إليها.
و يمكن أن تناقش هذه الدعوى بإمكان الانفكاك بين الحكمين، بأن يحرّم الشارع على المرأة الكشف عن جسدها، ولا يحرّم على الرجل النظر إليه، كما هو معمول بالنسبة إلى النساء اللاتي لا ينتهين عند النهي عن كشف شعورهن؛ فإنَّه يجوز نصّاً وفتوى نظر الرجل إليهن.
ولكن الفهم العرفي للملازمة بين الحكمين هنا وارتكاز المتشرّعة على أنَّ وجوب الستر للبدن وعدم جواز الكشف عنه للمرأة لأجل الاجتناب عن وقوع النظر الحرام أقوى من المورد السابق، فلا يتنازل عنه إلَّا بالنصّ الخاصّ كما في المورد المذكور في الإشكال؛ فإنَّه لولا النصّ الخاصّ على جواز نظر الرجل إلى شعور السافرات لما التزم بالجواز. مضافاً إلى الإجماع المركّب على عدم التفكيك بين حرمة كشف المرأة لبدنها وبين حرمة نظر الرجل إليها؛ لأنَّ العلماء بين قائل بحرمة كشف البدن كلّه للمرأة حتى الوجه والكفَّين مع حرمة نظر الرجل إليها، وبين قائل بحرمة كشف البدن مع استثناء الوجه والكفَّين وحرمة نظر الرجل إليه دونهما، وبين عدم حرمة الكشف لها عن وجهها وكفَّيها مع حرمة النظر إليهما، ولا يوجد من يفتي بحرمة الكشف وجواز نظر الرجل الأجنبيّ إليهما، ومع كلّ هذا فدعوى الملازمة لا تخلو من تأمّل.
الأمر السادس: هو تأييد الروايات للتفصيل الذي اختاره السيّد الخوئي S حيث جاء في معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله g: قال: (سألته عن قول الله T: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}؟ قال: الخاتم، والمسكة، وهي القلب).
وورد في صحيحة الفضيل السؤال عن الذراعين من المرأة هما من الزينة التي قال الله T: {ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} فأجاب g: (نعم).
يقول السيّد S: إنَّ الأولى صريحة في أنَّ السؤال عن القسم الأوَّل من الآية الكريمة دون القسم الآخر، مقصود السائل هو السؤال عن تفسير الزينة الظاهرة التي لا يحرم الكشف عنها في نفسها، ودلّت الأخرى على حرمة إبداء الذراعين لغير الزوج ومن ذكر بعده.
ويمكن الخدش فيما ذكره S، والوجه فيه:
أوّلاً: أنَّ السؤال في معتبرة أبي بصير يتعلّق بالمستثنى أي ما ظهر منها، فأراد أبو بصير أن يسمع تفسيره من الإمام g، والسؤال الآخر وقع عن حدود المستثنى منه وهل إنَّه شامل للذراعين أو لا؟ فأجاب الإمام g بدخولهما فيه، فلا يستفاد من الروايتين أنَّ الأولى تعرضت لبيان حكم جواز الكشف وعدمه في حدّ نفسه، والأخرى الكشف للرجال الأجانب.
وثانياً: يمكن أن يقال: إنّ صحيحة الفضيل تدلّ على عكس مدعى السيّد S؛ لأنَّ السؤال المذكور يكشف عن وجود ارتكازٍ في ذهن السامع على أنَّ هناك قسماً من الزينة لا يحرم على المرأة إبداؤه لغير الزوج والمحارم، وقد علم هذا الأمر في الجملة ويسأل عن تفصيله، وجواب الإمام g تقرير لهذا الارتكاز، وإلّا لزجره، وقال: (جسم المرأة كلّه من الزينة التي قال الله فيها: ولا يبدين زينتهن إلّا لبعولتهن) ولم يكتفِ بقوله: (نعم).
وحينئذٍ تكون الصحيحة دالة على أنَّ الزينة المذكورة في جملة الذيل هي ما عدا المستثنى في صدر الآية ـ أي الزينة غير الظاهرة ـ وهي حرام إبداؤها لغير الزوج والمحارم، فسأل الفضيل عن الذراعين بالخصوص وهل هما من الزينة الظاهرة التي يجوز إبداؤها للأجانب أيضاً، أو من غير الظاهرة التي لا يجوز إبداؤها إلَّا للزوج والمحارم؟
هذا هو التقريب الأوَّل لاستنطاق هذه الفقرة من الآية للدلالة على حرمة نظر الأجنبيّ إلى وجه المرأة وكفَّيها، وقد تبيّن من خلال البحث المتقدّم عدم تماميّته.
التقريب الثاني: أنَّ قوله سبحانه وتعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} دلّ على حرمة إظهار الزينة، والمراد من الزينة هو معنى عامّ يشمل ما تتزيّن به المرأة، ويشمل مواضع الزينة أيضاً فيحرم على المرأة الكشف عن جسمها مطلقاً. والمراد من قوله تعالى: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} هي الأعضاء التي تظهر بسبب عدم الالتفات بدون قصد، كما يقع عند الركوب والنزول عن المركب وغيره بإطارة الريح مع التحفّظ والأمن من الناظر حيث تظهر بعض الأعضاء خارج الاختيار فيكون الاستثناء منقطعاً؛ لأنَّه استثناء لما هو خارج الاختيار وإن كانت مقدّماته اختياريّة، لكن الشارع تفضّل وسمح بخروج النساء وإن استلزم أحياناً الكشف عن بعض الأعضاء مع التحفُّظ بالستر، فتكون الدلالة على حرمة الإبداء آكد لاستيعاب المستثنى منه، فتكون هذه الآية دالّة على حرمة الكشف عن كلّ جسم المرأة إلَّا إذا ظهر ما يظهر عند الضرورة، أو بدون قصد كما قد يقع هذا في الوجه واليدين.
وهذا التقريب للاستدلال ورد في كتاب إثبات الحجاب للسيّد عليّ نقيّ النقويّ نقلاً عن السيّد الكشميري S(٩٢)، وأيضاً جاء في كلمات المحقّق الداماد S(٩٣).
وهذا التفسير للاستثناء لا يمكن الالتزام به؛ وذلك..
أوَّلاً: ـ مضافاً إلى أنَّه لا معنى لأنْ يقال يحرم على النساء الكشف عن جميع بدنهن أمام الناظر الأجنبيّ إلَّا ما ظهر بدون قصد، بل لضرورة، أو قهر، فإنَّ هذا لا يحتاج إلى بيان ـ أنَّ هذا خلاف ظاهر لفظ الآية، فإنَّها ظاهرة في الاستثناء عن الزينة ـ التي هي متعلّق الحكم ـ لا عن الحكم.
وهذا الوجه من التفسير يرجع إلى أنَّه استثناء عن الحكم بالحرمة. نعم، لو كان لفظ الآية هكذا (يحرم على النساء الكشف عن زينتهن إلّا ما ظهر) لكان لهذا الاحتمال وجه، ولكن التعبير المذكور في الآية بعيد كلّ البعد عن أداء هذا المعنى.
وثانياً: أنَّ السيّد S بنفسه فسّر الاستثناء بالزينة الظاهرة مثل الخاتم والكحل على تقدير أن يكون المراد من الزينة ما تتزيّن به المرأة، وهذا يناقض ما اختاره على التقدير الأوَّل في تفسير كلمة الزينة؛ لأنَّه على أيّ تفسير لهذه الكلمة يكون المراد من الاستثناء: إمّا هو ما يظهر بلا قصد واختيار، أو ما هو ظاهر بطبيعته سواء كان المراد هو الأعضاء أم الحلي، فقوله الآخر يؤيّد ما أوردناه على قوله الأوَّل.
وثالثاً: أنَّ هذا التفسير ينافي الروايات الواردة في تفسير هذه الآية كما سوف نبحث عنها في أدلّة القول الثاني.
ورابعاً: أنَّه لا يبقى وجه مناسب لقوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} مع الفقرة الأولى على هذا التفسير، فإنَّه على تقدير دلالتها على حرمة الكشف عن أيّ شيء من بدنها لا وجه للأمر بضرب الخمر على الجيوب إلَّا مجرّد التأكيد، وهو خلاف الظاهر.
التقريب الثالث: ما نقله الخواجوئي S في رسائله الفقهية(٩٤) عن تفسير البيضاوي وارتضاه.
توضيحه ببيان منّا: أنَّ قـولـه تعالـى: {وَلَا يُبْـدِينَ زِينَتَهُـنَّ} يدلّ على حـرمـة إظـهـار الحلي والثياب والأصباغ للأجانب فبالأولويّة يدلّ على حرمة إظهار شيء من جسدها، والمراد من الاستثناء في قوله تعالى: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} هو عدم وجوب ستر ما يظهر منها عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم فإنَّ في سترها حرجاً. وأمّا تفسيره عن البعض بالوجه والكفَّين فهو في الصلاة لا في النظر.
وفيه وجوه من الإشكال:
الأوَّل: أنَّه مبني على أنَّ المراد من الزينة في قوله تعالى: {زِينَتَهُنَّ} هو الزينة الخارجيّة فقط، وقد عرفت ما فيه.
الثاني: ليست هناك أولويّة قطعيّة لحرمة إظهار الوجه والكفَّين من حرمة الكشف عن الحلي والأصباغ، فإنَّه لا مانع من تحريم الشارع الآخر فقط دون الأوَّل.
الثالث: لو سلّمنا الأولويّة القطعيّة تنزّلاً فإنَّما نسلّمها لو كان إظهار مطلق الزينة الخارجيّة محرّماً، لكنّه قد وجد الاستثناء لبعض أقسامها من هذا الحكم، ومعه لا وجه لدعوى الأولويّة.
الرابع: لا معنى لكون تفسير قوله تعالى: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} بالوجه والكفَّين أنَّه تفسير له في مقام الصلاة، فإنَّ الآية تعرّضت لوجوب الستر عن الناظر، لا حكم لباس المرأة في الصلاة، بقرينة صدر الآية وذيلها، فمَن فسّر الاستثناء بهذا التفسير فمقصوده الاستثناء عن حكم الستر أمام الناظر الأجنبيّ.
الخامس: لو سلّمنا هذا التفسير في حدّ نفسه، إلَّا أنَّه ينافي ما جاء في الروايات المفسِّرة لهذه الآية من جواز الكشف عن الوجه واليدين للأجنبيّ، كما سيأتي البحث عن هذه الروايات في أدلّة القول الثاني.
إلى هنا تبيّن أنَّ الاستدلال بهذه الآية على الحرمة لم يتمّ بجميع تقريباته.
الآية الثانية: قوله سبحانه وتعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}(٩٥).
وممّن استدلّ بهذه الآية المحقّق الداماد(٩٦) ومحصَّل ما قرّب به الاستدلال بالآية هو: أنَّ الغضّ معناه الكسر والإطراق، فيكون التعبير بغضّ البصر مبالغة في عدم جواز النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه، وما يجب غضّ النظر عنه هو مطلق غير المماثل، وعورة المماثل، وتعيين متعلق الغضّ بهذا المذكور مع عدم ذكره صراحة لأمرين:
الأوّل: بقرينة مقابلتها لقوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}(٩٧) فبإطلاقها تشمل جميع البدن.
والآخر: بمعونة الروايات الواردة في تفسير هذه الآية، فالآية تأمر بالغضّ عن غير المماثل مطلقاً بدون استثناء شيء من جسده، ولا يشمل النظر إلى كلّ شيء مثل الحيوانات والجمادات؛ لأنَّها خارجة تخصّصاً بمناسبات الحكم والموضوع وبقرينة مقابلة الآيتين، فلا يقال: إنَّ دعوى الإطلاق في الآية تستلزم تخصيص الأكثر، ولا يفرق في الاستدلال بالآية كون (من) زائدة، أو بيانيّة، أو تبعيضيّة.
نعم، هذه الآية لمّا دلّت بإطلاقها على حرمة النظر إلى وجه وكفَّي المرأة الأجنبيّة فهي صالحة لأن تقيَّد إذا وجد المقيّد لها من هذه الجهة، كما وجد بعض التقييدات الأخرى(٩٨).
ولكن هذا الاستدلال ضعيف لتوجّه عدّة إيرادات عليه..
الإيراد الأوَّل: أنَّ الآية في حدّ نفسها مجملة من جهة ما يجب غضّ النظر عنه، فإنَّ هنا احتمالات:
الأوَّل: أنْ يغضّوا أبصارهم عن فرج الغير، فيكون مقتضى الآية حرمة النظر إلى فرج الغير، ووجوب حفظ فرجه عن نظر الغير. وعلى هذا الاحتمال فالآية لا تصلح للاستدلال على المدّعى كما هو واضح.
الثاني: أنْ يغضّوا أبصارهم عن كلّ ما حرّم الله النظر إليه، فالآية دلّت على حرمة النظر إلى كلّ ما حرم النظر إليه، وأمّا ما هو الذي حرّم الله النظر إليه فلا دلالة لها عليه، وإنَّما يستفاد من مقام آخر. وهذا الاحتمال ـ أيضاً ـ يمنع الاستدلال بالآية.
الثالث: أنْ يغضّوا البصر عن كلّ شيء، فالآية مطلقة من جهة أنَّ حذف المتعلّق دليل العموم، فتكون موارد جواز النظر الثابت بالدليل خارجة عنها تخصيصاً. وهذا الاحتمال إذا بني عليه يتمّ الاستدلال بالآية على المدّعى.
الرابع: أنْ يغضّوا أبصارهم عن النساء ـ مطلقاً ـ وفروج الرجال. وهذا الاحتمال هو الذي اعتُمد عليه في الاستدلال بالآية، وحينئذٍ الآية تدلّ على حرمة النظر إلى النساء مطلقاً فيخرج عنها ما يخرج بالمخصِّص.
ويمكن أن يدّعى أنَّ الاحتمال الثاني هو أقرب إلى لفظ الآية، فيكون مفاد الآية هو وجوب غضّ النظر عن كلّ ما حرّم الله النظر إليه، وما ثبتت حرمته هو النظر إلى فروج الرجال وأجسام الأجنبيّات ما عدا الوجه والكفَّين إذا لم يكن بقصد التلذُّذ أو خوف الفتنة، وإلَّا يحرم مطلقاً، فحينئذٍ لا إطلاق للآية حتّى يتمسّك به لإثبات حرمة النظر إلى ما يشكّ في حرمة النظر إليه.
وهذا الاحتمال له ما يؤيّده من الداخل ومن الخارج..
أمّا المؤيّد الداخلي فهو أنَّ الآية ـ مضافاً إلى تعرّضها لحكم النظر إلى فرج المماثل ـ جاءت في سياق أحكام الحجاب وتعامل الصنفين فيما بينهما من هذه الجهة، فمن المناسب أن تكون ناظرة إلى حكم النظر إلى غير المماثل، مضافاً إلى النظر إلى فرج المماثل، وهذا الأمر وإن كان يتناسب مع الاحتمال الثالث والرابع أيضاً ولكنّه لمّا لا يصحّ الالتزام بهما لعدم إمكان الالتزام بالإطلاق، كما سيأتي في مناقشة هذين الاحتمالين يكون مؤيّداً للاحتمال الثاني.
وأمّا المؤيّد الخارجي فهو من وجوه..
أوَّلها: أنَّ أغلب مَن تعرّض لتفسير الآية من المفسّرين سواء من العامّة(٩٩) أو من الخاصّة(١٠٠) اختار هذا الاحتمال.
ثانيها: كثير من الفقهاء استدلّوا بها على حرمة النظر في موارد ثبتت حرمة النظر فيها بأدلّة أخرى، مثلاً: الشيخ الطوسي في المبسوط تمسّك بها لإثبات حرمة النظر إلى ما هو عورة من المرأة، وهو ما عدا الوجه والكفَّين(١٠١). والعلّامة في التذكرة استدلّ بها على حرمة النظر مع خوف الفتنة، لا مطلقاً(١٠٢). وفخر المحقّقين في الإيضاح استدلّ بها على الحرمة إذا كان بقصد التلذُّذ وخوف الفتنة(١٠٣)، مع أنَّهما ذهبا إلى حرمة النظر إلى الأجنبيّة مطلقاً، ولكن لم يستفيدا هذا الإطلاق من هذه الآية.
بل بعضهم اقتصر في الاستدلال بها على حرمة النظر إلى الفروج فقط، كابن سعيد في الجامع(١٠٤)، والصدوق في الفقيه(١٠٥). ولم أجد من الفقهاء إلى القرن الثالث عشر ـ فيما تتبّعت ـ من تمسّك بإطلاق هذه الآية لإثبات حرمة النظر إلى مطلق بدن المرأة.
ثالثها: أنَّ الرواية الواردة في شأن نزول هذه الآية تؤيّد أنَّ الأمر بالغضّ ورد في مورد النظر المحرّم، وهي معتبرة سعد الإسكاف عن أبي جعفر g قال: (استقبل شابٌّ من الأنصار امرأة بالمدينة وكان النساء يتقنّعن خلف آذانهن فنظر إليها وهي مقبلة، فلمّا جازت نظر إليها، ودخل في زقاق ـ قد سمّاه ببني فلان ـ فجعل ينظر خلفها، واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشق وجهه، فلمّا مضت المرأة فإذا الدماء تسيل على صدره وثوبه، فقال: والله لآتينّ رسول الله e ولأخبرنّه، قال: فأتاه فلمّا رآه رسول الله e قال له: ما هذا؟ فأخبره فهبط جبرئيل g: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِـنْ أَبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ الله خَبِيـرٌ بِما يَصْنَعُونَ})(١٠٦)، فـمـورد
النزول فيه خصوصيّتان:
الأولى: أنَّ النساء كنّ يتقنعنّ خلف آذانهن، وهذا يوجب كشف بعض الشعر وأطراف الوجه إلى الآذان، والنظر إليهما حرام.
والأخرى: أنَّه لم يكن من الأنصاري مجرّد نظر، بل غرق في هذا النظر حيث لم يشعر بما أصابه من الجرح الحاصل من الاصطدام بالعظم أو الزجاجة إلَّا بعد غياب المرأة، وهكذا نظر لا يفارق ـ عادة ـ قصد التلذُّذ فيكون حراماً، فهذا المورد كان مورد النظر الحرام مع قطع النظر عن هذه الآية.
فهذه الرواية تؤيّد هذا الاحتمال من جهةٍ أنَّ الآية ليست آمرة بغضّ النظر عن الفروج فقط. ومن جهة أخرى أنَّ الأمر بالغضّ نزل في مورد النظر الحرام، ولكنّه مجرّد مؤيّد وإلَّا فالمورد لا يخصّص الوارد.
وبهذا المعنى فسّرت الآية في بعض الروايات، كما في خبر أبي عمرو الزبيريّ، عن الصادق g قال: قال g: (وفرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرّم الله عليه وأن يعرض عمّا نهى الله عنه، ممّا لا يحلّ له وهو عمله، وهو من الإيمان ، فقال تبارك وتعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}، فنهاهم أن ينظروا إلى عوراتهم، وأن ينظر المرء إلى فرج أخيه، ويحفظ فرجه أن ينظر إليه)(١٠٧).
والمراد من العورات ما يجب ستره عن نظر الغير، وهذا الإطلاق وإن شمل المرأة الأجنبيّة فيجب غضّ النظر عنها، ولكن بمقدار ما يصدق من بدنها أنَّه عورة، والثابت المتيقّن كونه عورةً هو ما عدا الوجه والكفَّين، فمفاد الرواية هو أنَّ الآية أوجبت الغضّ عن كلّ ما قد ثبت أنَّه عورة، وعن فروج الآخرين، ويحتمل أن يكون قوله g: (وأن ينظر المرء إلى فرج أخيه) عطف تفسير للجملة الأولى، فتكون الرواية مؤيّدة للاحتمال الأوَّل.
وهذا المعنى هو ظاهر بعض الروايات الأخرى، مثل مرسلة الصدوق عن عليّ g في وصيّته لابنه محمّد ابن الحنفيّة: (وفرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرّم الله عزّ وجلّ عليه، فقال عزّ من قائل: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} فحرّم أن ينظر أحد في فرج غيره)(١٠٨).
فاستدلّ الإمام g بهذه الآية على حرمة النظر إلى فروج الآخرين.
فيمكن أن يدّعى أنَّ الآية ظاهرة في الاحتمال الثاني، وعلى الأقلّ فهي مردّدة بين الأوَّل والثاني، فلا يصحّ الاستدلال بها لإثبات المدّعى، الذي هو الاحتمال الرابع من بين هذه الاحتمالات.
وعلى هذا لا وجه لحمل الآية على الاحتمال الثالث أي الغضّ عن كلّ شيء لوجود أكثر من قرينة على التقييد، ولزوم التخصيص بالأكثر المستهجن لو حملت عليه.
ودون الاحتمال الثاني في القوة الاحتمال الأوَّل، والوجه في قوّته مقابل الاحتمالين الثالث والرابع: هو أنَّ لفظ الآية وإن كان مطلقاً ـ أي غضّ البصر ـ بلا تعيين ما يغضّ عنه البصر، ولكنّه وجد ما يصلح قرينة على تعيّنه في الفروج، وهي قوله سبحانه: {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} فمن المحتمل أنَّ المراد من الجملتين هو الأمر بحفظ الفروج عن أبصار الآخرين، والأمر بغضّ النظر عن فروج الآخرين.
وأمّا الاحتمال الرابع فهو مجرّد احتمال لا قرينة عليه؛ لأنَّه لا هو تمسّك بإطلاق اللفظ، ولا هو تقييد بمقدار ما قامت عليه القرينة.
وبالنظر إلى هذا اعترف بعض مَن ذهب إلى هذا القول بعدم إمكان الاستدلال بهذه الآية على حرمة النظر إلى وجه الأجنبيّة وكفَّيها، وعلّل عدم إمكان الاستدلال بالآية: بأنَّ الاستدلال بها على هذا المدّعى يتوقّف على أن يكون وجه المرأة وكفَّاها من المبصرات التي وجب غضّ البصر عنها، ويحرم النظر إليها(١٠٩).
وأيضاً ناقش السيّد الحكيم S(١١٠) في الاستدلال بهذه الآية من جهة أنَّ غضّ البصر أعمّ من ترك النظر، ومن جهة أنَّ هذا العموم مقيّد بما دلّ على جواز النظر إلى وجه المرأة وكفَّيها، وإن كان S قد مال إلى الحرمة.
وكذلك السيّد الخوئي S رفض الاستدلال بهذه الآية على المدّعى مدّعياً أنَّه لا تستفاد الحرمة من الآية، ومع الغضّ عنه لا إطلاق لها يشمل المورد(١١١).
الإيراد الثاني: أنَّه ادّعى وجود روايات تدلّ على أنَّ المراد من الآية هو المعنى الذي اختاره، ثُمَّ ذكر روايتين للوصول إلى مرامه:
الأولى: خبر الزبيريّ المتقدّم(١١٢) في تأييد الاحتمال الثاني، وفسّر لفظ (عورات) في الرواية بـ(النساء) قائلاً: إنَّ إطلاق العورة على المرأة شائع.
وهذا كلام ضعيف؛ لأنَّه قد تقدّم أنَّ هذه الرواية تؤيّد الاحتمال الأوَّل على تقديرٍ، والاحتمال الثاني على تقديرٍ آخر؛ لأنَّ كلمة (العورة) الواردة في الروايات إمّا قصد منها القبل والدبر، كما هو الإطلاق الشائع فيها، وإمّا هو مطلق ما يجب على الإنسان أنْ لا يُطْلِع الغيرَ عليه من عيوبه ونقائصه وحرمته وأسراره، فإنَّه قد ورد إطلاق لفظ العورة على هذا المعنى، كما لعلّه يظهر من صحيحة إسحاق بن عمار عن الصادق g، قال: (قال رسول الله e: لا تتبعوا عوراتهم ـ المسلمين ـ فإنَّه من تتبّع عوراتهم تتبّع الله عورته)(١١٣). وغيرها من الروايات الكثيرة.
فعلى الإطلاق الأوَّل تؤيّد الاحتمال الأوَّل، وعلى الإطلاق الثاني تؤيّد الاحتمال الثاني؛ لأنَّ هذا المعنى المطلق يشمل نظر الرجل إلى نساء الآخرين؛ لأنَّها من عوراتهم، لكنّه ـ كما قلنا ـ بمقدار ما ثبت من بدن المرأة أنَّه عورة.
أمّا الإطلاق الثالث ـ وهو أنَّ المراد من العورات هو النساء ـ فهو وإن ورد في بعض الروايات، كما في معتبرة سماعة بن مهران عن أبي عبد الله g، قال: (اتقوا الله في الضعيفين ـ يعني بذلك اليتيم والنساء ـ وإنَّما هنّ عورة)(١١٤).
ولكن ـ مضافاً إلى أنَّه إطلاق قليل مقابل الإطلاق الأوَّل والثاني وليس شائعاً كما ادّعى؛ فإنَّ المتمثّل بكثرة في الروايات هو الإطلاق الأوَّل والثاني لا الثالث ـ يستبعد في المقام إرادته؛ لأنَّ الإمام g في مقام بيان الفرض الذي فرضه الله على البصر، وهو أن لا ينظر إلى ما حرّم الله النظر إليه، فالذي ينسجم مع هذا الكلام هو أن يكون المراد من قوله g: (فنهاهم عن أن ينظروا إلى عوراتهم) هو مطلق ما يحب الإنسان عدم إطلاع غيره عليه، أو خصوص الفروج بقرينة ما عطف عليه.
ثُمَّ إنَّ هذه الرواية لا تصلح للاعتماد عليها؛ لضعفها سنداً من جهة (بكر بن صالح) فإنَّه ضعيف(١١٥)، ومن جهة الزبيري فإنَّه مجهول(١١٦).
ومن الغريب جداً ما دُفعَ به الإشكال السندي، حيث قيل: (إنَّ الضعف السندي لا يضرّ؛ لأنَّ جملة (فنهاهم أن ينظروا إلى عوراتهم) لو فرضناها مجعولة على الإمام g، لكنّها لا تكون خلاف قواعد اللغة العربية)(١١٧).
ومقصوده S من هذا الكلام أنَّ هذا الكلام يثبت مطلقاً حتّى لو فرضنا أنَّه لم يصدر عن الإمام g إطلاق العورة على المرأة في اللغة العربية، وإلَّا يلزم التكرار في ذكر الفروج.
ووجه الغرابة: هو أنَّه على تقدير الجعل فغاية ما يثبت معه صحّة إطلاق العورة على النساء عند العرب، لكنّه حينئذٍ كيف يثبت أنَّ لفظ الآية شامل لغضّ البصر عن العورات مضافاً إلى الفروج مع احتمال أنَّ هذه إضافة من الراوي؟! والمقصود إثباته هو هذه التوسعة والشمول في لفظ الآية.
هذه هي الرواية الأولى.
أمّا الرواية الثانية ـ التي تمسّك بها ـ فهي معتبرة سعد الإسكاف التي تقدّمت(١١٨) وقلنا أنَّها وردت في شأن نزول هذه الآية، وبعد ما ذكر هذه الرواية قال: فإنَّ ورود الآية في مورد نظره إليها شاهد على أنَّها تنهى عن النظر.
لكنّك قد عرفت أنَّ المذكور فيها ليس مطلق النظر، بل النظر الموجب لتركيز الناظر فيما ينظر إليه حيث غفل تماماً عمّا كان في الطريق ممّا يمكن أن يحصل له، وهذا لا يفارق التلذُّذ والريبة عادة، وكذلك لا يعلم أنَّ نظر الشاب كان إلى وجه المرأة فقط، بل كانت النساء آنذاك يتقنعن خلف الآذان، فلعل نظره كان إلى ما يحرم النظر إليه ولو بدون قصد التلذُّذ، وهي مواضع أطراف الوجه القريبة إلى الآذان وشيء من الشعَر والآذان نفسها، فلا يصح الاستدلال بها على وجوب الغضّ عن وجه وكف المرأة الأجنبيّة.
الإيراد الثالث: الاستدلال على هذا المدّعى بهذه الآية مبنيٌّ على أنَّ مفاد قوله تعالى: {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} هو أن لا تنظروا، وهذا يمكن أن يناقش فيه: بأنَّ معنى الغضّ لغة هو النقصان من طرف الشي سواء كان صوتاً أو بصراً أو غير ذلك كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّـهِ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّـهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}(١١٩).
ويقال: غضّضت السقاء أي نقصت ممّا فيه، وفي المثل يقال: (مات فلان ببطنته لم يتغضغض منها شيء. أي لم ينقص)(١٢٠).
هكذا ذكر في معجم مقاييس اللغة، والمفردات في مادة (غضّ)(١٢١).
قال في العين: (الغضّ والغضاضة: الفتور في الطرف)(١٢٢)، وفي تهذيب اللّغة: (قال الليث: الغضّ والغضيضة: الفتور في الطرف. ويقال: (ما أردت بذا غضيضة فلان ولا مَغَضَّتَه كقولك: ما أَردت نقيصته ومَنْقَصَته).
ثُمَّ قال: (قال الله a: {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ}، أي: اخفض الصوت، وغضّ الطرف: أي كفّ النظر)(١٢٣)، وهكذا في المحيط(١٢٤).
وعلى هذا ليس المعنى المراد من الأمر بغضّ البصر هو عدم النظر، بل المراد هو إيجاد النقص في حدود ما يمكن أن ينظر إليه الإنسان، فهو في قوّة النهي عن إرسال البصر بلا حدود، فالمطلوب هو تضييق دائرة جولان البصر، فهو يشبه أن يكون حكماً أخلاقيّاً؛ لإبعاد المكلف عن الوقوع في الحرام، فإنَّ إرسال النظر يجرّ الإنسان إلى ما لم يكن يريده من الأوَّل من الوقوع في النظر المحرم، فلأجل التجنُّب عنه أمرنا بتحديد جولان النظر، فلا دلالة فيها على حرمة النظر من الأساس على هذا الاحتمال حتّى نبحث عن متعلّقه.
ومن هنا اتّضح وجه مجيء كلمة (من) بين الغضّ والبصر؛ وهو أنَّه لما كان المراد جعل الحدّ من طرف البصر لا مطلق كفّ البصر وغمضه احتيج إلى (من) التبعيضيّة حتى تدلّ على أنَّ المطلوب هو النقص عن بعض البصر، والنقص في أطراف البصر لا يتحقق إلَّا بترك النظر إلى بعض المبصرات.
فتحصَّل: أنَّ مفاد الآية هو وجوب ترك النظر إلى ما حُرّم النظر إليه، فلا يتمُّ الاستدلال بها على المدّعى؛ لأنَّ ما نحن فيه ـ وهو وجه المرأة وكفَّاها ـ لم يثبت كونه ممّا يحرم النظر إليه، أو هو مجرّد حكم أخلاقيّ مقدّميّ للاجتناب عن الوقوع في الحرام.
الآية الثالثة: قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّـهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}(١٢٥).
استدلّ بها على الحرمة الخواجوئي(١٢٦)، والسيّد البروجردي T(١٢٧) مفسّراً الجلباب بأنَّه ثوب يغطي رأس المرأة ووجهها، وكذلك ما جاء عنه S(١٢٨) ـ نقلاً عن الكشّاف ـ من أنَّ (يدنين) إذا تعدّت بـ(على) يكون معناها الإرخاء والإسدال، ولا معنى لإرخاء الجلباب إلَّا ستر الوجه.
ويمكن المناقشة في هذا الاستدلال من وجوه..
الوجه الأوَّل: أنَّه مبنيّ على أنَّ الجلباب هو ثوب يغطّي رأس المرأة ووجهها، وهذا غير ثابت؛ لأنَّ كلمة (الجلباب) وإن اختلف في تفسيرها، لكنّه يبدو بالنظر إلى أقوال أهل اللّغة واستعمال هذه الكلمة في الروايات وكلام العرب أنَّه ثوب أوسع من الخمار يشبه العباءة يغطي جسد الإنسان أو معظمه من فوق الثياب وإن كثر استعماله في حقّ المرأة.
قال في لسان العرب: (الجِلْبابُ: ثوب أَوسَعُ من الخِمار، دون الرِّداءِ، تُغَطِّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها، وقيل: هو ثوب واسِع، دون المِلْحَفةِ، تَلْبَسه المرأَةُ، وقيل: هو المِلْحفةُ)(١٢٩).
وقال في القاموس: (الجلباب: القميص، وثوب واسع للمرأة دون الملحفة، أو ما تغطّي به ثيابها من فوق كالملحفة)(١٣٠).
وقال ابن الأثير: (الجلباب: الإزار والرداء، وقيل: الملحفة، وقيل: هو كالمقنعة تغطّي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها، وقيل غير ذلك)(١٣١).
وقال الخليل: (الجلباب: ثوب أوسع من الخمار دون الرداء، تغطّي به المرأة رأسها وصدرها)(١٣٢).
وذكر في تهذيب اللغة خمسة أقوال في الجلباب، وليس فيها القول بأنَّه يغطّي الوجه(١٣٣)، ويمكن مراجعة الصحاح(١٣٤)، ومعجم مقاييس اللّغة(١٣٥)، والفائق(١٣٦) وغيرها من كتب اللّغة.
وأمّا الروايات فهي ما يلي:
١. معتبرة علي بن عقبة بن خالد، قال: (دخلت أنا ومعلّى بن خنيس على أبي عبد الله g فأذن لنا وليس هو في مجلسه، فخرج علينا من جانب البيت من عند نسائه، وليس عليه جلباب)(١٣٧). فهي تدلّ على أنَّه ثوب مشترك بين الرجل والمرأة ولا يستر الوجه.
٢. القول المأثور عن عليّ g لمَن قال له: إنّي لأحبّك في السرّ كما أحبّك في العلانية. قال: (اتّخذ للفقر جلباباً). كما في معتبرة الأصبغ في البصائر(١٣٨)، وغيرها من الكتب الحديثيّة، فلو كان هذا الثوب من مختصّات المرأة لما حسن استعماله في مثل هذا المعنى.
٣. مرسلة محمّد بن سنان، عن أبي عبد الله g الواردة في قصة عابد من بني إسرائيل مع الشيطان، قال: (فقام [العابد] فدخل المدينة بجلابيبه)(١٣٩).
ولذا فسّر الطبرسي S: كلمة (الجلباب) في تفسير هذه الآية: بالملاءة والمقنعة للمرأة، والإدناء بتغطيتهن جباههن ورؤوسهن(١٤٠).
والشيخ فسّره بخمار المرأة، وهي المقنعة تغطّي جيبها ورأسها(١٤١).
فبالنظر إلى هذا كلّه من الصعب جدّاً إثبات أنَّ الجلباب هو ثوب يستر الوجه أيضاً، كما جاء في بعض التفاسير(١٤٢).
مضافاً إلى هذا نوقش في الاستدلال بهذه الآية:
تارةً: بعدم كون هذا الحكم إلزاميّاً بدعوى أنَّ ذيل الآية: {ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ}، وما ذكر في شأن نزولها يقرّبان كون هذا الحكم أخلاقيّاً.
وأخرى: أنَّ هذا الحكم لم يثبت أنَّه دائمي، بل يحتمل أن يكون مؤقّتاً ينتهي بانتهاء علّته المذكورة في الآية.
وثالثة: لا نعلم بعموم الحكم لجميع النساء، بل كان لطائفة معيّنة، ولمزيد الاطّلاع على هذه الإشكالات يمكن مراجعة كتاب الصلاة للمحقّق الداماد(١٤٣)، وما ذكر في كتاب النكاح للسيّد الشبيريّ الزنجانيّ(١٤٤)، نقلاً عن الشهيد مطهري.
ونحن لسنا بحاجة إلى الخوض في هذه الإشكالات للغنى عنها بالإشكال الأوَّل فهو العمدة في المقام.
إن قلت: هب أنَّ الجلباب وحده لا يستلزم تغطية الوجه، ولكن الآية أمرت بإدنائه متعدياً بـ(على) ولا معنى له إلَّا تغطية الوجه.
أقول: لا ينحصر تفسير إدناء الجلباب على بدن المرأة بإسداله على وجهها، بل هذا مجرّد احتمال مقابل احتمال أن يكون المقصود ستر جميع بدنها ما عدا الوجه والكفَّين، واحتمال أنَّ المراد هو إحكامه وإلصاقه مع الجسم حتّى لا يبتعد عن البدن بالهواء والحركة فينكشف للناظر ما يجب ستره عنه.
وعلى الأوَّل يكون معنى الآية: أن يقرّبن الجلباب من أبدانهنّ محيطاً على الجسم كلّه الذي يجب ستره عن الأجانب. وقد استعمل هذا التعبير في هذا المعنى في بعض الآيات وكلام العرب، قال سبحانه وتعالى: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا}(١٤٥)؛ أي قربت منهم الظلال محيطة بهم.
وقال الشاعر:
ولـمّـا دنـا عـالـي ركابـك هـزّنـي إليك اشتياق ضاع في جنبه صبري(١٤٦)
مقصوده أنَّه عندما اقترب مجيئك منّي سيطر على مشاعري.
وقال ساعدة بن جويّة واصفاً جبلاً:
إذا سَبَلُ العَماء دَنا عليه يَزِلُّ بِرَيْدِه ماءٌ زَلولُ(١٤٧)
أي إذا دنا منه مطر السحاب غطّاه.
وما ذكره السيّد عليّ نقيّ النقويّ(١٤٨) ـ من أقوال المفسّرين من العامّة والخاصّة القائلة بأنَّ إدناء الجلباب على البدن معناه إسداله وستر الوجه به ـ لا ينفع؛ لأنَّه اجتهاد منهم بلا شاهد من اللّغة العربيّة، ولم أجد مثل هذا الاستعمال لأداء هذا المعنى في الروايات ولا في الأدب العربيّ حسب التتبّع.
فالمحصَّل: أنَّ كلمة (الجلباب) ليست اسماً لثوب يستر الوجه، ولا (إدنائه) متعدّياً بـ(على) يفيد هذا المعنى، فالاستدلال بالآية قاصر عن إثبات المدّعى، بل وجه التعدّي بـ(على) هو بيان لكون (الجلباب) يغطي بدنها.
والمؤيّد لما اخترناه من المعنى: هو أنَّ الحكم في الآية معلّل بقوله تعالى: {ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ}، معناه أنَّ الحكمة وراء هذا الحكم هو حصول معرفة الحرائر عن الإماء، وهذا لا يقتضي أكثر من ستر الشعر والرقبة وإسدال الثوب الكبير على البدن، لأنَّه يحصل به التمييز بينهنّ وبين الإماء؛ لأنَّ الإماء لم يكنّ يلبسن الخمار زمان نزول الآية.
ثُمَّ إذا سلّمنا دلالة هذا التعبير على إسدال الثوب وإرخائه فمن أين هذا التعيين بأن يكون الإسدال على الوجه بالخصوص؟ لِمَ لا يكون المراد إسدال الجلباب على الصدر والظهر إلى القدمين.
الآية الرابعة: >وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ< (١٤٩).
وهذه الفقرة جزء من الآية الأولى التي ذكرناها أوّلاً من سورة النور. وقد استدلّ بها على الحرمة السيّد عليّ نقيّ S قائلاً: (إنّ الآية أمرت بضرب الخمار وهو ثوب يستر الوجه كما يظهر من تتبع كلام العرب، قال المتنبي:
إنّي على شغفي بما في خمرها لأعف عمّا في سراويلاتها
والمراد (بما في خمرها) هو الوجه كما ذكر العكبري في شرح هذا البيت في التبيان.
وقال السيّد الرضي O:
أحنّ إلى ما تضمر الخمر والحلي وأصدف عمّا في ضمان المآزر
وقال: وما تضمّنه الخمر هو الوجه.
وقال القاضي أبو علي التنوخي:
قـل للمـليحـة فـي الخمار المذهّب أفسدت نسك أخي التقى المترهّب
نـور الخـمـار ونـور خدك تـحـتـه عـجـبـاً لوجـهـك كـيـف لـم يتـلـهّـب
فجعل الخدّ تحت الخمار معناه أنَّ الخمار يستر الخدّ.
وقال المتنبي:
سفرت وبرقعها الحياء بصفرة سترت محاسنها ولم تك برقعا
قال العكبريّ في شرح هذا البيت: إنّ الشاعر يقول لمّا ألقت خمارها وأسفرت عن وجهها برقعها الحياء بصفرة، فلمّا يلزم من إلقاء الخمار الإسفار عن الوجه معناه الخمار يستر الوجه)(١٥٠).
ثم ذكر بعض الروايات استظهر منها أنَّها استعملت الخمار في ثوب ساتر للوجه، وأنّ الآية أمرت بضرب الخمار على الصدور حتّى لا يقتصر الخمار على حدود الوجه فيطير ويرتفع عن الوجه بالهواء أو الحركة، وأمّا إذا كان مسدلاً إلى الصدر فيبقى ساتراً في جميع الأحوال.
وعلى هذا تتمُّ دلالة الآية على وجوب ستر المرأة وجهها عن الأجانب(١٥١).
أقول: هذه الآية أمرت النساء بضرب الخمر على جيوبهن واكتفت به، ولم تذكر الوجه، والمراد من الجيب هو النحر وما يليه من الصدر.
والخمار: هو ثوب تغطي به المرأة رأسها، وهذا هو ظاهر قول اللّغويين كما في مجمع البحرين(١٥٢)،
وتهذيب اللّغة(١٥٣)، ولسان العرب(١٥٤)، والمصباح المنير(١٥٥)، وتاج العروس(١٥٦)، والزاهر(١٥٧)، ومفردات الراغب(١٥٨)، والمغرب(١٥٩).
قال في جمهرة اللّغة: (الخمار: المقنعة ونحوها)(١٦٠)، والمقنعة ليست ممّا يستر الوجه. وعدّ الثعلبي الخمار من ملابس ستر الرأس نقلاً عن الفرّاء(١٦١).
وقال الحميري: (الخمار: ما يلي الرأس)(١٦٢).وقال السعدي: (خمار المرأة: ثوب تغطي به المرأة رأسها)(١٦٣).
بل هذا هو ظاهر عبارة الخليل حيث قال: (الجلباب أوسع من الخمار دون الرداء تغطي به المرأة رأسها وصدرها)(١٦٤)،وهذا التعبير يدلّ على أنَّ الخمار أضيق من الجلباب حيث لا يصل إلى الصدر مثل الجلباب، بل يغطي الرأس والرقبة أو الجيب إلى حدّ أقصى، ويفهم منه أنَّه لا يستر الوجه، وإلّا كان ثوباً مغايراً للجلباب في الهيئة والتركيب، ولم يكن من المناسب جعل الجلباب أوسع من الخمار. ومثله عبارة الزمخشري في الفائق(١٦٥)،وابن سيده في المخصّص(١٦٦)،ولم أجد من اللّغويين من فسّر الخمار بثوب يستر الوجه، بل ذُكر في البرقع أنَّه ثوب تغطي به المرأة وجهها(١٦٧)،وكذا في النقاب ذكر في لسان العرب (سفرت المرأة وجهها: إذا كشفت النقاب عن وجهها)(١٦٨).
وفي قباله هناك شواهد كثيرة على استعمال الخمار في ما كان ساتراً للرأس دون الوجه، وتقدّمت بعض الروايات التي استعمل فيها الخمار في هذا المعنى، وبعضها الآخر فيما يلي:
جاء في خبر جميع بن عمير، سألت عائشة: فما حملك على ما كان منك؟ (يقصد مبارزة عليّ g) فأرسلت خمارها على وجهها وبكت(١٦٩).
وقال الشاعر جران العود:
وإذا ما انتضينا فانتزعتُ خمارها بدا كاهلٌ منها ورأسٌ صمحمحُ(١٧٠)
وفي تهذيب اللّغة: (أصل الجلع: الكشف، يقال: جلعت المرأة خمارها إذا كشفت عن رأسها)(١٧١).
وقال الراجز:
تبدي نقياً زانها خمارها وقسطة ما شانها غفارها(١٧٢)
فهي كاشفة الوجه حيث يرى غفارها، وهو ميسم في الخد، مع أنَّها لابسة خمارها.
وقال الشاعر أبو النجم:
ليست بحوشبة يبيت خمارها حتى الصباح مثبتاً بغراءِ(١٧٣)
يقصد أنَّه لا شعر على رأسها، فهي لا تضع خمارها طول الليل، فاستعمل الخمار في ما يكون ساتراً للرأس فقط.
والحوشب لغةً هو منتفخ الجبين، والشاعر كنّى به عن وجود الشعر على طرفي الجبين.
وفي الحديث (خرجت تلوث خمارها) أي تلويه على رأسها(١٧٤).
وحينئذٍ يقال: إنّ الاستعمال قد وجد في كلا المعنيين فلا يصلح شاهداً على شيء، فيسلم تسالم اللّغويين عن أيّ معارض.
وهذا المعنى هو الذي اختاره المفسّرون في تفسير الآية(١٧٥)، قال الطبرسي: (الخُمر: المقانع، جمع خمار، وهو غطاء رأس المرأة)(١٧٦)، وقال في التبيان: (فالخمار غطاء رأس المرأة المنسبل على جنبيها. وقال الجبائي: هي المقانع)(١٧٧)، وفسّر الراوندي: الخُمر بالمقانع وليس ممّا يستر به الوجوه(١٧٨).
وبهذا المعنى استُعمل لفظ الخمار في الروايات التي أمرت المرأة بلبس الخمار في الصلاة مثل صحيحة ابن أبي يعفور، قال: قال: أبو عبد الله g: (تصلي المرأة في ثلاثة أثواب: إزار، ودرع، وخمار)(١٧٩)، وغيرها من روايات هذا الباب، ومعلوم أنَّه لا يجب على المرأة ستر وجهها في الصلاة بالاتفاق.
ومن هنا يمكن أن يقال: إنَّ اقتصار الآية على الأمر بضرب الخمار ـ وهو الثوب الساتر للرأس على الصدور دون الوجوه ـ كاشف عن عدم لزوم ستر الوجه، وإلَّا كان أولى بالذكر، ولاسيمّا إذا لوحظ ما في صحيحة سعد الإسكاف التي فيها: (وكان النساء يتقنّعن خلف آذانهن)(١٨٠)؛ فإنّ تبديل التقنُّع خلف الآذان بالضرب على الجيب يلزمه كشف الوجه بلا إشكال، وقد اعترف بتأييد هذه الآية للقول بالجواز من لا يقول بالجواز(١٨١)، وبإشعارها للجواز بعض آخر(١٨٢).
وأمّا ما ذكره السيّد عليّ نقيّ النقويّ من الشواهد فهي لا تثبت إلّا أنَّ الخمار قد استعمل في هذه الموارد في ما يستر الوجه بالقرينة، مع إمكان الخدش في شهادتها على المدّعى؛ لعدم صراحة استعمال الخمر في ساتر الوجه؛ لاحتمال أنّ مراد المتنبي شغفه بما تحت الخمر، وهو شعرها ورقبتها ونحرها وصدرها، بل إرادة الصدر وهو أولى؛ لأنَّه يقابل ما تستره السراويل.
والكلام نفسه في شعر الرضيّ U، بل ذكره للحُلي يقرّب الاحتمال المذكور؛ لأنَّ الحُلي لا تستر الوجه، بل أهمّها هو العقد الذي يمكن أن يستر بعض النحر والصدر.
وأمّا ما نسب إلى التنوخي فهو أكثر إشكالاً من هذه الجهة؛ لعدم وجود ما يقتضي تفسير الخمار بساتر الوجه إلَّا كلمة (تحته)، وهي لا تأبى إرادة ما هو أسفل من الخمار وهو الوجه.
وبتعبير آخر: إنَّ هذه الكلمة غير ظاهرة في أنَّ المراد ممّا تحت الخمار هو المكان المستور به، بل يصح استعماله فيما هو أسفل من الخمار، والوجه أسفل منه.
وأمّا البيت الثاني للمتنبي فهو شاهد على أنَّ ما يستر الوجه يقال له البرقع ولا اعتداد بقول الشارح، وهذا حال بقية الأبيات.
واستشهاده ببعض الروايات أضعف منه لم نتعرّض لها؛ لضعف الاستشهاد بها، وعلى أفضل التقادير فهو مجرّد استعمال، وهو أعمّ من الحقيقة، فلا تصلح هذه الفقرة من الآية للاستدلال بها على القول الأوّل، بل يمكن جعلها من أدلّة القول الثاني، وعلى أقل التقادير تكون الآية مجملة فلا تصلح للاستدلال للقول الأوّل.
وبهذا يتمّ الكلام في الدليل الأوّل للقول الأوّل، وسنتناول في الحلقة القادمة الدليل الثاني ـ وهو الروايات ـ لهذا القول كما نتناول بقيّة الأقوال إن شاء الله تعالى.
(١) يلاحظ: النهاية في مجرّد الفقه والفتاوى: ٤٨٤، التبيان في تفسير القرآن: ٧/ ٤٢٩.
(٢) يلاحظ: المهذّب: ٢/ ٢٢١.
(٣) يلاحظ: السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي: ٢/ ٦٠٨.
(٤) يلاحظ: الجامع للشرائع: ١/ ٣٩٥.
(٥) يلاحظ: إرشاد الأذهان: ٢/ ٥، تذكرة الفقهاء: ٢/ ٥٧٣.
(٦) يلاحظ: إيضاح الفوائد: ٣/ ٦.
(٧) يلاحظ: اللمعة الدمشقية: ١٧٤.
(٨) يلاحظ: جامع المقاصد: ١٢/ ٢٠٥.
(٩) يلاحظ: رسائل الشهيد الثاني (الرسالة المجموعة في الفوائد المسموعة): ٢/ ١١٩٥.
(١٠) يلاحظ: الوافي: ٢٢/ ٨٢١.
(١١) يلاحظ: كشف اللثام: ٧/ ٢٦.
(١٢) يلاحظ: الرسائل الفقهية: ١/ ٤٣.
(١٣) يلاحظ: العروة الوثقى/ كتاب النكاح: ٢/ ٨٠٣ مسألة: ٣١.
(١٤) العروة الوثقى (المحشّاة): ٥/٤٩٤.
(١٥) وسيلة النجاة (مع حواشي السيّد الخميني): ٦٩٧.
(١٦) يلاحظ: مستمسك العروة الوثقى: ١٤/ ٣٢.
(١٧) يلاحظ: منهاج الصالحين: ٢/ مسألة ١٢٣٢.
(١٨) هداية العباد: ٢/مسألة: ١٠٦٣، ١٠٦٨.
(١٩)للشيخ التبريزي S في كشف المرأة عن وجهها وكفّيها تفصيلٌ مثل تفصيل السيّد الحكيم S بين حصول التلذّذ للرجال بالنظر إليها فلا يجوز وبين عدمه فيجوز، يلاحظ: منهاج الصالحين للسيّد الحكيم (٢/ ٢٧٧)، منهاج الصالحين للميرزا جواد التبريزي( ٢/ مسألة ١٢٣٢).
(٢٠) منهاج الصالحين: ٣/ مسألة: ١٠، ١٤.
(٢١) يلاحظ: الشرح الكبير: ٦/ ٣٥٥.
(٢٢) بداية المجتهد ونهاية المقتصد: ١/ ٩٩.
(٢٣) يلاحظ: الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: ٢/ ٦٧.
(٢٤) المجموع: ١٦/ ١٣٨.
(٢٥) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: ٨/ ٢٧.
(٢٦) المقنع: ١٩٦.
(٢٧) المقنعة: ٥٢١.
(٢٨) يلاحظ: المبسوط: ٤/ ١٦٠، الخلاف: ١/٣٩٣.
(٢٩) يلاحظ: فقه القرآن: ٢/ ١٢٧.
(٣٠) يلاحظ: المؤتلف من المختلف بين أئمّة السلف: ١/١٦١
(٣١) يلاحظ: مسالك الأفهام: ٧/ ٤٩.
(٣٢) يلاحظ: كفاية الأحكام (كفاية الفقه): ٢/ ٨٤.
(٣٣) يلاحظ: الحدائق الناضرة في فقه العترة الطاهرة: ٢٣/ ٥٢.
(٣٤) يلاحظ: مستند الشيعة: ١٦/ ٤٦.
(٣٥) يلاحظ: رياض المسائل: ١١/ ٤٧.
(٣٦) يلاحظ: كتاب النكاح: ٤٩.
(٣٧) يلاحظ: قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام بالأثر: ٣/ ٢٠١.
(٣٨) المبسوط: ٢/٣٧١.
(٣٩) بداية المجتهد ونهاية المقتصد: ١/٩٩.
(٤٠) المحلّى: ٣/٢١٠.
(٤١) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: ٨/ ٢٨.
(٤٢) جلباب المرأة المسلمة في الكتاب والسنّة: ٥.
(٤٣) يلاحظ: تذكرة الفقهاء: ٢/ ٥٧٣ (ط. القديمة).
(٤٤) يلاحظ: جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ٢٩/ ٦٩.
(٤٥) يلاحظ: كتاب الصلاة: ٢/ ٦٠.
(٤٦) يلاحظ: شرائع الإسلام: ١/ ٦٠.
(٤٧) يلاحظ: تحرير الأحكام: ٢/ ٣، قواعد الأحكام: ٣/ ٦.
(٤٨) اللمعة الدمشقية: ١٧٤.
(٤٩) شرائع الإسلام: ١/ ٦٠.
(٥٠) شرائع الإسلام: ٢/ ٢١٣.
(٥١) يلاحظ: إشارة السبق: ٨٣.
(٥٢) يلاحظ: الخصال: ٣٠٢.
(٥٣) يلاحظ: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: ٥/ ١٢١ ـ ١٢٢.
(٥٤) سورة النور: ٣١.
(٥٥) مباني العروة الوثقى/ كتاب النكاح: ١/ ٥٥ ـ ٥٦.
(٥٦) الكافي: ٥/٥٢١، باب ما يحلّ النظر إليه من المرأة، ح: ٤.
(٥٧) الكافي: ٥/٥٢١، باب ما يحلّ النظر إليه من المرأة، ح: ١.
(٥٨) مباني العروة الوثقى/ كتاب النكاح: ١/ ٦١ ـ ٦٢.
(٥٩) هو السيّد محمّد باقر ابن السيّد أبي الحسن محمّد ابن السيّد علي شاه ابن صفدر شاه ابن السيّد صالح الرضويّ القميّ الكشميريّ S نزيل لكهنو، والمولود فيها سابع من صفر سنة ١٢٨٥هـ، والمتوفّى بالحائر في سنة زيارته للعتبات المقدسة في عصر يوم الخميس السادس عشر من شعبان سنة ١٣٤٦هـ. له كتاب (إسداء الرغاب بكشف الحجاب عن وجه السُنّة والكتاب)، في مسألة استثناء الوجه والكفين عن وجوب الستر الواجب في الصلاة على النساء، باللغة العربية. الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ٢/ ٣٧.
(٦٠) كتاب مطبوع باللغة الأوردية لمؤلفه السيد عليّ نقيّ النقويّ S.
(٦١) يلاحظ: الخلاف: ١/ ٣٩٣.
(٦٢) يلاحظ: أحكام القرآن: ٥/ ١٧٥.
(٦٣) يلاحظ: متشابه القرآن ومختلفه: ١/ ١١.
(٦٤) يلاحظ: مجمع البيان: ٧/ ٢١٧.
(٦٥) يلاحظ: زبدة البيان في أحكام القرآن: ٥٤٣.
(٦٦) يلاحظ: مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام: ٣/ ٢٦٩.
(٦٧) يلاحظ: إرشاد الأذهان في تفسير القرآن: ٣٥٨.
(٦٨) يلاحظ: الميزان في تفسير القرآن: ١٥/ ١١١.
(٦٩) يلاحظ: البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن: ٣٥٣.
(٧٠) يلاحظ: التبيان في تفسير القرآن: ٧/ ٤٢٩.
(٧١) يلاحظ: الكشّاف: ٣/ ٢٣٠.
(٧٢) يلاحظ: آيات الأحكام: ٢/ ٣٦٠.
(٧٣) يلاحظ: كنز العرفان في فقه القرآن: ٢/ ٢٢٣.
(٧٤) يلاحظ: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم: ٩/ ٣٣٥.
(٧٥) يلاحظ: مدارك العروة: ١٢/ ٥١١.
(٧٦) مفردات ألفاظ القرآن: ٣٨٨.
(٧٧) الصحاح تاج اللّغة وصحاح العربية: ٥/ ٢١٣٢.
(٧٨) تهذيب اللغة: ١٣/ ١٣٤.
(٧٩) سورة الأعراف: ٣١.
(٨٠) يلاحظ: التبيان في تفسير القرآن: ٤/ ٣٨٦.
(٨١) الصحاح: ٦/ ٢٣١٨، معجم مقاييس اللغة: ٢/ ٩٠، مفردات ألفاظ القرآن: ٨٧٣، وغيرها.
(٨٢) المحكم والمحيط الأعظم: ٣/ ٤٤٢.
(٨٣) البرهان في تفسير القرآن: ٢/٥٣٠.
(٨٤) سورة القصص: ٧٩.
(٨٥) سورة طه: ٨٧.
(٨٦) مستمسك العروة الوثقى: ١٤/ ٢٩.
(٨٧) الكافي: ٥/ ٥٢٠، باب ما يحلّ النظر إليه من المرأة، ح: ١.
(٨٨) الكافي: ٥/ ٥٢١، باب ما يحلّ النظر إليه من المرأة، ح: ٤.
(٨٩) تفسير القميّ: ٢/ ١٠١.
(٩٠) يلاحظ مادة (بدو) في: العين: ٨/ ٨٣، معجم مقاييس اللغة: ١/ ٢١٢، شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم: ١/ ٤٦٠، وغيرها.
(٩١) وهو حرمة الكشف عن الزينة التي هي بدن المرأة ما عدا الوجه والكفَّين.
(٩٢) يلاحظ: إثبات الحجاب (باللغة الأوردية): ٤٤.
(٩٣) يلاحظ: كتاب الصلاة: ٢/ ٤٢.
(٩٤) يلاحظ: الرسائل الفقهيّة (رسالة في حرمة النظر إلى وجه الأجنبيّة): ١/ ٤٣.
(٩٥) سورة النور: ٣٠.
(٩٦) يلاحظ: كتاب الصلاة: ١/ ٢٤ ـ ٢٥.
(٩٧) سورة النور: ٣١.
(٩٨) يلاحظ: كتاب الصلاة: ٢/ ٢٤.
(٩٩) يلاحظ: تفسير الكشّاف: ٣/ ٢٢٩، روح المعاني: ٩/ ٣٣٣، تفسير المراغي: ٨/ ٩٧.
(١٠٠) يلاحظ: التبيان في تفسير القرآن: ٧/ ٤٢٨، تفسير مجمع البيان: ٧/ ٢١٧، الأصفى في تفسير القرآن: ٢/ ٨٤٣، زبدة البيان في أحكام القرآن: ٥٤١، كنز العرفان في فقه القرآن: ٢/ ٢٢٠، الميزان في تفسير القرآن: ١٥/ ١١٠.
(١٠١) يلاحظ: المبسوط: ٤/ ١٦٠.
(١٠٢) يلاحظ: تذكرة الفقهاء: ٢/ ٥٧٣ (ط. ق).
(١٠٣) يلاحظ: إيضاح الفوائد: ٣/ ٦.
(١٠٤) يلاحظ: الجامع للشرائع: ٦٣.
(١٠٥) يلاحظ: من لا يحضره الفقيه: ٢/ ٦٢٧.
(١٠٦) الكافي: ٥/ ٥٢١، باب ما يحلّ النظر إليه من المرأة، ح: ٤.
(١٠٧) الكافي: ٢/ ٣٥، باب في أنّ الإيمان مبثوث لجوارح البدن كلّها، ح: ١.
(١٠٨) من لا يحضره الفقيه: ٢/ ٦٢٧، ح: ٣٢١٥.
(١٠٩) يلاحظ: الخواجوئي في رسائله: ١/ ٤١.
(١١٠) يلاحظ: مستمسك العروة الوثقى: ١٤/ ٢٩.
(١١١) يلاحظ: موسوعة الإمام الخوئيّ: ١٢/ ٦٩.
(١١٢) تقدّم في الصفحة ٤٧.
(١١٣) الكافي: ٢/ ٣٥٤، باب من طلب عثرات المؤمنين وعوراتهم، ح: ٢.
(١١٤) الكافي: ٥/ ٥١١، باب حقّ المرأة على الزوج، ح: ٣.
(١١٥) يلاحظ: فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشيّ): ١٠٩.
(١١٦) يلاحظ: فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشيّ): ٢٢٠.
(١١٧) كتاب الصلاة/ تقرير بحث المحقّق الداماد: ٣٣٧.
(١١٨) تقدّمت في الصفحة ٤٦.
(١١٩) سورة الحجرات: ٣.
(١٢٠) مجمع الأمثال: ٢/ ٢٢١.
(١٢١)معجم مقاييس اللغة: ٤/ ٣٨٣، مفردات ألفاظ القرآن: ٦٠٦.
(١٢٢) العين: ٤/ ٣٤١.
(١٢٣) تهذيب اللّغة: ٨/ ٧.
(١٢٤) يلاحظ: المحيط في اللّغة: ٤/ ٤٩٦.
(١٢٥) سورة الأحزاب: ٥٩.
(١٢٦) يلاحظ: رسائل فقهية: ١/ ٥١.
(١٢٧) يلاحظ: تبيان الصلاة، تقرير بحث السيّد البروجرديّ للشيخ الصافي كلبايكانيّ: ٣/ ٢٤٩.
(١٢٨) يلاحظ: تبيان الصلاة: ١/ ٥٧.
(١٢٩) لسان العرب: ١/ ٢٧٢.
(١٣٠) القاموس المحيط: ١/ ٤٧.
(١٣١) النهاية في غريب الحديث والأثر: ١/٢٨٣.
(١٣٢) العين: ٦/ ١٣٢.
(١٣٣) يلاحظ: تهذيب اللّغة: ١١/ ٦٤.
(١٣٤) يلاحظ: الصحاح: ١/ ١٠١.
(١٣٥) يلاحظ: معجم مقاييس اللّغة: ١/ ٤٧٠.
(١٣٦) يلاحظ: الفائق في اللّغة: ١/ ١٩٩.
(١٣٧) المحاسن: ١/ ١٦٩.
(١٣٨) بصائر الدرجات: ١/ ٣٩١.
(١٣٩) روضة الكافي: ٨/ ٣٨٥.
(١٤٠) يلاحظ: مجمع البيان: ٨/ ٥٨٠.
(١٤١) يلاحظ: التبيان في تفسير القرآن: ٨/ ٣٦١.
(١٤٢) يلاحظ: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: ٣/ ٥٦٠.
(١٤٣) يلاحظ: كتاب الصلاة: ١/ ٣٥٤، ٢/ ٥٢.
(١٤٤) يلاحظ: كتاب النكاح: ٢/ ٤٧٢.
(١٤٥) سورة الإنسان: ١٤.
(١٤٦) النكت العصريّة في أخبار الوزراء المصريّة: ١/ ١٣٦.
(١٤٧) المحكم والمحيط الأعظم: ٩/ ٨ نقلاً عنه.
(١٤٨) يلاحظ: إثبات الحجاب: ٣٠ وما بعد.
(١٤٩) سورة النور: ٣١.
(١٥٠) إثبات الحجاب (باللغة الأوردية): ٢٨.
(١٥١) يلاحظ: إثبات الحجاب (باللغة الأوردية): ٢٨.
(١٥٢) يلاحظ: مجمع البحرين: ٣/ ٢٩٤.
(١٥٣) يلاحظ: تهذيب اللّغة: ٧/ ١٦٢.
(١٥٤) يلاحظ: لسان العرب: ٤/ ٢٥٧.
(١٥٥) يلاحظ: المصباح المنير: ٢/ ١٨١.
(١٥٦) يلاحظ: تاج العروس: ٦/ ٣٦٦.
(١٥٧) يلاحظ: الزاهر في معاني كلمات الناس: ١/ ٤٠٨.
(١٥٨) يلاحظ: المفردات للراغب: ٢٩٨.
(١٥٩) يلاحظ: المغرب: ١/٢٧٥.
(١٦٠) يلاحظ: جمهرة اللّغة: ١/٥٩٢.
(١٦١) يلاحظ: فقه اللّغة: ٢٦٩.
(١٦٢) يلاحظ: شمس العلوم: ٦/٣٧٨٥.
(١٦٣) يلاحظ: القاموس الفقهي لغةً واصطلاحاً: ١٢٢.
(١٦٤) يلاحظ: كتاب العين: ٦/١٣٢.
(١٦٥) يلاحظ: الفائق في اللّغة: ٢/٣١٣.
(١٦٦) يلاحظ: المخصّص: ٤/ ٣٩.
(١٦٧) يلاحظ: شمس العلوم: ١/٤٩٣.
(١٦٨) لسان العرب: ٤/ ٣٧٠.
(١٦٩) المحاسن والمساوئ: ١/ ١٣٧.
(١٧٠) منتهى الطلب من أشعار العرب: ١/ ٤٠.
(١٧١) تهذيب اللّغة: ١/ ٢٤١.
(١٧٢) الصحاح تاج اللّغة وصحاح العربيّة: ٣/ ١١٥٢.
(١٧٣) المحكم والمحيط الأعظم: ٣/ ١١٥.
(١٧٤) يلاحظ: غريب الحديث لابن الجوزي: ٢/ ٣٣٣.
(١٧٥) يلاحظ: مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام: ٣/ ٢٧٤.
(١٧٦) مجمع البيان: ٧/٢١٧. وأيضاً يلاحظ: كنز العرفان في فقه القرآن: ٢/ ٢٢٤، الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: ٣/ ٢٣١.
(١٧٧) تفسير التبيان: ٧/ ٤٣٠.
(١٧٨) يلاحظ: فقه القرآن: ٢/ ١٢٨.
(١٧٩) الكافي: ٣/ ٣٩٥، باب الصلاة في ثوب واحد والمرأة في كم تصلّي وصلاة العراة والتوشح، ح: ١١.
(١٨٠) الكافي: ٥/ ٥٢١، باب ما يحلّ النظر إليه من المرأة، ح: ٥.
(١٨١) يلاحظ: كتاب الصلاة للمحقّق الداماد: ٢/ ٤٩.
(١٨٢) يلاحظ: مستمسك العروة الوثقى: ٥/ ٢٤٣.