رباعيّة المسافر في المواضع الأربعة
(الحلقة الأولى)
الشيخ جاسم الفهديّ (دام عزّه)
تمتاز صلاة المسافر بتعدّد فروعٍ، ودقّة تفاصيل، وعلى الرغم من عدم وجود الخلاف في أصل حكمها عند فقهاء مذهب أهل بيت العصمة i إلّا أنّه وقع الكلام في جملة من تفاصيلها، وعدّة من مواردها.
وهذا البحث الذي بين يدينا يركّز على موردين منها : الحكم في مواطن التخييـر, وحدود هذه المواطن.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما هو أهله، وأتمّ الصلاة والسَّلام على رسوله محمّد وآله الطّاهرين.
إنّ لصلاة المسافر أهمّيّة كبرى في الأبحاث الفقهيّة لكونها من المسائل العامّة البلوى، ولما تمتاز به من تعدّد الفروع ودقّة التفاصيل, مع الاختلاف في أصل حكم صلاة المسافر بين علماء الإسلام، ولذا أُوليت عناية كبيرة في بحوث الفقه.
وعلى الرغم من عدم تسرّب هذا الاختلاف الى مدرسة أئمَّة أهل البيت i الّا أنّه وقع الكلام بين الفقهاء في بعض تفصيلاتها, منها: حكم صلاة المسافر إلى المواطن الأربعة ـ مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة والكوفة وحرم الحسينg ـ , فقد تعدّدت أقوالهم وتباينت أنظارهم في حكم الصلاة الرباعيّة في هذه المواطن, وقد اختار مشهور علماء الطائفة التخيير فيها، بل كاد أن ينقرض الخلاف بينهم في العصور المتأخّرة. ومنها: الاختلاف ايضاً في حدود هذه المواطن من حيث اختصاص الحكم بمسجدها أو ما يشمل غيره.
وقد عرضت البحث من خلال تمهيدٍ ومقامين:
المقام الاوّل: في بيان حكم الصلاة في هذه المواطن, وهل هو التقصير أو التمام أو التخيير على اختلاف الاقوال.
المقام الثاني: في بيان حدود المواطن التي يقع فيها التخيير، وهي عدّة مواضع:
الأوّل: حدود مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة.
الثاني: حدود الكوفة.
الثالث: حدود حرم الحسين g.
الرابع: شمول الحكم لسائر المشاهد المشرّفة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ البحث سيقع في ضمن حلقتين، نتناول في الحلقة الأُولى المقامَ الأوّل، ونوكل البحث في المقام الثاني إلى الحلقة الأخرى إنْ شاء الله تعالى.
تمهيد: وفيه أمران:
الأمر الأوّل: اتّفق فقهاء الإمامية على أنّ وظيفة المكلّف في حال السفر هي القصر في الصلاة, وأمّا فقهاء الجمهور فلم يفرّقوا بين الأماكن المقصودة للمسافر إلّا أنّهم اختلفوا في حكم صلاته, فقال ابن رشد الحفيد: (أمّا حكم القصر، فإنّهم اختلفوا فيه على أربعة أقوال: فمنهم من رأى أنّ القصر هو فرض المسافر المتعيّن عليه، ومنهم من رأى أنّ القصر والإتمام كلاهما فرض مخيّر له كالخيار في واجب الكفارة، ومنهم من رأى أنّ القصر سنّة، ومنهم من رأى أنّه رخصة، وأنّ الإتمام أفضل. وبالقول الأوّل قال أبو حنيفة، وأصحابه والكوفيون بأسرهم: أعني أنّه فرض متعيّن، وبالثاني قال بعض أصحاب الشافعي، وبالثالث ـ أعني أنّه سنّة ـ قال مالك في أشهر الروايات عنه، وبالرابع ـ أعني أنّه رخصة ـ قال الشافعي في أشهر الروايات عنه، وهو المنصور عند أصحابه)(١).
وقال ابن قدامة في حكم صلاة المسافر: (أفضلية القصر من التمام في مطلق السفر عند الجمهور، وقال حماد بن أبي سليمان والثوري وأبو حنيفة بعدم جواز الإتمام في السفر، وأجازه الأوزاعي والشافعي، وهو المشهور عن مالك)(٢).
وهذا ما نصّ عليه صاحب الرياض بقوله: (إنَّ ايجاب التمام ليس مذهباً لأحد من العامة؛ لأنّهم ما بين موجب للقصر مطلقاً وهم أكثرهم ومنهم أبو حنيفة ومخيّر بينه وبين القصر كذلك وهو الشافعي وغيره ومنه يظهر أنّ حمل أوامر التقصير على التقية أولى كما صرح به جماعة من أصحابنا- الوافي والوسائل والحدائق- لاتفاقهم على جواز القصر مع اشتهار مذهب أبي حنيفة قديماً وحديثاً)(٣).
وأمّا ما ذكره الوحيد في المصابيح من أنّ (التخيير مع أفضلية الإتمام هو عين مذهب أهل السنة بل لا يرضون بالقصر ويجعلونه شعار الرفضة)(٤) فغير تامّ لما تقدّم من نقل كلماتهم.
الأمر الثاني: إنّ الواجبات العبادية المركبة تتألّف من أجزاء: منها ما يدخل تحت عنوان الفرض، ومنها ما كان يدخل تحت عنوان السنّة, حيث إنّ المقصود بالأوّل هو ما فرضه الله تعالى في كتابه, والثاني ما جعله النبي e ولو على نحو الوجوب.
وعليه هل تعيّن القصر في الصلاة على المسافر فرض أم سنّة؟ وجهان, والذي يظهر بملاحظة الأدلّة أنّ ذلك سنّة من سنن النبي e كما هو حال الإفطار في السفر, ولا دلالة في قوله تعالى: {فَلَيْسَعَلَيْكُمْ جُنَاحٌأَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ}(٥) على تعيّن القصر على المسافر؛ لأنّها واردة لدفع توهّم الحظر.
وتدلّ على ذلك مجموعة من الأخبار منها:
ويظهر من هذه الرواية أنّ القصر سنّة فعلها النبي e وذكرها الله في كتابه وإنّما استدلّ الإمام g بها لإثبات عدم دلالتها على الرخصة وعدم منافاتها للوجوب, وقد نصّ g على أنّ القصر سنّة بقوله: (فقصّر وأفطر فصارت سنّة) بالإضافة إلى قوله: (شيء صنعه النبي e وذكره الله في كتابه).
٣. معتبرة زرارة، عن أبي جعفر g قال: (سمّى رسول الله e قوماً صاموا حين أفطر وقصّر عصاة, وقال: هم العصاة إلى يوم القيامة، وإنّا لنعرف أبناءهم وأبناء أبنائهم إلى يومنا هذا) (١٠).
٤. مرسلة ابن ابي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله g قال: سمعته يقول: (قال رسول الله e: إنّ الله aّ تصدّق على مرضى أمتي ومسافريها بالتقصير والافطار، أيسرّ أحدكم إذا تصدّق بصدقة أن تردّ عليه)(١١). ويظهر من الرواية أنّ تشريع القصر جاء متأخّراً، وتمنّنا منه تعالى على عباده، وكون تعيّن القصر من سنن النبي e لاينافي التصدّق منه تعالى، كما هو واضح.
ويؤيّد ذلك جملة من الأخبار التي رويت في كتب العامّة:
٣. ورووا عن يعلى بن أميّة أنّه قال: قلت لعمر بن الخطاب: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فقد أمن الناس. فقال: (عجبت ممّا عجبت منه, فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك, فقال: صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)(١٤).
والظاهر من هذا أنّ المعهود من المسلمين هو التمام فكان الحكم بالقصر بعمل النبي e به لاحقاً، ويتفرّع على هذا:
أنّ التخيير في المواضع الأربعة لا يكون من قبيل اختلاف الفرض فيها، بل اختلاف السنّة فحسب, وأيّاً كان فالبحث حول وظيفة المسافر في المواضع الأربعة يقع في مقامين:
المقام الأوّل: حكم الصلاة الرباعية للمسافر إلى أحد المواضع الأربعة.
المعروف بين فقهاء الإمامية هو وجود خصوصية لحكم الصلاة الرباعية للمسافر في مكة، والمدينة، والكوفة، وحرم الحسين g تبعاً لما ورد من الروايات عن أئمّة أهل البيت i، ولم تخل هذه المسألة من الاختلاف, فقد وردت جملة كبيرة من الروايات المختلفة في مصادرنا لبيان حكم صلاة المسافر إلى مكة, والمدينة, والكوفة, وحرم الحسين g, بألسنة مختلفة, ويظهر من بعضها تعيّن القصر, وأخرى ظاهرة في التخيير بين القصر والتمام, وثالثة ظاهرة في تعيّن التمام, وقد وقعت محلّا ً للنظر بين العلماء, وعليه اختلفت الفتاوى على ثلاثة أقوال:
القول الأوّل: التخيير مع أفضلية التمام, قال في مفتاح الكرامة: (وهو المشهور كما في المختلف وكشف الالتباس ومجمع البرهان ورسالة صاحب المعالم والمصابيح والحدائق, ومذهب الأكثر كما في التذكرة وتلخيص التلخيص والغرية والمدارك والذخيرة, ومذهب الثلاثة وأتباعهم كما في المعتبر والمنتهى, ومذهب الأصحاب وتفرّدوا به كما في الكركية والدرّة, وتفرّد الأصحاب كما في الذكرى والروض, ومذهب الإمامية إلّا الصدوق كما في الوسائل, ولا خلاف فيه إلّا من الصدوق كما في الرياض, وعليه الإجماع كما في الخلاف والسرائر, وفي موضع آخر من السرائر أنّه الأظهر من الطائفة وعليه عملهم وفتاواهم)(١٥).
القول الثاني: تعيّن التمام, وهذا القول نُسب للسيد المرتضى اعتماداً على ما ذكره في بعض رسائله, قائلاً: (ولا تقصير إلّا في سفر طاعة أو مباح, ولا تقصير في مكة ومسجد النبي e ومسجد الكوفة ومشاهد الأئمّة القائمين مقامه g)(١٦), ولابن الجنيد كما حكاه عنه العلّامة بقوله: (والمسجد الحرام لا تقصير فيه على أحد لأنّ الله a جعله سواء العاكف فيه والباد)، وقد حكى المحقّق النراقي تعيّن التمام من عبارة المرتضى وابن الجنيد , قائلاً: (ثمّ إنّ هاهنا خلافاً آخر محكياً عن السيد والإسكافي هو لزوم التمام في المواطن المذكورة)(١٧), وهو ما يظهر العمل به من بعض أصحاب الأئمّة i كعبد الله بن جندب وعلي بن حديد كما في الحديث المروي عن علي بن حديد, قال سألت الرضا g فقلت: إنّ أصحابنا اختلفوا في الحرمين, فبعضهم يقصّر، وبعضهم يتمّ، وأنا ممّن يتمّ على رواية قد رواها أصحابنا في التمام, وذكرت عبد الله بن جندب أنّه كان يتمّ...) وقد نسبه الشيخ الصدوق في الخصال إلى غير أهل الاستبصار, قائلاً: (يعني أن ينوي الإنسان في حرمهم i مقام عشرة أيّام ويتمّ, ولا ينوي مقام دون عشرة أيام فيقصر, وليس ما يقوله غير أهل الاستبصار بشيء: إنّه يتمّ في هذه المواضع على كل حال) (١٨).
ومن المحتمل أن يراد من عبارة السيد وابن الجنيد مجرّد نفي وجوب القصر وتعيّنه الذي هو مذهب بعض الأصحاب كما ستعرف في القول الثالث, من غير أن يثبت تعيّن التمام ووجوبه, ولعلّ ذلك هو مبنى حصر غير واحد الخلاف في الصدوق كما في المعتبر والتذكرة والوسائل, بل نسب إليه العلّامة في المختلف القول بالاستحباب, قائلاً: (المشهور استحباب الإتمام واختاره الشيخ والمرتضى وابن الجنيد وابن إدريس وابن حمزة)(١٩).
لكنّه يبقى محض احتمال لا يساعد عليه ظاهر ما ذكر من عبارتهما.
القول الثالث: تعيّن التقصير, وهو ما اختاره الشيخ الصدوق في الفقيه, قائلاً: (يعني بذلك أن يعزم على مقام عشرة أيام في هذه المواطن حتّى يتمّ)(٢٠).
وكذلك في الخصال كما مرّ.
وتبعه ابن البرّاج قائلاً: (ومن سافر إلى مكة حاجّاً وبينه وبينها مسافة يقصر فيها الصلاة ونوى المقام بها عشرة أيام كان عليه التقصير في الطريق والاتمام إذا وصل إليها فإن خرج منها إلى عرفات ليقضي مناسكه بها ولا ينوي المقام بمكة عشرة أيام إذا رجع إليها كان عليه التقصير؛ لأنّه قد نقض مقامه بسفر بينه وبين بلده قصر في مثله, وإن نوى إذا قضى مناسكه بعرفات المقام بمكة عشراً إذا عاد إليها كان عليه التمام إذا عاد إليها)(٢١). حيث حكم بتعيّن القصر على من لم يعزم على البقاء عشرة أيام, وتبعهم من متأخري المتأخّرين العلاّمة الوحيد(٢٢) في تعيّن القصر ما لم ينو عشرة أيام, وهو المحكي عن السيد بحر العلوم، بل ادعيت الشهرة عليه بين المتقدّمينمن الأصحاب(٢٣), ولعلّه إشارة إلى ما رواه علي بن مهزيار, حيث قال: (كتبت إلى أبي جعفر الثاني g ... أنّ فقهاء أصحابنا أشاروا إليّ بالتقصير إذا كنت لا أنوي مقام عشرة, وقد ضقت بذلك حتى أعرف رأيك...), وما رواه سعد بن عبد الله عن أيوب بن نوح, قال: (أنا أقصر وكان صفوان يقصر وابن أبي عمير وجميع أصحابنا يقصرون)(٢٤).
هذا تقريب الكلام في الأقوال الثلاثة.
وسعى غير واحد إلى تأويل القولين الأخيرين:
(منهم) صاحب الجواهر, حيث علّق على قول المرتضى وابن الجنيد بقوله: (ظاهر المحكي عنهما من نفي التقصير ووجوب الإتمام مع إمكان إرادتهما نفي تحتّمه كما احتمله الشهيد، بل يؤيّده حصر غير واحد الخلاف في الصدوق، بل في المختلف: المشهور استحباب الإتمام، واختاره الشيخ والمرتضى وابن الجنيد وابن إدريس وابن حمزة، بل عن المصنّف والمنتهى التصريح بنسبة التخيير المزبور إلى الثلاثة وأتباعهم، وأنّ خلافه إنما هو في طرد الحكم في باقي قبور الأئمّة i).
وعلّق على قول الصدوق O قائلاً: (بإرادة المنع من وجوب التمام أو الاحتياط من جهة ظهور بعض الأدلّة في وجوب التقصير بأن ينوي المقام ويتم أو يقصر كما ورد في المهذّب فإنّه بعد أن ذكر استحباب الإتمام قال (والتقصير هو الأصل والعمل به في هذه المواضع وغيرها أحوط)(٢٥).
ولكن يفهم أنّ الخلاف متحقّق: أمّا ما ذكره في تأويل قول السيد المرتضى, ففيه: أنّ عبارته لا تحتمل النظر إلى استحباب الإتمام فإنّه كان بلسان نفي التقصير في الأماكن الأربعة, لا بلسان استحباب الإتمام.
وما ذكره في تأويل عبارة الصدوق يمكن الملاحظة عليه بما ذكرنا من حصر الاختلاف فيه بين العلماء وفهمهم لتعيّن القصر, بالإضافة إلى أنّ قول الشيخ الصدوق يظهر منه غير ما ذكر, فإنّه جاء في ذيل الرواية الدالّة على حكم التمام في الفقيه قائلا: (وقال الصادق g :من الأمر المذخور إتمام الصلاة في أربعة مواطن بمكة والمدينة ومسجد الكوفة وحائر الحسين g. قال مصنّف هذا الكتاب: يعني بذلك أن يعزم على مقام عشرة أيام في هذه المواطن حتى يتمّ, ويصدّق ذلك ما رواه محمّد بن اسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا g قال: سألته عن الصلاة بمكة والمدينة, يقصر أو يتم؟ قال: قصر ما لم يعزم على مقام عشرة أيام. وما رواه محمّد بن خالد البرقي عن حمزة بن عبد الله الجعفري...)(٢٦).
فهو ذكر جملة من الروايات الدالّة على وجوب التقصير, وتعرّض في الأثناء إلى هذه الرواية, وعلّق عليها بما عرفت, ولو أراد أن ينفي تعيّن التمام لاحتاج إلى تأويل الحكم لا الموضوع, ولكن الذي يظهر من عبارته أن الحكم بوجوب التمام المذكور في الرواية صحيح, ولكن موضوعه ليس بمطلق, بل مختصّ بمن نوى الإقامة عشرة أيام, وما فهمه صاحب الجواهر هو أنّ الموضوع هو المسافر دون العشرة، والحكم هو نفي تعيّن التمام.
وقد يحتمل ما ذكره صاحب الجواهر من عبارة الصدوق في الخصال, حيث قال بعد ذكره لرواية حماد (من مخزون علم الله الإتمام في أربعة مواطن... يعني ينوي الانسان في حرمهم مقام عشرة أيّام ويتمّ ولا ينوي مقام دون عشرة أيّام فيقصر, وليس ما يقول غير أهل الاستبصار بشيء أنّه يتمّ في هذه المواضع على كل حال)(٢٧), فيقال: إنّ المفهوم من ذيل هذه العبارة أنّه أراد نفي كلام البعض الظاهر في تعيّن التمام سواء نوى الإقامة أو لا, وخصّ الحكم بوجوب التمام حال العزم على الإقامة.
أمّا ما ذكره من إمكان حمل كلام الصدوق على الاحتياط فإنّه أيضاً خلاف ظاهر عبارته المتقدّمة.
الروايات الواردة في المقام:
وردت جملة كبيرة من الروايات لبيان حكم الصلاة في تلك الأوطان, ولكنّها مختلفة, فمنها ما يظهر في تعيّن التمام, ومنها ما يدلّ على التخيير, ومنها ما يدلّ على تعيّن القصر, والذي يظهر منها أنّ المسألة كانت محلّا ً للخلاف بين الأصحاب المتقدّمين، وقد كثر السؤال عنها.
الطائفة الأولى الدالة على التخيير:
في المسجد الحرام أو أتمّ؟ قال: (إن قصّرت فلك، وإن أتممت فهو خير، وزيادة الخير خير). وبإسناده عن محمّد بن الحسين، عن الحسن بن علي بن فضال، عن عمران مثله(٢٩).
ورواه في كامل الزيارات عن أحمد بن إدريس، قال: حدّثني أحمد بن أبي زاهر، عن محمّد بن الحسين الزيات، عن حسين بن عمران، عن عمران، مثله(٣٠).
الطائفة الثانية الظاهرة في تعيّن التمام:
ورواه الصدوق في (الخصال) عن محمّد بن الحسن، عن الصفار، عن الحسن بن علي بن النعمان. ورواه ابن قولويه في (المزار) عن العيّاشي، عن علي بن محمّد، عن محمّد ابن أحمد عن الحسن بن علي بن النعمان مثله(٣٥).
ورواه الكليني، عن حميد بن زياد، عن ابن سماعة, عن غير واحد، عن أبان بن عثمان مثله(٣٦).
ورواه الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وأحمد بن محمّد جميعاً، عن علي بن مهزيار نحوه(٣٧).
وبهذا الإسناد مثله وزاد: قلت: وأمُرّ على المدينة فأتمّ الصلاة أو أقصر؟ قال: (أتمّ)(٤١).
ورواه الكليني، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد(٤٤).
ورواه الحميري في (قرب الإسناد) عن محمّد بن علي بن النعمان بن عثمان بن عيسى مثله، إلّا أنّه قال: عن إتمام الصلاة في الحرمين مكة والمدينة، فقال: (أتمّ الصلاة ولو صلاة واحدة)(٤٥).
ورواه ابن قولويه في الكامل عن عبد الرحمن محمّد بن أحمد العسكري(٤٦).
ورواه الشيخ في (المصباح) عن حذيفة بن منصور مثله(٥١).
وقد رواها الشيخ بإسناده عن محمّد بن يعقوب(٥٢).
الطائفة الثالثة الظاهرة في تعيّن القصر.
وطريق الشيخ إلى محمّد بن أحمد بن يحيى الأشعري (صاحب نوادر الحكمة) صحيح(٥٦) مع إمكان عدم الاحتياج إليه بعد كون الكتاب المذكور مشهوراً.
والطريق صحيح إلى علي بن مهزيار, ولكن وقع الكلام في محمّد بن إبراهيم الحضيني من جهة عدم ذكره في كلام المتقدّمين من الرجال إلّا أنّ الصحيح هو الاعتماد على روايته, فقد روى الكشي، عن محمّد بن مسعود العيّاشي:(قال: حدّثني حمدان بن أحمد القلانسي، حدّثني معاوية بن حكيم، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمدان الحضيني، قال: قلت لأبي جعفر g: إنّ أخي مات, فقال لي: (رحم الله أخاك فإنّه كان من خصيص شيعتي).
قال محمّد بن مسعود: حمدان بن أحمد مَن الخصيص؟ قال: الخاصّة الخاصّة)(٥٧).
ومثل هذا يدلّ على حسنه واعتباره، وطريق هذا الحديث معتبر.
نعم, وقع كلام في فطحيّة معاوية, ولكن لا يضرّ بوثاقته, حيث وصفه الكشّي بأنّه أحد العدول.
وأمّا الكلام فيها سنداً, فيقع في طريق الشيخ إلى أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري, وإليه في المشيخة عدّة طرق, وليس في شيءٍ منها طريق إلى جميع ما رواه, بل كلّ واحدٍ منها إلى بعض ما رواه, وهي خمسة طرق, أحدها فيه أحمد بن محمّد بن يحيى العطار الذي لم يرد في حقّه توثيق في كلمات المتقدّمين.
نعم, له طريق إلى جميع رواياته ذكر في الفهرست إلّا أنّ فيه أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار.
ويجاب: أوّلاً: بأنّ ما ذكر من ضعف الطريق غير تامّ؛ فإنّ أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار ممّن ترضّى عنه الصدوق في كتبه مراراً(٥٩).
ثانياً: ما ذكره السيد الخوئي S من إمكان التصحيح بأنّ الجملة التي يرويها الشيخ عن أحمد بن محمّد بن عيسى بواسطة أحمد بن محمّد بن يحيى العطار إنّما يرويه عنه عن أبيه، عن محمّد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري, وقد ذكر في الفهرست في ترجمة محمّد بن علي بن محبوب أنّ جميع ما رواه عن محمّد بن علي بن محبوب بواسطة أحمد بن محمّد بن يحيى، عن أبيه، عن ابن محبوب له إليه طريقان آخران: أحدهما صحيح, وهو ما يرويه عن جماعة، عن محمّد بن علي بن الحسين, عن أبيه ومحمّد بن الحسن, عن أحمد بن إدريس عنه.
وعليه فيكون طريق الشيخ إلى جميع رواياته عن أحمد بن محمّد بن عيسى صحيحاً في المشيخة(٦٠).
والكلام في سندها: أمّا طريق الشيخ إلى أحمد بن محمّد بن عيسى فقد تقدّم الكلام فيه, وهو يروي عن علي بن حديد بلا واسطة, وأمّا علي بن حديد فقد ضعّفه الشيخ في التهذيب والاستبصار صريحاً(٦٢), وإنْ كان قد يظهر من بعض الروايات كونه من مشايخ ابن أبي عمير(٦٣). إلّا أنّه وردت روايات أخرى فيها علي بن حديد عن ابن أبي عمير(٦٤).
ولكنّ الغالب في الأسانيد هو رواية ابن أبي عمير وعلي بن حديد معاً(٦٥), فلا يطمأن بصحّة رواية ابن أبي عمير عنه، ولا روايته عن ابن أبي عمير؛ للظنّ بوقوع التصحيف. فالصحيح هو ما جرى من روايتهما معاً.
٧. معتبرة معاوية بن وهب: المروية في (العلل) عن محمّد بن الحسن، عن الحسين ابن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد الله g: مكة والمدينة كسائر البلدان؟ قال: (نعم). قلت: روى عنك بعض أصحابنا أنك قلت لهم: أتمّوا بالمدينة لخمس، فقال: (إنّ أصحابكم هؤلاء كانوا يقدمون فيخرجون من المسجد عند الصلاة فكرهت ذلك لهم فلهذا قلته)(٦٩).
٨. معتبرة معاوية بن وهب: وقد رواها الشيخ بإسناده عن موسى بن القاسم، عن عبد الرحمن، عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله g عن التقصير في الحرمين والتمام، فقال: (لا تتمّ حتّى تجمع على مقام عشرة أيام)، فقلت: إنّ أصحابنا رووا عنك أنّك أمرتهم بالتمام، فقال: (إنّ أصحابك كانوا يدخلون المسجد فيصلّون ويأخذون
نعالهم ويخرجون والناس يستقبلونهم يدخلون المسجد للصلاة, فأمرتهم بالتمام)(٧٠).
دليل القول الأوّل من خلال ما تقدّم يظهر التنافي الحاصل بين لسان هذه الأخبار، وقد اختار مشهور أصحابنا القول بالتخيير، ولم يذهب أحد من المتأخّرين إلى أحد القولين الآخرين جمعاً بين الروايات على واحد من وجهين:
الوجه الأوّل: ما ذكره غير واحد من أنّ التخيير بين القصر والتمام هو مقتضى الجمع(٧١), بالجمع بين روايات الطائفة الثانية الظاهرة في وجوب التمام مطلقاً وبين روايات الطائفة الثالثة الدالّة على تعيّن القصر مطلقاً. والظاهر منهما تماميّة دلالة الطائفة الأولى على التخيير.
ويلاحظ أنّ الجمع بالتخيير حينئذ يمكن أن يكون على أحد تقريبين:
التقريب الأوّل: أن يكون على أساس اقتضاء القاعدة في مثله الجمع بالتخيير بين ما ذكر في الدليلين.
التقريب الآخر: أن يكون على أساس جعل أخبار التخيير قرينة خاصّة على أن الأمر بكل من الطرفين في بعض الأخبار من باب الاقتصار على أحد خصال التخيير.
أمّا التقريب الأوّل فهو يبتني على كبرى كلّيّة وسيّالة تجري في عشرات الموارد في المباحث الفقهية, حيث يرد دليلان كلاهما معتبر, يتضمّن أحدهما وجوب شيء ويتضمّن الآخر الأمر بشيء آخر , مع العلم الخارجي بعدم وجوب كليهما، وقد تكرّر في كلماتهم البناء في مثله على الوجوب التخييري, ولكن ناقش فيه بعضهم، وهو وجيه.
بيان ذلك: أنّ ما يمكن أن يقال في توجيه حمل الدليلين على التخيير في الحالة المذكورة وجهان:
الوجه الأوّل: أنّه لا تعارض في هذه الحالة بين أصل الحكمين مثل أصل وجوب التمام وبين أصل وجوب التقصير في مورد الكلام , أي لا تعارض بين الوجوبين على سبيل القضية المهملة، وإنّما التعارض بين الإطلاق في الجانبين، فيلزم البناء على سقوط الإطلاقين المقتضيين للوجوبين التعيينييّن فلا يبقى إلّا وجوب التمام ووجوب التقصير على سبيل القضيتين المهملتين، وتتعيّنان في القدر المتيقَّن من كلّ طرف، أي وجوب التمام مع عدم التقصير ووجوب التقصير مع عدم التمام, وهذا هو الوجوب التخييري.
ونظير هذا الكلام طرحه السيد الروحاني O في المنتقى ولكنّه قال: (وقد يجعل هذا المورد من موارد تعارض الإطلاقين والقاعدة تقتضي التساقط... وعليه لا يكون المورد من موارد الجمع العرفي أصلاً بل هو نظير تعارض العامّين من وجه وتساقطهما في المجمع) (٧٢).
والقول بالوجوب التخييري لا يستند إلى الجمع العرفي بين الدليلين، وإنّما يكون من جهة تساقط الإطلاقين، والأخذ بأصل الوجوبين على سبيل القضيتين المهملتين، وتتعيّنان في القدر المتيقَّن من كلّ منهما، ونتيجة ذلك هي الوجوب التخييري.
ويمكن أن يرد عليه:
أوّلاً: ابتناؤه على كون مرجع الوجوب التخييري إلى وجوبين مقيّدين، وهو غير تام.
ثانياً: من حيث البناء، وذلك لأنّ التعارض هنا ليس بين الإطلاقين ليُدّعى تساقطهما وبقاء الوجوبين على سبيل القضيتين المهملتين، بل التعارض بين كلّ من الإطلاقين وبين أصل الوجوب في الطرف الآخر؛ إذ المفروض العلم بعدم وجوب التمام والقصر معاً في حال من الأحوال، فما يدلّ على وجوب التمام في الجملة على سبيل القضية المهملة معارَض مع إطلاق ما دلّ على ثبوت التقصير، أي سواء على مَن أتمّ وعلى مَن لم يتمّ، أي هما يتكاذبان؛ إذ مقتضى وجوب التمام في الجملة عدم إطلاق وجوب التقصير، ومقتضى إطلاق وجوب التقصير هو عدم ثبوت وجوب التمام ولو في الجملة، فالتعارض ليس بين الإطلاقين ليقال إنّهما يتساقطان ويبقى دلالتهما على أصل الوجوبين. نعم، لو رُفعت اليد عن الإطلاقين فلا تعارض بين الدليلين، ولكن هذا أمر آخر, فهذا التقريب ليس بتام.
الوجه الآخر: ما ذكره السيد الروحاني(٧٣) بأن يُجعل المورد من موارد تقديم النصّ على الظاهر؛ لأنّ كلّا ً منهما نصّ في الوجوب ظاهر في التعيين بواسطة الإطلاق، فظاهر كلّ منهما ينافي نص الآخر ويكون أحدهما قرينة على التصرف في الآخر، وهذا يؤدّي إلى إثبات الوجوب التخييري ولكن على أساس الجمع العرفي، وليس على ما ذُكر في التقريب السابق.
والحاصل أنّ أصل الوجوب مدلول وضعي لصيغة الأمر، وأمّا كون الوجوب تعيينياً فهو مدلول بالإطلاق بمقتضى مقدّمات الحكمة، وحينئذ يمكن أن يقال: إنّ الدلالة الوضعية أقوى من الدلالة الإطلاقية، فلا بدّ من رفع اليد عن ظهور كلٍّ منهما في الإطلاق بالظهور الوضعي للآخر، ونتيجته هي الوجوب التخييري، وهذا ضرب من الجمع العرفي.
ولكن يرد عليه ما ذكره السيد الشهيد O(٧٤), ومحصّله: أنّ الجمع العرفي بين الدليلين المنفصلين لا يكون إلّا بملاك القرينية، والقرينية فرع ظهور ما يراد جعله قرينة في المعنى الذي يكون به قرينة على المراد بالدليل الآخر، فيجب أن يكون ظاهراً في هذا المعنى حتى يُجعل هذا الدليل قرينة على التصرف في الدليل الآخر كما إذا ورد في دليل: (لا تصلِّ في الحمّام) وفي دليل آخر: (لا بأس بالصلاة في الحمّام) فإنّ دليل الترخيص وإن كان يُحتمل أن يكون المراد به الإباحة الخاصة ـ أي تساوي الفعل والترك ـ فيكون معارضاً لأصل النهي في الدليل الأول، إلّا أنّ ظاهره هو الإباحة العامة ـ أي نفي الإلزام ـ فهو يتعيّن في القرينية على دليل النهي، وحمله على التنزّه ـ حيث يكون ظاهراً في هذا المعنى ـ يكون حينئذ قرينة على التصرّف في الدليل الأول.
وأمّا إذا كان ما يراد جعله قرينة ظاهراً في خلاف المعنى الذي يكون به صالحاً للقرينية على الدليل الآخر ـ وإن كان يُحتمل فيه أن يكون المراد به المعنى الصالح للقرينية ـ فحينئذٍ لا مجال لحمله على ما ليس ظاهراً فيه ثُمَّ جعله قرينة لرفع اليد عن ظاهر الدليل الآخر، كما إذا ورد في دليل: (ثمن العذرة سحت) وفي دليل آخر: (لا بأس ببيع العذرة) فإنّ الدليل الثاني ظاهر ـ ولو بمقتضى الإطلاق ومقدمات الحكمة ـ في جواز بيع العذرة وإن كانت نجسة فيكون معارضاً للدليل الأول، ولا محلّ لحمله على جواز بيع العذرة في الجملة ليصلح قرينة على رفع اليد عن إطلاق ما ورد في الدليل الأول، وإنّما يصلح لذلك إذا حُمل على أنّ المراد جواز بيع العذرة في الجملة فحينئذ يكون قرينة، ولكن هذا ليس هو المعنى الذي هو ظاهر فيه، فإنّه ظاهر في عدم جواز بيع العذرة مطلقاً وإن كانت نجسة. فإذاً لا مجال للجمع العرفي في المورد الثاني.
فظهر بذلك أنّ مجرّد وجود دليلين لواجبين يعلم عدم لزوم الجمع بينهما لا يوجب استفادة التخيير بينهما بالنظر إلى المجموع، بل مقتضى القاعدة سقوطهما. نعم، لو علم إجمالاً بوجوب أحدهما وجب الإتيان به عملاً بالعلم الإجمالي، ولكن يجب الإتيان بالآخر من باب الاحتياط.
هذا، مضافاً إلى ما سيأتي من إباء الأخبار الآمرة بالقصر عن الحمل على التخيير. هذا كله بشكل عام.
وأمّا التقريب الآخر ـ وهو حمل الطائفتين الآمرتين بالقصر والتمام على التخيير بقرينة خاصة، وهي أخبار التخيير ـ فيلاحظ عليه بما أشار إليه غير واحد(٧٥) من إباء الطائفة الآمرة بالقصر عن إرادة التخيير لشدّة مخالفتها للظاهر، ولاسيّما كونه المفضول من الفردين.
وبيان ذلك بوجهين:
الأوَّل: أنّ الظاهر من روايات تحتّمُ القصر في هذه المواطن يكون وفق الحكم العام لتعيّن القصر في السفر، لا سيّما مع سؤال السائل فيها عن وجوب القصر أو الإتمام إمّا تصريحاً أو تلويحاً... وعليه فإنّ من المتكلّف حمل الدليل على أنّ المنظور به الاجتزاء بالقصر في أداء التكليف، ومثل هذا المعنى يمكن أن يجري في روايات التمام أيضاً.
الآخر: أنّ حمل الدليل الذاكر لإحدى الخصلتين على ذكر ما يجتزئ به إنَّما يحسن فيما لو كان المذكور أفضل الخصلتين، أو كانت الخصلتان متساويتين في الفضل، وأمّا إذا كان المذكور الخصلة الأقل فضلاً فإنّ هذا الحمل بعيد لما فيه من تفويت الفضيلة على المخاطب من دون مبرر، وما نحن فيه من هذا القبيل؛ فإنّ مقتضى روايات الإتمام أنّ الإتمام أفضل من القصر.
الوجه الثاني ـ وهو الصحيح ـ: ما اختاره غير واحد منهم المحقّق الأردبيلي(٧٦) وكذلك السيد الخوئي(٧٧) من الجمع بين روايات الطائفة الأولى الدالة على التخيير، المؤيدة بفتوى المشهور وروايات الطائفة الثانية الظاهرة في تعيّن التمام، بأنّ المراد هو التخيير مع أفضلية التمام.
وأمّا روايات تعيّن القصر فتحمل على التقية وشبهها كما سيأتي.
وأمّا القول الثاني ـ وهو وجوب التمام ـ فيمكن تقريره على أساس حمل الطائفتين الأخريين على التقية؛ لأنّ العامّة كانوا يقولون بالتخيير أو تعيّن القصر. ويساعد على ذلك ما في بعض روايات الإتمام من الإشارة إلى أنّه من مخزون علم الله، كما في صحيحة حمّاد بن عيسى، عن أبي عبد الله g أنّه قال: (من مخزون علم الله الإتمام في أربعة مواطن...)(٧٨).
ويلاحظ عليه: أنّ الجمع الدلالي العرفي بين أخبار التخيير وأخبار التمام متحقّق، ومعه لا تصل النوبة إلى الجمع الجهتي بحمل أخبار التخيير على التقية، وقد تقرّر في محله تقدّم الجمع الدلالي على الجمع الجهتي.
يضاف إلى ذلك أنّ في جملة من أخبار التخيير الترغيب إلى التمام بما لا يناسب المذهب المشهور لدى العامة آنذاك، وهو أنّ القصر إمّا فرض واجب، وإمّا سُنّة راجحة كما هو رأي مالك.
دليل القول بتعيّن القصر: أنّ التعارض الحاصل بين أخبار القصر وأخبار التخيير وأخبار التمام مستقر وليس هناك جمع دلالي بينها.
والوجه فيه: موافقة أخبار القصر مع الشهرة عند القدماء، فتحمل أخبار التخيير وأخبار التمام على التقية.
وبيان ذلك يتوقف على ذكر مقدمات..
المقدّمة الأولى: استقرار التعارض بين الطوائف الثلاثة من الأخبار وانتفاء الجمع الدلالي.
المقدّمة الثانية: شهرة التقصير بين أصحابنا القدماء المعاصرين للأئمّة i، كما تقدّم عن السيد بحر العلوم، وهو ما يظهر من بعض الأخبار، كما ورد في صحيحة علي ابن مهزيار المتقدّمة، قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني g : أنّ الرواية قد اختلفت عن آبائك i في الإتمام والتقصير للصلاة في الحرمين، فمنها: أنْ يأمر تتمم الصلاة ولو صلاة واحدة. ومنها: أنْ تقصر الصلاة ما لم ينوِ مقام عشرة أيام، ولم أزل على الإتمام فيهما إلى أنْ صدرنا في حجّنا في عامنا هذا، فإنّ فقهاء أصحابنا أشاروا عليّ بالتقصير إذا كنت لا أنوي مقام عشرة وقد ضقت بذلك حتى أعرف رأيك ...) الحديث (٧٩) ويظهر منها أنّ الفقهاء كانوا لا يقبلون الإتمام ولذلك أرشدوه إلى التقصير، وكذلك يظهر من الصحيح المروي في كامل الزيارات عن سعد بن عبد الله قال: (سألت أيوب بن نوح عن تقصير الصلاة في هذه المشاهد مكة والمدينة وقبر الحسين g والكوفة والذي روي فيها؟ فقال: أنا أقصّر وكان صفوان يقصّر وابن أبي عمير وجميع أصحابنا يقصّرون)(٨٠).
نعم، قد يظهر من الثانية الاتفاق، ولكن ورد في خبر علي بن حديد الخلاف بين أصحابنا المتقدّمين، حيث قال: سألت الرضا g فقلت: إنّ أصحابنا اختلفوا في الحرمين فبعضهم يقصّر وبعضهم يتم، وأنا ممّن يتم على رواية قد رواها أصحابنا في التمام وذكرت عبد الله بن جندب أنّه كان يتم...)(٨١) ممّا يدل على أنّ المراد بصحيح أيوب بن نوح ليس الإيجاب الكلي بل الغالب.
ويظهر أنّ هذه الشهرة بمرتبة من الأهمية عند الشيعة حيث كانوا يطرحون لأجلها الأخبار المخالفة ويحملونها على التقية أو على محامل أخرى.
المقدمة الثالثة: إنّ اشتهار الفتوى بين أصحاب الأئمة i وبطانتهم المطلعين على مذاقهم i يكشف قطعياً عن مرادهم الجدّي.
وبالجملة: الشهرة في المقام موهِنة لأخبار التمام والتخيير، وإن كانت مستفيضة أو متواترة إجمالاً فيجب حملها على التقية أو على ما حملها عليه الصدوق من نيّة إقامة عشرة أيام(٨٢).
ويمكن أن يجاب على هذا الاستدلال بجوابين:
الجواب الأوَّل: أنْ يخدش في الشهرة المدعاة من وجهين:
الوجه الأوَّل: إنّ ما هو المذكور في الروايات المتقدّمة ـ من جريان عمل الأصحاب في القصرـ لم يتّضح كونه من باب الأخذ بأخبار القصر وترجيحها على أخبار التخيير والتمام فمن الممكن أنْ يكون من باب الاحتياط؛ لأنّهم كانوا يرون أنّ من غير المحتمل أفضليته، وعليه فالأمر دائر بين التخيير وتعيّن القصر، ومقتضى القاعدة فيه تعيّن الاحتياط.
الوجه الآخر: أنّ من الممكن معارضة الشهرة القديمة بالشهرة الحديثة بين فقهائنا المتأخرين بعد الشيخ الصدوق إلى زماننا هذا حيث إنّهم بين قائل بالتخيير، وقائل بتعيّن التمام ـ على ما حكي عن السيد المرتضى وغيره ـ فما هو المقدّم من بين هاتين الشهرتين؟
وفي تقديم أيٍّ من الشهرتين إذا تعارضتا احتمالات..
منها: تقديم الشهرة بين المتقدمين؛ لأنّها أقوى من جهة أقربيّة العهد بالأئمّة i.
ومنها: تقديم الشهرة بين المتأخرين؛ لأنّهم أدق نظراً وتأملاً وأكثر ملاحظة. وعدولهم عن شهرة المتقدمين يكشف عن الخلل في دليل الأولين، كما يظهر ذلك من الوحيد(٨٣).
وثالث: إلى التفصيل بين ترجيح الأولى إذا كان المستند هو محض النقل، وترجيح الثانية إذا كان المستند العقل والتعمق في دليل النقل كما يظهر من السيد المجاهد(٨٤).
والحقّ أنّه لا حجة في الشهرة المتأخّرة من جهة وضوح مدركها، إلّا أنْ يزداد وثوق النفس بموافقة المشهور أحياناً. وأمّا الشهرة بين المتقدمين فإن تبيّن مدركها فالعبرة به، وإلّا أخذنا بها إذا حصل الوثوق بالاعتماد على وجه إجمالي لا نعلمه، ولكن الظاهر عدمه في المقام؛ نظراً إلى أخبار الباب، كما سيتضح فيما يأتي في الجواب التالي.
الجواب الآخر: أنّ الشهرة في الفتوى ـ وفق بعض الأخبار ـ تصلح أن تكون منبّهاً أو موجباً لسلب الوثوق عن الطائفة المعارضة: إمّا صدوراً أو جهةً أو دلالةً، وما نحن فيه ليس كذلك؛ لأنّ أخبار التمام والتخيير سليمة من الجهات المذكورة جميعاً:
أمّا من جهة الصدور فلأنّ هذه الأخبار متواترة في مجموعها، فلا يصحّ التشكيك في صدورها.
وأمّا سلامتها من حيث الجهة فلأنّ حمل الأخبار الكثيرة على التقية غير ممكن، كما قال الشيخ المفيد: إنّ (ما خرج للتقية لا تكثر روايته عنهم كما تكثر رواية المعمول به)(٨٥).
وأمّا إثباتها من حيث الدلالة فلأنّ حمل هذه الأخبار على الإقامة عشراً مع ظهور بعضها في تعيّن التمام، بعيد جداً، ولاسيّما مع ما ورد فيها (وإن كنت ماراً، ولو صلاة واحدة).
أمّا الروايات الظاهرة في تعيّن القصر ففيها اتّجاهان:
الاتجاه الأوَّل: حمل جهتي على نحوين:
النحو الأوَّل: على التقية؛ بالنظر إلى ورود التقصير في الكتاب العزيز، وشهرته بين العامّة في أصل المسألة مع عدم خصوصية المواطن الأربعة.
النحو الآخر: إيقاع الخلاف من قِبلهم i بين الشيعة في الأحكام الموسعة، كما أشار إلى ذلك بعض مراجع العصر F(٨٦).
حيث يظهر من بعض الروايات أنّ أحد أسباب اختلاف الأخبار هو وجود الرقابة الشديدة على الأئمة i وشيعتهم في تلك الفترات فأوجب إيقاع بعض الاختلافات الشكلية والصورية في الأحكام التي لم تكن بتلك الدرجة من الأهمية، كما في الموسعات مثل موردنا أو في المستحبات، مع الاتفاق في الأحكام المهمة فيما بينهم؛ لأنّ اتفاق كلمتهم على الحكم يؤدي إلى كشف انتسابهم لهم i وقد أشير إلى ذلك في جملة من الأخبار:
أهمّها: ما رواه الكشي في الصحيح بقوله: حدثني حمدويه بن نصير، قال: حدثنا محمد بن عيسى بن عبيد قال: حدثني يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن زرارة. ومحمد بن قولويه والحسين بن الحسن، قالا: حدثنا سعد بن عبد الله قال حدثني هارون ابن الحسن بن محبوب، عن محمد بن عبد الله بن زرارة وابنيه الحسن والحسين ، عن عبد الله بن زرارة قال: قال لي أبو عبد الله g: (اقرأ منّي على والدك السلام، وقل له: إنّي إنّما أعيبك دفاعاً منّي عنك، فإنّ الناس والعدو يسارعون إلى كل من قربناه وحمدنا مكانه لإدخال الأذى في مَن نحبّه ونقرّبه ـ إلى أن قال ـ: وعليك بالصلاة الستة والأربعين، وعليك بالحجّ أن تهلّ بالإفراد، وتنوي الفسخ إذا قدمت مكّة فطفت وسعيت فسخت ما أهللت به، وقلبت الحج عمرة، أحللت إلى يوم التروية، ثم استأنف الإهلال بالحجّ مفرداً إلى منى، وتشهد المنافع بعرفات والمزدلفة، فكذلك حجّ رسول الله e، وهكذا أمر أصحابه أن يفعلوا: أن يفسخوا ما أهلوا به ويقلبوا الحج عمرة، وإنّما أقام رسول الله e على إحرامه لسوق الذي ساق معه، فإنّ السائق قارن، والقارن لا يحل حتى يبلغ الهدي محلّه، ومحلّه النحر بمنى، فإذا بلغ أحلّ، فهذا الذي أمرناك به حجّ المتمتع. فالزم ذلك ولا يضيقن صدرك، والذي أتاك به أبو بصير من صلاة إحدى وخمسين، والإهلال بالتمتع بالعمرة إلى الحج، وما أمرنا به من أن يهلّ بالتمتع فلذلك عندنا معان وتصاريف كذلك ما يسعنا ويسعكم ولا يخالف شيء من ذلك الحقّ ولا يضادّه، والحمد لله ربّ العالمين)(٨٧).
الاتّجاه الآخر: تحصيل تأويل دلالي لها كما سعى إليه جمع من الأعلام، إلّا أنّ عامّة الوجوه المذكورة لا تخلو من تكلّف، ممّا يوجب تعيّن الاتّجاه الأوَّل وهو الجمع الجهتي بطبيعة الحال، وهذا المعنى يتضح بملاحظة الأخبار الثمانية المتقدمة في الطائفة الثالثة، وما ذكر من التوجيه الدلالي لها لتنسجم مع ما هو المشهور من التخيير بمناقشة الأخبار.
أمّا الرواية الأولى ـ وهي حسنة الحضيني ـ فوجه دلالتها على القصر: أنّه يظهر من مفهوم الشرط انتفاء وجوب التمام وتعيّن القصر في حال عدم نية البقاء عشرة أيام في مكة والمدينة نافياً الفرق بينهما وبين غيرهما من باقي الأماكن.
المناقشة: وقد أُوّلت بوجهين لتناسب القول المشهور من التخيير
الوجه الأوَّل: ما ذكره صاحب الجواهر من حملها على إرادة الإتمام في منى وعرفات بناءً على عدم قدح ما دون المسافة في نية الإقامة(٨٨).
ولكن لا شاهد عليه بل يمكن القول بأنّ الظاهر منها كون محمد بن إبراهيم الحضيني عالماً ببقائه أقل من عشرة أيام في المشاعر؛ لأنّه يحضر قبل التروية بيومين أو ثلاثة ويرحل بعد أيام التشريق فتكون مدّة إقامته في مكّة ومنى وعرفات أقلّ من عشرة أيام ، ومن ثَمَّ أعاد سؤاله على الإمام g مرّة ثانية وبيّن أنّه غير قاصد للإقامة.
الوجه الآخر: ما عن الشيخ من الحمل على أفضلية نيّة الإقامة والإتمام وإنْ علم أنّه لا يقيم، حيث قال: (وهو المعتمد عندي، وهو أنّ من حصل بالحرمين ينبغي له أن يعزم على مقام عشرة أيام ويتمّ الصلاة فيهما وإن كان يعلم أنّه لا يقيم أو يكون في عزمه الخروج من الغد، ويكون هذا ممّا يختصّ به هذان الموضعان ويتميزان به من سائر البلاد؛ لأنّ سائر المواضع متى عزم الإنسان فيها على المقام عشرة أيام وجب عليه الإتمام)(٨٩).
ولكن الالتزام بثبوت الأفضلية مع نية الإقامة مع علمه بخروجه غير ظاهر، مع مخالفته لإجماع فقهاء الإمامية من الالتزام بالتمام من دون العزم على البقاء عشراً. والظاهر في هذا الخبر هو صدقه على وجه التقية؛ لأنّ المفهوم الذي تدل عليه ممّا يتناسب مع مشهور العامة، ولعل الإمام g أجاب بتقييد التمام بنية الإقامة لوجود من يتّقى منه.
إنْ قيل: بأنّهم لم يشترطوا نية العشرة أيام في إتمام المسافر لصلاته.
فيقال في جوابه: لعلّه اعتماداً على ما رووه عن أمير المؤمنين g من أنّه قال: يتمّ الصلاة الذي يقيم عشراً، وهو قول نسب لمحمد بن علي وابنه والحسن بن صالح(٩٠)، وهذا كافٍ في دفع ما يحذر، أو يقال إنّ الإمام g أراد أنْ يلقي الخلاف بين الشيعة
وقاية لهم.
وأمّا الرواية الثانية ـ وهي صحيحة ابن بزيع المتقدمة ـ فقد اُستدل بها على التقصير فيهما، كما في الفقيه حيث قال: (يعني بذلك أن يعزم على مقام عشرة أيام في هذه المواطن حتى يتم. وتصديق ذلك ما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع...)(٩١).
ووجه دلالة هذه الرواية على تعيّن القصر ـ رغم ما يحتمل بدواً من حمل الأمر بالقصر على جوازه فحسب من جهة كونه من قبيل الأمر بعد ما هو في مظنّة الحظر ـ: أنّ المورد ليس مظنة لحظر القصر فإنّ ابن بزيع سأل عن حكم الصلاة في مكّة حال السفر وردد فيه بين التمام والقصر، مع وضوح وجوب القصر على المسافر عند الطائفة، ويظهر من السائل التفاته إلى خصوصية المكان مرتكزاً في ذهنه احتمال التمام.
وحملت هذه الصحيحة على محامل عدّة كي تنسجم مع قول المشهور بالتخيير:
منها: ما ذكر في الجواهر من احتمال إرادة البلدين أو نواحيها بناءً على قصر الرخصة على المسجدين(٩٢). ولكنّه بعيد لعدم القرينة على إرادة ماعدا المسجدين منهما، بل لا يبعد إرادة المسجدين بقرينة أنّ اقتران مكة والمدينة في كلام السائل يكشف عن أنّ المراد هو المسجدان؛ بالنظر إلى أنّهما مقصد الزائرين أصالة، لا المدينتان أو نواحيها.
ويضاف إلى ذلك: أنّ الظاهر من هذه الصحيحة أنّ السؤال كان عن حكم المسافر إلى حرم مكة والمدينة في الصلاة، ويظهر أن السائل كان في ذهنه عدم تعيّن القصر للمسافر، وكون هذين المكانين خارجين عن القاعدة؛ ولذلك استعلم عن الحكم من الإمام g. فحمل الجواب على النظر إلى غير ما هو محلّ نظر السائل أمر غير وارد.
ومنها: ما ذكره السيد الحكيم S من حملها على إرادة نفي وجوب التمام لا نفي مشروعيته إذا لم ينوِ الإقامة عشراً(٩٣).
وقد يقال: إنّه بعيد بشهادة أنّ السائل ردّد في السؤال بين التقصير والتمام. نعم، لو سأل عن حكم التمام كما في بعض الأخبار(٩٤) لأمكن أن يقال: إنّه أراد السؤال عن تعيّنه ووجوبه، والإمام g كان بصدد نفي الوجوب، فالظاهر أنّ السائل كان يعلم بوجوب القصر في السفر، ولكنّه استعلم عن حكم الصلاة في مكة والمدينة، فكان الجواب تعيّن القصر فيهما.
ومنها: ما ذكره السيد الخوئي S من الحمل على التقية(٩٥)، ولعلّ هذا يمكن أن يستظهر إذا عرف أنّ مشهورهم العمل على التقصير، ومشهورنا خلافه(٩٦).
ولكن قد يقال :إنّ حمل الروايات الدالة على تعيّن القصر إلّا إذا أقام عشرة أيام ـ كما في هذه الصحيحة والخبر الآتي وغيرهما ـ على التقية غير صحيح بقرينة القيد المذكور في الذيل (ما لم تعزم على مقام عشرة)؛ لأنّ هذا الحكم وهو أنّ وجوب التمام مقيّد بالعزم على الإقامة عشرة أيام مختص بنا دون غيرنا من المسلمين؛ فإنّ بعضهم أوجب الإتمام دون أربعة أيام، أو الإحدى والعشرين صلاة، ولو كان المراد منها التقية لما احتيج إلى القيد، بل إنّ هذا يوقع المكلّف بما يخالف التقية؛ لأنّه لو نوى المقام تسعة أيام يجب عليه البقاء على القصر عندنا مع أنّ المخالفين يتمون.
ولكن يمكن أنْ يقال في التعليق على هذه الرواية: إنّها ممّا تحمل على النحو الثاني من أنحاء الجمع الجهتي من الحمل على إيقاع الخلاف بين الشيعة في الأحكام الموسعة كما في مثل المقام الذي يحكم فيه بالتوسعة على المكلف والتخيير بين القصر والتمام.
أمّا الرواية الثالثة ـ وهي خبر علي بن حديد ـ فالمناقشة فيها: أنّ السائل ينقل الخلاف في هذه المسألة بين الشيعة، وحاول أن ينصر أحد هذين القولين بسلوك عبد الله بن جندب ـ الذي وصفه الإمام الرضا g بأنّه من المخبتين(٩٧) وهو لا يقاس بغيره(٩٨) ـ والظاهر أنّ هذا الخلاف هو الذي أوجب التشكيك لابن حديد في الحكم وإلّا فإنّه كان يبني على التمام، فأراد من الإمام g أنْ يبيّن له الحكم، فأجابه الإمام بتعيّن القصر على المسافر إلى الحرمين ما لم ينوِ المقام عشرة أيام.
إن قلت: فلماذا ترحّم الإمام g على عبد الله بن جندب ولم ينكر فعله لو كان الحكم هو التقصير واقعاً؟
قلت: هو لم ينكر فعله لأنّه حمله على مَن عمل بوظيفته حيث اعتقد وجوب التمام عليه وإن كان هذا الاعتقاد غير صائب؛ لكونه معتمّداً على العمل بأخبار التمام الصادرة على وجه التقية. مضافاً إلى صحّة التمام في مواضع القصر، كما ورد في روايات أخرى فتكون صلواته محكومة بالصحّة.
وقد يجاب عن هذه الرواية: بأنّه يحتمل أنّ الإمام g كان بصدد نفي الإلزام، ويشهد لهذا..
أولاً: قول ابن حديد (وكان محبتي أنْ يأمرني بالإتمام) حيث يظهر أنّه كان قد سأل عن تعيّن الإتمام.
لكنّ الإنصاف أنّ قول ابن حديد هذا لا يفيد أكثر من الرغبة في موافقة فعله لأمر الإمام g ولم يكن سؤاله عن تعيّن التمام.
وثانياً: جواب الإمام g: (لا يكون الإتمام إلّا أن يقيم عشرة أيام...) على ذلك حيث إنّ الإمام بيّن في جوابه أنّ وجوب التمام وتعيّنه إنّما يكون بعد الإقامة، وهذا كاشف عن أنّ السؤال كان عن تعيّن التمام، ولكنّ المذكور فيه أنّ التمام لا يكون إلّا بعد الإقامة لا وجوبه وتعيّنه، فلاحظ.
أمّا الرواية الرابعة ـ خبر حمزة بن عبد الله الجعفري ـ فقد توجّه دلالتها للانسجام مع قول المشهور بالتخيير؛ بأنّ (المراد من الجواب إنَّما هو الأمر بالتقصير بعد السفر والخروج، فهو كناية عن الأمر بالسفر بمعنى سافِر وقصِّر؛ إذ الظاهر أنّ مراد السائل إنَّما هو الاستفهام عمّن نوى الإقامة، هل يجوز له إبطالها والخروج والقصر فيه أم لا بُدَّ من الإتمام ولو في الطريق إلى أن يتمّ أيام الإقامة كما يتوهمه كثير ممّن لم يقف على حكم المسألة)(٩٩).
ولكنّه مخالف للظاهر، ولا شاهد على إرادته من اللفظ كما لا يخفى.
وقد يستظهر أنّ الحكم في هذا الخبر محمول على التقية لمخالفته لما أجمع عليه أصحابنا من تعيّن التمام في أمثال المقام.
فإنْ قلت: لو صحّ ما قلت فلماذا أتمّ في صلاته الأولى؟
قلت: إنّ ناوي الإقامة يتمّ ولو كان لأربعة أيام أو عشرين صلاة أو كليهما عندهم، وهو المنسوب إلى مالك والشافعي. أو يقال: إنّه قد نوى الإقامة المجوزة عندهم للتمام وعندما عدل عن نيته لما جاءه من خبر وأراد السفر لا يستطيع أن يتمّ في ما بقي بعد عدم إمكان بقائه للمدّة المذكورة.
نعم، يمكن القول بأنّ هذه الرواية وردت في سياق النحو الثاني من موارد الحمل الجهتي، وهو إلقاء الخلاف بين الشيعة وقد عُبّر عنها بالتقية على ما في كلمات صاحب الحدائق من أنّ التقية قد تتحقق بإلقاء الخلاف بين الشيعة وإن لم يكن القول متبنىً من بعض المخالفين.
وعليه فلا بُدَّ من ردّ علمها إلى أهلها، وقد أعرض الأصحاب عنها لمخالفتها لما قام الإجماع عليه من أنّ وظيفة مَن عدل عن نية الإقامة بعد إتيانه بفريضةٍ تماماً هي البقاء على التمام بالإضافة إلى معارضتها لصحيحة أبي ولّاد(١٠٠).
الرواية الخامسة: صحيحة أبي ولّاد الحنّاط المتقدّمة وتقريب دلالتها على تعيّن القصر(١٠١): أنّ في كلٍّ من السؤال والجواب دلالة عليه:
أمّا سؤال السائل حيث سأل عن وظيفته حال العدول عن نية الإقامة ممّا يقتضي فراغه عن أنّه لو لم ينوِ الإقامة ابتداءً كانت وظيفته شرعاً القصر، لكن حيث إنّه نوى الإقامة أولاً، ثم عدل عنها شك في أنّ الواجب عليه القصر أو التمام.
أمّا جواب الإمام g فهو يدل على إقرار السائل على ذلك حين تضمّن إيجاب القصر عليه إذا لم يكن أتى بفريضة واحدة وعدل عن نية الإقامة، إلّا أن يبقى مدة شهر مردداً فيتم.
حيث قال: (إنْ شئت فانوِ المقام عشراً وأتمّ وإن لم تنوِ المقام فقصِّر ما بينك وبين شهر، فإذا مضى لك شهر فأتمّ الصلاة)، والأمر بالقصر في الشق الثاني ظاهر في تعيّن القصر، كما أنّ الأمر بالتمام في الشق الأول ظاهر في تعيّن التمام.
وقد أجيب عن هذه الصحيحة..
أولاً: بما ذكره العلّامة المجلسي الأول S (١٠٢) من حمل الأمر بالقصرفي الشق الثاني على الجواز، والأمر بالتمام في الشق الأول على الاستحباب، بمعنى أنّه إذا لم يكن أتى بالفريضة في حال نية الإقامة استحب له أنْ ينوي عشراً ويتمّ.
ويلاحظ عليه: أنّ السائل سأل عن وظيفته من القصر والتمام، فأمره بالقصر ظاهرٌ بوضوح في تعيّن القصر كما ذكرنا أولاً، وليس الأمر في مقام توهم الحظر بشيء معين حتى يحمل على مجرد الجواز، وتجريد دلالة الأمر على الرجحان والطلب بعيد جداً.
وثانياً: بما ذكره السيد الحكيم S بقوله: (أمّا صحيح أبي ولّاد فلتوقف الاستدلال به على كون التخيير بين القصر والتمام عاماً لجميع البلد. أمّا لو اختصّ بالمسجد فلا مجال له. مضافاً إلى إمكان دعوى كون السؤال عن حكم الإقامة في مطلق البلد، ولأجل ذلك استفيد منه الحكم الكلي، وإن كان للمدينة خصوصية دون غيرها. ولزوم تخصيص المورد لا مانع منه في مقام الجمع بين الأدلة)(١٠٣).
أقول: أمّا الاحتمال الأول في كلامه S فهو مبني على اختصاص التخيير بالمسجد، ولكن سيأتي ـ في الحلقة اللاحقة ـ أنّ الحكم عام لجميع المدينتين ولا يختصّ بالمسجدين. مضافاً إلى أنّه لا يبعد القول بأنّ القدر المتيقّن من سؤال السائل عن حكم الصلاة في المدينتين هو الحكم في المسجدين.
أمّا الاحتمال الثاني فظاهره أنّ السائل وإن سأل عن حكم المدينة، ولكنّ المراد الأعمّ منها وهو مطلق البلد، وأمّا حكم المدينة التي كانت مورداً للسؤال فلا مانع من استثنائها من هذا الحكم المطلق.
أقول: إنّ دعوى استثناء المورد من حكم العام في بعض الروايات وقعت محلاً للخلاف بين الأعلام: فبعض اختار فيها كون العام فيها كالخاص في الدلالة. وبعض اختار بقاءه على عمومه. واختار الأول منهما من الأعلام سيد المدارك والمحقق السبزواري T. ولعلّ أول من اختار الثاني هو الوحيد، وذكر ذلك في حاشيته(١٠٤) وتبعه غيره.
والصحيح هو الأوَّل الذي اختاره السيد الخوئي S (١٠٥) من التفصيل بين كون جواب الإمام g معقوداً على السؤال وناظراً إليه فيكون نصّاً في الخاص، وبين صورة كون المجيب إنَّما تعرض لحكم كلي، وما ذكر في السؤال إنَّما كان من باب المثال، فيبقى على عمومه.
والمقام يظهر منه أنّ جواب الإمام g كان ناظراً إلى السؤال بقرينة قوله: (حين دخلت المدينة، حين دخلتها) فيكون نصّاً في المورد، ومنه يظهر دلالة الصحيحة على تعيّن القصر.
أمّا الرواية السادسة ـ صحيحة معاوية بن عمار ـ فقد حاول الشيخ أن يحملها على الجواز ولكنّه بعيد؛ لظهور الأمر في تعيّن التمام، وصرفه عن الرجحان في غاية البعد عن ظهور البيان.
والتفصيل بين الإحلال والإحرام في التقصير والتمام ممّا لم يقل به أحد. ويمكن أن تحمل على ما ذكر من إيقاع الخلاف بين المؤمنين لتجنب المسيئين والمتربصين.
ودعوى الحمل على التقية بعيدة؛ لعدم قائل من العامة بالتفصيل المذكور بين الإحلال والإحرام.
وأمّا الروايتان السابعة والثامنة ـ وهما معتبرتا معاوية بن وهب ـ فالظاهر رجوعهما إلى رواية واحدة.
والمناسب حملهما على التقية؛ لما يظهر منهما من أنّ الإمام g إنَّما أمرهم بالتمام لخمس خوفاً عليهم من مخالفة الناس، وكذلك أمر السائل بالتقصير لما في التقصير من الموافقة للكتاب ولبعض علمائهم لهذا الحكم، فكلّ من عنوان التمام والقصر راجع للتقية، ولكن مع اختلاف الجهة.
ويظهر ممّا ذكرنا أنّ الاتّجاه الثاني ـ وهو الجمع الدلالي لأخبار تعيّن القصر بما لا ينافي جواز التمام ـ ليس وجيهاً، فالمتعيّن في معالجة هذه الأخبار هو الاتّجاه الأوَّل وهو الحمل الجهتي.
ومن خلال استعراض ما تقدّم من المواقف يظهر أنّ الصحيح هو التخيير بين الإتمام والقصر وأفضلية التمام، ومتانة الوجه الثاني في معالجة الأخبار.
وبهذا تمّ الكلام عن المقام الأوَّل، ويليه الكلام في المقام الثاني في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.
(١) بداية المجتهد ونهاية المقتصد: ١/ ٤٧٣.
(٢) الشرح الكبير: ٢/ ٩٠.
(٣) الرياض: ٤/ ٣٧٩.
(٤) مصابيح الظلام: ٢/ ١٩٥.
(٥) النساء: ١٠١.
(٦) النساء: ١٠١.
(٧) البقرة: ١٥٨.
(٨) من لا يحضره الفقيه: ١/ ٤٣٤.
(٩) من لا يحضره الفقيه: ٢/ ١٤١، ح١٩٧٧.
(١٠) يُلاحظ الكافي: ٤/ ١٢٧, باب كراهية الصوم في السفر، ح٦.
(١١) المصدر السابق، ح٢.
(١٢) صحيح مسلم: ٢/ ١٤٣.
(١٣) المغني: ٢ /١١٠.
(١٤) صحيح مسلم: ٢/ ١٤٣.
(١٥) مفتاح الكرامة: ١٠/٢٩٧.
(١٦) رسائل السيد المرتضى (جمل العلم والعمل): ٣/ ٤٧.
(١٧) مستند الشيعة: ٨/ ٣١٣.
(١٨) الخصال: ٢٥٢.
(١٩) مختلف الشيعة: ٣/ ١٣٢.
(٢٠) من لا يحضره الفقيه ج١ ب ٥٩ باب الصلاة في السفر.
(٢١) المهذب: ١/ ١٠٤.
(٢٢) مصابيح الظلام: ١/ ١٨٧.
(٢٣) جواهر الكلام: ١٤/ ٣٣٠.
(٢٤) كامل الزيارات: ٤٢٩.
(٢٥) جواهر الكلام: ١٤/٣٣٠.
(٢٦) من لا يحضره الفقيه ج١ب الصلاة في السفر.
(٢٧) يُلاحظ الخصال: ٢٥٢.
(٢٨) وسائل الشيعة: ٨/٥٢٦، ب٥ ٢ أبواب صلاة المسافر ح ١٠.
(٢٩) المصدر السابق, ص٥٢٦ـ ٥٢٧، ح١١.
(٣٠) كامل الزيارات: ٤٣٢، ح٩.
(٣١) وسائل الشيعة: ٨/ ٥٢٧، ب ٢٥من ابواب صلاة المسافر، ح ١٢.
(٣٢) المصدر السابق، ص٥٢٩، ح ١٦.
(٣٣) المصدر السابق، ح ١٩.
(٣٤) المصدر السابق, ص٥٣٢، ح ٢٨.
(٣٥) المصدر السابق، ص٥٢٤، ح ١.
(٣٦) المصدر السابق، ح ٢.
(٣٧) المصدر السابق، ص٥٢٥، ح ٤.
(٣٨) المصدر السابق، ح ٥.
(٣٩) المصدر السابق، ص٥٢٦، ح ٦.
(٤٠) المصدر السابق، ح ٧.
(٤١) المصدر السابق، ح ٨.
(٤٢) المصدر السابق، ص٥٢٧، ح١٣.
(٤٣) المصدر السابق، ص٥٣٠، ح ٢١.
(٤٤) المصدر السابق، ص٥٢٨، ح ١٤.
(٤٥) المصدر السابق، ص٥٢٩، ح ١٧.
(٤٦) المصدر السابق، ص٥٣٠، ح ٢٢.
(٤٧) المصدر السابق، ص٥٣٢، ح ٣٠.
(٤٨) المصدر السابق، ص٥٣٢ـ ٥٣٣، ح ٣١.
(٤٩) المصدر السابق، ص٥٢٩، ح ١٨.
(٥٠) المصدر السابق، ص٥٣٠، ح ٢٠.
(٥١) المصدر السابق, ص٥٣٠، ح ٢٣.
(٥٢) المصدر السابق، ص٥٣١، ح ٢٥.
(٥٣) المصدر السابق، ح ٢٦.
(٥٤) المصدر السابق، ح ٢٩.
(٥٥) المصدر السابق، ص٥٢٨، ح ١٥.
(٥٦) أخبرني الشيخ أبو عبد الله, والحسين بن عبيد الله، وأحمد بن عبدون كلّهم، عن أبي محمّد الحسن ابن الحمزة العلوي، وأبي جعفر محمّد بن الحسين البزوفري جميعاً، عن أحمد بن إدريس، عن محمّد بن أحمد بن يحيى.
(٥٧) رجال الكشي: ٥٦٤, رقم (١٠٦٤). وقد يستظهر سقوط كلمة (سألت) قبل حمدان من النسخ فيكون المسؤول هو حمدان بن أحمد.
(٥٨) تهذيب الأحكام: ٥/٤٢٦ ح١٤٨٢, روى نحوها الصدوق في الفقيه: ١/٢٨٣ وطريق الصدوق إلى ابن بزيع صحيح, وسائل الشيعة ج٨ ب٢٥ ح٣٢.
(٥٩) الفقيه ج٤في المشيخة, التوحيد, الأمالي، عيون أخبار الرضا g, علل الشرائع, الخصال.
(٦٠) معجم رجال الحديث: ٢/ ٣٦٥.
(٦١) تهذيب الأحكام: ٥/ ٤٢٦, وسائل الشيعة: ٨/ ٥٣٣،ب من أبواب صلاة المسافر٢٥، ح٣٣.
(٦٢) تهذيب الأحكام:٧/١٠١, الاستبصار باب البئر يقع فيه الفأرة والوزغة, حيث قال (مضعّف جداً).
(٦٣) تهذيب الأحكام: ٧/ ٢٧٦، ونحوه في الاستبصار: ٣/ ١٥٩.
(٦٤) علل الشرائع ب ١٤٢علة وجوب الحج والطواف ح٣, تهذيب الأحكام: ١٠/ ١٧٧.
(٦٥) تهذيب الأحكام: ٧/ ٣٧٣, ٩/ ١١٨, ١٠/ ٢٦٠, وغيرها كثير.
(٦٦) تهذيب الأحكام: ٣/ ٢٢١, وسائل الشيعة ج٨ ح٢ ب١٨أبواب صلاة المسافر.
(٦٧) تهذيب الأحكام: ٣/ ٢٢١, وسائل الشيعة ج٨ب١٨ من أبواب صلاة المسافر ح١.
(٦٨) وسائل الشيعة: ٨/ ٥٢٥، ٢٥ أبواب صلاة المسافر، ح٣.
(٦٩) المصدر السابق، ص٥٣١، ح٢٧.
(٧٠) المصدر السابق، ص٥٣٤، ح٣٤.
(٧١) المدارك: ٤/ ٤٦٦, ذخيرة المعاد: ٤١٣.
(٧٢) منتقى الأصول: ٧/ ٢٨٣.
(٧٣) منتقى الأصول: ٧/ ٢٨٣.
(٧٤) بحوث في علم الأصول: ٧ / ٢٢٨.
(٧٥) الوحيد البهبهاني, حيث قال: (أمّا ما دلّ على تحتم التقصير على مرجوحيته ففي غاية البعد وشدة المخالفة للظاهر لا يرضى به خصوصاً عند الشارح). يُلاحظ: حاشية المدارك: ٣/ ٤٢١.
(٧٦) مجمع الفائدة والبرهان: ٣/ ٤١٢.
(٧٧) مستند العروة الوثقى (كتاب الصلاة): ٢٠/ ٣٩٦.
(٧٨) تهذيب الأحكام: ٥/ ٤٣٠، ح١٤٠.
(٧٩) وسائل الشيعة: ٨/ ٥٢٥، ب٢٥ من ابواب صلاة المسافر، ح٤.
(٨٠) كامل الزيارات: ٤٢٩، ب٨١، ح٩.
(٨١) تهذيب الأحكام: ٥/ ٤٢٦ ح١٢٩.
(٨٢) البدر الزاهر: ٣٢٦.
(٨٣) الفوائد الحائرية: ٣١٣.
(٨٤) لاحظ مفاتيح الأصول: ٥٧٤.
(٨٥) تصحيح اعتقادات الإمامية: ١٤٨.
(٨٦) تعارض الأدلة من تقريرات بحث السيد السيستاني F: ٢٤٨.
(٨٧) اختيار معرفة الرجال: ١/ ٣٤٩، ح٢٢١.
(٨٨) جواهر الكلام: ١٤/ ٣٣٥.
(٨٩) تهذيب الأحكام: ٥/ ٤٢٧.
(٩٠) المغني: ٢/ ١٣٣.
(٩١) من لا يحضره الفقيه: ١/ ٢٨٣.
(٩٢) جواهر الكلام: ١٤/ ٣٣٤.
(٩٣) مستمسك العروة الوثقى: ٨/ ١٨١.
(٩٤) وسائل الشيعة: ٨/ ٥٣٠، ب٢٥ من ابواب صلاة المسافر، ح٢١، ٥٢٩ ح١٧، ١٨.
(٩٥) مستند العروة الوثقى (كتاب الصلاة): ٢٠/ ٤٠١.
(٩٦) وقد تقدّم ترجيح شهرة القول بالتخيير.
(٩٧) اختيار معرفة الرجال: ٢/ ٨٥٢ ح١٠٩٨.
(٩٨) المصدر السابق، ص٨٥١.
(٩٩) الحدائق الناضرة: ١١/ ٤١٦.
(١٠٠) لاحظ مجمع الفائدة والبرهان: ٣/ ٤٠٨، مستمسك العروة الوثقى: ٨/ ١٢٥، مستند العروة الوثقى (كتاب الصلاة): ٢٠/ ٢٨٥.
(١٠١) لاحظ مصابيح الظلام: ٢/ ١٩٢.
(١٠٢) روضة المتقين: ٤/ ٣٧٠.
(١٠٣) مستمسك العروة الوثقى: ٨/ ١٨١.
(١٠٤) حاشية مدارك الأحكام: ٢ /٣٦٥.
(١٠٥) مستند العروة الوثقى: ١٢/١٩٤.