زواج البكر الرشيدة بغير إذن الولي

احدث المقالات

PDF
نص المقال

 

 

زواج البكر الرشيدة بغير إذن الولي

 

السيّد محمّد رضا السيستانيّ (دامت بركاته)

 

 

يتناول البحث مسألة مهمة من المسائل الفقهية التي هي محل ابتلاء المؤمنين وموضع اهتمام أهل العلم والفضل, وهي (زواج البكر الرشيدة بغير إذن الولي).

وقد اختلفت فيها الروايات الواردة عن أهل البيت i, واختلفت لذلك أنظار الفقهاء L في التعامل معها، فتعددت أقوالهم و رَبَت عمدتها على الخمسة.

والبحث الذي بين أيدينا معنيّ في الأساس بتسليط الضوء على دليل التفصيل الذي تبنّاه بعض مراجع العصر F بين البكر المستقلة في شؤون حياتها عن أبويها وبين غير المستقلة، والذي لم يسبقه إليه أحد فيما نعلم، وقد أُعدّ هذا البحث قبل سنوات طوال, واتيح لنا الاطلاع عليه في الآونة الأخيرة فاستأذنا في نشره تعميماً للفائدة.

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمدِّ وآله الطيبين الطاهرين، اللهمّ عليكَ توكّلت وإليك أنبت وإليك المصير.

وبعد: فقد اختلف أصحابنا L في ولاية الأب والجد من طرف الأب على البكر البالغة الرشيدة في أمر زواجها على أقوال أهمّها ما يأتي:

الأول: استقلالهما، أي الأب والجد.

الثاني: استقلالها.

الثالث: التفصيل بين الدوام والمتعة، باستقلالها في الأول دون الثاني.

الرابع: التشريك، بمعنى اعتبار إذن الولي والبنت معاً.

الخامس: استقلال كل من الولي والبكر. وهذا القول تبنّاه المحقّق النراقي S(١)، واختـاره أيضاً الســيد الحكيم S(٢) وأضاف أن للأب نقض نكاح البنت البكر, وإن كان النكاح صحيحاً في نفسه.

السادس: ما أبداه سيدي الأستاذ الوالد (دامت بركاته) من التفصيل، بين ما إذا كانت البكر مستقلة عن أبويها في شؤون حياتها، بحيث تتصدّى هي لأمورها فتكون لها الولاية في أمر زواجها أيضاً بلا حاجة إلى إذن الأب أو الجد، وبين أن لا تكون كذلك، فتكون الولاية لأبيها وجدّها ولا يعتبر إذنها.

ولبيان ما هو الحق من هذه الأقوال ينبغي البحث في مقامين.

 

المقام الأوّل

هل يحقّ للأب أو الجد من طرف الأب أن يزوّج البكر البالغة الرشيدة من دون إذنها، بل ولو كانت كارهة, أم لا يحق لهما ذلك إلاّ برضاها؟

اختار جمع من الفقهاء منهم صاحب الحدائق S (٣) أنّ للأب- ويلحق به الجد- الحق في تزويج ابنته البكر من دون رضاها، واستندوا في ذلك إلى جملة من الروايات، وفيما يلي بعضها:

(١) صحيحة الحلبي, عن أبي عبد الله g في الجارية يزوجها أبوها بغير رضا منها، قال: (ليس لها مع أبيها أمر، إذا أنكحها جاز نكاحه وإن كانت كارهة)(٤).

(٢) صحيحة محمد بن مسلم, عن أحدهما g, قال: (لا تُستأمر الجارية إذا كانت بين أبويها، ليس لها مع الأب أمر، وقال: يستأمرها كل أحد ما عدا الأب)(٥).

(٣) رواية عبيد بن زرارة - وفي سندها القاسم بن سليمان وهو لم يوثّق- عن أبي عبد الله g في حديثٍ, قال: (لا تُستأمر الجارية في ذلك إذا كانت بين أبويها، فإذا كانت ثيّباً فهي أولى بنفسها)(٦).

(٤) موثقة فضل بن عبد الملك, عن أبي عبد الله g قال: (لا تُستأمر الجارية التي بين أبويها إذا أراد أبوها أن يزوّجها, هو أنظر لها، وأمّا الثيّب فإنّها تُستأذن وإن كانت بين أبويها إذا أرادا أن يزوّجاها)(٧).

(٥) صحيحة عبد الله بن الصلت, عن أبي الحسن الرضا g- في حديث- وسألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء ألها مع أبيها أمر؟ قال: (ليس لها مع أبيها أمر ما لم تكبر)(٨).

وهذه الصحيحة موردها البكر، كما أنّ مورد موثقة فضل بن عبد الملك ورواية عبيد بن زرارة أيضاً ذلك، بقرينة المقابلة مع الثيّب في ذيلهما. 

وأمّا صحيحتا الحلبي ومحمد بن مسلم فهــما مطلقــتان تشــملان البكر والثيب، فيجب تقييدهما بالروايات المتضافرة الدالة على عدم ولاية الأب على الثيّب بوجه.

هذه عمدة الروايات(٩) التي يمكن الاستدلال بها لصاحب الحدائق ومن وافقه.

نعم, هناك رواية أخرى أوردها الحرّ العاملي نقلاً عن الشيخ بإسناده الصحيح عن الحلبي, عن أبي عبد الله g قال: سألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء ألها مع أبيها أمر؟ فقال: (ليس لها مع أبيها أمر مالم تثيب)(١٠).

ولكن المُعلّق على الوسائل لم يعثر على هذه الرواية في التهذيب، كما لم أعثر عليها فيه، والظاهر أنها سهو من الحرّ العاملي (رحمه الله)، فإنّ المتن المذكور فيها بعينه هو المتن المذكور في رواية عبد الله بن الصلت المتقدمة، والمُلاحِظ للتهذيب يجد أن رواية ابن الصلت مذكورة فيه عقيب رواية الحلبي بالإسناد المذكور في الوسائل، فيطمأن بذلك أنّ الحرّ العاملي قد سها في المقام، فألحق هذا المتن بذلك السند، وأثبت الرواية على هذا النحو, والله العالم.

وكيف كان، ففي الروايات المتقدمة غنىً وكفاية لهذا القول، إلا أنه قد أورد على الاستدلال بها بوجهين:

(الوجه الأوّل): ما أفاده السيد الأستاذ S(١١) من أنّ هذه الروايات مُعارَضة بجملة من الروايات الدالّة على لزوم استشارة البكر وعدم استقلال الأب في أمرها وهي:

(١) معتبرة منصور بن حازم, عن أبي عبد الله g قال: (تُستأمر البكر وغيرها ولا تنكح إلا بأمرها)(١٢).

استدلّ بها السيد الأستاذ S أولاً، ولكنّه تنبّه لاحقاً للمناقشة في هذا الاستدلال فأفاد(١٣): إنها لا تصلح للاستدلال لكونها مطلقة فتقيّد بقوله g في صحيحة محمد ابن مسلم: (يستأمرها كل أحد عدا الأب).

أقول: إن النسبة بين معتبرة منصور وصحيحة محمد بن مسلم عموم من وجه كما لا يخفى، فلا تصلح الأخيرة لأن تكون مقيّدة للأولى. نعم موثّقة فضل بن عبد الملك وصحيحة عبد الله بن الصلت تصلحان لذلك فلاحظ.

(٢) معتبرة صفوان, قال: استشار عبد الرحمن موسى بن جعفر h في تزويج ابنته لابن أخيه، فقال: (افعل ويكون ذلك برضاها، فإن لها في نفسها نصيباً), قال: واستشار خالد بن داود موسى بن جعفر h في تزويج ابنته عليَّ بن جعفر,  فقال: (افعل ويكون ذلك برضاها فإنّ لها في نفسها حظّاً)(١٤).

ووجه الاستدلال بها: أنّ قوله g (إنّ لها في نفسها نصيباً) أو (حظّاً) يدلّ على عدم استقلالية الأب وكون بعض الأمر بيدها. وهذا لا يمكن فرضه إلا في البكر 

الرشيدة البالغة، فإنّ الثيّب تمام أمرها بيدها، كما أنّ القاصرة ليس لها من الأمر شيء، فيتعيّن أن يكون مورد الصحيحة هي البكر الرشيدة البالغة, وحينئذٍ تكون معارضة لصحيحة الحلبي وما ضاهاها من الروايات الدالة على استقلالية الأب.

وعلى ذلك: فلا بدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه قواعد المعارضة - بعد تعذّر الجمع الدلالي بينها- وحيث أنّ معتبرة صفوان موافقة للكتاب ومخالفة لما هو المشهور بين العامّة. فهي مرجّحة على تلك الروايات مع كثرتها. ولو فرض عدم ترجّحها عليها فالجميع يسقط بالمعارضة, فتصل النوبة إلى الأصل ومقتضاه عدم نفوذ تصرف أحد بالنسبة إلى غيره.

ويمكن أن يلاحظ على هذا الاستدلال:

أولاًّ: بأنّ الجمع الدلالي بين الطائفتين ممكن، فلا يصل الأمر إلى إعمال المرجّحات، لأنّ دلالة صحيحة الحلبي على استقلالية الأب بالنصوصية، ودلالة معتبرة صفوان على التشريك بالظهور(١٥), فلابدّ من رفع اليد عن ظهور الثانية بصراحة الأولى.

ولكنّ هذه الملاحظة لا تتم على مبنى السيد الأستاذ S(١٦) فإنّه يشترط في الجمع الدلالي المقبول ان يفرض الدليلان المنفصلان متصلين ومجتمعين في كلام واحد، فإن كان في نظر العرف بمثابة القرينة و ذيها، فكان احدهما مانعاً عن انعقاد الظهور في الآخر وشارحاً للمراد منه كما في مثل قولنا (زكّ) و(لابأس بتركه) لم تكن ثمّة معارضة  وكانت القرينية محفوظة في ظرف الانفصال أيضاً. وأمّا إذا عُدّا في نظر العرف متباينين وكان الصدر والذيل متهافتين فلا جرم تستقر المعارضة في البين لدى الانفصال ايضاً. ولا ريب أنّه لو جمع بين ما ورد في صحيحة الحلبي من قوله g: (إذا أنكحها جاز نكاحه وإن كانت كارهة)، وقوله g في معتبرة صفوان :(يكون ذلك برضاها فإن لها في نفسها نصيباً) لكان الكلام في نظر العرف متهافتاً ومتناقضاً.

وثانياً: بأنّ معتبرة صفوان رواية واحدة تدلّ على عدم استقلالية الأب، وفي مقابلها روايات كثيرة تدلّ على الاستقلالية، بحيث يقطع بصدور بعضها منهم E فلا بدّ من رفع اليد عن مظنون الصدور في مقابل مقطوعه، ولا تصل النوبة الى إعمال المرجحات كما بنى عليه S في الأصول(١٧).

ولكن يظهر منه S(١٨) الجواب عن هذه الملاحظة: بأنّ الروايات الدالّة على استقلاليّة الأب منها ما دلّت على ذلك بالصراحة كصحيحة الحلبي, ومنها ما دلّت عليه بالإطلاق، وهي ما تضمنت نفي الأمر عنها، وأنه ليس لها مع أبيها أمر. فإنه أعم من نفي استقلالها في الأمر ونفي مشاركتها فيه، فتقيّد بمعتبرة صفوان الدالّة على اشتراكهما في الأمر، فلا يبقى إلا ما دلّت على استقلالية الأب وليست هي من الكثرة بحدّ يقطع بصدور بعضها عن المعصوم g.

ولكنّ ما أفاده Sغير واضح؛ لأنّ ما دلّ على أنّه ليس لها مع أبيها أمر ظاهرٌ ظهوراً لا يقبل التأويل في أنّه لا يحقّ لها معارضة أبيها في أمر زواجها، فكيف يحمل على اشتراكهما في الأمر؟!.

ولعلّ الأولى أن يقال ان الروايات الدالة على استقلالية الأب لا تتجاوز السبع ولا قطـع بصدور بعضها عن المعصوم g فإنها لا تبلغ حد التضافر فضلاً عن التواتر فليتأمل.

هذا, ثمّ أنّ السيد الأستاذ S قد ذكر صحيحة زرارة بن أعين, قال: سمعت أبا جعفر g يقول: (لا ينقض النكاح إلاّ الأب)(١٩)، وصحيحة محمد بن مسلم التي هي بمضمونها أيضاً(٢٠) وقال(٢١): إنّ المراد بالنقض فيهما ما يقابل الإبرام الشأني لا الإبرام الحقيقي, ثمّ استنتج من ذلك دلالتهما على اشتراك الأب والبنت في أمر زواجهما، ولم يوضّح كيفية ترتّب هذه النتيجة على ذلك الأساس، فإنّ الصحّة التأهلية الشأنية لا تختص بعقد البكر على تقدير مشاركتها مع أبيها في أمر زواجها، بل هذه الشأنية ثابتة لعقدها حتى مع استقلال الأب، شأنه شأن كل عقد فضولي.

وبالجملة: عقد البكر - سواء أكان على القول باستقلال الأب، أم مشاركته معها في الولاية- فضولي بالنسبة إلى الأب، ويحتاج في صحّته إلى إجازته، فإن كان هذا المقدار كافياً في صدق النقض على ردّه لم يفرق بين القولين، وإن لم يكن فكذلك, فالتفريق بينهما تحكّم.

 (الوجه الثاني): ما أفاده سيدي الاستاذ الوالد (دامت بركاته) وحاصله: 

إنّ بعض تلكم الروايات الدالّة على استقلالية الأب وإن دلّت على استقلاله مطلقاً كصحيحتي الحلبي، وعبد الله بن الصلت، إلاّ أن بعضها الآخر كصحيحة محمد بن مسلم، وموثّقه فضل بن عبد الملك، ورواية عبيد بن زرارة دلّت على ولايته بالاستقلال في خصوص البكر التي بين أبويها لا مطلقاً، فيجب تقييد صحيحتي الحلبي وابن الصلت بمفهوم الشرط في صحيحة محمد بن مسلم، ورواية عبيد بن زرارة, ومفهوم الوصف في موثقة فضل بن عبد الملك.

ونتيجة ذلك هي التفصيل بين البكر التي بين أبويها، فتثبت للأب الولاية في تزويجها وإن كانت كارهة, وبين البكر التي لا تكون كذلك، فلا ولاية للأب عليها على النحو المذكور.

وهل له الولاية عليها مشاركة معها أم أن البنت مستقلّة حينئذٍ؟ 

هذه الروايات ساكتة عن ذلك، فينبغي الرجوع إلى سائر روايات الباب، ليرى هل أنّ فيها ما يعيّن أحد الوجهين أم لا. وسيأتي التعرّض لذلك في المقام الثاني.

هذا ولا يخفى أنّ مبنى التفصيل المذكور هو كون قوله (بين أبويها) الوارد في جملة من نصوص المسألة ـ كموثقه الفضل بن عبد الملك ورواية عبيد بن زرارة وصحيحة محمد بن مسلم ورواية ابراهيم بن ميمون ومرسلة ابي سعيد وروايته الاخرى ورواية الحلبي(٢٢)- كناية عن عدم استقلال البكر عن أبويها في شؤون حياتها في مقابل المالكة لأمرها، وهذا ما يحتاج الى التوضيح، فأقول: إنّ في المقصود بالتعبير المذكور عدّة احتمالات:

(أ) أن يكون المقصود الفتاة التي يكون أبواها على قيد الحياة في مقابل التي فقدت أبويها، فاللفظ المذكور نظير قوله في معتبرة أبي مريم: (الجارية البكر التي لها أب).

(ب) أن يكون المقصود الفتاة البكر في مقابل الثيّب والمزوجة.

(ت) أن يكون المقصود الفتاة التي تعيش تحت رعاية أبويها، ولا تستقل عنهما في شؤونها الحياتية في مقابل المستقلّة عنهما في ذلك.

ولعلّ الاحتمال الأول هو الذي فهمه جمهور الفقهاء والمحدّثين من التعبير المذكور، ولكنّ هذا الاحتمال ضعيف من عدّة وجوه:

 (الأول): إنّ كون الفتاة بين أبويها معنى أخصّ من كون أبويها على قيد الحياة؛ لأنّ كلمة (بين أبويها) تفيد معنى الرعاية والحضانة، ومن هنا ورد في معتبرة داود بن الحصين عن أبي عبد اللهg (ما دام الولد في الرضاع فهو بين الأبوين بالسوية)(٢٣) أي تكون حضانته مشتركة بينهما.

فالفتاة التي تعيش مستقلّة عن أبويها ولا تشملها رعايتهما في شؤون معيشتها، لا يصدق عليها أنها بين أبويها، فلا يكون هذا تعبيراً مناسباً عن كون أبويها حيّين.

(الثاني): إنّ الأم لا دخل لها في أمر زواج البنت بلا إشكال، فأيّ وجه لاعتبار حياتها فيما رتبت من الأحكام في هذه الروايات؟!

(الثالث): إن هذا الاحتمال لا ينسجم مع بعض تلكم الروايات، منها: موثّقة الفضل بن عبد الملك (لا تُستأمر الجارية التي بين أبويها إذا أراد أبوها أن يزوجّها) فإنّ الموثّقة بناءً على الاحتمال المذكور تتضمّن تكراراً غير مناسب. إذ كان يكفي أن يقول الإمام g: (لا تُستأمر الجارية إذا أراد أبوها أن يزوّجها).

وأمّا الاحتمال الثاني فهو الذي تناسبه روايتا عبيد بن زرارة وابراهيم بن ميمون, ففي الأولى (لا تُستأمر الجارية في ذلك إذا كانت بين أبويها. فإذا كانت ثيّباً فهي أولى بنفسها), وفي الثانية (إذا كانت الجارية بين أبويها فليس لها مع أبويها أمر، وإذا كانت قد تزوجت لم يزوجها إلا برضاها) فإنّ مقتضى المقابلة في الروايتين كون المراد بالجارية التي بين أبويها هي البكر في مقابل الثيّب والمزوّجة.

ولكن ما يضعّف هذا الاحتمال- مضافاً إلى ضعف الروايتين سنداً- منافاته لموثقة الفضل، فإنّه قد ورد في ذيلها: (وأمّا الثيّب فإنّها تستأذن وإن كانت بين أبويها إذا أرادا أن يزوّجاها) كما لا تنسجم معه روايتا أبي سعيد ورواية الحلبي فإنّ فيها (الأبكار اللواتي بين الأبوين) أو (جارية بكر بين أبويها) أو (البكر إذا كانت بين أبويها).

وأمّا الاحتمال الثالث - أي كون التعبير بـ (بين أبويها) كناية عن عدم استقلالها عنهما في شؤون حياتها، وكونها في كنف رعايتهما- فهو مضافاً إلى تعينه بالنظر إلى بطلان الاحتمالين الأولين على ما سبق وعدم وجود احتمال آخر يناسب الروايات المذكورة مما تقتضيه المقابلة مع (المالكة لأمرها) بناءً على الوجه الصحيح  في تفسيره كما سيأتي.

 

المقام الثاني

هل يحق للبكر البالغة الرشيدة أن تتزوّج من دون إذن أبيها وجدّها لأبيها، أوليس  لها ذلك إلا بإذن أحدهما؟

المشهور بين الفقهاء - كما قيل- إنّ لها ذلك، أي أنّها  مستقلّة في أمر زواجها كما هي كذلك في سائر شؤون حياتها، وقد استدلّ لذلك بعدّة روايات: 

(١) خبر سعدان بن مسلم عن أبي عبد الله g لا بأس بتزويج البكر إذا رضيت بغير إذن أبيها(٢٤).

وسعدان هذا لم يوثّق في كتب الرجال, ولكن روى عنه صفوان كتابه(٢٥) فهو موثق بنـاء على مـا ذكـره الشـيخ في العـدة(٢٦) مـن أن صـفـوان ممـن عُـرفـوا بأنـهـم لا يـروون ولا يُرسلون إلا عن ثقة. 

و لكن يبقى الاشكال في سند الرواية من جهة أخرى, وهي: أنه لا يخلو عن شائبة الارسال؛ لأنها مروية في موضعين من التهذيب: تارة - كما تقدّم- عن سعدان, عن أبي عبد الله g مباشرة, وأخرى(٢٧) عن سعدان, عن رجل, عن أبي عبد الله g، فلم يحرز كون الرواية مسندة ليعتمد عليها، وأما احتمال التعدد فهو ضعيف جداً كما لا يخفى.

(٢) مُرسَلة أبي سعيد القماط عمن رواه, قال: قلت لأبي عبد الله g: (جارية بكر بين أبويها تدعوني إلى نفسها سرّاً من أبويها فأفعل ذلك؟ قال: نعم, واتّق موضع الفرج. قال: قلت: فإن رضيت بذلك قال: وإن رضيت فإنه عار على الأبكار)(٢٨).

  1. رواية الحلبي, قال: (سألته عن التمتع من البكر إذا كانت بين أبويها بلا إذن أبويها؟ قال: لا بأس ما لم يقتض ما هناك لتعف بذلك)(٢٩).

والاســتدلال بالــروايتـــين الأخيــرتين مبنــيّ على التعدّي عن موردهما وهو المتعة(٣٠) إلى الدائم، ولكن فيه- مضافاً إلى منع التعدي إذ لا جزم بعدم الخصوصية-أنّ هاتين الروايتين لا يمكن الاعتماد عليهما بوجه لضعف سندهما من جهة محمد بن سنـان الراوي عن أبي سعـيد(٣١) فـإنّـه غير موثّـق على الصـحـيح، مضـافاً إلـى إرسـال الأولى.

 وقد ظنّ السيد الأستاذ S(٣٢) أنّ سند الرواية الثانية التي ابتدأها الشيخ S بأبي سعيد غير سند الرواية الأولى، فأشكل فيه أولاًّ: بجهالة أبي سعيد. وثانياً: بجهالة الطريق إليه، ولكن ما أفاده S غير تام. ويبدو أنّه لاحظ الوسائل(٣٣) ولو رجع إلى التهذيب لبان له أنّ سند الثانية معلّق على ما قبلها.

وكيف كان فإنّ الروايتين ضعيفتا السند فلا عبرة بهما، مضافاً إلى معارضتهما(٣٤) في موردهما- وهو المتعة- بصحيحة البزنطي عن الرضا g قال: (البكر لا تتزوج  متعة إلا بإذن أبيها)(٣٥)، ومعتبرة أبي مريم, عن أبي عبد الله g قال: (العذراء التي لها أب لا تتزوج متعة إلا بإذن أبيها)(٣٦).

(٤) صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر g قال: (المرأة التي قد ملكت نفسها - غير السفيهة ولا المولّى عليها- إنّ تزويجها بغير ولي جائز)(٣٧).

(٥) رواية زرارة - ولا يخلو سندها عن مناقشة(٣٨)- عن أبي جعفر g قال: (إذا كانت المرأة مالكة أمرها، تبيع وتشتري، وتعتق وتشهد، وتعطي من مالها ما شاءت، فإنّ أمرها جائز، تزوج إن شاءت بغير إذن وليّها، وإن لم تكن كذلك فلا يجوز تزويجها إلا بأمر وليّها)(٣٩).

(٦) رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله, عن أبي عبد الله g, قال: (تزوّج المرأة من شاءت إذا كانت مالكة لأمرها. فإن شاءت جعلت وليّاً)(٤٠). وفي سندها المعلى بن محمد وسيأتي الكلام فيه.

وفي الجواب عن هذه الروايات الثلاث موقفان: 

الموقف الأول: ما يظهر من السيد الأستاذ S(٤١) وآخرين، وحاصله: أنّ الموضوع للحكم بجواز التزويج من دون إذن الوليّ في هذه الروايات هي (الجارية) و(المرأة) وهما أعمّ من البكر والثيّب، فيجب تخصيص الروايات الثلاث  بصحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله g: (لا تنكح ذوات الآباء من الأبكار إلا بإذن آبائهن)(٤٢).

وهذا الكلام مبنيٌّ على أن يكون المقصود بقوله (ملكت نفسها) و (مالكة لأمرها) هو ما يـتراءى منه في بـادئ النظـر، أي المـرأة التي قـد مـلكت أمـرها ونـفسـها شرعاً بأن لا يكون عليها وليّ في غير النكاح.

وأمّا بناءً على ما سيأتي من سيدي الأستاذ الوالد(دامت بركاته) في تفسير هذه الكلمة فلا تكون النسبة بين الروايات المذكورة وصحيحة ابن أبي يعفور عموماً وخصوصاً مطلقاً كما سيتّضح إن شاء الله تعالى.

الموقف الثاني: ما بنى عليه سيدي الأستاذ الوالد (دامت بركاته) حيث جعل قوله (قد ملكت نفسها) أو (مالكة لأمرها) في مقابل ما ورد في جملة من النصوص كصحيحة محمد بن مسلم وموثقة فضل بن عبد الملك  من التعبير بـ(الجارية التي بين أبويها) وأفاد أنّ المراد بالمالكة لأمرها هي التي ملكت نفسها عملاً وممارسةً لا شرعاً فقط، أي أنها التي تكون مستقلّة في أمور حياتها، وتتصدّى لها بنفسها فتبيع وتشتري وتعتق وهكذا..

وفي ضوء هذا المعنى الذي أبداه (دامت بركاته) تكون النسبة بين الروايات الثلاث المتقدمة، وصحيحة ابن أبي يعفور عموماً وخصوصاً من وجه, فتتعارضان في البكر الـتي قــد مــلكت نفســها، فإنّ مقتضى تلكم الروايات صحّة زواجها بدون إذن الأب, ومقتضى صحيحة ابن أبي يعفور عدم الصحّة، وحينئذٍ يمكن تقديم الروايات الثلاث على هذه الصحيحة في المجمع، نظراً إلى القاعدة الأصولية المعروفة: من انّه متى ما كان إلحاق مورد التعارض بين العامين من وجه بأحدهما موجباً لإلغاء العنوان المأخوذ في الثاني عن الموضوعية لزم أن يفعل العكس، ومقامنا من هذا القبيل فإنّه إذا حكم بلزوم الاستئذان من الأب في البكر التي قد ملكت نفســها، فلا محالة يـسقط عـنـوان (مالكة لأمرها) عن الموضوعية بالمرة، إذ تكون العبرة إمّا بكون المرأة بكراً فلا يصح نكاحها إلا بإذن أبيها سواءا كانت مالكة لأمرها أم لا، أو بكونها ثيّباً فيكون أمرها بيدها سواء أكانت مالكة لنفسها أم لا.

إذاً يتعيّن تقديم صحيحة الفضلاء وما ضاهاها من الروايات على صحيحة ابن أبي يعفور في مورد الاجتماع، فتكون النتيجة استقلال البكر التي قد ملكت نفسها من دون ولاية الأب عليها.

هذا، ومع الغض عمّا ذكر وفرض عدم وجود مرجح دلالي في المقام، فالمرجحات الخارجية من موافقة الكتاب ومخالفة العامّة تقتضي ترجيح صحيحة  الفضلاء وما ماثلها، ومع الغض عن ذلك أيضاً فان المرجع بعد التساقط هو الاطلاقات المقتضية لصحة العقد و لو من دون إذن الأب .

إذاً هناك موقفان في الجواب عن صحيحة الفضلاء وما ضاهاها من الروايات الدالة على إن للمرأة إذا كانت مالكة لأمرها أن تتزوج من دون إذن أبيها، وترجيح أحد الموقفين على الآخر يتوقف على تعيين ما هو الصحيح في تفسيرقوله g: (مالكة لأمرها) وقوله: (ملكت نفسها) فإنّ فيه احتمالات :

الأول: ما تقدّم من أنّ المراد به من لا وليّ عليها في سائر أمورها عدا النكاح، وهي البالغة الرشيدة، والوجه في استثناء النكاح منها أنه لولا ذلك لكان ثبوت الحكم فيها ضرورياً ولم تكن حاجة إلى بيانه.

الثاني: ما تقدّم أيضاً من أنّ المقصود به من تتصدّى عملياً لأمور حياتها مستقلّة عن أبويها.

الثالث: ما ذكره بعضهم من أنّ المراد به من لا أب لها.

الرابع: ما ذكره بعض آخر من أنّ المراد به الثيّب، ولعلّه بقرينة الروايات الدالّة على أنّ الثيّب أملك بنفسها، أو أن أمرها إليها كما في صــحيح الحلـبي(٤٣) وصحيح ابن أبي نصر(٤٤) ومعتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد الله(٤٥).

ولكن هذا الاحتمال الأخير ضعيف جداً و لاسيما في صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر g قال: (المرأة التي قد ملكت نفسها غير السفيهة ولا المولّى عليها إنّ تزويجها بغير ولي جائز)(٤٦).

إذ بناء عليه تصبح هذه الصحيحة من قبيل القضايا الضروريّة بشرط المحمول كقولنا(الإنسان الكاتب كاتب) والوجه في ذلك أن التعبير عن (الثيّب) بـ(التي قد ملكت نفسها) إنّما هو بعناية عدم وجود وليّ عليها في أمر الزواج، فكأن الإمام g قد قال: (المرأة التي لا وليّ عليها في أمر زواجها يصحّ زواجها بغير وليّ)!! وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به، فإنّه يفسد معنى الرواية.

وأمّا ترجيح الاحتمال المذكور استناداً إلى ما ذكره بعض اللغويين من أنّ العرب تقول (مُلكّت أو أُملكت فلانة أمرها إذا طلّقت)(٤٧) فلا يمكن المساعدة عليه أيضاً لوجوه:

(أ) إنّه مبني على كون المراد بالمطلّقة في النص اللغوي المذكور المرأة الثيّب وهو غير مناسب، لأنّ النسبة بينهما عموم وخصوص من وجه، فقد يجتمعان كما في المطلّقة بعد الدخول، وقد يفترقان كما في البكر إذا طلّقت قبل الدخول، وفي المتوفّى عنها زوجها بعد الدخول, فكيف يصح أن تفسّر المالكة لأمرها بالثيّب استناداً إلى النص المذكور؟!

(ب) إن إطلاق المالكة لأمرها على المطلّقة إنّما هو بعناية أنّها قد خرجت عن سلطان الزوج، واستعادت حريتها بالطلاق، وليس بعناية أنّها حرّة في أن تتزوج ممّن تشاء، فإنه قد تكون المطلّقة غير مدخول بها فتكون بكراً عرفاً وشرعاً، ولا يجوز لمثلها الزواج من غير إذن أبيها أو جدّها لأبيها.

ويوضّح هذا بجلاء رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله؛ فإنّ فيها (قلت: فإن عجل الدم عليها - المطلّقة- قبل أيام قرئها؟ قال: إذا كان قبل عشرة أيّام فهو أملك بها، وهو من الحيضة التي طهرت منها، وإن كان الدم بعد العشرة أيّام فهو من الحيضة الثالثة وهي أملك بنفسها)(٤٨) فإنّ المقابلة بين قوله:(فهو - أي الزوج- أملك بها) وقوله:(وهي أملك بنفسها)كالنص في أن هذه الملكية ملكية نسبية إضافية لا مطلقة.

وفي ضوء ذلك فلا يمكن أن يفسّر بالمطلّقة ما ورد في نصوص الباب من التعبير بـ(التي ملكت نفسها) و(المالكة لأمرها).

(ت) إن ملكية المرأة أمرها قد تحدث بفعل الزوج، كما في موارد الطلاق وما يلحق به. وقد تحدث بفعل المرأة نفسها كما في مورد فسخها النكاح لعيب أو نحوه، وقد تحدث بعامل خارجي كما في مورد وفاة الزوج وصيرورة المرأة خلية.

والنص اللغوي المذكور ناظر إلى المورد الأول؛ لأنه ورد في تفسير قولهم (مُلكّت امرأة أمرها، أو أُملكت أمرها) فكيف يمكن التعدّي عنه إلى مطلق الموارد التي تملك المرأة نفسها، أو تصبح مالكة لأمرها - أي مطلق المرأة الثيّب الخلية عن الزوج- كما هو مقتضى إطلاق التعبيرين المذكورين الواردين في نصوص الباب؟!

وهـكذا يتــجلّى أن تفــسير قوله (التي ملكـــت نفــسها)  في صحيحة الفضلاء بالثيّب كما تبناه بعضهم مّما لا يمكن المساعدة عليه أصلاً.

ويمكن أن يقال: أن أرجح الاحتمالات الأربعة المتقدمة هو الاحتمال الثاني لوجهين: 

الوجه الأول: رواية زرارة المار ذكرها, فإنّ الظاهر منها أنّ قوله g: (تبيع وتشتري وتعتق.. الخ) بيان لقوله (مالكة لأمرها)،فيبطل الاحتمالان الثالث و الرابع كما يبطل الاحتمال الأول أيضاً ويتعيّن الاحتمال الثاني، نظراً إلى أنّ الإمام g جعل التصدي الخارجي للبيع والشراء والعتق.. الخ موضّحاً للمراد بـ (مالكة لأمرها) لا استحقاقها لذلك شرعاً. فلم يقل: (يجوز لها أن تبيع وتشتري...الخ) كما كان يقتضيه الاحتمال الأول.

الوجه الثاني: معتبرة أبي مريم, عن أبي عبد الله g قال: (الجارية البكر التي لها أب لا تتزوّج إلا بإذن أبيها، وقال: إذا كانت مالكة لأمرها تزوجت متى شاءت)(٤٩).

ووجه الاستشهاد بها هو: إن ظاهرها أن مرجع الضمير في قوله (إذا كانت) هي (الجارية البكر التي لها أب) لا خصوص (الجارية)، وحينئذٍ فلا يمكن أن يُراد بقوله (مالكة لأمرها) (الجارية التي لا أب لها) ولا (الجارية الثيّب) كما ذكر في الاحتمالين الثالث والرابع.

كما لا يصح أن يُراد بها (البالغة الرشيدة) كما هو مقتضى الاحتمال الأول، وذلك لاستلزامه حمل قوله (الجارية البكر التي لها أب) على خصوص الصغيرة أو السفيهة أو المجنونة، وهذا غير ممكن؛ لأنّه يستلزم إلغاء خصوصيّة البكر المأخوذة فيه نظراً إلى أنّ أمر الصغيرة والسفيهة والمجنونة إلى أبيها سواء أكانت بكراً أم ثيّباً، فيتعيّن إذاً أن يكون المقصود به ما ذكر في الاحتمال الثاني وهو المطلوب.

هذا, وقد يناقش في سند رواية أبي مريم هذه نظراً إلى وقوع (معلى بن محمد) في سندها، وهو ممن لم يوثق، بل قال النجاشي: إنّه مضطرب الحديث والمذهب، وقال ابن الغضائري: يعرف حديثه وينكر ويروي عن الضعفاء.

ولكن لا يبعد الاعتماد على رواياته، فإنّ النجاشي وصف كتبه بأنّها قريبة, وقال ابن الغضائري: (يجوز أن يخرّج –أي حديثه- شاهداً) فتأمّل.

فتحصّل مما تقدّم: أنّ الأرجح من الأقوال المتقدمة هو ما اختاره سيدي الاستاذ الوالد (دامت بركاته) من التفصيل بين المستقلّة في شؤون حياتها عن أبويها وغيرها، فيجوز للمستقلة أن تتزوج من دون إذن أبيها، ولا يجوز لأبيها أن يزوجها من دون رضاها، وأمّا غير المستقلة فلا يجوز لها أن تتزوج من دون إذن أبيها، ويجوز لأبيها أن يزوجها من دون رضاها.

ولكنّه (دامت بركاته) احتاط لزوماً بأن لا تتزوج المستقلة من دون إذن أبيها، وأن لا يزوّج الأب غير المستقلّة من دون رضاها. 

ويمكن أن يوجّه الاحتياط في الموردين بالنظر إلى معتبرة صفوان التي ورد فيها أن لها في نفسها نصيباً، حيث يدلّ على اشتراك الأمر بينها وبين أبيها، فلا يجوز للأب أن يزوّجها من دون رضاها، كما أنه ليس لها أن تتزوج من دون إذنه.

ويلاحظ أن هذه المعتبرة تحكي قضيتين في واقعتين ولا إطلاق لهما، فيحتمل أن يكون موردهما غير المستقلة, كما يحتمل أن يكون موردهما المستقلة، ويحتمل أيضاً أن يكون مورد إحداهما المستقلة والأخرى غير المستقلة. فعلى التقدير الأول تعارض ما دلّ على استقلال الأب في غير المستقلّة, وعلى التقدير الثاني تعارض ما دلّ على ولاية المستقلة على نفسها, وعلى التقدير الثالث تعارض كلتا الطائفتين.

وحيث إنه لم يثبت مرجّح واضح للطائفتين على المعتبرة، وكان الاحتياط في الفروج أمراً مطلوباً شرعاً بشكل مؤكد يتّجه الاحتياط في المسألة على النحو المتقدّم.

ولكن يمكن أن يقال: أنّ معتبرة صفوان ليست نصاً في التشريك بل أقصى الأمر ظهورها فيه ــ كما سبق بيانه ــ وعلى ذلك يمكن أن تحمل على مورد كون البكر غير مستقلة في شؤونها ويبنى على استحباب استحصال الاب رضاها لو أراد أن يزوجها وذلك من جهة صحيحة محمد بن مسلم وغيرها مما هي نص في عدم اعتبار رضاها إذا كان ابوها هو الذي يزوجها.

وأمّا ما تقدّم عن السيد الأستاذ S في ضابط الجمع الدلالي المقبول من اشتراط امكان الجمع بين الروايتين في كلام واحد فهو غير تام.

والوجه فيه :

ان ما يعدّ من قبيل القرينة الشارحة لمراد المتكلم على نحوين :

  1. ما ينصبه المتكلم للقرينية فيكون ناظراً الى كلامه الآخر  ومبيناً للمراد منه ولأجل ذلك لا يتنافران لو اجتمعا في كلام واحد.
  2. ما يعتبره العرف قرينة على مراد المتكلم من كلامه الآخر من دون أن يكون ناظراً إليه ولذلك لا يشترط صحّة الجمع بينهما في كلام واحد. ولا يعتبر في النحو الاول وجود مزية دلالية للقرينة على ذي القرينة فتتقدم عليه وإن كانت اضعف ظهوراً بخلاف النحو الثاني فإنه منوط بوجود المزية الدلالية بأحد النحوين: 

(الأول) أن يكون الدليل الأول ظاهراً في مدلوله مع إمكان صرفه عنه وحمله على معنى غير مُستبعَد عرفاً, ويكون الثاني نصاً في مدلوله بحيث لا يمكن تأويله .

(الثاني) أن يكون الدليل الأول ظاهراً على النحو المذكور في سابقه, ويكون الدليل الثاني ظاهراً في مدلوله ايضاً, ولكن بنحو غير قابل للتأويل إلا بوجه مُستبعَد عرفاً.

  ففي هذين الموردين يجعل الدليل الثاني قرينة على التصرف في الدليل الأول ولا يبقى العرف متحيّراً في استكشاف مراد المُتكلم من الدليلين ، بخلاف ما إذا كان كل من الدليلين نصاً في  مدلوله او كان كلاهما ظاهراً بنحو قابل للتأويل.

  والحاصل: أنّ صحة الجمع بين القرينة وذي القرينة في كلام واحد من خصائص القرينة المنصوبة من قبل المتكلم للقرينية ولا تجري في غيرها.

  فظهر مما تقدم أن مقتضى الصناعة حمل معتبرة صفوان على ما لا ينافي الذي ُنصّ عليه في صحيحة محمد بن مسلم وغيرها من استقلال الاب في تزويج البكر غير المستقلة في شؤونها.

  وعلى ذلك فإنّ احتياط سيدي الاستاذ الوالد (دامت بركاته) بأن لا تتزوج البكر المستقلة من دون اذن أبيها و أن لا يُزوّج الاب غير المستقلة من دون رضاها كان ينبغي أن يكون احتياطاً استحبابياً .

  ولعلّه (دامت بركاته) احتاط وجوباً تجنّباً عن الفتوى بالتفصيل المذكور الذي لم يظهر قائل به من الفقهاء L فتأمل.

 

بقي هنا أمران:

الأمر الأول: إن جمعاً من الفقهاء منهم السيد الحكيم S(٥٠) قد ذهب إلى صحّة نكاح البكر الرشيدة من دون إذن وليّها، ولكنه S أثبت للأب حق النقض استناداً إلى ما ورد في صحيحتي زرارة ومحمد بن مسلم(٥١) من أنّه لا ينقض النكاح إلاّ الأب، بتقريب أن النقض لا يكون إلا بالنسبة إلى الأمر المبرم، فمفاد الصحيحتين صحّة نكاح البنت من دون إذن الأب، وإنّما يحقّ للأب نقض النكاح وإبطاله بعد أن كان صحيحاً، ويظهر الفرق بينه وبين القول باعتبار إذن الأب فيما إذا لم يبطل الأب نكاح بنته البكر لأيّ سبب كان، سواء لم يطّلع على وقوعه لغيبة أو غيرها، أم اطّلع لكن لم يردّه من دون أن يوافق عليه، فإنّه  يصحّ على رأيه S دون الرأي الآخر.

وقد أجاب السيد الأستاذ S(٥٢) عن هذا الاستدلال: بأنّ المراد بالأمر المبرم في المقام لا يمكن أن يكون العقد الصحيح أي المبرم حقيقة، بل المراد به المبرم شأناً، فلا يدلّ على صحّة عقد البنت من دون إذن أبيها, والوجه في ذلك :

أوّلاً: إنّ العقد الصحيح ليس قابلاً للنقض مطلقاً، إذ ليس لأحد الخيار في فسخ النكاح الصحيح جزماً وإجماعاً من المسلمين قاطبةً.

وثانياً: إنّه لو كان المراد به العقد الصحيح لكان مقتضى إطلاق الصحيحتين الشامل للولد والبنت البكر والثيّب هو أنّ للأب أن ينقض كل عقد صحيح صادر من ابنه أو بنته البكر أو الثيّب، وهو مقطوع البطلان. ولا موجب لحملهما على خصوص البكر، إذ لا قرينة تساعد عليه. وهذا بخلاف ما لو كان المراد به المبرم شأناً  فإنهما يختصان حينئذٍ بالبكر، ولا تعمّان الولد والثيب لكون عقدهما محكوماً بالصحّة والإبرام الفعليين.

ولكن في كلٍّ من الاستدلال وما أجيب به عنه نظر:

أمّا الاستدلال فيلاحظ عليه :

أولاً: لا ينبغي الشك في أنه لا يراد بالنقض في الصحيحتين ما يقابل المبرم الحقيقي؛ لأنّ هذه الجملة مسوقة للردّ على العامّة القائلين بثبوت الولاية  لغير الأب والجد على البنت البكر الرشيدة من الأخوة والأعمام وغيرهم، ومعلوم أن العامة لا يرون صحّة نكاح البنت من دون إذن الولي، مع ثبوت حق النقض له، بل يرون عدم صحته رأساً إلا بإذنه.

هذا مضافاً إلى أن لازم ما ذكره S هو جواز إبطال الأب نكاح بنته البكر إذا اطّلع عليه ولو بعد مدة طويلة، مع إنجابها من زوجها عدّة أولاد ولا أظنّ أن يلتزم به فقيه.

فلا محيص إذاً من كون المراد بالمبرم في الروايتين هو المبرم شأناً، نظير ما ورد في رواية زياد بن مروان قال: قلت لأبي الحسن g ما تقول في رجل تهيّأ للإحرام وفرغ من كلّ شيء: الصلاة وجميع الشروط إلا أنه لم يلبّ, له أن ينقض ذلك ويواقع النساء؟ فقال: نعم(٥٣).

وثانياً: لو سلم أنّ المقصود هو المبرم الفعلي، إلا أنّه ليس مفاد قوله (لا ينقض النكاح إلاّ الأب) ثبوت حق النقض للأب في كل نكاح، ليستفاد منه صحّة نكاح البنت في مطلق الأحوال مع ثبوت حق النقض للأب. فإنّ الاستثناء من النفي لا يفيد إلاّ الإيجاب الجزئي، فلو قال قائل (لا أطالع إلاّ الكتب الفقهية) أو (لا أحضر إلاّ مجالس العلماء) لم يدلّ على مطالعته جميع الكتب الفقهية، أو حضور مجالس جميع العلماء. وعلى ذلك فغاية ما يستفاد من الصحيحتين صحّة نكاح البنت مع ثبوت حق النقض للأب في بعض الموارد على سبيل الموجبة الجزئية، وليس القدر المتيقن لها هي البكر الرشيدة؛ لأنها على قسمين: المستقلة في شؤون حياتها، وغير المستقلة. فيحتمل ثبوت الحكم المذكور في أحد القسمين دون الآخر، كأن يكون عقد غير المستقلة باطلاً من دون إذن أبيها ويصح عقد المستقلة من دون إذنه، ولكن مع ثبوت حق النقض له، كما يحتمل أن يكون عقد غير المستقلة صحيحاً مع ثبوت حق النقض للأب, بخلاف عقد المستقلة، حيث يكون صحيحاً بلا ثبوت حق النقض له.

وأيضاً البكر الرشيدة قد تتزوّج بمن هو كفؤها عرفاً، وقد تتزوج بغيره. فيحتمل صحّة نكاحها من الكفـؤ مــن دون ثبوت حق النقض لأبيها، بخلاف نكاحها من غير الكفؤ فيصح مع ثبوت حق النقض له، كما يحتمل بطلان نكاحها من غير الكفؤ من دون إذنه أو إجازته، بخلاف نكاحها من الكفؤ فيصح إلا أن ينقضه.

وهكذا يتبيّن أنّه لا يمكن الحكم بصحّة عقدها مع ثبوت حق النقض لأبيها في أي مورد من الموارد.

هذا فيما يتعلق بأصل الاستدلال.

وأمّا ما أجاب به السيد الأستاذ S عنه فيلاحظ على ما ذكره أولاً- من أنّ العقد الصحيح ليس قابلاً للنقض جزماً وبإجماع المسلمين- بأنّ دعوى الجزم غير مقبولة وعهدتها على مدّعيها، كما أنّ إجماع المسلمين ممّا لم أتحقّقه.

ويلاحظ على ما ذكره ثانياً: بأنّه ليس للروايتين إطلاق ليرد ما ذكره من الإشكال كما اتضح ممّا تقدّم آنفاً.

الأمر الثاني: إنه بناءً على صحّة تزويج الأب ابنته البكر الرشيدة من دون رضاها ـ إمّا مطلقاً أو في خصوص التي تكون بين أبويها ـ فإنّما يحكم بالصحّة فيما إذا راعى فيه مصلحة البنت، أي زوّجها على أساس أن مصلحتها تقتضي ذلك، وأمّا إذا لم يكن الزواج على وفق مصلحتها، فلا ينبغي الشك في فساده وعدم ولاية للأب عليها في ذلك. والوجه فيه:

أوّلاً: إنّ ولاية الأب على البنت إنّما هي لها لا عليها، ومن الواضح أنّ هذا يقتضي النظر في أمرها ومراعاة مصلحتها فيما يقوم به. هكذا أفاد السيد الأستاذ S في بعض كلماته(٥٤) ولكنّه لا يخلو من تأمّل.

وثانياً: معتبرة عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله g الجارية يريد أبوها أن يزوّجها من رجل، ويريد جدّها أن يزوجها من رجلٍ آخر, فقال: الجد أولى بذلك ما لم يكن مضاراً(٥٥).

فإنّ تقييد نفوذ تصرّف الجد بعدم كونه ضررياً على البنت، يكشف عن تقييد نفوذ تصرف الأب أيضاً بذلك لوحدة المناط، ولكنه لا يخلو عن تأمل أيضاً، مضافاً إلى أنّه أخصّ من المدعى فإنّ اعتبار عدم كون التصرّف ضرريّاً أخص من اعتبار كونه في مصلحة البنت كما لا يخفى.

وثالثاً: - وهو العمدة- قوله g في موثقة فضل بن عبد الملك المتقدمة (لا تُستأمر الجارية التي بين أبويها إذا أراد أبوها أن يزوّجها، هو أنظر لها) فإنّ قوله (هو أنظر لها) كالصريح في لزوم رعاية مصلحتها في تزويجها, والله العالم بحقائق أحكامه.

 

 

المصادر

  1. الاستبصار فيما اختلف من الأخبار ‌للشيخ الطوسي S, الناشر: دار الكتب الاسلامية – النجف الأشرف.
  2. أمالي الطوسي S, الناشر: دار الثقافة‌ - قم.
  3. تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي, الناشر: دار الفكر ـ بيروت.
  4. تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي S, الناشر: دار الكتب الإسلامية‌ - النجف الأشرف.
  5. الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ‌للشيخ يوسف البحراني S, دار الكتب الإسلامية - النجف الأشرف.
  6. العدة في أصول الفقه للشيخ الطوسي  مطبعة ستارة –قم .
  7. عقاب الاعمال للشيخ  الصدوق S, ناشر: دار الشريف الرضي - قم.
  8. علل الشرائع للشيخ الصدوق S,  الناشر: مكتبة الطباطبائي - قم.
  9. فهرست كتب الشيعة واصولهم للشيخ الطوسيS, الناشر: ستارة - قم.
  10. قرب الاسناد للحميري S, الناشر: مؤسسة آل البيتi .
  11. الكافي للشيخ الكليني S, الناشر: دار الكتب الاسلامية - طهران.
  12. مباني العروة الوثقى تقرير السيد الخوئي S بقلم السيد محمد تقي الخوئي, منشورات مدرسة دار العلم – النجف الأشرف.
  13. مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها، الناشر مؤسسة آل البيت i.
  14. مستمسك العروة الوثقى للسيد الحكيم S, مطبعة الآداب النجف الأشرف.
  15. مستند الشيعة في أحكام الشريعة للشيخ النراقي S, الناشر: مؤسسة آل البيت i.
  16. مصباح الأصول تقرير السيد الخوئي S بقلم السيد محمد سرور الحسيني البهسودي – النجف الأشرف .
  17. من لا يحضره الفقيه, للشيخ الصدوق S ط: دار الكتب الاسلامية -النجف الأشرف.
  18. رجال النجاشي S, الناشر : مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم‌.
  19. وسائل الشيعة للشيخ الحر العاملي S, الناشر: المكتبة الاسلامية - طهران.

 

 

 

(١) مستند الشيعة: (١٦/١٢١).

 (٢)مستمسك العروة الوثقى: (١٤/٤٤٧).

(٣) الحدائق الناضرة: (٢٣/٢١١).

(٤) الكافي: (٥/٣٩٣).

(٥) الكافي: (٥/٣٩٣).

(٦) تهذيب الأحكام: (٧/٣٨٥).

(٧) الكافي: (٥/٣٩٤).

(٨) الكافي: (٥/٣٩٤), وفي تهذيب الأحكام: (٧/٣٨١): (ما لم تثيب) والظاهر أنه الصحيح.

(٩) وهناك روايتان أخريان في سندهما ضعفٌ هما رواية إبراهيم بن ميمون ورواية علي بن جعفر, انظر: تهذيب الأحكام: (٧/٣٨٠)، مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: (١١٢).

(١٠) وسائل الشيعة: (١٤/٢٠٣).

(١١) مباني العروة الوثقى: (٢/٢٥٦).

(١٢) تهذيب الأحكام: (٧/٣٨٠).

(١٣) مباني العروة الوثقى: (٢/٢٦٦).

(١٤) تهذيب الأحكام: (٧/ ٣٧٩).

(١٥) قد يقال: إن قوله g في معتبرة صفوان (ويكون ذلك برضاها) نصّ في التشريك لا ظاهر فيه.

أقول: الفارق بين النص والظاهر هو أنّ الظاهر يمكن صرفه عن معناه إلى معنى آخر بقرينة متصلة بخلاف النص. فلو دلّ دليل على أنه (لا بأس بأكل الجري وإن كان مكروهاً) لكان نصّاً في كراهته، ولكن لو كان الدليل بلفظ (لا أحب أن تأكله) لكان ظاهراً في هذا المعنى، لإمكان صرف ظهوره من الإباحة على كراهة إلى التحريم  لو كان الإمام g قد عقبه بقوله (فإنّ عليّاً قد حرّمه وعاقب على أكله). والمقام من هذا القبيل فإنّ قوله g في صحيحة الحلبي: (إذا نكحها جاز نكاحه  وإن كانت كارهة) نصّ في استقلال الأب، وأمّا قوله في معتبرة صفوان (ويكون ذلك برضاها فإن لها في نفسها نصيباً) فليس صريحاً في التشريك، بل ظاهر فيه, لإمكان صرفه عن المعنى المذكور لو تعقبه قوله (فيحسن بك أن لا تخالف هواها) مثلاً.

(١٦) مستند العروة الوثقى كتاب الزكاة : (١/ ٥٩).

(١٧) مصباح الأصول: (٣/٤٠٣).

(١٨) مباني العروة الوثقى: (٢/٢٥٧). 

(١٩)الكافي: (٥/٣٩٢).

(٢٠) تهذيب الأحكام: (٧/٣٧٩).

(٢١) مباني العروة الوثقى: (٢/٢٦٥ ).

(٢٢) الـكـافي (٥/٣٩٤)، تـهذيـب الأحكام (٧/٣٨٥)، الـكـافي (٥/٣٩٣)، تـهذيـب الأحـكام (٧/٣٨٠، ٢٥٤).

(٢٣) الكافي: (٦/٤٥).

(٢٤) تهذيب الاحكام: (٧/٣٨٠).

(٢٥) فهرست كتب الشيعة وأصولهم : (٢٢١).

(٣) العدة في اصول الفقه : (١/١٥٤).

 (٢٧)تهذيب الاحكام: (٧/٢٥٤).

(٢٨) تهذيب الأحكام: (٧/٢٥٤).

(٢٩) تهذيب الأحكام: (٧/٢٥٤).

(٣٠) قد يقال: إنّ مرسلة أبي سعيد القماط لسانها أعمّ من الزواج المنقطع، وكون المراد منها ذلك إنّما هو حمل لها عليه، لا أنّه موردها. أقول: خصوصيات السؤال والجواب تدلّنا على أنّ موردها المتعة خاصّة، فإنّ قوله في السؤال: (تدعوني إلى نفسها سرّاً من أبويها) ظاهر في أنها كانت تدعوه إلى التمتّع بها لأنّها كانت تهدف إلى قضاء وطرها منه سرّاً من أهلها. ولا تتم هذه السريّة عادةً في الزواج الدائم, ولا أقل من احتمال انكشاف أمرها لو تقدّم إليها خاطب وامتنع الزوج من الطلاق. وهكذا قوله g في الجواب: (وإن رضيت فإنّه عار على الأبكار) ظاهر في أن مورد السؤال هو المتعة. فإنّ ما هو عار على الأبكار إنما هو افتضاضهن في الزواج المنقطع، لا في الدائم، كما دلّت عليه صحيحة زياد ابن أبي الحلال: (لا بأس أن يتمتّع البكر ما لم يفض إليها كراهية العيب على أهلها). (الكافي: ٥/٤٦٢) . 

(٣١) الظاهر أنّ المراد بابي سعيد هو خالد بن سعيد الذي وثّقه النجاشي بقرينة كون الراوي عنه محمد ابن سنان فإنه من رواة كتّابه، وأمّا صالح بن سعيد ـ غير الموثّق ـ فهو وإن كان يكنّى أيضاً بأبي سعيد كما ذكره النجاشي الا أنه لم ترد رواية محمد بن سنان عنه فلاحظ. 

(٣٢) مباني العروة الوثقى: (٢/٢٦٤).

(٣٣) وسائل الشيعة: (١٤/٤٥٩).

(٣٤) قد يقال: إنه لا تعارض بين الطائفتين لإمكان الجمع العرفي بعد أن كانت الطائفة الأولى مشروطة بعدم الدخول و الطائفة الثانية مطلقة من هذه الجهة .

و الجواب عنه: انّ مرجع جواز النكاح من البكر بلا إذن أبويها بشرط عدم الدخول إلى أحد الأمور الأربعة الآتية:

١- أن يكون تحقق العلقة الزوجية مشروطاً بعدم تحقق الدخول على نحو الشرط المتأخر. ومعنى ذلك أنّه لو تم الدخول بعد العقد برضا الزوجة أو من دون رضاها كشف ذلك عن عدم تحقق العلقة الزوجية من الأول، وهذا مما يبعد الالتزام به جداً.

٢- أن يكون تحقق العلقة الزوجية منوطاً باشتمال العقد على اشتراط عدم الدخول. ومعنى ذلك أنّه إذا اشترطت المرأة على الرجل عدم الدخول بها صحّ العقد وإلا لم يصح، ولا فرق في صحة العقد على الاشتراط بين تحقق الدخول بعد العقد برضا الزوجة وتنازلها عن شرطها، أو من دون رضاها، وبين عدم تحقق الدخول رعاية للشرط المذكور.

٣- أن لا يكون تحقق العلقة الزوجية منوطاً بشيء، ولكن يحرم على الزوج الدخول بالمتمتع بها إذا كانت بكراً وإن رضيت بذلك.

٤- الاحتمال السابق نفسه مع كون الدخول بها مكروهاً لا محرّماً. 

ورواية الحلبي توافق الاحتمال الأول كما أنّ مرسلة أبي سعيد القماط توافق الاحتمال الثالث. هذا مع غضّ النظر عمّا ورد في ذيل الأولى من قوله (لتعف بذلك) وما ورد في ذيل الثانية من قوله ( فإنّه عارٌ على الأبكار), وأمّا بالنظر إلى الذيلين المذكورين فالأنسب بالروايتين هو الاحتمال الرابع، فيستقر التعارض بينهما و بين صحيحة البزنطي و معتبرة أبي مريم ، وأمّا الاحتمال الثاني فلا يناسبه شيء من روايات الباب, والله العالم. 

(٣٥) قرب الاسناد (٣٦٢).

(٣٦) تهذيب الأحكام: (٧/٢٥٥).

(٣٧) الكافي: (٥/٣٩١).

(٣٨) وجه المناقشة أمران: أحدهما عدم توثيق علي بن إسماعيل الميثمي- المذكور في السند- في كتب الرجال. 

ويمكن الجواب عنه بأنّه ممدوح مدحاً معتدّاً به، فقد قال النجاشي (ص٢٥١) إنّه كان من وجوه المتكلمين من أصحابنا، وهذا المقدار يكفي في الاعتماد على روايته فتأمّل. وقد يضاف إلى ذلك: أنّه من مشايخ ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى. وذلك من إمارات الوثاقة على ما حقّق في محلّه، ولكنه مخدوش بأنهما أقدم طبقة من أن يرويا عنه, بل الثابت روايته عن أولهما أي ابن أبي عمير في عدّة مواضع منها: التهذيب: ١/ ح ١٣٨٠ و١٣٩١ و١٥٠٩، نعم ظاهر سند رواية منصور بن حازم المروية في الوسائل: (١٥/ ١٠٢) رواية ابن أبي عمير عن علي بن إسماعيل الميثمي, ولكن الصحيح كما يعلم بمراجعة مصدرها (أمالي الطوسي: ٤٢٣) كون الراوي عنه فيها هو الحسين بن سعيد الذي له عنه روايات أخرى.

وأيضاً مقتضى سند الصدوق في المشيخة إلى علي بن إسماعيل الميثمي ثبوت رواية صفوان بن يحيى عنه، ولكنه غير تام أيضاً كما سيتضّح إن شاء الله تعالى. 

ثانيهما: ما ذكره السيد الأستاذ S من أن الشيخ S ذكر هذه الراوية في التهذيب مبتدئاً باسم علي بن إسماعيل الميثمي ولم يذكر سنده إليه في المشيخة ولا في الفهرست. فالرواية مرسلة لا عبرة بها (مستند العروة الوثقى كتاب الاجارة: ٦٠).

وقد يجاب عن هذه المناقشة: بأنّ للصدوق طريقاً صحيحاً إليه في مشيخة الفقيه وهو: أبوه عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن صفوان بن يحيى عن علي بن إسماعيل الميثمي، كما أنّ طريق الشيخ إلى مرويات الصدوق معتبر، فيكون للشيخ طريق معتبر إلى علي بن إسماعيل الميثمي أيضاً.

ولكنّه مخدوش أمّا أوّلاً: فلأن طريق الصدوق في المشيخة إلى أيّ راوٍ إنّما هو طريق إلى مرويات ذلك الراوي في الفقيه، وليس إلى جميع كتبه ومصنفاته. فوجود طريق للشيخ إلى ما رواه عنه الصدوق في الفقيه لا يصحح روايته الأخرى المروية في التهذيب.

وأما ثانياً: فلانّ الظاهر أن الطريق المذكور في المشيخة إنّما هو طريق إلى علي بن اسماعيل الدغشي لا الميثمي، أي أنّ لفظة (الميثمي) في المشيخة مصحفة (الدغشي) والوجه في ذلك أنّ صفوان بن يحيى أعلى طبقة من علي بن اسماعيل الميثمي، فلا يناسب روايته عنه، ولم نجد ذلك فيما بأيدينا من مصادر الحديث إلا في السند المذكور. هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإنّه قد وردت رواية صفوان بن يحيى عن علي بن اسماعيل الدغشي في بعض الموارد، منها في التهذيب: ٧/ ح ١٣٤١، الاستبصار: ٣/ ح٧٣٠، ومنها في علل الشرايع: ٢/ باب٩٧/ ص٦٠.

وبذلك يظنّ قويّاً بأنّ لفظة (الميثمي) في متن الفقيه في: ٤/١٣، وفي المشيخة: ١١٥ مصحفة عن (الدغشي) ولعلّ التصحيف وقع في مصدر الصدوق S لهذه الرواية.

وجدير بالذكر أنّ رواية الفقيه المشار إليها قد أوردها في الوسائل: (١٦/١٢٢ ) عن عقاب الاعمال بسند آخر وفيه (علي بن إسماعيل) من دون التقييد بـ (الميثمي) ولكن في النسخة المطبوعة من عقاب الأعمال: ٢٢١ يوجد القيد المذكور. ولا يبعد كونه إضافة من بعض النساخ بملاحظة الفقيه, فتأمل.

هذا, ولكن يمكن أن يقال: إنّ ما ذكر من عدم معلومية سند الشيخ إلى علي بن إسماعيل الميثمي مبنيّ على أنّه أخذ الرواية المذكورة وغيرها ممّا ابتدأ أسانيدها باسمه في بابي النكاح والطلاق  ـ وهي تزيد على عشرين رواية ـ من كتابي علي بن اسماعيل في هذين الموضوعين ، وقد ذكرهما النجاشي  في ترجمته وإن لم يذكرهما الشيخ .

إلاّ أنّ هذا الاحتمال لا يخلو من بُعد, فإن الملاحظ أنّ الشيخ  قد ذكر في المشيخة أسانيده إلى ما كان لديه من الكتب حين تأليف التهذيب، وما ابتدأ فيه بأسماء رواة لم يذكر طرقه إليهم في المشيخة إنّما أخذه من سائر المصادر التي كانت بيده - كما هو معلوم للممارس- والمظنون قويّاً أنّه أخذ روايات علي بن  إسماعيل الميثمي من كتاب الحسين بن سعيد  الذي روى عنه عن علي بن إسماعيل في: ٧/ ٣٣٢ و ٤٢٤، وربّما أخذ بعضها من كتاب محمد بن أحمد بن يحيى الذي روى عنه عن علي بن إسماعيل في: ٨/١٥٧ وطريقه إلى كلا الكتابين معتبر، و يحتمل بعيداً أنه أخذ بعضها من كتب محمد ابن علي بن محبوب أو سعد بن عبد الله أو محمد بن الحسن الصفار الذين أخذ بعض روايات علي ابن إسماعيل من كتبهم كما يظهر بتتبع التهذيب, و طرقه إلى كتب هؤلاء معتبرة أيضاً. ولذلك لا يبعد تمامية سند الشيخ إلى علي بن إسماعيل الميثمي فيما ابتدأ باسمه في التهذيب.

هذا ولكن الملاحظ ان الشيخ S قد اغفل احياناً ذكر طريقه في المشيخة الى بعض المصادر التي اعتمد عليها في ابواب معينة من التهذيب ـ كنوادر الحج ليعقوب بن يزيد الذي روى عنه في باب الحج على ما تقتضيه الشواهد ـ وعلى هذا الأساس يحتمل أنّه اعتمد على كتاب علي بن اسماعيل في باب النكاح والطلاق وإن لم يذكر طريقه اليه في المشيخة، فلا سبيل الى اعتبار سند ما يرويه مبتدءاً باسمه في هذين البابين فليتأمل.

(٣٩) تهذيب الأحكام: (٧/٣٧٨).

(٤٠) الكافي: (٥/٣٩٢).

(٤١) مباني العروة الوثقى: (٢/٢٥٩).

(٤٢) الكافي: (٥/٣٩٣).

(٤٣) الكافي: (٥/٣٩٢).

(٤٤) الكافي: (٥/٣٩٤).

(٤٥) الكافي: (٦/٨٨).

(٤٦) الكافي: (٥/٣٩١).

(٤٧) تاج العروس: (١٣/٦٤٩) مادة (ملك).

(٤٨) الكافي: (٦/٨٨).

(٤٩) الكافي: (٥/٣٩١).

(٥٠) مستمسك العروة الوثقى: (١٤/٤٤٧).

(٥١) الكافي: (٥/٣٩٢)، تهذيب الأحكام: (٧/٣٧٩).               

(٥٢) مباني العروة الوثقى: (٢/٢٦٥).

(٥٣) الكافي: (٤/٣٣١).

 (٥٤)مباني العروة الوثقى: (٢/٢٦٨).

(٥٥)الكافي: (٥/٣٩٥).