رباعيّة المسافر في المواضع الأربعة
(الحلقة الثانية)
الشيخ جاسم الفهديّ (دام عزّه)
|
للمواضع الأربعة التي حكم بالتخيير فـي فرائضهـا الرباعيّة خصوصيات فريدة تميّزت فيها عن سائر البقاع. وفـي بيان حدود هذه المواضع وما يترتّب عليها من الأحكام اختلفت كلمات الأعلام تبعاً لاختلاف الروايات. وهـذه الورقـات محاولـة فـي تأمّـل وجـوه الـروايـات، ولمـلمة شـتات هـذه الكـلمـات لمعـرفة حدود هذه المواضع، والنظر فـي إمكان شمول أحكامها إلى سائر مشاهد الأئمّة i. |
بسم الله الرحمن الرحيم
البحث في صلاة المسافر واحد من أهمّ الأبحاث التي اهتمّ بها الفقهاء لحاجة المكلّف إلى مسائله وصوره، ومنها مسألة صلاة المسافر إلى المواضع الأربعة، وهي: مكّة المكرّمة، والمدينة المنوّرة، والكوفة، وحرم الحسين g.
وبعد أن تقدّم الكلام في المقام الأوَّل من حكم الصلاة الرباعيّة للمسافر إلى المواضع الأربعة، واستعراض الأقوال الثلاثة فيها، وهي: ما ذهب إليه المشهور من التخيير بين القصر والتمام وأفضلية التمام، وما اختاره الشيخ الصدوق x من تعيّن القصر، وما نسب للسيّد المرتضى x من تعيّن التمام فيها.
والذي ظهر بعد استعراض أدلّة هذه المواقف أنّ الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور، اعتماداً على الجمع بين الروايات الدالّة على التخيير والروايات الظاهرة في تعيّن التمام، وحمل الروايات الدالّة على تعيّن القصر حملاً جهتيّاً ـ يقع البحث في المقام الثاني، وهو: في بيان حدود المواضع الأربعة التي حُكم بالتخيير فيها، وهل يختصّ الحكم في المساجد الثلاثة والحائر، أو يعمّ البلدان الثلاثة والحائر، أو يشمل البلدان الأربعة؟ وسوف نستعرض الأقوال فيها، وبيان الأدلّة عليها من خلال أربعة مواضع:
الأوَّل: في حدود مكّة المكرّمة، والمدينة المنوّرة.
الثَّاني: في حدود الكوفة، وهل يشمل الحكم مدينة النّجف الأشرف؟
الثَّالث : في تحديد الحائر الحسيني.
الرَّابع: في دعوى شمول الحكم لجميع مشاهد الأئمّة i.
المقام الثَّاني
في بيان حدود الأماكن الأربعة
وقع الخلاف بين الأعلام في حدودها؛ لما ورد من الأخبار.
نعم، استُظهر اختصاص الحكم بالحرمين وعدم ثبوته في الكوفة وقبر الحسين g من كلام المحقّق الشيخ حسن في المنتقى؛ لعدم تعرّضه لأخبارهما، كما نبّه عليه في مفتاح الكرامة حيث قال: (ولم يتعرّض لمسجد الكوفة والحائر الشريف في المنتقى، ولعلّه لعدم صحّة أخبارهما عنده، فليتأمّل فيه)(١).
وظاهره النظر إلى ما ذُكر في منتقى الجمان من بعض الأخبار الصحاح والحسان في حكم التخيير في الحرمين حيث علّق عليها قائلاً: (واعلم أنّ الذي يتحصّل من هذه الأخبار وما سيجيء بمعناها هو ثبوت التخيير بين التقصير والإتمام في الحرمين)(٢). ولكنّه ذكر في موضع آخر من نفس الباب صحيحة حمّاد بن عيسى عن أبي عبد الله g أنّه قال: (من مخزون علم الله الإتمام في أربعة مواطن: حرم الله، وحرم رسوله، وحرم أمير المؤمنين، وحرم الحسين بن علي)(٣).
وهذه الصحيحة أهمّ الروايات التي يتمسّك بها لإثبات الحكم في الكوفة والحائر الشريف كما سيأتي.
ونتطرّق في هذا المقام إلى الأخبار التي دلّت على حكم الصلاة في المواطن الأربعة، وما قيل فيها لمعرفة حدودها التي جاز فيها التخيير في الصلاة.
ويقع الكلام في مواضع:
الموضع الأوَّل: في الحرمين: مكّة المكرمة والمدينة المنوّرة.
وفيه عدّة أقوال:
١. شمول الحكم لمكّة والمدينة، وعدم الاختصاص بالمسجدين.
وهو مختار الشيخ في الخلاف والمبسوط والنهاية، ومختار المحقّق في جميع كتبه، ومختار العلّامة في المنتهى والتحرير، ومختار مجمع الفائدة والبرهان، والذخيرة، والحدائق، وكذلك مختار السيّد الخوئي x، وقد وصِف في الحدائق بأنّه المشهور، وفي الرياض بالأشهر.
٢. اختصاص الحكم بالمسجدين.
وهو ما ذهب إليه ابن إدريس، والعلّامة في القواعد والمختلف والتذكرة والنهاية، وكذلك الشهيد الأوّل في الذكرى والدروس واللمعة، والشهيد الثاني في الروض والروضة، وقال صاحب الجواهر: (وقد قيل: إنّ المشهور هنا الاقتصار في الحرمين على المسجدين منه)(٤).
٣. اختصاص الحكم بالحرمين.
وهو أعمّ من المسجدين ويساوق البلد والمدينة، وأمّا مكّة فبينها وبين الحرم سابقاً عموم مطلق؛ لأنّ من الحرم ما هو خارج عن مكّة، ولكن كلّ مكّة كانت حرماً إلّا أنّها توسّعت لاحقاً فكان بعضها من الحرم دون بعض.
وقد عُبّر بالحرمين في التلخيص، والإرشاد، والتبصرة، والمنتقى(٥). وهذا ما استظهره غير واحد ـ كصاحب مفتاح الكرامة ـ من كلمات الشيخ في التهذيب، حيث قال: (ويستحب إتمام الصلوات في الحرمين؛ فإنّ فيه فضلاً كثيراً)، ثمّ قال: (ومن حصل بعرفات فلا يجوز له الإتمام على حال)(٦).
لكن أُشكل بأنّ هذا ليس قولاً في قبال الأقوال الأُخر، بل المراد بالحرمين هو بلدة مكّة والمدينة كما فسّره الشهيد الثاني في روض الجنان(٧).
٤. شمول الحكم لجميع مكّة واختصاصه بالمسجد النبوي في المدينة.
وهو ظاهر السيّد المرتضى، حيث قال: (ولا تقصير في مكّة، ومسجد النبي e، ومسجد الكوفة، ومشاهد الأئمّة القائمين مقامه)(٨).
والكلام يقع تارة في مقتضى القاعدة ـ أي الأصل الأوّلي ـ وأخرى في الأخبار.
أمّا مقتضى القاعدة فهو تعيّن القصر من جهة الأدلّة العامّة التي دلّت على وجوب القصر على المسافر فيخرج عنه بمقدار ما تفي به الأخبار الخاصّة المتقدّمة الدالة على وجوب التمام أو التخيير، فإن وَفَت بالشمول لما يزيد على المسجد أخذ بذلك، وإلّا تعيّن الاقتصار على المسجد؛ لأنّه المتيقّن فيتمسّك بالأصل فيما شكّ فيه، وهو وجوب القصر. وقد أشار إلى هذا في الرياض والجواهر(٩).
وأمّا الأخبار فهي على طوائف أربع وفق الأقوال الأربعة:
الطّائفة الأولى: ما دلّ على شمول الحكم لتمام البلدتين:
وهي على قسمين:
الأوَّل: ما جاء فيه ذكر المدينة على لسان السائل.
والآخر: ما جاء فيه ذكر المدينة في كلام الإمام g.
أمّا القسم الأوّل فهو روايات ستّ:
منها: ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن علي بن محبوب، عن محمّد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: (سألت أبا عبد الله g عن التمام بمكّة والمدينة؟ فقال: أتم وإن لم تصلِّ فيهما إلَّا صلاة واحدة)(١٠).
ومثلها الرواية الأولى والرابعة والخامسة من الطائفة الأولى، والرواية السابعة من الطائفة الثانية، والرواية الثانية من الطائفة الثالثة من الطوائف المتقدّمة في أصل المسألة.
القسم الآخر: ما ورد ذكر المدينة فيه على لسان الإمام g:
منها: ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن صفوان، عن مسمع، عن أبي عبد الله g قال: (إذا دخلت مكّة فأتم يوم تدخل)(١١).
ومثلها: الرواية الخامسة، والسادسة، والتاسعة عشرة، والعشرون من الطائفة الثانية المتقدّمة في أصل المسألة.
الطّائفة الثَّانية: ما دلّ على كون مورد الحكم هو الحرم، وهي روايات كثيرة بل هي أكثر روايات الباب الخامس والعشرين من أبواب صلاة المسافر:
منها: ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن الحسن بن علي بن النعمان، عن أبي عبد الله البرقي، عن علي بن مهزيار وأبي علي بن راشد جميعاً، عن حمّاد ابن عيسى، عن أبي عبد الله g أنّه قال: (من مخزون علم الله الإتمام في أربعة مواطن: حرم الله، وحرم رسوله e، وحرم أمير المؤمنين g، وحرم الحسين بن علي g)(١٢).
ومثلها: الرواية الثانية، والثامنة، والتاسعة، والثالثة عشرة، والرابعة عشرة، والخامسة عشرة، والسادسة عشرة من الطائفة الثانية، والرواية الأولى من الطائفة الثالثة.
الطائفة الثَّالثة: ما دلّ على كون مورد الحكم هو المسجد، وهي عدّة روايات:
منها: ما رواه الشيخ عن محمّد بن الحسن، عن الصفار، عن محمّد بن الحسين، عن الحسن بن حمّاد بن عديس، عن عمران بن حمران، قال: (قلت لأبي الحسن g: أقصّر في المسجد الحرام أو أتم؟ قال: إن قصّرت فَلَك، وإن أتممت فهو خير، وزيادة الخير خير)(١٣).
ومثلها: الرواية السادسة من الطائفة الأولى، والرواية العاشرة، والسابعة عشرة، والثامنة عشرة من الطائفة الثانية.
المناقشة في هذه الطّوائف:
أمّا الطّائفة الأولى فهي تدلّ على إتمام الصلاة في المدينتين بتمام أجزائهما. وهذه الدلالة تنعقد في القسم الثاني ــ وهو ما ذُكرت فيه المدينتان في كلام الإمام g نفسه ــ من وجهين:
أحدهما: ظهور أخذ المدينتين موضوعاً للحكم.
والآخر: إطلاق الحكم لجميع أجزائهما.
أمّا القسم الأوّل الذي ورد فيه ذكر المدينتين في كلام السائل فلا ينعقد الوجه الأوّل للدلالة بعد عدم ذكر الموضوع في كلام الإمام g، ولكن ينعقد الوجه الآخر لعدم تفصيل الإمام g في الجواب بين أجزاء المدينتين.
وقد يشكل على هذا: بـأنّ ما ذكر لا يستفاد منه العموم والشمول لجميع الأجزاء ما دام هناك حالة شائعة وهي الصلاة في المسجدين، وذلك نظير ما ذكره غير واحدٍ في مناقشة دلالة الروايات التي ذكرت هذا الحكم في المساجد على الاختصاص بها حيث قالوا: إنّ هذا الحكم غالبي؛ لأنّ الغالب في الناس هو إقامة الصلاة في المساجد الثلاثة والحائر المشرّف، فكذلك يقال هنا: إنّ هناك حالة غالبة كانت منظورة بين السائل والإمام ـ وهي الصلاة في المسجد ـ فينصرف إليها الجواب.
وعلى هذا فلا يمكن التمسّك بهذا القسم من الروايات.
ويجاب عن هذا الإشكال: بأنّ المطلق لا يختصّ بالفرد الغالب ما لم يتحقّق الانصراف بالنسبة إليه. ومجرّد تعارف الصلاة خارجاً في المسجدين لا يوجب الانصراف إليها عرفاً. على أنّه لم يثبت فيمن تواجد في المدينتين أنّ الغالب فيه الإتيان بجميع الصلوات الرباعيّة في المسجدين من الرجال والنساء والشيوخ والعجائز والضعفاء والمرضى الذين وردت لهم تسهيلات في غير موضع من أحكام الحجّ.
أمّا الطّائفة الثَّانية ـ التي دلّت على ثبوت الحكم في الحرمين ـ فيمكن القول: إنّ المراد بالحرمين فيها مكّة والمدينة، فتشمل سائر أجزاء مكّة حتى ما كانت خارجة من الحرم دون خصوص المسجدين.
ويدلّ على ذلك قسمان من الروايات:
القسم الأوَّل: ما دلّ صريحاً على تفسير الحرمين بمكّة والمدينة كما في صحيحة ابن مهزيار، قال: (كتبت إلى أبي جعفر الثاني g: أنّ الرواية قد اختلفت عن آبائك في الإتمام والتقصير للصلاة في الحرمين، فمنها: أن يأمر تُتَمّ الصلاة، ولو صلاة واحدة. ومنها: أن يأمر تقصّر الصلاة ما لم ينوِ مقام عشرة أيام، ولم أزل على الإتمام فيهما إلى أن صدرنا في حجّنا في عامنا هذا، فإنّ فقهاء أصحابنا أشاروا عليّ بالتقصير إذا كنت لا أنوي مقام عشرة، وقد ضقت بذلك حتى أعرف رأيك؟ فكتب بخطه g: قد علمت يرحمك الله فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما، فأنا أحبُّ لك إذا دخلتهما أن لا تقصّر، وتكثر فيهما من الصلاة.
فقلت له بعد ذلك بسنتين مشافهة: إنّي كتبت إليك بكذا، فأجبت بكذا؟ فقال: نعم. فقلت: أي شيء تعني بالحرمين؟ فقال: مكّة والمدينة)(١٤).
وهذا ما ذهب إليه السيّد الحكيم(١٥)، والسيّد الخوئي S. وقال الأخير: (وفسّر ذلك في صحيحة ابن مهزيار... الشارحة لبقية الأخبار بمكّة والمدينة، فبمقتضى هذه الصحيحة المفسِّرة... يكون التخيير ثابتاً في تمام البلدين الشريفين)(١٦).
القسم الآخر: ما ورد ذكر مكّة والمدينة ثمّ توصيفهما بحرم الله وحرم رسوله، مثل صحيحة حسّان بن مهران، قال: (سمعت أبا عبد الله g يقول: قال أمير المؤمنين g مكّة حرم الله، والمدينة حرم رسول الله e، والكوفة حرمي، لا يريدها جبّار بحادثة إلَّا قصمه الله)(١٧)، ومثلها رواية خالد القلانسي(١٨)، وصحيحة معاوية بن عمار(١٩)، فإنّ ذلك يبيّن لنا أنّ المراد من الروايات المطلقة لمكّة والمدينة هو الحرمين.
وأمّا الطّائفة الثَّالثة ـ المتضمّنة لذكر الإتمام في المسجدين ـ فقد يستدلّ بها على أنّ المراد بها تخصيص الحكم بهما، بتقريب: أنّ هذه الطائفة من الروايات قد قيّدت الحكم بالمسجد دون سائر البلد فتكون أخصّ من الروايات السابقة، فتخصّصها وفق قاعدة حمل المطلق على المقيّد. وعليه فيختصّ الحكم بالتمام في المسجد، ولا يشمل سائر أجزاء البلدين.
وقد يجاب عن هذا: بأنّ قاعدة حمل المطلق على المقيّد إنّما تجري حال ثبوت التعارض بين المطلق والمقيّد، ولا تتمّ حال كونهما مثبتين(٢٠).
توضيحه: أنّه وقع كلام بين علماء الأصول فيما هو الأساس في حمل المطلق على المقيّد في حال توافقهما في الكيف كالمثبتين؟
بيان ذلك أنّ المطلق تارة: يكون شموليّاً كما في مثال (أكرم العالم) و(أكرم العالم الفقيه). وأخرى: يكون بدليّاً كما في (أعتق رقبة) و(أعتق رقبة مؤمنة).
ثمّ المقيّد تارة: يوافق المطلق في الكيف كما في الأمثلة المتقدّمة. وأخرى: يخالفه كما في (أكرم العالم) و(لا تكرم العالم الفاسق)، ولا شكّ في حمل المطلق على المقيّد في حال اختلافهما في الكيف من جهة وضوح التنافي بينهما من قبيل (أكرم العالم) و(لا تكرم العالم الفاسق). كما أنّ المشهور حمل المطلق على المقيّد إذا كانا مثبتين وبدليلين، مثل: (أعتق رقبة) و(أعتق رقبة مؤمنة)، ولكن وقع البحث في حال كونهما مثبتين شموليين ـ كما هو محلّ الكلام ـ فهنا صورتان:
الصّورة الأولى: أن يكون التعبير عن المقيّد بمفهوم وحداني كما في المقام، حيث إنّ ما دلّ على الإتمام في المسجدين لم يُذكر فيه المسجدان على سبيل التقييد للبلدين بأن يقال: (صلِّ تماماً في البلدين عند دخول المسجدين) بل جاء ذكر المسجدين ابتداءً. والمعروف عندهم عدم ثبوت المفهوم في هذه الحالة لعدم ثبوت مفهوم اللقب فيُؤخذ بكلٍّ من المطلق والمقيّد المثبتين لعدم تنافيهما أصلاً.
الصّورة الأخرى: أن يكون التعبير بالمقيّد بمفهوم تركيبي مؤلّفٍ من ذاتٍ وقيدٍ كما في (أكرم العالم) و(أكرم العالم الفقيه) فهنا لعلماء الأصول قولان، قول: بحمل المطلق على المقيّد، وقول آخر: بالأخذ بالمطلق وحمل المقيّد على أغلب الأفراد أو أفضلها.
ووجه القول الأوّل ـ من حمل المطلق على المقيّد ـ أحد تقريبات:
التّقريب الأوَّل: ما يبنى على القول بدلالة الجملة الوصفية على المفهوم، فيحصل التنافي بين مفهوم القيد ومنطوق المطلق، وعليه فلا بُدَّ من حمل المطلق على المقيّد.
التّقريب الثَّاني: تقرير التنافي بينهما على أساس ظهور القيد في الاحتراز، وهذا ما ذهب إليه المحقّق النائيني S حيث قال: (إنّ مجرّد غلبة القيد لا يوجب رفع اليد عن
ظهوره في كونه للتقييد؛ فإنّ الأصل في التقييد أن يكون للاحتراز، إلَّا إذا عُلم من الدليل أو من الخارج ورود القيد مورد الغالب بحيث كان ذكره لمجرّد الغلبة لا للاحتراز به، كما في الآية المباركة)(٢١).
فعلى هذين التقريبين قد يصحّ حمل الأخبار المتضمّنة للإتمام في البلدين على الأخبار المتضمّنة للإتمام في المسجدين.
التّقريب الثَّالث: ما ذهب إليه جمع ـ كالسيّد الخوئي S ـ من أنّ الأساس في حمل المطلق على المقيّد هو أن يعدّ المقيّد قرينة عرفيّة في التصرّف في المطلق، فإنّ العرف إذا كان يرى المقيّد قرينة على التصرّف في المطلق حَمَله عليه، وإلَّا فلا(٢٢).
والملاحَظ أنّ السيّد الخوئي S وإن بنى على دلالة الوصف على المفهوم بنحو جزئي وعدم كون موضوعه الطبيعي إلَّا أنّه مع ذلك بنى في حمل المطلق على المقيّد على أنّه يحتاج إلى فرض قرينيّة المقيّد على التصرّف في المطلق عرفاً، وعليه فإذا وجدت نكتة ـ كما في قرينة الغلبة ـ فإنّها تمنع من هذا الحمل.
وبناءً على هذا التقريب يمكن منع حمل المطلق على المقيّد في المقام بدعوى عدم تماميّة القرينة فيه لأحد وجهين:
أوّلهما: وجود الغلبة؛ وذلك لأنّ الغالب في مَن يقدم البلدين أن يقوم بإيقاع الصلاة في المسجدين.
ثانيهما: وجود مزية في المذكور من حيث فضيلة الصلاة في المسجد، وربمّا لهذا ذكر في مجمع الفائدة والبرهان: أنّ ذكر المسجد لفضيلة ونحوها(٢٣)، وفي الحدائق قال: لمزيد
الشرف(٢٤).
وقد يجاب عن هذا بجوابين:
الجواب الأوَّل: ما ذكره صاحب الجواهر S من أنّ الأقرب حمل الحرمين والبلدين على المسجدين كما ورد الإتمام في الكوفة والحائر؛ فإنّ الظاهر وجوب الاقتصار فيهما على المسجدين منهما وإن ورد بلفظ الحرم في بعض النصوص، إلَّا أنّه يُنزّل على خصوص ذلك كما عن المحقّق الحلّي الاعتراف به بالنسبة إلى حرم أمير المؤمنين g (٢٥).
توضيح جواب الجواهر: أنّ الروايات وإن وردت بلفظ الحرم أو بلفظ مكّة والمدينة إلَّا أنّ المراد الجدّي منها هو خصوص المسجدين لا مطلق المدينة والحرم؛ وذلك:
أوَّلاً: لإمكان أن يُطلق على من صلّى فيهما أنّه صلّى في مكّة والمدينة.
وثانياً: عدم ذكر العموم صريحاً، كما يُنزّل ما ورد من الإتمام في حرم أمير المؤمنين g على مسجد الكوفة.
وثالثاً: أنّه بعد صحّة الروايات الواردة بالإتمام في المسجدين، وإمكان الاعتماد عليها؛ لانجبارها بالشهرة أمكن حمل المطلق عليها.
وما ذُكر من أنّ الحكم في الموردين لا تنافي بينهما فيبقى المطلق على إطلاقه، ويحمل المقيّد على التأكيد والتنصيص فإنّه وإن كان وارداً بمقتضى الصناعة ولكن الأقرب إرادة المسجدين من ذكر الحرمين والبلدين.
ويلاحظ عليه: أنّ حمل المطلق على المقيّد فيما نحن فيه بعيدٌ من وجوه:
الأوَّل: الأقرب أنّ حكم التخيير في الكوفة لا يختصّ بمسجدها، بل يشمل تمام البلد كما سيأتي.
الثَّاني: أنّه ورد في بعض الروايات التفريق بين الكوفة وبين مكّة والمدينة، وذُكر في الكوفة مسجدها بينما ذكر فيهما المدينتان كما ورد في مرسلة حمّاد بن عيسى (من الأمر
المذخور إتمام الصلاة في أربعة مواطن بمكة والمدينة ومسجد الكوفة والحائر)(٢٦)، وكذلك مرسلة الفقيه(٢٧). وعليه يمكن القول: إنّ العدول عن التعبير بـ(المسجدين)
إلى التعبير بـ(البلدين) شاهدٌ على اختلاف متعلّق الحكمين.
الثَّالث: أنّ المخالف للفظ (المسجد) هما كلمتان: الأولى هي (البلدتين)، والأخرى (الحرمين). وحمل هاتين الكلمتين على خصوص المسجد بعيد.
الرَّابع: أنّ جواب الإمام g في صحيحة ابن مهزيار وارد في مقام تفسير الحرمين، ولو أراد المسجدين لفسّرهما بهما دون البلدين. وأمّا الكوفة فلم يرد فيها تفسير.
الجواب الآخر: أنّ الروايات التي ورد فيها ذكر المسجدين لا يخلو: إمّا أن يكون قد ورد ذكرهما في السؤال، أو في الجواب.
والأوّل لا دلالة فيه بالنظر إلى جواب الإمام g وإن كان مطابقاً لكلام السائل إلَّا أنّه لا يفيد تخصيص الحكم في مورد سؤال السائل، كما تحدّد في بعض الروايات السابقة(٢٨).
وأمّا الآخر ـ وهو ما ورد فيها التقييد بالمسجدية في كلامهم i ـ فرواياته جميعاً ضعيفة السند.
أمّا الرواية الأولى فهي ضعيفة بـ(محمّد بن سنان) الذي ورد في إسناد الشيخ في كتابيه. نعم، لم يرد ذكره في كتاب الكافي، ولكن الذي يظهر هو وجود سقط في سنده لعدم رواية الحسين بن سعيد عن عبد الملك القمّي مباشرة، بل يروي عنه دائماً بواسطة ابن سنان كما ورد في مائة وعشرين مورداً.
وأمّا الرواية الثانية فهي مرسلة؛ فقد ورد فيها تعبير (رجل من أصحابنا) في الوسائل(٢٩)، وفي الكافي (يقال له حسين)(٣٠)، وفي كامل الزيارات (الحسين)(٣١). وقد يكون المراد به (الحسين بن المختار) الذي يروي عنه (إبراهيم بن أبي البلاد)، لكنّه يبقى احتمالاً.
وأمّا الرواية الثالثة فضعيفة لوجود (محمّد بن سنان) وقد أرسلها (حذيفة بن منصور) عمّن سمع عن أبي عبد الله g.
وكذلك الرواية الرابعة فيها (محمّد بن سنان).
وقد يناقش في هذا الجواب: بأنّ هذه الأخبار وإن كانت ضعيفة إلَّا أنّها منجبرة بالشهرة، وقد قيل إنّ المشهور هنا الاقتصار في الحرمين على المسجدين منه بل الأصليين منهما دون الزيادة الحادثة.
أقول: إنّ ما ذُكر من الانجبار غير تامّ، ولم نجد من ادّعى هذا، بل على العكس فإنّ الشهرة قائمة على خلافه، كما تقدّم.
الموضع الثَّاني: الكوفة.
فهل يشمل الحكم تمام مدينة الكوفة أم يختصّ بمسجدها أو يشمل مدينة النجف؟
أقوال:
القول الأوَّل: هو الشمول لتمام البلدة.
وهو مختار الشيخ ـ كما تقدّم من تعميمه للحرمين ليشمل تمام البلدة ـ ويحيى بن سعيد(٣٢) والمحقّق الأردبيلي وصاحب الحدائق، وفي المدارك: (حكى الشهيد في الذكرى عن المصنّف أي المحقّق أنّه حكم في كتاب له في السفر بالتخيير في البلدان الأربعة حتى في الحائر المقدّس...)(٣٣)، لكن الموجود في الذكرى: (والشيخ نجيب الدين يحيى ابن سعيد ـ في كتاب السفر له ـ حكم بالتخيير في البلدان الأربعة حتى في الحائر المقدّس، لورود الحديث بحرم الحسين g)(٣٤).
نعم، بعض مَن اختار هذا القول احتاط في المسجد باختيار الإتمام كالمحقّق الأردبيلي، حيث قال: (الأفضل والأحوط هو التمام ... ومسجد الكوفة)(٣٥)، وكذلك صاحب الحدائق(٣٦)، وتبعهم السيّد الخوئي S في تعليقته على العروة.
القول الثَّاني: الاختصاص بالمسجد.
وهو مختار ابن إدريس والمحقّق في المعتبر، حيث قال: (وينبغي أن ينزّل الخبر المتضمّن لحرم أمير المؤمنين g على مسجد الكوفة أخذاً بالمتيقّن، أمّا الإتمام بمكّة والمدينة فلا يختصّ بمسجدها)(٣٧)، وكذلك مختار العلّامة في القواعد والمنتهى، وفي المختلف نقل الشهرة فيه، وهو مختار السيّد الحكيم S.
ومقتضى الأصل فيه اختصاص الحكم بالقدر المتيقن وهو المسجد؛ لاندراج ما سواه في أدلّة القصر. مضافاً إلى ما ورد فيه ذكر الحرمين فقط، كما في معتبرة مسمع عن أبي إبراهيم g: (كان أبي يرى لهذين الحرمين ما لا يراه لغيرهما)(٣٨)، فتأمّل.
القول الثَّالث: تعدية حكم التمام من الكوفة إلى النجف.
وهو ما يحتمل من الشيخ المفيد حيث ذكر باباً بعنوان (باب فضل إتمام الصلاة في الحرمين وفي المشهدين على ساكنهما السّلام)(٣٩). والمشهدان هما حرما أمير المؤمنين والحسين h.
وظاهر الشيخ في المبسوط تعدية الحكم إلى النجف أيضاً، حيث قال: (ويستحب الإتمام في أربعة مواطن في السفر: بمكّة والمدينة ومسجد الكوفة والحائر على ساكنه السّلام، وقد روي الإتمام في حرم الله وحرم الرسول e وحرم أمير المؤمنين g وحرم الحسين g، فعلى هذه الرواية يجوز الإتمام خارج المسجد بالكوفة وبالنجف)(٤٠).
لكنّه قال في موضع آخر: (يستحبّ الإتمام في مسجد الكوفة، وفي الحائر على ساكنه أفضل الصّلاة والسّلام. وقد رويت رواية أخرى في الإتمام في حرم حجّة الله على خلقه أمير المؤمنين g وحرم الحسين g، فعلى هذه الرواية يجوز الإتمام في نفس المشهد بالنجف وخارج الحائر، إلَّا أن الأحوط ما قدّمناه)(٤١).
والوجه في هذا القول: دعوى دلالة لفظ الحرم على البقعة المباركة التي وقع فيها ضريحه، كما نلاحظ إطلاقه في عرف المتشرّعة. وسيأتي الكلام في مناقشة هذه الرواية وإثبات دلالتها على الشمول لبلدة الكوفة من دون التعدية إلى النجف.
والشيخ المجلسي (عطّر الله مرقده) بعد نقل كلام الشيخ S قال: (وكأنّه نظر إلى أنّ حرم أمير المؤمنين g صار محترماً بسببه، واحترام الغري به g أكثر من غيره، ولا يخلو من وجه، ويومئ إليه بعض الأخبار، والأحوط في غير المسجد اختيار القصر)(٤٢).
وسوف تأتي في الموضع الرابع المناقشة في دعوى كون الاحترام والتقديس مناطاً للإتمام، فلاحظ.
وسبب الاختلاف بين هذه الأقوال هو اختلاف الأخبار؛ فإنّها على طوائف ثلاث:
الأولى: ما تضمّنت إثبات الحكم لمدينة الكوفة(٤٣).
الثَّانية: ما تضمّنت إثبات الحكم لحرم أمير المؤمنين g (٤٤).
الثَّالثة: ما تضمّنت ذكر المسجد(٤٥).
أمّا الطّائفة الأولى ـ وهي التي عمّمت الحكم إلى تمام البلدة ـ فهي رواية زياد القندي المتقدّمة وفيها: (أتمّ الصلاة في الحرمين وبالكوفة وعند قبر الحسين g)، وفي إسنادها بطريقيها ضعف برجلين: (الأوّل) جعفر بن محمّد بن مالك الضعيف، (والآخر) محمّد ابن حمدان المجهول.
وأمّا الطّائفة الثَّانية ـ وهي ما تضمّنت إثبات الحكم لحرم أمير المؤمنين g ـ فهي روايتان، الأولى: صحيحة حمّاد بن عيسى المتقدّمة، وفيها: (من مخزون علم الله الإتمام في أربعة مواطن... وحرم أمير المؤمنين g)(٤٦).
إلَّا أنّه قد يناقش في صحّة هذه الرواية لمكان الحسن بن علي بن النعمان الذي قال النجاشي في حقّه: (مولى بني هاشم، أبوه علي بن النعمان الأعلم ثقة ثبت)(٤٧). وهكذا في الخلاصة(٤٨) باحتمال رجوع المدح إلى أبيه دونه بقرينة ما ذكره النجاشي في ترجمة علي بن النعمان: (علي بن النعمان الأعلم... وأخوه داود أعلى منه، وابنه الحسن بن علي وابنه أحمد رويا الحديث. وكان علي ثقة وجهاً ثبتاً صحيحاً له كتاب)(٤٩).
وقد يجاب: بأنّ النجاشي لا يذكر التوثيق لرجل مرّتين سواء ذُكر فيه بالأصالة أو بالتبع، كما في (محمّد بن عطية) الموثّق في أخيه (حسن) لا في ترجمته(٥٠)، وأنّ التأسيس خير من التأكيد لاسيَّما في كلام النجاشي فإنّه في نهاية الوجازة والبلاغة، فالمقصود
بالذكر هو (الحسن) فيقتضي عود التوثيق إليه.
وهذا الجواب تامّ بالنظر إلى ما ذُكر من أنّ المقصود بالذكر هو (الحسن) فيقتضي عود التوثيق إليه؛ لأنّ الكلام مسوق لترجمة صاحب العنوان، فالظاهر عود الوصف إليه ما لم تقم قرينة خاصّة على الخلاف.
وما ذُكر من أولوية التأسيس من التأكيد ضعيف؛ لأنّه على تقدير تماميته إنّما يتمّ في المتّصل من الكلام دون المنفصل منه كما في المقام؛ لوضوح كون كلّ ترجمةٍ منفصلةً عن غيرها في سياق الكلام، فذكر الوصف في ترجمة غيره يكون من المنفصل.
كما أنّ ما ذُكر من عدم تعرّض النجاشي لتوثيق رجل مرّتين غير تامّ أيضاً، فقد ورد عن النجاشي تكرار الأوصاف لمن ذكرهم بالأصالة، وهم:
١. حفص بن سالم: ترجم له في باب الحاء بقوله: (أبو ولّاد الحنّاط، وقال ابن فضال: حفص بن يونس مخزومي، روى عن أبي عبد الله g، ثقة، لا بأس به..)(٥١). ثمّ ذكر له توثيقاً آخر بالتبع في ترجمة أخيه عمر بن سالم صاحب السابري بقوله: (كوفي، وأخوه حفص، ثقتان، رويا عن أبي عبد الله g)(٥٢).
٢. أحمد بن عمر بن أبي شعبة الحلبي: ترجم له النجاشي في باب الألف، قائلاً: (ثقة، روى عن أبي الحسن الرضا g، وعن أبيه من قبل)(٥٣). ثمّ ذكر توثيقاً عامّاً لآل أبي شعبة في ترجمة عبيد الله بن علي بن أبي شعبة بقوله:(وآل أبي شعبة بالكوفة بيت مذكور من أصحابنا، وروى جدهم أبو شعبة عن الحسن والحسين h وكانوا جميعاً
ثقات، مرجوعاً إلى ما يقولون...)(٥٤).
٣. عبيد الله بن علي بن أبي شعبة: ترجم له النجاشي في باب العين بقوله: (وكانوا جميعاً ثقات، مرجوعاً إلى ما يقولون، وكان عبيد الله كبيرهم، ووجههم...)(٥٥). وذكر له توثيقاً آخر في ترجمة ابن عمّه أحمد بن عمر بن أبي شعبة، حيث قال: (ثقة ... وهو ابن عمّ عبيد الله، وعبد الأعلى، وعمران، ومحمّد الحلبيين، روى أبوهم عن أبي عبد الله g، وكانوا ثقات)(٥٦).
٤. محمّد بن علي بن شعبة: ترجم له النجاشي في الأسماء، قائلاً: (الحلبي، أبو جعفر، وجه أصحابنا، وفقيههم، والثقة الذي لا يطعن عليه، هو وإخوته عبيد الله، وعمران، وعبد الأعلى)(٥٧). وقد عرفت ممّا تقدّم توثيقه في ترجمة عبيد الله.
٥. علي بن عبد الله بن عمران الميموني: وهو ممّن ترجم له النجاشي مستقلّا ً في الأسماء، قائلاً: (كان فاسد المذهب والرواية، وكان عارفاً بالفقه)(٥٨). ثمّ تعرّض إلى ذكره مستقلّا ً أيضاً في الكنى بقوله: (مضطرب جداً)(٥٩).
وأمّا ما استدل به السيّد التفرشي ـ من عود التوثيق إلى (علي) لا (الحسن) بقرينة ما ذكر في ترجمة الأب ـ فقد يقال في توجيهه: بأنّ المذكور في ترجمة علي بن النعمان الأعلم هو قوله: (وكان علي) بعد الفصل لرفع اشتباه عود الوصف إلى المذكور أخيراً، بخلافه في ترجمة (الحسن) فلم يذكر هذه العبارة بعد الفصل، وهذا يدلّ على أنّ المدح لا بدّ أن لا يفصل عن الممدوح، فيكون المدح في ترجمة (الحسن) لما ذكر أخيراً وهو الأب.
فالجواب عن هذا: أنّ أمثال ذلك لا يورث الظن، فالفرق بين الفاصلين بيِّن، بل الفصل هاهنا غير متحقّق، بل هو صفة بعد صفة، وهو في حكم المضاف إليه، فيكون مع موصوفه كالكلمة الواحدة، بخلاف ما ذُكر في ترجمة علي بن النعمان، فإنّه جملة معترضة أطال الكلام بفصلها، فلذا استأنف الكلام، ويؤيّد عود الوصف إلى (الحسن) وصف العلّامة لهذه الرواية بالصحّة في المختلف(٦٠).
الرَّواية الأخرى: مرسلة الشيخ في المصباح، حيث قال: (وفي خبر آخر: في حرم الله وحرم رسوله وحرم أمير المؤمنين وحرم الحسين i)(٦١). ولا يحرز كونها رواية مغايرة مع صحيحة حمّاد.
أمّا الطّائفة الثَّالثة فجميع الروايات فيها ضعيفة، وهي عدّة روايات:
١. روايـة عبـد الحـميـد الخـادم، وفيهـا: (تـتـمّ الصـلاة فـي أربـعـة مـواطـن... ومسـجـد الكوفة...)(٦٢). وفي سندها محمّد بن سنان.
٢. مرسلة حذيفة بن منصور، وفيها: (تتمّ الصلاة في... ومسجد الكوفة...)(٦٣).
وفي سندها أيضاً محمّد بن سنان فضلاً عن الإرسال.
٣. رواية أبي بصير، وفيها: (تتمّ الصلاة في أربعة مواطن... ومسجد الكوفة...)(٦٤). وفيها أيضاً محمّد بن سنان.
٤. مرسلة الصدوق: (قال الصادق g: من الأمر المذخور إتمام الصلاة في أربعة مواطن... ومسجد الكوفة...)(٦٥). وهي ضعيفة بالإرسال.
نعم، ذهب جمع من الأعلام إلى تصحيح مراسيل الصدوق في الفقيه، إلَّا أنّهم اختلفوا على قولين:
القول الأوَّل: حجّيّة جميع مراسيل الصدوق في الفقيه، وهو مختار الشيخ البهائي حيث قال في شرح الفقيه عند قول الصدوق: ("وقال الصادق جعفر بن محمّد g: كلّ ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر" أقول: هذا الحديث ... من مراسيل المؤلّف H ، وهي كثيرة في هذا الكتاب، تزيد على ثلث الأحاديث الموردة فيه، وينبغي أن لا يقصر الاعتماد عليها من الاعتماد على مسانيده، من حيث تشريكه بين النوعين في كونه ممّا يفتي به ويحكم بصحّته، ويعتقد أنّه حجّة بينه وبين الله سبحانه وتعالى. بل ذهب جماعة من الأصوليين إلى ترجيح مراسيل العدل على مسانيده محتجّين بأنّ قول العدل "قال رسول الله e كذا" يشعر بإذعانه بمضمون الخبر، بخلاف ما لو قال "حدّثني فلان، عن فلان قال e كذا". وقد جعل أصحابنا S مراسيل ابن أبي عمير H كمسانيده في الاعتماد عليها، لما علموا من عادته أنّه لا يرسل إلّا عن ثقة)(٦٦).
القول الآخر: حجّيّة خصوص مراسيله التي أسندها إلى المعصوم بصيغة جزمية كما ورد بعنوان: (قال الصادق g) ونحوه.
وهذا مختار غير واحد من العلماء منهم المحقّق الداماد في رواشحه، حيث أفاد: (وإنّما يتمّ إذا ما كان الإرسال بالإسقاط رأساً والإسناد جزماً، كما لو قال المرسل: "قال النبي e، أو قال الإمام g"، وذلك مثل قول الصدوق... في الفقيه: "قال g: الماء يطهِّر ولا يطهَّر"؛ إذ مفاده الجزم أو الظن بصدور الحديث عن المعصوم، فيجب أن تكون الوسائط عدولاً في ظنّه، وإلَّا كان الحكم الجازم بالإسناد هادماً لجلالته وعدالته)(٦٧).
وفي كلا القولين نظر..
أمّا القول الأوَّل فيرد عليه..
أوَّلاً: بأنّه لو تمّ الاستناد إلى كلام الصدوق فمقتضاه اعتبار عموم ما في الفقيه حتى ما كان مسنداً، والأظهر خلافه، بل هو لا يقول به، فلم يثبت اعتبار ما أرسله الصدوق بإبهام الواسطة.
لكن يمكن أن يقال: بادّعاء الفرق بين المسانيد والمراسيل؛ فإنّ المسانيد لا يصحّ العمل بها إلَّا إذا كان جميع رجال السند ثقات يصحّ التعويل على نقلهم، ولا يكفي العمل لمجرّد الوثوق به عند الصدوق. ومجرّد الإسناد عنهم لا يكفي لتوثيقهم كما ثبت في محلّه، بخلاف المراسيل فيمكن أن يشكّل أمارة على الاطمئنان بصدورها والاعتماد عليها، وهذا الاعتماد من أمثال الصدوق يحقّق لنا الوثوق بصدور الخبر، فتأمّل.
وثانياً: بأنّ معاملة مراسيل الصدوق معاملة مراسيل ابن أبي عمير غير واضحة، والتزامه H حجّيّتها بينه وبين ربّه لا يقتضي اتّصالها بالعدول لتكون من باب الصحيح، بل غاية ما يقتضيه الالتزام أن تكون ممّا يجوز العمل به عنده والاعتماد عليه، وهذا أمر وراء وصف الحديث بالصحّة؛ لجواز تأدّي اجتهاده في العمل بالمراسيل والضعاف لقرائن لا تفيد عندنا ـ لو اطّلعنا عليها ـ الوثوق.
وأمّا القول الآخر فيمكن بيانه من خلال تقريبين:
التّقريب الأوَّل: أنّ نسبة الحديث إلى المعصوم g لا تجوز إلَّا في حالتين:
الحالة الأولى: بأن يعلم وجداناً بصدوره منه.
الحالة الأخرى: بأن تقوم الحجّة عنده على صدوره.
ومن البعيد حصول العلم الوجداني له في هذا الكمّ الكبير من الأخبار، فيتعيّن أن يكون الخبر منقولاً له بوسائط ثقات، وهذا يكفي لاعتبار الخبر المرسل.
ويجاب عن هذا التقريب: بأنّ أسباب حصول العلم التعبّدي بالصدور يمكن أن تحصل بواسطة قرائن ـ غير وثاقة الرواة ــ يمكن الاعتماد عليها لتصحيح الرواية، مثل ورودها في أحد الكتب المعروضة على الأئمّة i أو شهرتها وغير ذلك، ومثل هذا الخبر يصحّ أن يعبّر عنه بالصحيح بلسان المتقدّمين من الأصحاب، وعليه فإذا حكم الشيخ الصدوق على رواية بالصحّة والاعتبار فلا يكشف عن وثاقة رواتها لعدم انحصار الاعتبار بوثاقة الرواة.
التّقريب الآخر: وهو مبني على ما هو المعروف من أنّ مناط الحجّية هو الوثوق بالصدور لا وثاقة الراوي، وإسناد الصدوق رواية بصورة جزمية في الفقيه ـ الذي نصّ في ديباجته على أنّ ما فيه مستخرَج من الأصول المعتمدة والكتب المشهورة ـ يدلّ على كون الرواية في غاية الاعتبار عنده، ومثل هذا يحقّق لنا الوثوق بالصدور وإن لم تثبت لنا وثاقة الرواة.
ويجاب عنه: بأنّ هذا التقريب مبني على حصول الوثوق، وهو أوّل الكلام؛ لاحتمال اعتماد الصدوق في التصحيح مستنداً إلى مقدّمات حدسيّة ـ لاسيَّما مع احتمال أن تكون نظرية خفيّة جدّاً ـ لا يمكن الاعتماد عليها، بالإضافة إلى ما هو المعروف عنه من اتّباع شيخه ابن الوليد في تصحيح الروايات كما صرّح به بقوله: (كلّ ما لم يصحّحه ذلك الشيخ قدّس الله روحه ولم يحكم بصحّته من الأخبار فهو عندنا متروك غير صحيح)(٦٨).
٥. مرسلة حمّاد بن عيسى عن بعض أصحابنا: (من الأمر المذخور إتمام الصلاة في ... ومسجد الكوفة...)(٦٩). وهي ضعيفة بالإرسال أيضاً.
وممّا ذكرنا يظهر سقوط الطائفتين الأولى والثالثة لضعف السند.
والمهم النظر في مدلول صحيحة حمّاد بن عيسى المذكورة في الطائفة الثانية المتضمّنة لذكر حرم أمير المؤمنين g في مواطن الإتمام فإن أمكن استظهار شمول الحرم فيها لغير المسجد ثبت التعميم وإلَّا وجب الاقتصار على مسجدها.
وما يمكن أن يقال في بيان التعميم تقريبات أربعة:
التّقريب الأوَّل: أن يقال بعد ثبوت كون الكوفة كلّها حرماً يكون مقتضى إطلاق الحرم شمولها بتمامها؛ لأنّ المسجد ليس معنىً آخر للكلمة حتّى يوجب الإجمال فيحتاج إلى قرينة إضافيّة، بل هو من باب إطلاق الحرم على بعض الحرم.
التّقريب الثَّاني: أن يدّعى دلالتها على شمولها لتمام البلدة بمقتضى ورودها في سياق قوله: (حرم الله وحرم رسوله) الشاملين لتمام البلدين.
وقد يورد عليه بإيرادين:
الإيراد الأوَّل: منع أصل صلاحيّة وحدة السياق للقرينيّة.
والجواب عنه: أنّ وحدة السياق هي من القرائن التي اعتمد عليها العرف في محاوراتهم، وتصلح لأن تكون مفسّرة لمرادهم فيما إذا شكّ فيه وكان في ضمن كلام عُلِم المراد منه، فهي قرينة تصاحب الكلام وتؤثّر في ظهوره ويمكن الاعتماد عليها في بيان المراد الاستعمالي للفظ إذا اقترن بما هو معلوم الظهور وكانا في سياق واحد، كورود العامّ في سياق جملة من المخصّصات، أو ورود المطلق في سياق جملة من المقيّدات، أو ورود الواجب في سياق جملة من المستحبّات.
والحاصل: أنّ للسياق دلالة مكتسبة من الألفاظ فهو بمثابة ظلّ لها يصحّ للمتكلّم الاعتماد عليه في بيان مراده الاستعمالي.
الإيراد الآخر: أنّه يشترط في المعنى الذي يكون قرينة على المعنى المشكوك أن يكون واضحاً بواسطة قرينة متّصلة بالكلام وأن لا يستند إلى قرينة خارجيّة منفصلة، ومن ثَمَّ إذا وردت عمومات متعدّدة في سياق واحد وخصّص بعضها بمخصّص منفصل فإنّه لا يسري التخصيص منه إلى غيره.
وهذا المعنى ممّا تنبّه له غير واحد من الأعلام منهم السيّد الحكيم S، حيث قال: (إنّ وحدة السياق إنّما تقتضي المساواة في الخصوص إذا استُند إلى قرينة في نفس الكلام، لا ما إذا استنُد إلى قرينة خارجية)(٧٠). وجرى عليه السيّد الروحاني S أيضاً، حيث
أفاد: (إنّ وحدة السياق ـ على تقدير تسليم كونها سبباً للظهور ـ فهي إنّما تسلم فيما إذا استفيد تقييد أحد الموضوعين المذكورين في دليل واحد من قرينة في نفس الدليل ـ كما يقال في حديث الرفع وأنّ المراد من (رفع ما لا يعلمون) خصوص الشبهة الموضوعيّة بقرينة أخواتها ـ. أمّا إذا استُفيد ذلك من دليل خارجي يكشف عن تقييد المراد الجدّي، فلا معنى لدعوى وحدة السياق)(٧١).
وعلى هذا الاشتراط يمكن أن يناقش في الاعتماد على وحدة السياق فيما نحن فيه لاستكشاف المراد؛ لأنّها إنّما تنفع في بيان المراد الاستعمالي، ولا شكّ في المستعمل فيه في الرواية، والشكّ حاصل في المراد الجدّي منه فيها؛ لأنّ الشمول في (حرم الله وحرم رسوله) لتمام المدينة إنّما استُفيد من القرائن الخارجيّة والروايات المفسّرة الأخرى كصحيح ابن مهزيار، فتأمّل.
التّقريب الثَّالث: أن يُستظهر التعميم بمناسبة الحكم والموضوع حيث كانت مدينة الكوفة هي عاصمة الدولة الإسلامية في عهد أمير المؤمنين g، كما كانت المدينة المنوّرة عاصمتها في عهد النبي e وهو ما يساعد على تعميم الحكم لمدينة الكوفة وعدم الاختصاص بمسجدها.
ويلاحَظ عليه: أنّ هذه المناسبات غايتها الإشعار دون الدلالة(٧٢). وعليه فالرواية مجملة يحتمل أن يراد منها تمام البلدة أو خصوص المسجد.
التّقريب الرَّابع: أن يقال: إنّ هذه الرواية مفسَّرة ببعض الروايات التي ورد فيها أنّ الكوفة حرم أمير المؤمنين g..
منها: صحيحة حسان بن مهران، قال: (سمعت أبا عبد الله g يقول: قال أمير المؤمنين g: مكّة حرم الله، والمدينة حرم رسول الله، والكوفة حرمي لا يريدها جبار بحادثة إلَّا قصمه الله)(٧٣).
ومنها: رواية خلّاد القلانسي، وقد رواها علي بن إبراهيم وغيره، عن أبيه، عن خلّاد القلانسي، عن أبي عبد الله g، قال: (مكّة حرم الله وحرم رسوله وحرم أمير المؤمنين h. الصلاة فيها بمائة ألف صلاة، والدرهم فيها بمائة ألف درهم. والمدينة حرم الله وحرم رسوله وحرم أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما). الصلاة فيها بعشرة آلاف صلاة، والدرهم فيها بعشرة آلاف درهم. والكوفة حرم الله وحرم رسوله وحرم أمير المؤمنين h. الصلاة فيها بألف صلاة، والدرهم فيها بألف درهم)(٧٤).
وقد يشكل هذا الإسناد من جهة أنّ خلّاد القلانسي غير معهود في الرجال.
ويمكن أن يجاب: بأنّ الظاهر أنّ هذا العنوان محرَّف، والصواب فيه: إمّا خالد بن ماد القلانسي، الثقة.
وإمّا خلّاد السندي، وهو وإن لم يُذكر بتوثيق في كتب الرجال إلَّا أنّ رواية ابن أبي عمير تكفي في وثاقته لما هو الصحيح من وثاقة مشايخ الثقات. وعليه فيمكن القول بصحّة الرواية.
لكن قد يشكل بأنّ الظاهر كون الرواية مرسلة لأنّ خالد القلانسي وخلّاد السندي من الطبقة الخامسة، وإبراهيم بن هاشم من الطبقة السابعة فلا تصحّ روايته عنه
مباشرة فتسقط الرواية بالإرسال.
اللهم إلَّا أن يقال بترجيح كون الرجل هو (خلّاد السندي)، وعليه يرجح سقوط ابن أبي عمير من السند؛ لتكرر رواية إبراهيم بن هاشم بتوسطه عن خلّاد السندي.
ولكن بلوغ كلا الترجيحين إلى درجة الوثوق محلّ نظر، بل منع، بل الترجيح الأوّل غير وارد؛ لأنّ تحريف كلمة (خلّاد) إلى (خالد) أقرب من تحريف كلمة (السندي) إلى
(القلانسي) كما هو ظاهر.
وقد تبنّى السيّد الخوئي (طاب ثراه) هذا التقريب، وقال عن صحيحة حسّان بن مهران: بأنّ من المقطوع أنّها مفسِّرة ووردت في مقام الشرح والتفسير، وكذلك رواية
خالد القلانسي المتقدّمة، وبناءً على هذه الدعوى يكون المراد من الحرم هو تمام البلدة(٧٥).
وقد يناقش في كلام السيّد S بمناقشتين:
المناقشة الأولى: ما ذكره السيّد الحكيم S من نفي مفسّريتها وقال إنّها مجرّد تطبيق؛ لأنّ التفسير المجدي في المقام أن يقال (حرم أمير المؤمنين هو الكوفة) والتطبيق إنّما
يجدي في الحكم لموضوع عامّ، لا ما إذا أريد من العامّ فرد مخصوص وقد أُجمل(٧٦).
ويمكن أن يكون نظره الشريف إلى أحد وجهين:
الوجه الأوَّل: أنّ الحكومة التفسيرية هي التي يذكر فيها التفسير: إمّا بالأداة مثل كلمة (أعني) و(أي) أو ما بمثابتهما من الجملة التفسيرية، ومقتضاه أن يقال في المقام
(حرمي هو الكوفة) وهو ما لم يرد في الحديث، وإنّما المذكور (والكوفة حرمي).
ولكن يلاحظ على هذا الوجه: أنّه لا وجه لاشتراط التفسير الصريح في الحكومة، بل يكفي فيها النظر ـ كما ذكر في محلّه من علم الأصول ـ، وعليه فيُستبعد أن يكون
نظره S إلى هذا الوجه.
الوجه الآخر: أنّ لسان التفسير يقتضي تقديم (الحرم) على (الكوفة) بأن يقال (حرمي هو الكوفة) لا العكس، كما ورد في الصحيحتين ففرق بين الجملتين. وعليه فالرواية ليست في مقام التفسير بل في مقام التطبيق؛ بمعنى أنّ الحرم قد طُبّق في الصحيحتين على المدينة، ولكن هذا التطبيق غير مجد في مقامنا؛ لأنّ الحكم وإن ثبت للحرم إلَّا أنّه ليس من باب ثبوت حكم لموضوع عام كما لو ثبت التخيير لكلِّ حرم حتى يصحّ التطبيق، بل إنّ الموضوع في مقامنا (الحرم) أُريد منه فرد ولم يعرف فهو مجمل، ومعه فلا يسري الحكم إلى ما عدا المسجد.
ويلاحظ عليه: أنّ ما ذكره S من أنّ مجرّد التطبيق لا يجدي في المقام لو لم تكن تلك الروايات مفسِّرة صحيح؛ لأنّ التطبيق إنّما يجري في حال ثبوت حكم لموضوع عامّ وطُبِّق الموضوع العامّ على بعض الأفراد، وفي المقام حيث إنّ الحرم الذي هو موضوع حكمنا ـ التخيير ـ مجملٌ فالمراد به يدور بين الخاصّ (المسجد) وبين العامّ (البلدة) فلا يجدي التطبيق.
لكن الظاهر من الروايتين هو التفسير فإنّه لا فرق معتدّ به عرفاً في فهم التفسير بين اللسانين.
وعليه فالأظهر ثبوت الحكم لتمام الكوفة بتعميم الروايات التي ذكرت أنّ الكوفة حرم أمير المؤمنين g.
وأمّا الروايات التي ذكرت الحكم للمسجد فتقدّم أنّها ضعيفة جميعاً. مضافاً إلى أنّ النسبة بين رواية الحرم المفسَّرة بالبلدة وروايات المسجد نسبة المطلق إلى المقيّد ـ الذي لا مفهوم له ـ المثبتين فلا تعارض بينهما. ولو فرض كون المقيَّد من قبيل الوصف المعتمد على الموصوف الذي يكون له مفهوم أو ظهور في الاحتراز تعيّن حمله بقرينة الرواية المفسِّرة على الأشرفيّة أو التأكيد أو الغالب.
نعم، لو لم نبنِ على التفسير وبقي الإجمال في لفظ الحرم وتردّد بين المسجد والبلدة فالمرجع ـ كما تقدَّم ـ هو أصل وجوب القصر ما لم يُتيقّن الخروج عنه، والمقدار المتيقّن في الخروج عنه هو المسجد. وقد يؤيَّد بمرسلة الصدوق(٧٧) ومرسلة حمّاد(٧٨).
المناقشة الأخرى: أنّه ورد في ذيل الرواية (لا يريدها جبّار بحادثة إلَّا قصمه الله) فيقال إنّ الحكم المنظور فيها هو الحفظ، فهي حرم من هذه الجهة لا من سائر الآثار.
ويجاب: بأنّ هذا الأثر والحكم إنّما ثبت للحرم من جهة أنّه حرم، فهو وصف دخيل في العلّيّة، فالكوفة إنّما حُفظت ودُفع عنها الجبّار؛ لأنّها حرمه g، وليست هي حرمه من جهة دفع الجبّار عنها، فمفاد العبارة إخبار عن أنّها حرمه وقد تشرّفت البلدة به g، ثمّ أخبر عن أثر يترتّب على ذلك. ويساعد على ذلك ورودها في سياق مكّة والمدينة، ومن الثابت أنّ الحرمة ثابتة للمدينة.
الموضع الثَّالث: حرم الحسين g.
وقع كلام بين الأصحاب في تحديد المراد من حرم الحسين g، فهل يشمل تمام مدينة كربلاء، أم يختصّ بالحائر، أم أضيق من ذلك بحيث يختصّ بالحرم، أو القبّة السامية؟ على أقوال..
وقد تصدّى صاحب مفتاح الكرامة إلى بيانها بقوله: (المشهور بين أصحابنا اختصاص الحكم بالحائر، وهو المذكور في عبارات الأصحاب جميعها، وقد سمعت ما نقل عن الشيخ نجيب الدين ابن سعيد، وصاحب البحار بعد أن نقل ذلك عنه نفى عنه البعد، ثمّ نقل شطراً من الأخبار الواردة في تقدير حرمه g، ثم قال: الأحوط إيقاع الصلاة في الحائر، وإذا أوقعها في غيره فالمختار القصر)(٧٩).
إذاً هنا أقوال:
القول الأوَّل: اختصاص الحكم بالحائر، وهو المشهور بينهم، وممّن قال به ابن إدريس، والعلّامة في التذكرة ونهاية الإحكام والمختلف، والشهيد في الذكرى والدروس
والبيان واللمعة، والشهيد الثّاني في الروضة، وغيرهم(٨٠)، وقد اختاره الأردبيلي(٨١) وصاحب الحدائق(٨٢)، وقد ادّعى عليه الشهرة في المختلف(٨٣).
القول الثَّاني: الشمول لتمام البلدة، وهو ما تبنّاه صاحب المستند بقوله: (ومنه يظهر جواز الإتمام في تمام بلدة كربلاء)(٨٤).
القول الثَّالث: ما دار عليه سور الحرم، وهو ما تبناه السيّد الخوئي S في المستند(٨٥).
القول الرَّابع: ما يقارب الضريح المقدّس، وهو ما تبناه السيّد الحكيم في المستمسك(٨٦).
وأمّا الأخبار فقد وردت بألسنة مختلفة، منها: ما ورد بلسان الحرم، ومنها: ما ورد بلسان الحائر، ومنها: ما عبّر بـ(عند القبر الشريف)، فهي إذاً طوائف ثلاثة:
أمّا الطّائفة الأولى التي وردت بلسان حرم الحسين فهي عدّة روايات:
١. صحيحة حمّاد بن عيسى: (من مخزون علم الله الإتمام في أربعة مواطن... وحرم الحسين بن علي g)(٨٧).
٢. رواية عبد الحميد، وفيها: (تتمّ الصلاة في أربعة مواطن... وحرم الحسين g)(٨٨). ولكنّها ضعيفة بـ(محمّد بن سنان وعبد الملك القمّي وعبد الحميد).
٣. مرسلة حذيفة بن منصور، وفيها: (تتمّ الصلاة في... وحرم الحسين g)(٨٩). وهي ضعيفة بابن سنان ـ أيضاً ـ مضافاً إلى الإرسال.
٤. رواية أبي بصير(٩٠). وفي سندها أيضاً محمّد بن سنان.
وأمّا الطّائفة الثّانية ـ التي وردت بلسان الحائر ـ فهي:
١. مرسلة الصدوق: (من الأمر المذخور إتمام الصلاة في أربعة مواطن: مكّة، والمدينة، ومسجد الكوفة، وحائر الحسين g)(٩١).
٢. مرسلة حمّاد بن عيسى عن بعض أصحابنا: (من الأمر المذخور إتمام الصلاة في أربعة مواطن... والحائر)(٩٢). وهذه الرواية ضعيفة.
وربما يمكن تصحيحها بأحد طريقين:
الأوَّل: حساب الاحتمالات بالنسبة لمن أرسل عنه حمّاد.
والآخر: جابريّة الشهرة المدّعاة لو كانت بين القدماء.
وقد نُصّ على كون الإتمام ثابتاً في الحائر في الفقه الرضوي. ولكن بنى السيّد حسن الصدر وغيره على أنّه كتاب التكليف للشلمغاني(٩٣)، وليس نصّاً روائيّاً.
والمتحصّل من روايات الطائفة الثّانية: عدم صحّة شيء منها. نعم، ربّما يمكن جبرها بالشهرة على القول بكون الشهرة جابرة في ما لو كانت الشهرة المدّعاة بين المتقدّمين.
وأمّا الطّائفة الثّالثة ـ التي وردت بلسان قبر الحسين g ـ فهي ثلاث روايات:
١. رواية أبي شبل، قال: (قلت لأبي عبد الله g: أزور قبر الحسين g؟ قال: نعم، زر الطيّب وأتمّ الصلاة عنده. قلت: بعضُ أصحابنا يرى التقصير. قال: إنّما يفعل ذلك الضَعَفَة)(٩٤). وفي هذه الرواية صالح بن عقبة المشترك الذي اُستظهر أنّه ابن قيس، وقد ضعّفه ابن الغضائري.
٢. رواية زياد القندي، قال: (قال أبو الحسن g: يا زياد أحبّ لك ما أحبّ لنفسي،
وأكره لك ما أكره لنفسي، أتمّ الصلاة في الحرمين وبالكوفة وعند قبر الحسين g)(٩٥). وهي ضعيفة بجهالة محمّد بن حمدان وجعفر بن محمّد بن مالك.
٣. مرسلة إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبي عبد الله g ، قال: (تتمّ الصلاة في ثلاثة مواطن: في المسجد الحرام، ومسجد الرسول، وعند قبر الحسين g)(٩٦).
والحاصل من جميع روايات هذا الموضع: هو أنّ يقال إنّ المعتمد منها هي صحيحة حمّاد التي دلّت على استحباب الإتمام في حرم الحسين g.
ولكن هذا اللفظ مجمل ومردّد بين عدّة أفراد ولا بُدَّ من الاقتصار على القدر المتيقّن، وفي هذا عدّة أقوال ذكرها صاحب مفتاح الكرامة بقوله: (أمّا تحديد الحائر الشريف ففي «السرائر» أنّه ما دار سور المشهد والمسجد عليه دون ما دار سور البلد عليه؛ لأنّ ذلك هو الحائر حقيقة؛ لأنّ الحائر في لسان العرب الموضع المطمأن الذي يحار فيه الماء، قد ذكر ذلك المفيد في الإرشاد في مقتل الحسين g لمّا ذكر من قتل معه من أهله، فقال: الحائر محيط بهم إلَّا العباس رحمه الله تعالى: فإنّه قتل على المسنّاة فتحقّق ما قلناه والاحتياط يقتضي ما بيّناه؛ لأنّه مجمع عليه وما عداه غير مجمع عليه، انتهى ما في السرائر. وما نقله عن المفيد في إرشاده فهو كما نقل.
وذكر الشهيد والمصنّف في «المنتهى» والمحقّق الثاني وتلميذه بعد نقل كلام السرائر: أنّ في هذا الموضع حار الماء لما أمر المتوكّل لعنه الله تعالى بإطلاقه على قبر الحسين ليعفيه.
وقال في «المنتهى»: الحائر ما دار عليه حائط المشهد الشريف. وفي «نهاية الإحكام» ما دار عليه سور المشهد، وفي «التذكرة وفوائد الشرائع وكشف الالتباس وتعليق النافع والغريّة» أنّه ما دار سور المشهد والمسجد عليه دون ما دار عليه سور البلد، فذكروا عين ما في السرائر. وفي «الدروس والموجز الحاوي والكركيّة والميسيّة والمسالك والروضة والروض» أنّه ما دار عليه سور الحضرة الشريفة.
وفي «مجمع البرهان» ليس بمعلوم إطلاق حرم الحسين g على غير الحائر وهو ما دار عليه سور المشهد والحضرة. وفي «الدرّة» ما دار عليه السور، ولعلّ مراده سور الحضرة الشريفة. وفي «جمل العلم» عبّر بالمشهد كما ستسمع. وفي «البحار» بعدما نقل ما في السرائر أنّ بعضهم ذهب إلى أنّ الحائر مجموع الصحن المقدّس، وبعضهم إلى أنّه القبّة السامية، وبعضهم إلى أنّه الروضة المقدّسة وما أحاط بها من العمارات القديمة من الرواق والمقتل والخزانة وغيرها، ثمّ قال: والأظهر عندي أنّه مجموع الصحن القديم لا ما تجدّد في الدولة الصفويّة.
والذي ظهر لي من القرائن وسمعته من مشايخ تلك البلاد الشريفة أنّه لم يتغيّر الصحن من جهة القبلة ولا من اليمين ولا من الشمال، بل إنّما زيد من خلاف جهة القبلة، وكلّما انخفض من الصحن وما دخل فيه من العمارات فهو الصحن القديم وما ارتفع منه فهو خارج عنه، ولعلّهم إنّما تركوه كذلك ليمتاز القديم عن الجديد، والتعليل المنقول عن ابن إدريس رحمه الله تعالى ينطبق على هذا، وفي شموله حجرات الصحن من الجهات الثلاث إشكال)(٩٧).
ومقتضى الأصل في الموضوع في حال الشكّ في المقدار الذي يقع فيه التخيير هو التمسّك بالقدر المتيقّن.
هذا، وقد وردت عدّة روايات حدّدت جوانب القبر الطاهر والحرم(٩٨)، ولكنّها مختلفة على وجوه خمسة:
١. فبعضها حدّده بخمسة فراسخ كما في روايةٍ عن منصور بن العباس رفعه الى أبي عبد الله g، قال: (حرم الحسين g خمس فراسخ من أربع جوانبه)(٩٩).
٢. وبعضها بفرسخ كما في مرسلة إسماعيل البصري عن أبي عبد الله g، قال: (حرم الحسين g فرسخ في فرسخ من أربع جوانب القبر)(١٠٠).
٣. وبعضها بسبعين ذراعاً كما في مرسلة سليمان بن عمر السراج، عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله g قال: (يؤخذ طين قبر الحسين g من عند القبر على سبعين ذراعاً)(١٠١).
٤. وبعضها بخمسة وعشرين ذراعاً، كما في رواية الشيخ في التهذيب عن أبي القاسم جعفر بن محمّد، عن محمّد بن جعفر الرزّاز، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن الحسن بن محبوب، عن إسحاق بن عمار، قال: (سمعت أبا عبد الله g يقول: إنّ لموضع قبر الحسين g حرمة معروفة مَن عرفها واستجار بها أُجير. قلت: فصف لي موضعها جعلت فداك، قال: امسح من موضع قبره اليوم خمسة وعشرين ذراعاً من قدّامه، وخمسة وعشرين ذراعاً من عند رأسه، وخمسة وعشرين ذراعاً من ناحية رجليه، وخمسة وعشرين ذراعاً من خلفه، وموضع قبره من يوم دفن روضة من رياض الجنّة، ومنه معراج يعرج فيه بأعمال زواره إلى السماء فليس ملك في السماء ولا في الأرض إلَّا وهم يسألون الله في زيارة قبر الحسين g ففوج ينزل وفوج يعرج). قال الشيخ الحرّ العاملي: (ورواه ابن قولويه في (المزار) مثله وكذا كلّ ما قبله إلَّا أنّه: قال في حديث السراج: على سبعين باعاً في سبعين باعاً)(١٠٢).
وهذا الإسناد صحيح؛ إذ لا توجد فيه شائبة إلَّا من جهة محمّد بن جعفر الرزّاز وهو خال أبي غالب الزراري، لكن مدحه أبو غالب في رسالته بقوله: (هو أحد رواة
الحديث ومشايخ الشيعة)(١٠٣). وهو يكفي في الاعتماد عليه، كما أنّه قد ورد في إسناد كامل الزيارات وتفسير القمّي فتصحّ على بعض المباني.
وهذه الرواية أيضاً رواها الكليني بطريق معتبر عن عدّة من أصحابنا، عن سهل ابن زياد وأحمد بن محمّد جميعاً، عن الحسن بن محبوب، عن إسحاق.
وطريق الصدوق في ثواب الأعمال صحيح، وهو ما رواه عن محمّد بن موسى بن المتوكّل، قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن إسحاق بن عمّار.
أما محمّد بن موسى المتوكّل فقد ترحّم عليه الصدوق وترضّى عليه وهو آية الوثاقة عند البعض، ولم يشكّك السيّد الخوئي S في وثاقته. وعبد الله بن جعفر قد وثّقه النجاشي. وأحمد بن محمّد هو ابن عيسى الثقة.
٥. وبعضها عشرون ذراعاً، كما في صحيحة عبد الله بن سنان الواردة في كامل الزيارات بثلاثة أسانيد:
الأوَّل: هو عن محمّد بن عبد الله الحميري، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن عبد الرحمن بن الأشعث، عن عبد الله بن حمّاد الأنصاري، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله g (١٠٤).
الثَّاني: ما ذكره بقوله: (حدّثني أبي وجماعة مشايخي رحمهم الله، عن سعد بن عبد الله، عن هارون بن مسلم، عن عبد الرحمن بن الأشعث، عن عبد الله بن حمّاد الأنصاري، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله g (١٠٥).
وهذان الطريقان يشتركان في عبد الرحمن بن الأشعث الذي لم يوثّق في كتب الرجال.
الثَّالث: ما ذكره بقوله: (حدّثني القاسم بن محمّد بن علي بن إبراهيم ابن محمّد الهمداني[ عن أبيه، عن جدّه، عن عبد الله بن حمّاد الأنصاري، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله g، قال: (سمعته يقول: قبر الحسين g عشرون ذراعاً في عشرين مكسّراً روضة من رياض الجنة، منه معراج إلى السماء، فليس فيه من ملك مقرّب ولا نبي مرسل إلَّا وهو يسأل الله تعالى أن يزور الحسين g، ففوج يهبط، وفوج يصعد)(١٠٦).
وفي سند هذا الحديث بحثٌ؛ فقد ذكر النجاشي في ترجمة (محمّد بن علي بن إبراهيم)(١٠٧): أنّ القاسم وأباه وجدّه من وكلاء الناحية.
ولا يضره ما ذكره ابن الغضائري عن (محمّد بن علي) بأنّ حديثه يعرف وينكر(١٠٨)؛
لعدم الملازمة بين وصف الراوي بأنّ حديثه يعرف وينكر ودلالته على ضعفه في نفسه، كما ذهب إليه المحقّق التستري والسيّد الخوئي S.
أمّا عبد الله بن حمّاد الأنصاري فوثّقه النجاشي، كما أنّ عبد الله بن سنان ثقة أيضاً. ومن ثَمَّ تكون هذه الرواية معتبرة.
نعم، روى الشيخ هذه الرواية في التهذيب عن عبد الله بن سنان ولم يذكر له طريقاً في مشيخته، وما ذكر من طريق صحيح في فهرسته لا يمكن الاعتماد عليه؛ لما يظهر من كونها طرق ذكرت لمجرّد إثبات نسبة الكتب لمصنّفيها، ويمكن القول باعتبار الحديث وعدم الاحتياج إلى طريق صحيح لإثباته بعد الاطمئنان برواية عبد الله بن سنان له؛ لما ذكره النجاشي في ترجمته من شهرة كتبه بين الشيعة، قائلاً: (روى هذه الكتب عنه جماعات من أصحابنا لعظمه في الطائفة وثقته وجلالته)(١٠٩).
وهذه المعتبرة يمكن أن تكون هي القدر المتيقّن من الحرم وقد حدّدته بعشرين ذراعاً من كلّ جانب. أمّا لو قلنا بصحّة روايات الحائر فيمكن أن تكون هي القدر المتيقّن من الحرم بناءً على كونه أضيق من ذلك، إلَّا أنّها لم تصحّ، كما عرفت.
وقد تقدّم اعتبار رواية إسحاق بن عمّار التي تضمّنت تحديد الحرم بخمسة وعشرين ذراعاً حول القبر من كلّ جانب.
وقد يشكّك في دلالتها على المراد بدعوى أنّها غير واردة في مقام تحديد حرم الحسين g الذي تتم به الصلاة، ويشهد له إعراض العلماء عنها في الاستناد واختيارهم لاختصاص الحكم بالحائر.
أقول: لفظ الحرم أريد منه ما حُرِّم انتهاكه ولا شكّ في حرمة انتهاك القبر الشريف،
فروايات تحديد القبر الشريف يظهر منها أنّها في مقام بيان حدود قبر الحسين g الذي اكتسب تلك الحرمة. وعليه تترتّب جميع الآثار ومنها استحباب الإتمام.
ويوافق ذلك فَهْم العلماء منها، فقد ذكرها الشيخ الطوسي في المصباح في (فصل تمام الصلاة في مسجد الكوفة والحائر)(١١٠)، وتعرّض إلى ما ذكره في التهذيب من روايات تحديد الحرم والقبر ثمّ قال: (والوجه في هذه الأخبار ترتّب هذه المواضع في الفضل)(١١١). وعليه فمن الواضح أنّه قد فهم من دلالتها على التحديد أثر استحباب
التمام. وكذلك الشهيد الأوَّل في الدروس ذكر الروايات التي تعرّضت للتحديد ثمّ قال: (وكلّه على الترتيب في الفضل)(١١٢).
وعليه فالمتحصّل بعد الاعتماد على رواية إسحاق بن عمّار تحديد مشروعيّة التمام بخمسة وعشرين ذراعاً حول القبر المطهّر من كلّ جانب.
الموضع الرَّابع: صلاة المسافر في مشاهد المعصومين i.
اختار بعض علمائنا إتمام الصلاة في مشاهد سائر المعصومين i.
منهم: صاحب الفقه الرضوي فيما نسبه إليه غير واحد(١١٣) لما ورد في صدر قوله:
(وإذا بلغت موضع قصدك من الحجّ والزيارة والمشاهد وغير ذلك ممّا قد بيّنته لك فقد سقط عنك السفر ووجب عليك الإتمام. وقد أروي(١١٤) عن العالم g أنّه قال: في أربعة مواضع لا يجب أن تقصّر: إذا قصدت مكّة، والمدينة، ومسجد الكوفة، والحيرة(١١٥)، وسائر الأسفار التي ليس بطاعة، مثل طلب الصيد، والنزهة، ومعاونة الظالم)(١١٦).
ولا دلالة في هذه العبارة على شمول حكم التمام في سائر المشاهد، كما نبّه عليه صاحب المستند(١١٧)؛ لأنّ الظاهر من بلوغ المقصد هو الذي قصد فيه الإقامة عشرة أيّام حسبما ذكره في عبارة سابقة بقوله: (إن كنت عزمت المقام بها حين تدخل مدّة عشرة أيّام، أتممت وقت دخولك. والسفر الذي يجب فيه التقصير في الصوم والصلاة، هو سفر في الطاعة، مثل: الحجّ، والغزو، والزيارة، وقصد الصديق والأخ، وحضور المشاهد، وقصد أخيك لقضاء حقّه، والخروج إلى ضيعتك، أو مال تخاف تلفه، أو متجر لا بُدَّ منه، فإذا سافرت في هذه الوجوه وجب عليك التقصير، وإن كان غير هذه الوجوه وجب عليك الإتمام)(١١٨).
والشاهد على ما ذكرنا: أنّه لم يقتصر على الحكم بإيجاب التمام في الحجّ وزيارة المشاهد بل أضاف غير ذلك ممّا قد بيّنه، ومراده بغير ذلك: هو سائر موارد سفر الطاعة في العبارة السابقة التي ذكرناها. ومن المعلوم عدم صحّة التمام فيها ما لم ينوِ الإقامة عشرة أيّام، وإنّما ذكر حكم التمام في المواطن الأربعة بما رواه عن العالم g فالمذكور فيه خصوص المواضع الأربعة، فلاحظ.
ومنهم: ابن الجنيد كما حكي عنه قوله: (والمسجد الحرام لا تقصير فيه على أحد، ومكّة عندي يجري مجراه، وكذلك مسجد رسول الله e ومشاهد الأئمّة القائمين مقام الرسول e، فأمّا ما عدا مكّة والمشاهد من الحرم فحكمها حكم غيرها من البلدان في التقصير والإتمام)(١١٩).
ومنهم: ابن قولويه فإنّه صرّح بالإتمام في سائر المشاهد بقوله: (الباب (٨٢) التمام عند قبر الحسين g وجميع المشاهد)(١٢٠). إلَّا أنّه لم يورد إلَّا الروايات التي دلّت على الإتمام في المواضع الأربعة.
ومنهم: السيّد المرتضى، حيث قال: (ولا تقصير في مكّة ومسجد النبي e، ومسجد الكوفة، ومشاهد الأئمّة القائمين مقامه i)(١٢١).
ونُسب إلى الكيدري تمايله إلى التعميم(١٢٢)، حيث قال: (يستحب الإتمام في السفر في أربعة مواطن: مكّة، والمدينة، ومسجد الكوفة، والحائر، وروي: في حرم الله وحرم الرسول وحرم أمير المؤمنين g وحرم الحسين g، فعلى هذه الرواية يجوز الإتمام خارج المسجد بالكوفة وبالنجف، وعلى الأوّل لا يجوز إلَّا في نفس المسجد، وقال المرتضى رضي الله عنه: لا تقصير في مكّة ومسجد الرسول e ومشاهد الأئمة القائمين مقام الرسول e)(١٢٣).
والظاهر منه تخصيص الاستحباب بالمواضع الأربعة كما يظهر من صدر كلامه ومن طريقة المؤلف في نقل الأحكام. وتعرّضه لكلام السيّد المرتضى إنّما جاء لمجرّد البيان، كما تقدّم منه تعرّضه لقول ابن البراج عندما حَكَمَ بتعيّن التمام لمن سلك الطريق الأبعد في سفره إلى بلد له طريقان.
ومنهم: الميرداماد حيث أفاد: (والأقرب تخصيص التخيير مع استحباب الإتمام بالمساجد الثلاثة وما دار عليه سور الحضرة الحسينية، وما حوته قبب المشاهد المنوّرة دون البلدان. وقال بعض الأصحاب بذلك في البلدان)(١٢٤).
ومنهم: الشيخ حسين العصفوري البحراني في كتابه سداد العباد، قال ما لفظه: (شرط تحتّم القصر أن لا يكون بمكّة ولا بالمدينة ولا بالكوفة ولا الحائر الحسيني، بل الحرم له أجمع ومشاهد الأئمّة i على الأحوط؛ لأنّه يخيّر في هذه الأمكنة كلّها، والتمام أفضل)(١٢٥).
وقال في كتاب الفرحة الإنسية: (ولا بأس بالتمام في المشاهد كلّها، كما هو ظاهر المرتضى والإسكافي، ويشهد لهما خبر الفقه الرضوي)(١٢٦).
وربّما استُظهر من كلام المفيد في كتاب المزار تمايله لتعميم الحكم لكلّ مراقد الأئمّة i لروايته حديث أبي علي الحرّاني الذي رواه عن أبي عبد الله g: (في مَن أتاه وزاره وصلّى عنده ركعتين أو أربع ركعات كُتبت له حجّة وعمرة) ثمّ ذكر في ذيل الرواية: (قال: قلت له: جعلت فداك، وكذلك لكلّ من أتى قبر إمام مفترضة طاعته؟ قال: نعم)(١٢٧).
بدعوى دلالة ما ورد من الصلاة ركعتين أو أربع على أنّ المراد بها الفريضة، ولكن هذا غير تامّ؛ لما سيأتي من إرادة التطوّع منهما دون الفريضة.
ومن الغريب دعوى توقّف المقداد السيوري في الحكم(١٢٨) استظهاراً من قوله: (الأقوى قول الأصحاب؛ لأنّها أماكن شريفة فناسب كثرة الطاعات فيها، ولروايات كثيرة بذلك... ثمّ إنّ السيّد وابن الجنيد جعلا مجموع المشاهد داخلة في الحكم، والفتوى على خلافه)(١٢٩)؛ لما هو واضح من تبنّيه لقول المشهور وتقويته له بقوله: (الأقوى قول الأصحاب)، بل علّق على ما حكاه عن السيّد وابن الجنيد بأنّه خلاف الفتوى.
هذا، وقد اتّضح ممّا تقدّم أنّ المشهور ذهب إلى اختصاص التخيير بالمشاهد الأربعة دون غيرها.
و يستدلّ على قولهم بأدلّة ثلاث:
الدّليل الأوَّل: أنّه مقتضى الأصل بعد عدم قيام دليل خاصّ على التعدّي.
أمّا أنّه مقتضى الأصل فلعمومات أدلّة وجوب التقصير على المسافر، خرج عنها المشاهد الأربعة، والباقي داخل تحت العموم.
وأمّا عدم قيام دليل خاصّ على التعدّي فسيظهر لاحقاً.
الدّليل الثَّـاني: الإجـمـاع، وقـد ادّعـاه غيـر واحـد مـن عـلمـائنـا T، منهـم: الشـيـخ، وابـن إدريس الحلّيّ(١٣٠)، وظاهر الحرّ العامليّ، والوحيد، والسيّد الطباطبائيّ(١٣١).
والظاهر عدم إمكان الاعتماد عليه بعد الخلاف المتقدّم. مضافاً إلى أنّه إجماع منقول يحتمل مدركيّته بعد ورود النصوص الكثيرة المشهورة في المذهب المعمول بها عند الأصحاب.
الدّليل الثَّالث: الأخبار الكثيرة المعتضدة بالشهرة القريبة من الإجماع الدالّة على الحصر بالأربعة، كما في صحيحة حمّاد: (من مخزون علم الله الإتمام في أربعة مواطن)(١٣٢)، ومرسلة الفقيه: (من الأمر المذخور إتمام الصلاة في أربعة مواطن)(١٣٣)، فلا يمكن التعدية إلى غيرها.
وقد يشكل: بأنّ الروايات متعدّدة الألسنة في موضوع الإتمام، فبعضٌ اقتصر على ذكر الحرم، وبعضٌ اقتصر على ذكر الحرمين، مع أنّ لسانها يوهم الحصر في الاثنين دون غيرهما، ومع ذلك رفعت اليد عنها بدلالة ما دلّ على غيره، ومنه نرفع اليد عن الأربع بما دلّ على عموم الموضوع لكلّ موضع مقدّس بدلالة الشرع عليه استحب فيه إكثار الصلاة(١٣٤).
والجواب عنه:
أوَّلاً: بأنّ هذا مبنيٌّ على فرض عموم الموضوع لكلّ مكان مقدّس ورد فيه الفضل.
وستأتي مناقشة هذا الكلام.
وثانياً: بأنّه لم يرد الحصر في جميع الروايات، وإنّما ورد التعيين من سؤال السائل فأجابه الإمام g، إلَّا ما يلوح من معتبرة مسمع عن أبي إبراهيم g حيث ورد فيها: (كان أبي يرى لهذين الحرمين ما لا يراه لغيرهما)(١٣٥)، إلَّا أنّها ظاهرة في الحصر الإضافي بالقياس إلى المشاهد الموجودة في مكّة والمدينة.
وقد يستدلّ على القول بتعميم حكم التّمام لسائر المشاهد ببعض الأدلّة:
الدّليل الأوَّل: التعليل الوارد حكمه من الروايات؛ إذ يظهر منه تعلّق الحكم بهذه المواطن لما ورد من فضل الصلاة فيها فيتعدّى إلى سائر المشاهد لما دلّ من فضيلة إكثار الصلاة فيها..
١. ما ورد في صحيحة ابن مهزيار المتقدّمة: (قد علمت يرحمك الله فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما، فأنا أحبّ لك إذا دخلتهما أن لا تقصّر، وتكثر فيهما من الصلاة)(١٣٦). وقد عبّر عنه الوحيد بأنّه قياس منصوص العلّة؛ لأنّ قوله (قد علمت يرحمك الله فضل الصلاة في الحرمين) في مقام التعليل للإتمام في الحرمين(١٣٧).
ووجه الدلالة أحد أمرين:
أوّلهما: أنّ المستفاد منها استحباب الإتمام فيهما من جهة رجحان كثرة الصلاة فيهما.
والجواب عنه: بمنع دلالتها على كون ذلك علّة تامّة في الحكم، بتقريب:
أنّ العلّة المنصوصة هي التي يكون الحكم دائراً مدارها وجوداً وعدماً ويتعدّى فيها عن مورد الحكم إلى كلّ ما تتحقّق فيه الواسطة المذكورة، ويكون مرجع التعليل إلى كبرى كلّيّة مطّردة ومنعكسة، كما في قولنا: (كلّ مسكر حرام) الذي كان علّة في ثبوت حرمة الخمر المسكر.
ولكن لا يظهر من الرواية المذكورة علّيّة فضل الصلاة في استحباب الإتمام لأمرين:
الأوَّل: احتمال كون فضل الصلاة في الحرمين هو علّة لخصوص حكم الإتمام فيهما دون غيرهما بقرينة قوله g: (قد علمت... على غيرهما) بدعوى دلالته على وجود خصوصيّة للصلاة فيهما.
والآخر: احتمال أن تكون علّة الحكم هي خصوص العلّة المضافة للمورد دون غيرها ممّا يضاف إلى الموارد الأخرى؛ أي أنّ علّة استحباب الإتمام هو خصوص الفضل المضاف للحرمين.
إن قيل: إنّ الفضل علّة مستنبطة؛ لأنّها ثابتة في تمام أفراد ذلك الموضوع الذي لحقه الحكم بواسطتها.
أُجيب: بعدم إمكان تسرية الحكم إلى غير الموارد المنصوصة إلَّا بعد إثبات عدم الخصوصيّة للمورد وتنقيح المناط القطعيّ، ومثل هذا غير متحقّق في المقام.
وآخرهما: دعوى دلالة الرواية على أنّ الموضوع للإتمام هو قدسيّة الموضع الموجبة لتضاعف ثواب الصلاة فيه، بدعوى استفادته من صدر الرواية، وأمّا قوله (أحبّ لك إذا دخلتهما أن لا تقصّر وتكثر فيهما من الصلاة)، فهذا بيان لتلازم إكثار الصلاة مع الإتمام في الموضوع، وهو كلّ موضع شريف مقدّس(١٣٨).
ويجاب عنه بجوابين:
الأوَّل: أنّ لازم ظهور الرواية في هذا المعنى البناء على التمام في كلّ موضع للصلاة فيه فضل كبيت المقدس ومسجد الخيف ومسجد قبا؛ لما ورد من الفضل الكثير في الصلاة فيها. ومثل هذا المعنى غير مقصود بالكلام يقيناً، ولم يلتزم به أحد حتى القائل بالتوسعة إلى عموم المشاهد، وهذه قرينة متّصلة مفهمة على نفي إرادة عموم الأمر بالإتمام في كلّ محلّ يكون للصلاة فيه فضيلة خاصّة، كيف! ولو كان الأمر كذلك لما ناسب ما ورد من أنّ الإتمام في المواضع الأربعة من الأمر المذخور، أو كونه من مخزون علم الله.
نعم، قد يعمّم الحكم إلى مسجد براثا لما رواه الشيخ في أماليه عن حميد بن قيس (... فنصب أمير المؤمنين g الصخرة وصلّى إليها وأقام هناك أربعة أيّام يتمّ الصلاة، وجعل الحرم في خيمة من الموضع على دعوة، ثمّ قال: أرض براثا هذا بيت مريم H، هذا الموضع المقدّس صلّى فيه الأنبياء)(١٣٩)، حيث حكم بالإتمام فيه لكون الموضع مقدّساً؛ وذلك لصلاة الأنبياء فيه(١٤٠).
ولكن هذه الرواية ضعيفة السند والدلالة لعدم ظهور كون الموضوع لإتمام الصلاة هو صلاة الأنبياء i كما سيأتي في الدليل الثالث.
هذا، والصحيح أنّ ذكر فضل الصلاة في هذه المواضع ـ حسبما يحدس به الناظر في مجموع أحاديث الباب ـ لتقريب هذا الحكم إلى ذهن السائل حيث كانت هذه الخصوصيّة محلّ استبعاد جماعة من الأصحاب كما عرفت، ومن ثَمَّ ورد أنّ الإتمام فيها من الأمر
المذخور، وكان جماعة من أجلّاء الأصحاب يقصّرون الصلاة.
الآخر: منع دلالة الرواية على ذلك، فقد وردت جملة كبيرة من الروايات على فضيلة العبادة في مشاهد الأنبياء والأوصياء وبعض الأماكن الأخرى، وجعلت لها خصوصيّة على سائر الأماكن وشرّفتها ببعض الأجساد، لكن كل هذا لا يدلّ على إمكان سراية الاستحباب إلى إتمام الفرائض للمسافر إليها وإنّما تندب للسفر لها والإقامة فيها.
وما ذكر ــ من جعل الموضوع لحكم الإتمام هو قدسيّة المكان في رواية ابن مهزيار المتقدّمة ــ خلاف الظهور؛ إذ الظاهر منها هو أنّ الإمام بيّن حكم الصلاة ورجحان الإتمام، حيث إنّه رغّب السائل بترك التقصير والإتيان بصلاة تامّة فكانت مصداقاً للإكثار الموجب لمضاعفة الثواب.
٢. معتبرة إبراهيم بن أبي شيبة: (كان رسول الله e يحبّ إكثار الصلاة في الحرمين، فأكثر فيهما وأتمّ)(١٤١).
بتقريب: أنّها (صريحة الدلالة على أنّ موضوع الإتمام هو الموضع الذي يستحبّ فيه إكثار الصلاة لعظم فضيلة الثواب فيه، فعطف الإتمام في الحرمين على ذلك كالتفريع وابتدأ g جواب السؤال بتقديم بيان الموضوع وهو "استحباب إكثار الصلاة" تبياناً لكون هذا العنوان هو أصل الموضوع)(١٤٢).
وفي هذا التقريب نظر؛ وجهه: وضوح بيان ترغيب الإمام g السائل في الإكثار من الصلاة في الحرمين، وكون الإتمام مصداقاً له كما هو الحال في التطوّع والقضاء، فلو
سلّمنا ذلك كيف يمكن التعدية إلى غيرها بعد احتمال ثبوت الخصوصيّة؟!
٣. وقد استدل على كون المناط في الإتمام قداسة المكان برواية أبي شبل (قال: قلت لأبي عبد الله g: أزور قبر الحسين g؟ قال: زر الطيّب، وأتمّ الصلاة عنده.
قلت: أتمّ الصلاة؟ قال: أتمّ.
قلت: بعض أصحابنا يرى التقصير؟ قال: إنّما يفعل ذلك الضَعَفَة)(١٤٣).
بدعوى دلالة الرواية على أنّ موضوع التمام هو قداسة المكان بقداسة المكين(١٤٤).
ويلاحظ عليه: أنّ هذه الدعوى في غاية البعد؛ لعدم دلالة الرواية عليه لا من بعيد ولا من قريب؛ لوضوح دلالتها على كون الإمام في مقام بيان حكم زيارة الحسين g وبيان وظيفته في الصلاة؛ لكونها من المواضع التي ورد فيها الحكم بالإتمام، فاقتضى التنبيه.
٤. ما ورد في لسان بعض الروايات من أنّ الأمر بإتمام الصلاة في هذه المواضع لكونها زيادة خير، كما في رواية عمران بن حمران، فقد ورد فيها: (قلت لأبي الحسن g أقصّر في المسجد الحرام أو أتمّ؟ قال: إن قصّرتَ فَلك، وإن أتممت فهو خير وزيادة الخير خير)(١٤٥). ومثلها غيرها، حيث تضمّنت التعليل بأنّ الإتمام في المواطن الأربعة زيادة خير.
بتقريب: أنّ المستفاد من هذا أنّ علّة الاستحباب كون الإتمام في هذه المواضع يكون خيراً، فيمكن تسرية الحكم وثبوت الاستحباب في جميع المشاهد(١٤٦).
والجواب عن هذا التقريب: بأنْ لا دلالة في الرواية على أنّ خيريّة الإتمام لأجل استحباب كثرة الصلاة فيها حتّى يمكن تعميم الحكم إلى المشاهد، بل لا يزيد مفادها على أنّ إثبات خيريّة الإتمام ممّا يدل على المشروعيّة بطبيعة الحال.
والصحيح في مفاد هذه الروايات: أنّ ذكر خيريّة الإتمام إنّما هو لتقريب الحكم إلى ذهن الرواة، كما تقدّم.
هذا، وقد يدّعى كون مفاد هذه الروايات هو أنّ كون كثرة الصلاة خيراً هو الموجب للأمر بالإتمام بقرينة ما ورد من الأمر بالتطوّع والتنفّل في المواضع والمشاهد موصوفاً بأنّه خير، كما ورد في صحيحة ابن أبي عمير، عن أبي الحسن g، قال: (سألته عن التطوّع عند قبر الحسين g وبمكّة والمدينة وأنا مقصّر؟ فقال: تطوّع عنده وأنت مقصّر ما شئت، وفي المسجد الحرام، وفي مسجد الرسول، وفي مشاهد النبي e فإنّه خير)(١٤٧).
وتشبه هذه الرواية ما رواه ابن قولويه بإسناده عن إسحاق بن عمار، التي ورد فيها ذكر مشاهد النبي e مقترناً بقبر الحسين g والحرمين في سؤال السائل، حيث قال: (سألته عن التطوّع عند قبر الحسين g ومشاهد النبي e والحرمين والتطوّع فيهن بالصلاة ونحن مقصّرون؟ قال: نعم، تطوّع ما قدرت عليه، هو خير)(١٤٨).
والجواب عن هذه الدعوى: بعدم دلالة الرواية على كون الأمر بالإتمام في المواضع الأربعة لمجرّد خيريّة كثرة الصلاة.
ومجرّد الترغيب في التنفّل معلّلاً بأنّه خير لا يقتضي أنّ هناك مناطاً مشتركاً وهو
كون الصلاة خير لاسيَّما بعد ما عرفت من ترجيح أنْ يكون ذكر الخيريّة لتقريب الحكم بالإتمام في هذه المواضع إلى ذهن المخاطب.
يضاف إلى ذلك: أنّ هذه الدعوى تبتني على فرض عدم سقوط النوافل النهارية للمسافر إلى هذه المشاهد. إلَّا أنّه وقع الخلاف بين فقهائنا في إمكان التنفّل في المواضع الأربعة للمسافر إلى عدّة أقوال، ولم يحكم أحدهم بالشمول لغير هذه الأربعة، وقد اختار جمع منهم سقوطها مطلقاً كما في الشرائع للمحقّق وغيره(١٤٩)، واختار آخر عدم سقوطها مطلقاً كما حكى ذلك الشيخ ابن نما عن شيخه ابن إدريس(١٥٠)، واختار ثالث أنّ النوافل تابعة للفرائض(١٥١)، ومن الواضح عدم جريان هذه الدعوى بناءً على القول الأوّل وكذلك على القول الثّالث؛ لما يظهر من توقف ثبوت استحباب الإتيان بالنوافل على ثبوت استحباب الإتمام فيها، وهو أوّل الكلام.
أمّا القول الثَّاني فقد خصّ الاستحباب بهذه المواضع.
وأمّا ما ذكر من الخبرين فسيأتي الحديث عنهما في الدليل الثاني.
الدّليل الثَّاني: ما دلّ على الملازمة بين مشروعيّة الإتيان بالنافلة مع إتمام الفريضة، وقد دلّت بعض الأحاديث على استحباب الإتيان بالنافلة في غير المواضع الأربعة فيمكن استفادة التعميم لكلّ مشهد ورد فيه فضل التطوّع وإكثار الصلاة.
وهذا الدليل يبتني على مقدّمتين:
المقدّمة الأولى: هي الملازمة، وقد يستدلّ لها برواية أبي يحيى الحنّاط، قال: (سألت أبا عبد الله g عن صلاة النافلة بالنهار في السفر؟ فقال: يا بني لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة)(١٥٢)، بدعوى ثبوت التلازم الموضوعي بين التطوّع النهاري والإتمام في الصلاة.
المقدّمة الأخرى: استحباب التطوّع في غير المواضع الأربعة.
والوجه فيه: أنّه قد ثبت جواز التطوّع النهاري في مشاهد النبي e كما في صحيحة ابن أبي عمير، عن أبي الحسن g، قال: (سألته عن التطوّع عند قبر الحسين g وبمكّة والمدينة وأنا مقصّر؟ فقال: تطوّع عنده وأنت مقصّر ما شئت، وفي المسجد الحرام، وفي مسجد الرسول، وفي مشاهد النبي e فإنّه خير)(١٥٣). وفي رواية إسحاق بن عمّار المتقدّمة: (سألته عن التطوّع عند قبر الحسين g ومشاهد النبي e والحرمين، والتطوّع فيهن بالصلاة ونحن مقصّرون؟ قال: نعم، تطوّع ما قدرت عليه، هو خير)(١٥٤).
وعليه فحيث ثبت استحباب التنفّل في مشاهد النبي e يمكن إثبات استحباب الإتمام فيها، وكذلك يسري الحكم في جميع المشاهد المشرّفة لثبوت استحباب التطوّع فيها.
والجواب عن هذا الاستدلال..
أوَّلاً: بالنظر في المقدّمة الأولى؛ إذ يلاحظ عليها ما يلي:
١. ضعـف رواية أبي يحيى الحناط سنداً من جهة عدم ثبوت وثاقة أبي يحيى المذكور
فقد تعرّض لذكره النجاشي والشيخ ولم يوثّقاه(١٥٥).
٢. عدم تمامية دلالتها؛ إذ الظاهر عدم قصد إثبات هذه الملازمة بنحوٍ جدّيّ في الرواية بقرينة مشروعية النوافل الليلّية مع عدم إتمام الفريضة الرباعيّة فيه ـ وهي صلاة العشاء ـ. وعليه فالظاهر أنّ ذكر هذه الملازمة إنّما هو لمجرّد تقريب الحكم إلى ذهن المخاطب من جهة استبعاده سقوط النوافل النهارية، فتأمّل.
وثانياً: بالنظر في المقدّمة الثّانية؛ لعدم ثبوت مشروعيّة النوافل النهارية في الأماكن التي يستحبّ الإكثار من الصلاة تطوّعاً فيها، واستحباب التطوّع فيها غير استحباب التنفّل فيها؛ فإنّ المراد بالتنفّل هو الإتيان بالنوافل الراتبة دون مطلق التطوّع من قبيل صلاة تحية المسجد مثلاً أو غيرها.
وقد دلّت جملة من الأخبار على منع التنفّل في السفر كما في قوله g: (إنّما فرض الله على المسافر ركعتين لا قبلهما ولا بعدهما شيء إلَّا صلاة الليل)(١٥٦)، وكما في رواية صفوان، قال: (سألت الرضا g عن التطوّع بالنهار وأنا في السفر؟ فقال: لا، ولكن تقضي صلاة الليل بالنهار وأنت في سفر)(١٥٧). والظاهر شمولها للأماكن التي يستحبّ إكثار الصلاة فيها كالمشاهد.
وعليه فدعوى الملازمة بين استحباب التطوّع وتمام الفريضة غير تامّة؛ لظهور أنّ غاية ما يستفاد من رواية الحنّاط هو تلازم النوافل الراتبة مع تمام الفريضة، لا مطلق التطوّع.
إن قيل: إنّ المراد بالتطوّع هنا ما يشمل النوافل بقرينة ما ثبت من استحبابها في مشاهد النبي e ـ كما تقدّم في رواية إسحاق ـ. وعليه فيكون المراد به في شأن غير مشاهده e من المذكورات معها هو الأعم من جهة وحدة السياق، وبذلك يمكن الحكم بثبوت مشروعية إتمام الفريضة فيها، كما في صحيحة ابن أبي عمير.
فإنه يقال: إنّ في شمول التطوّع للنوافل في هذه الروايات تأمّلاً؛ فيحتمل أن يكون النظر فيها إلى ثبوت استحباب التطوّع بعنوانه في هذه الموارد لمن وظيفته قصر الصلاة. بل لا يبعد نظر السائل في الروايتين بذكر كونه مقصّراً في الصلاة الإشارة إلى سقوط النوافل النهاريّة، ولكن هل تستحبّ الصلاة تطوّعاً لمزيّة المكان أو لا؟
وقد يساعد عليه قوله g: (ما قدرت عليه) الظاهر منه عدم وجود حدّ لآخره المناسب للتطوّع من غير النوافل المنصوصة.
وقد يساعد عليه أيضاً أنّه لو كان النظر في الرواية إلى إثبات مشروعيّة النافلة لنبّه على رجحان الإتمام في الفريضة حيث ذكر الراوي أنّه يقصّر الصلاة فيها، فتأمّل.
الدّليل الثَّالث: وممّا استدلّ به على سراية استحباب الإتمام إلى سائر المشاهد المشرّفة بعض الروايات التي ورد فيها الحثّ على الصلاة ركعتين، أو أربع ركعات في هذه المشاهد؛ بدعوى أنّ المراد منها الإشارة للفريضة، وهي رواية أبي علي الحرّاني، قال: قلت لأبي عبد الله g: ما لمن زار قبر الحسين؟ قال: من أتاه وزاره وصلّى عنده ركعتين، أو أربع ركعات كتبت له حجّة وعمرة. قال: قلت جعلت فداك، وكذلك لكلّ من أتى قبر إمامٍ مفترض طاعته؟ قال: وكذلك لكلّ من أتى قبر إمام مفترض طاعته)(١٥٨).
فيقال: بدلالة الرواية على أنّ المراد بهذا الترديد بيان التخيير في صلاة الفريضة
وكونها مخيّرة بين الركعتين والأربع ركعات، فتكون نصّاً في المطلوب وهو التخيير في جميع مراقد المعصومين i.
ويشهد لذلك بعض الروايات الأُخَر:
منها: ما رواه ابن قولويه بقوله: (حدّثني جعفر بن محمّد بن إبراهيم الموسوي، عن عبيد الله بن نهيك، عن ابن أبي عمير، عن رجلٍ، عن أبي جعفر g، قال: قال لرجل: يا فلان ما يمنعك إذا عرضت لك حاجة أن تأتي قبر الحسين g فتصلّي عنده أربع ركعات ثمّ تسأل حاجتك؟ فإنّ الصلاة الفريضة عنده تعدل حجّة، والصلاة النافلة عنده تعدل عمرة)(١٥٩).
بدعوى أنّها نصّ في إرادة الإتمام في الفريضة من الـ(أربع ركعات) الواردة في رواية الحرّاني، وأنّ الترديد بين الاثنين والأربع هو التخيير بين القصر والتمام.
ومنها: رواية أبي شبل المتقدّمة(١٦٠) حيث ورد فيها الأمر بالزيارة وإتمام الصلاة وذكر أنّ التقصير فيها إنّما هو من فعل الضعفة، فهي صريحةٌ في النظر إلى الفريضة، فيكون الظاهر من الإتيان بالأربع ركعات أو الاثنين في رواية الحرّاني هو الفريضة؛ نظراً لعظم فضيلتها بإقامتها عنده.
والجواب عن هذا الاستدلال: أنّ رواية الحرّاني ظاهرةٌ في دلالتها على أنّ المراد بالصلاة هي (صلاة الزيارة) بدلالة العطف، إذ قال: (من أتاه وزاره وصلّى...) وثبوت ثواب الحج والعمرة.
وما ورد في رواية ابن أبي عمير إنّما هو لبيان فضل الصلاة عنده، وبيَّن فضل صلاة
النافلة وفضل صلاة الفريضة، ولا قرينة على اختصاصها ببيان فضل الفريضة، ولو كان المراد بها هو خصوص الفريضة فلماذا خصّها بالأربع لإمكان ثبوت الفضل بإتيانها مقصورة أيضاً، فتنصيصه على خصوص الأربع يظهر منه إرادة التطوّع؛ إذ لو كان المراد بالأربع الفريضة لأمكن أن يقول: (وصلِّ عنده ثمّ تسأل حاجتك).
وعليه فالظاهر أنّ المراد بالركعات الأربع هو صلاة قضاء الحاجة. نعم، إقامتها في هذا المكان لشرفيّته التي بيَّنها الإمام g، وبيان عظم ثواب الصلاة فيه له دور في تحقّق المراد.
وممّا يناسب ذلك: وجود جملة من الروايات تدلّ على أنّ صلاة الحاجة أربع ركعات:
منها: ما رواه الشيخ الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن ابن أبي حمزة، قال: (سمعت علي بن الحسين h قال لابنه: يا بني من أصابه منكم مصيبة أو نزلت به نازلة فليتوضّأ وليسبغ الوضوء ثمّ يصلّي ركعتين، أو أربع ركعات ثمّ يقول في آخرهن: يا موضع كلّ شكوى، ويا سامع كلّ نجوى، وشاهد كلّ ملاء، وعالم كلّ خفيّة، ويا دافع ما يشاء من بليّة، ويا خليل إبراهيم، ويا نجي موسى، ويا مصطفي محمّد e أدعوك دعاء من اشتدّت فاقته، وقلّت حيلته، وضعفت قوّته، دعاء الغريق الغريب المضطرّ الذي لا يجد لكشف ما هو فيه إلَّا أنت يا أرحم الراحمين. فإنّه لا يدعو به أحد إلَّا كشف الله عنه إن شاء الله)(١٦١). وغيرها كثير(١٦٢).
هذا، وقد يُحتمل أن يكون المراد بالأربع في رواية ابن أبي عمير صلاة الزيارة أيضاً كما استظهرناه من رواية الحرّاني من جهة استبعاد عدم ذكر صلاة الزيارة فيها.
فتحصّل من جميع ما تقدّم: أنّه لا مأخذ صحيح للقول بتعميم التخيير إلى سائر المشاهد، بل ذلك الحكم ـ كما عليه جمهور الفقهاء ـ من خواصّ المواطن الأربعة المشرّفة وميزة حَفّها الله سبحانه وتعالى بها.
وبذلك يتمّ القول في هذه المسألة.
وقد اتّفق الفراغ منها في ليلة التاسع من ذي الحجّة الحرام لعام ١٤٣٨هـ.
والحمد لله ربِّ العالمين وصلّى الله على أشرف بريته محمّد وآله الطاهرين.
المصادر
١. إتمام المسافر في مشاهد الأئمة i: تقرير بحث الشيخ محمّد السند، بقلم: نخبة من الفضلاء، ط: الأولى ٢٠١٣م، المطبعة: النور.
٢. اختيار معرفة الرجال: شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت ٤٦٠هـ)، طبعة وزارة الثقافة والإرشاد الإسلاميّ.
٣. إصباح الشيعة بمصباح الشريعة: الشيخ قطب الدين البيهقي الكيدري (ت ق٦)، تحقيق: الشيخ إبراهيم البهادري، الناشر: مؤسسة الإمام الصادق، ط: الأولى، المطبعة: اعتماد ـ قم، سنة الطبع: ١٤١٦هـ.
٤. بحوث في علم الأصول: تقرير أبحاث السيّد محمّد باقر الصدر (ت١٤٠٠هـ)، تأليف: السيّد محمود الهاشمي، الناشر: مؤسسة دائرة المعارف الفقه الإسلاميّ، ط: الثالثة، المطبعة: محمّد، سنة الطبع: ١٤٢٦هـ.
٥. بداية المجتهد ونهاية المقتصد: ابن رشد الحفيد (ت٥٩٥هـ)، الناشر: المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب، ط: الأولى، ١٤٣١هـ.
٦. البدر الزاهر: تقرير بحث السيّد حسين الطباطبائي البروجردي (ت ١٣٨٠هـ)، تأليف: الشيخ المنتظري (ت ١٤٣١هـ).
٧. تصحيح اعتقادات الإماميّة: الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت٤١٣هـ)، تحقيق: حسين درگاهي، الناشر: دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت ـ لبنان، الطبعة: الثانية، ١٤١٤هـ ـ ١٩٩٣ م.
٨. تعارض الأدلّة: السيّد علي الحسيني السيستاني، نسخة محدودة التداول.
٩. تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العامليّ (ت ١١٠٤هـ)، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت i لإحياء التراث، ١٤١٤هـ.
١٠. تهذيب الأحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد: شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد ابن الحسن الطوسي (ت ٤٦٠ هـ)، تحقيق: الشيخ علي أكبر الغفاري، الناشر: دار الكتب الإسلاميّة ـ طهران، ط: الثالثة، ١٣٦٣ش.
١١. جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: الشيخ محمّد حسن النجفيّ (ت ١٢٦٦هـ )، تحقيق وتعليق: الشيخ عباس القوجاني، الناشر: دار الكتب الإسلامية ـ طهران، ط: الثانية، مطبعة: خورشيد، سنة الطبع: ١٣٦٥ش.
١٢. حاشية المدارك: المحقّق محمّد باقر الوحيد البهبهاني (ت ١٢٠٥هـ)، الناشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ط: الأولى، ١٤١٩هـ.
١٣. الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة: الشيخ يوسف البحراني (ت ١١٨٦هـ)، الناشر: مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرفة.
١٤. الخصال: الشيخ محمّد بن علي ابن بابويه القميّ (الصدوق) (ت ٣٨١هـ)، تحقيق: الشيخ علي أكبر الغفاري، الناشر: مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، سنة الطبع: ١٤٠٣هـ.
١٥. الدروس الشرعية في فقه الإمامية: الشيخ محمّد بن جمال الدين مكّي العاملي (الشهيد الأوّل) (ت ٧٨٦هـ)، تحقيق ونشر: مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة، ط: الثانية، سنة الطبع: ١٤١٧هـ.
١٦. ذخيـرة المعـاد فـي شـرح الإرشـاد: المحقّق محمّد باقر السبزواريّ (ت ١٠٩٠هـ)،الناشر: مؤسسة آل البيت i لإحياء التراث، الطبعة الحجرية.
١٧. رجال النجاشي: الشيخ أحمد بن علي النجاشي (ت ٤٥٠هـ)، تحقيق: السيّد موسى الشبيري الزنجاني، الناشر: مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ط: الخامسة: ١٤١٦هـ.
١٨. رسائل الشريف المرتضى: السيّد علي بن الحسين (الشريف المرتضى) (ت ٤٣٦هـ)، تحقيق: السيّد أحمد الحسينيّ، إعداد: السيّد مهدي الرجائيّ، الناشر: دار القرآن الكريم ـ قم، المطبعة: سيد الشهداء ـ قم، سنة الطبع: ١٤٠٥هـ.
١٩. الرواشح السماويّة: السيّد محمّد باقر الحسيني الأسترآبادي المعروف بالمحقّق الداماد (ت ١٠٤١هـ)، الطبعة الحجريّة.
٢٠. روضة المتّقين في شرح من لا يحضره الفقيه: الشيخ محمّد تقي المجلسي (ت١٠٧٠هـ)، الناشر: دار الكتب الإسلاميّة، ط: الأولى، ١٤٢٩هـ.
٢١. رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل : السيّد علي ابن السيّد محمّد ابن السيّد علي الطباطبائي (ت ١٢٣١هـ)، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ط: الأولى، سنة الطبع: ١٤١٢هـ.
٢٢. علل الشرائع: الشيخ أبو جعفر محمّد بن علي ابن بابويه القمي (الصدوق) (ت ٣٨١هـ)، تحقيق: السيّد محمّد صادق بحر العلوم، نشر وطبع: منشورات المكتبة الحيدرية ـ النجف الأشرف، سنة الطبع : ١٣٨٥هـ ـ ١٩٦٦م.
٢٣. الفقه المنسوب للإمام الرضا g والمشتهر بـ(فقه الرضا)، تحقيق: مؤسسة آل البيت i لإحياء التراث ـ قم المشرّفة، ط: الأولى، ١٤٠٦هـ.
٢٤. فـوائـد الأصـول: الشـيـخ محمّـد حسـين الغـرويّ النـائينيّ (ت ١٣٥٥هـ)، تأليف:
الشيخ محمّد علي الكاظمي الخراسانيّ (ت ١٣٦٥هـ)، تعليق: الشيخ آغا ضياء الدين العراقي (ت ١٣٦١هـ)، الناشر: مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة، سنة الطبع: ١٤٠٤هـ.
٢٥. الفوائد الحائرية: محمّد باقر الوحيد البهبهاني (ت ١٢٠٦هـ)، تحقيق ونشر: مجمع الفكر الإسلامي، مطبعة باقري ـ قم، ١٤١٥ هـ.
٢٦. الكافي: الشيخ أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني (ت ٣٢٩هـ)، تحقيق ونشر: دار الحديث للطباعة والنشر، ط: الأولى، قم ـ إيران، ١٤٢٩هـ.
٢٧. كامل الزيارات: الشيخ جعفر بن محمّد بن قولويه القمّي (ت ٣٦٨هـ)، تحقيق: الشيخ جواد القيّومي، الناشر: مؤسسة نشر الفقاهة، ط: الأولى، المطبعة: مؤسسة النشر الإسلاميّ، سنة الطبع: ١٤١٧هـ.
٢٨. المبسوط في فقه الإمامية: شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت ٤٦٠هـ)، تحقيق: السيّد محمّد تقي الكشفي، الناشر: المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، المطبعة: الحيدرية ـ طهران، سنة الطبع : ١٣٨٧هـ.
٢٩. مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان: المقدّس أحمد بن محمّد الأردبيلي (ت٩٩٣هـ)، تحقيق: الحاج آغا مجتبى العراقي، الشيخ علي بناه الاشتهاردي، الحاج آغا حسين اليزديّ الأصفهانيّ، الناشر: مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة.
٣٠. محاضرات في أصول الفقه: تقرير أبحاث السيّد أبو القاسم الخوئي (ت ١٤١٣هـ)، تأليف: الشيخ محمّد إسحاق الفياض، طبع ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ط: الأولى، سنة الطبع: ١٤١٩هـ.
٣١. مختلف الشيعة في أحكام الشريعة: الشيخ أبو منصور الحسن بن يوسف الأسديّ الحلّيّ المعروف بالعلّامة (ت ٧٢٦هـ)، تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة، ط: الأولى، ١٤١٢ هـ .
٣٢. مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام: السيّد محمّد بن عليّ الموسويّ العامليّ (ت ١٠٠٩هـ)، تحقيق: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ـ مشهد المقدسة، الناشر: مؤسسة آل البيت i لإحياء التراث ـ قم المشرّفة، ط: الأولى، مطبعة: مهر ـ قم، سنة الطبع: ١٤١٠هـ.
٣٣. المرتقى إلى الفقه الأرقى: تقرير أبحاث السيّد محمّد الحسيني الروحانيّ (ت ١٤١٨هـ)، تأليف السيّد عبد الصاحب الحكيم (ت ١٤٠٣هـ)، الناشر: مؤسسة مولود الكعبة، ١٤٢٠هـ.
٣٤. المزار: الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت ٤١٣هـ)، تحقيق: السيّد محمّد باقر الأبطحي (ت ١٤٣٥هـ)، الناشر: دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت ـ لبنان، ط: الثانية، سنة الطبع : ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.
٣٥. مستمسك العروة الوثقى: السيّد محسن الطباطبائي الحكيم (ت ١٣٩٠هـ)، طبعة: دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٤هـ.
٣٦. مستند الشيعة في أحكام الشريعة: الشيخ أحمد بن محمّد مهدي النراقيّ (ت١٢٤٥هـ)، تحقيق: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ـ مشهد المقدّسة، الناشر: مؤسسة آل البيت i لإحياء التراث ـ قم، ط: الأولى، مطبعة: ستارة ـ قم، سنة الطبع: ١٤١٥هـ .
٣٧. مسـتـنـد العـروة الوثـقى: تقرير بحث السيّد أبو القاسم الـموسوي الـخـوئـي (ت
١٤١٣هـ)، تأليف: الشيخ مرتضى البروجردي (ت ١٤١٨هـ) طبعة: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، ط: الثانية، ١٤٢٩هـ.
٣٨. مصابيح الظلام في شرح مفاتيح الشرائع: الشيخ محمّد باقر الوحيد البهبهانيّ (ت ١٢٠٥هـ)، تحقيق ونشر: مؤسّسة العلّامة المجدّد الوحيد البهبهاني، ط: الأولى، سنة الطبع: ١٤٢٤هـ.
٣٩. مصباح الفقيه: الشيخ رضا بن محمّد هادي الهمدانيّ (ت ١٣٢٢هـ)، الناشر: مؤسسة التاريخ العربي.
٤٠. مصباح المتهجد: شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسيّ (ت ٤٦٠ هـ)، الناشر: مؤسّسة فقه الشيعة ـ بيروت ـ لبنان، ط: الأولى، سنة الطبع: ١٤١١هـ ـ ١٩٩١م.
٤١. معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة: السيّد أبو القاسم الموسوي الخوئي (ت ١٤١٣هـ)، مطبعة الآداب ـ النجف.
٤٢. المغني: موفّق الدين أبو محمّد عبد الله بن قدامة (ت ٦٢٠هـ)، الناشر: دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع ـ بيروت ـ لبنان.
٤٣. مفاتيح الأصول: السيد محمّد المجاهد الطباطبائي (ت ١٢٤٢هـ)، الطبعة الحجريّة.
٤٤. مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلّامة: السيّد محمّد جواد الحسيني العاملي (ت ١٢٢٨هـ)، تحقيق: الشيخ محمّد باقر الخالصيّ، نشر وطبع: مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، ط: الأولى، سنة الطبع : ١٤١٩هـ.
٤٥. مَـن لا يـحـضره الفقيه: الشيـخ محـمّـد بـن عليّ ابـن بـابـويـه القمّي (الصـدوق) (ت٣٨١هـ)، تحقيق: الشيخ علي أكبر الغفاري، الناشر: دار الكتب الإسلامية ـ طهران.
٤٦. منتقى الأصول: تقرير أبحاث السيّد محمّد الحسينيّ الروحانيّ (ت ١٤١٨هـ)، تأليف: السيّد عبد الصاحب الحكيم (١٤٠٣هـ)، ط: الثانية، المطبعة: الهادي، سنة الطبع: ١٤١٦هـ.
٤٧. المهذَّب: القاضي عبد العزيز بن البراج الطرابلسيّ (ت ٤٨١هـ)، تحقيق: مؤسّسة سيّد الشهداء العلميّة، الناشر: مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، سنة الطبع: ١٤٠٦هـ.
(٤٣) لاحظ: وسائل الشيعة: ٨/ ٥٢٧ باب: ٢٥ من أبواب صلاة المسافر ح١٣، كامل الزيارات: ٤٣١ باب: ٨٢ الإتمام عند قبر الحسين وجميع المشاهد ح٧.
(١١٣) لاحظ: مصابيح الظلام في شرح مفاتيح الشرائع: ٢/ ٢١١، رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل: ٤/ ٤٤٦، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ١٤/ ٣٤٠، الفرحة الأنسية في شرح النفحة القدسية: ١٧٥.