رواية السرّاد عن ثابت بن دينار

احدث المقالات

PDF
نص المقال

 

 

رواية السرَّاد عن ثابت بن دينار

 

 

السيّد غيث شبّر (دام عزّه)

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

قد تكون هذه من المسائل التي أُشبعت بحثاً وتدقيقاً، لكن ما نأمله هو أنْ نلملم شتات الأقوال في هذه المسألة العتيدة، ونحاول أنْ نقدِّم سرداً وحلاً موضوعيَّا لها، وعلى الله التوكّل، ومنه نستمد العون.

منشأ الإشكالية:

نجد في كثير من الأخبار رواية الحسن بن محبوب السرَّاد عن أبي حمزة الثمالي من غير واسطة، والحال أنَّ أبا حمزة الثمالي توفّي على ما هو المسطور في كتب الرجال سنة (148هـ) أو (149هـ) وعلى أبعد الأقوال سنة (150هـ)([1]) ، وهو مساند بلحاظ موقعه السَنَدي، وما يعرف من سيرة الرجل، في حين أشار الكشي إلى أنَّ وفاة الحسن بن محبوب كانت سنة (224هـ) عن خمسة وسبعين عاماً([2]) ، أي أنَّه ولد ــ على هذا ــ سنة (149هـ)، وهو أيضاً مؤيَّد بلحاظ المتيقّن والمعروف من موقعه السَنَدي، فيكون على هذا قد ولد بعد وفاة أبي حمزة الثمالي أو قبلها بسنتين على أفضل تقدير، فكيف تسنّى له أنْ يروي عن أبي حمزة ثابت بن دينار الثمالي على هذا الجدول الزمني؟ وما الذي يمكن أنْ يقال، أو قد قيل في تلك المسألة القديمة؟

وجود الإشكالية في زمن ابن محبوب:

وهذه الإشكاليَّة ليست وليدة النظر والاستنتاج من مقارنة السنين فحسب، بل هي أمر تحدَّث عنه معاصرو الحسن بن محبوب وقد عاشها هو نفسه، ولعلَّ اتّهام الحسن بن محبوب بتلك الرواية كان معروفاً بينهم، ويشير إلى هذا المعنى ما روي في الاختيار من أنَّ الكشي قال: (قال نصر بن الصباح: أحمد بن محمَّد بن عيسى لا يروي عن ابن محبوب؛ من أجل أنَّ أصحابنا يتّهمون ابن محبوب في روايته عن أبي حمزة، ثم تاب أحمد بن محمَّد فرجع قبل ما مات)([3]) .

ونقل النجاشي عبارة الكشي أيضاً، فقال: (قال الكشي عن نصر بن الصباح: ما كان أحمد بن محمَّد بن عيسى يروي عن ابن محبوب، من أجل أنَّ أصحابنا يتّهمون ابن محبوب في أبي حمزة الثمالي)([4]) .

وذكر في الاختيار عن نصر أيضاً: (وأصحابنا يتّهمون ابن محبوب في روايته عن ابن أبي حمزة)([5]) .

ولا يقال: إنَّ نصر بن الصباح ممَّن لا يعتمد عليه لأسباب:

أوَّلاً: إنَّ المقارنة الطبقيَّة والزمنيَّة تؤيّد بشكل كبير كلام نصر.

وثانياً: فإنَّ تلك الأحداث في ذلك الوقت القريب نسبياً ممَّا يستبعد فيها سهولة الكذب؛ فإنَّها من الوقائع الاجتماعيَّة في مجتمع الرواة، إضافة إلى قلَّة دواعي الكذب في مثلها، وتطرّق نصر بن الصباح في كلامه حول هذه الإشكاليَّة يشير إلى كونها قديمة، إنْ لم تكن بقدم جيل تلامذة الحسن الذين هم من السابعة، فهي لا أقل موجودة في جيل مَنْ بعدهم بلا أيّ ريب، لأنَّ نصر منهم، وعلى كل حال فإنَّ نصراً روى أيضاً في عثمان بن عيسى الرؤاسي الكوفي أنَّه (كان يروي عن أبي حمزة الثمالي ولا يتّهمون عثمان بن عيسى)([6]) ، للإشارة إلى اتّهام الحسن بن محبوب في قباله في روايته عن أبي حمزة الثمالي، مع وضوح الخلل في الاستظهار الذي وقع فيه بعض مَنْ وثّق عثمان بن عيسى بهذه العبارة؛ فإنَّهم لم يربطوها بالعبارة السابقة لها، وهي روايته عن أبي حمزة الثمالي، ولم يحضر لهم نقل نصر اتهام الأصحاب للحسن لروايته عن أبي حمزة؛ فتصوّروها جملة منفردة في إفادة المدح والتوثيق من أنَّ عثمان بن عيسى ممَّن لا يتَّهمه الأصحاب. نعم, عثمان بن عيسى ممَّن يوثق به، ولكن ما نقله نصرٌ لا يصلح مدركاً البتَّة، حتى بعد فرض إمكان الاعتماد على قول نصر في التوثيق.

 وثالثاً: أنَّ الكشي نقل هذه التهمة عند سرده لقول نصر ناسباً إيّاها إلى أصحابنا، ممَّا يعني نحواً من الإشارة إلى اجتماعية تلك القصة في السابعة، فلا يحصل القطع بانحصار تردد التهمة من طريق نصر، بل الأظهر أنَّها كانت ممّا يعرف بينهم حينئذٍ.

ورابعاً: أنَّ لنصر أقوالاً في تحديد الرجال والطبقات يظهر بعد التدقيق فيها صحّتها ودقّتها وإنْ كان يظهر منها بدواً غرابتها، منها على سبيل المثال وصفه علي بن السندي أنَّه هو نفسه علي بن إسماعيل، وبعد التدقيق والتمحيص تبيَّن أنَّ قول نصر حقّ، وإنْ لم لم يثبت عند السيّد الخوئي (قدِّس سرُّه) اتحاده.

فقد ظهر أنَّ روايات الشيخ المبتدئة به إلى حريز وحمّاد رواها الصدوق في الفقيه عن حريز أو عن حمّاد، ومن الرواة فيها عن حمّاد هو علي بن إسماعيل بن عيسى, مما يؤكّد أنَّ اسم المومأ  إليه (علي بن السندي)، وسبق أنْ فصَّلنا ذلك في محلٍّ آخر([7]) ، ممَّا يشير إلى إمكانيات وقابليات نصر في هذا المجال، ولعلَّ هذا ما دعا الكشي وابن مسعود إلى سؤاله عن كثير من خفايا الرجال والطبقات، فليس من المناسب إهمال قول نصر في مثل هذا بتلك السهولة، بل اللازم إجراء مزيد من البحث والتدقيق في ما ينقله الكشي عنه.

وعلى كل تقدير فإنَّ الجدول الطبقي والزمني للرجلين ممَّا يساند قبول رواية نصر هذه، ولا يبعد الوثوق بمضمونها عندها.

المسلك الأوَّل: قبول الإشكال والتسليم بسقوط الواسطة.

 

الاتجاه الأوَّل: التسليم بالضعف نتيجة للإرسال.

قد ينسب ذلك إلى السيّد البروجردي (طاب رمسه) وأنَّه ممَّن يذهب إلى هذا، كما يظهر ذلك من قوله في الترتيب: إنَّ رواية ابن محبوب عن أبي حمزة مرسلة بلا ريب([8]) ، بل ومع ما نقل عنه طلبته بقوله بالإرسال، يتحكّم أنَّه (رضي الله عنه) من القائلين بالإرسال، ومن ثَمَّ التسليم بضعف السند، بالنظر إلى ما يظهر ممَّا قرّر في بحث السيد الخوئي (رضي الله عنه) من ذهاب بعضهم إلى الضعف؛ بسبب الإرسال([9]) .

لكن تتمَّة كلام السيّد البروجردي (قدِّس سرُّه) تُظهِر أنَّه يقول بالإرسال لا بمجرده، بل بعدم بُعد تحقّق الإجازة ــ كما سيأتي ــ ممَّا لا ينفي عنده (قدِّس سرُّه) اعتبار السند بضرس قاطع.

وكان السيّد الخوئي (قدِّس سرُّه) قد ردَّ على القائل بالإرسال، أو القائل بعدم الملاقاة مطلقاً بين السرَّاد والثمالي بما حاصله: إنَّ مستند القول بعدم الملاقاة إنَّما هو قول نصر، وهو لا يُتابع في هذا، وإنَّ المقارنة الزمنيَّة إنَّما تعتمد على رواية تاريخ وفاة الرجلين وأعمارهما، ورواية تواريخ الحسن بن محبوب ضعيفة السند بالقتيبي، وجعفر بن محمَّد بن الحسن بن محبوب([10]) .

ولا يمكن الالتزام بما التزمه (قدِّس سرُّه) في هذا، بل قد يرد عليه: إنّنا حتى لو لم نحظَ من القتيبي بتحديد عمر الحسن ووفاته ــ مع أنَّ نسبة هذا إلى القتيبي وجعفر ليست بذلك الأمر المتيقن ــ فإنَّ الإشكال قائم، قال نصر أو لم يقل، ذكر القتيبي أو الكشي عمر الحسن أو لم يذكرا.

وتقريب ذلك: إنَّ المشتغل بتحديد أزمان الرواة والطبقات يدرك بعد تتبع أسناد الحسن بن محبوب عدم إمكان ملاقاته مع أبي حمزة الثمالي في الحالات العادية؛ إذ الحسن بن محبوب ممَّن روت عنه السابعة التي هي طبقة تلامذته.

فمن هؤلاء علي بن الحسن ابن فضّال الذي كان له من العمر (18 عاماً) عند وفاة أبيه الحسن بن فضّال سنة (224هـ) أو (221هـ) على الصحيح، ممَّا يعني أنَّه ولد في حدود (203هـ)، وليس من الصحيح وفق النظام الطبقي أنْ يروي أبي حمزة الثمالي الذي هو من الرابعة بواسطة واحدة وهي الحسن بن محبوب السرَّاد، إلَّا أنْ يكون الحسن معمّراً، وإذا كان معمّراً كان عليه (قدِّس سرُّه) أنْ يشير إلى أنَّ المصحّح للملاقاة هو طول العمر.

ومنهم أحمد بن محمَّد بن عيسى الأشعري ــ وهو راوي كتبه كما في النجاشي ــ وأحمد بن محمَّد بن خالد البرقي، وهما ممَّن توفّي بعد (274هـ)، بل قيل: إنَّ البرقي توفّي سنة (280 هـ) كما هو المنقول عن زوج ابنته شيخ الكليني، وأنَّ الأشعري كان من حضّار جنازته، ممَّا يعني أنَّ تحديد وفاة الحسن بن محبوب بسنة (224 هـ) مناسب جداً لحالهما، هذا إنْ لم تكن وفاته بعد  العقد الثالث بعد المائتين، حتى يمكن أنْ يتلمَّذا لديه، وهنا فلو كان عمره طبيعياً فلا بُدَّ أنْ تكون ولادته بعد وفاة أبي حمزة الثمالي سنة (148هـ) بهذا التقريب، مطابقاً لوصف نصر.

وأمَّا ما قيل في حقّ أحمد بن محمَّد بن عيسى ــ من أنَّه كان لقي الرضا (عليه السلام)، حيث نقل النجاشي ذلك عن ابن نوح وكذا فعل الشيخ قبله ــ فهو ممَّا لا يمكن متابعته إلّا إذا كان بمعنى ملاقاته له أيام صباه؛ فإنَّه يُحدس من أسناد أحمد الأشعري أنَّه ممَّن ولد قبل بداية المائة الثانية بأقل من عقد أو نحوه, وقد توفّي الإمام الرضا (عليه السلام) في بداية المائة الثانية سنة (203هـ) على المعروف.  

ولمَّا كان الحسن بن محبوب لم يُذكر في المعمرين، وأنَّه روى عن أستاذه المعروف علي بن رئاب عن أبي حمزة الثمالي في موارد كثيرة، وكذا عن مالك بن عطيّة ونحوه من أهل الخامسة ــ من تلاميذ أبي حمزة ــ عن أبي حمزة، فالرجل ممَّن يُعلم مِن أسناده أنَّه من السادسة، وقد روى عن الخامسة، وروت عنه السابعة.

فالسرَّاد قد روى وتلمَّذ بشكل متيقَّن ومكثر عند علي بن رئاب، ومالك بن عطية، والعلاء بن رزين، وعبد الله بن سنان، والجميلين، وهشام بن سالم، وهؤلاء كلهم من الخامسة من تلاميذ أبي حمزة الثمالي، ولا يقال: إنَّه قد يكون روى عنهم وهو بعمرهم

 ــ فإضافة إلى عدم إمكان المصير إلى ذلك إلَّا بالعلم به؛ فإنَّه خلاف عادة التلمّذ ــ لِما يظهر بوضوح كونه أصغر بكثير منهم، خاصَّة مع ما ورد من أنَّ محبوباً كان يعطي ابنه الحسن درهماً في كل حديث يتعلّمه من علي بن رئاب، ممَّا يعني أنَّه كان صغيراً في العمر شاباً حَدَثاً حين تلمَّذ عند ابن رئاب، وإلّا فمن غير المناسب إذا كان بعمر علي بن رئاب، وأنَّ ابن رئاب هو بعمر الشيخ ــ أي زاد على الأربعين ؛ فإنَّ ابن رئاب كان شيخاً للحديث أيامها ــ أنْ يعطيه أبوه الدرهم تشجيعا للحفظ!! فهو لا بد أنْ يكون بعمر تلاميذ ابن رئاب، والحال أنَّ ابن رئاب بالكاد أدرك أبا حمزة.

وممَّا يشير إلى عدم كونه ممَّن أدرك أبا حمزة هو ما روى الكشي عن (محمَّد بن إسماعيل، قال: حدَّثنا الفضل، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: (ما فعل أبو حمزة الثمالي؟) قلت: خلَّفته عليلاً، قال: (إذا رجعت إليه فاقرأه منّي السلام، واعلمه أنَّه يموت في شهر كذا في يوم كذا). قال أبو بصير: قلت: جعلت فداك، والله لقد كان فيه أنس، وكان لكم شيعة. قال: (صَدَقتَ، ما عندنا خير لكم، من شيعتكم معكم)([11]) ، قال: (إنْ هو خاف الله وراقب نبيّه وتوقّى الذنوب، فإذا هو فعل كان معنا في درجتنا)، قال علي: فرجعنا تلك السنة فما لبث أبو حمزة إلّا يسيرا ًحتى توفّي)([12]).

حيث أنَّ محمَّد بن إسماعيل في هذه الرواية هو النيشابوري الذي وثقنا بروايته كما فصَّلناه في بعض ما كتبناه([13]) تبعاً لاعتماد روايته من  السيد الخوئي (قده)  وكذا أستاذنا السيد محمَّد باقر السيستاني زاد الله في علو منزلته.

والفضل هو ابن شاذان، وهو الثقة الجليل المتوفّى سنة (260هـ)، تلميذ الحسن بن محبوب، وفي هذه الرواية يروي ابن محبوب قصَّة موت أستاذه ــ حسب الفرض ــ بواسطتين!! وليس هذا فحسب، بل وينقلها غلطاً؛ فإنَّ أبا حمزة كما سيأتي ــ في هذا البحث ــ توفي بعد الصادق (عليه السلام)، وليس قبله (عليه السلام)!!

وعلى كل تقدير فالحسن بن محبوب إذا لم يكن معمّراً فلا بُدَّ من سقوط الواسطة, وكونه من السادسة جلي للعاملين في الطبقات بلا أدنى ريب، بينما الثمالي مردّد بين الثالثة والرابعة، وتوفّي مع الرابعة بلا أدنى ريب، فالقول بالإرسال هو الأصل، ولا يحتاج إلى إثباته بقول القتيبي أو نصر، ومدعي المباشرة هو المطالب بالدليل.

 

الاتجاه الثاني: تصحيح السند بالبناء على اعتبار الواسطة.

ويبحث أوَّلاً بمعرفة سبب سقوط الواسطة.

الإجابة الأولى: سقوط الواسطة من كتاب المشيخة:

قد يقال: إنَّ روايات الحسن بن محبوب إنَّما كانت بواسطة، وأنَّ هذه الواسطة قد سقطت عند انتزاع رواياته من كتاب المشيخة الذي كان ترتيبه أوَّلاً وفق المشايخ، فيُفرِد لكلِّ شيخ من مشايخه كتاباً أو باباً ثم يسرد ما رواه عنه فيه، ويحدث كثيراً، بل بشكل شبه دائم أنْ يعلّق الراوي في سرد الرواية فيُهمِل ذكر الشيخ. والتعليق من أهم مميّزات الرواية واختصار السند في ذلك الزمن الذي تكون فيه تلك الاختصارات ضرورة ملحّة لسرعة إنجاز الكتب وقلّة تكلفتها.

وحصول هذا السقط لا بُدَّ أنْ يكون بعد انتزاع روايات الحسن من كتاب المشيخة وإهمال التعليق ــ كما يعرفه المطالع للمخطوطات القديمة وطريقة كتابتهم الروايات، وأنَّ إهمال المنُتزِع للتعليق يوقع في اللَبس حتى الملتفت إليه أحياناً ــ فإنَّهم قد بوّبوا كتاب الحسن فيما بعد باعتبار أبواب الفقه، فأصبح كتاباً فقهيَّاً بتبويب موضوعات الفقه، بعد أنْ كان كتاباً فقهياً مرتباً وفق روايات المشايخ.

 لكن هذا التقريب لسقوط الواسطة لا ينهض بشكل قوي لحلّ الإشكال؛ لسبب أنَّ الإشكال إنَّما كان في زمن أحمد بن محمَّد بن عيسى وهو تلميذه, أو على أقل تقدير في زمن تلاميذه الذين هم من جيل نصر, فلا يحتمل أنْ يكون أحمد قد غفل عن هذا أو غفل تلاميذه عنه، بل يمتنع القول بحصول السقط في زمن الحسن وأحمد وكلاهما حي يرزق!! وتوهّم السقط من تلاميذ أحمد أيضاً مستبعد جداً، فإنَّ السقط إنَّما يحدث في روايات الشيخ بعد أخذ كتبه وتدريسها وروايتها بعد مدَّة مديدة، حيث يخفى التعليق وتبعد الطبقة فيحصل الوهم، لا أنَّه يرويها مسقِطاً للواسطة إلّا أنْ يكون مدلِّساً.

الإجابة الثانية: إنَّ ابن محبوب كان يظهر منه التدليس؛ ولهذا اتهمه أحمد، وهذه التهمة مع أنَّها لا تنافي الوثاقة إلّا أنَّها لا تتناسب ومقام الحسن بن محبوب ــ الذي هو أحد الأركان الأربعة ــ، وأنَّها لو كانت هي العلَّة لما تاب أحمد ورجع وروى عنه، فقبول هذه الدعوى غير متوجّه.

وعلى فرض سقوط الواسطة من كتاب المشيخة، فالأقوال في تحديد الوثوق بالواسطة الساقطة تدليساً أو لخلل ما لا نعرفه هي: 

أوَّلاً: الواسطة هو ابن رئاب شيخه الأشهر وتلميذ الثمالي الأشهر. 

وهذا الاحتمال وإنْ كان يعضده اشتهار كون علي بن رئاب ممَّن يتوسَّط بين السرَّاد والثمالي، حتى أنَّ العامَّة ذكروا وصف ابن رئاب في كتبهم بذا، فقال: في إكمال الإكمال: (علي بن رئاب: من الشيعة، أحسبه كوفياً. روى عن أبي حمزة الثمالي، روى عنه الحسن بن محبوب)([14]). وكذا قصة أنَّ محبوباً أبا الحسن كان يعطي ولده الحسن درهما عن كلّ حديث يحفظه عن علي بن رئاب والتي مرَّ ذكرها.

 إلّا أنَّ هذا لا يستقيم؛ فإنَّ هناك أسماءً أخرى تتوسَّط بين أبي حمزة الثمالي والسرَّاد، فكثيراً ما يروي الحسن بن محبوب عن أبي حمزة بواسطة مالك بن عطية، وهشام بن سالم, ومحمَّد بن الفضيل، ولعلَّ علي بن رئاب ليس أكثرهم توسطاً، ولا يغني في المقام حتى لو كان الأكثر، فإنَّ من المقطوع به أنَّ مجموع ما توسَّط به الثلاثة أكثر ممَّا توسَّطه هو فليلاحظ.

وكذا الكلام لو احتمل أنْ يكون الواسطة هشام بن سالم، ولعلَّه هو أكثر مَنْ توسَّط بين السرَّاد والثمالي خاصَّة في روايات العقائد، وأيضاً هو عين الكلام الجاري في احتمال كونه مالك بن عطية، فتعيُّن الواسطة بأحد مشايخ الحسن بن محبوب ترجيح بلا مرجّح.

ثانياً: حُسن الواسطة بحساب الاحتمال.

وهذا الاحتمال أيضاً لا يصار إليه، خاصَّة مع توسّط محمَّد بن الفضيل الموصوف بالضعف والغلوّ بقدر معتد به في الأسناد نسبة إلى توسط غيره من الثقات، فلا يمكن جريانها في المقام صغروياً.

 

المسلك الثاني: القول بعدم الملاقاة وعدم الواسطة.

وفيه طريقان:

الأوَّل: أنَّها بالوصيَّة.

والوصيَّة هي الإجازة للمواليد والصبيان ولمن لم يولدوا بعدُ، ويظهر من السيّد البروجردي طاب ثراه إقراره بعدم إمكان الملاقاة بين الحسن بن محبوب وأبي حمزة الثمالي، لكنه يذهب إلى أنَّ منشأ المباشرة في أسناد الحسن إلى أبي حمزة كان عن طريق الإجازة، بنحو إجازة المواليد، فقال (قده) بحسب ما يظهر ممَّا قرّر عنه: (ولا يبعد أنْ تكون رواياته عنه مرسلة؛ لكون وفاة ابن محبوب قد وقعت قريباً من (220 هـ) ووفاة أبي حمزة قد وقعت قريباً من سنة (150) وعمّر ابن محبوب سبعين سنة على ما ذكره الكشي وعن النجاشي، فيصير ابن محبوب قد أدرك أبا حمزة في أوائل تولّده، ولا يمكن بمقتضى العادة والمتعارف روايته عنه إلّا أنْ يكون أبوه قد استجاز من أبي حمزة لولده في رواية الحديث كما كان مرسوماً عند أصحابنا الرواة فكانوا يستجيزون لصغار أولادهم) ([15]).

وكذا ما يظهر من تقريرات طلبته أيضاً أنَّه قال: (لأجل أنَّ الأصحاب كانوا يتّهمونه ــ الحسن ــ في روايته عن أبي حمزة الثمالي، أمَّا وجه الاتّهام فهو: إنَّ الثمالي كانت سنة وفاته (150) وكان ابن محبوب متولّدا في هذه السنة، وعليه فكيف يعقل أن يروي هو عن الثمالي بلا واسطة؟ فروايته عنه كذلك كانت تنافي وثاقته عندهم. وأمَّا وجه رجوع أحمد بن محمَّد بن عيسى عن ترك روايته عنه وتوبته عن ذلك؛ أنَّه كان نقل الحديث من أهمّ ما يُعتنى به عند الأصحاب، ومن شدَّة عنايتهم به أنَّهم كانوا يريدون إبقائه في أعقابهم فجوّزوا الاستجازة من شيوخهم للأطفال حتى يرووا عن مشايخهم بلا واسطة بعد بلوغهم؛ فمن القريب أن يكون أبو حمزة كان قد أجاز لابن محبوب روايته عنه وهو ابن سنة باستجازة أبيه محبوب بن وهب؛ فتصحّ إذن رواية ابن محبوب عن أبي حمزة بلا واسطة، ويؤيد ذلك أنَّ أباه كان يعطى ابنه هذا حسناً بكل حديث يكتبه عن علي بن رئاب درهماً، وهذا يكشف عن شدَّة عناية أبيه بروايته للأخبار ونشره لأحاديث الأئمَّة الأطهار سلام الله عليهم فصار بحمد الله كما أراد من أكابر المحدّثين، بل من أركانهم)([16]).

وقد كان قبله في الاستقصاء ممَّن قد احتمل كون ذلك بالإجازة ولم يذكر كونها من إجازة المواليد فقال: (لا يخفى أنَّ ذكر اتّهام الأصحاب لا وجه له، بل هو على سبيل التحقيق، ولعلَّ المراد بالتهمة أنَّ روايته عنه حينئذ إنّما تكون بالإجازة، وعدم التصريح بذكر الإجازة في الرواية أوجب التهمة بالكذب؛ لأنَّ ظاهر الرواية إذا لم تُقيّد بالإجازة أنَّها بغيرها من طرق التحمّل. ثمَّ إنَّ رجوع أحمد بن محمَّد عن ذلك لعلَّه لترجيح جواز إطلاق الرواية من غير ذكر الإجازة، كما هو مذهب بعض العلماء على ما قرّروه في علم الدراية، على أنَّ أحمد وإنْ لم يرجّح هذا، لكن إذا حصل الوجه المسوِّغ للرواية جاز أن يكون الحسن بن محبوب اختاره، غير أنَّ النجاشي كان عليه بيان حقيقة الحال)([17]).

ولم يرتضِ السيد الأستاذ (دام ظلُّه) هذا كله، وقال: (إنَّ هذا الوجه لا يخلو من بُعد، فإنَّ الرواية بالإجازة التي كانت متداولة في ذلك العصر، إنَّما كان موردها البالغ المؤهَّل لتحمّل الحديث كما ورد فيما حكي عن أحمد بن محمَّد بن عيسى، من أنَّه قال: خرجت إلى الكوفة في طلب الحديث فلقيت بها الحسن بن علي الوشاء فسألته أنْ يخرج لي ]إليّ[ كتاب العلاء بن رزين القلّاء، وأبان بن عثمان الأحمر، فأخرجهما إليّ، فقلت له: أُحبّ أنْ تجيزهما لي، فقال لي: يا رحمك الله، وما عجلتك؟ اذهب فاكتبهما واسمع من بعد، فقلت: لا آمن الحدثان، فقال: لو علمت أنَّ هذا الحديث يكون له هذا الطلب؛ لاستكثرت منه)([18]).

ولعل مراده (دام ظلُّه) من ذكر هذه الرواية ضرب مثل لتلقّي البالغ المؤهّل، ولكنه لو استشهد بمثال أنَّ علي ابن فضّال لم يروِ عن أبيه الحسن ابن فضّال؛ لأنَّ الحسن مات وكان لعلي ثمانية عشر عاماً وكان يقابل الحديث مع أبيه, لكنه لم يكن يفقه آنذاك، لكان أبلغ، وثبوت هذا على كلِّ تقدير غير نافٍ لوجود حالات الإجازة للمواليد، وإن لم تكن تمثّل ظاهرة في المجتمع الروائي، فإنَّ تطوّر أساليب نقل الرواية من جيل إلى آخر إنَّما نشأ بشكل عرفي بسيط حتى تطوّر تدريجياً إلى أصول وسلوكيات خاصَّة تمثّل آداب نقل الحديث، وقواعده.

وعلَّق (دام ظلُّه) أيضاً على إجازة الصغير قائلاً: (وأمَّا إجازة الصغير في رواية الكتب واعتماد الصغير بعد بلوغه على تلك الإجازة في النقل عنها فلم يعهد له مورد فيما نعلم إلّا ما تقدَّم بشأن حفيد أبي غالب الزراري، ولكن كان ذلك حالة خاصَّة شرح الزراري ملابساتها في كتابه فليراجع)([19]).

وليس كلامه دام ظلُّه ممَّا يمكن المصير إليه في هذا المورد، فقد اختلفوا ــ منذ العصر الأوَّل ــ في تحمّل الصبيان وجوازه وعدمه، واختلف المجوّزون بعد ذلك في أقل سن يمكن للصبي أن يتلقّى فيه، ، واختلافهم في المسألة فرع معروفيتها وتحقّقها في الخارج, كما لا يخفى.

قال في نهاية الدراية: (نقل القاضي عياض (476هـ ــ 544هـ)، إنَّ أهل هذه الصنعة حدّدوا أوَّل زمن يصح فيه السماع بخمس سنين. وقال بعضهم: (وعلى هذا استقر العمل). والصواب اعتبار التميّز، فإنْ فهم الخطاب وردّ الجواب كان مميّزاً صحيح السماع، وإلّا فلا. وقال بعض فضلائهم: والذي استقر عليه عمل أصحابنا المتأخّرين أنْ يكتبوا لابن خمس: (سمع)، ولمن دونه (حضر) و (أُحضر). ولا متحاشون من كتابة الحضور لمن حضر من الصغار، ولو كان ابن يوم أو ابن سنة أو أكثر حتى يبلغ سن السماع). وقال بعضهم: (يعتبر كل صغير بحاله، فمتى كان فَهيماً للخطاب وردّ الجواب صحّحنا سماعه وإن كان له دون خمس، وإنْ لم يكن كذلك لم يصح سماعه وإنْ كان ابن خمسين). وهذا هو الأصح. وقد ذكر بعض المؤرخين أنَّ صبياً ابن أربع سنين حمل إلى المأمون وقد قرأ القرآن ونظر في الرأي غير ]أنَّه[ إذا جاع يبكي)([20]).

 بل يظهر من الخطيب البغدادي (ت463هـ) عمق هذه المسألة، وأنَّ هناك خلافاً قبل زمنه بأكثر من جيل فيها، فقال: سألت القاضي أبا الطيّب طاهر بن عبد الله الطبري عن الإجازة للطفل الصغير، هل يعتبر في صحتها سنّه أو تميّزه كما يعتبر ذلك في صحة سماعه؟ فقال: لا يعتبر ذلك، والقياس يقتضي على هذا صحّة الإجازة لمن لم يكن مولوداً في الحال، مثل أنْ يقول الراوي للطالب أجزت لك ولمن يولد لك، فقلت له: إنَّ بعض أصحابنا قال: لا تصحّ الإجازة لمن لا يصح سماعه، فقال: قد يصحّ أنْ يجيز للغائب عنه ولا يصح السماع منه لمن غاب عنه أو كلاماً هذا معناه. قلت: والإجازة إنَّما هي إباحة المجيز للمجاز له رواية ما يصحّ عنده أنَّه حديثه، والإباحة تصحّ للعاقل وغير العاقل، وليس تريد بقولك الإباحة الإعلام، وإنَّما تريد به ما يضاد الحظر والمنع، وعلى هذا رأينا كافَّة شيوخنا يجيزون للأطفال الغُيّب عنهم من غير أن يسألوا عن مبلغ أسنانهم وحال تمييزهم، ولم ترهم أجازوا لمن لم يكن مولوداً في الحال؟ )([21]).

 فترى أستاذ الخطيب البغدادي والذي هو من الحادية عشر بحسب الفرض يحدّث عن أشياخه أنَّهم كانوا يجيزون الأطفال، وأنَّها كانت حالة سائغة منتشرة بينهم.

وكذا أيضاً في ذيل تاريخ بغداد أن (علي بن يحيى بن علي بن علي بن إسماعيل، أبو المكارم الكاتب المعروف بالزينب، من أولاد الكَتَبة وأرباب الولايات، (أُخِذَتْ) له إجازة وهو طفل من مشايخ أصبهان)([22])، وهو قد ولد سنة (500 هـ) وتوفي سنة (590هـ).

ووجود الخلاف في تحمّل الصبي غير البالغ في مطاوي الأصول، واستدلال أصحاب قبول إجازة الصبي إذا كان تلقّيه قبل بلوغه وتحديثه بعده بالإجماع على قبول روايات غير البالغين قاضٍ بانتشار أو معروفيَّة الوصيَّة للأطفال، سواء صح رأيهم أو فسد، فالمقام في وجود الظاهرة وليس في شرعيتها، وقد ذكر الزركشي في سرد أدلّة المجوّزين قائلاً: (روى محمود بن الربيع حديث المجة التي مجها النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو ابن خمس سنين، واعتمد العلماء روايته ذلك بعد بلوغه وجعلوه أصلاً في سماع الصغير، والإجماع على إحضار الصبيان مجالس الروايات)([23]).

فإنَّ وجود ظاهرة خلافيَّة في المجتمع الروائي في الطبقة العاشرة يشير وبقوّة إلى نشأة هذه الظاهر كحالات فردية في أجيال سابقة، وتطوّرت شيئاً فشيئاً حتى أصبحت ظاهرة تناقش في المجامع العلميَّة؛ فإنَّ أغلب آداب الحديث إنَّما تطوَّرت بهذا البطء الزمني، ولك شاهد في تطور أشدّ الظواهر الحديثيَّة المتكرّرة كالعنعنة وإفادتها الملاقاة وهي ينبغي أن تكون أسرع في انضمامها إلى الآداب الخاصَّة بالعلم من غيرها. 

ولكن حتى مع القول بانتشار أو معروفيَّة الإجازة للمواليد والخلاف في قبولها وعدمه إلّا أنَّ القول بتعيّن هذا الاحتمال في مورد روايات الحسن بن محبوب عن أبي حمزة الثمالي ــ وإنْ كان له ما يؤيده ممّا روي أنَّ أبا حسنٍ محبوباً كان يهتم بأخذ الرواية لولده ــ إلّا أنَّ هناك قصوراً في المقتضي بثبوت تحقّق هذا، فيبقى احتمالاً صرفاً وإنْ كان مناسباً، إلّا أنَّه غير وافٍ بإثبات حلٍّ موثوق به للمسألة.

الثاني: أنَّها بطريق الوجادة.

بتقريب أنَّ ابن محبوب كان يحدّث عن كتاب أبي حمزة الذي وجده. وعليه جمع، فبعد أن ذكر الوحيد البهبهاني أنَّ منشأ الشبهة هو من ملاحظة سني الوفاة، قال: (الظاهر أنَّ روايته [الحسن]  عن كتابه [الثمالي]. وغير خفى أنَّ هذا ليس بفسق ولا منشأ للتهمة، بل لا يجوز الاتّهام بأمثال ــ سيّما ــ مثل الحسن الثقة)([24]).

وعن بعضهم: (أمَّا في رواية الحسن بن محبوب عن أبي حمزة فالأصل فيه نصر بن الصباح، وأمَّا أحمد بن محمَّد بن عيسى فإن كان قد سبقه في ذلك إلَّا أنَّه تاب ورجع عنه. و(كيف كان)، فالظاهر أنَّ منشأ التوقف عدم درك الحسن علياً، كما يظهر من تاريخ ولادة الأوَّل ووفاة الثاني، لكن بعد الإقرار بوثاقة الرجل وعدّه من الأركان الأربعة في زمانه، لا ينبغي الإسراع إلى اتّهامه، بل يجب أن نحمل ذلك على أحسن محمل، وهو أخذ الحسن الرواية من كتاب علي، ومثله غير عزيز، بل هو أكثر كثير، ولا ينبغي الحمل على الإرسال، إذ لا يخلو من نوع تدليس وتغرير)([25]).

وقوله: عدم درك الحسن علياً كما يظهر من تاريخ ولادة الأوَّل ووفاة الثاني. سهو واضح، والظاهر أنَّه يقصد (لم يدرك ثابتاً)، وقوله: (أخذ الرواية من علي، ومثله غير عزيز، بل هو أكثر كثير). أيضا سهو وهو يقصد (ثابت)، وهذا من باب حسن الظن وإلّا فإن كان يقصد البطائني فهو غلط فاضح.

ولم يرتضِ السيد الأستاذ (دام ظلُّه) هذا، وقال: (إنَّ من البعيد جداً اعتماد ابن محبوب على كتب أبي حمزة في الرواية عنه من دون سماع ولا قراءة ولا مناولة ونحو ذلك، مع أنَّه لو كان الأمر كذلك؛ لما اختصَّ بأبي حمزة، وكان له أنْ يروي كتب محمَّد بن مسلم  وزملائه من الطبقة الرابعة بالطريقة نفسها، فتدبر)([26]) .

فلو كان ممَّن يلتزم الوجادة لحكى عن غيره ممَّن اشتهرت كتبهم أكثر من كتب أبي حمزة، وللسيد الاستاذ (دام ظلُّه) كل الحق في استبعاد هذا الوجه، ويظهر ذلك جلياً لمن تدبر. 

 

المسلك الثالث: حلّ الإشكال، والقول بالمباشرة.

 

الحلّ الأوَّل: المراد به البطائني.

احتمل بعضهم أنَّ عبارة الكشي مصحَّفة، والصحيح بدلاً من (روايته عن أبي حمزة) هو (روايته عن ابن أبي حمزة)، ويكون المقصود به (علي بن أبي حمزة البطائني) الملعون في الرواية، وأنَّ الاتّهام نشأ من كونه يروي عنه وهو ضعيف واقفي، وليس للكلام تعلّق بالطبقة.

وهذا الكلام لولا أنَّ بعض الأعلام ذكره في كتبه؛ لما كان من المناسب أن يناقش في محضر أهل الصنعة. فمن الغريب صدوره عن غير عَلَم، وهو يمكن أن يتبادر بدواً عند البعيدين عن هذا المضمار، فأمَّا أهله فلا يناسب حالهم احتماله، ولو على نحو الوجه الضعيف.

قال القهبائي: (والمراد منه علي بن أبي حمزة البطائني، فإنَّ ابن محبوب روى عنه (أي عن البطائني) كما سيأتي في ترجمة ثابت بن دينار أبي حمزة الثمالي (حيث روى ابن محبوب عن البطائني رواية في وفاة أبي حمزة)، ووجه التهمة حينئذ: أنَّ ابن محبوب أمتن وأجل من أنْ يروي عن علي ابن أبي حمزة البطائني؛ فإنَّه واقفي، خبيث، ردي، معاند للرضا عليه السلام..)([27]).

وقال السيد التفريشي: (وما نقله النجاشي عن الكشي عن نصر بن الصباح: أنَّ أحمد بن محمَّد بن عيسى لا يروي عن ابن محبوب؛ من أجل أنَّ أصحابنا يتّهمون ابن محبوب في روايته عن أبي حمزة الثمالي... إلى آخره، محمول على السهو، ولعلَّ ما ذكره الكشي هو علي بن أبي حمزة البطائني الضعيف كما لا يخفى)([28]).

 

أقول: المشكلة قائمة، قال نصر أم لم يقل، فالسرَّاد ولد قرب وفاة الثمالي إنْ لم يكن بعدها، ولا شكَّ ولا ريب في رواية السرَّاد عن الثمالي في بطون الأسناد، ثم لماذا اقتصر الأصحاب اتّهام ابن محبوب لأنَّه روى عن البطائني وهو ضعيف، أليس أجلّاء الأصحاب ممَّن روى عنه أيضاً؟ أليس البزنطي، وابن أبي عمير، وصفوان، ممَّن اشتهر ــ على ما نقله الطوسي ــ من إنَّهم لا يروون إلّا عن ثقة قد رووا عنه؟ ولم يقدح ذلك فيهم، ولا أعلم كيف يخفى كل هذا على السيد طاب ثراه، وهو يصرّح أخيراً بقولته رحمه الله: (كما لا يخفى).

ثمَّ إنَّ الحسن روى عن ثابت بن دينار، وبعنوان أبي حمزة مقيّداً بالثمالي، وبما لا يحتمل التصحيف لروايته عن السجاد والباقر عليهما السلام ممَّن لم يدركهما البطائني، فقد روى الحسن بن محبوب، عن عنوان أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين في مواضع من الكافي([29]) وعن أبي جعفر الباقر، وأبي عبد الله الصادق عليهم السلام في أخرى([30]).

فرواية الحسن بن محبوب عن ثابت بن دينار أبي حمزة الثمالي لا ريب في وجودها في بطون الأسناد، وهناك شكّ قائم في تحقّق الملاقاة بينهما لا ريب، وأمَّا البطائني فليس من الرائج أنْ يتّهم الأصحاب مَن يروي عنه، وقد روى عنه جلّتهم.

 

الحلّ الثاني: تعمير ابن محبوب.

وذلك بتقريب: أنَّ الوارد في عُمْر الحسن بن محبوب هو (خمس وتسعين)، وليس (خمس وسبعين)، بتقريب أنَّ ما ذكر عن الكشي، في الاختيار: (ومات الحسن بن محبوب في آخر سنة أربع وعشرين ومائتين، وكان من أبناء خمس وسبعين سنة )، مصحَّف، وأنَّ الصحيح هو (تسعين) مكان (سبعين) كما أشارت أحدى المخطوطات، فيكون عمره حين توفّي الثمالي نحو عشرين سنة، وحينذاك فلا مشكلة زمنيَّة في البين، ولا يضر قول نصر لأنَّه لا يعتدّ به، خصوصاً وأنَّه هنا خلاف المقايسة الزمنية، وهذا ما حكي عن صاحب القاموس.

لكن هذا ليس بسديد؛ فإنَّه لو كان معمّراً وعمَّر إلى خمس وتسعين عاماً،  لما كان صغيراً عند أخذه من ابن رئاب، ولكان ابن رئاب زميله عند أبي حمزة، ولكن الحال أنَّ الكشي أو نصر قال: (سمعت أصحابنا أنَّ محبوباً أبا حسنٍ كان يعطي الحسن بكل حديث يكتبه عن علي بن رئاب درهماً واحداً)، وهذا يشير إلى كونه صبياً أو فتى شاباً عند تلمّذه عند علي بن رئاب، وأنَّ أباه محبوباً كان يعطيه الدرهم لتشجيعه على الحفظ.

وممَّا يؤكّد عدم كونه من المعمّرين هو ما صحّ إليه من روايةٍ في ذكر سنة وفاة أبي حمزة الثمالي، المارّة التي رواها الكشي عن (محمَّد بن إسماعيل، قال: حدّثنا الفضل، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال: (ما فعل أبو حمزة الثمالي؟). قلت: خلّفته عليلاً، قال: (إذا رجعت إليه فاقرأه منّي السلام واعلمه أنَّه يموت في شهر كذا في يوم كذا...). قال علي: فرجعنا تلك السنة فما لبث أبو حمزة إلّا يسيراً حتى توفّي)([31]).

 حيث إنَّ محمَّد بن إسماعيل في هذه الرواية هو النيشابوري الذي وثقنا بروايته كما قدّمناه في محله([32])، والفضل هو: ابن شاذان الثقة، تلميذ الحسن بن محبوب، وفي هذه الرواية يروي ابن محبوب عن علي بن أبي حمزة البطائني الذي هو عند تلك الرواية بعمر الحسن بن محبوب بحسب فرض كون الحسن معمّراً وهو يروي لزميله ابن محبوب قصّة موت أستاذ الحسن ابن محبوب عن طريق أستاذه (أستاذ البطائني أبو بصير)!!، وفي هذه الرواية يكون أبو حمزة توفي قبل نهاية سنة (148هـ).

في حين أنَّ أبا حمزة كما يظهر أنَّه توفي سنة (150هـ) كما نصَّ عليه الشيخ والنجاشي والصدوق وكما في الكشي، ويخالفها هذه الرواية وهي ضعيفة بالبطائني فيصعب أنْ تصمد بوجه المؤشّرات الكثيرة التي أشارت إلى كونه ممَّن أدرك برهة من زمن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام), وعليه فخطأ الرواية في تحديد سنة الوفاة يصلح أنْ يكون كاشفاً معتداً به في معرفة أنَّ الحسن بن محبوب لم يكن تلميذاً لأبي حمزة وأنَّه لاقاه؛ إذ كيف يروي سنة وفاته خطأ وبواسطتين؟!

وأمَّا ما يمكن أن يشكل من أنَّه لو كان معمّراً لنبّه عليه أهل الرجال، فإنَّه يقال بالعكس، وهو: أنَّه لو لم يكن معمّرا لما ذكروا عمره، وأنَّهم غالباً ما يوردون أعمار المعمّرين فيقولون: توفي سنة كذا، وكان له من العمر كيت، وهذا ما وصل لنا في كتاب الكشي، فلو أنَّه لم يكن معمّراً لما ذكر الكشي عمره، غاية الأمر أنَّ سبعين وتسعين تصحفان بشكل كبير، بل يمكن أنْ يقال: إنَّ ذكر الأعمار العادية كخمس وسبعين ممَّا لا يجري ذكره عادة، بل هم يقتصرون أغلب الأحيان على ذكر المعمّرين فقط، فيترجّح من ذكر عمره كونه منهم، لو كنّا نحن وعبارة الكشي فحسب.

إلّا أنَّ الأقوى أنَّه لم يكن معمّراً، وقد كان ذكرهم لأعمار غير المعمّرين رائجاً عند توفّر ذلك في الفهارس التي ينقلون منها، وتشتدّ الحاجة حين يكون هناك إشكال أو نكتة تتعلّق بمدّة عمر الراوي وإنْ لم يكن معمراً، ولعلَّ ما قيل من أنَّ عمره خمساً وسبعين كان إشارة من القائل إلى عدم إمكانه إدراك أبي حمزة، خاصَّة أنَّ الكشي حينما ذكر ذلك (سنة وفاته وعمره) ألحقهما بذكر التهمة بسقوط الواسطة بينه وبين أبي حمزة، فالقول بترجيح كون الحسن بن محبوب معمّراً؛ لأنَّ الكشي ذكر وفاته، لا يقوى على أنْ يترجّح مع تلك الخصوصيات في فائدة ذكر ذلك العمر إنْ كان عمراً معتاداً.

 

الحلّ الثالث: تغيير سنة وفاة ابن محبوب

واستقرب السيد الأستاذ (دام ظلُّه) إمكان تحقّق الملاقاة، وأنَّ ابن محبوب لم يكن معمّراً، ولكن الصحيح أنَّه لم يمت سنة (224هـ)، بل سنة (204هـ)، لكنه (دام ظلُّه) لم يكن ليطمئن لهذا الوجه وختمه قائلاً أنَّ في نفسه شيء منه، وعلى كلّ تقدير محصَّل هذا الوجه كما بيَّنه (دام ظلُّه): (أنَّ  ما ذكر في رجال الكشي في تاريخ وفاة الحسن بن محبوب من أنَّه مات سنة (224هـ) مما لا يمكن الالتزام به، فإنَّه لو كان مات في هذا التاريخ؛ لكان قد أدرك تمام مدَّة إمامة أبي جعفر الجواد (عليه السلام) وبعضاً من إمامة الإمام أبي الحسن الهادي (عليه السلام)، فلماذا لم يذكر في أصحابهما أو فيمن أدركهما (عليهما السلام) ولم يروِ عنهما مع اهتمام الرجاليين بالتنبيه على ذلك)([33]).

ثم قال (دام ظلُّه): (وبالجملة: بقاء الحسن بن محبوب إلى آخر سنة أربع وعشرين ومائتين كما ورد في كتاب الكشي مستبعد جداً، ويحتمل كون لفظة (وعشرين) حشوا في كلامه. وعلى ذلك يسهل توجيه رواية ابن محبوب عن أبي حمزة الثمالي من دون اقتضاء كونه من المعمرين)([34]).

وهناك ما يعارض هذا الوجه، وهناك ما يؤيده، وعلى فرض ثبوته فهناك أيضاً ما يبقي المشكلة قائمة.

فممَّا يعارضه:

أنَّه لو كان توفّي سنة (204هـ) وأنَّه كان كحال يونس بن عبد الرحمن كما نصَّ عليه السيد الاستاذ (دام ظلُّه) في الموضع المشار إليه؛ لما أمكن لجمعٍ من السابعة الرواية عنه كعلي ابن فضّال المتوفّى سنة (280هـ) والذي كان له من العمر ( 18) عاماً عند وفاة أبيه الحسن سنة (221 هـ) أو (224هـ)، فإنْ كان ابن فضّال ولد في بداية المائة الثانية فإنَّ الحسن بن محبوب يكون توفي قبل ولادة علي ابن فضّال أو في مثلها، فهذا الحلّ في غاية البُعد، وهو لا يحل مشكلة الملاقاة بين السرَّاد والثمالي، بل يفتح باباً كبيراً من السِقط بين الحسن وتلامذته، كروايات علي ابن فضّال (204هـ ــ 280هـ)، وكرواية أحمد بن محمَّد بن عيسى المتوفى بعد (274هـ) أو حتى بعد (280هـ)، بل وأحمد بن محمَّد بن خالد البرقي المتوفى سنة (274هـ) أو حتى (280هـ)، بل وإبراهيم بن هاشم الذي لم يروِ عن يونس إلّا بواسطة مع أنَّه يحسب من أتباع يونس, لكنه لم يدرك يونس مع أنَّ يونس ممَّن بقي إلى هذا الوقت كما حقّق في محلِّه.

ولذا فتقدير وفاته بذا بعيد جداً مع القطع برواية هؤلاء عنه، وامتناع روايتهم عنه لو كان بعمر يونس بن عبد الرحمن.

وممَّا يؤيّده:

الأوَّل: ما ذكره الكشي عن نصر أنَّه قال: (ابن محبوب لم يكن يروي عن ابن فضّال، بل هو أقدم من ابن فضّال وأسن)([35]).

بتقريب: أنَّ المراد بابن فضّال هنا (الحسن)، والحسن ابن فضّال ممَّن توفي سنة (224هـ) على قول، و(221هـ) على المختار، وبهذا فلا بُدَّ أنْ يكون ما ذكر من أنَّ وفاة الحسن بن محبوب سنة (224هـ) غلط.

ولكن يردّه أمر فيما لو غضضنا النظر عن المخبر  ــ نصر بن الصباح ــ وعدم إمكان الاعتماد عليه من غير قرينة مصاحبة لصدقه، وهو وإنْ كان ابن فضّال ينصرف عادة إلى (الحسن) في كتب الرواية، لكن ما في الاختيار فإنَّه ينصرف إلى ولده علي ابن فضّال المتوفّى سنة (280هـ) فهو من يستشهد به مراراً في الاختيار، ولا يبعد أيضاً أن يراد به أحمد ابن فضّال المتوفى سنة (260هـ)، لكن يبقى أنَّ ذكر ذلك من الواضحات من أنَّ علي أو أحمد إنَّما هما بمنزلة تلاميذ الحسن بن محبوب فلا ريب في أنَّه أسنّ منهما، فلِمَ ذكر نصر ذلك للكشي؟ فلا يبعد أنْ يكون مراد نصر بابن فضّال هو أبوهم الحسن، بل هو الأقرب, إنْ لم يكن هو المتعيَّن.

الثاني: ما ذكره الكشي عن نصر بن الصباح أنَّه قال: (إنَّ محمَّد بن عيسى بن عبيد، من صغار ]أصغر[ من يروي عن ابن محبوب في السنّ)([36]).

ومعلوم أنَّ محمَّد بن عيسى بن عبيد من كبار السابعة ممَّن روى عن يونس بن عبد الرحمن مكرراً وإنْ كان هناك لغط في روايته عنه، وعلى كلِّ تقديرٍ فهو كافٍ في تحقّق نفس اللغط في روايته عن الحسن بن محبوب بهذه العبارة التي أوضح نصر أنَّه أيضاً أصغر من أنْ يروي عن ابن محبوب أو أنَّه من صغار مَن يروي عنه.

ولكن في هذا أيضاً إشكال يمنعنا اعتماد قول نصر هنا؛ فإنَّ من المتعارف أنَّ مَن هو أصغر من اليقطيني قد أقرَّ نصر بروايته عن الحسن بن محبوب بعد امتناعه كأحمد بن محمَّد بن عيسى وأضرابه كالبرقي صاحب المحاسن وإبراهيم فالقولين لنصر لا يمكن الاعتماد عليهما بشكل تطمئن إليه النفوس، بل لعلَّ الشكّ فيه يطغى خصوصاً في الثاني.

وممَّا يبقي المشكلة قائمة, بل ويفاقمها، أنَّه حتّى مع فرض كون الحسن بن محبوب كحال يونس وأضرابه من الذين أدركوا برهة من أيام الصادق (عليه السلام)  في مقتبل أعمارهم، إلّا أننا نلاحظ أنَّ هؤلاء لم يكن ليرووا عن الرابعة، بل ورواياته عن معاصري أبي حمزة لا ريب في سقوط الواسطة فيها متأخراً عنه، وأننا لو سلَّمنا أنَّه تسنّى له روايته عن الثمالي مباشرة, فإننا حينئذٍ سنعلن معها وجود السقط المحقّق بين المكثرين عنه من السابعة؛ لتنتهي معظم رواياته بالإرسال من الجهة أخرى، ولعلَّ هذا هو الشيء الذي كان في نفس أستاذنا دامت بركاته من هذا القول.

 

الحلّ السادس: لا حجَّة على عدم الملاقاة.

وهو ما ذهب إليه السيد الخوئي (طاب ثراه) فقال (قده) في تقرير الإشكال: (إنَّ الحسن بن محبوب روى عن أبي حمزة الثمالي كتابه كما ذكره النجاشي والشيخ. فقد روى الحسن بن محبوب عن أبي حمزة في عدَّة موارد، ومع تقييده بالثمالي.. وقد استشكل في ذلك: بأنَّ الحسن بن محبوب، مات سنة 224 وكان عمره خمساً وسبعين سنة، إذن كيف يمكن روايته عن أبي حمزة المتوفى سنة 150)([37]).

ثمَّ قال: (والجواب عن ذلك: أنَّه لا سند لما ذكره: من أنَّ الحسن بن محبوب مات سنة 224، وأنَّ عمره كان 75 سنة، إلّا ما ذكره الكشي في ترجمة الحسن بن محبوب عن علي بن محمَّد القتيبي، حدَّثني جعفر بن محمَّد بن الحسن بن محبوب... ومات الحسن بن محبوب في آخر سنة 224، وكان من أبناء خمس وسبعين سنة. وبما أنَّ علي بن محمَّد لم يوثَّق، وجعفر بن محمَّد مجهول، فلا يمكن أن يعارض به خبر النجاشي والشيخ، وما تقدَّم من الروايات)([38]).

أقول: ذكر القتيبي أنَّ وفاته كانت سنة (224 هـ) أم لم يذكر، فإنَّ وفاته هي بتلك الحدود، فهو لا ريب ولا إشكال من كونه من الطبقة السادسة؛ بدلالة رواية السابعة عنه، خاصَّة وأنَّهم رواة كتبه، أمثال: أحمد بن محمَّد بن عيسى المتوفى بعد (274هـ) أو بعد (280هـ)، وأحمد بن محمَّد البرقي المتوفّى في إحدى تينك السنتين، فإن لم يكن

ــ الحسن ــ توفّي سنة (224 هـ) أو بحدودها لم يكن لهؤلاء أنْ يدركوه إلّا أنْ يكون معمّراً، وهو لم يذكر في المعمّرين مع اهتمامهم بنقل ذلك، بل ويتعيّن نقل كونه منهم إنْ كان بسبب وجود قول باتّهامه بالتدليس والرواية عمَّن لم يلاقه.

والحاصل: أنَّ هذه الطريقة الأصولية المحضة لا تتناسب أبداً في مقاييس الرجال للعارفين بأزمان الطبقات، وتلك المنهجيَّة في العمل الرجالي لا تستقيم بوجه.  

ثم تطرَّق (قده) في قضية اتّهامهم له بروايته عن أبي حمزة، وقال: (وأمَّا ما رواه الكشي، عن نصر بن الصباح في ترجمة أحمد بن محمَّد بن عيسى من أنَّ أحمد بن محمَّد بن عيسى لا يروي عن ابن محبوب، مِن أجل أنَّ أصحابنا يتهمون ابن محبوب في روايته عن أبي حمزة، ثم تاب أحمد بن محمَّد، فرجع قبل ما مات، وكان يروى عمَّن كان أصغر سنّاً منه، فإنْ لم يناقش فيه من جهة نصر بن الصباح فهو شاهد على جواز رواية الحسن عن أبي حمزة لا على عدمه)([39]).

أقول: دلالة قبول أحمد وروايته ــ في قابل ــ عن الحسن أعمّ من المدّعى وهو حصول الملاقاة بين الحسن والثمالي، فالقبول ليس علَّته منحصرة بالملاقاة.

ثم ختم (قده) قائلاً: (ثُمَّ لو أغمضنا عن ذلك وفرضنا أنَّه لم يثبت أنَّ الحسن بن محبوب أدرك أبا حمزة وروى عنه فلم يثبت خلافه أيضاً، وعليه فبما أنَّه يحتمل روايته عنه بلا واسطة وعن حسٍ، والحسن بن محبوب ثقة، فلا بُدَّ من الأخذ بروايته؛ وذلك لبناء العقلاء على الأخذ بكل خبر ثقة يحتمل أنْ يكون عن حس)([40]).

أقول: إنمَّا يمكن أن يطرح هذا الكلام لو كنّا لا نعلم شيئاً عن تواريخ الرجلين وأزمانهما وطبقتهما، فله (قده) أنْ يطبّق ما شاء من التأصيلات، أمَّا مع علمنا باختلاف الطبقة والقرائن الكثيرة التي تدلّ على عدم الملاقاة، فتكون عدم الملاقاة هو ما يظهر جلياً للعامل بالطبقات وأزمان الرواة وإن لم يكن واضحاً لديه (قده)، فلا تصل النوبة إلى إعمال تلك التأصيلات العقلية أو العقلائية في هذا المقام، وللسيد الأستاذ (دام ظله) ردّ طويل على هذه الفقرة من كلامه (قده) فليراجع في محلِّه([41]) .

 

الحلّ السابع: التصحيف.

قال في أعيان الشيعة: (فيكون الصواب (ابن أبي حمزة) كما في رجال الكشي وتكون لفظة (ابن) قد سقطت من النجاشي، أو من النسّاخ، فقد روى الكشي عن حمدويه أنَّ لأبي حمزة ثلاثة أولاد ثقات الحسين وعلي ومحمَّد)([42]).

وهذا القول ضعيف لا يغني ولا يسمن من جوع، وهو نظير مَن ادّعى أنَّ المراد من أبي حمزة هو علي بن أبي حمزة البطائني، فإنَّه لا يحلّ الإشكال المتّرتب من عدم لحوق الحسن بزمن الثمالي والمتعارض مع رواية الحسن عن أبي حمزة الثمالي ثابت بن دينار قطعاً، كما في الأسناد، وعليه فهو أيضاً ممَّا لا يمكن الاعتماد عليه.

 

المختار:

إنَّ كلَّ الاحتمالات الواردة بغضّ النظر عن تعيّن أحدها، نتيجتها على الأغلب قبول الرواية، وهذا ما يوجب في النفس نوعاً من الوثوق بما ينقله الحسن بن محبوب السرَّاد عن أبي حمزة الثمالي وإنْ لم يدركه، ومن مناشئ هذا الوثوق الوجداني: وثوق أحمد بن محمَّد بن عيسى قبله؛ فإنَّه يصلح شاهداً لوجود مدرك معتد به وإنْ كنّا لا نعلم أيّ مدرك هو؛ لقبوله روايات الحسن بن محبوب عن أبي حمزة الثمالي من غير واسطة مع تشدّده وصرامته، بل وامتناعه فترة عن الرواية عنه، ومن ثَمَّ رجوعه وتوبته كما حكي، وهو محط الركب في الوثوق بما اعتمده أحمد، خاصَّة ولا ينافي أحد الحلول المصحّحة للعمل برواية الحسن بن محبوب عن أبي حمزة الثمالي، والتي أقربها إلى نفسي ما احتمله السيّد البروجردي قدِّست نفسُه الطَّاهرة.

 

 

 

 

([1]) حيث ورد في اختيار معرفة الرجال (1/ 339): (وبقي أبو حمزة إلى أيام أبي الحسن موسى بن جعفر ¥ مما يعني بقاءه بعد 148هـ. وفي اختيار معرفة الرجال (2/ 458) عن علي ابن فضال: (أن أبا حمزة وزرارة ومحمد بن مسلم ماتوا سنة واحدة بعد أبي عبد الله عليه السلام بسنة أو بنحو منه) مما يعني أنه توفي بعد وفاة الصادق (عليه السلام) سنة 148 بسنة أو نحوه، وفي اختيار معرفة الرجال أنَّه وفي قبل وفاة الصادق بإخباره (عليه السلام) بذلك أي أنه توفي قبل 148هـ وهذا خطأ وسيأتي بيانه.

وذكر الشيخ أنه توفي سنة 150هـ، في موضعين من رجاله: رجال الشيخ ، ص 110، ت1083،

وص174، ت2047، وهو القوي والمناسب لقول ابن فضال، وهو أيضاً ما اعتمده النجاشي في رجاله ص115، ت296.

([2]) اختيار معرفة الرجال: 2/ 851.

([3]) اختيار معرفة الرجال: 2/ 799.

([4]) رجال النجاشي: 81.

([5]) اختيار معرفة الرجال: 2/ 851.

([6]) اختيار معرفة الرجال: 2/ 860.

([7]) معجم طبقات المكثرين: 121/ 306.

([8]) ترتيب أسانيد الكافي: 1/ 200.

([9]) كتاب الحج السيد الخوئي: 1/ 206.

([10]) معجم رجال الحديث: 4/ 298.

([11]) العبارة في المتن كما في المطبوع، وهي مربكة، ولكن في نسخة السيّد العلامة الكركي المخطوطة في الهامش زيادة: (فقلت له)، فتنسجم هذه الزيادة مع الرواية؛ فتكون العبارة: (فقلت له: من شيعتكم؟ معكم؟ قال: إن هو خاف الله.. إلى آخر الرواية).

([12]) اختيار معرفة الرجال: 2/ 458.

([13]) الوافي في تحقيق أسناد الكافي : 2/ 84.

([14]) إكمال الإكمال: 4/  5.

([15]) تقرير بحث السيد البروجردي  في القبلة والستر ومكان المصلي: 151.

([16]) زبدة المقال في خمس الرسول والآل: 57.

([17]) استقصاء الاعتبار: 2/ 147

([18]) قبسات من علم الرجال: 2/ 323.

([19]) نفس المصدر: 2/ 324.

([20]) نهاية الدراية: 473.

([21]) الكفاية في علم الرواية : 363.

([22]) ذيل تاريخ بغداد: 4/ 195.

([23]) البحر المحيط: 3/ 328.

([24]) تعليقة على منهج المقال: 130.

([25]) منتهى المقال: 2/ 48.

([26]) قبسات من علم الرجال: 2/ 325.

([27]) ينظر القهبائي في مجمعه: 1 /  161 في ترجمة أحمد بن محمَّد بن عيسى، وكذا في ترجمة الحسن بن محبوب: 2/ 144

([28]) نقد الرجال: 1/ 169.

([29]) ينظر الكافي: (2/ 81)، (2/ 328) على سبيل المثال لا الحصر.

([30]) ينظر الكافي: (1/ 368)، (2/ 188)، (2/ 249)، (2/ 304)، (2/ 423)، (2/ 496)، (5/ 80)، (5/ 135)، (6/ 156)، (7/ 410) على سبيل المثال لا الحصر.

([31]) اختيار معرفة الرجال: 2/ 458.

([32]) الوافي في تحقيق اسناد الكافي: 2/ 84.

([33]) بحوث في مناسك الحج: 2/ 241.

([34]) نفس المصدر.

([35]) اختيار معرفة الرجال: 2/ 851.

([36]) اختيار معرفة الرجال: 2/ 817.

([37]) معجم رجال الحديث: 4/ 297.

([38]) نفس المصدر: 4/ 298.

([39]) المصدر نفسه.

([40]) المصدر نفسه.

([41]) بحوث في مناسك الحج: 2/ 224.

([42]) أعيان الشيعة: 3/ 145.