طرق إلغاء خصوصيّة المورد عند الوحيد البهبهانيّ (طاب ثراه)
الشيخ وليد العامريّ (دام عزّه)
يُحرم التعدّي عن النصوص جزماً, ويُحرم عدم التعدّي أيضاً جزماً، ويُحرم مخالفة النصوص جزماً, ويُحرم عدم المخالفة جزماً؛ فلا بُدَّ للمجتهد من معرفة المقامين وتمييزهما ومعرفة دليل التعدّي حتّى يكون مجتهداً..
وعدم الفرق بين المقامين أعظم خطراً على المجتهد، فلو كان أحد لم يفرّق ولم يعرف ما به الفرق يُخرِّب في الدين تخريبات كثيرة من أوَّل الفقه إلى آخره.
(الوحيد البهبهاني)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد, فإنَّ التعدّي عن مورد النصّ وإلغاء خصوصيته من الأبحاث التي حظيت باهتمام الوحيد البهبهاني O في مختلف كتبه. فتراه يبحث أهمية وخطورة هذا المبحث تارةً، وطرقه وأسبابه تارةً أُخرى، هذا بالإضافة إلى وضوح تطبيقه لموارد التعدّي في كتبه الفقهية المختلفة.
كما أنَّه O بحث هذا العنوان بصورة مستقلّة في الفائدة (٢٩) من الفوائد الحائرية(١) ــ القديمة ــ وفي ضمن الفائدة (١١)(٢) أيضاً، وكذلك بحثه في شرحه لمقدّمة المفاتيح في ضمن كتابه مصابيح الظلام(٣)، فضلاً على الإشارة إليه في موارد متفرقة خصوصاً في كتابه الفوائد الحائرية.
قال O في مقام بيان أهمية هذا البحث في الفائدة (٢٩) من الفوائد الحائرية:
(قد عرفت: أنَّه لا بُدَّ للمجتهد من مراعاة العلوم اللغوية، والعرف العامّ والخاصّ، وأنَّه لا يجوز التعدّي عن مدلول النصّ أصلاً ورأساً، ولا مخالفته مطلقاً، وأنَّ من تعدّى أو خالف بقدر ذرّة أو عشر معشار رأس شعرة يكون حاكماً بغير ما أنزل الله، ومفترياً على الله تعالى ومتعدّياً حدود الله وعاملاً بالقياس، هالكاً ومهلكاً للناس، ومبتدعاً بدعاً كثيرة في الدين، ومضيّعاً سُنّة خير المرسلين.. لكن مع ذلك ترى أنَّه من أوَّل الفقه إلى آخره في كلّ نصّ يقع التعدّي والمخالفة بلا شبهة، بل لا يجوز عدم التعدّي، ولو لم نتعدَّ لحكمنا بغير ما أنزل الله وافترينا على الله وشرّعنا في الدين إلى غير ذلك.. ــ إلى أنْ قال ــ .. فظهر ممّا ذكرنا أنَّه يحرم التعدّي عن النصوص جزماً ويحرم عدم التعدّي أيضاً جزماً، ويحرم مخالفة النصوص جزماً ويحرم عدم المخالفة جزماً؛ فلابُدَّ للمجتهد من معرفة المقامين وتمييزهما ومعرفة دليل التعدّي حتّى يكون مجتهداً.. وعدم الفرق بين المقامين أعظم خطراً على المجتهد، فلو كان أحد لم يفرّق ولم يعرف ما به الفرق يُخرِّب في الدين تخريبات كثيرة من أوَّل الفقه إلى آخره)(٤).
وسيقع البحث في بيان تلك الطرق وأسباب التعدّي التي ذكرها الوحيدO وفي ضابطة كل طريق.
وفي البدء نذكر نصّين للوحيد O ، حصر فيهما تلك الطرق:
الأوَّل: ما ذكره O في شرحه لمقدّمة المفاتيح، حيث قال:
(ثُمَّ اعلم أنَّ التعدّي إمَّا على سبيل اليقين أو الظنّ.
والأوَّل: إمَّا من العقل كعدم التكليف بما لا يطاق، واجتماع النقيضين والضدّين، والترجيح من غير مرجّح، وأنَّ نوع الإنسان بخلقة واحدة، كما في أمرهم i امرأة معيّنة لا تدري دمها من العذرة أو الحيض، أنْ تدخل قطنة.. إلى آخره.
أو النقل: وهو منحصر في الإجماع البسيط أو المركّب، إذ لم يوجد نصّ يكون قطعي السند والمتن والدلالة خالياً عن جميع المعارضات، أو قطعي العلاج، بل قال المحقّقون: لا يمكن إثبات حكم من نصّ إلّا بمعونة الإجماع، وهذا ظاهر على مَن تفطّن بما أشرنا إليه من المتعدّيات وتأمّل في دلالة النصوص على الحكم، مع قطع النظر عن النقديات، سيّما مع ملاحظة ما دلّ على حجّية ظنون المجتهد.
والثاني: إمَّا من القياس بطريق أولى، والشيعة مجتمعة على حجّيته. نعم، نزاعهم في طريقها، والحقّ أنَّه الدلالة الالتزامية، فلو لم يصل إلى هذا الحدّ لا يكون حجّة، ولذا ورد في بعض الأخبار المنع عن العمل بعد ما قال السائل: نقيسه بأحسنه، هذا وربّما تكون الدلالة يقينية.
وإمَّا من المنصوص العلّة، وعندهم في حجّيته خلاف، والحقّ الحجّية، للدلالة العرفية، وهذا أعمّ من أن تكون العلّة مذكورة صريحاً، أو يذكر أمر في مقام التعليل.
وإمَّا من القاعدة الثابتة المسلّمة، مثل البيّنة على المدّعي واليمين على مَن أنكر، وأنَّ النكول موجب للحكم، أو القاعدة الواردة في خبر واحد مثل: (إذا قصّرت أفطرت، وإذا أفطرت قصّرت).
وإمَّا من اتحاد طريق المسألتين، مثل: الحكم بتحريم ذات البعل بالزنا بها بسبب تحريم المعتدّة بالعدّة الرجعية بالزنا بها، للنصّ على أنَّها بحكم الزوجة، فالزوجة بطريق أولى، فإنَّ الظاهر من الفقهاء أنَّه ليس بقياس أصلاً، وأنَّ المنشأ الفهم العرفي، وهو كذلك بعد وجود ذاك النصّ وملاحظته.
ويعضده تعليق الحكم على الوصف المشعر بالعلّية، لاسيّما وأنَّ هذا الوصف شرطٌ في التحريم بلا ريبة، مضافاً إلى الاستقراء في كون حكمها حكم ذات البعل في كثير من الأحكام.
وإمَّا من عموم المنزلة، مثل: إنَّ التيمّم بمنزلة الطهارة المائية.
وإمَّا من عموم الشباهة كما في تشبيهات الشارع واستعاراته في مقام يظهر منه أنَّ الشباهة في الحكم الشرعي، وأنَّ الفرض أنْ يفهم الراوي ذلك، هذا إذا كان جميع وجه الشبه على سواء في الظهور وانصراف الذهن، أو القدر الذي يكون كذلك مثل (الطواف بالبيت صلاة) و(الفقّاع خمر) وإطلاق الخمر على النبيذ، وغير ذلك. وهذا أيضاً منشؤه الفهم العرفي.
وإمَّا من عموم البدلية، مثل حكمهم في التيمم بوجوب تقديم اليمنى على اليسرى، لأنَّه بدل، وغير ذلك. والمنشأ في هذا أيضاً الفهم العرفي)(٥).
ونحوه ما ذكره في الفائدة (١١), وفي الفائدة (٢٩), قال: (إنَّ التعدّي ربَّما يكون بعد ملاحظة أمرٍ، مثل القياس المنصوص العلّة، ومثل التلازم بين الحكمين، مثل قوله (إذا قصّرت أفطرت، وإذا أفطرت قصّرت) هذا ولا كلام، إنَّما الكلام في مثل المواضع التي أشرنا إليها، من أنَّه بمجرد اللفظ يفهم التعدّي أو المخالفة، ومعلوم أنَّ ذلك لم يتحقّق إلّا بمنشأ، وهو التظافر والتسامع من المسلمين أو الفقهاء، والأنس بطريقتهم، وما فهموا من فتاواهم، وما رسخ في الخواطر من معاشرتهم ومخالطتهم، فربَّما يكون إجماعاً ضرورياً، وربَّما يكون إجماعاً نظرياً، وربَّما يكون إجماعاً ظنياً، وربَّما يكون مجرّد الشهرة بين الفقهاء.
فلا بُدَّ من التمييز بين هذه الأقسام، فإنَّ القسمين الأولين لا تأمّل في حجّيتهما، والآخرين وقع النزاع في كلّ واحدٍ منهما، فلا بُدَّ من التشخيص ومعرفة الدليل، ثُمَّ الاعتماد والفتوى.
واعلم أيضاً أنَّ التعدّي ربَّما يصير بتنقيح المناط، وهو مثل القياس إلّا أنَّ العلّة فيه منقّحة، أي حصل اليقين بأنَّ خصوصية الموضع لا دخل لها في الحكم، وكذا اليقين بعدم المانع في مورد آخر، فيجزم بالتعدّي، لامتناع تخلّف المعلول عن العلّة، مثل قول النبي e للأعرابي ــ حين سأله: جامعت أهلي في شهر رمضان؟ ــ: (كَفِّر)، فإنَّ القطع حاصل بأنَّ العلّة هي الجماع فيه من غير مدخلية الأعرابية، ولا كون الجماع بالزوجة الدائمة، بل المتعة والجارية والزنا أيضاً كذلك، وربَّما لا يحصل القطع بالنسبة إلى الزنا. وكيف كان فالقطع إنَّما حصل بالإجماع، وهو المنقّح، إذ لا بُدَّ للتنقيح من منقّح شرعاً وليس فيما نحن فيه سوى الإجماع. نعم، في بعض المواضع يصير المنقّح هو حكم العقل على سبيل اليقين، لكنّه قليل جداً، فالعمدة والأصل هو الإجماع؛ ولذا قال بعض المحققّين: إنَّه لا يمكن فهم الحكم في حديث من أوَّل الفقه إلى آخره إلّا بمعونة الإجماع)(٦).
وبعد هذه المقدّمة نشرع في بيان الطرق بحسب التقسيم المتقدّم الذي ذكره في شرحه لمقدّمة المفاتيح.
القسم الأوَّل
التعدّي على سبيل اليقين
وله نحوان:
النحو الأوَّل: ما كان منشأ اليقين بالتعدّي هو حكم العقل.
في البدء نعرض رأي الوحيد O في حكم العقل، وعلاقته بالحكم الشرعي. وقبل ذلك لا بأس باستذكار مراداتهم من حكم العقل ــ وبنحو موجز ــ ونخصّ بالكلام العقل العملي، أي إدراك العقل لما ينبغي فعله أو تركه، ومن أسباب ذلك هو إدراكه لحسن أو قبح ذلك الشيء، وقد ذكروا لمسألة الحسن والقبح أكثر من معنى
ــ ثلاثة معاني ــ:
وما هو محلّ النزاع في مسألة الحسن والقبح إنَّما هو المعنى الثالث (وإنْ كان الظاهر من عبارات الوحيد O أنَّ محلّ النزاع أعمّ، حيث وصف الأشاعرة المنكرين للحسن والقبح بقوله: «والظاهر أنَّ إنكارهم في اللسان وفي مقام المخاصمة، وإلّا فَهُم في مقام الموعظة وتهذيب الأخلاق يصرّحون بهما»(٧) ونقض عليهم أيضاً بما سلّموا به من وجود المنافرات والملائمات للنفس).
ثُمَّ إنَّ الحسن والقبح بهذا المعنى الثالث ذكروا له ثلاثة أقسام:
والخلاف والنزاع في مسألة الحسن والقبح إنَّما وقع في خصوص القسم الأوَّل من هذه الأقسام الثلاثة. وهناك ثلاثة أقوال مشهورة في هذا المقام:
القولالأوَّل: ما نُسب لمشهور الفلاسفة من أنَّ الحسن والقبح من الأُمور الاعتبارية: أي أنَّ الحسن هو ما تبانى العقلاء على حسنه. والقبيح هو ما تبانى العقلاء على قبحه. فليس لها وراء تباني وتطابق آراء العقلاء واقع. وأدرجوها في (الآراء المحمودة) و(التأديبات الصلاحية) والتي هي قسم من القضايا المشهورة. ثُمَّ إنَّ تطابق آراء العقلاء هذا لا بُدَّ له من سبب، وقالوا إنَّ سببه هو إدراكهم للمصلحة أو المفسدة النوعيتين في ذلك الفعل. فمرجع حكم العقلاء بالحسن والقبح هو إدراكهم للمصلحة أو المفسدة النوعيتين.
القول الثاني: ما نُسب للمتكلّمين من أنَّ الحسن والقبح من الأُمور والصفات الواقعية المتعلّقة بالأفعال الاختيارية. فالفعل الحسن واقعاً حسن لا أنَّ حسنه ينشأ من اعتبار العقلاء له، وكذا الفعل القبيح واقعاً قبيح. فهي من القضايا الأولية البديهية التي ليس للاعتبار والوضع إليها سبيل، كما هو الحال في قضية (استحالة اجتماع أو ارتفاع النقيضين).
القول الثالث: ما نُسب للأشاعرة من إنكارهم للحسن والقبح الذاتي للأفعال وبقطع النظر عن حكم الشارع، فالحسن ما حسّنه الشارع والقبيح ما قبّحه الشارع. فلا واقع لحسن وقبح الأشياء وراء حكم الشارع، سواء كان ذلك الواقع هو تطابق آراء العقلاء، أو القضية الأولية البديهية.
وأمَّا مختار الوحيد O فقد ذكره عند قوله: (ثُمَّ اعلم أنَّ المعتزلة منهم مَن قال: بأنَّ الحسن والقبيح مقتضى ذات الفعل من حيث هي هي، ومنهم مَن قال: بأنَّهما من مقتضى وصفه اللازم. ومنهم مَن قال: بالوجوه والاعتبارات. وأمَّا غير المعتزلة فلعلّهم لا يُعَيِّنون ذلك ويقولون بالأعمّ والقدر المشترك، وهو الصواب)(٨).
وبقطع النظر عن الملاحظات التي يمكن أنْ تُذكر حول كلامه O ــ فإنَّها خارجة عن محل الكلام ــ فإنَّه يمكن القول: بأنَّه O بعد أنْ اختار أنَّ حكم العقل هو الأعمّ من كون منشئه هو القضايا الأولية البديهيّة، أو الاعتبار والتباني العقلائي، فيترتّب عليه أنَّ الحكم العقلي من الأُمور الواضحة والمرتكزة في أذهان العقلاء، فكون الحكم العقلي ناشئ من إدراكه للقضايا البديهية أو إدراكه للمصالح أو المفاسد النوعيتين والتي تبانى عليها آراء عامّة العقلاء مآله في الحقيقة إلى ارتكاز ذلك الأمر وتلك القضايا في الذهن العقلائي، ومن المعلوم أنَّ المرتكزات الذهنية تمثّل قرائن لبّية متّصلة يتصرّف على ضوئها ذهن السامع والمتلقّي في ظهورات الكلام ويحكم بالانصراف من تعميم أو تخصيص أو إلغاء لخصوصية المورد.. وذلك لأنَّ الارتكاز يعني رسوخ تلك الصورة القائم عليها الارتكاز في الذهن العقلائي، وذلك الرسوخ موجب لعدم التفات الذهن إلى ما دونها، وظهورها بالخصوص من كلام المتكلّم، وعليه فاللازم على المتكلّم عند عدم إرادة تلك الصورة المترسخة أنْ يُعمل عناية لرفع ذلك الرسوخ، وإلفات السامع والمخاطب إلى ما يريده، ولا بُدَّ أنْ تتناسب تلك العناية كمّاً وكيفاً مع ثبوت ورسوخ ذلك الارتكاز.
ووفق هذا البيان والتفسير يتّضح حال الموارد التي ذكرها O لهذا القسم, وهي:
وهذه القاعدة لعلّها المنشأ للحكم بالاشتراك في الأحكام بين النساء مثلاً فيما يختصّ بهنّ، وبين الرجال والنساء فيما يشتركون به، أو بين الرجال فيما يختصّون به. وقاعدة الاشتراك هذه لم يتمّ استفادتها بعنوانها من دليلٍ خاصٍّ حتّى يحكم بحجّية ظهوره الظنّي، وتكون القاعدة من القواعد الظنّية التي قام الدليل الخاصّ على حجّيتها, بل هي ناشئة من الجزم والاطمئنان بذلك والناشئ من تجميع القرائن. وببركة هذا الاطمئنان تصبح هذه القاعدة من الأُمور المرتكزة في ذهن مَن حصل عنده ذلك الاطمئنان، فيجري فيها الكلام المتقدم.
٥. تنقيح المناط, ولم يذكره O في ما تقدّم من شرحه لمقدّمة المفاتيح. نعم، ذكره في ما تقدّم نقله عن الفوائد. وأرجعه O ــ كما في الفائدة (١١) ــ في بعض حالاته إلى حكم العقل، حيث قال: (.. وربَّما يخرج بقاعدة تنقيح المناط، وهو مثل القياس إلّا أنَّ العلّة المستنبطة فيه يقينية، بناءً على القاعدة المسلّمة عند الشيعة من كون الحسن والقبح عقليّين وعدم جواز تخلّف المعلول عن العلّة التامّة. والتنقيح لا يحصل إلّا بدليل يقيني شرعي فينحصر دليله في الإجماع والعقل، ومن هذا لا يذكر فقهاؤنا في كتبهم الاستدلالية اسم تنقيح المناط غالباً، لأنَّ الحجّة في الحقيقة هي تنقيح المناط بعنوان اليقين، وهو منحصر فيما ذكر)(١٠).
وكذا ما تقدّم نقله عن الفوائد ــ الفائدة (٢٩) ــ حيث قال (.. إذ لا بُدَّ للتنقيح من منقّح شرعاً وليس فيما نحن فيه سوى الإجماع. نعم، في بعض الموارد يصير المنقّح هو حكم العقل على سبيل اليقين، لكنه قليل جداً)(١١).
والحاصل: إنَّ تنقيح المناط هو استكشاف لمناط وملاك الحكم والذي هو حقيقة وروح الحكم، فالحكم يدور مداره سعةً وضيقاً. وبيّن Oكيفية حصول ذلك الاستكشاف, بقوله: (أي حصل اليقين بأنَّ خصوصية الموضع لا دخل لها في الحكم، وكذا اليقين بعدم المانع في مورد آخر، فيجزم بالتعدّي لامتناع تخلف المعلول عن العلّة، مثل قول النبي e للأعرابي ــ حين سأله: جامعت أهلي في شهر رمضان؟ ــ: (كَفِّر)، فإنَّ القطع حاصل بأنَّ العلّة هي الجماع فيه من غير مدخلية الأعرابية ولا كون الجماع بالزوجة الدائمة، بل المتعة والجارية والزنا أيضاً كذلك)(١٢).
وأمَّا فرقه عن القياس المحرّم ــ مستنبط العلّة ــ والمنصوص العلّة، فقد بيّنه
بقوله O: (.. لأنَّ الحجة في الحقيقة هي تنقيح المناط بعنوان اليقين.. وإنَّما قلنا بعنوان اليقين؛ لأنَّ الظني إنْ كان بغير النصّ فهو بعينه القياس المحرّم، وإنْ كان النصّ فهو القياس المنصوص العلّة)(١٣).
والحاصل: إنَّ تنقيح المناط إنْ استند إلى حكم العقل فمرجع التعدّي حينئذٍ إلى الارتكاز؛ لما تقدّم من أنَّ الحكم العقلي هو بمثابة القرينة اللبّية الارتكازية.
وأمَّا إذا كان استناده إلى الإجماع، فسيأتي التعرّض إليه في النحو الآخر.
النحو الآخر: ما كان منشأ اليقين بالتعدّي هو النقل.
وقد حصر O ذلك بالإجماع البسيط أو المركب، كما تقدَّم نقل ذلك عنه, حيث قال: (.. أو النقل، وهو منحصر في الإجماع البسيط أو المركب؛ إذ لم يوجد نصّ يكون قطعي السند والمتن والدلالة خالياً عن جميع المعارضات، أو قطعي العلاج، بل قال المحقّقون: لا يمكن إثبات حكم من نصّ إلّا بمعونة الإجماع، وهذا ظاهر على مَن تفطن بما أشرنا إليه من المتعديات، وتأمّل في دلالة النصوص على الحكم مع قطع النظر عن التعدّيات، سيّما مع ملاحظة ما دلّ على حجية ظنون المجتهد)(١٤).
ولبيان الأمر نحتاج وبنحو من الإيجاز لبيان رأي الوحيد O في الإجماع فإنَّه اهتمّ به تنظيراً وتطبيقاً.
قال O: (لا شكّ في أنَّ الإجماع في اصطلاح الفقهاء عبارة عن اتفاق جمع يحصل من اتفاقهم اليقين بقول المعصوم g، ولو لم يحصل العلم واليقين لا يكون إجماعاً عندهم قطعاً)(١٥)، وقد ذكر O في رسالته في الإجماع ثلاثة طرق للإجماع، قوّى الثالث منها ــ وإنْ لم ينكر الآخرين ــ وهو: (ما ذهب إليه معظم المحقّقين من أنَّ العلم يحصل من اتفاق الكلّ بأنَّ ذلك من رئيسهم، واتّفق كلّ المحقّقين في أمثال هذه الأزمان على ذلك)(١٦).
ويظهر من بعض كلماته استناده إلى حساب الاحتمال في ذلك, حيث قال: (وأيضاً كلّ مسألةٍ شرعيةٍ في نفسها تحتمل احتمالات، وبعد ما رأينا فقيهاً متّقياً عادلاً متقناً عارفاً ورعاً مطلّعاً ماهراً مقدّساً أفتى فيها، يترجّح في النظر ما أفتى به، وليس وجود فتواه كعدمه على السواء قطعاً.. ثُمَّ إذا رأينا فقيهاً آخر يوافق الأول يحصل من فتواه ظنٌّ آخر ومن توافقهما ظنٌّ آخر، وهكذا كلّما زاد فقيه في الفتوى يحصل منه ظنٌّ آخر، ومن التوافق به ظنٌّ آخر، ومن توافق المتوافقين ظنٌّ آخر، وهكذا إلى أنْ يصل إلى العلم. فإنَّ كثرة الظنونات وكثرة التوافق يقتضي العلم به عادة)(١٧).
وقال أيضاً O في حاشيته على المدارك: (وحصول الظنّ من فتوى فقيه ماهر عادل متقٍّ باذل للجهد في استحصاله من الأدلّة الشرعية مستفرغ للوسع في ملاحظة جميع ما له دخل في الأخذ والفهم موصٍ للغير في الاحتياط في أخذ الحكم غايته، لا ينكره قلب خالٍ عن الشوائب والمعائب، سيّما إذا كان الفقيه من القدماء، ثُمَّ إذا رأينا فقيهاً آخر مثله يشاركه حصل ظنّ آخر من قوله وقوّة أُخرى من اجتماعهما، وهكذا كلما رأينا فتوى حصل ظنّ منه وقوّة من انضمامه، وأُخرى من انضمامين، وعلى هذا القياس إلى أنْ يحصل العلم من نفس ذلك.
أو بضميمة ملاحظة أنَّ أذهانهم مختلفة في إدراك الأُمور واستنباط المسائل، ومشربهم متفاوت في تأسيس المباني وتأصيل الأصول، ومع ذلك اتّفقوا هذا الاتفاق، وخصوصاً بعد التفطّن بما أشرنا إليه آنفاً. وسيّما إذا كان الحكم ممّا يعمّ به البلوى وتكثر إليه الحاجة، وخصوصاً بعد ملاحظة أنَّ الأحكام الفقهية عند الرواة وسائر الشيعة ما كانت مقصورة فيما رووه في ذلك الزمان؛ لأنَّ تلك الروايات وردت بعد ظهور الشرع وانتشاره في الأقطار وامتداد ذلك في الأعصار، بحيث ما كان الرواة جاهلين ولا مستشكلين إلّا في أُمور خاصّة دعاهم إلى الجهل بها والاستشكال فيها أسباب معيّنة)(١٨).
ثُمَّ إنَّه O يظهر منه تعميم الإجماع لما يشمل الاتفاق الضروري والإطباق، حيث ذكر إشكالاً لمنكري الإجماع وجواباً عنه.
وحاصلهما: (إنَّ البعض ربَّما يلجئهم جميع ما ذكرناه بعد المبالغة التامّة والإصرار وفي غاية الإكثار إلى القول بوجود غير الآية والحديث، وحصول العلم من غير جهتهما أيضاً، لكن يقول: من أين هو الإجماع؟ إذ لعلّه شيء آخر.
فكنت أقول: العلم بما ذكر ليس فطرياً بالبديهة، بل العقل لا طريق له أصلاً إلى وجوب مثل الصلاة والنجاسة وأمثالهما.. فلا بُدَّ من حصوله من النقل بالبديهة، فإذا لم يكن من الآية والحديث انحصر في الإجماع؛ إذ لا منشأ للعلم هنا إلّا اتفاق المسلمين أو الشيعة، ولو كانت المسألة خلافية لم يتحقّق هذا العلم بالبديهة، إلّا إذا كان الخلاف شاذّاً. فظهر أنَّ المنشأ هو الوفاق، على أنَّه أي شيء يكون المنشأ نحن نسمّيه بالإجماع ولا مشاحّة في التسمية، ونسمّيه أيضاً بالضروري أو الوفاق والإطباق، فأيّ اسم ترضى فسمّه به، وأقلّه ما ذكرت من أنَّه علم آخر وطريق ثالث، وإنَّي لا أدري أنَّ المنشأ ماذا؟ ولا مشاحّة في الاصطلاح عند جميع مَن له فهم)(١٩).
وقال أيضاً: (إذ عرفت أنَّ الإجماع هو خبر بالأصل، إلّا أنَّه لم يصل إلينا بعنوان معنون ظنّي، بل وصل بعنوان يقيني)(٢٠).
وممّا تقدّم ظهر أنَّ ملاك الإجماع هو الاتفاق الموجب لحصول العلم، وهذا الاتفاق حاصل عند القدماء أيضاً، وحصوله كذلك يعني أنَّه وصل إليهم يدّاً بيدّ من عصر النصّ، ممّا يعني أنَّ الحكم كان من الأُمور الواضحة في أذهان الفقهاء والرواة من قبلهم، ولذا قال O كما تقدَّم: (وخصوصاً بعد ملاحظة أنَّ الأحكام الفقهية عند الرواة وسائر الشيعة ما كانت مقصورة في ما رووه في ذلك الزمان؛ لأنَّ تلك الروايات وردت بعد ظهور الشرع وانتشاره في الأقطار وامتداد ذلك في الأعصار، بحيث ما كان الرواة جاهلين ولا مستشكلين إلّا في أُمور خاصّة دعاهم إلى الجهل بها والاستشكال فيها أسباب معيّنة كما هو الحال في أمثال أزماننا. نعم، في أمثال زماننا حصل بعض ما كانت غير حاصلة في ذلك الزمان، وإنْ خفي بعض ما كانت ظاهرة فيه.
والأئمّة i ما كانوا يلقون إليهم الأحكام من أوَّلها إلى آخرها، وما كانوا يعترضون على الرواة حين استشكالهم في أمرٍ خاصٍّ بأنَّ هذا الحكم من أين عرفت؟ ولِــمَ تسأل عن هذا الأمر الخاصّ دون نفس الأحكام وباقي متعلقاتها؟ وما ذكر ظاهر على المتأمّل في الأخبار.
وأيضاً: الكليني O ما أتى بجميع روايات الأحكام المسلّمة عند الشيعة، التي لا تأمّل في وفاق كل الشيعة عليها، بل الفقه لو كان مقصوراً في الروايات المروية في الكافي خاصّة لعلّه لم يثبت كثير منه، وكذا الحال بالنسبة إلى غير الكليني من القدماء)(٢١).
وكأنّ الفقيه عندما يأتي للمسألة الكذائية والتي لا يوجد لبيانها حديث، يستند في بيان حكمها إلى ذلك الوضوح الواصل إليه يدّاً بيدّ.
وعليه فمرجع هذا النحو من إلغاء خصوصية المورد هو إلى ذلك الاتفاق والوضوح والارتكاز.
ومن هنا ذكر Oفي بيان بعض وجوه التعدّي: (.. إنَّما الكلام في مثل المواضع التي أشرنا إليها من أنَّه بمجرد اللّفظ يُفهم التعدّي أو المخالفة، ومعلوم أنَّ ذلك لم يتحقّق إلّا بمنشأ، وهو التظافر والتسالم عليه من المسلمين أو الفقهاء، والأنس بطريقتهم، وما فهموا من فتاواهم، وما رسخ في الخواطر من معاشرتهم ومخالطتهم، فربَّما يكون إجماعاً ضرورياً، وربَّما يكون إجماعاً نظرياً، وربَّما يكون إجماعاً ظنّياً، وربَّما يكون مجرّد الشهرة بين الفقهاء، فلا بُدَّ من التمييز بين هذه الأقسام، فإنَّ القسمين الأولين لا تأمّل في حجّيتهما، والآخرين وقع النزاع في كلّ واحدٍ منهما، فلا بُدَّ من التشخيص ومعرفة الدليل ثُمَّ الاعتماد والفتوى)(٢٢).
القسم الثاني
التعدّي على سبيل الظن
وقد ذكر له O عدّة أنحاء، هي:
النحو الأوَّل: القياس بطريق الأولى.
قال O في شرحه لمقدّمة المفاتيح: (.. إمَّا من القياس بطريق أولى، والشيعة مجتمعة على حجّيته. نعم، نزاعهم في طريقها. والحقّ: أنَّه الدلالة الالتزامية، فلو لم يصل إلى هذا الحدّ لا يكون حجّة، ولذا ورد في بعض الأخبار المنع من العمل بعد ما قال السائل: نقيسه بأحسنه؛ هذا وربَّما تكون الدلالة يقينيّة)(٢٣).
وقال O في الفوائد: (وممّا يوجب التعدّي عن مقتضى النصّ أيضاً القياس بطريق أولى، والشيعة مجتمعة على حجّيته. نعم، نزاعهم في طريقها. والحقّ: أنَّه الدلالة الالتزامية، فلو لم يصل إلى هذا الحدّ لا يكون حجّة، ولذا ورد في بعض الأخبار المنع عن العمل بعد ما قال السائل: نقيس على أحسنه، هذا وربّما تكون الدلالة يقينيّة)(٢٤).
وقال O في الرسائل الأصولية: (إذا ورد من الشارع حكم لجزئي فإنْ كان بالاطلاع عليه يفهم ويتبادر حكم جزئي آخر فَهْماً عرفياً وتبادراً متعارفاً، فيكون ذلك الحكم ــ أي الحكم الجزئي الآخر ــ من جملة مفاهيم ألفاظ الشرع، ويعبّر عن ذلك بالمفهوم الموافق والمفهوم المخالف، ومفهوم الوصف، ومفهوم الغاية، إلى غير ذلك، والتعبير عن المفهوم الموافق معلّلاً بالقياس بطريق الأولى لعلّه لا مشاحّة فيه)(٢٥).
وقال O في مفهوم الموافقة: (ومن المفاهيم مفهوم الموافقة، مثل: مفهوم قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَــهُما أ ُفٍّ}، ولا نزاع في حجّيته. نعم، وقع النزاع في طريق دلالته، والمعتبر عندي الدلالة العرفية ودوران الحجّة معها، ووجهه ظاهر)(٢٦).
ومن مجموع ما تقدّم يظهر أنَّ مفهوم الموافقة والقياس بطريق أولى عنده O واحد.
لكنَّ في حاشيته على المدارك قال تعليقاً على قول الشارح (من باب مفهوم الموافقة): (كونه من باب القياس بطريق أولى لا إشكال فيه، وأمَّا كونه من باب مفهوم الموافقة ربَّما يحتاج إلى تأمّل، وعندي فرق بين المقامين، فتأمّل)(٢٧).
والبحث في هذا الطريق يقع في أُمور:
الأمر الأوَّل: أشار O إلى النزاع في طريق دلالة قياس الأولوية، والمذكور في كلماتهم أنَّ هناك ثلاثة أقوال:
القول الأوَّل: أنَّه من باب القياس، قال في المعالم: (حجّة الذاهبين إلى كون مثله قياساً: أنَّه لو قطع النظر عن المعنى المناسب المشترك المقصود من الحكم كالإكرام، في منع التأفيف، وعن كونه آكد في الفرع لما حكم به، ولا معنى للقياس إلّا ذلك)(٢٨).
وممّن ذهب لذلك العلّامة O (٢٩)، وسيأتي مزيد بيان لذلك.
القول الثاني: أنَّها تدلّ عليه بالدلالة المطابقية باعتبار أنَّ كلمة (أُف) مثلاً منقولة عن موضوعها اللغوي إلى المنع من أنواع الأذى. وقد نسب ذلك إلى المحقّق الحلّي O(٣٠).
القول الثالث: أنَّه من باب الدلالة الالتزامية، وهو ما ذهب إليه الوحيدO، أي إدراك التلازم بين موضوعي الحكم كي ينتقل الذهن من أحدهما إلى الآخر ويتبادر المعنى إلى الذهن من اللفظ وبالتالي تثبت الدلالة الالتزامية. ولا بُدَّ من تحقّق شروط الدلالة الالتزامية حينئذٍ ككون التلازم بيِّن بالمعنى الأخصّ، وسيأتي مزيد بيان لذلك.
الأمر الثاني: في النسبة بين مفهوم الموافقة وقياس الأولوية.
والظاهر أنَّ هناك قولين:
الأوَّل: كون النسبة هي العموم المطلق.
والآخر: كون النسبة هي العموم من وجه ولا بأس بنقل بعض الكلمات في ذلك.
أمَّا القول الأوَّل: فهو ظاهر كلمات السيد الخوئي O, حيث قال في الدراسات:
(والموافق ينقسم إلى قسمين: الأولوية القطعية والمساواة، والأولوية أيضاً على نحوين: أحدهما: أنْ يكون ذلك مفهوماً عرفياً من نفس اللفظ يعرفه كلّ عارف باللغة، كقوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَــهُما أ ُفٍّ} فإنَّه يستفاد منه كلّ أحد حرمة الشتم والضرب والقتل بالأولوية القطعية، ويعرف أنَّ ذكر كلمة (أ ُفٍّ) إنَّما هو من جهة كونه أدنى مرتبة التضجّر. وثانيهما: أنْ يحتاج استفادته إلى ضمّ مقدّمة عقلية إليه، كما لو قال المولى: (سَبُّ الإمام موجب للكفر) فإنَّه بعد علم من الخارج أنَّ ذلك إنَّما هو لحرمة الإمام وليس لكونه بشراً مخلوقاً يُفهم منه حرمة سبّه تعالى بالأولوية، ولا بُدَّ فيه من كون المقدمة العقلية قطعية، وإلّا فيكون استحساناً وليس بحجة((٣١).
وأمَّا القول الآخر فهو ظاهر كلام الميرزا النائيني O في أجود التقريرات، حيث قال: (ثُمَّ إنَّ المفهوم الموافق يكون على نحو الأولوية تارةً، وعلى نحو المساواة أُخرى. والأوَّل: إنَّما يتحقّق فيما إذا كانت الأولوية من المدركات العقلية، وأمَّا إذا كانت عرفية ــ كما في قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَـهُما أ ُفٍّ} الدالّ على حرمة ضرب الوالدين ــ مثلاً ــ بالدلالة العرفية ــ فالمدلول خارج عن المفهوم وداخل في المداليل اللفظية العرفية((٣٢). وقد بيَّن الشيخ الحلي O مراد الميرزا النائيني O بما نصّه: (لا يخفى أنَّ مراد شيخنا O هو التفرقة بين مثل قولك (أكرم خدام العلماء) في دلالته بالأولوية على وجوب إكرام العلماء، ومثل آية الأُف، فإنَّ الأوَّل لا يكون إلّا بنحو من الملازمة والانتقال من الأضعف إلى موضع آخر يكون هو الأولى بالحكم الوارد على غيره، بخلاف آية الأف فإنَّه مع هذه الأولوية يمكن أنْ يكون من قبيل الكبرى الكلّية التي ذكر منها فردها الخفي، فيخرج حينئذٍ عن عالم المفاهيم التي وقع الكلام في كون دلالتها لفظية، أو عقلية، وقد اختار هو Oكونها لفظيّة، ويكون مفاد الآية الشريفة داخلاً في المداليل العرفية بلا كلام، ويكون ذلك من قبيل ذكر ما هو الأخفى من أفراد موضوع الكبرى)(٣٣).
فنقطة افتراق مفهوم الموافقة هو ما كان على نحو المساواة, ونقطة افتراق الأولوية هو ما أسماه بالمدلول اللفظي العرفي.
ومن هذا القبيل أيضاً ما ذكره السيد الشهيد Oحيث قال: (ونريد بمفهوم الموافقة ما يستفاد من الدليل مشاركته مع حكم الموضوع المذكور في الدليل إمَّا لكون ثبوته فيه أولى من ثبوته في ملزومه، أو لكونه مساوياً لاشتراكهما في علّة الحكم ومناطه، ويشترط فيه أنْ تكون الملازمة عرفية فلا يكفي ثبوت الملازمة بعنايات عقلية)(٣٤). فمورد افتراق الأولوية وفق هذا الكلام هو الأولوية غير المستفادة من اللفظ وإنَّما المستفادة من حكم العقل.
ثُمَّ إنَّ الذي يظهر من مجموع كلمات الوحيد O أنَّ النسبة بينهما هي العموم من وجه، فقد قال في رسالة في الجمع بين الأخبار: (إذ الحكم بالأولوية إمَّا لحكم العقل بها أو لحكم الشرع)(٣٥) فالأولوية وفق هذا النصّ على قسمين أولوية شرعية وأولوية عقلية. والذي يظهر من عباراته O المتقدّمة أنَّ حجّية الأولوية إمَّا أنْ تكون لأجل الدلالة الالتزامية، وبالتالي تكون أولوية عرفية أو أولوية يقينية، والثابت عنده O ــ كما تقدَّم ــ أنَّ اليقين إمَّا ناشئ من حكم العقل أو النقل كما إذا ثبتت الأولوية بالإجماع ونحوه.
ثُمَّ إنَّ الأولوية الشرعية والعرفية مرجعهما إلى أمرٍ واحدٍ، فإنَّ الأولوية العرفية ما لم تندرج تحت حجّية الظهور، أو تكون يقينية، لا تكون حجّة وشرعية.
وعلى كلّ حالٍ، فالأولوية العقلية خارجة عن مفهوم الموافقة لما تقدّم من أنَّ طريق دلالة مفهوم الموافقة عنده O هو الدلالة العرفية. وهذه هي نقطة افتراق الأولوية عن مفهوم الموافقة.
وأمَّا نقطة افتراق مفهوم الموافقة عن الأولوية فهو بما يسمّى بقياس التساوي أو المساواة.
وأمَّا نقطة الالتقاء والاشتراك فهي الأولوية العرفية أو الشرعية.
ولعلَّ تفريقه O بين الأولوية ومفهوم الموافقة ــ كما تقدَّم في حاشيته على المدارك ــ ناظر إلى هذا الذي ذكرناه.
الأمر الثالث: استند O في إثبات الحجّية في المقام وغيره إلى الفهم العرفي, والدلالة الالتزامية أحد سبل الفهم العرفي، فاقتضى الأمر الوقوف عند ذلك فنقول:
إنَّ الفهم العرفي كي يستند إليه ويكون حجّة لا بُدَّ أنْ يكون ناشئاً من مناسبة ونكتة نوعية عامّة، فالظهور الناشئ من هذا الفهم هو الذي يكون حجّة والذي يسمّى بالظهور الموضوعي، دون ما كان ناشئاً من ملابسات وعوامل شخصية ذاتية وهو ما يسمّى بالظهور الذاتي.
جاء في كلمات السيد الشهيد O أنَّ (الظهور ــ سواء كان تصورياً أو تصديقياً ــ تارةً يراد به الظهور في ذهن إنسان معيّن، وهذا هو الظهور الذاتي، وأُخرى يراد به الظهور بموجب علاقات اللغة وأساليب التعبير العامّ، وهذا هو الظهور الموضوعي، والأوَّل يتأثّر بالعوامل والظروف الشخصية للذهن التي تختلف من مورد إلى آخر تبعاً إلى أنسه الذهني وعلاقاته، بخلاف الثاني الذي له واقع محدّد يتمثّل في كل ذهنٍ يتحرّك بموجب علاقات اللغة وأساليب التعبير العامّ.
وما هو موضوع الحجّية الظهور الموضوعي؛ لأنَّ هذه الحجّية قائمة على أساس أنَّ ظاهر حال كلّ متكلّم إرادة المعنى الظاهر من اللفظ، ومن الواضح أنَّ ظاهر حاله بوصفه إنساناً عرفياً إرادة ما هو المعنى الظاهر موضوعياً لا ما هو الظاهر نتيجة لملابسات شخصية في ذهن هذا السامع أو ذاك)(٣٦).
نعم, قد يقال بكفاية الظن بالمناسبة والنكتة، ولا يشترط إحراز وجودها ببيان:
إنَّ طرق استكشاف ذلك الظهور الموضوعي تتمّ عن طريق الظهور الذاتي، ومن تلك الطرق ما ذكره السيد الشهيد O في البحوث حيث قال:
(يمكن إحراز الظهور الموضوعي بإحدى طريقتين، الأولى: إحرازه تعبّداً، وذلك بدعوى جعل الظهور الذاتي أمارة عقلائية عليه، فإنَّ السيرة قائمة على جعل ما يتبادره كلّ شخص من الكلام هو الميزان في تشخيص الظهور الموضوعي المشترك عند العرف)(٣٧).
وظاهر العبارة قيام السيرة العقلائية على أمارية الظهور الذاتي مطلقاً سواء حصل العلم والإحراز عند صاحب الظهور الذاتي للنكتة والمناسبة، أم كان الحاصل عنده مجرد الظن بالمناسبة.
أقول: يمكن أنْ يلاحظ على هذه الدعوى بما حاصله:
إنَّ الظهور الذاتي لما كان تبادراً كاشفاً عن الظهور الموضوعي، فلا بُدَّ من توفر شرط التبادر فيه وهو إحراز العلاقة اللغوية والعلم بها على تفصيل ذكروه في الأبحاث الأُصولية لنوع ذلك العلم بالوضع، كجوابٍ على إشكال الدور على ذلك التبادر.
فكما أنَّ التبادر الذي هو علامة الحقيقة والوضع لا بُدَّ فيه من إحراز الوضع ولو إجمالاً ــ كما هو مذهب المشهور ــ أو إحراز القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى ــ كما هو مبنى نظرية القرن الأكيد ــ كذلك التبادر في المقام ــ أي إثبات التطابق بين ما يفهمه الشخص مع ما يفهمه العرف العامّ ــ هو فرع إحراز وجود العلاقة اللغوية العرفية وما يعتمده العرف من أساليب المحاورة والكلام. وهذا الأمر واضح لا غبار عليه.
فإنَّ ذلك الظهور الذاتي لا بُدَّ له من سبب ومستند، وهو إمَّا الوضع أو القرينة الخاصّة، وكلاهما خارج عن محلّ الكلام، وأمَّا القرينة العرفية العامّة وطريقة أهل المحاورة ــ وهي محل الكلام ــ فلكي يستند السامع في فهمه إليها لا بُدَّ من اطلاعه عليها وإحرازه لوجودها.
ومنه يتّضح أنَّ ادّعاء قيام سيرة في المقام على كفاية مطلق الظهور الذاتي أو الظنّ بالمناسبة بعيد.
نعم, لا بُدَّ من التفريق بين ما ذكرناه وبين حجّية الظهور ــ والذي موضوعه الظن ــ ببيان:
إنَّ هناك نوعين من الظن:
الأوَّل: الظن بوجود نكتة ومناسبة يستند إليها العرف في محاوراتهم، وتمثّل قرينة عامّة على استكشاف مراداتهم، وهذا ما قلنا بعدم كفايته.
الآخر: إحراز وجود النكتة والمناسبة، ولكن السامع يشكّ في أنَّ المتكلّم هل أتبع طرق وأساليب أهل المحاورة واعتمد على تلك المناسبة في بيان مراده أم لا؟
وهنا قالوا إنَّ ظاهر حال كل متكلّم أنْ يتكلم على وفق أساليب وطرق المحاورة اللغوية العرفية.
والثاني هو مورد حجية الظهور والتعبّد بالظهور الظني والذي قامت عليه السيرة دون الأوَّل.
وعليه فالقول بلا بُدّية إحراز وجود المناسبة العرفية وطريقة وأسلوب أهل المحاورة لا يعني إخراج المسألة عن كبرى حجّية الظهور.
وخلاصة ما تقدَّم: أنَّه لا بُدَّ من إحراز وجود المناسبة العرفية، وعدم الاكتفاء بالظن بها. ولعلّ هذا هو مراد السيد الشهيد O أيضاً، فإنَّ عبارته في البحوث وإنْ كانت موهمة بما تقدّم، لكنّه O في الحلقة الثالثة فسّرها بما يرجع بروحه إلى ما ذكرناه، حيث قال: (وأمَّا الظهور الذاتي ــ وهو ما يعبّر عنه بالتبادر أو الانسباق ــ فيمكن أنْ يقال بأنَّه أمارة عقلائية على تعيين الظهور الموضوعي، فكلّ إنسان إذا انسبق إلى ذهنه معنى مخصوص من كلام ولم يجد بالفحص شيئاً محدّداً شخصياً يمكن أنْ يفسّر ذلك الانسباق، فيعتبر هذا الانسباق دليلاً على الظهور الموضوعي)(٣٨).
أي أنَّ السامع يقوم بعملية تحليلية في ذهنه لمعرفة سبب ذلك التبادر، فإنْ جرّده عن جميع الأسباب والعوامل الشخصية المحتملة انحصر السبب حينئذٍ بالمناسبة العرفية العامّة، فيكشف حينئذٍ عن الظهور الموضوعي، وذلك مساوق لإحراز وجود المناسبة والنكتة، وإلّا فالظن بها يعني احتمال مدخلية أحد العوامل الشخصية في ذلك.
ثُمَّ إنَّ تلك المناسبة العرفية العامّة مرجعها إلى الارتكاز، فإنَّ المناسبة تعني أنَّ الطريقة اللغوية وأساليب الحوار عند أهل العرف والعقلاء هي تلك، أي أنَّ سيرتهم قامت على ذلك، ومن الواضح أنَّ منشأ الطريقة والسيرة هو الارتكاز.
نعم، ليس بالضرورة ــ للعمل على وفق المناسبة العرفية ــ إحرازها بخصوصها وعينها، بل يكفي إحراز أصل وجودها.
والخلاصة: أنَّ الفهم العرفي لمدلولات الأدلّة وكلمات الشارع والمتكلم لا بُدَّ لها من مستند، ومستندها: إمَّا الوضع أو القرينة الخاصّة ــ وكلاهما خارجٌ عن محلّ الكلام ــ أو القرينة العامّة، والتي مرجعها إلى الارتكاز كما تقدّم.
ولعلّه إلى ذلك تشير كلمات الوحيد O أيضاً حيث قال ــ كما تقدّم نقله ــ: (.. إنَّما الكلام في مثل المواضع التي أشرنا إليها من أنَّه بمجرد اللفظ يُفهم التعدّي أو المخالفة، ومعلوم أنَّ ذلك لم يتحقّق إلّا بمنشأ، وهو التظافر والتسامع من المسلمين أو الفقهاء والأنس بطريقتهم، وما فهموا من فتاواهم، وما رسخ في الخواطر من معاشرتهم ومخالطتهم..)(٣٩).
الأمر الرابع: في بيان ضابطة الأولوية.
قسّم الأعلام الأولوية إلى قسمين:
القسم الأوَّل: الأولوية العرفية.
ويمكن إجمال المراد منها: بأنَّها الأولوية التي يفهمها العرف بمجرّد ثبوت المدلول المطابقي للكلام، ومن دون الحاجة إلى توسّط مقدمة عقلية أو خارجية، فيفهم منها العرف ثبوت الحكم للموضوع الآخر لأنَّه أولى بذلك. إذاً هناك ملازمة بين الحكمين لا بين الموضوعين. وهناك منشآن محتملان لهذه الملازمة، هما:
الأوَّل: أنْ يشترك كلا الموضوعين في ملاك الحكم وذلك الملاك يكون أقوى وأشد في الموضوع الآخر منه في الموضوع الأول، أي أنَّ العرف يفهم من قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَـهُما أ ُفٍّ} - مثلاً- أنَّ ملاك حرمة التأفف للوالدين هو الإهانة ومن دون دخل لأي خصوصية أخرى، فتكون هي علّة الحكم، ومن البديهي ثبوت الحكم في المورد والموضوع الذي يوجد فيه ذلك الملاك بنحو أقوى وأشد. وأمَّا منشأ فَهْم وتشخيص العرف لذلك الملاك ــ أي تنقيحه لمناط الحكم ــ، فلا بُدَّ أنْ يكون بطريق قطعي ولا يكفي فيه مجرد الظن، وإلّا لزم الوقوع في محذور القياس ونحوه. وقد تقدَّم عن المحقّق البهبهاني O حصر تلك الطرق بالإجماع والعقل، ويمكن أنْ نضيف إلى ذلك الارتكاز العرفي (عقلائي أو متشرّعي) بأنْ يكون المرتكز في ذهن العرف ــ ولو عرف المتشرعة ــ أنَّ علّة حرمة التأفف للوالدين هو الإهانة، فالعرف وببركة ذلك الارتكاز يحرز ذلك الملاك وبالتالي يكتشف الملازمة القطعية.
وممّا تقدَّم يتضح: أنَّ الدلالة في المقام ليست من دلالة اللفظ على المدلول الالتزامي فالملازمة ليست بين اللفظ والمدلول الالتزامي، وإنَّما هي من دلالة المدلول على المدلول، وملازمة بين المدلول المطابقي والمدلول الذي يراد إثباته، وذلك لما تقدّم من أنَّ الملازمة إنَّما تثبت بعد تنقيح المناط وتحديد الملاك. وهو ليس مدلولاً للفظ المذكور في الآية المباركة مثلاً. نعم، بين المدلولين (حرمة التأفف) و(حرمة الضرب) ملازمة في الملاك وهو الإهانة.
وممّا يدلّ على ذلك أيضاً: أنَّه لو جيء بصياغات أُخرى للدليل الذي يراد إثبات الأولوية به لما كان ذلك مؤثراً في ثبوت أو انتفاء الملازمة، بل لو ثبت الحكم بواسطة دليل غير لفظي لكانت الملازمة ثابتة أيضاً، فإنَّ اكتشاف الملاك وبالتالي الأولوية غير متوقف على نوع الصياغة اللفظية كما هو واضح ممّا يعني أنَّ الدال في المقام ليس هو اللفظ حتّى تكون الأولوية من دلالة اللفظ على المدلول.
وهذا أحد وجوه الفرق بين الأولوية ــ مفهوم الموافقة ــ وبين مفهوم المخالفة. فإنَّهما وإنْ اشتركا في دلالتهما على المدلول الالتزامي لكنَّ دلالة مفهوم المخالفة من دلالة اللفظ على المفهوم بقرينة أنَّ ثبوت المفهوم من عدمه يتأثّر بتأثّر الصياغات اللفظية، فالجملة الشرطية (إنْ كان عليٌ عالماً فأكرمه) يثبت لها مفهوم الشرط، ولكن لو صيغت بصياغة الجملة الوصفية بأنْ تقول (أكرم علياً العالم) لم يثبت لها المفهوم بناءً على عدم ثبوت مفهوم الوصف.
ومن خلال ما تقدّم اتّضح الوجه في تعبير البعض عنها بــ(الأولوية العرفية القطعية) إمَّا كونها عرفية فباعتبار أنَّ العرف هو الذي يكتشف الملاك والأشدّية، وإمَّا كونها قطعية فباعتبار أنَّ ذلك الاكتشاف إنْ لم يبلغ مرتبة القطع والاطمئنان فلا اعتبار به.
الآخر: أنْ يكون ذكره من باب ذكر الخاصّ للتنبيه على العامّ، وذكر الفرد الخفي للتنبيه على الفرد الجليّ، وفي هذا الصدد يذكر الميرزا النائيني O بحسب ما نقله الشيخ الحلي O عن تقرير الشيخ موسى الخوانساري قوله: (ثمَّ وجه الأولوية قد يكون لحكم العقل بها أو لدلالة اللفظ عليها، وأولوية حرمة إيذاء الوالدين بالضرب المستفادة من قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَـهُما أ ُفٍّ} يمكن أنْ يكون على كلا الوجهين؛ لأنَّ العقل يحكم بعد أنْ علم بحرمة الأُف أنَّ الضرب محرّم بطريق أولى، فهذه الأولوية من الأحكام العقلية الملازمية، واللفظ أيضاً دالّ عليها بالدلالة السياقية؛ لأنَّه يفهم من هذا الكلام أنَّه من قبيل التنبيه على العامّ بذكر الخاصّ، فإنَّه بصدد بيان أوَّل درجة من الإيذاء وأدناه، فحرمة أعلى درجة تستفاد من سوق الكلام)(٤٠). والذي قد صرَّح بأنَّها من المداليل الالتزامية اللفظية فتندرج تحت كبرى حجّية الظهور.
أقول: إنْ كان مراده O من ذلك أنَّ هناك قرينة في سياق الكلام تدلّ على ذلك فحينئذٍ يكون التعميم لأجل تلك القرينة، وتندرج تحت حجّية الظهور. وإنْ لم يكن كذلك ــ وإنْ كان ذلك بعيداً عن مجموع كلامه ــ بل لأجل أنَّ العرف يفهم ذلك، فيرجع الكلام حينئذٍ إلى المنشأ الأوَّل.
القسم الآخر: الأولوية العقلية.
ولعلّ المراد منها قد اتّضح ممّا تقدَّم، فهي الأولوية التي تثبت من خلال توسّط مقدّمة عقلية، وهذه المقدّمة وبالتالي الأولوية لا بُدَّ أنْ تكون قطعية، أي من خلال هذه نستطيع أنْ نستكشف ملاك الحكم وأنَّه ثابت في الآخر بنحو أقوى وأشدّ. وكما تقدّم فإنَّ من أبرز الطرق لاكتشاف ذلك هو الإجماع أو حكم العقل.
ويأتي فيها نفس الكلام المتقدّم: من أنَّها من دلالة المدلول على المدلول.
وإلى ما تقدَّم أشار المحقّق القمي O في قوانينه حيث قال: (فحاصل الكلام في القياس بطريق الأولى الذي يقول به الشيعة، لا بُدَّ أنْ يكون قياس نصّ على علّته أو نبّه عليها، ودفع احتمال مدخلية خصوصية الأصل فيها من جهة كون العلّة في الفرع أقوى لا غير)(٤١).
وممّا تقدّم يتّضح حال دعوى أنَّ حجّية الأولوية من باب الدلالة الالتزامية ــ وهو الذي تبنّاه الوحيد O ــ فإنَّ ذلك يعني أنَّ الأولوية تحصل بواسطة تبادر المعنى إلى الذهن من اللفظ من دون ملاحظة الأصل والفرع والعلّة المشتركة بينهما وأنَّ تلك العلّة هي الملاك التامّ والمستقلّ للحكم.
وبعبارة أُخرى: إنَّ الدلالة الالتزامية في المقام تعني عدم انفكاك تصوّر الفرع عن تصوّر الأصل، وبلا حاجة إلى تصوّر وملاحظة أمر آخر، فإنَّ ذلك هو الذي يحقّق شرط الدلالة الالتزامية, أي يكون بيِّن بالمعنى الأخص. وقد عرفت عدم تمامية ذلك، بل لا بُدَّ من استكشاف العلّة وأنَّها الملاك التامّ والمستقلّ للحكم وأنَّها متحقّقة في الآخر بنحو آكد وأشدّ.
النحو الثاني: القياس منصوص العلّة.
قال O في شرحه لمقدّمة المفاتيح في مقام تعداد أنحاء هذا القسم من التعدّي:
(.. المنصوص العلّة، وعندهم في حجّيته خلاف، والحقّ الحجية للدلالة العرفية، وهذا أعمّ من أنْ تكون العلّة مذكورة صريحاً، أو يذكر أمر في مقام التعليل)(٤٢).
وقال O في الفوائد عند بيانه للتعدّي بتنقيح المناط وأنَّه لا بُدَّ فيه من اليقين:
(.. وإنَّما قلنا بعنوان اليقين؛ لأنَّ الظنّي إنْ كان بغير النصّ فهو بعينه القياس الحرام، وإنْ كان النصّ فهو القياس المنصوص العلّة، وفي حجّيته خلاف, قيل بعدم الحجّية مطلقاً. وقيل بالحجّية مطلقاً، وهو المشهور المعروف في الكتب الاستدلالية. وقيل: إنْ قام دليل من الخارج على عدم مدخليّة خصوص المادّة فهو حجّة وإلّا فلا. وخيرها أوسطها، للفهم العرفي من دون تأمّل منهم، ألا ترى أنَّه إذا قال الطبيب لواحد لا تأكل هذا لأنَّه حامض أو حلو، يعلم بلا تأمّل أنَّ الطبيب منعه عن أكل كلّ حامض أو حلو، وهكذا جميع استعمالاتهم, فيكون العموم مدلول اللفظ عرفاً، وقد مرَّ أنَّ الشارع يتكلّم بعنوان العرف ويخاطب على طريقتهم)(٤٣).
ولبيان الأمر نقول: إنَّ القائل بحجية القياس منصوص العلّة يدعي أنَّ العلّة المذكورة هي علّة للحكم فيدور الحكم مدارها سلباً وإيجاباً، وبالتالي يتعدّى عن مورد الحكم إلى كلّ مورد تحقّقت فيه تلك العلّة.
ومَن أنكر الحجّية أنكر كونها علّة وملاكاً للحكم الشرعي، بل العلّة المنصوصة إنَّما هي علّة لخصوص موردها، أو هي حكمة للتشريع وبالتالي فلا يدور الحكم مدارها، فيقتصر في الحكم على مورده ولا يتعدّى إلى غيره من الموارد وإنْ تحقّقت فيه تلك العلّة والحكمة(٤٤).
ثُمَّ إنَّ الوحيد O كما في النصّ المتقدّم ذكر ثلاثة أقوال في المسألة:
القول الأوَّل: عدم حجّية القياس منصوص العلّة مطلقاً ولعلّ من القائلين به السيّد المرتضى O.
حيث قال O في مقام الردّ على مَن قال بإمكان التعدّي عن مورد العلّة المنصوصة:
(.. وهذا غير صحيح؛ لأنَّ العلل الشرعية إنَّما تنبئ عن الدواعي إلى الفعل وعن وجه المصلحة فيه. وقد يشترك الشيئان في صفة واحدة وتكون في أحدهما داعيةً إلى فعله دون الآخر، مع ثبوتها فيه. وقد يكون مثل المصلحة مفسدة، وقد يدعو الشيء إلى غيره في حالٍ دون حال وعلى وجهٍ دون وجه وقدرٍ منه دون قدر، وهذا باب في الدواعي معروف. ولهذا جاز أنْ يُعطى لوجه الإحسان فقيرٌ دون فقير، ودرهم منه دون درهم، وفي حالٍ دون حال أُخرى، وإنْ كان فيما لم نفعله الوجه الذي لأجله فعلنا بعينه. وإذا صحّت هذه الجملة لم يكن في النصّ على العلّة ما يوجب التخطّي والقياس، وجرى النصّ على العلّة مجرى النصّ على الحكم في قصره على موضعه. وليس لأحدٍ أنْ يقول إذا لم يوجب النصّ على العلّة التخطّي كان عبثاً. وذلك أنَّه يفيدنا ما لم نكن نعلمه لولاه، وهو ما كان له هذا الفعل المعيّن مصلحة)(٤٥).
القول الثاني: ما تبنّاه الوحيد O ونُسب للأكثر أيضاً، من الحجّية مطلقاً. وممّن تبنّى ذلك أيضاً العلّامة الحلّي O حيث قال: (الحقّ عندي أنَّ العلّة إذا كانت منصوصة وعُلم وجودها في الفرع كان حجّة)(٤٦)، واستدلّ على ذلك: (بأنَّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح الخفية والشرع كاشف عنها، فإذا نصّ على العلّة عرفنا أنَّها الباعثة والموجبة لذلك الحكم، فأين وجدت وجب وجود المعلول)(٤٧).
القول الثالث: إنَّ التعدّي والحجّية متوقّف على قيام الدليل الخارجي على التعدّي وإلغاء خصوصية المورد، وإلّا فالعلّة المنصوصة بحدّ نفسها غير موجبة للتعدّي.
وممّن تبنّى ذلك المحقّق الحلي O حيث قال:
(النصّ على علّة الحكم وتعليقه عليها مطلقاً يوجب ثبوت الحكم إنْ ثبتت العلّة، كقوله: (الزنا يوجب الحدّ، والسرقة توجب القطع).
أمَّا إذا حكم في شيء بحكمٍ ثُمَّ نصّ على علّته فيه فإنْ نصّ مع ذلك على تعديته وجب، وإنْ لم ينصّ لم يجب تعدية الحكم إلّا مع القول بكون القياس حجّة، مثاله: إذا قال: (الخمر حرام لأنَّه مسكر) فإنَّه يحتمل أنْ يكون التحريم معلّلاً بالإسكار مطلقاً، ويحتمل أنْ يكون معلّلاً بإسكار الخمر. ومع الاحتمال لا يعلم وجوب التعدّية)(٤٨).
وقال O أيضاً: (فإنْ نصّ الشارع على العلّة وكان هناك شاهد حالٍ يدلّ على سقوط اعتبار ما عدا تلك العلّة في ثبوت الحكم جاز تعدية ذلك الحكم وكان ذلك برهاناً)(٤٩).
ولتحقيق الحال في المسألة نقول:
الصحيح ــ والله العالم ــ هو صحّة القول الثاني وأنَّ العلّة المنصوصة علّة حكم يدور الحكم مدارها سلباً وإيجاباً، وذلك تمسّكاً بالإطلاق.
ببيان: أنَّ المقام مقام تشريع وبيان للأحكام الشرعية, فإنَّا نريد أنْ نحدّد أنَّ الشارع شرّع الحكم لعموم موارد العلّة أم لخصوص المورد المذكور.
وطريقة الشارع في البيان يُراعى فيها الفهم العرفي وما هو المرتكز في أذهانهم، وما هو المرتكز في أذهان العرف هو أنَّ الأثر ــ ومنه الحكم ــ يدور مدار علّته، أي أنَّ العلّة هي المرادة حقيقةً، وهي التي تمثّل موضوع الحكم. وبذلك يمكن إثبات أنَّ الشارع في مقام البيان من جهة العلّة ومدخليتها في ثبوت الحكم الشرعي، والتي هي من أهمّ مقدّمات الحكمة المثبتة للإطلاق. وبناءً على ذلك إذا احتملنا مدخلية شيءٍ آخر
ــ كخصوصية المورد ــ في ثبوت الحكم، فيمكن إلغاؤه بإطلاق كلام الشارع في التعليل.
إذاً الحكم بعموم العلّة يتمّ ببركة الإطلاق، وهو المراد ــ والله العالم ــ من تعبيرهم لإثبات الإطلاق بالفهم العرفي ــ كما تقدّم عن الوحيد O ــ أو الدلالة العرفية ــ كما عن صاحب الحدائق O ــ فإنَّ الدلالة الإطلاقية دلالة وفَهْم عرفي.
ولتتميم هذا القول لا بُدَّ من دفع بعض الإشكالات التي قد تثار حوله:
الإشكال الأوَّل: بمراجعة روايات التعليل، نجد أنَّ أكثر العلل المذكورة فيها هي من قبيل الحكمة؛ وذلك لعدم اطرادها أو انعكاسها، وعليه فأكثر روايات التعليل مقيّدة, بناءً على أنَّ الحكمة تمثّل جزء العلّة لا العلّة التامّة, ومن المعلوم أنَّ تقييد
ــ تخصيص ــ الأكثر مستهجن، وعليه فالإطلاق غير تام.
وفيه: أنَّه يجب أنْ نميّز بين نظرتين إلى العلل المذكورة في الروايات:
الأُولى: النظر إلى كلّ علّة بصورة منفردة، فإذا كانت غير مطّردة ولا منعكسة، فحينئذٍ لا يمكننا القول بأنَّ الشارع في مقام بيان علّة الحكم المطّردة، بل في مقام بيان جهة من جهات المصلحة وحكمة التشريع.
الأخرى: النظر إلى مجموع العلل الصادرة من الشارع، ومن المعلوم أنَّ أغلب هذه العلل غير مطّردة ولا منعكسة، فهي حِكَمُ تشريع.
وما يحتاجه الإطلاق هو لحاظ العلّة بالنظرة الأُولى. فإنَّا بالإطلاق نريد أنْ نثبت شمول الحكم لكلّ أفراد تلك العلّة، لا أحكام متعدّدة لأفراد علل متعدّدة.
الإشكال الثاني: الإطلاق في المقام ــ كما تقدَّم ــ مبتنٍ على ظهور حال المتكلّم الشارع، ولمّا كانت أغلب العلل المذكورة من قبيل حكمة التشريع، فذلك يخدش بالظهور الحالي المدّعى، أي أنَّ طريقة الشارع وبالتالي ظاهر حاله أنَّه ليس بصدد ذكر العلل المطّردة، خصوصاً وأنَّ الوجوه التي يمكن بيانها كوجهٍ لذكر العلّة من باب حكمة التشريع كثيرة.
وفيه: أنَّ المقصود هو الحكم بإطلاق العلّة، فلا بُدَّ أنْ ينظر إلى نفس تلك العلّة المذكورة في الرواية، فمع عدم المقيّد يتمّ الإطلاق؛ لتمامية الظهور المدّعى كما تقدّم. ودعوى بلوغ الغلبة حدّ الانصراف, أوَّل الكلام.
فالنتيجة: أنَّ الإطلاق في المقام تامّ، فالأصل في العلل المنصوصة في روايات الأحكام أنْ تكون علل أحكام، لا حِكَمَ تشريع.
ثُمَّ إنَّ الميرزا النائيني O ذكر ثلاثة أُمور لا بُدَّ من توفّرها حتّى تكون العلّة المنصوصة مطلقة.
وحاصل كلامه: (إنَّ الحكم على العلّة المأخوذة في الحكم بأنَّها من قبيل العلّة المنصوصة، وأنَّ الحكم غير مختصّ بمورده، بل يكون تابعاً لتلك العلّة أينما وجدت، يتوقّف على أُمور ثلاثة:
الأمر الأوَّل: أنْ تكون العلّة من العناوين العرفية التي تكون معرفتها بيد العرف ليصلح أنْ يخاطب بها المكلف، وتلقى عهدتها عليه فعلاً أو تركاً، وذلك مثل الإسكار ونحوه من العناوين العرفية القابلة للإلقاء على عاتق المكلّف، أمّا لو لم تكن العلّة من هذا القبيل، بل كانت أمراً مجهول الحقيقة عند العرف مثل النهي عن الفحشاء بالنسبة إلى الأمر بالصلاة ونحو ذلك من العلل التي يجهلها العرف ولا يمكن أنْ تلقى إليه وأنْ يكلّفوا بها، لم تكن العلّة المذكورة صالحة لأنْ تكون من منصوص العلّة، ولا يتعدّى عن مورد الحكم إلى ما توجد فيه العلّة ممّا هو خارج عن مورد الحكم المذكور، بل تكون حينئذٍ من قبيل حكمة التشريع غير المطّردة ولا المنعكسة.
الأمر الثاني: أنْ لا يكون للحكم المعلّل إضافة إلى المورد، بحيث نحتمل فيه أنْ تكون العلّة المذكورة علّة لحكم خصوص ذلك المورد دون غيره ممّا وجدت فيه تلك العلّة، كأنْ يقول: (إنَّ تحريم الخمر لأجل الإسكار)، فإنَّه يحتمل فيه كون الإسكار علّة لخصوص حرمة الخمر دون غيره ممّا وجد فيه الإسكار، بل لا بُدَّ أنْ يؤخذ الحكم المذكور ــ أعني التحريم مطلقاً ــ لتكون العلّة المذكورة ــ أعني الإسكار ــ علّة لذلك الحكم المطلق ليسري الحكم إلى كلّ ما وجدت فيه تلك العلّة.
الأمر الثالث: أنْ لا يكون للعلّة المذكورة إضافة إلى خصوص المورد بحيث يحتمل أنْ تكون العلّة في ذلك الحكم هو خصوص المضاف منها إلى ذلك المورد دون غيرها ممّا يضاف إلى الموارد الأُخر، كأنْ يقول: (الخمر حرام لإسكاره)، فإنَّه يحتمل فيه كون العلّة في التحريم هو خصوص الإسكار المضاف إلى الخمر دون مطلق الإسكار، بل لا بُدَّ أنْ تكون العلّة المذكورة مطلقة بأنْ يقول: (الخمر حرام لأجل الإسكار)؛ لتكون العلّة في التحريم هو مطلق الإسكار، وتكون صحّة التعليل متوقّفة على تحقّق الكبرى الكلّية القائلة: (إنَّ كلّ مسكر حرام)، فيكون التحريم سارياً إلى كلّ مورد تتحقّق فيه العلّة المذكورة، أعني الإسكار, بخلاف ما لو قال: (الخمر حرام لأجل إسكاره)، فإنَّ صحّة التعليل فيه لا تتوقّف على تحقّق تلك الكبرى الكلّية، بل يكفي في صحّته كون إسكار خصوص الخمر علّة في تحريمه من دون حاجة إلى تلك الكبرى الكلّية.
وبالجملة: لا يمكن أنْ يكون التعليل راجعاً إلى الكبرى الكلّية إلّا حيث يكون حسن التعليل أو صحّته متوقّفاً على تحقّق تلك الكبرى، ولا يكون ذلك متوقّفاً على ما ذكر إلّا بعد تحقّق هذه الأُمور الثلاثة، ولو اختلّ واحدٌ منها لم تكن صحّة التعليل متوقّفة على تلك الكبرى ليكون ذلك التعليل طريقاً إلى استكشاف تلك الكبرى الكلّية)(٥٠).
أمّا الأمر الأوَّل الذي ذكره O فهو واضح، لكن الكلام في الأمرين الثاني والثالث، أي إضافة العلة أو الحكم إلى المورد مانع عن جريان الإطلاق، فلم يرتضها بعض الأعلام ومنهم السيد الخوئي O ، فقد ناقشهما على ما في هامش أجود التقريرات حيث قال: (لا يخفى أنَّ هذا الاحتمال إنَّما هو على خلاف ما هو المرتكز في أذهان العرف من دوران كلّ حكم مدار علّته، ومن أنَّ العلّة المذكورة في الكلام هي بنفسها علّة للحكم، مع قطع النظر عن خصوصية قيامها بالموضوع المذكورة في القضية.. وبالجملة لا نشكّ في أنَّ ما يستفاد عند أهل العرف من قضية (لا تشرب الخمر لأنَّه مسكر) بعينه هو المستفاد من قضية (لا تشرب الخمر لإسكاره)..)(٥١).
أقول: يمكن مناقشة قول الميرزا O ، بأنْ نقول بالتفصيل بين المقدّمة الثانية والثالثة، أمَّا في المقدّمة الثالثة فكلامه تامّ؛ لاندراجها تحت كبرى (احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية) المانعة من التمسّك بالإطلاق. ولتوضيح ذلك نحتاج لبيان المراد من احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية، فنقول:
إنَّ موردها الشكّ في قرينية الموجود، ولكي تتحقّق لا بُدَّ من توفّر أُمور:
ومع تحقّق هذه الأُمور يرتفع الظهور الأوّلي للكلام، قال في أجود التقريرات: (وبوجود ما يصلح للقرينة لا ينعقد للكلام ظهور أصلاً ويكون من المجملات)(٥٢).
وذكر السيد الشهيد O في مباحث الأُصول: (وإنْ كان الشكّ في قرينية الموجود المتصل فلا تجري أصالة عدم القرينة، لما عرفت من أنَّ النكتة في أصالة عدم القرينة المتصلة إنَّما هو غلبة عدم الغفلة، فمع الشكّ في القرينة من جهة أُخرى كاحتمال معنىً معيّن للفظ المتصل على تقديره يكون قرينة، لا يمكن نفيها بأصالة عدم القرينة، وبالتالي لا يحرز موضوع الظهور كي نتمسّك بأصالة الظهور)(٥٣).
وعليه فكما لا يمكن التمسّك بالإطلاق مع وجود القرينة، كذلك لا يمكن التمسّك به مع وجود ما يصلح للقرينية.
ومقامنا من هذا القبيل, فإنَّ إضافة العلّة إلى الضمير فيها احتمالان:
الأوَّل: اختصاص العلّة بذلك المورد.
والآخر: عمومها لبقية الموارد.
فهو على الاحتمال الأوَّل يكون قرينة على الاختصاص، فتندرج في كبرى الاحتفاف بعد عدم تعيّن أحد الاحتمالين.
وأمّا الأمر الثاني فلا يندرج تحت كبرى الاحتفاف؛ لعدم تعدّد الاحتمالات المتكافئة بعد عدم الموجب لذلك. ومجرد احتمال ذلك لا يمنع من تماميّة الإطلاق بعد عدم كونه احتمالاً معتدّاً به.
وعلى كلّ حال، فقد اتضح ممّا تقدَّم أنَّ مرجع هذا النحو من إلغاء خصوصيّة المورد إلى الإطلاق.
النحو الثالث: قاعدة عموم البدلية.
قال O في شرحه للمفاتيح: (وأمَّا من عموم البدلية، مثل حكمهم في التيمّم بوجوب تقديم اليمنى على اليسرى؛ لأنَّه بدل، والمنشأ في هذا أيضاً الفهم العرفي)(٥٤).
وكذا في الفوائد الحائرية(٥٥) الفائدة (١١)، وفي الفائدة (١٥) من الفوائد الجديدة قال:
(اعلم أنَّ الفقهاء يُجرون في البدل الشرعي عن المبدل منه الشرعي أحكام ذلك المبدل منه إلّا أنْ يثبت خلاف ذلك من الشرع، مثلاً: يحكمون في التيمّم بوجوب البدأة من الأعلى في المسح، وترتيب اليدين بتقديم اليمين على اليسار، وغير ذلك. وكذا وجوب الإخفات في التسبيح بدل الحمد في الركعتين الأخيرتين، وغير ذلك ممّا لا يحصى. والظاهر أنَّ دليلهم هو الفهم العرفي، ألا ترى أنَّ عمّاراً تمعك في التراب وتمرّغ في تيمّمه مع صلاحه وتقواه وتديّنه وكونه من أهل المعرفة واللسان، ولعلّك بملاحظة محاورات العرف ومعاملاتهم يظهر ذلك عليك. وبالجملة: أيّ موضع يتحقّق فيه الفهم العرفي يمكن الاستناد والاحتجاج. وأمَّا كون الأمر كذلك كلّياً فمحتمل، ويحتاج ثبوت ذلك إلى تأمّل تامّ، وعرفت في الفوائد اعتبار الفهم العرفي وكونه حجّة، فلاحظ وتأمّل)(٥٦).
واستدلّوا على أصل القاعدة بما دلّ على بدلية فعل مكان فعل آخر كأدلّة التيمّم ونحوه. ولا كلام لهم في ثبوت أصل القاعدة، وإنَّما الكلام في عمومها، بمعنى أنَّ جميع أحكام وشروط وأجزاء المبدل منه هل تثبت للبدل بمجرّد ذلك أم لا؟ فقد وقع الخلاف في ذلك.
ذهب الوحيد O إلى العموم إلّا أنْ يثبت خلاف ذلك كما تقدّم، وكلامه يرجع إلى الفهم العرفي والارتكاز، فمنشأ التعميم هو ما ارتكز في الأذهان من أنَّ البدل يقوم مقام المبدل منه، وأنَّ له كلّ ما للمبدل منه، إلّا ما خرج بالدليل. ومع هذا الارتكاز العرفي في أذهان السامعين يمكن دفع إشكال عدم العموم والإطلاق من جهة عدم كون المتكلّم في مقام البيان من جهة الكيفية والشروط والأجزاء للبدل، وإنَّما هو في مقام البيان من جهة أصل مشروعية البدل.
فأدلّة البدلية بقطع النظر عن ذلك الارتكاز المدّعى لا يظهر منها أكثر من ذلك.
ثُمَّ إنَّ ثبوت هذا الارتكاز من عدمه بحاجة إلى جمع المؤيّدات والشواهد، وهذا ما حاول الوحيد O تحصيله، وذكر لذلك هنا شاهدين:
الأوَّل: حادثة تيمّم عمّار بدلاً عن الغسل. وهذه الحادثة ذُكرت في أكثر من رواية وبأسانيد تامّة، نذكر منها ما رواه أبو أيوب الخزّاز عن أبي عبدالله g قال: سألته عن التيمّم؟ فقال: (إنَّ عمّاراً أصابته جنابة فتمعّك كما تتمعّك الدابّة، فقال له رسول الله e: يا عمّار تمعّكت كما تتمعّك الدابة! فقلت له: كيف التيمّم؟ فوضع يده على المسح، ثمَّ رفعها فمسح وجهه، ثمَّ مسح فوق الكف قليلاً)(٥٧).
وذكر الوحيد O ــ في مقام الاستدلال على اشتراط الترتيب في التيمّم ــ:
(ويشهد عليه أيضاً عموم المنزلة، وتوقيفية العبادة، وقاعدة البدلية؛ لأنَّ أهل العرف إذا علموا بهيئة وكيفية في المائية ثُمَّ سمعوا أنَّه إذا لم يوجد الماء فالتراب، أو بدله التراب عند العذر، وأمثال هذه العبارات لا يفهمون منها إلّا أنَّ الترابية بهيئة المائية، إلّا أنْ تثبت المخالفة من الخارج..
ومن هذا ترى عمّاراً مع كونه مدنيّاً مطيعاً من أهل الفهم جزماً فعل في مقام إطاعة الواجب من الله تعالى ما فعل، وليس ذلك إلّا من الجهة التي ذكر، ولذا لم يُشنّع عليه بأنَّ هذا الخيال من أين؟ وبأي جهة؟ بل مازح معه بما مازح.. ولذا اتفق أفهام الكلّ في قول الفقهاء: إنْ لم يوجد التراب فالغبار، وإنْ لم يوجد فالطين، إلى غير ذلك، وكذا في ما ورد في الأخبار، بل في بعضها فتيمّم بالطين، أو تيمّم بالغبار، أو ما يؤدّي ما ذكرت من العبارة، وإن كان بتفاوت في التعبير.
وبالجملة: أيُّ فرق بين أنْ يقال: إنْ لم تجدوا ماءً فبالتراب، وإنْ لم تجدوا تراباً فبالغبار، وأمثال ذلك، كما ورد في الأخبار. وأمَّا في الغبار والطين يفهم اتحاد الهيئة على اليقين من دون شكّ، وليس ذلك من الاطلاع عن الخارج، إذ لو عرض هذه العبارة على أهل العرف يفهمون كذلك البتة، حتّى لو وجدوا من الفقهاء مخالفة في ذلك كُلّا ً أو بعضاً لحكموا بثبوت مانع، أي دليل شرعي يمنع من الإطلاق أو العموم، أو يمنع عموماً. كما أنَّ الحال في الماء كذلك، مثل قوله: إنْ لم يكن ماءً مجمّداً وثلجاً، يفهم أنَّ الوضوء أو الغسل من الجمد والثلج مثل الماء، فتأمّل جيداً)(٥٨).
أقول: قد يحمل فعل عمّار O على احتياطه في ذلك مع جهله بكيفية التيمّم، فلا يكشف ذلك حينئذٍ عن الارتكاز عند الفهم النوعي للعرف، وعلى كلّ حال فاستكشاف الفهم العرفي والارتكاز قائم على عدم إنكار النبي e لذلك الارتكاز المدّعى في ذهن عمّار. والإنكار ليس ببعيد بعد وصفه e لفعل عمّار O بأنّه كتمعّك الحمار.
وفي الجواهر في مقام الاستدلال على الموالاة في التيمّم بعموم المنزلة والبدلية، قال: (وإنْ كان قد يشهد له في الجملة تمرّغ عمّار وهو من أهل اللسان. إلّا أنَّه يدفعه عدم مساواتها للكيفية في الانصراف، على أنَّه قد رُدّ ذلك على عمّار، فعُلم أنَّ المراد بالمنزلة البدلية في الإباحة لا الكيفية)(٥٩).
وأمَّا الاستشهاد ببدلية التيمّم بالغبار أو الطين عن التيمّم بالتراب، فالظاهر أنَّه ليس في محلّه بعد أنْ بُيّنت كيفية التيمّم بالتراب، فالبدلية هي في متعلّق التيمّم بعد معرفة كيفية التيمّم، وهذا بخلاف بدلية التيمّم عن الوضوء، فإنَّ المفروض أنَّ أصل الكيفية غير معلومة لولا البيان من الشارع. فحال بدلية التيمّم بالغبار عن التيمّم بالتراب كحال بدلية الوضوء بالتراب عن الوضوء بالماء ، فإنَّ الذي يفهمه العرف المطّلع على كيفية الوضوء ــ لو تُرك من دون بيان لكيفية التيمم من الشارع ــ هو إيصال التراب بنفس كيفية إيصال الماء إلى كلّ أجزاء الوضوء.
الثاني: ما ذكره O نقلاً عن التذكرة من الإجماع, حيث قال: (.. قال في مبحث التيمّم في التذكرة: يجب فيه تقديم اليمنى على اليسرى بإجماعنا؛ لأنَّه بدل ممّا يجب فيه التقديم؛ إذ يظهر منه أنَّ جميع المجمعين استندوا إلى قاعدة البدلية في الحكم المجمع عليه، واستندوا أيضاً في وجوب البدأة بالأعلى في الوجه والكفّين بهذه القاعدة)(٦٠).
أقول: تمامية هذا الوجه بحاجة إلى إثبات عدم المخالف المضرّ بالإجماع أوَّلاً. وإلى كون مستندهم هو قاعدة البدلية ثانياً. وفي كليهما نظرٌ.
أمَّا ثبوت الإجماع فكثير من عبارات المتقدّمين ظاهرة في وجوب الترتيب في التيمّم كما في المبسوط (١: ٣٤)، والخلاف (١: ١٣٨)، والمقنعة (٦٤)، والمراسم (٥٤)، والسرائر (١: ١٣٧). لكن عبارة الصدوق O في المقنع والهداية ظاهرهما عدم الترتيب.
قال O في المقنع: (ثُمَّ تدلك إحدى يديك بالأُخرى فوق الكفّ قليلاً)(٦١). وفي الهداية: (ويمسح على ظهر كفّيه)(٦٢).
وأمَّا كون مستند المجمعين هو قاعدة البدلية فهو أوَّل الكلام بعد أنْ كانت هناك مستندات أُخرى استندوا إليها في الموارد المختلفة، كالأخبار البيانية.
بل عبارة التذكرة التي أشار إليها الوحيد O غير ظاهرة في أنَّ المستند هو قاعدة البدلية, حيث قال: (الترتيب واجب في التيمّم يبدأ بمسح الوجه، ثُمَّ بالكف اليمنى، ثُمَّ اليسرى، فلو غيّره وجب أنْ يعيد على ما يحصل به الترتيب، ذهب إليه علماء أهل البيت i لقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوجُوهِكُم} والواو للترتيب عند الفرّاء، ولأنَّ التقديم لفظاً يستدعي سبباً الترجيح من غير مرجّح ولا سبب إلّا التقديم وجوباً..)(٦٣).
والنتيجة: إنَّ مرجع عموم البدلية عند الوحيد O إلى ذلك الفهم العرفي الناشئ من الوضوح والارتكاز.
النحو الرابع: عموم المنزلة.
قال O في شرحه لمقدّمة المفاتيح: (وأمَّا من عموم المنزلة، مثل: إنَّ التيمّم بمنزلة الطهارة المائية)(٦٤). ونحوه ما ذكره في الفائدة (١١)(٦٥) من الفوائد الرجالية.
والمراد من المنزلة أو التنزيل هو: جعل شيء مكان شيءٍ آخر بلحاظ الآثار، من دون اعتبار كونه مصداقاً له، فلا يعتبر فيه ولم يلحظ عدم التمكّن من المنزَّل عليه، أو عند عدم الإتيان بالمنزَّل عليه.
وبهذا يختلف عن البدل، فهو وإنْ كان جعل شيء مكان شيء آخر بلحاظ الآثار أيضاً، لكن الملحوظ فيه هو إمَّا عدم التمكّن من المنزَّل عليه أو عدم الإتيان بالمنزَّل عليه.
وقد ذُكر في معجم مقاييس اللغة(٦٦) في تعريف البدل: (بدل: الباء والدالّ واللام أصل واحد وهو قيام الشيء مقام الشيء الذاهب). وذكر في تعريف التنزيل: (والتنزيل: ترتيب الشيء ووضعه منزله)(٦٧).
فجهة الاشتراك بين التنزيل والبدلية هي: أنَّ المغايرة بينهما وبين الأصل باقية حتّى اعتباراً ومجازاً.
وجهة الاختلاف هي: أنَّ التنزيل لم يلحظ فيه عدم الإتيان بالمنزَّل عليه، بخلاف البدل فإنَّه لوحظ فيه ذلك.
ولأجل جهة الاشتراك تلك نجد في جملة من عبارات الوحيد وغيره عطف إحداهما على الأُخرى ما ظاهره عطف تفسير. وكذا نجد ما يعبّر عنه الآخرون بالتنزيل يعبّر عنه بالبدليّة أو العكس، بل في عباراته المختلفة كذلك.
نعم، في بعض عباراته يظهر أقوائية التنزيل من البدليّة. قال O في شرح مراد الفيض الكاشاني O من كون التراب مبيحاً مكان الوضوء كذلك: (ومراده من البدليّة ما يستفاد من المشابهة، مثل قول الصادق g: (إنَّ الله جعل التراب طهوراً، كما جعل الماء طهوراً)، وقولهg: (إنَّ ربَّ الماء هو ربُّ الأرض)، في مقام التعليل لكفاية التيمّم. وقوله g: (أحد الطهورين)، (جعلهما طهوراً).. إلى غير ذلك.
وأقوى من الكلّ عموم المنزلة الواردة في بعض الصحاح من قوله: (هو بمنزلة الماء)؛ لأنَّه دلالة عرفية مسلّم عندنا؛ لأنَّهم : إذا قالوا: هو بمنزلة هذا، يفسّرون ذلك بأنَّ كلّ منزلة من منازله يكون موجوداً فيه أيضاً، فيظهر منه أيضاً أنَّه يبيح كلّ ما يبيحه المائية، بل يظهر منه استحبابه أيضاً لسائر ما يستحبّ له المائية)(٦٨).
ولعلّ ذلك ناشئ من أنَّ الإطلاق في التنزيل يكون أوضح باعتبار أوضحيّة نظر المتكلّم في مقام بيانه إلى ترتيب الآثار؛ ومن هنا احتجنا إلى التكلّف لإثبات إطلاق وعموم البدليّة إلى إثبات ذلك الارتكاز والفهم العرفي، كما تقدّم.
وفي هذه المسألة أيضاً يوجد خلاف في عموم التنزيل. فذهب البعض إلى أنَّ التنزيل إنَّما يتمّ بلحاظ أبرز الآثار، جاء في تقريرات السيد الخوئي O: (نعم، ورد في الصحيحة هذا المضمون: أنَّ مَن بقي شهراً في مكّة فهو بمنزلة أهلها، فربَّما يدّعى أنَّ مقتضى عموم التنزيل جريان أحكام الأهل بتمامها التي منها اعتبار حدّ الترخّص.
ويندفع أوَّلاً: بأنَّ المتبادر من التنزيل أنْ يكون بلحاظ أظهر الآثار، وهو في المقام إتمام الصلاة، فلا يشمل غيره)(٦٩).
في حين ذهب البعض إلى عموم التنزيل، بل جعله الوحيد كما تقدّم (مسلّم عندنا).
أقول ــ والله العالم ــ قد يقال: إنَّ ثبوت إطلاق عموم التنزيل من عدمه متوقّف على تماميّة مقدّمات الحكمة، وبالخصوص المقدّمة الأُولى، أي: كون المتكلّم في مقام البيان من هذه الجهة، فللقائل بالعموم ادّعاء أنَّ الجهة الملحوظة هي جميع الآثار. وللآخر القول: إنَّ ملحوظ المتكلّم هو أبرز الآثار. والأقرب هو القول بالعموم، فمثلاً في (الطواف بالبيت صلاة) نزَّل المتكلّم الطواف منزلة الصلاة، أي جعله هو بلحاظ الآثار لا أنَّه مصداق له اعتباراً ومجازاً، فالملحوظ للمتكلّم المنُزِّل هو ترتيب آثار المنُزَّل عليه على المنُزَّل، ولا معنى لاختصاص ذلك بأثرٍ دون أثر، إلّا مع وجود المرجّح، أي ما يكون مقيّداً أو موجباً للانصراف. وكون الأثر الأوَّل أوضح وأبرز من الأثر الثاني لا يوجب ذلك الانصراف ما لم ينطبق عليه أحد مناشئ الانصراف.
نعم, هناك إشكال في التمسّك بإطلاق التنزيل ذكره السيد الشهيد O مع جوابه وحاصله:
(هنا إشكال عامّ في التمسّك بإطلاقات أدلّة التنزيل في حالة وجود القدر المتيقّن من ناحية نفس المتكلّم، وحاصله: أنَّ الإطلاق إنْ كان ناشئاً من مقدّمات الحكمة المعروفة فلا يضرّ به وجود القدر المتيقّن، وأمَّا إذا كان ناشئاً من نكتة خاصّة مبنيّة على عدم وجود القدر المتيقّن من ناحية الكلام فينثلم بوجودها.
والإطلاق في دليل التنزيل ليس من قبيل الأوَّل؛ لوضوح أنَّ مقدّمات الحكمة إنَّما تجري دائماً في طرف الموضوع للقضية الحملية، لا في طرف محمولها، فإذا قيل: (الفقيه عالم) يثبت بمقدّمات الحكمة أنَّ كلّ فقيه عالم، لا أنَّ الفقيه عالم بكلّ علم، بل يكفي أنْ يكون عالماً بعلمٍ واحدٍ؛ لأنَّ المحمول يلحظ بنحو صرف الوجود، وفي دليل التنزيل قد وقع التنزيل محمولاً فقيل مثلاً: (الخمر كلحم الخنزير) أو (الطواف صلاة)، فيكفي صِرف التنزيل ولو بلحاظ أثر لإشباع حاجة القضية إلى محمول، فيثبت بالإطلاق أنَّ كلّ طوافٍ صلاة، لا أنَّ الطواف بمنزلة الصلاة في كل منازلها وشؤونها.
وإنَّما ينعقد الإطلاق في دليل التنزيل بدلالة الاقتضاء العرفية في حالة عدم وجود قدر متيقّن في البين؛ لأنَّ ظهور الكلام في إفادة أمر عملي مع عدم التعيين، وعدم التعيين يوجب فهم الإطلاق، وأمَّا مع وجود المتيقّن بقرينةٍ خاصّة، أو بالانسياق الارتكازي لأثرٍ مخصوص لأظهريته ووضوحه فلا موجب للتمسّك بإطلاق دليل التنزيل لإثبات سائر الآثار.
والجواب على هذا الإشكال: أنَّ العناية التي تصحّح جعل الطواف صلاة ــ مثلاً ــ لها مراتب، وكلّما كان الطواف واجداً لمرتبة أكبر من خصوصيات الصلاة كانت العناية المذكورة أخفّ، وبهذه النكتة يثبت الإطلاق في أدلّة التنزيل، أو على الأقلّ في ما كان بلسان حمل المنُزَّل عليه على المنزَّل، فتدبّر جيّداً)(٧٠).
بيان ذلك: هناك ثلاثة أمور لها دخل في إثبات الإطلاق من عدمه في المقام:
الأمر الأوَّل: الإطلاق الناشئ من مقدّمات الحكمة. وهو غير جارٍ في المقام كما بُيّن في أصل الإشكال ــ وإنْ كان هناك جملة من الأعلام قد ذهبوا إلى جريان الإطلاق المحمولي ــ.
نعم, عدم جريانه لا يمنع من جريان الإطلاق بطريق آخر.
الأمر الثاني: دلالة الاقتضاء العرفية لدليل التنزيل, وهي لا تقتضي الإطلاق أيضاً لدليل التنزيل, ببيان: أنَّ دلالة الاقتضاء تعني أنَّ الكلام نفسه لا يدلّ على ذلك الظهور المعيَّن بنفسه, وإنَّما يدل عليه بتوسط المناسبات العقلية أو العرفية أو الشرعية المكتنفة بذلك الكلام ممّا يوجب تقدير أمر ما بحسب تلك المناسبة.
وعليه، فدلالة الاقتضاء لدليل التنزيل تقتضي تقدير أمر, والأمر المقدَّر هو الآثار, ولمَّا كان التقدير يتقدَّر بقدره, وبلا حاجة لتقدير ما هو أكثر ممّا تتم به الدلالة العرفية, والدلالة العرفية هنا تتم بالقدر المتيقّن للآثار, أو بالأثر الأظهر والأبرز المرتكز في الذهن والموجب للانصراف إليه. فلا موجب مع دلالة الاقتضاء لإطلاق التنزيل لجميع الآثار.
الأمر الثالث: نفس عملية التنزيل بما هي هي وبقطع النظر عن دخالة أي أمر خارج عنها بما في ذلك دلالة الاقتضاء. وهذا الأمر يقتضي الإطلاق لدليل التنزيل, ببيان: أنَّ عملية التنزيل أمر اعتباري عنائي فلا بُدَّ له من عناية ومصحّح لحالة الاستعمالات المجازية وبقية الأمور الجعلية والاعتبارية, والعناية أو المصحّح لعملية التنزيل ــ كما تقدَّم ــ هو ترتيب آثار وخصوصيات المنزَّل عليه على المنزَّل.
وهذه العناية يدور أمرها بين احتمالين: إمَّا ترتيب خصوص الآثار التي تمثّل القدر المتيقّن, أو ترتيب جميع الآثار. والأوَّل بحاجة لمؤونة التقييد بالقدر المتيقّن بعد ملاحظة أنَّ نفس عملية التنزيل ومن دون ملاحظة أمر آخر كدلالة الاقتضاء لا تقتضي التقييد
بالقدر المتيقّن, وذلك بخلاف الاحتمال الآخر. فيتعيَّن الاحتمال الآخر؛ لأنَّه الأقلّ مؤنة.
إذاً نفس عملية التنزيل بما فيها من مصحّح وعناية تقتضي التنزيل بلحاظ جميع الآثار.
وبعد بيان ذلك نقول: إنَّ المحَكَّم في المقام هو الأمر الثالث لا الثاني, فإنَّ الأمر الثاني ــ أي دلالة الاقتضاء ــ بعد كونها خارجة عن نفس عملية التنزيل بما هي هي, إنَّما يصار إليها بعد تمام عملية التنزيل.
وبعبارة أخرى: إنَّ دلالة الاقتضاء تعني أنَّ صدق الكلام متوقف على تقدير أمر ما, فإذا كان نفس الكلام صادقاً من دون حاجة لذلك التقدير فلا موجب لجريان دلالة الاقتضاء. وكلامنا من هذا القبيل كما بُيّن آنفاً.
وعليه فدليل التنزيل يقتضي الإطلاق بلحاظ الآثار إطلاقاً غير ناشئ من مقدّمات الحكمة, بل للنكتة الخاصّة المقدّمة.
ثُمَّ إنَّ هذا الإشكال مع جوابه يأتي في (عموم الشباهة) وأيضاً في (عموم البدلية) على تقدير ظهور أدلتها في الإطلاق.
وعلى كلّ حال: قد اتضح أنَّ مرجع هذا النحو من إلغاء الخصوصية إلى الإطلاق.
النحو الخامس: عموم الشباهة.
قال O في شرحه لمقدّمة المفاتيح: (وأمَّا من عموم الشباهة كما في تشبيهات الشارع واستعاراته في مقام يظهر منه أنَّ الشباهة في الحكم الشرعي، وأنَّ الغرض أنْ يفهم الراوي لذلك، هذا إذا كان جميع وجه الشبه على سواء في الظهور وانصراف الذهن، أو القدر الذي يكون كذلك مثل (الطواف بالبيت صلاة) و(الفقاع خمر) وإطلاق الخمر على النبيذ، وغير ذلك، وهذا أيضاً منشؤه الفهم العرفي)(٧١).
والظاهر أنَّ فرقها عن عموم المنزلة هو لسان الدليل، فعموم المنزلة ما كان بلسان التنزيل، وعموم الشباهة ما كان بلسان التشبيه والاستعارة ونحوها، ولأجل التساهل في الفرق من هذه الجهة تجد أنَّ الأمثلة التي ذكرها البعض للتنزيل قد ذكرها O للتشبيه كما في (الطواف بالبيت صلاة). نعم، هناك فارق أهمّ ستأتي الإشارة إليه.
ثُمَّ إنَّ الوحيد O قد ذكر بعض الأُمور التي يلزم توفّرها حتّى يتمّ عموم التشبيه، وهي:
وهذا الشرط لا بُدَّ من توفّره أيضاً في البدلية والتنزيل، كما هو واضح.
نعم, يكفي لإحراز هذا الشرط عدم وجود قرينة على الخلاف، فإنَّ مقتضى الأصل في تشبيهات وتنزيلات الشارع بما هو شارع هو التشبيه والتنزيل في الحكم، لأنَّ مقتضى الظهور الحالي للشارع بما هو شارع هو تشريع وبيان الأحكام.
ثُمَّ إنَّ هذا الوجه إنْ تمّ في التشبيه فلا يتمّ في التنزيل عنده لما ذكره في النصّ المتقدّم من أقوائية التنزيل من البدلية والتشبيه، فإنَّ الذي يظهر منه أنَّ أقوائية التنزيل هو من جهة أنَّ عمومه مسلّم عندهم.
ولعلّ هذا هو الفارق المهمّ عنده O بين التنزيل والتشبيه.
لكنّ الذي يظهر ــ والله العالم ــ أنَّ تمامية العموم في التشبيه وكذلك التنزيل والبدلية متوقّفٌ على تماميّة الإطلاق من عدمه المتوقّف على الإشكال المتقدّم للسيد الشهيد O أو جوابه.
ثُمَّ إنَّ مرجع هذا النحو من إلغاء خصوصية المورد عند الوحيد O إلى الإطلاق.
النحو السادس: قاعدة اتّحاد طريق المسألتين.
قال O في شرحه لمقدّمة المفاتيح في مقام تعداد طرق التعدّي على نحو الظنّ: (وأمَّا من اتّحاد طريق المسألتين، مثل: الحكم بتحريم ذات البعل بالزنا بها بسبب تحريم المعتدّة بالعدّة الرجعية بالزنا بها، للنصّ على أنَّها بحكم الزوجة، فالزوجة بطريقٍ أولى، فإنَّ الظاهر من الفقهاء أنَّه ليس بقياس أصلاً، وأنَّ المنشأ الفهم العرفي، وهو كذلك بعد وجود ذاك النصّ وملاحظته. ويعضده تعليق الحكم على الوصف المشعر بالعلّية، سيّما وهذا الوصف شرط في التحريم بلا ريبة، مضافاً إلى الاستقراء في كون حكمها حكم ذات البعل في كثير من الأحكام)(٧٢).
وقال O في الفوائد الحائرية: (وممّا يوجب التعدّي أيضاً اتّحاد طريق المسألتين، مثل: الحكم بتحريم ذات البعل بالزنا بها بسبب تحريم المعتدّة بالعدّة الرجعية بالزنا بها، للنصّ على أنَّها بحكم الزوجة، فالزوجة أولى، فإنَّ الظاهر من الفقهاء أنَّه ليس بقياس أصلاً، وأنَّ المنشأ الفهم العرفي، وهو كذلك بعد وجود ذلك النصّ وملاحظته. ويعضده تعليق الحكم على الوصف المشعر بالعلّية؛ سيّما وهذا الوصف شرط في التحريم بلا ريبة. مضافاً إلى الاستقراء في كون حكمها حكم ذات البعل في كثير من الأحكام)(٧٣).
ولاستيضاح المراد من هذه القاعدة نذكر جملة من كلمات الأعلام في بيانها:
ففي التنقيح الرائع ذكرها في ضمن تعداد أدلّة الدليل العقلي، حيث قال:
(الخامس: اتّحاد طريق المسألتين، وهو تعليق الحكم على وصف هو سبب التحريم، فيتعدّى إلى كلّ محل يوجد فيه ذلك الوصف، كالحكم بتحريم ذات البعل المزني بها لتحريم المعتدّة الرجعية مع الزنا بها، للنصّ على أنَّها بحكم الزوجة، فالمزوجة أولى) ثمَّ قال: (وهذه الثلاثة [أي مفهوم الموافقة، ومنصوص العلّة، واتّحاد طريق المسألتين] ليست من القياس بل هي في حكم المنصوصة)(٧٤).
وفي المهذّب البارع (.. أو للنصّ على علّية الحكم ويسمّى اتّحاد طريق المسألتين، كقوله وقد سُئل عن بيع الرطب بالتمر: أينقص إذا جف؟ قالوا: نعم. قال: إذن
لا يصلح)(٧٥).
وهو ظاهر في إرجاع القاعدة إلى منصوص العلّة.
وفي رسائل الشهيد الثاني O: (والظاهر أنَّ التخريج وهو تعدّية الحكم من منطوق إلى مسكوت عنه ضرب من القياس الجليّ، كما يقال: ضرب الوالدين حرام؛ لأنَّ أُفّهما حرام، وقد يسمّى بالتنبيه بالأدنى على الأعلى، وكذا اتّحاد طريق المسألتين قياس جليّ أيضاً)(٧٦). ومرادهم من القياس الجليّ هو قياس الأولوية.
وفي المدارك (والترجيح: تعدّية الحكم من منطوق به إلى مسكوت عنه، إمَّا لكون المسكوت عنه أولى بالحكم وهو التنبيه بالأدنى على الأعلى.. أو للنصّ على علّية الحكم ويسمّى اتّحاد طريق المسألتين)(٧٧).
وهو نصّ في إدراج القاعدة تحت منصوص العلّة.
وعلى كلّ حال، فالذي يظهر من كلمات الوحيد O أنَّ مسألتنا هذه غير مسألة العلّة المنصوصة أو قياس الأولوية وغيرها من الطرق المذكورة بعد جعله في عرضها، وأيضاً جعله الوصف (العدّة الرجعية) مشعر بالعلّية لا أنَّه علّة حقيقية، يؤكّد تفريقه لهذه المسألة عن مسألة العلّة المنصوصة.
والذي يظهر من عباراته O أيضاً أنَّه أقرب إلى التنزيل والاعتبار، فإنَّه جعل المدار في تحريم ذات البعل هو النصّ الدال على أنَّ المعتدّة بالعدّة الرجعية بحكم الزوجة ــ لا أنَّها زوجة حقيقية ــ فيشتركان في الأحكام.
ولعلّ فرقه عن عموم المنزلة ــ والذي هو أحد الطرق المذكورة في عرضه ــ، أنَّ في عموم المنزلة يراد إسراء الحكم من الـمُنزَّل عليه إلى الــمُنزَّل. وأمَّا في مسألتنا فبالعكس، أي يراد إسراء الحكم من المنزَّل إلى المنزَّل عليه.
ثُمَّ إنَّ مرجع الفهم العرفي الذي أشار إليه O هنا هو الإطلاق.
النحو السابع: القاعدة الثابتة المسلّمة أو الواردة في خبر واحد:
قال O في شرحه لمقدّمة المفاتيح: (وأمَّا من القاعدة الثابتة المسلّمة، مثل (البيِّنة على المدّعي واليمين على من أنكر) و(أنَّ النكول موجب للحكم). أو القاعدة الواردة في خبر واحد مثل (إذا قصّرت أفطرت، وإذا أفطرت قصّرت))(٧٨).
وقال في الفوائد الحائرية: (وممّا يخرج بسببه القاعدة الثابتة عن نصّ، مثل قولهم: (إذا قصّرت أفطرت، وإذا أفطرت قصّرت)، وهذا كسابقه، وإنْ كان ممّا يخرج عن النصّ بملاحظة النصّ، إلّا أنَّهما بعنوان القاعدة)(٧٩).
والقاعدة سواء كانت مسلّمة متّفقاً عليها أي كانت يقينية أو مطمأناً لها، أم كانت ظنّية ثابتة بخبر الواحد الحجّة، فكلتاهما حجّة. ومرجع هذا الطريق إلى تطبيق الكبرى الكلّية على مواردها. وهذا في الحقيقة ليس من موارد التعدّي وإلغاء الخصوصية, فإنَّ المراد من التعدّي وإلغاء خصوصية المورد هو إسراء حكم موضوع ومورد إلى موضوع ومورد آخر. فيلزم تعدّد الموضوع حتى تتحقّق صغرى التعدّي. وفي القاعدة والكبرى الكلية هناك موضوع واحد كلي يسري الحكم من خلاله إلى أفراده, لا أنَّ الحكم يسري إلى موضوع آخر.
ثُمَّ إنَّه O ذكر في الفوائد من طريق التعدّي ما سمّاه بــ(التلازم بين الحكمين)، حيث قال: (إنَّ التعدّي ربَّما يكون بعد ملاحظة أمرٍ.. ومثل التلازم بين الحكمين مثل قوله: (إذا قصّرت أفطرت، وإذا أفطرت قصّرت))(٨٠).
فكلّما ثبتت المفطرية ثبت التقصير، وبالعكس. وهذا مرجعه أيضاً إلى القاعدة الكلّية.
هذا آخر ما وسعنا بحثه في بيان أهمّ طرق إلغاء خصوصية المورد عند الوحيد البهبهاني O.
والحمد لله ربِّ العالمين وصلّى الله على رسوله وآله الغرّ الميامين.
خلاصة ونتائج البحث
ظهر ممّا تقدَّم أنَّ الوحيد O جعل التعدّي عن مورد النصّ في قسمين رئيسيين, وذكر تحت كل قسم أنحاء.
أمَّا القسم الأوَّل: فهو ما كان التعدّي فيه على سبيل اليقين, وقد جعله في نحوين:
النحو الأوَّل: ما كان منشأ اليقين بالتعدّي هو حكم العقل. وقد ظهر أنَّ مرجع التعدّي فيه إلى الارتكاز والوضوح والذي يمثّل قرينة لبّية متصلة يتصرف على ضوئها ذهن السامع والمتلقي في ظهورات الكلام. وبهذا يوجّه التعدّي في الموارد التي ذكرها لهذا النحو بما فيها تنقيح المناط.
النحو الآخر: ما كان منشأ اليقين بالتعدّي هو النقل. وقد حصره O بالإجماع بعد عدم وجود نصّ قطعي السند والدلالة معاً. وملاك الإجماع عنده O الاتفاق الموجب لحصول العلم، والحاصل عند القدماء أيضاً، وحصوله كذلك يعني أنَّه وصل إليهم يداً بيد من عصر النصّ، ممّا يعني أنَّ الحكم كان من الأُمور الواضحة في أذهان الفقهاء والرواة من قبلهم، وعليه فيكون مرجع هذا النحو من التعدّي إلى ذلك الاتفاق والوضوح والارتكاز.
وأمَّا القسم الآخر فهو ما كان التعدّي فيه على سبيل الظنّ. وقد ذكر له O عدَّة أنحاء, هي:
النحو الأوَّل: القياس بطريق الأولى, وقد وقع البحث فيه في عدّة أمور مرجعها إلى أمرين:
الأوَّل: في مرجع دلالة قياس الأولوية, وقد أرجعه O إلى الدلالة الالتزامية, وقد فسّرنا ذلك بأنّ الأولوية تُحصّل بواسطة تبادر المعنى إلى الذهن من اللفظ من دون ملاحظة الأصل والفرع والعلّة المشتركة بينهما وأنَّ تلك العلّة هي الملاك التامّ والمستقلّ للحكم.
فإنَّ ذلك هو الذي يحقّق شرط الدلالة الالتزامية، أي يكون بيِّن بالمعنى الأخص. فيكون القياس بطريق الأولى من دلالة اللفظ على المدلول. وقد ذكرنا مناقشات على ذلك, وقَرّبنا أنَّها من باب دلالة المدلول على المدلول؛ وذلك لما تقدّم من أنَّ الملازمة إنَّما تثبت بعد تنقيح المناط وتحديد الملاك. وهو ليس مدلولاً للفظ.
الآخر: يظهر من كلماته O أنَّ هناك فرقاً عنده بين مفهوم الموافقة والأولوية, وقد قرّبنا ذلك الفرق بكون النسبة بينهما هي العموم من وجه, فنقطة الالتقاء هي الأولوية العرفية أو الشرعية, ونقطة افتراق مفهوم الموافقة هي ما يسمى بقياس المساواة, وأمَّا نقطة افتراق الأولوية فهي الأولوية العقلية.
وظهر ممّا تقدَّم أيضاً أنَّ مرجع إلغاء الخصوصية هنا هو الارتكاز أو تنقيح المناط أيضاً.
النحو الثاني: القياس منصوص العلّة. وقد اختار O حجيته وأنَّ مرجع الحجية فيه الدلالة العرفية, وقد حاولنا تفسير تلك الدلالة العرفية بالإطلاق, ببيان أنَّ طريقة الشارع في البيان يُراعى فيه الفهم العرفي وما هو المرتكز في أذهانهم، وما هو المرتكز في أذهان العرف هو أنَّ الأثر ــ ومنه الحكم ــ يدور مدار علّته، أي أنَّ العلّة هي المرادة حقيقةً، وهي التي تمثّل موضوع الحكم. وبذلك يمكن إثبات أنَّ الشارع في مقام البيان من جهة العلّة ومدخليتها في ثبوت الحكم الشرعي، والتي هي من أهمّ مقدّمات الحكمة المثبتة للإطلاق. وبناءً على ذلك إذا احتملنا مدخلية شيءٍ آخر ــ كخصوصية المورد ــ في ثبوت الحكم، فيمكن إلغاؤه بإطلاق كلام الشارع في التعليل.
ثُمَّ تمَّ التعرض بعد ذلك للأمور الثلاثة والتي ذكر الميرزا النائيني O أنَّه لا بُدَّ من توفرها حتى تكون العلّة المنصوصة عامّة ومطلقة, وهي:
الأمر الأوَّل: أنْ تكون العلّة من العناوين العرفية التي تكون معرفتها بيد العرف ليصلح أنْ يخاطب بها المكلف، وتلقى عهدتها عليه فعلاً أو تركاً.
الأمر الثاني: أنْ لا يكون للحكم المعلّل إضافة إلى المورد، بحيث نحتمل فيه أنْ تكون العلّة المذكورة علّة لحكم خصوص ذلك المورد دون غيره ممّا وجدت فيه تلك العلّة.
الأمر الثالث: أنْ لا يكون للعلّة المذكورة إضافة إلى خصوص المورد بحيث يحتمل أنْ تكون العلّة في ذلك الحكم هو خصوص المضاف منها إلى ذلك المورد دون غيرها ممّا يضاف إلى الموارد الأُخر.
وقد ظهرت تماميَّة الأمر الأوَّل والثالث دون الثاني.
والحاصل: أنَّ مرجع إلغاء الخصوصية هنا هو الإطلاق.
النحو الثالث: قاعدة عموم البدلية. وكلامه O يرجع إلى الفهم العرفي الناشئ من الوضوح والارتكاز، فمنشأ التعميم هو ما ارتكز في الأذهان من أنَّ البدل يقوم مقام المبدل منه، وأنَّ له كلّ ما للمبدل منه، إلّا ما خرج بالدليل.
ثُمَّ إنَّ ثبوت هكذا ارتكاز من عدمه بحاجة إلى جمع المؤيّدات والشواهد، وهذا ما حاول الوحيد O تحصيله، وقد ذكر لذلك شاهدين:
الأوَّل: حادثة تيمّم عمّار بدلاً عن الغسل.
الآخر: ما ذكره O نقلاً عن التذكرة من الإجماع.
وقد تقدَّم مناقشة الشاهدين.
النحو الرابع: عموم المنزلة. وقد اتضح أنَّ مرجع هذا النحو إلى الإطلاق. وظهر أنَّ هناك اختلافاً بين الأعلام في عموم التنزيل من عدمه وأنَّ القول الفصل هو اختيار الإشكال الذي ذكره السيد الشهيد O أو جوابه. واتضح أيضاً وجه الفرق بينه وبين عموم البدلية وعموم الشباهة, وأنَّ الوجه في أقوائيته منهما لعلّه ناشئ من أنَّ الإطلاق في التنزيل يكون أوضح باعتبار أوضحية نظر المتكلم في مقام بيانه إلى ترتيب الآثار؛ ومن هنا احتجنا إلى التكلّف لإثبات إطلاق وعموم البدلية إلى إثبات ذلك الارتكاز والفهم العرفي، وكذا في عموم الشباهة.
النحو الخامس: عموم الشباهة. وقد أرجع O مستنده إلى الفهم العرفي أيضاً والذي فسرناه بالإطلاق, وقد ظهر أنَّ تمامية هذا النحو من عدمه متوقفةً على الإشكال المتقدِّم للسيد الشهيد في النحو المتقدِّم من عدمه. وبيَّنا أيضاً وجه الفرق بينه وبين عموم المنزلة.
النحو السادس: قاعدة اتّحاد طريق المسألتين. وقد أرجعها O إلى الفهم العرفي أيضاً, والذي فسرناه بالإطلاق, بعد أنْ جعله في عرض الأنحاء المتقدمة, وإنْ اختار جملة من المحقّقين أنَّه من منصوص العلّة. نعم، استقربنا من كلماته O أنَّه أقرب إلى عموم المنزلة, مع وجود فارق وهو أنَّ في عموم المنزلة يراد إسراء الحكم من الـمُنزَّل عليه إلى الـمُنزَّل. وأمَّا في مسألتنا فبالعكس، أي يراد إسراء الحكم من الـمُنزَّل إلى الـمُنزَّل عليه.
النحو السابع: القاعدة الثابتة المسلّمة أو الواردة في خبر واحد. وهذا مرجعه إلى القاعدة الكلية وانطباقها على مواردها.
والخلاصة: أن ضابطة إلغاء الخصوصية مرجعها كما تقدَّم إلى الارتكاز، أو تنقيح المناط، أو الإطلاق.
المصادر
الناشر: دار المحجّة البيضاء. الطبعة الأولى ١٤٣١هـ.
ملاحظة: ما تقدَّم نقله عن كتابي تهذيب الأصول ونهاية الأصول للعلّامة الحلي O اعتمد في ذلك على كتاب معالم الدين وملاذ المجتهدين. تأليف: الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني O. تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة.
(١) الفوائد الحائرية: ٢٨٩.
(٢) الفوائد الحائرية: ١٤٥.
(٣) مصابيح الظلام: ١/ ٣٢ ــ ٣٨.
(٤) الفوائد الحائرية: ٢٨٩ ــ ٢٩٣.
(١) مصابيح الظلام: ١/ ٣٦ ــ ٣٨.
(٦) الفوائد الحائرية: ٢٩٣ــ ٢٩٥.
(٧) الفوائد الحائرية: ٣٦٣ وما بعدها.
(٨) الفوائد الحائرية: ٣٧١.
(٩) الفوائد الحائرية: ١٤٧.
(١٠) الفوائد الحائرية: ١٤٧.
(١١) الفوائد الحائرية: ٢٩٤ــ ٢٩٥.
(١٢) الفوائد الحائرية: ٢٩٤.
(١٣) الفوائد الحائرية: ٤٧ ــ ١٤٨.
(١٤) مصابيح الظلام: ١/ ٣٧.
(١٥) مصابيح الظلام: ١/ ٣٩.
(١٦) الرسائل الأصولية: ٢/ ٣٠٣.
(١٧) مصابيح الظلام: ١/ ٥٧.
(١٨) الحاشية على مدارك الأحكام: ١/ ٨٥ ــ ٨٦.
(١٩) مصابيح الظلام: ١/ ٥٤ ــ ٥٥.
(٢٠) مصابيح الظلام: ١/ ٦٠.
(٢١) الحاشية على مدارك الأحكام: ١/ ٨٦.
(٢٢) الفوائد الحائرية: ٢٩٤.
(٢٣) مصابيح الظلام: ١/ ٣٧.
(٢٤) الفوائد الحائرية: ١٤٨ــ ١٤٩.
(٢٥) الرسائل الأصولية ــ رسالة القياس ــ: ٢/ ٣١١.
(٢٦) الفوائد الحائرية: ١٨٦.
(٢٧) الحاشية على مدارك الأحكام: ١/ ١٥٩ــ ١٦٠.
(٢٨) معالم الدين: ٤٥٠ ــ ٤٥١.
(٢٩) تهذيب الأصول: ٩٠.
(٣٠) معالم الدين: ٤٥٠ ــ ٤٥١.
(٣١) دراسات في علم الأصول: ٢/ ٢٩٤.
(٣٢) أجود التقريرات: ٢/ ٣٧٩.
(٣٣) أصول الفقه: ٥/ ٢٨٩.
(٣٤) بحوث في علم الأصول: ٣/٣٨٤.
(٣٥) الرسائل الأصولية ــ رسالة في الجمع بين الأخبار ــ: ٢/ ٤٤٧.
(٣٦) دروس في علم الأصول (الحلقة الثالثة): ١/ ٢٠٥ ــ ٢٠٦.
(٣٧) بحوث في علم الأصول: ٤/٢٩٢.
(٣٨) دروس في علم الأصول (الحلقة الثالثة): ١/ ٢٠٦.
(٣٩) الفوائد الحائرية: ٢٩٤.
(٤٠) أصول الفقه: ٥/ ٢٩٠.
(٤١) القوانين المحكمة: ٣/ ٢٠٥.
(٤٢) مصابيح الظلام: ١/ ٣٧.
(٤٣) الفوائد الحائرية: ١٤٧ ــ ١٤٨.
(٤٤) هذا الفارق الإثباتي بين علّة الحكم وحكمة التشريع، وهناك فارق ثبوتي تركنا الخوض فيه إلى محله، ومن أراد فليراجع أصول الفقه للشيخ حسين الحلي O: ٥/٢٩١ ــ ٢٩٤.
(٤٥) الذريعة: ٢/ ٦٨٤.
(٤٦) تهذيب الأُصول: ٢٤٨.
(٤٧) نهاية الأُصول: ٢٥٢.
(٤٨) معارج الأُصول: ١٨٣.
(٤٩) نفس المصدر: ١٨٥.
(٥٠) أصول الفقه، للشيخ حسين الحلي O: ٥/٢٩٤ ــ ٢٩٥.
(٥١) أجود التقريرات: ٢ /٣٨٠ ــ ٣٨١.
(٥٢) أجود التقريرات: ٣ / ١٥٦.
(٥٣) مباحث الأصول: ق٢: ٢/ ١٩٥.
(٥٤) مصابيح الظلام: ١ / ٣٨.
(٥٥) الفوائد الحائرية: ١٥٠.
(٥٦) الفوائد الحائرية: ٤٣١ ــ ٤٣٢.
(٥٧) الوسائل، أبواب التيمّم، ب١١، ح٢.
(٥٨) الحاشية على مدارك الأحكام: ٢/ ١٣٧ــ ١٣٨. وانظر مصابيح الظلام: ٤/ ٣٥٩.
(٥٩) جواهر الكلام: ٥/ ١٧٦ــ ١٧٧.
(٦٠) الحاشية على مدارك الأحكام: ٢ / ١٣٧.
(٦١) المقنع: ٢٦.
(٦٢) الهداية: ٨٨.
(٦٣) التذكرة: ٢/ ١٩٦ ــ ١٩٧.
(٦٤) مصابيح الظلام: ١/ ٣٨.
(٦٥) الفوائد الحائرية: ١٥٠.
(٦٦) معجم مقاييس اللغة: ٧٩.
(٦٧) المصدر السابق: ٨٥٧.
(٦٨) مصابيح الظلام: ٤/ ١٩٩ــ ٢٠٠.
(٦٩) موسوعة الإمام الخوئي O: ٢٠ / ٢١٦ــ ٢١٧.
(٧٠) بحوث في شرح العروة الوثقى: ٣/ ٤٢١ ــ ٤٢٢.
(٧١) مصابيح الظلام: ١/ ٣٨.
(٧٢) مصابيح الظلام: ١/ ٣٨.
(٧٣) الفوائد الحائرية: ١٤٩ ــ ١٥٠.
(٧٤) التنقيح الرائع: ١/ ٧.
(٧٥) المهذب البارع: ١/ ٦٨.
(٧٦) رسائل الشهيد الثاني O: ٢/ ٧٧٥.
(٧٧) مدارك الأحكام: ٨/ ٤٧٧.
(٧٨) مصابيح الظلام: ١ / ٣٧ ــ ٣٨.
(٧٩) الفوائد الحائرية: ١٤٨.
(٨٠) الفوائد الحائرية: ٢٩٣.