دراسة فقهيّة مقارنة بين قانون الأحوال الشخصيّة العراقيّ
ومشروع قانون الأحوال الشخصيّة الجعفريّ
(الأحكام العامّة والزواج أنموذجاً)
(الحلقة الأولى)
الشيخ يحيى السعداويّ (دام عزّه)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق الإنسان، علّمه البيان، والصّلاة والسّلام على خير الأنام، محمّد وعترته الكرام.
وبعد, خلق الله سبحانه وتعالى آدم وقرنه بحواء كأسرة أولى لنشوء البشرية، وأقرّها سبحانهوتعالى فيجميع الأديانوالتشريعات؛ لمافيها منسعادة البشرية وتنظيمها وتكاثرها وديمومتها؛ لذا بذلت المجتمعات الإنسانية سعيها الحثيث في تنظيم الأسرة.
واختلفت صور السعي وطرقه ومقاديره بين المجتمعات والقوانين والتشريعات الدينية والمدنية، فالكنيسة جمعت شؤون الأسرة من النكاح والطلاق وتقييد المواليد والوراثة وغيرها بدعوى أنَّ السيّد المسيح هو الذي منحها سلطة التشريع والتحليل والتحريم، وأمّا الإسلام فقد وضع أحكام تنظيم الأسرة في فقه الأسرة.
وأمّا الدول المدنية الحديثة فقد نظمته بما يسمى قانون الأحوال الشخصية، الذي ابتدعه الفقه الإيطالي لتنظيم الأسرة.
وقد ظهر هذا المصطلح في البلدان الإسلامية في أواخر القرن التاسع عشر على يد الفقيه المصري (محمد قدري باشا).
وفي العراق كانت المحاكم المدنية تعطي حقّ النظر بقضاء الأحوال الشخصية على وفق المذهب الجعفري والسُنّي، وأجريت محاولات لتوحيد قانون الأحوال الشخصية بين الطائفتين، ولكنها لم تفلح حتى عام ١٩٥٩م بعد الانقلاب على الحكم الملكي إذ نجح مشروع توحيده بقانون (١٨٨), إلّا أنّ المرجعية الدينية المتمثلة بالسيد محسن الحكيم S قد أبدت رأيها فيه وطالبت بإلغائه؛ لمخالفته الشريعة الإسلامية، وأيضاً طالبت بإلغائه بعد انقلاب ١٤رمضان، وطالب الشيخ محمد رضا المظفر عميد كلية الفقه S ـ آنذاك ـ بإلغاء القانون من أساسه، ورأى أنّه لا يقبل التعديل بالمذكرة التي رفعها إلى حكومة انقلاب ١٤رمضان، مبيّناً مبرراته وآثار مخالفة الشريعة على المجتمع، ولكن الحكومة اكتفت بتعديل القانون في المادة الخاصة بالإرث، وأصبح بعد ذلك منهجاً يدرّس في كليات القانون في الجامعات العراقية.
وقد طلب منّي أحد الإخوة المشايخ الذين يدرّسون قانون الأحوال الشخصية في إحدى الجامعات العراقية أن نشترك في شرح قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم (١٨٨) لسنة ١٩٥٩م، وبدأنا المشروع في الأحكام العامة والزواج ونتيجة لانشغاله توقف المشروع وبقي أوراقاً مبعثرة.
وبعد الإعلان عن تقديم مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري إلى الحكومة وما أثاره من كلام بين مؤيدين ومعارضين، بدت لي فكرة لدراسة القانونين دراسة فقهية بين المذاهب الإسلامية؛ ليتّضح أنّ قانون الأحوال الشخصية العراقي هل هو مخالف للشريعة الإسلامية أم لا؟
وهل مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري يصح أنْ يكون بديلاً عنه، أو يمكن أن نجمع عدّة قوانين كلّ واحد منها يستند إلى مذهب من المذاهب الإسلامية لتوحيد الأحكام القضائية في الدولة العراقية؟
وهل هذا هو المفهوم من تطبيق المادة الدستورية (٤١) من الدستور الدائم التي تدعو إلى حرية الالتزام بالأحوال الشخصية؟
أو نحتاج فقط إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي بما يتوافق مع الدستور الدائم الحالي وموافقة الشريعة الإسلامية، وأسس الديمقراطية؟
ومـا المانـع الفـقـهـي والشـرعـي من تـقـنـيـنوتدويـن الأحكـام الشـرعيـة الإسـلاميـة وصياغتها في قوانين؟
وهل يمكن معالجته، وولادة قانون أحوال شخصية إسلامي جديد يوحّد المسلمين في الأحوال الشخصية، ويكون بديلاً للقانون النافذ، ويتلاءم مع مقتضيات العـصر، ويحـلّ مشـاكـل المسلمـين بالشكـل الـذي يـنـسجـم وحيـاتهـم العصـريـة، ويعـالـج المستحدثات الخاصة بشؤون الأشخاص؟
ولذا شرعت بهذا البحث وأسميته: (دراسات فقهية مقارنة بين قانون الأحوال الشخصية العراقي ومشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري (الأحكام العامّة والزواج أنموذجاً)؛ وبما أنّ عدد الصفحات المسموح به للبحوث المنشورة في مجلّة دراسات علميّة محدّد فقد اختصرت البحث بفقرةٍ من الأحكام العامّة وفقرتين من كتاب الزواج كأنموذج من قانوني الأحوال الشخصية العراقي والجعفري، ورتبته في مبحثين وخاتمة على النحو التالي:
المبحث الأوَّل: وفيه مطلبان:
المطلب الأوّل: تأريخ قانون الأحوال الشخصية العراقي وأسباب نشوئه وتعريفه لغةً واصطلاحاً.
المطلب الآخر:دراسة فيالأسس والمبانيالعامة لقانونيالأحوال الشخصية العراقيوقانون الأحوالالشخصية الجعفري.
المبحث الثاني: وفيه ـ أيضاً ـ مطلبان:
المطلب الأوَّل: دراسة تحليلية وفقهية لعنوان الباب الأوّل (الزواج) والمادة الثالثة (ف١) من قانون الأحوال الشخصية العراقي، وما يقابلها عنوان الباب الثاني (النكاح) والمادة (٤٢) من مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري.
المطلب الآخر: دراسة تحليلية وفقهية للمادة الثالثة (ف٤) تعدّد الزوجات، وما يقابلها المادة (١٠٢) و(١٠٤) من مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري.
الخاتمة: في النتائج والمقترحات التي توصّلنا إليها من خلال البحث.
وبعدُ، فقد بذلت غاية الوسع فيه، لإيجاد الفكرة وإخراجها من القوّة إلى الفعل، هذا والله أسأل أنْ يكون نافعاً ولا سيّما مع ما تضمّنه من الآراء المباركة للمجتهدين والمراجع العظام حفظ الله الباقين منهم ورحم الماضين، سائلين المولى a السداد والتوفيق وقبول الأعمال إنّه سميع مجيب.
الشيخ يحيى السـعداوي
النجـف الأشرف
١٢/ ذو القعدة/١٤٣٥هـ
المبحث الأوّل
تأريخ قانون الأحوال الشخصية العراقي وأسباب نشوئه وتعريفه لغةً واصطلاحاً ودراسة فقهية للمادة الأولى (ف١) من قانون الأحوال الشخصية العراقي، وما يقابلها المادة (٢٤٥) (ف أولاً) من قانون الأحوال الشخصية الجعفري، وفيه مطلبان:
المطلب الأوّل: تأريخ قانون الأحوال الشخصية العراقي وأسباب نشوئه وتعريفه لغةً واصطلاحاً، وفيه مقصدان:
المقصد الأوّل: تأريخ قانون الأحوال الشخصية في العراق وأسباب نشوئه:
الأحوال الشخصية: مصطلح قانوني ابتدعه الفقه الإيطالي في القرن الثاني عشر(١).
ابتدأت حركة التقنين بالمعنى المعاصر في الدول الإسلامية في أواخر العهد العثماني في مجال القانون المدني، بيد أنّ حركة التقنين لم تبدأ بعد في مجال الأحوال الشخصية، إلّا أنّ جملة من الاعتبارات ... تمسّ بشكل أو بآخر مجال الأنكحة والمواريث(٢), أدّت إلى نشوئه فظهر في أواخر القرن التاسع عشر على يد الفقيه المصري (محمد قدري باشا المتوفى ١٣٠٦هـ - ١٨٨٤م)(٣) الذي قام بوضع مجموعة فقهيّة خاصّة سمّاها (الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية).
كما قد صدر القانون الوقتي للمرافعات الشرعيّة (قانون حقوق العائلة العثماني عام ١٣٣٦هـ - ١٩١٤م) واقتصر على أحكام الزواج والطلاق(٤).
والمادة (١٨٠١): تعطي للسلطان بصفته خليفة للمسلمين حقّ الفرض على الأمة(٥)؛ ولذا تصدّى المرجع الديني محمّد حسين آل كاشف الغطاء لشرح رأي الإمامية بقوله: (إن القضاء والحاكمية عند الإمامية منصب إلهي لا دخل له بالسلطان)(٦).
وقد ذكر مصطلح (الأحوال الشخصية) في كتب بعض مؤلّفي الشيعة ـ لا في كتب الفقه الإمامي الجعفري ـ على نحو ما نراه في كتاب الأحكام الجعفرية في الأحوال الشخصية الذي طبع سنة (١٣٤٢هـ-١٩٢١م) للشيخ عبد الكريم الحلي(٧)، والسيد أمير علي المتوفى سنة ١٩٢٨م(٨)، ويوسف بن علي الفقيه العاملي الحاريصي، الذي كان فقيهاً إمامياً(٩).
وفي العراق ظهرت عبارة (المواد الشخصية) في بيان المحاكم رقم (٦) الصادر عام ١٩١٧م و(م١٢) والتي تنصّ على تطبيق الأحكام الفقهية الخاصّة بتلك الطوائف على المنازعات المتعلّقة بأحوالهم الشخصيّة من قبل محاكم المواد الشخصية. وقد أصبحت محاكم المواد الشخصية تعنى بالأحوال الشخصية لغير المسلمين.
وذكرت عبارة (الأحوال الشخصية) في تعديل بيان المحاكم عام١٩٢١م، ثمّ في قانون المحاكم الشرعية الصادر في (٣٠/حزيران/١٩٢٣م).
وترسخت هذه العبارة بتشريع قانون الأحوال الشخصية للأجانب رقم (٧٨ لسنة ١٩٣١م)(١٠).
وقد قام ديوان التدوين القانوني في عام ١٩٣٣م بمحاولة لإصدار قانون للأحوال الشخصية لتوحيد المسلمين، ووضعت لائحة لهذا المشروع لكنها تعثّرت كثيراً، ثمّ وضعت وزارة العدل في عام ١٩٤٥م مشروع قانون باسم (لائحة قانون الأحوال الشخصية)؛ ليكون قانوناً متمّماً لمشروع القانون المدني، وقد تضمّن قانون الأحوال الشخصية للمذهبين الحنفي والجعفري كلّا ً على حدة، ولكنه لم يرَ النور.
وبعد انقلاب الرابع عشر من تموز١٩٥٨م شكّل مجلس السيادة برئاسة نجيب الربيعي، وألّفت وزارة العدل العراقية بتاريخ ٧ شباط ١٩٥٩م لجنة لوضع لائحة الأحوال الشخصية بدعوى تعزيز التوازن السياسي وتكفّل الحريات، واستطاعت اللجنة صياغة مشروع قانون للأحوال الشخصية، والذي عرف بقانون رقم (١٨٨) لسنة ١٩٥٩م(١١)، وقد قال القاضي خروفة حول بعض موادّه: راعت اللجنة أيضاً الانسجامبين أحكامالقانون المدنيفي الوصيةوبين ماورد فيهذه اللائحةمن أحكام(١٢).
ونُقل عن عبد اللطيف الشوّاف أحد المكلفين بصياغة الدستور الدائم ـ الذي لم يُنجز ـ قوله: (جلب عبد الكريم القانون المدني، واطّلع على القسم الخاص بانتقال حقوق التصرّف ... واقترح وطلب إضافة المواد كما وضعها السنهوري في القانون المدني إلى قانون الأحوال الشخصية، لتطبّق على المواريث كلّها، وبذلك نكون قد أكملنا نقص عدم وجود قسم للميراث في المشروع، بالإضافة إلى توحيد أحكام المذهبين السُنّي والجعفري في هذه المسألة الهامّة من مسائل الحياة).
وأضاف الشوّاف: (إنَّ عبد الكريم رفض التحذيرات من استغلال هذا النصّ واعتبار الحكومة ضدّ الشريعة الإسلامية مستنداً إلى رأي أبداه رئيس مجلس السيادة نجيب الربيعي بأنّ الإرث ... قد جاء في القرآن بصيغة الوصية: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ}(١٣))(١٤).
وبهذه المادة يعدّ مخالفاً لنصّ القرآن الكريم الصريح؛ ولذا أبدت المرجعية الدينية المتمثّلة بالسيد محسن الحكيم S رأيها فيه وطالبت بإلغائه؛ لمخالفته الشريعة الإسلامية في عدّة مواد.
ثُمَّ أتى البعثيون بانقلاب ١٤ رمضان /شباط عام١٩٦٣م، وطالبتهم المرجعية الدينية أيضاً بإلغاء القانون، وكذا الشيخ محمّد رضا المظفر رفع مذكرة إلى حكومة الانقلاب بالمبررات الملحة لإلغاء قانون الأحوال الشخصية رقم (١٨٨) لسنة ١٩٥٩م، وأنّه لا يقبل التعديل؛ فكان موقفه داعماً لموقف المرجعية الدينية المطالب بالإلغاء، ومبيّناً مبرراته من مخالفته الشريعة، وصريح القرآن الكريم، وخروجه عن إجماع المسلمين، وما يخالف بعض المذاهب دون بعض.
كما أبدى العلّامة السيد محمّد بحر العلوم إشكاله بقوله: (وإنّه حدّد طبيعة القضاء وهي لا تحدّد بالقانون، وإنّما بالشرع)(١٥).
ولذا أصدروا التعديل رقم ١١ لسنة ١٩٦٣م؛ لإيقاف العمل بالموادّ المتعلّقة بالمواريث، وتطبيق فقه المذاهب بدلاً منها؛ ليكون {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ}(١٦).
لكنّ المرجعية الدينيّة استمرت في مطالبتها بإلغاء القانون بنحو كلّي، وأنّ وجود مثل هذا القانون يعطي القاضي سلطة الفقيه، ويسدّ باب الاجتهاد في الأحكام.
وحاول الدستور المؤقت لسنة ١٩٦٨م وضع مادة صريحة لطمأنة المؤسسة الدينيّة، جاء فيها: (الإرث حقّ تحكمه الشريعة الإسلامية)(١٧). ولكنّ المرجعيّة الدينيّة لا تكتفي إلّا بإلغائه كما جاء في رسالة السيد الحكيم S: (إرجاع الأمور إلى العهد الذي كانت عليه سيرة المسلمين منذ أيام الخلافة الإسلاميّة، وإنّ موقفنا هذا هو نفس الموقف الذي وقفناه منذ صدور القانون حتى يومنا هذا، وإلى أنْ يتمّ رفعه)(١٨). وهذا مطابق لموقف مالك بن أنس حين أراد أبو جعفر المنصور ومن بعده الرشيد اختيار كتابه (المُوطّأ) قانوناً قضائياً للدولة العباسيّة، فنهاهما مالك من ذلك وقال: (إنّ أصحاب رسول الله e اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان، وكلٌّ مصيب)(١٩)، ومطابق أيضاً لعلماء الأزهر حين جمعهم محمد علي باشا وقال لهم: (لا أريد أنْ أحكم بشيء حرّمه الله، لكن اجتمِعُوا وضعوا لي قانوناً ... قالوا ما وصلنا إلى شيء)(٢٠).
ولذا لم تفلح اللجنة الّتي شُكّلت في مصر من كبار العلماء في أوائل عام١٩١٥م لتقنين قانون للأسرة يستنبط من المذاهب الأربعة ويختار منها، بحيث يؤخذ من كلّ مذهب ما يكون صالحاً وفقاً لروح العصر، رغم إعدادها لائحةً بهذا الشأن(٢١).
ومع كلّ ما تقدّم من سيرة المسلمين غير المتصلة بالمعصوم لكن الواقع إننا بحاجة إلى وجود قانون عصريّ في مجال الأحوال الشخصية خصوصاً؛ لأنّه يشكّل أساساً لوحدة الشعب العراقي، وانطلاقةً لبناء العائلة العراقية التي تقدّر فيها المرأة بما أعطاها الإسلام من الحرية، وبشكلٍ تراعى فيه المواثيق والاتفاقيّات الدوليّة، ويُعدُّ دفاعاً عن قيم الحضارة والتمدّن بما يسمح به الدستور الإسلامي.
المقصد الآخر: تعريف قانون الأحوال الشخصية لغةً واصطلاحاً:
الفرع الأوّل: تعريف الأحوال، والشخصية، والتقنين، والقانون لغةً:
أوّلاً: الأحوال لغةً: الحال تؤنّث فيقال: حال حسنة(٢٢)، والحال تذكّر وتؤنّث وتجمع على الأحوال(٢٣). قال الراغِب: الحالُ: ما يَختَصُّ به الإنسانُ وغيرُه، من الأمورِ المتغيِّرة، في نَفسِه وبَدَنِه وقُنْيَتِه(٢٤) [اقتنى يقتني اقتناء، أي: اتخذه لنفسه، لا للبيع) وقال مَرَّةً: الحالُ يُستَعْمَلُ في اللّغَةِ للصِّفةِ التي عليها المَوصوفُ ـ إلى أن قال ـ والحالة: واحدة حال الإنسان وأحواله(٢٥). الحال: كينَة الإنسان وما هو عليه من خير أو شر ... وهي الحالة أيضاً ... حال الشيء وكيفيّته(٢٦).
والفرق بين الشأن والحال: الشأن لا يقال إلّا فيما يعظم من الأحوال والأمور، فكل حال شأن، ولاينعكس. قالهالراغب(٢٧).يؤيده قولهتعالى شأنه:{كُلَّيَوْمٍ هُوَفِي شَأْنٍ}(٢٨).
ثانياً: الشخصية لغةً: (شخص): " الشَّخْصُ ": سواد الإنسان وغيره تراه من بعد، وكلّ شيء رأيت جسمانه فقد رأيت شخصه، وجمعه: الشخوص والأشخاص(٢٩) وجمعه في القلّة أشخص. والشخيص: العظيم الشخص، بيّن الشخاصة. الشَّخْص: كلُّ جسم له ارتفاع وظهور(٣٠). ولفظ الشخص مذكر(٣١) والأُنْثى شَخِيصةٌ، والاسمُ الشَّخاصةُ قال ابن سيده: (ولم أَسمع له بفِعْلٍ فأَقول إِنَّ الشَّخاصة مصدر)(٣٢).
ثالثاً: الأحوال الشخصية لغةً: وحال الشيء يحول حؤولاً في معنيين، يكون تغييراً، ويكون تحويلاً(٣٣). وحال الشخص يحول إذا تحرّك وكذلك كل متحول عن حالة، ومنه قولهم استحلت الشخص أي نظرت هل يتحرّك(٣٤)، فكأَنَّ القائل إِذا قال لا حَوْلَ ولا قُوَّة إِلَّا بالله يقول: لا حَركة ولا استطاعة إِلا بمشيئة الله(٣٥).
رابعاً: التقنين لغةً من قنن، قال الفراهيدي والجوهري: والقنة: قوّة (من قوى) حبل الليف، ويجمع على قنن(٣٦). وقال الزمخشري: قنن الأنوق تبيض في قنة الجبل وفي قنن الجبال(٣٧). وأما الزبيدي فيقول: (قنن): القَنُّ: تَتَبُّعُ الأَخْبارِ(٣٨).
خامساً: القانون لغةً: اختلف في تحديد أصل هذا اللفظ، فالرأي الغالب أنه ليس بعربي(٣٩). وذهب بعضهم إلى أنّه عربي الأصل مادةً وشكلاً، ومادته لفظ(قن)(٤٠)، ووجدته أقرب معنى للقانون، وقنت الشيء أقينه قيناً: لممته وأصلحته(٤١). والقنقن: الدليل الهادي البصير بالماء تحت الأرض(٤٢)؛ ولذا ذكره صاحب مختار الصحاح(٤٣) ضمن مادة قنن فقال: والقوانين: الأصول، الواحد قانون(٤٤)، والقانون: مقياس كل شيء ج: قوانين(٤٥)، وشكلاً على صيغة (فاعول) التي تدل على الكمال وبذل الجهد، وأيضاً لم أجد هذا المعنى في كتب اللغة ووجدت أنّ فاعول من الحجر المنع(٤٦). وأنّ قانُون: ما كان على فَعْلان أن يكُونَ مؤنَّثه بغير زيادة إلا الألفَ كَرَيَّانَ ورَيَّا وسَكْرانَ وسَكْرَى(٤٧). وقيل القانون: يوناني أو سرياني: مسطر الكتابة(٤٨). ولا نريد التحقيق في عربية اللفظ من عدمها؛ لعدم الاستفادة من ذلك. فالمسلمون يطلقون لفظ الشريعة على القواعد القانونية ولفظة القانون تطلق بمعناها اللغوي (مقياس لكلّ شيء) أو القاعدة المطردة ولم تستعمل لفظة القانون بمعناها الاصطلاحي (مجموعة القواعد) إلا في منتصف القرن التاسع(٤٩).
الفرع الثاني: تعريف الأحوال الشخصية والتقنين والقانون اصطلاحاً:
أولاً: الأحوال الشخصية اصطلاحاً، قد جاء في الموسوعة العربية الميسرة تحت لفظ (أحوال شخصية) ما نصه: مجموعة ما يتميّز به الإنسان عن غيره من الصفات الطبيعية أو العائلية التي رتّب القانون عليها أثراً قانونياً في حياته الاجتماعية، مثل كونه ذكراً أو أنثى وكونه زوجاً أو أرملاً أو مطلقاً، أو أباً أو ابناً شرعياً، أو كونه تام الأهلّية أو ناقصها لصغر سنٍ أو عتهٍ أو جنون، أو كونه مطلق الأهلية أو مقيدها لسبب من أسبابها القانونية. وقد حدّدت محكمة النقض المصرية في ٢١/٦/١٩٣٤م هذا المعنى(٥٠).
ثانياً: التقنين اصطلاحاً:
١. عرَّفه الأستاذ صبحي المحمصاني بقوله: (صياغةُ الأحكامِ الشرعيةِ في عباراتٍ إلزاميةٍ، لأجْلِ تنفيذها والعمل بموجبها)(٥١).
٢. وعرّف بأنّه صياغة الأحكام في صورة مواد قانونية مرتّبة مرقمة، على غرار القوانين الحديثة من مدنية وجنائية وإدارية ... إلخ. وذلك لتكون مرجعاً سهلاً محدداً، يمكن بيسر أن يتقيّد به القضاة، ويرجع إليه المحامون، ويتعامل على أساسه المواطنون(٥٢).
٣. وعرفه الدكتور وهبة الزحيلي بأنّه: (صياغة أحكام المعاملات وغيرها من عقود ونظريات ممهّدة لها، جامعة لإطارها، في صورة مواد قانونية، يسهل الرجوع إليها)(٥٣).
ثالثاً: القانون اصطلاحاً: القانون بمعناه الخاص: (مجموعة القواعد القانونية التي تسنّها السلطة المختصة بالتشريع في دولة ما لتنظيم أمر معيّن. وهذا المعنى يرادف التشريع، وهو القانون المدوّن الذي تضعه السلطة التشريعية)(٥٤).
والمتحصَّل: أنّتعريف قانونالأحوال الشخصية ـ طبقاًلتعريف الأحوال الشخصية وبيان ما تعنيه ـ : هو مجموعة القواعد القانونية التي تنظّم ما يتميّز به الإنسان من غيره من الصفاتالطبيعية أوالعائلية التيرتّب القانونعليها أثراًقانونياً فيحياته. والصفات الطبيعية والعائلية ككونه إنساناً، ذكراً أو أنثى، وكونه زوجاً أو أرملاً أو مطلقاً، أو ابناً شرعياً، أو كونه تام الأهلية أو ناقصها؛ لصغر سن أو عته أو جنون أو كونه مطلق الأهلية أو مقيّدها بسبب من أسبابها القانونية.
الفرع الثالث: الفرق بين التدوين والتقنين والقانون:
١. الفرق بين التدوين والتقنين: يرى بعض الباحثين أن التقنين والتدوين بمعنى واحد. ولكن الصحيح وجود فرق بينهما، فالتدوين مصدر دوَّن ـ كما عرفناه ـ : الكتابة المرتبة، وتدوين الأحكام يعني صياغة الأحكام الشرعية، وترتيبها من دون إلزام بها ولا جزاء على مخالفتها. وأمّا التقنين ـ مصدر قنن ـ فهو: صياغة الأحكام والقواعد وترتيبها على شكل موادّ قانونية لها صفة الإلزام والجزاء على من خالفها. وأصبح علماً له منهج وطريقة خاصّة.
٢. الفرق بين التقنين والقانون: يتضح من تعريفهما اللغوي أنّهما إمّا من مادة واحدة وهي (قنن) أو أنّ القانون من مادة (قنّ)، والفرق بينهما (اصطلاحاً) يتّضح من أنّ التقنين: هو وضع القوانين وصياغة الأحكام بترقيم وترتيب موادها بصفة الإلزام والجزاء على من خالفها، وأمّا القانون فهو مجموعة القواعد بعد تقنينها.
المطلب الثاني: دراسة في الأسس والمباني العامّة لقانوني الأحوال الشخصيّة العراقي والجعفري:
ذكر المشرّع العراقي قواعد عامّة في المادّتين الأولى والثانية من قانون الأحوال الشخصيّة العراقي سالكاً بذلك المسلك المتبع في القانون المدني(٥٥)، وهو منهج عام لتطبيق القانون. وقد نقلها مشرّع مشروع قانون الأحوال الشخصيّة الجعفري نصّاً في المادة (٢٤٥) وغيرها.
المادة الأولى: سريان وتطبيق قانون الأحوال الشخصيّة، ومصادر قانون الأحوال الشخصيّة.
المادة الأولى: الفقرة (١): سريان النصوص وتطبيقها..
١. (تسري النصوص التشريعيّة في هذا القانون على جميع المسائل التي تتناول هذه النصوص في لفظها أو في فحواها).
يقابل المادةالأولى/الفقرة (١) منقانون الأحوالالشخصية العراقي المادة (٢٤٥) أولاًمن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري،حيث نصّتالمادة (٢٤٥) أولاً: (تسريالنصوص التشريعيةفي هذاالقانون علىجميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها ومضمونها).
والفقرتان من المادّتين لا فرق بينهما نصّاً إلّا بكلمة (ومضمونها)؛ لأنّ الذي شرّع مشروع قانون الأحوال الشخصيّة الجعفريّ نقلها نصاً بإضافة كلمة (ومضمونها)، ولا أثر لإضافة هذه الكلمة؛ لأنّ (مضمونها) و(فحواها) بمعنى واحد في الاستعمال اللغوي، فكلاهما بمعنى ما يُفهم من الكلام ومعناه؛ لأنّ (فحو: الفحوى: معنى ما يعرف من مذهب الكلام)(٥٦) وهذا هو المعنى الأول، ويسمى (المنطوق) تسمية المدلول باسم الدال، كما أنّ له معنى ثانٍ: (فحوى الكلام فهو ما ظهر للفهم من مطاوي الكلام ظهور رائحة الفحا من القدر كفهم الضرب من الأف)(٥٧)، ويسمى (المفهوم)، وهذا المعنى يطابق المعنى الاصطلاحي لمفهوم الموافقة. أما (ضمن: عنى، وفهمت ما تضمّنه كتابك، أي ما اشتمل عليه وكان في ضمنه)(٥٨).
نعم، يمكن أن يكون عطف تفسير للفحوى إن كانت الفحوى بالمعنى اللغوي، وكلمة (فحواها) تحتاج الى بحث معمّق؛ لاختلاف معناها بين اللغة والاصطلاح وبين المذاهب الفقهية، ولا يسعه هذا المختصر، ولكن نشير إليه باختصار فنقول: ما ذكر في نصّ المادة الأولى الفقرة (١)، أو المادة (٢٤٥) أوّلاً من قوله: (وفحواها) في القانونين العراقي والجعفري ليس بالمعنى الاصطلاحي الفقهي وهو المعنى اللغوي الثاني؛ ولذا أشكل الزلمي(٥٩) عليه. ولكنّ الظاهر من إشكال الزلمي على النصّ (في لفظها أو في فحواها) أن المقصود منها المعنى اللغوي الأول (معنى النص) المنطوق أو عند الحنفية دلالة النصّ، وليس المعنى اللغوي الثاني الذي يسمّى (مفهوماً) في الاصطلاح الغالب عند فقهاء المسلمين؛ ولذا اقترح الزلمي أن يكون النصّ (بمنطوقها ومفهومها) بدلاً عن (لفظها أو في فحواها).
وأما إذا حملنا اللفظ على حكم اللفظ والفحوى على حكم الفحوى فلا يرد الإشكال على النصّ، وأنّه شامل للمنطوق والمفهوم، ولكن لا يشمل مفهوم المخالفة؛ لأنّ الفحوى مفهوم الموافقة.
ولم يتّضح لي المقصود من (الفحوى) عند شرّاح القانون، وإن كان قد يبدو أنَّهم يحملونه على المعنى اللغوي الأوّل (معنى اللفظ) أو معناهفي الفقهالحنفي (دلالة النصّ)، وليس بالاصطلاح الفقهي (المعنى الثاني).
وكيفما كان, فالمشرّع بهذه العبارة ألزم القضاة بالمصدر الأصلي وهو نصوص القانون، وعليهم الالتزام بأخذ الأحكام من ألفاظ النصوص وعباراتها، واستنباط الأحكام من فحوى النصوص ومعانيها، ولا يجوز لهم الانتقال إلى مصدر آخر ـ غير النصّ ـ إلّا بعد التأكّد من خلوّ النصّ لفظاً وفحوى من الانطباق على القضية المعروضة أمامهم.
والفقرتان تبيّنان سريان نصوص هذا القانون، وتطبيقها، والمصدر الأصلي لها، فتشمل كلّ واقعة ينطبق عليها أي نصّ من نصوص هذا القانون وتكون مصداقاً له، سواء أكان هذا الانطباق لفظاً أم فحوى، فهذا التشريع واجب التطبيق وملزم لهم.
ولدراسة الفقرتين دراسة فقهيّة يلزم أن نبحث في موقف الفقه الإسلامي من التقنين وتدوين النصوص القانونية أولاً، وإلزام القضاة بهاثانياً، ولكن البحث لا يختصّ بالبحث عن التدوين أو التقنين؛ لأنّ تدوين الأحكام الشرعية أمر مستحب كما سنثبته.
وأمّا التقنين فهو أمر مستحدث أجازه بعض الفقهاء ومنعه آخرون؛ ولذا سنختصر البحث فيهما، ونتوسع في البحث عن المانع الفقهي الشرعي من تقنين وتدوين الأحكام الشرعية وتوحيد قانون يحكم المسلمين، وهو تقييد القضاة بمذهب معيّن وإلزامهم به، وهو عين السبب الذي جعل مالك يرفض أن يكون كتابه المُوطّأ مرجعاً للقضاء؛ ولذا سنبحث هذا المطلب في مقصدين:
المقصد الأوّل: التقنين أو تدوين الأحكام الشرعية ثبوتاً وإثباتاً، وفيه فرعان:
الفرع الأوّل: تدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في القوانين ثبوتاً.
وسنذكر هنا أمرين:
الأوَّل: إنّ من أسباب تدوين القوانين في الدولة الإسلامية كما يقول الشيخ السبحاني: (ولاية القضاء: فقد كان الخلفاء يختارون القضاة أوّل الأمر من المجتهدين لا من مقلّديهم، ولكنّهم فيما بعد آثروا اختيارهم من المقلّدين، ليقيّدوهم بمذهب معين، ويعيّنوا لهم ما يحكمون على أساسه) (٦٠).
وبعبارة أوضح: إنّ أسباب تدوين القوانين في الدولة الإسلامية هي:
١. أنّ القضاة مقلّدون لا مجتهدون.
٢. تقييد القضاة بمذهب معيّن يرتضيه الخليفة.
٣. تشريعات الخلفاء حسب مصالحهم وأهوائهم.
والآخر: الموانع والإشكالات على تقنين الأحكام الشرعية وتدوينها وإلزام القضاة بها وسلبياته ومميزاته وإيجابياته حسب الواقع والحاجة إلى ذلك ثبوتاً عقلاً:
ويمكن أن أذكر ما استفدته من دراستي للفقه والقانون ومن مطالعاتي للمقالات وما كتب في هذا الموضوع وأصيغه بشكل إشكالات والردّ عليه وعلى النحو الآتي:
الإشكال والمانع الأوّل: إنّ الكتب الفقهية تكفّلت بتنظيم كلّ ما يتعلّق بالإنسان من عبادات ومعاملات وإيقاعات وحدود وديات وما يستحدث منها، وهذا يعني تنظيم الأحكام الشخصية والمدنية والجنائية للمكلّف، مضافاً إلى كون باب الاجتهاد مفتوحاً وهذا ممّا يقوّي ملكة الاجتهاد والقدرة على الاستنباط بما يواكب العصر، فما الداعي لتدوين قوانين أُخر؟
ويمكن الجواب عنه: بأنّ الكتب الفقهية تكتب من طرف أهل العلم وليست أحكاماً باتَّة نافذة ملزِمة للناس كالقانون، ولا توجد آلية متبعة لكتابة الأحكام المدونة، وأغلبها ليس لها ضابط موضوعي، وقد قالوا: إنّ مسائل الفقه يستحيل ثبوت موضوع لها(٦١) بمعنى لا موضوع لعلم الفقه؛ لذا نحتاج إلى تدوينها وصياغتها بقوانين.
الإشكال والمانع الثاني: أنّ الكتب الفقهية للمذاهب الإسلامية ذكرت جميع المسائل التي يحتاج إليها القاضي في جميع أبواب الفقه، فيلزم القاضي الحكم بها من دون الحاجة إلى الاستعانة بالقوانين الأُخر المستندة إلى شرائع أُخر أو أهواء الحكام ومصالح الدول، ويساعد القاضي على تحقيق العدل والحكم بالحقّ بظاهر الشريعة الإسلامية. وأما تدوين القوانين الذي يقتصر على النصوص المدوّنة في كلّ قانون فهي غير شاملة لجميع المسائل التي يحتاج إليها القاضي؛ فتكون ذريعة للقاضي للاستعانة بقوانين لا تستند إلى الشريعة الإسلامية، وتحدّ من الوصول إلى الحكم بالحقّ.
والجواب عنه: أنّ إرجاع القضاة إلى أمّهات الكتب الفقهية واختلافها في الآراء والأساليب والأدلة يكون سبباً لتأخير فضّ النزاعات التي قد تسبّب مشاكل أكبر، وقد يؤدي إلى ترك القاضي واجتهاده، فيختلف الحكم في قضية واحدة، فتنعدم وحدة الأحكام القضائية، فيختل العدل والحكم بالحقّ. وأما تدوينها فيساهم في وحدة الأحكام القضائية، ويتحقق الحكم بالحقّ والعدل؛ ولذا نحتاجُ في تدوين القوانين من الأحكام الشرعية الإسلامية إلى آليةٍ معينة لتكون معيناً لا ينضب ومصدراً أساساً أو رئيساً للتشريع يغطي جميع الأحكام القضائية.
الإشكال والمانع الثالث: أنّ التقنين بدعة وخطوة تمهيدية لهجر أحكام الشريعة، والانتقال إلى القوانين الوضعية وسلب سلطة فقهاء الأمة. كما أنّه يؤدي إلى إلزام الأمة إما بمذهب فقهي معيّن، وإمّا بنصّ ليس من شرع الله في شيء، وهو مدخلٌ للتبديل والتغيير في أحكام الشريعة بزيادة أو نقصان، أو تبديل أو تعديل ممّا يستلزم الحكم بغير ما أنزل الله.
والجواب: تدوين الأحكام الشرعية ليس بدعة بل سُنّة كما سنثبت ذلك. وأمّا التقنين فيعدّ تطوّراً في تدوين الأحكام الشرعية، ولا يعدّ هجراً للشريعة؛ لأنّه رجوع إلى فقهاء الأمة في التشريع، وعدم سلب سلطتهم خصوصاً إذا نصّ قانون المحكمة الاتّحادية على الرجوع إلى فقهاء الشريعة حيث يعدّ من أركان الدولة المدنية، فيواكب التطوّر من جهة، ويطبّق الشريعة الإسلامية ـ وهو الحكم بالحقّ المأمور به ـ من جهة أخرى. فتدوين الأحكام الشرعية بخلاصة ما وصل إليه الفقه الإسلامي يجمع بين الأحكام الثابتة والأحكام المتغيرة، ويبقى باب الاجتهاد للمشرّع مفتوحاً يرجع إليه القاضي عند عدم وجود نصّ ينطبق على القضية المطروحة أمامه، فنحافظ على روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها وعدم الجمود على النص، ويسهل على القاضي تحصيل الحكم الشرعي واختصار الجهد والوقت، ويعلم الناس سلفاً ما تخضع له معاملاتهم وعقودهم من الأحكام، فيتحقّق العدل والحكم بالحقّ.
الإشكال والمانع الرابع: نصَّ الدستور في المادة (٤١) على حرية الفرد في الأحوال الشخصية، فيحتم على المشرّع الرجوع إلى المذاهب الفقهية المختلفة, وتقييد المسلمين بمذهبٍ معيّنٍ خلافاً لمذاهبهم له آثاره على الفرد والمجتمع، وهذا ليس من صالح الدولة؛ لأنه يفتح مسارب الجريمة والتحلّل الخلقي أمام أبناء البلد؛ لأنّها تؤدّي إلى إماتة الإخلاص فيهم ؟
الجواب: نعم, هذا الإشكال علمي وحقيق بالاهتمام، وكلّ أطروحة لتوحيد القانون يجب أن تأخذ بعين الاعتبار هذا الإشكال، ويمكن حلّه بوضع مادة خاصة واختيارية تجيز الرجوع إلى المذاهب الفقهية كما في مسألة القسّام الشرعي في القانون العراقي. و يمكن القول إنّ عدم تدوين القانون الموحّد يحوّل التعدّد والتنوع العراقي في المذاهب والأعراق من حالة تمنح القوّة والتجدد والتآلف إلى حالة تنتج الفرقة، ويضع الفرد والأسرة تحت سلطة السلطات المختلفة. وإنّ وجود قانون عصري موحّد لكل العراقيين في الأحوال الشخصية، وبشكل تراعى فيه المواثيق والاتفاقيات الدولية يعدّ دفاعاً عن قيم الحضارة والتمدّن ومفهوم المواطنة؛ لأنّه يشكّل أساساً لبناء العائلة العراقية ووحدة الشعب العراقي.
فالنتيجة: التقنين وتدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين أمر راجح عقلاً وواقعاً، وأمّا الإشكالات التي ذكرت فيمكن معالجتها ودفعها بما ذكرنا.
الفرع الآخر: دراسة فقهية في تدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين إثباتاً نقلاً:
وسأتناول في هذا الفرع حرمة التقنين والرد عليها بشكل عام للاختصار المناسب للبحث.
يعدّ المذهب السلفي من أبرز المذاهب الإسلامية التي ذهبت إلى حرمة التقنين ـ إلى يومنا هذا ـ والإلزام بالراجح، واستدلوا بالقرآن والسنّة والإجماع، وأنّ تقنين الأحكام الشرعيةوإلزامالقضاةبالحكمبهاهوخلافماعليهالإجماعالعمليللقرون المفضلة(٦٢).
ويمكن الرّد على أدلة حرمة التقنين بنحوين:
الأوّل: الرّد حلّا ً:
فقد استدل القائلون بحرمة التقنين بالأدلة الآتية:
١. القرآن الكريم:
قولُ الله تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}(٦٣)، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}(٦٤)، وآيات أُخر.
والقِسْطُ والعَدْلُ أنْ يَحكمَ القاضي بما يَدينُ اللهَ به مِنَ الحقِّ، لا بما أُلزِمَ به مِن تَقنينٍ قد يرى الحقَّ بخلافِه.
قال الشافعي: (فأعلم الله نبيّه أنَّ فرضاً عليه وعلى مَن قبله والناس إذا حكموا أنْ يحكموا بالعدل، والعدل اتباع حكمه المنزل)(٦٥).
وقال البراك: (والتقنين إنما هو إلزامٌ بالتقليد، ويكون كثيراً في أقوال مرجوحة)(٦٦).
ويمكن ردّه: بأنّ الاستدلال بالآيتين ليس بصحيح؛ لأنّ الآية الأولى خطاب للرسول e للحكم بين أهل الكتاب وتخيّره بين الحكم بينهم وبين الإعراض عنهم، وهو مختصّ بالحكم لا التشريع. وأما الآية الأخرى فهي أجنبية عما نحن فيه؛ لأنها في مقام بيان مفترض الطاعة، وهو (الله ورسوله وأولي الأمر). نعم، تصح دليلاً إذا كتب القانون على الأهواء والمصالح كبعض أحكام قانون الأحوال الشخصية العراقي النافذ؛ لذا تصدّى له فقهاء الأمة وطالبوا بإلغائه.
وأما التقنين بتدوين الأحكام الشرعية الثابتة من الكتاب والسُنَّة وغيرهما من الأدلة فيعدّ رجوعاً وإطاعة لله ورسوله وأولي الأمر الذين فرض الله علينا طاعتهم فهي تثبته ولا تنفيه.
٢. السُنَّة الشريفة:
قال رسول الله e: (القضاةُ ثلاثةٌ: واحدٌ في الجنةِ، واثنانِ في النارِ، فأمَّا الذي في الجنةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الحقَّ فقَضَى به، ورجُلٌ عَرَفَ الحقَّ فجارَ في الحكمِ فَهُوَ في النارِ،
ورجُلٌ قَضَى للناسِ على جَهْلٍ فَهُوَ في النَّارِ)(٦٧).
ويردّ عليهم بأنّ الرواية وإنْ كانت معتبرة عندهم، قال ابن حجر: أخرجه الأربعة، وصحّحه الحاكم، وقال: (صحيح الإسناد)(٦٨). واستدرك عليه الألباني في الإرواء، وقال: (عزا الحافظ ثم السيوطي في (الجامع الصغير) هذا الحديث للسنن الأربعة. ولم أرَه عند النسائي في الصغرى ... فيحتمل أنه في الكبرى)(٦٩)، وهو كذلك، وعندنا أيضاً مع اختلاف بعض الألفاظ إلّا أنّها خارجة موضوعاً حيث إنّها واردة في صفات القاضي وحكمه؛ وبهذا استدل النووي على أنّ القاضي لا بُدَّ أن يكون عالماً بالأحكام، فلا علاقة لها بالتقنين وتدوين الأحكام الشرعية.
٣. الإجماع:
قال ابن تيمية: (وأجمَعَ العلماءُ على تحريم الحكم والفتيا بالهوى، وبقولٍ أَوْ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ ويجبُ العملُ بمُوجبِ اعتقادِه ... إجماعاً)(٧٠). وقال أيضاً: (قال الشافعي: أجمع الناس على أنّ من استبانت له سُنة رسول الله e لم يكن له أن يدعها لقول أحد)(٧١).
وقالالخطيب البغدادي:(والدليل عليهأنَّ الصحابةأجمعت علىجوازِ الأخذِ بكلِّ واحدٍ من القولين، وعلى بُطلانِ ما عدا ذلك...)(٧٢).
و قال ابن تيمية: (إنَّ إلزَامَ النَّاسِ بما لَمْ يُلزِمهُم بهِ اللهُ ورسُولُهُ ... والحكمُ بهِ باطلٌ بإجماعِ المسلمينَ)(٧٣).
وقالت هيئة كبار العلماء: (إنّ تقنين الأحكام الشرعية وإلزام القضاة بالحكم بها هو خلاف ما عليه الإجماع العملي للقرون المفضلة)(٧٤).
والرد على الإجماعات المذكورة:
١. أمّا الإجماع الذي ذكره ابن تيمية في تحريم الحكم بالهوى فهو يدلّ على وجوب الحكم بالنظر والاجتهاد، وأن يحكم باجتهاده، إنْ ثبت الإجماع، وحينئذٍ فهو يصحّ أن يكون دليلاً على إلزام القضاة المجتهدين باجتهاد غيرهم أو بالأحكام الوضعية التي لا تستند إلى الأحكام الشرعية الإسلامية والتدوين إن كان بمذهب معين أيضاً، ولا يصح دليلاً على تدوين القوانين من الأحكام الشرعية، وترك القاضي واجتهاده في المسائل الخلافية إنْ كان مجتهداً.
وأمّا ما استدلوا به من الإجماع العملي للقرون المفضلّة فهو صحيح، وهذا ما أكده السيد محسن الحكيم S في اعتراضه على قانون الأحوال الشخصية العراقي وسمّاه سيرة المسلمين، ويصحّ أن يكون دليلاً على التدوين بمذهب معين، وإلزام القاضي المجتهد به، ولا يصحّ الاستدلال به إنْ كان القاضي مقلِّداً، أو عاميّاً، أو أنَّ التدوين يخصّ الثابت والمتواتر من الكتاب والسنة, والقانون لا يخالف حكماً شرعياً.
٢. وأمّا الإجماع الذي ذكره الشافعي فيصحّ الاستدلال به على أهل الحداثة وتدوين القوانين من الشرائع الأُخر وعلى الهوى والمصالح، وكذا على القاضي الذي علم بالحكم الشرعي وحكم بغيره، ولا يصحّ دليلاً على تدوين الأحكامالشرعية وصياغتهافي قوانين.
٣. وأمّا الإجماع الذي ذكره الخطيب البغدادي فهو على إحداث أقوال مقابل ما نقل من أقوال الصحابة، فلا علاقة له بتدوين الأحكام الشرعية الثابتة من الصحابة، ولا يصحّ دليلاً على تدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين.
وأمّا الإجماع الذي ذكره ابن تيمية بقوله: (إنَّ إلزَامَ النَّاسِ بما لَمْ يُلزِمهُم بهِ اللهُ ورسُولُهُ) فهو للقاضي الذي يحكم بغير ما أنزل الله سبحانه. وهذا حرام لا إشكال فيه عند المسلمين، ولا يصحّ دليلاً على حرمة التقنين الذي هو تدوين الأحكام الشرعية الثابتة بالدليل وأنّها حكم الله ورسوله.
الآخر: الردّ على حرمة التقنين نقضاً:
إنّ تدوين الأحكام الشرعية ممّا حثّ الرسول والأئمة عليه، وهومن فعله وفعلهم صلوات ربي عليه وعليهم؛ فتدوين الأحكام أمرٌ واقع كما في تدوين الصحيفة التي نقل أنها من إملاء رسول الله e على أمير المؤمنين علي g، وورثها أهل بيته i، فقد تحدّث عنها أئمة أهل البيت، وشاهدها بعض من ثقات أصحابهم، ورووا عن الصحيفة التي كتبها الإمام علي g في الفرائض والديّات وأرش الخدش.
ولا ينحصر التدوين بالصحيفة، بل كانت هناك صحائف أخر وأذكر منها:
وعن سليمان بن خالد مثله(٧٦) وعن عمر بن أبان مثله(٧٧). وبهذا المضمون روايات كثيرة رواها الصدوق والكليني والطوسي وغيرهم من أعلام الشيعة في كتبهم.
٢. وقد أخذ العامة من هذه الصحيفة كالبخاري(٧٨)، ومسلم(٧٩)، وأحمد بن حنبل(٨٠) في كتبهم وغيرهم من أعلامهم.
٣. صحف أُخر مدّونة منها صحيفة أبي رافع المدني (ت ٣٥ هـ)، وقال النجاشي: (ولأبي رافع كتاب السنن والأحكام والقضايا)(٨١)ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها(٨٢). وصحيفة سعد بن عبادة الأنصاري (ت ١٥هـ). ويرى البخاري أنّ هذه الصحيفة كانت نسخة من صحيفة عبد الله بن أبي أوفى الذي كان يكتب الأحاديث بيده وكان الناس يقرءون عليه ما جمعه بخطه(٨٣). وصحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري ذكرها ابن سعد في طبقاته(٨٤)، وعبدالرزاق في مصنّفه(٨٥)، والذهبي في تذكرته(٨٦)، وروى مسلم في صحيحه أنها كانت في مناسك الحج، ويحتمل أن يكون فيها ذكر حجة الوداع التي ألقى فيها رسول الله e خطبته الجامعة، والتي عيّن فيها عليّاً g وصيّاً وخليفة وإماماً للناس بعده(٨٧).
٤. قال السيوطي في تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: (اختلف السلف) من الصحابة والتابعين (في كتابة الحديث فكرهها طائفة) ... (وأباحها طائفة) وفعلوها منهم عمر، وعلي، وابنه الحسن، وابن عمرو، وأنس، وجابر، وابن عباس، وابن عمر أيضاً، والحسن، وعطاء وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز. وحكاه عيّاض عن أكثر الصحابة والتابعين، منهم: أبو قلابة، وأبو المليح ومن ملح قوله فيه: يعيبون علينا أنْ نكتب العلم وندونه... (ثم أجمعوا) بعد ذلك (على جوازها) وزال الخلاف. قال ابن الصلاح: ولولا تدوينه في الكتب لدُرِس في الأعصر الأخيرة)(٨٨).
النتيجة:
٢. التقنين أمرٌ مستحدث والفرق بينه وبين التدوين الإلزام والجزاء ـ كما بيّنا ـ، كما أنّ التدوين جائز ومستحب؛ لعدم الإلزام، وأمّا التقنين فعلى القول بعدم الفرق بينه وبين التدوين فيأخذ حكمه، وأمّا على القول بالفرق بينه وبين التدوين، وأنّه أمر مستحدث ـ وهو الصحيح ـ فيكون المانع الفقهي والشرعي منه هو التقييد بمذهب معين، وإلزام القضاة المجتهدين به كما ذكروا في أدلّة حرمته، ولذا سنبحثه في المقصد الثاني.
المقصد الآخر: دراسة فقهية في التقييد بمذهب معين أو الراجح من الأقوال أو مشهورها، وإلزام القضاة به:
إنّ التقنين هو تدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين أو مواد قانونية ملزمة، ويترتب على مخالفتها الجزاء، ويلزم منه التقييد بمذهب معيّن أو القول الراجح أو المشهور، وإلزام القضاة به، وهذا هو المانع الفقهي الشرعي من تقنين وتدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين، ولذا سنبحثه في فرعين:
الأوّل: آراء المذاهب الفقهيّة في التقييد بمذهب معيّن أو القول الراجح أو المشهور، و إلزام القضاة به.
والآخر: معالجة التعارض بين المذاهب الفقهيّة في تقنين وتدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين.
الفرع الأوّل:
أوّلاً: المذهب الجعفري: تقييد الحكام والقضاة بمذهب أهل البيت وهو الحقّ الذي يجب التشريع منه والحكم به، ولا يجوز الحكم بالمذاهب المخالفة إلّا للتقية والإكراهماعدا الدماءوالفروج؛ لماورد عنابن إدريسالحلي(٨٩)وأبي الصلاح الحلبي(٩٠) والمحقّق الحلّي(٩١)والعلّامة الحلّيفي التذكرة(٩٢)وفي الإرشاد(٩٣)والشهيد الأول(٩٤) والمحقّق الأردبيلي(٩٥) والشهيد الثاني(٩٦) والفاضل الهندي(٩٧) وغيرهم مع اختلاف عباراتهم بل لا خلاف أجده بينهم: لا يجوز لمن يتولّى الفصل بين المختلفين والقضاء بينهم أن يحكم إلّا بموجب الحقّ، ولا يجوز له أن يحكم بمذهب أهل الخلاف.
أقول: يستفاد من كلمات الأعلام الإجماع على التقييد بمذهب أهل البيت i والحكم به؛ لأنّه الحقّ، والمدار في الحكم على الحكم بالحقّ إلّا في حال التقية والاضطرار فجوزوا الحكم بمذاهب أهل الخلاف، وكلامنا ليس في حال الاضطرار والتقية الذي فيه تفصيل: على النفس لا كلام فيه، وعلى الغير فيه مناقشة بضعف أسانيد الروايات من جهة، وعدم دلالتها على المطلوب من جهة ثانية. وأمّا مع عدم التقية والاضطرار كما نحن فيه، فالتقييد بمذهب أهل البيت i، ولا يجوز للقاضي الحكم بمذاهب أهل الخلاف، لا تشريعاً، ولا تطبيقاً.
تنبيه: يمكن أن يقال: إنَّ الحكم بالحقّ من القرآن والرسول محمد e، فيمكن الحكم والاستنباط من القرآن والرسول e من دون الأخذ من أهل البيت i أو الأخذ منهم من دون اعتناق مذهبهم، فهل يصحّ ذلك؟ خصوصاً أنّ ما استدلوا عليه من وجوب الحكم بمذهب أهل البيت يمكن المناقشة فيه والاستدلال ضده وأنّ الطاغوت من يحكم بغير الحقّ مبالغة من الطغيان، وأمّا من يحكم بالكتاب وما ثبت عنده من السنة باجتهاده المطلق ويقضي بالبينات والأيمان لا نستطيع القول: إنه يحكم بغير الحقّ. نعم، وردت روايات عن أهل البيت i في المنع من التحاكم لغير العارف بأحكامهم والذي لا يحكم بحكمهم وما إلى ذلك، منها ما عن أمير المؤمنين g (كل حَكَمٍ حَكَمَ بغير قولنا أهل البيت فهو طاغوت)(٩٨)وهذه الرواية صريحة بالحكم بقول أهل البيت i، وكذا رواية أبي خديجة وغيرها كلها تشير إلى أن الحكم والقضاء بالحقّ هو حكم أهل البيت i، ولا خلاف ولا نقاش في ذلك، إنّما الذي أريد أن أقوله وأناقش فيه: هل يستوي الاجتهاد في مذهب أهل البيت i في زمان الغيبة مع الاجتهادات في المذاهب الأُخر؟
والجواب: أنَّ هذا خلط واضح؛ لأنّ اجتهاد فقهاء أهل البيت i في تحصيل أحكامهم واتّباع رواياتهم وقواعدهم التي أسّسوها لهم، والقواعد الأصولية من نور فيضهم F، وقد أذنوا بل أوجبوا على أتباعهم الرجوع إليهم، وأمّا اجتهاد غيرهم فهو اجتهاد مع وجود النصّ وفي مقابلهم ، وأنّ المخالفين لهم وسّعوا المدارك إلى ما يشمل القياس والرأي والاستحسانوسدّ الذرائع وغيرها، وقدذمّها أهل البيت i ولم يقبلوها كأدلة للحكم الشرعي، فهي باطلة عندهم بل صرَّح الأئمة i أنّ الرشد خلاف فتاواهم. والله سبحانه وتعالى يقول: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلَالاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ}(٩٩).
ثانياً: المذاهب الفقهية الأربعة: فقد أجمعوا على عدم جواز تدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين وإلزام القضاة بها من مذهب معين أو بالقول الراجح، فقد تقدَّم في المبحث الأول نهي (مالك) تدوين كتابه الموطّأ ليحكم به، وكذا علماء الأزهر.
ولنستعرض آراء المذاهب وعلى النحو الآتي:
١. المذهب الشافعي: لا يجوز تقييد القضاة بمذهب معيّن يرتضيه الخليفة، لما ورد عن النووي(١٠٠) والماوردي(١٠١)، ولا يجوز أن يعقد تقلّد القضاء على أن يحكم بمذهب بعينه لقوله a: {فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}(١٠٢) والحقّ ما دلّ عليه الدليل، وذلك لا يتعيّن في مذهب بعينه، فإن قلّد على هذا الشرط بطلت التولية؛ لأنّه علّقها على شرط، وقد بطل الشرط فبطلت التولية.
٢. المذهب المالكي: تقييد القاضي المجتهد بمذهب معين:
أما العقد فغير جائز وينبغي فسخه وردّه، أو التولية صحيحة جائزة والشرط باطل. ونسب للمازري الجواز مع الاضطرار، أي جواز تقيّد القاضي بمذهب معيّن إذا كان مقلّداً، ولا يحرم ذلك لما ورد عن مالك(١٠٣) وابن الحاجب: (وللإمام أن يستخلف من يرى غير رأيه في الاجتهاد أو التقليد، ولو شرط الحكم بما يراه كان الشرط باطلاً والتولية صحيحة... هكذا نقله الطرطوشي عن الباجي، وهو جهل عظيم منهم، يريد لأنّ الحقّ ليس في شيء معين، وهذا القول عمل بمقتضى السياسة، ومقتضى الأصول خلافه، والمشروع اتّباع المجتهد مقتضى اجتهاده)(١٠٤).
٣. المذهب الحنفي: المجتهد يعمل باجتهاده إلّا إذا وجد أفقه منه فاختلفوا في جواز الرجوع إلى الأفقه، ولا يقيّد بمذهب معيّن وإن كان الحكام نصبوا الحنفية للقضاء حتى وصل القول بأنّ عيسى بن مريم يحكم بمذهبهم ولكن لا يصحّ إلّا الصحيح؛ ولذا صرّح عقلاء المذهب ومجتهدوه بأنّ المجتهد إذا اجتهد في واقعة بحكم يمتنع عليه تقليد غيره فيها اتفاقاً، وأمّا المقلّد إن عرف أقوال الفقهاء وحفظها على الاختلاف والاتفاق حكم بما يعتقد قوله حقّ، وإن لم يحفظها عمل بفتوى أهل الفقه في بلده، وإن لم يكن إلا فقيه واحد يسعه العمل به. وهذا يعني حتى المقلّد لا يقيّد بمذهب معيّن، لما ورد عن ابن عابدين(١٠٥)، وأبي بكر الكاشاني(١٠٦):
٤. المذهب الحنبلي: لا يجوز أن يُقلّد القضاء لواحد على أنْ يحكم بمذهب بعينه، والحقّ لا يتعيّن في مذهب، وأما المقلّد ففيه اختلاف وتفصيل، فقالوا بعدم جواز حكم المقلِّد بغير مذهب مقلَّده. وذهب الماوردي وغيره إلى جوازه. وقيل بالتفصيل بين المتبحر وغيره، وتقدَّم أنَّه يراعي ألفاظ إمامه ومتأخّرها ويقلِّد كبار مذهبه في ذلك. وإن حكم بغير مذهب إمامه فإن كان قد ولّي على أن يحكم بمذهب معين لم ينفذ حكمه لقصور ولايته؛ لما ورد عن عبد الله بن قدامة(١٠٧)، والشافعي الصغير(١٠٨)، والبهوتي(١٠٩).
وقد تحصّل ممّا ذكرنا: أنّ تقييد القضاة بمذهب معيّن وإلزامهم به يختلف باختلاف المذاهب:
١. أمّا المذهب الجعفري فبالإجماع على التقييد بمذهب أهل البيت i والحكم به؛ لأنَّه الحقّ، والمدار في الحكم على الحكم بالحقّ وتقييد الحكام والقضاة بمذهب أهل البيت وهو الحقّ الذي يجب أخذ التشريع منه والحكم به، ولا يجوز الحكم بالمذاهب المخالفة إلّا للتقيّة والإكراه ماعدا الدماء والفروج. ويشمل استنباط الأحكام الشرعية من المجتهدين من فقهاء أهل البيت i.
٢. وأمّا المذاهب الفقهية الأربعة فآراؤهم متّفقة على أن المجتهد المطلق لا يجوز أن يعقد تقلّد القضاء على أن يحكم بمذهب بعينه، لقوله a: {فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}(١١٠)، والحقّ ما دلّ عليه الدليل، وذلك لا يتعيّن في مذهب بعينه، وابن الحاجب يقول: (لأنّ الحقّ ليس في شيء معيّن)(١١١). والمقلّد فيه خلاف وتفصيل، قيل: بجواز تقييده بمذهبه، وقيل: بعدم الجواز، وقيل: بالتفصيل بين كونه متبحّراً فلا يجوز، وغير المتبحر فيجوز تقييده على أن يحكم بمذهبه. وعلى قول الأصوليين: إنّ المجتهد إذا اجتهد في واقعة بحكم يمتنع عليه تقليد غيره فيها اتّفاقاً، لما ذكره أعلامهم أعلاه.
سؤال: إذا كان الحقّ ما دلّ عليه الدليل، والحقّ لا يتعيّن في مذهب بعينه؛ فهل يجوز الحكم بمذهب أهل البيت i عندهم أو لا؟
الجواب: أذكر جواب اثنين من أعلامهم لحصر الحقّ في المذاهب الأربعة ونقل الإجماع على ذلك؛ فيخرج مذهب أهل البيت i عنها:
أحدهما: ابن عابدين بقوله: (المراد بالفقه ما يشمل مذهبنا وغيره، فإنّه بهذا المعنى لا يقبل الزيادة أصلاً، فإنّه لا يجوز إحداث قول خارج عن المذاهب الأربعة)(١١٢).
والآخر: البهوتي بقوله: (لكن في الإفصاح أنَّ الإجماع انعقد على تقليد كلّ من المذاهب الأربعة وأنّ الحقّ لا يخرج عنهم)(١١٣).
٣. السلفية: حرمة التقنين والإلزام بمذهب معيّن أو بالراجح من الأقوال، واستدلوا بالقرآن والسنّة والإجماع وأنّ تقنين الأحكام الشرعية و إلزام القضاة بالحكم بها هو خلاف ما عليه الإجماع العملي للقرون المفضلة.
الفرع الآخر: معالجة التعارض بين المذاهب الفقهية في تقنين الأحكام الشرعية وتدوينها:
إنّ تدوين الأحكام الشرعية مستحب شرعاً؛ لما ورد من إجازته، بل أمره e بالكتابة والصحفالتي ذكرناهاوالأحاديث المتكثرةفي حثّه e علىالكتابة، وفعله e وفعل أمير المؤمنين وابنه الحسن h ومجموعة من الصحابة، فهل يتعارض هذا الاستحباب مع تحريم المذاهب الفقهية والسلفية له؟ وهل يمكن الخروج بأطروحة صالحة لولادة مشروع قانون إسلامي شرعي بجميع فروعه ولجميع المذاهب الفقهية وخصوصاً في الأحوال الشخصية ؟
الجواب: لا تعارض بينهما؛ لأنّ المستحب الذي فعله رسول الله e وحثّ عليه وفعله الأئمَّة والصحابة هو تدوين الأحكام الشرعية الثابتة من الله ورسوله، والذي لم تجوّزه المذاهب الفقهية الأربعة والسلفية هو تدوين وتقنين الأحكام الشرعية من مذهب معيّن أو بالقول الراجح، وإلزام القضاة المجتهدين به، ولذا يكون التعارض بينهم وبين الفقه الجعفري في التدوين بمذهب معيّن؛ لأنّ الفقه الجعفري يدّعي أنّ الحقّ في مذهبه، والمذاهب الأخرى تدّعي أنّ الحقّ لا يخرج عنها، فهل يمكن معالجة التعارض والخروج بأطروحة صالحة لولادة مشروع قانون إسلامي شرعي بجميع فروعه ولجميع المذاهب الفقهية وخصوصاً في الأحوال الشخصية؟
والجواب عن ذلك يمكن أن نبحثه في موضوعين:
الأوّل: المقصود من الحكم بالعدل.
لا خلاف بين المسلمين في وجوب الحكم بالحقّ وبما أنزله الله تعالى: {فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}(١١٤)، فالحكم بالعدل ليس إلا الحكم بالحقّ المأمور به، فقد يصدق على الحكم بالواقع، وهو حكم بالحقّ أو أن الحكم بالعدل أعمّ ممّا ذكر، فكلّ حكم بالحقّ حكم بالعدل دون العكس.
ويمكن أنْ يقال:إنّ الحكمبالعدل موردهالأحكام الحكوميةوالنظامية التييحكم بها الـحاكم حـسب ماتـقـتضيه إدارةالنظـام ومصالحـه،وأمّـا مايتعلّـق بحقـوقالنـاس والمـاليّـات
ممّا يقع فيه بينهم التنازع والتخاصم، فالحكم فيه يجب أن يكون حكماً بالحقّ.
و يمكن أن يجاب عليه أيضاً بأنّ ما هو الواجب في مقام القضاء هو الحكم بالعدل لا الحكم بالواقع؛ لأنّه يحتاج إلى العلم بالغيب وإعماله ممّن كان عنده بإذن الله تعالى. والحكم بالعدل يتحقّق بحكم القانون والقواعد القضائية، وبأحكام الله الحقّة، فالحكم بالواقع حكم بالحقّ بكلا معنييه وإنْ كان الحاكم غير عالم بكونه حكماً بالواقع، ويجوز أن يكون المراد من قوله تعالى خطاباً لداود: {فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}(١١٥) الحكم بالواقع.
هذا بالنسبة إلى الحكم الكلي والقوانين التي يحكم بها بين الناس، وأمّا فضّ النزاعات والخصومات،وتطبيق الحكمبين الناس عملياً فيظهرمما رويعن رسول الله e من قوله: (إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان)(١١٦)، وفيه إشارة وتوطئة لبيان أنّه لا يقضي بعلمه بالواقعيّات، بل يقضي كغيره بالبينات والأيمان في الموضوعات الخارجية(١١٧). وأنّ الحكم بالحقّ يصدق على ما وصل إليه المجتهدون على حسب الموازين التي قررها النبي وأهل بيته i، واختلاف المجتهدين بسبب اختلاف الموازين التي قرّرها صاحب الشرع لمعرفة الأحكام غير قادح في كون الجميع ممّا أنزل الله تعالى شأنه من الحكم، فإن ظنيّة الطريق لا تنافي قطعية الحكم كما قرّر في محلّه(١١٨).
الموضوع الآخر: منصب القضاء شرعاً.
لا شكّ في أنّ آليّة تدوين الأحكام الشرعية بقوانين تتوقف على معرفة منصب القضاء شرعاً؛ لأنّ المنصب إذا انحصر بالقاضي المجتهد المطلق فلا داعي للتدوين ولا مبرر له؛ لأنّ كلّ مجتهد مطلق يحكم برأيه ويحرم عليه تقليد غيره في الفتوى فضلاً عن القضاء لما ثبت في الأمر الأول وعليه تكون الرسالة العمليّة لكلّ مجتهد هي القانون الذي يحكم به. وإنْ كان منصب القضاء للمجتهد المطلق وغيره فتدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين أمرٌ ضروريٌ وحاجةٌ ماسة له فما هي آراء المذاهب الفقهية الإسلامية في منصب القاضي؟ وكيف يمكن تجويز إطلاق القاضي على الفاسق من القضاة في زماننا؟
وهذه الفقرة تتناولها نصوص الدستور، وفي هذا البحث أتناول آراء المذاهب الفقهيّة لا بوصفها نصّاً دستورياً، وإنّما بمقدار ارتباطها بالبحث، والنتائج التي تتوقف عليها في البحث الفقهي.
أوّلاً: الفقه الجعفري ومنصب القاضي.
والقدر المتيّقن منه (المجتهد المطلق)، وأمّا بالنسبة إلى غيره فنقول: تارة يقال بأنّ حكم الحاكمموضوع للنفوذووجوب الامتثال،وأخرى يقالبأنّه بيانلحكم الإمام g, فيكون كناقل الحكم، فبناء على الثاني ينفذ حكمه سواء كان مجتهداً مطلقاً أم متجزئاً أم مقلداً.
وعلى الأول يكون لحكمه موضوعية، فيتوقف جواز الرجوع إلى المقلد والمتجزئ ونفوذ حكمهما على حجّة شرعية، ومع الشكّ فالأصل عدم النفوذ.
وآراء فقهاء الإمامية في ذلك يمكن حصرها في ثلاث:
الرأي الأوّل: ما هو المشهور بين الفقهاء ـ بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه ـ من أنّ منصب القضاء للمجتهد المطلق الجامع للشرائط، ولا يحلّ لفاقدها أو بعضها تولي منصب القضاء حتى لو كان مجتهداً متجزئاً فضلاً عمّن دونه، منهم: الشيخ المفيد، وظاهر ابن إدريس(١١٩)، والمحقّق الحلي(١٢٠)، والفاضل الآبي(١٢١) والمحقّق الأردبيلي(١٢٢) والعلّامة في تذكرة الفقهاء(١٢٣)، والشهيد الثاني(١٢٤)، و السيد الخوئي(١٢٥)، والسيد محمد باقر الصدر(١٢٦)، والسيد عبد الأعلى السبزواري(١٢٧)، والسيد محمد محمد صادق الصدر(١٢٨)، والشيخ محمد إسحاق الفياض(١٢٩). واستدل بعضهم بالروايات والإجماع القطعي، بل الضرورة، وأنّ علماء الإمامية ومجتهديهم في جميع الأعصار والأمصار كانوا يباشرون القضاء والحكم بين الناس، ولا أحد منهم أنكر عليهم، فكان ذلك إجماعاً مستفاداً من السيرة مفيداً للقطع بالحكم، بل إجماع فقهاء الإسلام كما سيتضح.
نعم، قد يناقش في انحصاره به، وفي شموله للمتجزئ أو المقلد كما سيأتي في محله. ومع ذلك يرد عليهم بعض الإشكالات:
منها: دلالة المقبولة والمشهورة وغيرهما على العارف بأحكامهم، فهل يصدق على المجتهد المنسد عليه باب العلم والعلمي ـ بناءً على الحكومة ـ ومن رجع إلى الأصول العملية العقلية؟
الجواب: نعم، بناء على الكشف لا على الحكومة يصدق عليه أنّه عارف بحلالهم وحرامهم، كالمجتهد الذي قامت عنده الأمارة فيكون مشمولا للمقبولة(١٣٠). والمراد بحكمهم احترازاً من أن يحكم بحكم المخالفين، أو أهل العرف، أو بحكم العقل، أو بحكم السلطان.
الرأي الثاني: ما عن الشيخ الأنصاري من أنّه: (لا فرق بين المجتهدين المطلق والمتجزئ على الأقوى وفاقاً للمصنف والشهيدين وغيرهم)(١٣١).
أقول: المقصود بالمصنف (العلامة الحلي)(١٣٢)، والشهيدين (الأول) في الدروس(١٣٣)، وأمّا الشهيد (الثاني) فلم يثبت لي قوله بالجواز للمتجزئ، حيث إنه قال في الروضة: (والاجتهاد في الأحكام الشرعية وأصولها)(١٣٤) فكلامه وإنْ كان مطلقاً إلّا أنّا لا نستطيع أن نستظهر شموله للمتجزئ خصوصاً بعد تصريحه في المسالك حيث قال: (والمراد بكونه عالماً ... كونه مجتهداً مطلقاً، فلا يكفي اجتهاده في بعض الأحكام دون بعض على القول بتجزّئ الاجتهاد)(١٣٥)، وقال المحقق السبزواري في كفاية الأحكام: (وكيفما
كانفمع تيسّرالمجتهد المطلقلا يكفيالمتجزّئ؛ لمادلّ علىتقديم قول الأعلم)(١٣٦). والشيخ حسين العصفور في اللوامع(١٣٧) حيث عدّ مقام العلماء في عصره من قبيل الاجتهاد المتجزئ، ولذا جوّزه.
وملخّص القول: إنّ الاختلاف في جواز القضاء للمتجزئ يرجع إلى أمرين:
أحدهما: في المقصود بالمتجزئ، فمن جوّزه يريد المعنى الذي قيّده الشيخ الأنصاري، وهذا عند من منع مجتهدٌ مطلقٌ وليس متجزئاً كما يظهر من أقوالهم.
والآخر: الأدلة على جواز تولّي المتجزئ للقضاء.
استدل الشيخ الأنصاري S بالأدلة الآتية:
١. الظاهر بل المقطوع أنّ المنصوبين في زمن النبي e وأمير المؤمنين g لم يكن لبعضهم ملكة استنباط جميع المسائل، وإطلاق بعض أدلة النصب في حال الغيبة كما سيجيئ.
٢. الرد على الإجماع المنسوب للشهيد الثاني بما ذكره الشيخ الأنصاري: (الإجماع في المقامعلى اعتباركون القاضيمجتهداً محلنظر يظهرلمن لاحظعبارة المسالك...الخ)(١٣٨).
٣. رواية أبي خديجة: (ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضياً)(١٣٩), وهي عمدة الأدلة على تولي المتجزئ للقضاء لأنها واضحة الدلالة على كفاية العلم ببعض أحكامهم F أو قضائهم في رواية أخرى.
والكلام فيها يقع في أمرين:
أحدهما: ضعف السند, ويظهر من بعضهم أنّ ضعف سندها بمعلّى وأبي خديجة، وأجاب الشيخ الأنصاري بقوله: (وأما الكلام في سند المرفوعة، فحقيق بالإعراض عنه بعد إطلاق المشهورة عليها، وركون المشهور إليها ولو في غير المقام بل في المقام ...إلخ)(١٤٠).
أقول: الرواية منجبرة بالشهرة العظيمة لروايتها، حتى أنّ الأصحاب سمّوها بمشهورة أبي خديجة، ولذا يقول في المسالك عنها وعن مقبولة ابن حنظلة: (وفي طريق الخبرين ضعف، لكنهما مشتهران بين الأصحاب، متفق على العمل بمضمونهما بينهم، فكان ذلك جابراً للضعف عندهم)(١٤١).
وأفاد السيدالخوئي S: (بأنّالرواية ليستضعيفة بعدتوثيق النجاشي، وتضعيف الشيخ (الطوسي) لا يمكن الأخذ به في نفسه في المقام، فتوثيق النجاشي ومدح ابن فضال يبقى بلا معارض، فالرواية صحيحة)(١٤٢).
والآخر: دلالة الرواية على تولي المتجزيء للقضاء؛ وذلك..
أوّلاً: إنَّ (من) للتبعيض؛ لأنّ المفرد إذا وقع بعد (من) مضافة للجمع تفيد التبعيض لا البيان.
وثانياً: مقبولة عمر بن حنظلة لا معارضة ولا مقيدة لها؛ لعدم التنافي بينهما ـ بناءً على إفادة الجمع المضاف للعموم ـ؛ لأنّ المقبولة واردة في مقام بيان المرجع وتعريفه،
فالقيود فيها احترازيّة.
وثالثاً: الرواية تدل على القاضي المنصوب ابتداءً لا قاضي التحكيم؛ لأنّ المشهور يعدُّ (العلم) لإخراج المقلّد ولمناسبة الحكم والموضوع ولصريح كثير من المجتهدين بأن دلالتها تامة على القاضي المنصوب. فالرواية دالة على الاجتهاد خلافاً للسيد الخوئي(١٤٣).
أقول: ولكن ذكر الشيخ الأنصاري في رسائله ما لفظه: (فالتأمل في الخبر المخالف للمشهور إنّما هو إذا خالفت الشهرة نفس الخبر، لا عمومه أو إطلاقه، فلا يتأملون في عمومه إذا كانت الشهرة على التخصيص)(١٤٤). والحال أنّ الشهرة مخالفة لإطلاق الخبر، فليتأمل.
الرأي الثالث: ما عن صاحب الجواهر في منصب القاضي:
وهو جوازتولي القضاءلكل مؤمنعارف بالأحكامولو تقليداًبشرط الحكم بالحقّ.
قال S: (إنّ المستفاد من الكتاب والسنة صحة الحكم بالحقّ والعدل والقسط من كل مؤمن. كقوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}(١٤٥) و{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا}(١٤٦) والنصوص البالغة بالتعاضد أعلى مراتب القطع الدالة على أنّ المدار الحكم بالحقّ الذي هو عند محمّد وأهل بيته i، كقول الصادق g: (القضاة أربعة، ثلاثة في النار وواحد فيالجنة ...ورجل قضىبالحقّ وهويعلم فهوفي الجنة).وخبر أبيخديجة عنه g: (إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجلٍ منكم يعلم شيئاً من قضايانا...) بناءً على إرادة الأعمّ من المجتهد، بل لعلّ ذلك أولى من الأحكام الاجتهادية الظنيّة. وفي خبر عبد الله بن طلحة ـالوارد في اللص الداخل على المرأة وقتل ولدها وأخذ ثيابها ـ عن الصادق g حيث أمر السائل بالقضاء بينهم بما ذكره الإمام. ولعلّ غيره أيضاً كذلك، فدعوى قصور من علم جملة من الأحكام مشافهة أو بتقليد لمجتهد عن منصب القضاء بما علمه خالية عن الدليل.
وحينئذٍ فتظهر ثمرة ذلك بناءً على عموم هذه الرئاسة أنّ للمجتهد نصب مقلِّده للقضاء بين الناس بفتاواه التي هي حلالهم وحرامهم i، فيكون حكمه حكم مجتهده، وحكم مجتهده حكمهم i، وحكمهم i حكم الله تعالى شأنه، والرّاد عليه رادّ على الله تعالى)(١٤٧).
ويمكن الرّد على أدلته:
بأنّ إطلاق الآيتين اللتين ذكرهما S ممنوعٌ؛ لإهمالهما وورودهما في مقام بيان حكم آخر. ولو سلّمنا الإطلاق القابل للاستدلال بأنّ المأمور بالحكم هو الذي كان عالماً بالحقّ وبما أنزل اللَّه تعالى في الشبهات الموضوعية التي هي محل استعمال القاضي للبينة والأيمان(١٤٨).
وأمّا الروايات الدالة على أن المدار الحكم بالحقّ فالأُولى مرفوعة، ودلالتها قاصرة عن المدعى، والثانية ـ بعد القول بحجيتها وتمام سندها ودلالتها فقد أثبتنا دلالتها ـ على خصوص الاجتهاد، لا الأعم من الاجتهاد لتشمل أي مؤمن، والثالثة ضعيفة سنداً؛ لمجهولية عبد الله بن طلحة، ولو تنزلنا عن ضعف السند فالدلالة على المطلوب غير تامّة، إمّا لأنَّها في واقعة خاصة أذن له الإمام بالقضاء فيها، أو لأنّ الإمام اطّلع على الواقعة وقضى بها وأمره بنقل قضائه إليهم، أو ربما يكون المخاطب مجتهداً وأمره الإمام بالقضاء، ويحتمل غير ذلك.
وأمّا قوله: (قد يقال: باندراج من كان عنده أحكامهم بالاجتهاد أو التقليد الصحيحين وحكم بها بين الناس، كان حكماً بالحقّ والقسط والعدل) فالجواب عنه: إنّ المدار على الحكم بالحقّ صحيح، ولكن مَنْ يستطيع أن يحقّق الحكم بالحقّ خصوصاً بين المتنازعين بالأمور المالية؟ وما روي عن رسول الله صلوات ربي عليه وآله قوله: (إنّما أقضي بينكم بالبينات والأيمان)(١٤٩)، ولم يقل أقضي بينكم بالحقّ. نعم، يمكن تحقيق الحكم بالعدل الذي هو أعمّ من الحكم بالحقّ حسب الضوابط والقواعد التي أسّسها رسول الله وأهل بيته i... وأنّى للمقلِّد الاطّلاع عليها ودقّة تطبيقها، وإنْ علم بها فهو ليس بمقلِّد.
وأمّا الإذن منهم؛ لما روي عن الصادق g في خبر سليمان بن خالد: (اتّقوا الحكومة، فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين, كنبي أو وصي نبي)(١٥٠).
فأقول: نعم, لو ثبت الإذن منهم (صلوات الله عليهم) لتصدي المقلِّد للقضاءلوجب علينا القبول والتسليم، ولكنه لوكان لبان. ولو سلم عدم الإذن لما جاز لهم التصدّي قطعاً؛ لأنّ الأصل في إلزام الحكم من شخص على شخص آخر هو المنع؛ وإلزامهبهيحتاجإذنالشارعالأقدس،وقدأذنللنبيومننصبهومنأذنله، فيخرجون عن الأصل؛ لثبوت الإذن, فيبقى من لم يؤذن له داخلاً بالمنع، وهو مَن دون المجتهد كالمقلِّد.
وهنا مسألتان:
(مسألة ١): القضاء من وظائف المجتهد، فهل له تفويض أمره إلى المقلِّد أو لا؟ وعلى فرض العدم، فهل له توكيله في أصل القضاء بجميع مقدّماته أم لا؟
وجوه واحتمالات.
والجواب: يعتمد على بيان مقدّمتين:
الأولى: قابلية المقلِّد للتصدّي له بحسب الحكم الجعلي الإلهي.
والثانية: ولاية المجتهد وسلطنته على إعطائه له.
ومن دون واحدة من المقدّمتين لا مجال لإثبات ذلك.
وما قُرّر عن السيد الخوئي S: (فيما إذا لم يتمكن من ذلك، يجري عليه حكم قاضي التحكيم، فيحكم طبق رأي نظر مجتهد آخر)(١٥١).
فنقول: إنّ المقدمة الأولى فرع إثبات عدم دخل الاجتهاد في أصل موضوع القضاء شرعاً، والمحلّ غير قابل؛ إذ من البديهي أنّ مثل هذه العمومات لا تصحّ للمشرّعية، ولا يثمر في مورد لم يحرز من الخارج قابلية محلّه. وإثبات مثل هذا العموم في غاية الإشكال.
يبقى الكلام في المقدمة الثانية ـ في صلاحية الفقيه لمثل هذا التفويض ـ ويمكن منعه أيضاً باعتبار أنّه ليس من الأمور الحسبيّة التي عُلم من الشارع مطلوبية وجوده، فهو موقوف على ثبوت الولاية العامّة، وأنّ ما للإمام لهم، وهو أيضاً في غاية الإشكال(١٥٢).
أقول: وهذا الكلام لا يصحّ دليلاً للمنع عند من يقول بالولاية للمجتهد المطلق لسببين: الأول: تنصيب أُولي الأمر للفقهاء وجعلهم حاكمين. والآخر: السيرة العملية القطعية، حيث أجاز الفقهاء للمقلِّد الحكم والقضاء بشرط أن يكون الحكم بالحقّ والتمكّن منه خصوصاً للضرورة، ولعدم تعطيل الأحكام والفصل بين المنازعات والخصومات.
(مسألة ٢): هل يجوز توكيل القضاء أو تجويزه لمن لم يكن مؤمناً ولا مقلّداً أو كان فاسقاً كما عليه القضاء في الدول الإسلامية في زماننا؟
الجواب: لا خلاف ولا إشكال في عدم تولّيه منصب القضاء بنوعيه القاضي المنصوب وقاضي التحكيم؛ لأنّه غير قابل للإمامة ولا تقبل شهادته، فلا يجوز له التصدّي للقضاء بطريق أولى، فهذا كلّه خلاف الشريعة المقدّسة، وتسميته بالقاضي تحكّم ظاهر، وتجري على الله عصمنا الله وإيّاكم من منابر أهل الضلال والجور والنار، ولوضوحه لا نحتاج إلى ذكر الأدلة وآراء المذاهب في هذا المختصر.
ثانياً: آراء المذاهب الفقهية الإسلامية الأُخر في منصب القاضي:
٢. وأمّا المذهب المالكي فمع فقد المطلق يقولون بجواز تولي المقلِّد الأمثل، لما ذكره الخطّاب الرعيني بقوله: (وقدرةٌ على الترجيح بين أقاويل أهل مذهبه)(١٥٦).
٣. وأمّا المذهب الحنفي فمع تعذره... فيصحّ تولية العامي... فلا بُدَّ من كون الحاكم في الدماء والفروج عالماً ديناً كالكبريت الأحمر(١٥٧). وهم يجوّزون قضاء المقلِّد ويعدونه فاسداً في نفسه، لما ذكره أبو يوسف(١٥٨)، وابن عابدين(١٥٩).
٤. وأمّا المذهب الحنبلي فقد ادّعى الإجماع، والمفتيلا يجوزأن يكونعامياً مقلِّداًفالحاكم أولى. ونسبإلى بعضهمالقول بجوازتولّي العاميورفضه الأغلب,لما ذكرهابن قدامة(١٦٠).
فالنتيجة في منصب القاضي:
أنّ المجمع عليه أنَّه منصب المجتهد المطلق، وجوّز بعض الإمامية تولّي المجتهد المتجزئ القضاء؛ لصحيحة أبي خديجة في المقام خصوصاً، على نسخة (قضائنا) ـ كما في الكافي(١٦١) والوسائل(١٦٢) بسند آخر ـ بدل قضايانا؛ لتماميتها سنداً ودلالةً على تولّي المجتهد المتجزئ القضاء إنْ كان مجتهداً بالمسائل التي تخصّ القضاء في المسألة المتنازع فيها كما يجوز للمجتهد المطلق. وجواز تولي القضاء للمتجزئ مطلقاً أو إذا تعذر الوصول إلى المطلق أو تعسّر ويمضي حكمه مطلقاً.
وجوّزت المذاهب الفقهية الأربعة لمجتهد المذهب تولي منصب القضاء، وكذا المقلِّد الأمثل ـالذي هومحتاط عندالإمامية ومجتهدفتوى عندالمذاهب ـ خلافاً للمشهور.
وجوّز صاحب الجواهر لكلّ مؤمن عارف بالأحكام ولو تقليداً، وبعض الحنفية للعامي والجاهل إنْ نصَّبه السلطان ذو الشوكة؛ ولكن لا يمكن المساعدة عليه لما ذكرنا.
نعم يجوز للمجتهد المطلق تفويض القضاء إلى المقلِّد، أو توكيله والحكم بفتوى المجتهد المطلق؛ لولايته العامة على القضاء.
أقول: إنّ المقلِّد والعامي لا يعدّ قاضياً، وإنّما قاضي تحكيم أو قاضي ضرورة وهو الصحيح؛ لعدم قابليته لمنصب القضاء. وأمّا الفاسق وغير المسلم فلا يجوز توليه؛ لأنّ هذا خلاف الشريعة المقدَّسة وتسميته بالقاضي تحكّم ظاهر وتجرُّؤ على الله، عصمنا الله وإيَّاكم من منابر أهل الضلال والجور والنار.
فالنتيجة النهائية لهذا الفرع:
أنّه يمكن معالجة التعارض بين المذاهب الفقهية الإسلامية في التقنين وتدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين والحكم بها بعد ثبوت أمرين:
١. يمكن تحقيق الحكم بالعدل الذي هو أعمّ من الحكم بالحقّ حسب الضوابط والقواعد التي أسّسها رسول الله وأهل بيته iوعمل بها المجتهدون من فقهاء المذاهب الإسلامية.
٢. عدم انحصار منصبالقاضي بالمجتهدالمطلق, وقدثبت جوازتولي القضاء لغيره.
وبهذا ينتهي المبحث الأوَّل، ويليه المبحث الثاني، والذي فيه مطلبان: دراسة تحليلية وفقهية لعنوان البابالأوّل (الزواج)والمادة الثالثة(ف١) منقانون الأحوال الشخصية العراقي، وما يقابلها عنوان الباب الثاني (النكاح) والمادة (٤٢) من مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري.ودراسة تحليليةوفقهية للمادةالثالثة (ف٤)تعدّد الزوجات، وما يقابلها المادة (١٠٢) و(١٠٤) من مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري في العدد القادم إن شاء الله تعالى.
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين.
(١) ينظر: موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية: ١٠.
(٢) ينظر: قانون الأحوال الشخصية العراقي الضرورة ومتطلبات التطوير/ استهلال تاريخي.
(٣) هدية العارفين: ٢/٣٨٨.
(٤) ينظر: شرح قانون الأحوال الشخصية رقم (١٨٨): ١٠-١١.
(٥) ينظر: مواهب الجليل: ٨/٨٠.
(٦) أضواء على قانون الأحوال الشخصية: ٢٩.
(٧) ينظر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ١/٢٩٦.
(٨) ينظر: أعيان الشيعة: ٣/٤٩٠.
(٩) ينظر: موسوعة طبقات الفقهاء: ١٤ق٢/ص٩٠٢.
(١٠) الوسيط: ٧.
(١١) لائحة الأسباب الموجبة المرقم ١٨٨ لسنة ١٩٥٩.
(١٢) شرح قانون الأحوال الشخصية: ١/١١٩.
(١٣) النساء: ١١.
(١٤) عبد الكريم قاسم وعراقيون آخرون: ٨٤.
(١٥) أضواء على قانون الأحوال الشخصية: ١٥.
(١٦) النساء: ١١.
(١٧) المادة: ١٧ب / الدستور المؤقت ٢١/٩/١٩٦٨م, قاعدة التشريعات العراقية/ مجلس القضاء.
(١٨) أضواء على قانون الأحوال الشخصية: ١٠.
(١٩) المدخل الفقهي العام: ١/١٧٨.
(٢٠) هل هناك مفهوم للحكم والسلطة في الفكر الإسلامي؟ مقالة في مجلة الثقافة الجديدة، العدد (٢٩٥) تموز ـ آب.
(٢١) ينظر: الأحوال الشخصية: ١٢.
(٢٢) العين: ٣/ ٢٩٩.
(٢٣) يُنظر: المخصّص: ٣ ق٣/ السفر الثاني عشر/ص٢٩٧, وشرح أدب الكاتب: ٦٠.
(٢٤) تاج العروس: ٤/ ١٨٣.
(٢٥) الصحاح: ٤/ ١٦٨٠.
(٢٦) يُنظر: المخصّص: ٣ ق٣/ السفر الثاني عشر/ص٢٩٧.
(٢٧) ينظر: الفروق اللغوية: ٢٩١.
(٢٨) الرحمن: ٢٩.
(٢٩) العين: ٤/ ١٦٥، الصحاح:٣/ ١٠٤٢، مختار الصحاح: ١٧٦.
(٣٠) تاج العروس: ٩/ ٢٩٥.
(٣١) لسان العرب: ٣/ ٢٢٥.
(٣٢) تاج العروس: ٩/ ٢٩٦، لسان العرب: ٧/ ٤٥.
(٣٣) العين: ٣/ ٢٩٨.
(٣٤) معجم مقاييس اللغة: ٢/ ١٢١، المخصص: ٣ ق٣/السفر الثاني عشر ص١٠٨، أساس البلاغة: ٢٠٨، النهاية في غريب الحديث والأثر: ١/ ٤٦٢، لسان العرب: ١١/ ١٨٨ و١٨/ ١٨٩.
(٣٥) لسان العرب: ١١/ ١٨٩.
(٣٦) العين: ٥/ ٢٧، الصحاح: ٦/ ٢١٨٤.
(٣٧) أساس البلاغة: ٧٩٤.
(٣٨) تاج العروس: ١٨/ ٤٦٤.
(٣٩) الصحاح: ٦/ ٢١٨٥.
(٤٠) المدخل لدراسة القانون: ١٩.
(٤١) الصحاح: ٦/ ٢١٨٥.
(٤٢) العين: ٥/ ٢٧.
(٤٣) مختار الصحاح: ٢٨٥.
(٤٤) الصحاح: ٦/ ٢١٨٥.
(٤٥) القاموس المحيط: ٤/ ٢٦١.
(٤٦) الصحاح: ٢/ ٦٢٤، لسان العرب: ٤/ ١٦٩.
(٤٧) المخصص: ٥ ق١/(السفر السادس عشر): ١٨٥.
(٤٨) معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية: ٣/ ٦٢.
(٤٩) ينظر: المدخل لدراسة القانون: ٢٠.
(٥٠) الوسيط في شرح قانون الأحوال الشخصية العراقي: ٨.
(٥١) فقه النوازل: ١/٩٤.
(٥٢) ينظر: جهود تقنين الفقه الإسلامي: ٢٦.
(٥٣) مسيرة الفقه الإسلامي المعاصر.
(٥٤) المدخل لدراسة القانون: ٢١.
(٥٥) ينظر: الوسيط في شرح قانون الأحوال الشخصية العراقي: ١٥.
(٥٦) العين: ٣/٣٠٦.
(٥٧) معجم مقاييس اللغة: ٤/٤٨٠.
(٥٨) الصحاح: ٦/٢١٥٥.
(٥٩) الوسيط في شرح قانون الأحوال الشخصية العراقي: ١٥.
(٦٠) موسوعة طبقات الفقهاء (المقدّمة): ٢/٧٨.
(٦١) نهاية الأفكار في مباحث الألفاظ: ١/ ٧ - ١٣.
(٦٢) تدوين الراجح من أقوال الفقهاء في المعاملات وإلزام القضاة بالحكم به: ١٣٢.
(٦٣) المائدة: ٤٢.
(٦٤) النساء: ٥٩.
(٦٥) كتاب الأم: ٧/ ٩٣.
(٦٦) ينظر: أبحاث هيئة كبار العلماء/مادة: ٣/ إصدار١٤٢١هـ-٢٠٠١م/تدوين الراجح من أقوال الفقهاء في المعاملات وإلزام القضاة بالحكم به/ص: ١٣٢.
(٦٧) رواه أبو داود في سننه: ٢/ ١٥٨ ح٣٥٧٣، وابن ماجة في سننه: ٢/ ٧٧٦ ح٢٣١٥، وأيضاً في سنن الترمذي: ٣/ ٦ ح١٣٢٢، تحقيق: د. بشار عواد معروف، الناشر: دار الغرب الإسلامي، ط١ ١٩٩٦، والسنن الكبرى للبيهقي: ١٠/ ١١٦، وسنن النسائي:٣/ ٤٦١ ح٥٩٢٢ وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح الجامع، وفي إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: ٨/ ٢٣٥ ح٢٦١٤.
(٦٨) المستدرك على الصحيحين: ٤/ ٩٠.
(٦٩) إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: ٨/ ٢٣٦.
(٧٠) الفتاوى الكبرى: ٥/ ٥٥٥.
(٧١) الروح لابن القيم: ٢/ ٧٦٩. النصائح الكافية: ٣٣.
(٧٢) الفقيه والمتفقه: ١/ ٤٣٥.
(٧٣) مجموعة الفتاوى: ٢٧/ ٣٠٨.
(٧٤) تقنين الأحكام الشرعية، تاريخه، حكمه: ٣١. تأليف: عبد الرحمن بن سعد بن علي الشثري، دار التوحيد للنشر، ط١ ـ ١٤٣٥هـ، نقلاً عن كتاب أبحاث هيئة كبار العلماء: ٣/ ٢٠٧.
(٧٥) بصائر الدرجات: ١٦٣.
(٧٦) بصائر الدرجات: ١٦٣.
(٧٧) الكافي: ١/ ٢٣٦.
(٧٨) ينظر: صحيح البخاري: ١/ ٣٦، ٢٢١، ٤/ ٣٠، ٦٧، ٦٩، ٨/ ١٠، ٤٥، ٤٧، ١٤٤.
(٧٩) ينظر: الجامع الصحيح (صحيح مسلم): ٤/ ١١٥، ٢١٧، ٦/ ٨٥.
(٨٠) ينظر: مسند أحمد بن حنبل: ١/ ٧٩، ٨١، ١٠٠، ١٠٢، ١١٠، ١١٨، ١١٩، ١٢٦، ١٥١، ١٥٢.
(٨١) رجال النجاشي: ٤ـ٥.
(٨٢) ينظر: طبقات ابن سعد: ٢ / ٣٧١، والإصابة: ٢ / ٣٣٢.
(٨٣) وسائل الشيعة/ مقدمة التحقيق: ١/٩.
(٨٤) طبقات ابن سعد: ٧ / ٢٢٩.
(٨٥) المصنف: ١١/ ٢٠٢٧٧.
(٨٦) تذكرة الحفاظ:١ / ١٢٣.
(٨٧) التاريخ الكبير: ٧ / ١٢٥ ح ٨٢٧.
(٨٨)تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: ٢/ ٦٤.
(٨٩) ينظر: السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي: ٦/ ٢٩٢.
(٩٠) ينظر: الكافي في الفقه: ٤٢٢.
(٩١) ينظر: شرائع الإسلام:١/٢٦٠.
(٩٢)ينظر: تذكرة الفقهاء: ٩/ ٤٤٨.
(٩٣) ينظر: إرشاد الأذهان: ١/ ٣٥٥.
(٩٤) ينظر: غاية المراد في شرح نكت الإرشاد: ٤/ ٧.
(٩٥) ينظر: مجمع الفائدة والبرهان: ٧/ ٥٥٠.
(٩٦) ينظر: مسالك الأفهام: ٣/ ١١٢، ١٣/ ٣٣٤.
(٩٧) ينظر: كشف اللثام: ٢/ ٣٢١.
(٩٨) ينظر: الوافي: ١٦/ ٨٨٦.
(٩٩) يونس: ٥٩.
(١٠٠) ينظر: المجموع: ٢٠/ ١٢٨.
(١٠١)تدوين الراجح من أقوال الفقهاء في المعاملات وإلزام القضاة بالحكم به: ١٣٢
(١٠٢) سورة ص: ٢٦.
(١٠٣) ينظر: المدخل الفقهي العام: ١/ ١٧٨.
(١٠٤)ينظر: مواهب الجليل: ٨/ ٨٠.
(١٠٥) ينظر: حاشية رد المحتار: ١/ ٦٠.
(١٠٦) ينظر: بدائع الصنائع: ٧/ ٦.
(١٠٧) ينظر: المغني: ١١/ ٤٨٢.
(١٠٨) ينظر: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج: ٨/ ٢٤٢.
(١٠٩) ينظر: كشف القناع: ٦/ ٣٧٢-٣٩٩، ٦/ ٥٦٥.
(١١٠) سورة ص: ٢٦.
(١١١) مواهب الجليل: ٨/ ٨٠.
(١١٢) حاشية رد المحتار: ١/ ٥٢.
(١١٣) ) كشاف القناع: ٦/ ٣٧٤.
(١١٤) سورة ص: ٢٦.
(١١٥) سورة ص: ٢٦.
(١١٦) الكافي: ٧ / ٤١٤، التهذيب: ٦ / ٢٢٩، معاني الأخبار: ٢٧٩.
(١١٧) ينظر: ثلاث رسائل فقهية: ٤٠.
(١١٨) ينظر: جواهر الكلام: ٤٠/ ٢٣.
(١١٩) ينظر: السرائر: ٣/ ٥٤٢.
(١٢٠) ينظر: الشرائع: ٤/ ٨٠.
(١٢١) ينظر: كشف الرموز: ٢/ ٤٩٤.
(١٢٢) ينظر: مجمع الفائدة: ٧/ ٥٥٢، ١٢/ ٥.
(١٢٣) تذكرة الفقهاء: ١/ ٤٥٩.
(١٢٤) ينظر: مسالك الأفهام: ١٣/ ٣٢١.
(١٢٥) ينظر: شرح العروة الوثقى: ٢٩٦.
(١٢٦) ينظر: الفتاوى الواضحة: ٣٠.
(١٢٧) ينظر: مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٧/ ٤٧.
(١٢٨) ينظر: ما وراء الفقه: ٩/ ٧٥.
(١٢٩) ينظر: منهاج الصالحين: ١/ ١٧.
(١٣٠) ينظر: النور الساطع في الفقه النافع: ١/ ٥٧٧.
(١٣١) القضاء والشهادات: ٦٢.
(١٣٢) ينظر: قواعد الأحكام: ٣/ ٤٢٣، تحرير الأحكام: ٥/ ١١١.
(١٣٣) ) الدروس الشرعية: ٢/ ٦٦.
(١٣٤) ) الروضة البهية: ٣/ ٦٢.
(١٣٥) المسالك: ١٣/٣٢٨.
(١٣٦) كفاية الأحكام: ٢/٦٦٢.
(١٣٧) اللوامع: ١٤/١١.
(١٣٨) القضاء والشهادات: ٣٢.
(١٣٩) وسائل الشيعة: ٢٧/ ١٣ ح٥.
(١٤٠) القضاء والشهادات: ٣١.
(١٤١) مسالك الأفهام: ١٣/ ٣٣٥.
(١٤٢) ينظر: معجم رجال الحديث: ٩/ ٢٨, مباني تكملة المنهاج: ١/ ٨.
(١٤٣) ينظر: مباني تكملة المنهاج: ١/ ٨.
(١٤٤) فرائد الأصول: ١/١٧٠.
(١٤٥) سورة النساء: ٥٨.
(١٤٦) سورة المائدة: ٨.
(١٤٧) ينظر: جواهر الكلام: ٤٠/ ١٥ ـ ١٩، بتصرف وتلخيص.
(١٤٨) ينظر القضاء: ١/ ٢٩.
(١٤٩) الكافي: ٧ / ٤١٤، التهذيب: ٦ / ٢٢٩، معاني الأخبار: ٢٧٩.
(١٥٠) من لا يحضره الفقيه: ٣/٥ ح ٣٢٢٢، تهذيب الأحكام: ٦/ ٢١٧, وفيه: (لنبي)، وسائل الشيعة:٢٧/ ١٧، باب: ٣، ح٣.
(١٥١) صراط النجاة :١/ ٤٢٤.
(١٥٢) ينظر: شرح تبصرة المتعلمين (القضاء): ١٦.
(١٥٣) الأحكام السلطانية والولايات الدينية: ٦٦.
(١٥٤) ينظر المجموع: ٢٠/١٢٧.
(١٥٥) أبحاث هيئة كبار العلماء: مادة: ٣، ص١٢٤ومادة: ٣، ص١٣٢.
(١٥٦) مواهب الجليل: ٨/٦٩, وأبحاث هيئة كبار العلماء: مادة: ٣، ص١٣١.
(١٥٧) ينظر: الدر المختار شرح تنوير الأبصار: ٥/ ٥٠٥. بتصرف.
(١٥٨) المبسوط: ١٠/١٨٤.
(١٥٩) حاشية رد المحتار: ٥/٥٠٥.
(١٦٠) المغني: ١١/٣٨٠-٣٨٣.
(١٦١) الكافي: ٧/٤١٢.
(١٦٢) الوسائل: ٢٧/١٤وهامش ص١٣.