قبح العقاب بلا بيان والاحتياط العقلي
مسلك حق الطاعة
(الحلقة الثانية)
السيد علي البعاج
(أبو حسين الحسيني)
هذا البحث مقابلة بين مسلك مشهور الأصوليين من قبح العقاب بلا بيان وبين مسلك حق الطاعة والذي بنى عليه بعض محققي المتأخرين (الشهيد السيد محمد باقر الصدر S)(١).
هذا, ولم يكن البحث سوى إثارة علمية لعرض أدلة المسلَكَين وفهم كلمات القائلين بهما بما ينسجم والارتكازات التي تبتني عليها كلٌ منهما, سائلاً الله جلَّ شأنه التوفيق والسداد.
بسم الله الرحمن الرحيم
يقع الكلام في القسم الثاني من البحث في مدى صحة حكم العقل بحق الطاعة وحدوده, من خلال عرض الأدلة التي أفادها السيد صاحب البحوث S في الاستدلال على مسلكه، وما يُلاحَظ عليها من القائلين بمسلك قُبح العقاب بلا بيان (أي: البراءة العقلية), علماً أن المسلكين يشتركان في الانطلاق من واحدة من مصادرات العقل العملي, وهي حكم العقل بوجوب طاعة المولى, وإنْ كانا يفترقان في حدود هذه الطاعة ودائرتها, فالقائل بالبراءة العقلية يرى وجوب الطاعة في التكاليف المعلومة وعدم منجّزية احتمال التكليف بأحد البيانات المذكورة في محلها، بخلاف القائل بهذا المسلك فإنّه يرى شمول وجوب الطاعة للتكاليف المحتمَلة أيضاً.
وبُغية فهم مسلكه S, وما يمكن أن يرد عليه, ينبغي الإشارة ـ إجمالا ـ إلى النظرية العامة في الحكم, ومَن له حق الجعل, وما يترتب عليه من وجوب الطاعة وحرمة المعصية, وتتضح هذه النظرية برسم ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن الأحكام التكليفية أمور اعتبارية تصدر من منطلق خاص, ولهذا تختلف عن السؤال والالتماس ونحوهما, وقد اختلف الأصوليون في المُنطلق الذي يستند إليه الحكم:
فالمشهور يرون أن المُنطلق هو العلو أو الاستعلاء, وفي المقابل يميل سيدُنا الأستاذ (دامت إفاضاته)(٢)إلى أن منطلق الحكم التكليفي حق يراه الآمر لنفسه, فهو يُصدر الحكم انطلاقاً من حقه في تحميل مطلوبه على الآخرين, ولا تبعد كلمات متأخري الأصوليين ـ لُبّاً ـ عن إرادة ما ذُكِر.
ولهذا الحق ثلاثة أنحاء بحسب مناشئه:
أولها: الحق الفطري الثابت بمقتضى القانون الفطري, إما لكون الآمر مُنعماً وخالقاً وهو حق منحصر بالله تعالى, وإما لكون الآمر عالماً حكيماً مُطّلعاً على المبادئ اللازمة للتشريع على أساس قدرته على تشخيص المصالح والمفاسد.
وهذا الحق ينتقل إلى حكماء الأمة بعد غياب تشريع الباري Y أو مَنْ نصّبه للتشريع.
ثانيها: الحق الجعلي, سواء كان الجاعل ممَّن يحق له مثل هذا الجعل بحسب القانون الفطري مثل ثبوت هذا الحق للنبي الأعظم e وأئمة أهل البيت G عند الإمامية ولولاة الأمر عند العامة, أم كان ممَّن لا يحق له ذلك نظير ما يحصل في النظم الانتخابية, إذْ يثبت للمجالس التشريعية حق الأمر إمّا على أساس الميثاق الاجتماعي الثابت للشخص بمقتضى التزام الغير تجاهه ـ كما قد خرَّجه بعض الأعاظم F (٣) ـ فالشعب تارة يُعمل حق الولاية على النفس بإيجاب المواثيق بنفسه، وأخرى يفوّضه إلى الآخرين بالانتخاب لتعيين السلطة في جميع شؤونها مجتمعة، أو على أساس (كل على انفراد) بأن ينتخبوا أشخاصاً للسلطة التقنينية (التشريعية) وأشخاصاً للسلطة القضائية وشخصاً للسلطة التنفيذية، وإلا فالأصل أنْ لا ولاية لأحد على أحد.
وإمّا على أساس حق التشخيص للأمة بمعنى انتخاب مَنْ يُؤمَن على إدراك القانون الفطري ومتمماته وتنفيذه ـ على تخريج السيد الأستاذ (دامت إفاضاته) ـ من دون أن يرجع إلى إلزام الشخص بما التزم به, فيكون هذا تخريجاً للنظم الانتخابية على أساس فطري فيدخل في النحو الأول (الحق الفطري).
ثالثها: الادعاء الشخصي, بأن يدّعي شخص أنه أحق بالملك من عامة الناس على أساس قوته مثلا، ومن هذا النحو ما يكون في الحكومات المستبدة، وما يجري من القوانين والأعراف في المجتمعات القبلية.
وتمثّل هذه الأنحاء للحق أُسساً وتخريجاً لمنشأ الأحكام في العالم البشري، والذي يجري في الأحكام الشرعية بل العقلائية هو الحق الفطري والحق الجعلي بمناطاتهما, ويترتب على مخالفتهما استحقاق العقوبة.
الأمر الثاني: أن الحكم باستحقاق العقوبة لابدّ أن يرجع إلى حكم العقل بالتحسين والتقبيح، فيكون مرجع ما ذُكِرَ من الحقوق إلى كون تلك الحقوق مُنقّحات لصغرى موارد حكم العقل بالاستحقاق, فأساس الاستحقاق على النحو الأول بمناطه الأول ـ وهو كون الآمر مُنعماً وخالقاً ـ إما من باب هتك الشخصية أو من باب استحقاق العقوبة المجعولة قانوناً ممَّن له حق جعل العقاب على قولين يأتيان في الأمر الثالث الآتي.
وعلى المناط الثاني منه ـ من كون الآمر حكيما مُطّلعاً ـ فاستحقاق العقاب يكون من باب اقتضاء التربية الاجتماعية ورعاية الصلاح العام.
وأساس الاستحقاق على النحو الثاني من الحق هو مخالفة الحق المجعول سواء أكان مجعولا ممَّن له حق الجعل بحسب القانون الفطري أم لا(٤).
الأمر الثالث: أن النحو الأول من الحق ـ أي الحق الفطري ـ هو الذي ينطبق على ما نحن بصدده في الكلام حول الأحكام الشرعية, لأن حقّه تعالى في التشريع في هذا الباب يكون مناط الخلق والإنعام, ومن هنا كان في منشأ استحقاق العقاب بمخالفته تعالى قولان:
القول الأول: هتك الشخصية, وهو السائد بين الأصوليين من أن الله تعالى ربط التشريع بحقه العظيم وذاته المقدسة بحيث يكون المأمور به داخلا في حيطة الآمر بنحو من التوسعة الاعتبارية لشخصيه الآمر, ولهذا حكموا باستحقاق العقوبة عقلا على المخالفة لكونها هتكاً للمولى وظلما له, وهو ما عبّر عنه بعض الأعاظم F بـ (ربط الشخصية).
وقد يُقرر هذا القول بما أفاده سيدنا الأستاذ (دامت إفاضاته) من أن مرجع هذا الربط إلى نحو توسّع في الحماية للقيم بإضافتها إلى ذاته المقدسة, نظير موقف الأب الشفيق على ابنه فإنّه يتمسك بحق الأبوة في كل ما يكون فيه مصلحة للابن، فيأمره وينهاه من منطلق جعل حقه حماية لأوامره.
ولهذا يستحق الابن درجة من اللوم عند العقلاء في ما لو خالف نفس الحكم، ولكنه يستحق درجة من اللوم أكثر من الحد الطبيعي إذا خالف الحكم مع حماية الأب له بحقه.
وهكذا حال الباري a فإنه تعالى قد حمى القيم والأحكام في الحياة من منطلق حبه ـ بالمعنى المتصور الثابت عنه بالأدلة الشرعية ـ لها وحمايةً لها لا من منطلق ما يقع من السلاطين والمستبدين من رعايتهم للمصالح الشخصية.
وقد يُضاف إلى ذلك أن تحمّس الآمر وتعلّقه بما يأمر به يجعلان المأمور المتحمَّس له مرتبِطاً بشخصية الآمر وحقّه بشكل تلقائي, حتى لو لم يَربط شخصيته بهذا العمل لا أنه يكون ربطاً اعتبارياً مُتعمَداً.
القول الثاني: تنجّز الوعيد المجعول, وهو ما بنى عليه بعض الأعاظم F من اشـتـمـال الأحـكـام التـكليفية على أحكام جزائية بنحو من الاندماج, فالحكم الإلزامي يتكون من عنصرين:
١ ـ عنصر شكلي وهو الطلب والإلزام أنفسهما, فإنّ الزاجر والمحرّك الأساس إنما يكمن في الحكم الجزائي.
٢ – عنصر معنوي وهو الوعيد على الترك, وهو المحرّك والزاجر الأصلي.
واستناداً على ما تقدَّم تكون الأحكام التكليفية اعتبارات تمهيدية للأحكام الجزائية بحيث لا يبقى لها أيّ معنى في ما لو انفصلت عنها, فمخالفة الحكم الإلزامي ليست إلا مخالفة الوعيد الكامن في الأحكام الجزائية, فاستحقاق العقاب من جهة تنجّز الوعيد المجعول بالمخالفة من قِبله تعالى.
ولهذا بنى F على أن الله تعالى انطلق في تشريعه للأحكام من حيثية كونه حكيماً وما تقتضيه الحكمة من الموازنة بين المصالح والمفاسد, ولم ينطلق تعالى في تشريعاته من ربط الشخصية حتى تكون مخالفة تشريعاته هتكاً له تعالى, لأن الإنسان لا يتمكن من هتك حرمته تعالى, فقد أفاد في ما حُكِي عنه:
(لا يمكن الموافقة على هذا المبنى:
أولا: لأن الالتزام بأن الإنسان يتمكن من هتك حرمة الله تعالى وإيراد الظلم عليه بمخالفة أحكامه تعالى ضعيفٌ, لأن من عَرف عظمة الرب وخضوع ما في السماوات والأرض له طوعاً وكرهاً يظهر له أنه بمخالفته له تعالى إنما يهتك نفسه, ولا يكون إلا كاشفاً عن ضعف عقله, وإبراز ما في نفسه من ملكات رذيلة.
ثانياً: أنّ في كثير من الآيات الشريفة تصريحاً بأن مخالفة الإنسان لأحكام الله تعالى ليس فيها ظلم بالنسبة إليه تعالى, بل يُعَدُّ ظلماً بالنسبة إلى نفسه قال تعالى: {ومَن يتعدّ حدود الله فقد ظَلم نفسه}(٥).
بل يلزم من هذا القول عدم تفاوت الأحكام في العقوبة وتكون كلها على نحو واحد, ومن الواضح أن لدينا معاصي كبيرة ومعاصي صغيرة, فللعاصي درجات كما أن للمطيع درجات) اهـ.
وأجاب سيدُنا الأستاذ (دامت إفاضاته) بإمكان أن يقال:
أولا: أن المقصود بالهتك هو الهتك بالمعنى المصدري الأعم, أي سوء الأدب معه وعدم مراعاته وليس المراد من الهتك ـ أي بالمعنى الاسم المصدري ـ عروض شيء من النقصان على الذات المقدسة.
وعليه فإنْ كان المراد من الهتك الموجب لاستحقاق العقوبة هو المعنى الأول فهو وإن كان غير متحقق في شأن الله تعالى إلا أن انحصار ملاك استحقاق العقوبة به لا يخلو عن تأمل, بخلاف ما إذا كان المراد منه هو المعنى الثاني فلا وجه للمنع عن ذلك.
ثانياً: أن الظلم قد ورد في جملة من الآيات الشريفة بشأن الباري Y من دون ذكر المظلوم لما فيه من إيحاء سلبي, كقوله تعالى: {يا بُنيّ لا تشرك بالله إنّ الشرك لظلم عظيم}(٦), وهذا لا ينافي ما ورد في جملة من الآيات كما في قوله تعالى: {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}(٧) فالمراد أنه تعالى لم ينقص منه شيء.
ثالثاً: أنّ ما أورِد من عدم تفاوت الأحكام في العقوبة غير لازم, فإنّ الحكم كما يمكن أن يكون مختلفا شدة وضعفاً فكذلك الارتباط بالشخصية فإنّه يمكن أن يكون حالة مشككة فيكون مستوى الطلب مختلفاً شدة وضعفاً, والانتهاك للشخصية أيضاً يتفاوت بحسب شدة الربط وضعفه.
هذه هي الأمور التي ترسم ملامح النظرية العامة ـ إجمالا ـ للحكم ولِمَن يتصدى لجعله وما يترتب عليها من استحقاق العقوبة على المخالفة.
وإذا اتضح ما تقدم فإنّ ما استدل به السيد صاحب البحوث S على مسلكه يرجع إلى بيان أصلي وإلى وجوه بعضها مؤيدة لمسلكه وبعضها مُنبّهة ـ حسب بعض تعابيره ـ على فساد القول بالبراءة العقلية, وسنذكر أولا البيان الأصلي وما أورد عليه من النقض والإبرام ثم نعقبها بما ذكره S من المؤيدات والمُنبِّهات.
حجة القائل بمسلك حق الطاعة
انطلق السيد صاحب البحوث S في استدلاله على أصل مولوية المولى وسعتها من إحدى مصادرات العقل العملي ـ كما تقدّم ـ التي هي قضايا قبلية لا تقبل البرهنة, كما صرّح بها في دروسه من أننا: (نؤمن في هذا المسلك بأن المولوية الذاتية الثابتة لله سبحانه وتعالى لا تختص بالتكاليف المقطوعة, بل تشمل مطلق التكاليف الواصلة ولو احتمالا، وهذا من مدركات العقل العملي, وهي غير مبرهنة فكما أن أصل حق الطاعة للمُنعم والخالق مدرَك أولي للعقل العملي غير مبرهَن فكذلك حدوده سعة وضيقاً.
وعليه فالقاعدة العملية الأولية هي أصالة الاشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص الجاد في ترك التحفظ على ما تقدم في مباحث القطع)(٨).
وأوضحها في بحوثه قائلا: (لأن المولوية عبارة عن حق الطاعة، وحق الطاعة يدركه العقل بملاك من الملاكات، كملاك شكر المنعم أو ملاك الخالقية أو المالكية، ولكن حق الطاعة له مراتب وكلما كان الملاك آكد كان حق الطاعة أوسع.. وقد تكون مولوية المولى أوسع دائرة من ذلك, بأن كانت منعميته بدرجةٍ يترتب عليها حق الطاعة حتى في المشكوكات والمحتمَلات من التكاليف, فهذا بحسب الحقيقة سعة في دائرة المولوية، إذن فالحجية ليست شيئاً منفصلاً عن المولوية وحق الطاعة، ومرجع البحث في قاعدة قُبح العقاب بلا بيان إلى البحث عن أن مولوية المولى هل تشمل التكاليف المحتمَلة أو لا؟
ولا شك أنه في التكاليف العقلائية عادة تكون المولوية ضيقة ومحدودة بموارد العلم بالتكليف، وأمّا في المولى الحقيقي فسعة المولوية وضيقها يُرجع فيها إلى حكم العقل العملي تجاه الخالق سبحانه, ومظنوني أنه بعد الالتفات إلى ما بيّناه لا يبقى مَن لا يقول بسعة مولوية المولى الحقيقي بنحو تشمل حتى التكاليف الموهومة)(٩).
ويبتني هذا الاستدلال ـ مع مزيد تقريب ـ على مقدمتين:
المقدمة الأولى: أن حق الطاعة ذو مراتب وحق الله تعالى هو بأقصى الدرجات, حيث إنّ نعمته تعالى آكد فيكون حقه آكد.
المقدمة الثانية: أن مرتبة الحق تؤثر في درجة لزوم مراعاة الحكم, فقد يكون حق الآمر بدرجة توجب الاعتناء بالتكاليف المعلومة، وقد تكون بدرجة أعلى بحيث توجب مراعاة التكاليف المحتمَلة فضلاً عن غيرها.
وعليه يكون لأهمية المحتمَل ـ بلحاظ العناوين الطارئة عليه في مرحلة معلولات الأحكام من قبيل عنوان الطاعة ـ تأثير على فاعلية الاحتمال, كما أن أهميته بلحاظ ذات المحتمَل وملاكاته في مقام علل الأحكام ـ كما في باب الأعراض والأموال ـ تَجبر ضعف الاحتمال وتقّوي قيمته.
وهذه المقدمة تبتني على اللحاظ الأول للمحتمَل, فإذا كان الحكم المحتمَل ـ على فرض وجوده ـ حكماً صادراً ممَّن له حق عظيم ترتب على ذلك الإتيان به، وذلك لاحتمال المطلوبية التي تمثّل أمراً مهماً بمقتضى حقه العظيم كما في المقدمة الأولى.
وبعبارة أخرى: إذا كان الطالب ذا حق عظيم انعكس ذلك على أهمية مطلوبه في الرتبة اللاحقة للحكم، لا في الرتبة السابقة عليه التي تمثل مرتبة علل الأحكام.
فأهمية المحتمَل في ما نحن فيه لم تنبعث عن أهمية الحكم ولا عن مقام الملاك في حدّ نفسه، بل باعتبار أن الإتيان به يكون طاعة لهذا الحاكم لأن شخصيته ودرجة حقه تنعكسان على مطلوبه, فيكون المحتمَل مُهماً فيلزم الاعتناء به عقلا.
ومنه يظهر أن السيد صاحب البحوث S قد بنى مسلكه على القول الأول المذكور في الأمر الثالث من ربط الأوامر والأحكام بالشخصية بنحو يوجب توسعة الشخصية ليشمل المأمور به، فالمأمور به داخل في حيطة شخصية الحاكم بحيث يؤثر في الطاعة وما يترتب عليها في الرتبة اللاحقة للحكم.
هذا وقد أورِد على هذا المسلك بعدة إيرادات مبنوية وبنائية:
أمّا الإيراد المبنوي فهو ما حُكِيَ عن بعض الأعاظم F, وحاصله: أن هذا المسلك مبتنٍ على أنّ ما يصدر من العبد عند المخالفة إنما يُعَدُّ ظلماً وهتكاً له تعالى فيستحق العقوبة عليه بحكم العقل, نظراً إلى أن حق المولى يقتضي إطاعته في ما يأمر به، وهذا المبنى غير صحيح إذ لا يتمكن الإنسان من هتك حرمة الله تعالى وإيراد الظلم عليه بمخالفة أحكامه, بل لا يكون الإنسان حينئذٍ إلا ظالماً لنفسه.
وقد مَرَّ في ما تقدم الكلام فيه.
وأمّا الإيرادات البنائية فهي:
الإيراد الأول: ما عن بعض الأعلام المعاصرين (دام عِزّه)(١٠) من أنه على فرض التسليم بقضاء العقل الدقيق بلزوم الاحتياط في المشكوكات، فإنّه إنما يصحّ الاعتماد عليه في ما إذا كان الحكم ـ لزوم إطاعة المولى في المظنونات والمشكوكات ـ أمراً واضحاً عند أكثر العقول، فعلى المولى أن يعتمد على قضاء عقل العبد في ذلك المجال، وأمّا إذا كان حكمه مغفولاً عنه عند العامّة حيث اعتاد الناس على أن الامتثال رهن البيان, وقد عرفتَ أن السائد بين العقلاء في ما يرجع إلى الرئيس والمرؤوس هو ذاك، فاعتماد المولى على هذا الحكم الخفيّ على أكثر الناس غيرُ صحيح.
ويمكن أن يُجاب عنه بأن هذا التقرير بظاهره غيرُ مناسب مع ما هو المفروض في كلام السيد صاحب البحوث S من اختصاص التقريب بحق الشارع دون عامة العقلاء.
إلا أن يكون المنظور في الإيراد هو عقلاء المتشرعة من أرباب الأديان.
وحينئذٍ يُجابُ عنه بأنّ عدم التفاتهم إمّا أن يكون من باب غفلتهم عن عِظَم الحق, فهو ـ مع بُعده ـ يكفي في دفعه تنبيهُ النصوص الشرعية عليه, وإمّا أن يكون من باب عدم التفاتهم إلى أهمية المحتمَل ـ الناشئة في المرتبة اللاحقة للحكم ـ مع الالتفات إلى عظم الحق, فهو تفكيك بين الحق والحكم المحتمَل بما هو مطلوب من ذي حقٍ عظيم وهذا غير محتمل, فإنّ مَنْ التفت إلى عِظَم حق شخص عليه واحتمل طلبه لَزِمه الإتيان به لأن عِظَم الحق يُعطي ثقلا للمطلوب ـ ولو كان محتملا ـ في الرتبة اللاحقة للطلب.
ويمكن أن ينقدح إيراد على أصل البيان في ضوء هذا الجواب بأن عِظم حق الطالب وإن أوجب ثقلا ما على مطلوبه المحتمَل ولكنه لا يستلزم الإتيان به عقلا بحيث لو لم يأتِ به المُكلف عُدَّ عاصياً مستوجباً للعقاب, فيكون التفكيك بينهما ـ في الجملة ـ معقولاً.
بيانُ ذلك: أن تحميل المطلوب على الغير ممَّن له حق يقتضي ثبوت موقف واضح له, واحتمال المطلوبية إنما يقتضي حُسن الانقياد لا وجوب الإتيان, ففرقٌ ما بين تحميل المطلوب من الآخرين على نفسه وبين تحميل المطلوب من الطالب على الآخرين لا سيّما في رتبة معلولات الأحكام, فلو اقتضى احتمال المطلوبية الإتيانَ به عقلا لكان هذا الحكم مشهوداً عند عامة العقلاء, بحيث تكون تلك الشهادة على سبيل المُنبّهية لإدراك العقل ذلك, فإنّ من البعيد أن يُطْبِق العقلاء على أمر مخالف لمقتضى أحكام العقل.
الإيراد الثاني: ما أورده السيد الأستاذ (دامت إفاضاته) من أن الطاعة أدب متقوّم بجانب نفسي وجانب خارجي, فلا يتحقق سوء الأدب في حال عدم تحقق الواقع المخالف.
بيانُ ذلك: أن حكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة المعصية نوع من الأدب الواجب الذي لا يتحقق إلا في حالات العلم بمعنى أنه لا يبلغ حدّ الوجوب إلا في حالات العلم، لا بمعنى أن مراعاة الأدب مع شخص بتحقيق مطلوبه لا تُعقل إلا مع العلم بالمطلوب, وذلك لأن الشحنات والمناسبات الأدبية لا تبلغ حدّ الذروة المؤدي إلى الوجوب إلا مع تنامي الحالة الإدراكية إلى مستوى العلم, فلا يكون هناك هتك بدون العلم.
وليس في هذا إنكار لوجود أدب مستحب في حالة الاحتمال فإنّه لا مانع من البناء عليه إذ هو معنى حسن الانقياد حقيقةً.
والسيد صاحب البحوث S لا يخالف بقية الأصوليين في أن مقتضى الأدب مراعاة الحكم المحتمَل وهو ما يُعبّر عنه حسن الاحتياط، ولكن الخلاف بينهما في أن تأكّد الحق هل يوجب أن تكون مراعاة الحكم غير المعلوم من قبيل الأدب الواجب, وعدم مراعاته من الهتك المحظور أو لا؟
فالسيد صاحب البحوث S لا يرى أثراً أساسياً للعلم في تحقق الأدب الواجب، وهو محل تأمل.
الإيراد الثالث: ما عن السيد الأستاذ (دامت إفاضاته) أيضاً من معارضة حيثية الطاعة بالنسبة للأحكام الإلزامية مع احتمال اعتناء الشارع بالترخيص وفق تخطيطه العام، فإننا كما نحتمل أن الشارع ألزمنا بمراعاة الحكم المحتمَل فكذلك نحتمل أن يكون قد رخّص لنا في عدم مراعاته, فالترخيص قد يكون اقتضائياً بأن يكون فيه ملاك يقتضي الترخيص, وقد لا يكون اقتضائياً بأن يكون منشؤه جعل الحرية للإنسان مقابل العمل من دون أن يكون فيه ملاك يقتضي الإلزام أو الترخيص.
وهذا لا يعني تساوي احتمالي الترخيص والوجوب في الشحنة, بل احتمال الوجوب في كل مورد شخصي أقوى شحنة من احتمال الترخيص, ولهذا مجرد اختلاط الحلال بالحرام في موارد العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة لا يسوّغ إيقاع المزاحمة بين الحليّة الاقتضائية وبين الوجوب المعلوم بالإجمال, بل يكون هذا الوجوب مهيمناً على الموقف, هذا في المحاسبة الفردية.
ولكنْ قد يقال: إن تأمل موارد الاحتمال الإلزامية بالنظر الجَمعي مع ملاحظة الواقع العملي في الفقه الإسلامي يُعطي أن الحال قد لا يكون على حدّ المحاسبة الفردية, بمعنى أننا نحتمل أن يكون اهتمام الشارع بالترخيص في الأمور المحتمَلة محل عناية له, وذلك بتجميع الشحنات الترخيصية بما لا يقل عن قيمة الوجوب المحتمَلة, ويؤيده ما ورد في الأخبار من أن الله تعالى يُحِبُّ أنْ يُؤخَذ برُخَصه كما يُحِبُّ أن يُؤخَذ بعزائمه.
وحينئذٍ لو كان احتمال الوجوب والحرمة في بضعة موارد مع وجود نصوص تشريعية كافية في الموارد الباقية بحيث لا تصل النوبة إلى الأصول العملية, لكان للالتزام بمسلك حق الطاعة وجهٌ, ولكن موارد احتمال الحكم التي نفتقد فيها الأمارة الكافية تشمل مساحة واسعة في الفقه, فلهذا أصبح مسلك حق الطاعة يمثل تضييقاً كبيراً على المكلف.
وبناءً عليه يحصل ترديد في الموازنة, ويقع التساؤل عن أن الشارع يعتني بحرية المكلف في هذه الدائرة الواسعة عناية أدنى من عنايته بالأحكام الإلزامية المحتمَلة فيها؟
والأمر يكون مختلفاً عمّا هو موجود في الموازنة الفردية لأن المساحة واسعة بحيث تمثّل منهجاً لا حالات محدودة, فإنّ قوانين الحياة مبتنية على حِكَم وموازنات بين الحدود المُرخَّص فيها بالتشريع وبين الحدود الإلزامية حتى لو قلنا بمراعاة الأدب, ولا ينبغي تأمل زاوية الأدب من جهة الأحكام الإلزامية دون غيرها لجواز أن تستبطن الأحكام الترخيصية في مساحتها المجموعية مساحة إلزامية, بمعنى أن الشخص لابد أن يعيش نحواً من الحرية ومنه قد نُحرِز أن الشارع لا يريد الاعتناء بالآداب إلى هذا المستوى.
ويؤيده أنه S لو لم توجد لديه البراءة الشرعية التي تُلغي الآثار الميدانية للاحتياط العقلي الذي التزم به لَمَا كان قد التزم بمسلك حق الطاعة، فلو افترضنا أنه لا يرى تمامية البراءة الشرعية, إمّا للمناقشة في الأدلة السمعية بالخدش في أسانيدها, وإمّا للمناقشة في سيرة المسلمين فإنّ البراءة العقلية سوف يتأتى لها أن تكون فاعلة في ساحة الفقه, كما في موارد فقدان الأمارات والإطلاقات والعمومات, وحينئذٍ يلزم التوقف في كل مورد تُحتمل فيه الحرمة, والإتيانُ بكل شيء يُحتمل فيه الوجوب, ولظهر بهذا أن هذا المنهج غير عملي.
هذا مُحصل إيراده (دامت إفاضاته).
وعليه, فلا يتوجه على هذا الإيراد ما أفاده بعض الأعلام (دام عزه) من نقده للاعتراض الذي أورده على مسلك حق الطاعة ـ وهو قريب من إيراد السيد الأستاذ ـ من أننا: (في موارد الشكّ في التكليف كما نحتمل أن يكون الحكم الواقعي حكماً تكليفياً مشتملاً على ملاك اقتضائي للإلزام، كذلك نحتمل أن يكون حكماً ترخيصياً مشتملاً على ملاك اقتضائي للإباحة، فلو كان الاحتمال الأول مقتضياً لحكم العقل بالبناء على الإلزام، لضمان الحفاظ على الملاك الإلزامي المحتمَل على فرض وجوده، لكان الاحتمال الثاني أيضاً مقتضياً لحكم العقل بالبناء على الترخيص لضمان الحفاظ على الملاك الترخيصي المحتمَل على فرض وجوده، لأن كليهما من الملاكات ذوات الأهمية عند المولى على فرض وجودها، ولا وجه لترجيح الأول على الثاني ما لم نُحرز كونه أهمّ منه عند المولى إلى درجة تقتضي تقديم ضمان حفظه على ضمان حفظ الثاني عند التزاحم بينهما في مقام الحفظ).
وأجاب عنه بجوابين ثانيهما: أن مصبّ حق الطاعة هو التكليف لا مطلق الحكم, بعد أن فرّق بين الحكم والتكليف وجَعَلَ الإباحةَ من أقسام الحكم لا التكليف فلا موضوع للطاعة, ثُمَّ اعترض على نفسه بالتسليم بكون الإباحة الإقتضائية ليست من أقسام التكليف, وأجاب عنه ـ وهو محل الشاهد ـ بما لفظه:
(قلتُ: إن الغرض من جعل الإباحة الاقتضائية يتلخّص في أمرين:
الأول: اعتقاد المكلّف بكون حكم اللّه تعالى في هذا المورد هو الإباحة لا غير، وهذا هو المسمّى بالموافقة الإلتزامية، فلو كان الحكم ـ أي الإباحة ـ معلوماً بالتفصيل وجب الاعتقاد بإباحته تفصيلاً، وإن لم يكن معلوماً بالتفصيل كما في المقام كفى الاعتقاد بصحّة ما جاء به النبي e في هذا المورد إجمالاً، كلّ ذلك بناءً على وجوب الموافقة الإلتزامية.
الثاني: ترخيص المكلّف على الصعيد العملي من جانب الشارع دون أن يكون هناك إلزام, فإذا كان المطلوب من جعل الإباحة الإقتضائية هو الترخيص بما هو هو فهذا حاصل غير منتفٍ، إذ ليس من جانب المولى أي إيجاب أو تحريم بل حكم بالتسوية بين الفعل والترك، ولكنّه لا ينافي أن يتعلّق إلزام بالفعل المباح القطعي فضلاً عن المحتمَل، لأجل انطباق عنوان آخر)(١١).
ووجه عدم توجهه: أنه ـ على فرض التسليم بالجواب ـ إنما يتم في حال المحاسبة الفردية دون الجمعية التي تستبطن الإلزام بجعل الإنسان حراً مطلق العنان, ومعه لا يستقيم ما أفاده من الجواب في دفع الاعتراض.
بقي هنا شيء وهو أنه قد يظهر من بعض كلمات السيد صاحب البحوث S أن الخلاف بينه وبين المشهور ـ في ما نحن فيه ـ في قيمة الاحتمال وعدمها يشمل أهمية المحتمَل سواء كان في مقام ذوات الأحكام بلحاظ درجة تأكّدها أم في مقام معلولات الأحكام كما هو محل الكلام في المقام, فقد ذكر في المعالم الجديدة:
(والصحيح في رأينا هو أنّ الأصل في كل تكليف محتمل هو الاحتياط, نتيجة لشمول حق الطاعة للتكاليف المحتمَلة, فإنّ العقل يُدرك أن للمولى على الإنسان حق الطاعة لا في التكاليف المعلومة فحسب بل في التكاليف المحتمَلة أيضاً ما لم يثبت بدليل أن المولى لا يهتم بالتكليف المحتمَل إلا التي تدعو إلى إلزام المكلف بلا احتياط .. ويُخالف في ذلك كثير من الأصوليين إيماناً منهم بأن الأصل في المكلف أن لا يكون مسؤولاً عن التكاليف المشكوكة ولو احتمل أهميتها بدرجة كبيرة)(١٢).
ومثله ما أفاده في الدروس, إلا أنه قال في بيان مسلكه أنه:
(يجب أن نعرف حدود حق الطاعة الثابت لله تعالى, فإذا كان هذا الحق يشمل التكاليف المشكوكة التي يحتمل المكلف أهميتها بدرجة كبيرة ـ كما عرفنا ـ فلا يكون عقاب الله للمكلف إذا خالفها قبيحاً لأن بمخالفتها يُفرّط في حق مولاه ويستحق العقاب...)(١٣), وقد تكرر منه هذا المعنى في غير موضع(١٤).
وللمناقشة فيه مجال فإنّ الظاهر أنّ لزوم مراعاة الحكم المحتمَل في ما لو كانت الأهمية في مقام ذات الأحكام مما لا كلام فيه بين القوم, إلا أنهم اختلفوا في تخريجه بحسب ما يظهر من كلماتهم في لزوم مراعاة الحكم المحتمَل لمنجّزية الاحتمال فقط من دون وجود حكم آخر وهو المناسب لما ذكره المحقق العراقي S في مبحث الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية من أن حقيقة الحكم الطريقي مجرد تنبيه على أهمية المحتمَل ومقتضاه تنجز حكم العقل بلا حاجة إلى تشريع جديد.
أو أن العقل في حالات إدراكه لأهمية المحتمَل يستكشف وجود ايجاب احتياط بالملازمة بملاحظة كون هذا الإدراك في رتبة علل الأحكام كما يظهر ذلك من كلمات المحقق النائيني S.
هذا كله في البيان الرئيس لهذا المسلك وما يمكن أن يُلاحظ عليه.
وأمّا سائر الوجوه التي ذكرها السيد صاحب البحوث S كمؤيدات لمسلكه أو مُنبّهات لبطلان القول بالبراءة العقلية فهي خمسة:
الوجه الأول: محاولة إيجاد عمق تاريخي لمسلكه (حق الطاعة) تخفيفاً منه S لوطأة إنكار البراءة العقلية, حيث أن تسالم العلماء عليها منذ عصور يمثّل حالة وجدانية, ومؤشر على صحتها, وقد أفاد S في وجه ذلك في أول بحث أصالة الاحتياط العقلي وذلك بما ذكره في أول بحث أصالة الاحتياط العقلي بقوله: (أمّا المرحلة الأولى وهو إثبات الاحتياط العقلي فقد ذُكر في تقريبه قديماً أن الأصل في الأشياء الحظر إذا لم يسبق الجواز, والشيخ الطوسي S في العدة قد استشكل في أصالة الحظر وبدّله إلى أصالة الوقف وكأنّه نظر إلى مقام الفتوى... وقد ذكر الشيخ الطوسي S أنه لا نخرج عن التوقف إلا بما يرد من الأئمة G عن الترخيص على خلافه، وظني أن هذه الكلمات ناظرة إلى ما قلناه وعبّرنا عنه في مسألة البراءة العقلية من لزوم الاحتياط في الشبهات مراعاةً لحق المولى...)(١٥).
ويُلاحظ عليه ملحظان:
أولهما: ما تقدم ذكره في مقدمة البحث من أن كلمات القدماء في مسألة أصالة الحظر والإباحة كانت تنطلق من استيجاب احتمال الضرر للحظر أو لا قبل ورود السمع, فالمسألة مسوقة لبيان الموقف عند عدم ورود التكليف في شيء من قبل الشارع ـ كما هو مورد أصالة البراءة ـ, والقائلون بأصالة الحظر أو الإباحة كانوا يُركّزون على ما يوجبه ملاك التكليف من الحظر أو الإباحة, ولم يركّزوا على مراعاة الحكم المحتمَل.
وهذا يعني أنهم قد فرغوا من أن التكليف المحتمَل في حدّ نفسه لا يوجب شيئا, ويشهد له كلام السيد المرتضى S الذي هو من القائلين بالإباحة ـ في المسألة ـ في ما لو لم توجد أمارة المفسدة في البين, وهذا يعني الحكم بالإباحة مع احتمال التكليف بما يحتمل المفسدة.
وبعبارة أخرى: إن قدماء علمائنا لم ينطلقوا في إيجاب الاحتياط من احتمال الحكم على أساس حق المولى، بل كان كلامهم يرتكز على منهج محاسبة المصالح والمفاسد ووجوب التوقّي عن الضرر ونحوه، فكان تأملهم في ملاكات علل الأحكام، وكأنّهم فرضوا أن الملاكات التي يراعيها الشارع في أحكامه إنْ كانت ملاكات تستوجب التوقف فالمفروض التوقف, وإنْ لم تكن تستوجبه جاز للمكلف الارتكاب.
فمسلكه S بالنتيحة ليس بتلك المعهودية, مضافاً إلى أنه غير مطروح في كلمات القدماء.
ثانيهما: ما أورده سيدنا الأستاذ (دامت إفاضاته) في ما نحن فيه من أن سيرة عامة المسلمين والفقهاء جارية على عدم الاعتناء بالحكم بمجرد احتماله من غير انتظار براءة شرعية إلا إذا كان الاحتمال قوياً أو كان الحكم المحتمَل مُهماً في حدِّ نفسه، ومن البعيد أن تكون هذه السيرة مستندة إلى البراءة الشرعية، فهذه الأدلة بين ما لا دلالة له وبين ما هو ضعيف، على أن جملة من الإخباريين لم يستسيغوا الاحتياط في مورد الشبهة الوجوبية.
الوجه الثاني: وقوع الخلاف في حدود البراءة العقلية من قِبل جملة من الأصوليين, وقد جعله S مُنبِّها على عدم فطريتها, قال في البحوث:
(ثم بعد ذلك في العصر الثالث من علم الأصول تبلورت البراءة العقلية بعنوان قُبح العقاب بلا بيان, ثُمَّ شكك جملة منهم في جريانها في الشبهات المفهومية؛ لأن البيان العُرفي قد يكون تاماً فيها على تقدير شمول المفهوم, وإن كان غير تام عند الشاك, ورُدَّ من قبل الآخرين بأنّ المراد من البيان العلم عند المكلف نفسه فلابدّ من تمامية البيان عند الشاك, كما أنه ذهب بعضهم إلى عدم جريانها في الشبهات الموضوعية, لأن المولى ليس من وظيفته بيان الموضوعات وتعيين..., وكل هذه التشكيكات توحي بأن القاعدة ليست فطرية ومسلمة).
وفيه: ـ مضافاً إلى أن التشكيك في حدود القاعدة لا يعني الشك في وضوح وفطرية القاعدة, فإنّ كثيراً من الأحكام العقلية يكون أصلها واضحاً ولكن يقع الشك في حدودها ـ أنّه يتوجه عليه ما أفاده السيد الأستاذ (دامت إفاضاته) من أن ما ذهب إليه بعضهم من عدم جريان البراءة العقلية في الشبهات الموضوعية قد يكون نتيجة تأمل المسألة من جهة التعبير السائد بـ(قُبح العقاب بلا بيان), فلا تقبح العقوبة في الشبهات الموضوعية لعدم بيان للمولى فيها, وهكذا الأمر بالنسبة للاختلاف في الشبهات المفهومية.
الوجه الثالث: وقوع الخلط عند الأصوليين بين مقام الحجية ومقام المولوية, فقد ذكر في البحوث:
(ومنشأ هذا التفكير ما أشرنا إليه في مباحث القطع من أن المحققين من علماء الأصوليين قد فصّلوا بين أمرين:
أحدهما: مولوية المولى وحق طاعته, واعتبروا المولوية وحق الطاعة كلياً متواطئاً لا يقبل الزيادة والنقصان وليس ذا مراتب, وهي عبارة عن حق طاعة كل تكليف يصدر عن المولى واقعاً إذا تمت الحجية والبيان.
والثاني: ميزان الحجية والمنجّزية, فقالوا إن البحث في أصل المولوية موضعه علم الكلام, وأمّا البحث عن ميزان الحجية فهو وظيفة البحث الأصولي, وفي هذا المجال بيَّنوا قاعدتين:
إحداهما: حجية القطع وأن كل حجة لا بدّ من أن ترجع إلى القطع, والحجية ذاتية للقطع.
والثانية: انتفاء الحجية بانتفاء القطع لأنه من مستلزمات كون الحجية ذاتية للقطع, وهذا هو قاعدة قُبح العقاب بلا بيان .. مع أنه لا فصل بين الحجية والمولوية, بل البحث عن الحجية بحث عن حدود المولوية بحسب الحقيقة لأن المولوية عبارة عن حق الطاعة, وحق الطاعة يُدركه العقل بملاك من الملاكات كملاك شكر المنعم أو ملاك الخالقية أو المالكية, ولكن حق الطاعة له مراتب, وكلما كان الملاك آكد كان حق الطاعة أوسع .. ومظنوني أنه بعد الالتفات إلى ما بيّناه لا يبقى مَن لا يقول بسعة مولوية المولى الحقيقي بنحو تشمل حتى التكاليف الموهومة, ومن هنا نحن لا نرى جريان البراءة العقلية)(١٦).
كما أنّ له كلاماً في مبحث القطع يتحد مضمونه مع كلامه المتقدم, من:
(أن الأصوليين لم ينتبهوا إلى تفرّع الظلم على وجود الحق في مرحلة سابقة بعد حكمهم بكون مخالفة المولى عند القطع بحكمه ظلماً له, بل تصوّروا أن الظلم بنفسه عنوان رئيس للعقوبة, وعليه فلم يربطوا بين حجية القطع وحق المولى)(١٧).
ويمكن أن يلاحظ عليه ملحظان:
الملحظ الأول: ما عن بعض الأعلام (دام عزّه) من عدم وجود ملازمة بين مولويته تعالى النابعة من كونه تعالى خالقاً ومنعماً وبين المنجّزية, فأفاد في بيان ذلك:
(يمكن أن تكون مولويته وسيعة، لكن يكون حقّ الطاعة مضيّقاً، وذلك لأن سعة المولوية تابعة لسعة ملاكها, وهو كونه سبحانه في عامة الحالات خالقاً موجداً للعبد من العدم إلى الوجود فهو مولى العباد في جميع الأحوال, وأمّا سعة الطاعة وضيقها فليسا تابعين لسعة المولوية وضيقها، بل تابعين لصحّة الاحتجاج على العبد عقلاً وعدمها, وقد عرفت اختصاصها بصورة وجود موضوع الطاعة.
وبعبارة ثانية: إن جعل سعة الطاعة وضيقها مترتبين على سعة المولوية وعدمها غير صحيح، فإنّ السعة والضيق في مجال الطاعة تابعان لصحّة الاحتجاج وعدمها، فإنّ قلنا بأنه يصحّ الاحتجاج على العبد في كلّ الأحوال الثلاثة: القطع والظن والشك، وجب على العبد الطاعة من دون حاجة إلى ملاحظة سعة مولويته أو ضيقها.
وأمّا لو قلنا بعدم صحّة الاحتجاج على العبد إلاّ في ما تمّت الحجّة فيه على العبد، فلا يصحّ الاحتجاج في صورة الظن والشكّ، وإن كانت مولويته وسيعة.
والشاهد على ذلك: أنه ربما تفترق المولوية عن حقّ الطاعة والتنجيز في صورة القطع بالخلاف، فالمولوية ثابتة حتّى مع الجهل المركب ولا يمكن سلبها عن العباد لكونها نابعة من أمر تكويني ذاتي، دون حقّ الطاعة أو التنجيز، بل هو مرتفع لكون القطع بالخلاف مانعاً من التنجّز، وليكن الجهل بالواقع كالقطع بالخلاف مانعاً، لا لقصور في المقتضي بل لوجود المانع...
على أن تخصيص المشهور التنجّزَ بصورة البيان الواصل ليس لغاية التبعيض في حق الطاعة، لافتراض أنه أمر واقعي نابع من خالقيته أو منعميته بل تخصيصه بصورة وجود البيان لأجل وجود القصور في ناحية المطيع، لجهله بالحكم وعدم علمه بالوظيفة، فالمقتضي للطاعة وإن كان موجوداً، لكن المانع غير مفقود)(١٨).
واُجيب عنه: بأن هذا الإيراد ليس بوارد, لأن كلام السيد S ليس في المولوية التكوينية لله تعالى بل في مولويته التشريعية التي هي نفس حق الطاعة ـ كما صرّح به S ـ ويدركه العقل بمناط الخالقية أو المنعمية ونحوه.
نعم, المولوية التكوينية لله تعالى تستتبع حقاً, وهذا الحق هو المولوية التشريعية, وعِظَمُ المولوية التكوينية ينعكس على عظم الحق (المولوية التشريعية), وهو يستوجب لزوم مراعاة مطلوب المولى حتى لو كان محتملا, لانعكاس شخصية صاحب الحق وعِظَم حقه على الطلب نفسه في الرتبة اللاحقة للطلب.
على أن بالإمكان أنْ يُلاحظ على ذيل كلامه ـ من أن تخصيص المشهور التنجُزَ بصورة البيان إنما هو لوجود قصور من ناحية المُطيع لجهله بالحكم مع وجود مقتضٍ للطاعة ـ إنْ كان مراده (دام عزه) من جهل المطيع بالحكم هو جهله بكونه واصلاً بحجة معتبرة فمجرد الجهل لا يوجب قصوراً في المُطيع للتحرك من خلال الاحتمال فإن الاحتمال إنما يكون فاعلاً ومحركاً بعد افتراض أهمية المحتمل, وإنْ كان مراده هو الجهل بالحكم من رأس فلا مقتضي للطاعة إذ لم يقل أحد بوجوب طاعة الحكم غير الواصل ولو احتمالاً.
الملحظ الثاني: ما أورده سيدُنا الأستاذ (دامت إفاضاته) من أن كون الظلم تجاوزاً للحق وتفرّعه على وجود الحق له تعالى مما لا يخفى على المشهور, بل يكفي قولهم إن المخالفة عند القطع بالحكم ظلم, ببيان أن له حقاً وإن لم يصرحوا به, بل إنهم حيث جعلوا التجاوز ظلماً له فقد شخّصوا طبيعة هذا الحق ولأجله حكموا بصدق الظلم عند تجاوزه, وقد نبّهوا في مبحث التجري صريحاً على أن الحق الثابت لله تعالى باعتبار الأدب الثابت له.
فإنّ كان السيد S يعترف بربط الأصوليين حجية القطع مع الظلم على المولى, فمن البعيد القول إنهم فصّلوا بين الحجية والمولوية والحق, لأنّ في نفس جعل مخالفة الحكم المقطوع به ظلماً دلالة إلتزامية واضحة على وجود تجاوز لحقٍ في البين.
الوجه الرابع: تعميم الاستدلال ـ مُشيراً به إلى وقوع خلط ـ على البراءة في كلمات الأصوليين للمولوية العقلائية, لتشمل مولوية الباري عزّ وجلّ, فهم أثبتوا مولوية الباري تعالى بالمولوية العقلائية, وقد أفاد هذا المعنى بقوله:
(الجهة الثانية: اُستدل على قاعدة (قُبح العقاب بلا بيان) بوجوه عديدة:
الأول: الإحالة إلى الوجدان العرفي والعقلائي في باب المولويات العقلائية, إذْ نرى أنهم لا يؤاخذون على ارتكاب مخالفة التكليف الواقعي في موارد الجهل وعدم العلم بالحكم الواقعي ولا الظاهري الإلزامي فيكون منبّهاً عقلاً على قاعدة (قُبح العقاب بلا بيان) وعقليتها.
وهذا الوجه غير تام لأنه مبني على أن يكون حق الطاعة والمولوية أمراً واحداً... وبذلك يظهر أن التقريب المذكور قد وقع فيه الخلط بين المولويات الاعتبارية المجعولة والمولوية الحقيقية الذاتية)(١٩).
وفيه:
أولا: ما عن سيدنا الأستاذ (دامت إفاضاته) من أننا لا نجد في كلمات الأعلام كالشيخ الأنصاري وصاحب الكفاية والمحققين الثلاثة والسيد الخوئي (قدست أسرارهم) أيَّ ذكر لهذه الجهة, فلا شاهد على وقوع مثل هذا الخلط في كلماتهم.
بل كثير منهم لم يستشهد بالمولوية العرفية, وما ذُكر في كلمات الشيخ الأعظم S من استشهاده على البراءة العقلية بالمولى العرفي(٢٠) إنما هو لجعل الواقع وجدانياً من خلال هذا الاستشهاد, فاحتمال الغفلة عن المولى الحقيقي في كلامهم ضعيف.
فذكرهم للموالي العرفيين وسيرتهم مع مواليهم إنما هو استشهادات ومُنبِّهات على حكم العقل بالبراءة العقلية وليس على حدّ الدليل واستظهار البراءة العقلية منها, وقد مرَّ عن بعض الأعلام المعاصرين (دام عزّه) ما قد يشير إلى أن هذه السيرة في الموالي عامة فتكشف عن حكم عقلي فطري بعدم المؤاخذة على ترك ما شُكَّ في مطلوبيته للمولى.
الوجه الخامس: صلاحية مسلك حق الطاعة للقول بتنجّز الحكم في موارد العلم الإجمالي, بخلافه على قول المشهور بالبراءة العقلية فلا يستقيم البحث بناءً عليه, وقد ذكر السيد S كلاماً في مبحثي القطع والعلم الإجمالي يتضمن تشنيعاً وتهكماً على مسلك المشهور, وإنما أورَدَ هذا الكلام ليكون في قوة المُنبِّه على صحة مسلكه وفساد القول بالبراءة العقلية, قال في مبحث القطع:
(أن البحث عن أصل منجّـزية العـلم الإجمـالي لحـرمة المخالفـة إنما يتجه على مسلك المشهور, من افتراض قاعدة (قُبح العقاب بلا بيان) العقلية إذْ يُبحث عن أن العلم الإجمالي هل يصلح لأن يكون بيانا أو لا؟
وأمّا بناءً على مسلكنا القائل بالاحتياط العقلي على أساس حق الطاعة فسوف يكون احتمال التكليف منجّزاً بحسب افتراض هذا المسلك, فكيف بالعلم به؟)(٢١).
وقال في موضع آخر من البحوث عند الكلام في منجّزية العلم الاجمالي, بعد ذكر مسالك القوم:
(وهكذا يثبت أن عدم منجّزية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية بناءً على قبول قاعدة (قُبح العقاب بلا بيان) على جميع المسالك في حقيقة العلم, وهذا من النتائج الغريبة المترتبة على هذا المبنى المشهور لدى الأصوليين والتي لا يقبلها العقل السليم)(٢٢).
كما أنه ذكر هذا المعنى في المباحث, وزاد فيها:
(أنها من فضائح القول بقاعدة قُبح العقاب بلا بيان, ونشوء هذه المسالك إنما كان بسبب التمسك بهذه القاعدة التي خلقها الأصوليون وقدّسوها)(٢٣).
وقد أورد عليه سيدنا الأستاذ (دامت إفاضاته) بعدة إيرادات ـ مبنوية وبنائية ـ في ضمن مناقشة تفصيلية سنذكرها بلفظها مقتصرين على أهم ما جاء فيها:
(أنّ الذي يظهر من مجموع كلماته في المقام أمران:
أحدهما: عدم إمكان تخريج تنجّز الحكم في موارد العلم الإجمالي في جميع الأطراف على غير مسلك حق الطاعة.
ثانيهما: صلاحية مسلك حق الطاعة لتخريج تنجّز الحكم في هذه الموارد على وجه كافٍ ومُغنٍ عن حديث منجّزية العلم الإجمالي، أو مبطل له أصلاً.
أمّا الأمر الأول فقد صرح به في غير موضع من كلماته إذْ بنى على كاشفية العلم الإجمالي عن الجامع وتنجيزه إياه فقط، مدعياً عدم وجود سبيل إلى إيجاب الموافقة القطعية لو قيل بالبراءة العقلية على هذا المسلك ـ أي كشف الجامع ـ بل على المسالك الأخرى ـ من الواقع والفرد المردد ـ وجعل ذلك من شناعة القول بالبراءة العقلية(٢٤).
والواقع أن هذا الكلام ليس كما ينبغي فإنّه لا يخلو عن مبالغة وإفراط، ولم يكن يتوقع صدور مثله منه (طاب ثراه), وما يتوجه عليه ملاحظ عديدة:
الملحظ الأول: ـ إجمالي ـ وهو أنّ في نفس استشناع تجويز المخالفة الاحتمالية للعلم الإجمالي ما يقتضي تأثيره في إيجاب المخالفة القطعية، إذ مبنى الاستشناع هو أن الوجدان يقضي بوجوب الطاعة القطعية في موارد العلم الإجمالي شهادةً لا نشهد مثلها ولا بمستواها في الشبهة البدوية!
فلماذا لا يكون هذا بنفسه منبّهاً على خصوصية للعلم الإجمالي أو الاحتمال المُقوّم به؟ وإلا لكان الحال في ما يزيد على المعلوم بالإجمال حال الشبهة البدوية، أليس هذا أدل على الخلاف؟
ولكنـه S حيـث تلقّـى موافقة السـيد الخوئي S أو لِما فهم من كلامه – عـدم صلاحية العلم الإجمالي للتنجيز في ما وراء الجامع، ورأى عدم تمامية التوجيه الذي جرى عليه، أيقن أن من المستحيل تحصيل تخريج فني لوجوب الموافقة القطعية، إذ ليس إلا العلم الإجمالي وهو لا يصلح إلا لتنجيز الجامع, ومن ثَمَّ استخلص من ذلك شاهداً على مدعاه من مسلك حق الطاعة.
ولكنّ الواقع أن مثل هذه الظنون ينبغي عدّها ضرباً من الشبهة في مقابل البديهة، لانطواء المصادرة الوجدانية المعترَف بها على إثبات امتياز للمقام، فكيف أراد تفسير ذلك بعنصر مشترك بين ما نحن فيه وبين الشبهة البدوية!
الملحظ الثاني: لابدّ من وجود عنصر آخر صالح لتنجيز الحكم في حدّ الموافقة القطعية لدى العقلاء، لوضوح عدم عموم حق الطاعة في التكاليف العقلائية.
اللهمّ إلا أن يُنكر تنجّز الحكم عندهم في الأطراف, وإنما يتنجّز في حدّ الجامع فحسب، ولعله مراده S.
ولكن هذا الإنكار على الإجمال مصادم للبديهة العقلائية، كما أنه منافٍ للموازين التحليلية القاضية بوجود قيمة للعلم الإجمالي عندهم في الجملة، لأن قيمة العلم الإجمالي ـ كما تنبّه له في بعض كلماته ـ تبتني على مقدار اقتضاء ملاكات الأحكام المعلومة بالإجمال، ومن ثَمّ كان الاحتمال مع أهمية المحتمَل منجّزاً حتى في الشبهة البدوية.
وعليه فمن الطبيعي أن تكون جملةٌ من ملاكات الأحكام العقلائية مستوجبة لمراعاتها في حال العلم الإجمالي بها باشتباه موردها بأمور مباحة لا أهمية للإباحة فيها حسب مقتضيات التزاحم الحفظي ـ على حدّ تعبيره ـ بين تلك الملاكات ومصلحة التسهيل.
وعلى هذا فلا مجال لاحتمال عدم تنجّز الحكم المعلوم بالإجمال لدى العقلاء إلا في حدّ الموافقة الاحتمالية، بل لا شك في لزوم موافقته القطعية، مع أن منجّزية الاحتمال من جهة حق الطاعة غير جارية عندهم بإذعانه، فما هو السبيل إليه لولا وجود منجّز خاص في الحكم من جهة العلم الإجمالي.
الملحظ الثالث(٢٥): أن بالإمكان إثبات تنجز الحكم المعلوم بالإجمال في جميع الأطراف بالعلم الإجمالي نفسه, وتعلقُه بالجامع الفاني في الواقع لا يقتضي تنجيزه للجامع بنحو الموضوعية, بل بنحو المرآتية المقتضية لتنجزّ الواقع.
على أنه إذا فرضنا تعذّر تنجيز العلم الإجمالي نفسه للحكم المعلوم بالإجمال أمكن التوصل إلى تنجّز الحكم من خلال احتمال انطباق المعلوم بالإجمال عليه, كما سيأتي من السيد الأستاذ (مدّ ظلّه).
علماً أن الذي يُستظهر من مجموع كلماته في مباحث العلم الإجمالي البناء على الاقتضاء العقلائي للموافقة القطعية, ومن ثَمّ ادّعى منجّزية العلم الإجمالي وجعله في طول تعارض الأصول وتساقطها في الأطراف, وعليه بنى عدم تنجيزه في حال قيام الحجة على الحكم في بعض الأطراف وإلى غيره من الحدود العامة لمنجّزية العلم الإجمالي.
ولكنّ الواقع أن القول بالاقتضاء كذلك لا يكفي أيضاً لأنه يوجب كون تلك الحدود جميعاً حدوداً شرعية لا عقلية ولا عقلائية, وهو غير وارد.
وأمّا الأمر الثاني ـ وهو صلاحية مسلك حق الطاعة لتخريج تنجّز الحكم في موارد العلم الإجمالي وآثار ذلك ـ فهو أيضاً غير تام, وذلك أن الآثار التي يمكن أن تُدّعى لمسلك حق الطاعة اثنان:
الأول: صلاحية تنجيز الحكم في جميع الأطراف بأحد نحوين: إمّا من دون الحاجة إلى منجّزية العلم الإجمالي ولو في الجامع, أو مع الاعتماد على منجّزية العلم الإجمالي في الجامع.
الثاني: مع البناء عليه فلا محل للبناء على تنجّز الحكم بالعلم الإجمالي في حدّ الجامع أو في حدّ الموافقة القطعية, أو أنه أمر مستغنى عنه لا حاجة للحديث عنه.
أمّا الأثر الأول فيتوجه عليه ملحظان:
الملحظ الأول: ما عرفتَه من عدم جدوى حق الطاعة في تخريج تنجّز الحكم في موارد العلم الإجمالي في الأحكام العقلية والعقلائية, فلا تتم الصلاحية المدعاة فيه فضلاً عن الاستغناء, وهذه نكتة مهمة لم يُعتد بها في هذا التوجيه, مما أدّى إلى محدودية الأفق المنظور به.
الملحظ الثاني: أن العلم الإجمالي إذا لم يكن منجّزاً للحكم أصلاً جرت البراءة الشرعية عن الحكم بحسب إطلاق أدلتها ولم يكن هناك مانع عن جريانها, وبذلك تحول عن تنجّز الحكم من جهة حق الطاعة, كما بنى عليه في الشبهة البدوية.
والمقصود بالبراءة: إمّا البراءة عن الحكم المحتمَل في كل من الطرفين في نفسه, كما هو النحو المتعارف من جريان البراءة, أو البراءة عن الحكم المعلوم بالإجمال المحتمَل في كل من الطرفين, بناءً على أن النحو الأول لا يؤمّن من جهة الحكم المعلوم بالإجمال.
هذا وإن كان العلم الإجمالي منجّزاً للحكم بمقدار الجامع لم يكن هناك مانع من جريان أصالة البراءة في الجامع الآخر, فإنّ الجامع كالطبيعي يتعدد بتعدد الأطراف, وإذا لوحظ أحدهما تفصيلياً وقابلاً للانطباق على أي واحد منهما كان الآخر كذلك, فلا مانع من جريان البراءة الشرعية في الأحد الكلي الآخر.
وتوهمُ عدم شمول العموم للأحد الانتزاعي مندفعٌ بأن العموم هنا يشمل الشك في الأحد الكلي, والشكُ نفسه ليس أمراً انتزاعياً ولكنه يتعلق به, وقد أذعن العلم المذكور S في بحث العام المُخصَّص وفي مباحث الاشتغال بشمول العموم للأحد الانتزاعي.
وبناءً عليه فعدم جريان البراءة الشرعية في خصوص موارد العلم الإجمالي يقتضي بناء الشارع على قيمة العلم الإجمالي بخصوصه, ولو إمضاءً لقيمته عند العقلاء, حسب ما يُذعن به في الجملة.
اللهمّ إلا أن يدعي أن الوجه في عدم جريانها هو انصراف دليل البراءة عن مورد العلم الإجمالي، وهو لا يقتضي الاعتناء بالعلم الإجمالي, بل ربما كان من باب الاعتناء باحتمال الطاعة في هذا المورد.
ولكنّ هذه الدعوى غير واردة كما لا يخفى.
بيانُ ذلك: أن في حقيقة هذا التفصيل من الشارع بين الشبهة البدوية والشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي في مقام إجراء الأصل الشرعي توجيهين:
الأول: ما بنى عليه العلم المذكور S من أن مرجع ذلك إلى التفصيل في قيمة الاحتمال البدوي بين الموردين من غير اكتراث بالعلم الإجمالي, ومُحصَّل دليل الأصل الشرعي هو الترخيص في عدم رعاية احتمال التكليف الإلزامي في ما لم يقترن بالعلم الإجمالي، من دون إعطاء قيمة للعلم الإجمالي أصلا، بل القيمة العامة للاحتمال بموجب حق الطاعة, واستثنى منه الاحتمال في مورد الشبهة البدوية.
والثاني: ما نراه من أن مرجع ذلك إلى إلغاء قيمة احتمال التكليف في نفسه وثبوت الاعتبار للعلم الإجمالي، فلا يكون هناك تفصيل في قيمة الاحتمال بل بين الاحتمال والعلم الإجمالي.
وهذا التوجيه هو المتعين، وذلك لخمسة أمور:
الأول: أن هذا هو المناسب للموضوع في نفسه، فالاحتمال البدوي كاشف أدنى من العلم الإجمالي درجةً واعتباراً، فإذا اعتدّ الشارع بالحكم المعلوم بالإجمال بخصوصه دون مطلق الحكم المحتمَل فإنّ المناسب مع ذلك أنه لم يعتنِ بالاحتمال المحض مطلقاً وإنما اهتم بالعلم الإجمالي، لا أنه فصّل في الاعتناء بالاحتمال بين حال وجود العلم الإجمالي وعدمه، فإن هذا يعني كون محور الاعتبار هو الاحتمال لا العلم الإجمالي, غايته أن وجوده قيد في الاعتناء بالاحتمال، وهذا غير مناسب كما هو ظاهر.
الثاني: أن هذا هو المناسب لإلقاء الخطاب إلى العقلاء، فإنّه S يُذعن بأن العقلاء يميّزون في شأن غير الأحكام الشرعية بين الشبهة البدوية والشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي.
كما يُذعن S أيضاً بأن هذا التمييز مبني على أنّ شخصية أي مشرِّع ـ غير الباري تعالى ـ لا تقتضي الاعتناء بمطلوبه أكثر من اقتضاء غرضه، والأغراض المحتمَلة احتمالاً بدوياً لا تستوجب الاهتمام.
اللهمّ إلا إذا كانت من قبيل الدماء وأخواتها من الأمور المهمة للغاية, بينما الأغراض المعلومة إجمالا تستوجب الاعتناء، لأنها أهم مع مورد الترخيص المشتبه بها.
ويصرح S بأن الاعتناء بالأغراض المعلومة إجمالا يوجب قيمة العلم الإجمالي لدى العقلاء ـ لا الاحتمال في مورد العلم الإجمالي ـ وفي ذلك يقول:
(أن الأغراض الإلزامية في التكاليف بحسب النظر العقلائي لا يرفع اليد عن ما أُحرز منها لمجرد غرض ترخيصي آخر محتمل أو معلوم مشتبه معه، إذ الأغراض الترخيصية في ارتكاز العقلاء لا يمكن أن تبلغ درجة تتقدم على غرض إلزامي معلوم، ومن هنا يكون الترخيص في تمام الأطراف بحسب أنظارهم كأنّه تفويت لذلك الغرض الإلزامي ومناقض معه، وهذا هو نفس الارتكاز الذي كان يشعر به بعضُ الأعلام بحسب إحساسه العقلائي والوجداني, وقد جعله كاشفاً عن حكم عقلي بعليّة العلم الإجمالي لحرمة المخالفة)(١).
وعليه فهو وإن كان يرى أن الأمر لا يختلف عند الشارع من جهة حق الطاعة, فأهميةُ امتثال حكمه لا تنبعث من أهمية الغرض نفسه بل من أهمية حقه على العبد إلا أنه من خلال دليل الأصل الشرعي المرخص ـ كالبراءة الشرعية ـ تجاوزَ عن حقه وأجرى البراءة عن الحكم المحتمَل.
ولا يخفى أن مقتضى هذا بعد التأمل فيه أن الشارع جرى في رعاية أحكامه مجرى العقلاء في عدم الاعتناء باحتمال الحكم, والاعتناء بالعلم الإجمالي رعاية لمقتضى أغراضه متجاوزاً عن مقتضى حقه, لطفاً منه وحكمة حيث كان غرضه تعالى حماية الملاكات بحقه العظيم دون ما يزيد على ذلك فرخَّص في مورد قصور مقتضاها تسهيلاً ومنّة ً على العباد.
فدعوى أنه اعتنى باحتمال التكليف في مورد العلم الإجمالي لا بالعلم الإجمالي غيرُ مناسبة جداً، فإنّ اعتنائه بالاحتمال يعني تمّسكه بحق الطاعة له بأوسع مما يقتضيه الغرض، مع أنه لا يطالب فعلا بما يزيد على مقتضى غرضه لطفاً منه وجرياً منه على ما يجري عليه العقلاء, فتأمّـل تعرف.
الثالث: أن ذلك هو المناسب أيضاً مع مبادئ الحكم، فإنّ مسألة جريان الأصل المرخِّص في أطراف العلم وعدمه تبتني على التزاحم الحفظي ـ على حدّ تعبيره ـ بين ملاكات الأحكام الواقعية الإلزامية والتسهيلية, كما هو الحال في جعل سائر الأحكام الظاهرية.
ومراعاةُ الملاكات الواقعية تعتمد على قوة الكاشف والمُنكشَف, فيعتمد في مورد الأمارات على قوة الكاشف, وفي مورد الأصول العملية على حال المحتمَل, فإنّ كان المحتمَل الترخيصي أهم رخّص فيه, وإن كان الإلزامي أهم اعتنى به, وإن كان هناك تفصيل كما في الاستصحاب فصّل بحسبه.
ومنه يُعلم أن المناسب في مورد العلم الإجمالي رعاية الملاك المنكشف إجمالاً بما هو كذلك ـ لا بما أنه محتمل ـ وذلك في مقام التزاحم الحفظي.
ومن المعلوم ـ كما أذعن به S غير مرة بل بالغ فيه في غير مقام ـ أن نسق الحكم يتناسب مع نسق الملاك, اللهمّ إلا إذا كان هناك ما يقتضي اختيار نسق آخر, فإذا كان الملاك المعلوم بالإجمال هو المهم فلِمَ لا يكون هناك اعتناء بأهمية الكاشف ـ أي العلم الإجمالي ـ فيلاحظ مجرد الاحتمال.
الرابع: أن ذلك هو المناسب مع النكتة المانعة عن شمول أدلة الأصول المرخِّصة لأطراف العلم الإجمالي مع إطلاقها, إذ أهم ما يمكن أن يقال في عدمها إن هذه الأدلة ليست ناظرة إلى إلغاء قيمة العلم الإجمالي المتركّز في نفوس العقلاء بمجرد إطلاقها، فإنّ بيان مثله يحتاج إلى مؤونة زائدة، ولا يكاد يفي بها الإطلاق. وعلى ما يرجع إلى هذا المعنى عوّل S(٢٦).
ولا يخفى أن هذا البيان يستبطن إذعاناً ضمنياً من الشارع بقيمة العلم الإجمالي حسب ما عليه العقلاء، لا سيما أن هذا البيان إنما يقتضي إخراج موارد العلم الإجمالي المنجّز لدى العقلاء لا مطلق موارده، ومن ثَمّ فلا مانع من شموله لمورد العلم الإجمالي غير المنجّز، كما لو قامت الحجة في بعض أطرافه, وإذا كان يرتكز على هذا الأساس فتوجيهه بما لا يبتني عليه تكلّف ظاهر.
الخامس: ملاحظة حال الحجج الإجمالية ـ غير العلم ـ فإنّ ثبوت الحجية لها مما لا شك فيه، كما أذعن بذلك في بحث العلم الإجمالي بالحكم الظاهري من تنبيهات الاشتغال.
على أن ذلك أمر غاية في الوضوح، فلا يتأتى إنكار ثبوت الحجية لها في حال الإجمال ليقتصر أثرها على إسقاط البراءة الشرعية في الأطراف، إذ لا تكاد تسقط البراءة إن لم تثبت لها الحجية الجعلية، فإنّ مبنى سقوطها:
إمّا بدعوى انصراف أدلة البراءة عن النظر إلى إسقاط الحجج الإجمالية ولو كانت جعلية، أو بدعوى أن مقتضى الجمع بين الدليلين تقدم دليل حجية الأمارة ونحوها على دليل الأصل الشرعي المرخِّص كالبراءة الشرعية.
وعلى كل حال فلابد من عموم دليل حجية هذه الحجج لحال إجمالها, ولولاه لم تسقط الأصول المرخِّصة في الأطراف.
وعليه فهل يُعقل أنْ لا يكون للعلم الإجمالي اعتبار زائد, ويكون منجّزاً في حقه مجردُ الاحتمال ولكن يكون للحجة الإجمالية اعتبار زائد طارد للأصل المرخص؟
وأمّا الأثر الثاني ـ وهو عدم منجّزية العلم الإجمالي بعد تنجزّ احتمال التكليف في نفسه كما هو مساق كلامه المتقدم ـ فيتوجه عليه عدم المانع من البناء على منجّزية العلم الإجمالي مضافاً إلى منجّزية الاحتمال, بل لا محيص عنه حسب ما تقدم في الأحكام العقلية والعقلائية بل الشرعية منعاً لجريان البراءة الشرعية في الأطراف)(٢٧).
هذا جملةٌ مما أفاده (دامت إفاضاته) في مناقشة السيد صاحب البحوث S, وإنما نقلنا جُلَّها؛ نظراً لِما تحويه من نكات تحليلية على وفق الارتكازات العقلية والعقلائية لفهم كلمات القوم, ولما تضمّنته من إلفات النظر إلى مواطن الضعف في مسلك حق الطاعة.
(الخاتمة)
يقع الكلام في حدود البراءة العقلية بمقدار ما يتعلق بإيضاح نكتتها وملاكها من خلال هذه الحدود, وتحوي هذه الخاتمة قسمين:
القسم الأول: ما يتعلق بالحدود التي تتفرع على طبيعة النكتة المُعتمَدة في البراءة العقلية وتفصيلها.
وهو يتضمن أربعة أمور:
الأمر الأول: اختصاص البراءة العقلية بالأحكام الإلزامية في موارد الشك وعدم جريانها في الأحكام غير الإلزامية, وهذا واضح لكون مؤداها قُبح العقاب على المخالفة بلا بيان والأحكامُ غير الإلزامية لا عقوبة على مخالفتها مقطوعة كانت أو مشكوكة.
الأمر الثاني: أن البراءة العقلية لا تجري في موارد الشكّ في التكليف المقرون بالعلم الإجمالي, وذلك لأن العلم الإجمالي يكون بياناً سواء بُني على القول بالعليّة كما هو واضح, أم بُني على القول بالاقتضاء لأن غاية هذا القول إمكان الترخيص من قِبل الشارع على خلافه, وإلا فلو خُلّي وطبعه كان بياناً.
ومن هذا يتضح أن البيان المأخوذ في موضوع البراءة العقلية هو الأعم من التفصيلي والإجمالي.
الأمر الثالث: لا شكَّ لدى الأصوليين في عدم جريان البراءة العقلية في الشبهات الحُكمية قبل الفحص, ولكنْ وقع الخلاف بينهم في أن ذلك لقصور ملاكها في حدّ نفسه أو لوجه آخر من قبيل العلم الإجمالي أو أدلة وجوب التعلّم, وعلى التقدير الأول فما هو الوجه لقصور البراءة العقلية؟ فهنا جهتان:
الجهة الأولى: أن المشهور عندهم قصور ملاك البراءة العقلية قبل الفحص عن الحجة, ولكن ذهب بعض الأصوليين إلى جريان ملاكها, منهم السيد الحكيم S إذْ أفاد في وجهه: (عدم صحة الاحتجاج في نظر العقلاء بوجود الحجة واقعاً مع عدم وصولها إلى المكلف وجهله بها، ومجردُ كونه قادراً على رفع جهله لا يُصحِّح العقاب كما هو الحال في الشبهات الموضوعية أيضاً)(٢٨).
والصحيح ما عليه المشهور، فإنّ الظاهر أنّ المولى متى ما لم يكن مُتعهداً بإيصال الحجة إلى المكلف فعلاً وأن وظيفته جعلها في معرض الوصول, كان على المُكلف البحث عن الحجة وعلى هذا تجري سيرة العقلاء.
الجهة الثانية: أن في وجه عدم جريان البراءة العقلية وجوهاً لخّصها السيد الحكيم S في الحقائق, وفرّق بين هذه الاحتمالات من حيث مقتضياتها, ورجّح الثالث منها, إذْ قال:
(أن توقف العقل عن حكمه بالبراءة قبل الفحص واليأس أحد أمور:
(الأول) كون احتمال التكليف بياناً ومنجّزاً عند العقلاء كسائر الحجج العقلائية.
(الثاني) كون البيان الذي عدمه موضوع لقُبح العقاب هو الحجة الواقعية, فمع احتمال وجود الحجة لا يُحرز موضوع القاعدة فلا حكم للعقل للشك في موضوعه.
(الثالث) كون البيان المذكور هو الحجة الواصلة لولا تقصير المكلف بترك الفحص, فقبل الفحص لا يُحرز عدم مثل هذه الحجة لجواز وصولها إلى المكلف بالفحص, فلا حكم للعقل بقُبح العقاب.
ويترتب على الأول حسنُ العقاب على مخالفة الواقع قبل الفحص وإن لم تكن عليه حجة في الواقع لتحقق الحجة عليه وهي الاحتمال، وليس كذلك الأخيران.
ويترتب على الثاني حسنُ العقاب إذا كان حجة على التكليف في الواقع وإن لم يمكن أن يعثر عليها بعد الفحص, وليس كذلك الأخير فإنّ حُسن العقاب عليه مشروط بأمرين: وجود حجة على الواقع وكونها مما يعثر عليها بعد الفحص.
ولو قلنا بأن المراد بالبيان هو الحجة الواصلة فعلا جاز الرجوع إلى البراءة العقلية قبل الفحص بمجرد الشك لعدم وصول الحجة حينئذٍ, والأول غريب وليس له نظير.
وتوهمُ وجود النظير له ـ وهو الشك في الفراغ ـ قد عرفتَ ما فيه سابقا وأن المنجّز ليس هو الشك بل هو العلم المستمر حال الشك في الفراغ, والثاني أضعف منه يظهر ذلك مما عرفت من لازمه والثالث قريب)(٢٩).
وقد ذهب السيد الخوئي S إلى الوجه الثالث, فأفاد أن: (موضوع حكم العقل بقُبح العقاب بلا بيان إنما هو عدم البيان، فما لم يُحرز ذلك بالفحص لا يستقل العقل بقُبح العقاب، إذ ليس المراد من البيان إيصال التكليف إلى العبد قهراً، بل المراد منه بيانه على الوجه المتعارف، وجعله بمرأى ومسمع من العبد، بحيث يمكن الوصول إليه، فلو كان التكليف مبيّناً من قبل المولى ولم يتفحص عنه العبد، صحّ العقاب على مخالفته، ولا يكون عقابه بلا بيان)(٣٠).
وبناءً عليه تكون البراءة العقلية في نفسها قاصرة عن الشمول لِما قبل الفحص, لأن موضوعها عدم البيان وهو لا يُحرَز إلا بالفحص فلا مقتضي لها قبله.
وأمّا مقدار البحث الواجب فهو اليأس عن الظفر بالدليل فيما إذا بُحث عنه في مظانه.
الأمر الرابع: اختلف الأصوليون في جريان البراءة العقلية في الشبهات الموضوعية في موضعين:
الموضع الأول: ما يتعلق بأصل جريان البراءة العقلية, وفي كون ملاك البراءة العقلية هو شأنية البيان من المولى فلا تجري حينئذٍ, أو عدم العلم فتجري بلا إشكال, قولان:
القول الأول: ما ذهب إليه السيد البروجردي S(٣١) من عدم جريان البراءة في الشبهات الموضوعية, وذلك نظراً إلى أخذ البيان في موضوع البراءة العقلية, فإنّ وظيفة المولى هي بيان الأحكام الكلية وجعلها في معرض الوصول.
وأمّا بيان الأحكام الجزئية والموضوعات الخارجية وبيان الصغريات من كون هذا الشيء من أفراد الموضوع الكذائي فليس من وظيفة الشارع، والكبرى المجعولة الشرعية في الشبهات الموضوعية تكون قد وردت ووصلت إلى المكلف وحصل العلم بها، وإنما تكون الشبهة في الصغرى، فلا مجال للتمسك بقاعدة (قُبح العقاب بلا بيان) بل ينبغي التمسك بقاعدة الاشتغال، لأن العلم باشتغال الذمة بالكبرى المجعولة المعلومة الواصلة يقتضى العلم بالفراغ عقلا، وهذا لا يحصل إلا بالتجنّب عن موارد الشبهة.
القول الثاني: ما عليه سائر الأصوليين من جريان البراءة العقلية في الشبهات الموضوعية, وقد أفاد المحقق النائيني S في بيان ذلك أن (مجرد العلم بالكبريات المجعولة لا يكفي في تنجّزها وصحة العقوبة على مخالفتها ما لم يعلم بتحقق صغرياتها خارجا، فإنّ تنجّز التكليف الذي عليه تدور صحة العقوبة إنما يكون بعد فعلية الخطاب، وفعليةُ الخطاب إنما تكون بوجود موضوعه خارجاً في التكاليف التي لها تعلّق بالموضوعات الخارجية)(٣٢).
الموضع الثاني: على تقدير جريان البراءة العقلية, ففي كون جريانها مشروطاً بالفحص أو عدمه, قولان أيضاً:
القول الأول: ما هو المشهور بين الأصوليين من عدم اشتراط جريان البراءة بوجوب الفحص في الشبهات الموضوعية لعدم جريان البيانات المذكورة في الشبهات الحُكمية هنا.
القول الثاني: ما بنى عليه المحقق النائيني S من التفصيل بين الموضوعات التي لا يتوقف العلم بها عادة على نظر فلا يجب الفحص, وبين التي يتوقف العلم بها وانكشافها للمكلف على إعمال نظر, فإنّه: (لولا الفحص يلزم الوقوع في مخالفة التكليف كثيراً, ومن البعيد تشريع الحكم على هذا الوجه، فيمكن دعوى الملازمة العُرفية بين تشريع مثل هذا الحكم وبين إيجاب الفحص عن موضوعه، فإطلاق القول بعدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية لا يستقيم، بل الأقوى وجوب الفحص عن الموضوعات التي يتوقف العلم بها غالباً على الفحص...)(٣٣).
القسم الثاني: ما يتعلق ببيان الفرق بين مفاد البراءة العقلية ومفاد البراءة الشرعية, أما العقلية منها فهي عبارة عن المُعذّرية وعدم المؤاخذة على المخالفة على التكليف المحتمَل على تقديره, وهي تختلف بمفادها عن مفاد البراءة الشرعية سواء كان مفاد الشرعية أنها بنفسها حكم كلي شرعي ـ كالترخيص ـ على المشهور, أم كان مفادها إحراز عدم أهمية المحتمَل على ما بنى عليه بعض الأعاظم F.
بيان ذلك: أنّ في البراءة الشرعية مسلكين:
المسلك الأول: ما ذهب إليه المشهور من أنها ترخيص ظاهري مجعول, وقد أفاد المُحقق النائيني S في بيان الفرق بينها وبين البراءة العقلية بأن: (الوظيفة الشرعية إنما هو الترخيص لا الحكم بعدم استحقاق العقاب, وإنما يثبت عدم الاستحقاق بالتبع والملازمة, وهذا بخلاف حكم العقل فإنّ ادراكه إنما يتعلق بعدم الاستحقاق وهو الذي يستقل به ويلزمه الترخيص في العمل بالتبع, وإلا فالترخيص ليس من شأن العقل ومدركاته)(٣٤).
المسلك الثاني: ما بنى عليه بعض الأعاظم F من أنها إرشاد إلى عدم أهمية المحتمَل, فلا يكون لها مفادٌ برأسه مقابل البراءة العقلية, وذلك لأن البراءة العقلية منوطةٌ بأهمية الاحتمال والمحتمَل ـ على ما بنى عليه ـ, ولولا البراءة الشرعية لجرت بمناط عدم إحراز أهمية المحتمَل, وأمّا البراءة الشرعية منها فهي إحراز لعدم أهمية المحتمَل, والفرق بينهما ظاهر.
وحينئذٍ قد يقال: ما فائدة البراءة الشرعية بعد جريان البراءة العقلية ؟
يمكن أن تكون الفائدة أحد أمور على سبيل منع الخلو:
الأمر الأول: أن البراءة الشرعية أقوى ضماناً وأشد تأميناً للمكلف من العقوبة المحتمَلة عند احتمال التكليف من البراءة العقلية، وذلك لأن مفاد البراءة العقلية قُبح العقاب بلا بيان ومفاد البراءة الشرعية بيان عدم العقوبة لقوله e: (رُفع عن أمتي ما لا يعلمون)، ومن الواضح أن قُبح العقاب مع البيان على عدمه أشدّ من قُبحه مع عدم البيان.
الأمر الثاني: أن البراءة الشرعية تستبطن حيثية الامتنان بمعنى أن الشارع كان له أن يأمر بمراعاة الحكم المحتمَل حيث إن مقتضي الإلزام ـ في الجملة ـ في بعض الموارد تام, ومع هذا رخّص الشارع فيه امتناناً منه وتسهيلا على المكلف, وأمّا البراءة العقلية فهي مبنية على عدم العلم بمقتضي الإلزام.
الأمر الثالث: أنها مجعولة على نحو القضية العامة, ومواردها غير محصورة بالبراءة العقلية, ويكفي في صحة جعل الحكم العام بنحو القضية الحقيقية وجودُ الأثر في بعض موارده, كما في مورد دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين لشبهة الغرض أو الأصل المثبت على بعض المباني.
الأمر الرابع: قد يقال إن جعل البراءة الشرعية يرفع شوائب الشك والترديد اللذين قد يقعان في الحكم العقلي, فإن هناك مَنْ يُنكر البراءة العقلية فلم يبقَ له إلا البراءة الشرعية.
والجواب عنه: أن رفع الترديد والشك يقتضي الإرشاد إلى حكم العقل لا أنه يقتضي جعلاً شرعياً على وفقه على حدّ بيان الشارع لكثير من الأحكام بلسان الإرشاد كقُبح الكذب ونحو ذلك.
نتائج البحث
تجدر الإشارة إلى النتائج المستخلصة من البحث, وهي سبع:
النتيجة الأولى: تبيّن من خلال المقدمة في ما يتعلق بتاريخ البراءة العقلية أمران:
أولهما: وجود عُمق تأريخي للبراءة العقلية في كلمات قدامى الأصوليين في الجملة, وهذا لا ينفي كون الغالب في الاستدلال بها في تلك المرحلة على وجه الأمارية قطعية كانت أو ظنية, وذلك نظراً إلى أنّ فكرة الأصل العملي لم تكن بذلك الوضوح آنذاك.
ثانيهما: أن فكرة الأصل العملي إنما تبلورتْ بنحو واضح في عصر محمد أمين الاسترابادي S بعد حملة التشكيكات التي أوردها على مناهج الاستنباط العقلي والظني لدى الأصوليين, وازدادت وضوحاً بعده حتى استقرت أسسها في عصر الشيخ الأعظم S وانفصلت عن مبحث الظنون, ومنه يظهر ما في كلام السيد صاحب البحوث S في كلٍ من الأمرين.
النتيجة الثانية: أن محل الكلام في البراءة والاحتياط العقليين هو في مدى استيجاب احتمال الحكم بنفسه وظيفة عقلية أو كشفه عن وظيفة شرعية ثانوية من قبيل وجوب الاحتياط, فإنّ للبراءة العقلية مستويين:
المستوى الأول: قُبح العقاب بلا محرّك أصلا, بمعنى أن مجرد جعل الحكم الواقعي من دون محرّك في البين لا يُسوّغ العقوبة, وهذه المصادرة مسلّمة بين المسلكين.
المستوى الثاني: قُبح العقاب عند احتمال التكليف, وهو ينطوي على كبرى متمثّلة بالبراءة بالمستوى الأول, وصغرى وهي أن مجرد الاحتمال ليس مُحرِّكا ذاتاً ولا كاشفاً تلقائياً عن وظيفة شرعية.
ومحل الكلام فيما نحن فيه هو هذا المستوى من البراءة, فيكون مرجع النزاع بالدقة إلى أن الاحتمال ليس حجة عقلا ولا كاشفاً عن حكم شرعي.
النتيجة الثالثة: الظاهر تمامية مذهب المشهور من حكم العقل بالبراءة العقلية (قُبح العقاب بلا بيان) بأحد التقريبات المذكورة, وإن اختلفت تلك التقريبات في النكتة التي ترتكز عليها:
ففي التقريب الأول أبرز المحقق النائيني S نكتة عدم فعلية التكليف مع عدم الوصول الذي يرجع إلى القصور في اقتضاء الحكم للطاعة في حال عدم وصوله.
وفي التقريب الثاني ركّز المحقق الأصفهاني S على نكتة عدم كون الحكم حقيقياً مع عدم الوصول وهو يرجع إلى قصور في مستوى الحكم.
وفي التقريب الثالث ركّزَ بعض الأعاظم F على نكتة اقتضاء الموازنة العقلائية ـ على البيان الأصلي ـ عدم لزوم مراعاة المحتمَل ما لم تثبت أهميته في مورد ضعف الاحتمال, أو اقتضائها ذلك من حيث إن كمالَ التشريع إيصالُ المولى مراداته الاحتمالية ـ في ما لو كانت بدرجة من الأهمية توجب مراعاتها ولو في ظرف الاحتمال ـ بطرق قطعية كما عليه سيدُنا الأستاذ (دامت إفاضاته).
النتيجة الرابعة: الظاهر عدم تمامية مسلك حق الطاعة وذلك لأمور عدّة:
الأول: ابتناء المسلك على الملازمة بين عِظَم حق المولى وإضفاء شخصية ذي الحق على المطلوب وبين لزوم الإتيان بالمطلوب المحتمَل, إذْ يمكن التفكيك بينهما في الجملة.
الثاني: أن الطاعة أدبٌ متقوّم بجانب نفسي, والجانب النفسي لا يبلغ حدّ الذروة بمجرد الاحتمال.
الثالث: معارضة حيثية الطاعة بالنسبة للأحكام الإلزامية مع احتمال اعتناء الشارع بالترخيص بالنظر الجَمعي لموارد الاحتمال الإلزامية مع ملاحظة الواقع العملي في الفقه، فإننا كما نحتمل أن يكون الشارع قد ألزمنا بمراعاة الحكم المحتمَل فكذلك نحتمل أن يكون قد رخّص لنا في عدم مراعاته.
وحينئذٍ يحصل ترديد في الموازنة, وأن الشارع هل يعتني بحرية المكلف في هذه الدائرة الواسعة بدرجة أدنى من عنايته بالأحكام الإلزامية المحتمَلة فيها, وعليه فربما تستبطن الأحكام الترخيصية في مساحتها المجموعية مساحة إلزامية ولا ينبغي تأمل زاوية الأدب فقط بالنسبة للأحكام الإلزامية.
النتيجة الخامسة: أن ما ذكره السيد صاحب البحوث S من الاستشهادات والمُنبّهات على عدم تمامية البراءة العقلية وبطلان القول بها غير تام:
أمّا استشهاده بوقوع الخلاف في حدودها من بعض الأصوليين فلوضوح أن إنكار بعض حدود الأمر الواضح في نفسه لا يعني سريان الشك في أصله.
وأمّا استشهاده بوقوع خلطٍ عند الأصوليين بين مقام المولوية وبين مقام الحجية وأنهم فصّلوا بينهما, ففيه أنهم لم يغفلوا عن هذه الجهة, وما حكمُهم بكون المخالفة ظلماً للمولى وهتكاً له إلا اعترافاً منهم بحقه, بل حكمُهم هذا يقتضي تشخيصهم للحق في الرتبة السابقة ولأجله حكموا بكون مخالفته ظلماً وهتكاً.
وأمّا استشهاده بتعميم المولوية العرفية لمولوية الباري a فلأنّه لو وجِد فهو استشهاد بحالة واضحة الحكم وجداناً لإلفات النظر إلى حالة قد يعتريها غموض ما ليكون مثيراً ومنبّهاً لحكم العقل.
وأمّا ما ذكره من منبّهية انسجام مسلك حق الطاعة مع وجوب الموافقة القطعية في مبحث العلم الإجمالي فيلاحظ عليه أن هذا المسلك لا يُفسِّر لزوم مراعاة الأحكام العقلية أو العقلائية بقطع النظر عن الشرع.
وأمّا بالنسبة إلى الأحكام الشرعية فإنّه بالتأمل يُنتج عكس ما يريده S فإنّ المناسب مع اعتداد الشارع بالحكم المعلوم بالإجمال دون مطلق الحكم المحتمَل هو اعتناؤه بالعلم الإجمالي لا بالاحتمال المحض مطلقاً، لا أنه فصّل في الاعتناء بالاحتمال بين حال وجود العلم الإجمالي وعدمه.
النتيجة السادسة: قد تبيّن فيما يتعلق بحدود البراءة العقلية:
أولا: اختصاص البراءة العقلية بالأحكام الإلزامية في موارد الشك, وعدم جريانها في الأحكام غير الإلزامية, لأن الأحكام غير الإلزامية لا عقوبة على مخالفتها مقطوعة كانت أو مشكوكة.
ثانياً: عدم جريان البراءة العقلية في موارد الشك بالتكليف المقرون بالعلم الإجمالي سواء على القول بالعلية أم بالاقتضاء, لأن جريانها منوط بعدم البيان الأعم من التفصيلي والإجمالي.
ثالثاً: أن المشهور عدم جريان البراءة العقلية في الشبهات الحُكمية إلا بعد الفحص واليأس عن الظفر بدليل, خلافاً للسيد الحكيم S, والمشهور في سِرِّ عدم جريانها هو عدم جريان ملاكها قبل الفحص واليأس عن الظفر بالحجة.
رابعاً: وجود موضعين للخلاف في جريان البراءة العقلية في الشبهات الموضوعية:
أولهما: أصل جريان البراءة العقلية فيها, والمشهور أنها تجري بلا إشكال لجهل المكلف وعدم علمه, خلافاً للسيد البروجردي S الذي ذهب إلى عدم جريانها في الشبهات الموضوعية, فإن شأن المولى بيان الأحكام لا الموضوعات.
ثانيهما: على تقدير جريانها في الشبهات الموضوعية ـ كما هو المشهورـ, فالمشهور جريانها حتى قبل الفحص, خلافاً للمحقق النائيني S الذي بنى على التفصيل بين الموضوعات التي لا يتوقف العلم بها عادة على نظر فلا يجب فيها الفحص, وبين التي يتوقف العلم بها وانكشافها للمكلف على إعمال النظر الذي لولاه لوقع في مخالفة الواقع.
النتيجة السابعة: أن مفاد البراءة العقلية هو المُعذّرية وعدم المؤاخذة, وأمّا مفاد البراءة الشرعية فالمشهور أنه ترخيص ظاهري مجعول, وبنى بعض الأعاظم F على أنها إرشاد إلى عدم أهمية المحتمَل, فلا يكون لها مفاد في مقابل البراءة العقلية غير إحراز عدم أهمية المحتمَل.
ثُمَّ إن البحث في البراءة العقلية لا يُغني عن البحث في البراءة الشرعية, وذلك لأسباب متعددة:
الأول: كون البراءة الشرعية أشد تأميناً للمكلف من العقوبة المحتمَلة عند احتمال التكليف من البراءة العقلية، وذلك لأن مفاد البراءة العقلية قُبح العقاب بلا بيان, ومفاد البراءة الشرعية بيان عدم العقوبة.
الثاني: استبطان البراءة الشرعية حيثية الامتنان والتسهيل على المكلف بالترخيص مع وجود مقتضٍ للإلزام.
الثالث: أنها مجعولة على نحو القضية العامة, ومواردها غير محصورة بالبراءة العقلية, كما في مورد دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين على بعض المباني.
إلى هنا تَمَّ البحث, والحمد لله أولاً وآخِراً.
النجف الأشرف
١٠ شوّال / ١٤٣٢ هـ
المصادر
(١) وقد اخترنا التعبير عنه بـ(السيد صاحب البحوث) تعريفاً له بأشهر تقريريه لوحدة النسق التعبيري في البحث لكون مسلكه S محوراً رئيساً فيه.
(٢) سماحة السيد محمد باقر السيستاني (دامت إفاضاته).
(٣) وهو سماحة السيد السيستاني F.
(٤) فالاستحقاق في النظم الانتخابية يكون من باب مخالفة ما التزم به الشخص تجاه الآخرين على ما بنى عليه بعض الأعاظم F من تخريجه إيّاه على أساس الميثاق الاجتماعي, وأمّا وفق تخريج سيدنا الأستاذ (دامت إفاضاته) فيكون من باب مخالفة اقتضاء القانون الفطري لكون حق التشخيص أمانة في أعناق آحاد الأمة لاختيار الأكفأ.
(٥) الطلاق: ١.
(٦) لقمان: ١٣.
(٧) البقرة: ٥٧, الأعراف: ١٦٠.
(٨) دروس في علم الأصول: ٣/٢٨.
(٩) بحوث في علم الأصول: ٥/٢٤.
(١٠) سماحة الشيخ جعفر السبحاني (دام عزه), رسائل ومقالات: ٤/١٧٦ تحت عنوان: (مسلك حق الطاعة بين الرفض والقبول).
(١١) رسائل ومقالات للشيخ السبحاني: ٤/١٨٢ – ١٨٧ .
(١٢) المعالم الجديدة للأصول: ١٧٨ – ١٧٩ ط٢.
(١٣) دروس في علم الأصول الحلقة ٢: ١/١١٨.
(١٤) بحوث في علم الأصول: ٢٦ , وكذا في الدروس: ٢ /ق ١ / ١٥٥ و ١٥٨ , ٣/٢٨.
(١٥) بحوث في علم الأصول: ٥/٧٩.
(١٦) بحوث في علم الأصول: ٥/٢٣- ٢٤.
(١٧) بحوث في علم الأصول: ٤/٣٠ مبحث القطع.
(١٨) رسائل ومقالات للشيخ السبحاني: ٤/١٨٠ – ١٨١.
(١٩) بحوث في علم الأصول: ٥/٢٦.
(٢٠) فرائد الأصول: ٢/٥٦ ط مجمع الفكر الإسلامي (الرابع من الأدلة: حكم العقل بقُبح العقاب على شيء من دون بيان التكليف, ويشهد له حكم العقلاء كافة بقُبح مؤاخذة المولى عبده على فعلِ ما يعترف بعدم إعلامه أصلاً بتحريمه).
(٢١) بحوث في علم الأصول: ٤/١٥٠ , ودروس في علم الاصول: ٣/٥٥.
(٢٢) المصدر نفسه: ٥/١٧١.
(٢٣) مباحث الأصول: ق٢: ٤/٢٩ – ٣٧.
(٢٤) قال S عن ذلك : (والإنصاف: أن هذا من فضائح القول بقاعدة (قبح العقاب بل بيان) بحرفيتها، إذ كيف يقبل الوجدان أن يقال بجواز المخالفة الاحتمالية لحكم علم إجمالاً من قبل المولى تعالى من دون جعل براءة شرعية في المقام ، وأنه ليس له حق في الطاعة أزيد من الموافقة الاحتمالية لذلك ؟!) مباحث الأصول: ق٢: ٤/٢٩) ، وقال في موضع آخر (ص ٣٧): (وكل هذه الكلمات إنما نشأت من القاعدة التي خلقوها ثم قدّسوها وهي قاعدة قُبح العقاب بلا بيان) إلى آخر كلامه في ذلك.
(٢٥) وهذا هو الملحظ الرابع في أصل التقرير, فليلاحظ.
(١) بحوث في علم الأصول: ٥/١٨١ (التقريب الأول).
(٢٦) لاحظ بحوث في علم الأصول: ٥/١٨١، فإنّه بعد أن ذكر أن المانع إثباتي ذكر له تقريبين وأذعن في ذيل التقريب الثاني (ص:١٨٢) بعدم اطّراده في أدلة البراءة, وقد تقدم قريباً نقل كلامه في التقريب الأول (المعوّل عليه).
(٢٧) العلم الإجمالي حقيقته, منجّزيته عقلاً : ٤١١ – ٤١٩ , بحث السيد الاستاذ (دامت إفاضاته) (مطبوع).
(٢٨) حقائق الأصول: ٢/٣٥٩.
(٢٩) حقائق الأصول: ٢/٣٥٩.
(٣٠) مصباح الأصول: ٢/٤٨٩.
(٣١) نهاية الأصول: ٢٩٤.
(٣٢) فوائد الأصول: ٣/٣٩٠.
(٣٣) فوائد الأصول: ٤/٣٠١.
(٣٤) أجود التقريرات: ٢/٣٤١.