قتل العمد بين الفقه الإسلامي وقانون العقوبات العراقي

احدث المقالات

PDF
نص المقال

 

 

قتل العمد

بين الفقه الإسلامي وقانون العقوبات العراقي

 

(الحلقة الثانية)

 

الشيخ يحيى السعداوي (دام عزّه)

 

 

دراسة مقارنة بين المذاهب الفقهية الإسلامية وقانون العقوبات العراقي الخاص.

يمكن أن تُعرّفنا بالتشريع الجنائي الإسلامي ومدى مواكبته مع المستحدثات ووقائع العصر, وتبيّن مدى ارتكاز قانون العقوبات العراقي عليه أو مفارقته بالكامل. 

كما ويتضح من خلالها إنْ كان قانون العقوبات العراقي قد جعل التشريع الجنائي الإسلامي مصدراً اساسياً في تشريعاته, ليكون مطابقاً لما نص عليه الدستور العراقي الجديد في م/٢ أم لا؟

 

المبحث الثالث

العقوبات الشرعية للقتل العمد عند المذاهب الفقهية الإسلامية

 

العقوبة الأولى: القصاص (القَوَد): ويقع الكلام هنا في أمرين: 

الأول: تعريف القصاص عند المذاهب الفقهية، وحجته.

١- المذهب الإمامي الجعفري: والقصاص(١) عندهم هو فعال من قص أثره إذا تتبعه. والمراد به هنا استيفاء أثر الجناية من قتل، أو قطع، أو جرح، أو ضرب, بأن يفعل به مثل فعله من الضرب، أو الجرح، أو القتل، وهو من الأمور النظامية بين جميع الطوائف والأمم على اختلاف في الخصوصيات.

والقَوَد هو قتل القاتل قصاصاً(٢), أي يقتص منه ولي الدم على ما فعله من القتل العمدي فيقتله.

والمشهور عندهم شهرة عظيمة، بل عليه الإجماع هو: أن القتل العمدي عليه القود دون الدية, ولذا قالوا: (الواجب في قتل العمد القصاص)(٣).

فعقوبة القتل العمد عندهم هي القصاص دون الدية. هذا الرأي الأول المشهور عندهم. إن القصاص واجب تعيّني وليس واجباً تخييرياً بينه وبين الدية، ولذا يقول السيد السبزواري: (قتل العمد يوجب القصاص تعييناً)(٤), ويشترطون في مطالبة القاتل بالدية رضاه. وعندئذ يسقط عنه القود وتثبت الدية.

والرأي الثاني عند بعض الإمامية، كالعماني والإسكافي حيث حكي عنهما في المسألة التخيير بين الاقتصاص والدية, واستدلا بصحيحة عبد الله بن سنان، وابن بكير عن أبي عبد الله g قال: (سئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمداً؟ إلى أن قال: فقال: إن لم يكن علم به انطلق إلى أولياء المقتول فأقرّ عندهم بقتل صاحبه, فإن عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية, وأعتق نسمة, وصام شهرين متتابعين, وأطعم ستين مسكيناً توبة إلى الله a)(٥).

وهاتان الصحيحتان وإن دلتا بظاهرهما على القول بالتخيير، إلا أن الصحيح ما ذهب إليه المشهور؛ وذلك لمعارضة الصحيحتين بصحيحة عبد الله بن سنان, قال: سمعت أبا عبد الله g يقول: (من قتل مؤمناً متعمداً قيد منه، إلا أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا بالدية، فإن رضوا بالدية وأحب ذلك القاتل فالدية...)(٦).

وهذه الصحيحة تقدم على الصحيحتين؛ لأنها تعارضهما, وبما أن السند للصحاح الثلاثة لا إشكال فيه فنرجع الى مرجحات باب التعارض, ومقتضاه أن نأخذ بـ: 

أولاً: ما وافق الكتاب, والصحيحة التي استدل بها  المشهور موافقة لإطلاق الكتاب المجيد من ناحية أن ظاهره ثبوت الولاية على القصاص فقط. دون أن تكون له المطالبة بالدية.

ثانياً: ما خالف العامة.

والنتيجة: إن القصاص ثابت عندهم لاعتباره عقوبة على القتل العمد, وأما غير القصاص - وهو الدية- لا يفرض من قبل ولي الدم, وإنما يحتاج إلى رضا الجاني به؛ فلا يكون ولي الدم مخيراً بين القصاص والدية. هذا إذا كان ولي الدم متمكناً من الاقتصاص منه، أما إذا لم يتمكن ولي الدم من القصاص فالدية بحسب التفصيل الآتي.

ويمكن الاستدلال لمشهور الإمامية على أن القصاص واجب تعييني لا تخييري بما يلي: 

أ- من الكتاب:

قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ...}(٧), وقوله تعالى: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}(٨), وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}(٩).

وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى}(١٠).

ب – من السنة: 

وقد تقدَّم ما استدَّل به المشهور من صحيحة عبد الله بن سنان, وهي وإن كانت معارَضة بصحيحتين إلا أن التعارض يوجب ترجيحها كما بيّنا.

واستدلَّ كذلك بقول الإمام علي g: (ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد، لأن فيه قود البدن)(١١).

جـ - الإجماع:

قال السيد الخوئي S: (بل ادعي عليه الإجماع أي أن القتل العمدي عليه القود دون الدية، فليس لولي المقتول مطالبة القاتل بالدية، إلا إذا رضي بذلك وعندئذ يسقط عنه القود)(١٢).

د – العقل:

قال السبزواري S: (ويمكن الاستدلال بحكم العقل أيضا في تنظيمه النظام الأحسن، فإنه يحكم بقتله قطعاً لمادة الفساد في العباد، وإزالة البغي والطغيان عن البلاد، فتتم الأدلة الأربعة عليه في الشريعة المقدسة.

ويتولى القصاص من يرث المال من الرجال دون الزوج، ومن يتقرّب بالأم، وأما النساء فليس لهن عفو ولا قود)(١٣).

٢- المذاهب الأخرى:

القصاص, وهو قتل الجاني بمثل فعله.

قال مالك: (الأمر عندنا أنه يقتل في العمد الرجال الأحرار بالرجل الحر الواحد، والنساء بالمرأة كذلك)(١٤), ثم إنه جعل القصاص تعييناً لا تخييراً، وأوجب رضا الجاني. فيتوافق مع رأي الإمامية في ذلك.

أما الشافعي(١٥) وأحمد فالواجب عندهما أن في القتل العمد القصاص والدية، وللولي أن يختار بينهما، ولا يتوقف اختيار الدية على رضا الجاني خلافاً للإمامية.

وأما أبو حنيفة فعلى أن القصاص واجب تعييني لا تخييري، ويشترط رضا الجاني في الدية.

وعلى هذا فالمذاهب التي تتفق في كون القصاص واجباً تعيينياً لا تخييرياً هي: الجعفري الإمامي, والمالكي, والحنفي, ويخالف الشافعي وأحمد, ويوافقهما من الإمامية العماني والإسكافي على أن القصاص واجب تخييري بينه وبين الدية, ولا يحتاج إلى رضا الجاني، بل هو موكول إلى ولي الدم.

وقد تقدم استدلال الإمامية بالأدلة الأربعة, وأما مالك فإنه يستدل لما حدثه يحيى عن مالك, عن عمر بن حسين مولى عائشة بنت قدامة: (إن عبد الملك بن مروان أقاد ولي رجل قتله بعصا فقتله وليه بعصا)(١٦), وكذلك عن يحيى, عن مالك: (أنه بلغه أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان يذكر أنه أتي بسكران قد قتل رجلاً فكتب إليه معاوية أن اقتله به), ومالك وإن وافق الإمامية إلا أن دليله غير تام, ولا يمكن اعتباره حجّة علينا؛ لعدم كون ما ذكره من السنة؛ فإن عبد الملك بن مروان ومعاوية بن أبي سفيان ليسا ممن يحتج به عند عامة المسلمين، بالإضافة إلى أنها مخالفة بما استدل به الشافعي وأحمد حيث استدلا على كون القصاص تخييري بينه وبين الدية، بما روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله e قال: من قتل متعمداً دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا أخذوا الدية(١٧).

فظاهر الرواية التخيير لأولياء المقتول بين القصاص والدية, وهذه الرواية تصلح للاستدلال؛ لكونها عن الرسول الأعظم فهو إستدلال بالسنة. وعلى هذا نقول: إن المذاهب الإسلامية اختلفت في عقوبة القصاص في كونه واجباً تعيينياً أو تخييرياً بينه وبين الدية, وكل مذهب يستدل بدليل يصلح للاستدلال به وفق مبانيه.

ولكن رغم ذلك يمكن مناقشة القائلين بالتخيير لكونه مخالفاً لظاهر الكتاب الدال على القصاص من دون تخيير.

فيكون مالك وأبو حنيفة موافقين لظاهر الكتاب. فإذا قلنا بإسقاط ما تعارض من السنة فيسقط دليل الشافعي وأحمد مقابل سقوط دليل مالك وأبي حنيفة. وحينئذ إما أن نقول بترجيح رأيهما لموافقته ظاهر الكتاب، أو نقول إن من مرجحات باب التعارض موافقة ظاهر الكتاب.

وعليه نقول الأرجح هو أن القصاص واجب تعييني لا تخييري كما عليه الإمامية ومالك وأبي حنيفة. فلا بديل له في عرضه، وأن كان له بديل في طوله فهو رضائي لا تخييري.

 

القصاص من حق من؟ 

تقدم أن الإمامية ذكروا أن القصاص من حق من يرث المال مطلقاً، ماعدا الزوج والزوجة كما عليه الأكثر، بلا فرق بين الذكر والأنثى. والدليل عموم آية الأرحام: {وأولوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ}(١٨), مع ضميمة إطلاق قوله تعالى: {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً}(١٩) بناءً على إرادة الوارث من الولي في الآية.

فالزوج والزوجة إما أنهما خارجان عن الأرحام بالتخصص؛ لكونهما ليسا كذلك, وإما داخلان في الأرحام فيخرجان بالتخصيص.

ويجوز للولي الواحد المبادرة إلى الاقتصاص من الجاني من غير إذن الإمام؛ لقوله تعالى: {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً}(٢٠), لأنه حقه والأصل براءة الذمة من توقف استيفاء الحق على استئذان غير المستحق. وإن كان استئذانه أولى لخطره واحتياجه إلى النظر. وهذا ما عليه أكثر المتأخرين من فقهاء الإمامية.

وإن كان الورثة جماعة، توقف الاستيفاء على إذنهم أجمع، إما بالوكالة أو بالإذن الواحد، سواء أكانوا حاضرين أم لا؛ لتساويهم في السلطان, ولاشتراك الحق فلا يستوفيه بعضهم, ولأن القصاص موضوع للتشفي وموافقة النفس، ولا يحصل بفعل البعض كما عليه المشهور.

وهناك من يخالف ويذهب إلى أن للحاضر من الأولياء الاستيفاء من غير ارتقاب حضور الغائب, ولااستئذانه. ويضمن المستوفي حصص الباقين من الدية.

وما عليه الأكثر أنه لو كان الولي صغيراً وله أب أو جد تراعى المصلحة في تعجيل القصاص؛ لأن مصالح الطفل منوطة بنظر الولي, وفي حكمه المجنون.

ويخالف البعض في ذلك ويقول بانتظار الصغير, ويجوز التوكيل في استيفائه؛ لأنه من الأفعال التي تدخلها النيابة، إذ لا تعلق لغرض الشارع فيه بشخص معين.

وأما مالك وأبو حنيفة فعندهما أيضاً أن القصاص حق كل وارث, ولكن على سبيل الكمال لا على سبيل الشراكة إذا كان واحداً, وأما إذا كانوا جماعة فهو حقهم أيضا على سبيل الكمال لا على سبيل الشراكة، أي لا ينتظر بلوغ الصغير، أو عودة الغائب كي يستوفي الحاضر والبالغ القصاص.

وأما الشافعي وأحمد فإن القصاص عندهما حق كل وارث أيضا, ولكن على سبيل الشراكة فيوافق رأيهما رأي الإمامية. وعلى ذلك فيجب انتظار الغائب أو الصبي؛ لاستيفاء القصاص, وهذا الخلاف راجع إلى وجهات النظر, فكل مذهب ينظر إلى جهة بحسب ما يراه صحيحاً طبق مبانيه.

كما أن أبا حنيفة ومالك يعتبران القصاص هو التشفي. فهو حقهم ابتداءً لا حق الميت، حيث أن القصاص لا يثبت ما دام المقتول حياً ويثبت بوفاته, وإذا مات لا يكون أهلاً لتملك الحقوق, فهو حينئذ حق للورثة, وعلى سبيل الكمال, لأن كل واحد منهم يملك الحق كأن ليس معه غيره؛ لأنه حق لا يتجزأ. والشراكة فيما لا يتجزأ محال. فيثبت لكل واحد منهم على سبيل الكمال كولاية النكاح.

وأما الشافعي وأحمد فالقصاص عندهما حق كل وارث على سبيل الشراكة, وحجتهم أن القصاص يجب بالجناية, وإنها وقعت على المقتول, فكأن ما يجب لها حق له، إلا أنه بالموت عجز عن استيفاء حقه بنفسه، فيقوم الورثة مقامه بطريق الإرث ويكون القصاص مشتركاً بينهم.

وعلى هذا فالبالغ ينتظر الصغير حتى يبلغ؛ لأنه حق مشترك, وإذا لم يكن له ولي فالحاكم وليه.

أما إذا كان الولي صغيراً أو مجنوناً, فالشافعي وأحمد رأيهما انتظار بلوغ الصبي, وإفاقة المجنون، إلا إذا كانت ميؤساً منها, فيقوم وليه مقامه؛ والسبب في الانتظار لكون القصاص تشفياً. 

وأما أبو حنيفة، فيرى أن الأب والجد للصغير والمجنون كونهما وليين له يستوفيان القصاص الواجب للصغير دون الوصي عليه؛ لأن ولايتهما ولاية نظر ومصلحة. وهذا ما يوافق رأي المذهب الإمامي الذي عليه الأكثر.

الثاني: شرائط القصاص أو موانعه عند المذاهب الإسلامية:

أمَّا عند الأمامية:

والشروط عندهم خمسة على النحو الآتي: 

الشرط الأول: التساوي في الحرية أو الرق (فيقتل الحر بالحر، سواء أكان القاتل ناقص الأطراف، عادم الحواس، والمقتول صحيحاً أو بالعكس)؛ لعموم قوله تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ}(٢١), سواء أتساويا في العلم والشرف والغنى والفقر والصحة والمرض، والقوة والضعف والكبر والصغر أم تفاوتا, وإن أشرف المريض على الهلاك، أو كان الطفل مولوداً في الحال. وكذلك (يقتل الحر بالحرة مع رد وليها عليه نصف الدية)؛ لأن ديته ضعف ديتها؛ وتدل عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله g قال: (في الرجل يقتل المرأة متعمداً، فأراد أهل المرأة أن يقتلوه قال: ذاك لهم إذا أدوا إلى أهله نصف الدية، وإن قبلوا الدية فلهم نصف دية الرجل...)(٢٢), وغيرها من الصحاح في نفس الباب, ولا خلاف في ذلك.

 وأما (إذا قتل الخنثى فيقتل مع رد ربع الدية) وهو التفاوت بين الديتين (وتقتل الخنثى بالأنثى مع رد الربع عليه) وهو التفاوت بين الديتين: (والحرة بالحرة ولا رد، والحرة تقتل بالحر ولا رد لأولياء الحر شيئاً) كما تدل عليه صحيحة الحلبي المتقدِّمة: (وان قتلت المرأة الرجل قتلت به ليس لهم إلا نفسها)(٢٣), والجاني لا يجني على أكثر من نفسه، وكذلك: (قتل المرأة بالخنثى ولا رد، وقتل الخنثى بالرجل ولا رد).

(ويقتل العبد بالحر، والحرة. وإن زادت قيمته عن الدية ولا يرد على مولاه الزائد لو فرض، كما لا يلزمه الإكمال لو نقص، ويقتل العبد بالعبد والأمة، سواء أكانا لمالك واحد أم مالكين، وسواء أتساوت قيمتهما أم اختلفت) أما قتله بالعبد؛ فظاهر الكتاب بقوله تعالى: {وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ}(٢٤), وأما قتله بالأمة؛ فظاهر قوله تعالى: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}(٢٥), وهي مطلقة غير مقيدة.

(وتقتل الأمة بالحر والحرة، وبالعبد والأمة مطلقاً) سواء أكانا لمالك أم مالكين مع تفاوت القيمة وعدمه؛ لإطلاق قوله تعالى {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}(٢٦).

الشرط الثاني: التساوي في الدين: (فلا يقتل مسلم  بكافر حربياً كان أم ذمياً أم معاهداً أم لا، ولكن يعزر القاتل بقتل الذمي والمعاهد)؛ لتحريم قتلهما, ويغرم دية الذمي. وعليه يجوز قتل الحربي بغير إذن الإمام وإن توقف جواز جهاده عليه؛ وذلك للفرق بين قتله وقتاله جهاداً باعتبار الجهاد من وظائف الإمام بخلاف قتل الحربي. فإنه ليس من وظائف الإمام. وهذا يتم في أهل الكتاب, لأن جهادهم يترتب عليه أحكام غير القتل تتوقف على الحاكم, أما غيرهم فليس في جهاده إلا القتل أو الإسلام, وهذا لا خلاف فيه؛ لقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}(٢٧), وحيث إننا إذا سلمنا المسلم القاتل إلى ولي الكافر, وكان كافراً فهذا يعني جعل السبيل للكافر على المسلم, مضافاً إلى الأخبار المصرحة بذلك. ومنها خبر محمد بن قيس عن أبي جعفر الباقر g: (لا يقاد مسلم بذمي في القتل، ولا في الجراحات)(٢٨).

ولكن لو اعتاد المسلم قتل أهل الذمة، اقتص منه بعد رد فاضل ديته. وهذا ما عليه الإجماع. وهو قول المشهور؛ لصحيح إسماعيل بن الفضل, عن أبي عبد الله g: قال: (سألته عن دماء المجوس واليهود والنصارى. هل عليهم وعلى من قتلهم شيء إذا غشوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم والغش؟ قال: لا، إلا إن يكون متعوداً لقتلهم. قال: وسألته عن المسلم هل يُقتل بأهل الذمة وأهل الكتاب إذا قتلهم؟ قال: لا، إلا إن يكون معتاداً لذلك لا يدع قتلهم فيقتل وهو صاغر)(٢٩).

وصحيح إسماعيل بن الفضل عن أبي عبد الله الصادق g قال: قلت له رجل قتل رجلاً من أهل الذمة قال: (لا يقتل به إلا أن يكون متعوداً للقتل)(٣٠), وخبر أبي بصير, عن أبي عبد الله الصادق g قال: (إذا قتل المسلم النصراني فأراد أهل النصراني أن يقتلوه قتلوه، وأدّوا فضل ما بين الديتين)(٣١), بحمله على المتعود, وأما فاضل الدية فلمعتبرة سماعة, عن الصادق g: (ولكن يعطي الذمي دية المسلم ثم يقتل به المسلم)(٣٢).

والاعتياد يرجع به إلى العرف. والظاهر أنه في الثالثة؛ لأن الاعتياد شرط في القصاص، فلابد من تقدمه على استحقاقه: (ويقتل الذمي بالذمي؛ لظاهر قوله تعالى {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}), ولخبر السكوني عن أبي عبد الله g (إن أمير المؤمنين g كان يقول: يقتص اليهودي والنصراني والمجوسي بعضهم من بعض، ويقتل بعضهم بعضاً إذا قتلوا عمداً)(٣٣).

وادعى السيد السبزواري ظهور الإجماع(٣٤) عليه. 

ويقتل الذمي بالذمية مع رد فاضل ديته؛ لقوله تعالى {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}(٣٥), وظهور الإجماع, وقول علي g في معتبرة السكوني المتقدمة: (ويقتل بعضهم بعضاً), ولصحيح الحلبي عن أبي عبد الله g: (قال: في الرجل يقتل المرأة متعمداً فأراد أهل المرأة أن يقتلوه قال: ذاك لهم إذا أدوا إلى أهله نصف الدية، وأن قبلوا الدية فلهم نصف دية الرجل)(٣٦), فهذا نظير قتل المسلم للمسلمة، فيجري في المقام الفحوى وهو الأولوية؛ لأن المسلم أشرف من الذمي, وحكم عليه بالقتل إذا قتل المرأة. فالذمي أولى من المسلم في القتل إذا قتل المرأة مع رد فاضل ديته, وهو الفارق بين دية الرجل ودية المرأة.

ويقتل الذمي بالمسلم ويدفع هو وماله إلى أولياء المقتول، ويتخيرون بين قتله واسترقاقه، بلا فرق بين كون المال عيناً أو ديناً منقولاً، أو لا، ولا بين كونه مساوياً لدية المسلم أو زائداً عليه أو مساوياً لأصل الدية أو زائداً عليه.

هذا ما عليه الإجماع، كما ادعاه السبزواري(٣٧), وما اتفق عليه الفقهاء ووردت به النصوص، ومنها معتبرة ضريس الكناسي, عن أبي جعفر g في نصراني قتل مسلماً فلما أخذ أسلم قال: أقتله به قيل وإن لم يسلم؟ قال: (يدفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا، وإن شاؤوا استرقوا) قيل: وان كان معه عين [مال]؟ قال: (دفع إلى أولياء المقتول هو وماله)(٣٨), هذا إذا لم يسلم, فإذا أسلم فالقتل لا غير, وأخذ ماله باقٍ على التقديرين.

ولو قتل الكافر مثله ثم أسلم القاتل, فالدية عليه لا غير، إن كان المقتول ذمياً, ولو كان المقتول الكافر غير ذمي فلا قتل على قاتله مطلقاً, سواء أكان مسلماً أم معاهداً أم ذمياً. ولا دية عليه أيضا, وولد الزنا إذا بلغ وعقل, وأظهر الإسلام مسلم يقتل به ولد الرشيدة؛ لتساويهما في الإسلام, ولكن لو قتله قبل البلوغ لم يقتل به, ويقتل الذمي بالمرتد فطرياً كان أم ملياً؛ لأنه محقون الدم بالنسبة للذمي, لبقاء علقة الإسلام. وكذا العكس؛ لتساويهما في الكفر, أما لو رجع الذمي إلى الإسلام فلا قود. وعليه دية الذمي, ولا يقتل المسلم بالمرتد وإن أساء بقتله؛ لأن أمره إلى الإمامg بلا خلاف ولا إشكال، لعدم التساوي في الدين, واستغرب الفقهاء عدم الدية أيضاً وذلك؛ لأن المرتد مباح الدم. وقتله بإذن الإمام، فإذا قتله من دون إذن الإمام يوجب الإثم ولكن لا يوجب الدية.

الشرط الثالث: انتفاء الأبوة: أي الأب الذي يقتل ولده لا يقتل به, وهكذا وإن علا، والابن وإن نزل؛ لقوله e: (يا علي لا يقتل والد بولده)(٣٩), وروايات إخرى في هذا الصدد، بالإضافة إلى إجماع(٤٠) المسلمين على ذلك. والبنت كالابن إجماعاً(٤١) أو بطريق أولى سواء أتساويا في الدين والحرية أم لا, ويعزر الوالد بقتل الولد, ويكفرّ وتجب الدية لغيره من الورثة. وأما باقي الأقارب فيقتل بعضهم ببعض كالولد بوالده, والأم بابنها, والأجداد من قبلها، أي من طرف الأم كالجد الذي هو أب الأم.

وإن كانت لأب كأم الأب والجدات مطلقاً، أي لأم أو لأب والأخوة والأعمام والأخوال وغيرهم.

ولكن لا يقتل الولد المسلم بالأب الكافر, ولا الحر بالعبد؛ لعدم التكافؤ. 

الشرط الرابع: كمال العقل: فلا يقتل المجنون بعاقل, ولا مجنون؛ لقول نبينا الكريم e: (انَّ القلم يرفع عن ثلاثة: ... المجنون حتى يفيق)(٤٢).

حيث ذكر أمير المؤمنين g هذا الحديث عندما أراد عمر أن يرجم المجنونة.

ومعتبرة السكوني عن الصادق g: (إن محمد بن أبي بكر كتب إلى أمير المؤمنين g يسأله عن رجل مجنون قتل رجلاً عمداً، فجعل g الدية على قومه، وجعل عمده وخطأه سواء)(٤٣), هذا بالإضافة إلى الإجماع كما ادعاه السيد السبزواري(٤٤), ولا يقتل العاقل بالمجنون، بل الدية, وإذا صال عليه المجنون فدمه هدر بلا خلاف؛ لصحيح أبي بصير سألت أبا جعفر g عن رجل قتل رجلاً مجنوناً... (فلا شيء عليه...)(٤٥), والصبي لا يقتل بصبي, ولا ببالغ, وعمده وخطأه واحد، وتكون الدية على عاقلته إجماعاً ونصوصاً عامة وخاصة؛ لقول الرسول الأعظم e: (انَّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ)(٤٦), وصحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله g : قال: (عمد الصبي وخطأه واحد)(٤٧), ويقتل البالغ بالصبي كما عليه المشهور، بل المذهب لعموم قوله تعالى {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}(٤٨), ومرسلة بن فضّال عن بعض أصحابه, عن أبي عبد الله g قال: (كل من قتل شيئاً صغيراً أو كبيراً بعد أن يتعمد فعليه القود)(٤٩).

وفرّقوا بين قتل المجنون، حيث لا قود عليه، وإذا صال على القاتل فدمه هدر، وبين من قتل صبياً فعليه القود، وذلك لان المجنون خرج عن العمومات بدليل خارج، وإلا كانت الآية متناولة له بخلاف الصبي، مع أن الفارق بينهما متحقق, ولو قتل العاقل من يثبت عليه بقتله القصاص ثم جنّ اقتص منه ولو في حال الجنون لثبوت الحق في ذمته عاقلاً، فيستصحب كغيره من الحقوق للإجماع كما ادعاه السيد السبزواري(٥٠), ومعتبرة بريد بن معاوية العجلي قال: سئل أبو جعفر g عن رجل قتل رجلاً عمداً فلم يقم عليه الحد ولم تصح الشهادة عليه حتى خولط وذهب عقله، ثم إن قوماً آخرين شهدوا عليه بعدما خولط أنه قتله فقال: (إن شهدوا عليه أنه قتله حين قتله وهو صحيح ليس به علة من فساد عقل قتل به, وإن لم يشهدوا عليه بذلك وكان له مال يعرف، دفع إلى ورثة المقتول الدية من مال القاتل, وإن لم يكن له مال أعطى الدية من بيت المال, ولا يبطل دم امرئ مسلم)(٥١).

الشرط الخامس: أن يكون المقتول محقون الدم: أي غير مباح القتل شرعاً، فلا قود في القتل السائغ شرعاً، كقتل سابّ النبي e والأئمة الطاهرين i وقتل المرتد الفطري ولو بعد توبته، والمحارب والمهاجم القاصد للنفس أو العرض أو المال، وكذا من يقتل بحد أو قصاص كاللواط والزنا والكفر ونحو ذلك. والضابط في جميع ذلك هو كون القتل سائغاً للقاتل, وذلك لأن قاتله وان لم يستأذن الإمام فهو قتل من كان مباحاً دمه في الجملة. وان توقفت المباشرة على إذن الحاكم فيأثم القاتل بدون الإذن خاصة، ولا فرق بين أن يكون الشارع حكم عليه بالرجم أو السيف أو نحو ذلك؛ لأن المطلوب هو إزهاق الروح(٥٢).

 

وأما الشروط المعتبرة عند المذاهب الأخرى:

الشرط الأول: التساوي في الإسلام والحرية: حيث يشترط مالك والشافعي وأحمد أن يكون المجني عليه مكافئاً للجاني, فإن لم يكن مكافئاً للجاني امتنع الحكم بالقصاص، ولذا سميت عندهم بموانع القصاص.

فإن تساويا في الإسلام والحرية فهما متكافئان, ولا عبرة بعد ذلك بما بينهما من فروق أخرى، فلا يشترط التساوي في كمال الذات، ولا سلامة الأعضاء، ولا الشرف والفضائل. وعلى ذلك فيقتل سليم الأطراف بمقطوعها، والصحيح بالمريض، والكبير بالصغير، والقوي بالضعيف، والعالم بالجاهل، والعاقل بالمجنون، والأمير بالمأمور، والذكر بالأنثى...الخ ولا خلاف بينهم في قتل الرجل بالرجل والأنثى بالأنثى لقوله تعالى: {الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى}(٥٣), كما يرون أن الرجل يقتل بالمرأة وبالعكس, وحجتهم قوله تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرٍِّ} وقول الرسول الأعظم e: (المسلمون تتكافأ دماؤهم), وله eكتب إلى أهل اليمن. وقد ذكر فيها أن الرجل يقتل بالمرأة(٥٤), وبهذا يختلف المذهب الإمامي عنهم في مسألة قتل الرجل بالمرأة، حيث يقول فقهاؤه: إن أولياء المرأة إن شاؤوا قتلوا الرجل مع رد فاضل ديته. وأشكل عليهم : أن المرأة إذا لم تكافئ الرجل فكيف تقتل به.

والجواب هو رواية عن رسول الله e وهي عن أبي جعفر الباقر g : (قال: أُتي رسول اللهe برجل قد ضرب امرأة حاملاً بعمود الفسطاط، فقتلها، فخيّر رسول الله أولياءها أن يأخذوا الدية خمسة آلاف درهم وغرة وصيف أو وصيفة للذي في بطنها, أو يدفعوا إلى أولياء القاتل خمسة آلاف ويقتلوه)(٥٥).

وظاهرها أن دية المرأة النصف، كما أن إرثها النصف, وهذا ما يتفق عليه المسلمون سواء منهم  فقهاء الإمامية، أم فقهاء العامة، حيث استدلوا بما نسب لرسول الله e أنه كتب في كتاب عمرو بن حزم دية المرأة على النصف من دية الرجل(٥٦), وعليه إجماع الصحابة. فإذا كانت دية المرأة في القتل نصف دية الرجل فعندئذ إذا قتل الرجل المرأة وأراد أهل المقتول قتله ردوا فاضل ديته لأهله. وعليه تكون دماء المسلمين متكافئة من جهة القصاص، حيث يقتل الرجل بالمرأة وأما الدية فإجماع المسلمين على أنها النصف. فإذا قتلنا الرجل بها أرجعنا النصف الأخر.

وأما الفقهاء الأربعة فيقولون بأن الذكر يقتل بالأنثى وبالعكس بدون رد فاضل ديته.

ولا يقتل المسلم بالكافر لعدم التكافؤ.

ولا يقتل الحر بالعبد.

وهذا من جهة شرط التكافؤ في المجني عليه لا في الجاني.

فإذا قتل العبد الحر قتل به، وكذلك الكافر إذا قتل مسلماً قتل به.

وعند الشافعي وأحمد ومالك أن الحر لا يقتل بالعبد؛ لما روى ابن عباس: (لا يقتل حر بعبد), والعبد يقتل بالحر بخلاف أبي حنيفة فإنه يساوي بين العبيد والأحرار, فيقتل الحر بالعبد وبالعكس؛ لان القصاص عنده واجب الحكم به على الجاني في الحالين, ويستثنى من ذلك أن السيد لا يقتل بعبده؛ لقول الرسول e : (لا يقاد الوالد بولده ولا السيد بعبده).

وأما التساوي في الإسلام، فيرى مالك والشافعي أن المسلم لا يقتل بالكافر أياً كان، إذا قتله المسلم، ولكن الكافر يقتل بالمسلم؛ لعدم التكافؤ.

ويتفق هذان المذهبان مع الإمامية في هذا الحكم. ومستندهما ما نسب
للرسول e (المسلمون تتكافؤ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ولا يقتل مؤمن بكافر).

سواء أكان ذمياً أم مستأمناً أم غيره. وأما أبو حنيفة فيرى أنّ المسلم لا يقاد بالمستأمن(٥٧).

ويرى أيضاً أن المسلم يقتل بالذمي، وكذلك الذمي بالمسلم. ويحتج باطلاقات الآيات القرآنية كقوله تعالى: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}(٥٨), وقوله تعالى {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً}(٥٩), ويقول هذه الآيات مطلقة لا تخصيص فيها ولا تقييد, ومن قال بالتخصيص والتقييد. فهو قول بلا دليل عنده.

وأما مالك فإنه يرى قتل المسلم بالذمي في حالة أنه قتله غيلة, ومالك يقيسه على الحرابة؛ ويحتج بما روي عن رسول الله e: (من أنه أقاد مؤمناً بكافر وقال: أنا أحق من وفى بذمته)(٦٠).

ورأي أبي حنيفة يتفق مع القوانين الوضعية الحديثة، حيث يرى أبو حنيفة أنه إذا قتل مسلم حربياً أسلم وبقى في دار الحرب، فلا قصاص على القاتل؛ لأنه وإن قتل مسلماً إلا أن المقتول من أهل دار الحرب، فيورث شبهة في عصمته ويعتبر مكثر سواد الكفار، ويستدل برواية عن الرسول أنه قال: (ومن كثر سواد قوم فهو منهم. وهو وإن لم يكن منهم ديناً فهو منهم داراً).

ولو كانا مسلمين تاجرين أو أسيرين في دار الحرب فقتل أحدهما صاحبه فلا قصاص أيضاً؛ للشبهة, أما مالك والشافعي وأحمد فإنهم يرون القصاص. سواءً كان القتل في دار الحرب أم في دار الإسلام, وسواء أهاجر أم لم يهاجر. وإذا قتل الذمي مسلماً قتل به اتفاقاً لأنه في رأي أبي حنيفة قتل داخل تحت النصوص العامة. وعند الثلاثة يقتل به مع وجود التفاوت؛ لأنه تفاوت مع النقصان, ولا يمنع القصاص إلا تفاوت الزيادة, ولا يعتبر قتل الذمي للحربي جريمة اتفاقاً؛ لأن الحربي مباح الدم على الإطلاق.

ولا يقتل الذمي بالمستأمن عند أبي حنيفة؛ لأن عصمة المستأمن ليست مطلقة، بل هي مؤقتة إلى غاية مقامه في دار الإسلام؛ ولأن في عصمته شبهة العدم.

ويقتل المستأمن بالمستأمن عند أبي حنيفة قياساً, ولا يقتل قياساً لقيام المبيح على قتله.

ويرى مالك والشافعي وأحمد أن الكفار يقتلون بعضهم ببعض دون تفريق. فالذمي يقتل بأي كتابي أو مجوسي أو مستأمن. ولو اختلفت دياناتهم, فتتفق المذاهب الثلاثة مع الإمامية في ذلك, وان اختلفت الأدلة.

فهذان الشرطان وهما: التساوي في الدين، والتساوي في الحرية, بيّنا أراء الفقهاء فيهما، وما هو محل الخلاف بينهم, وتبّين أن المذاهب - الإمامي والمالكي والشافعي وأحمد- كلها متفقة في أصل هذين الشرطين ومختلفة في بعض الخصوصيات.

وينفرد أبو حنيفة في عدم اشتراطهما، ولكنه يشترط أن يكون القتل في دار الإسلام فالعصمة عنده هكذا.

إلا أن الملاحظ أن رأي أبي حنيفة وإن اختلف مع المذاهب الأخرى، إلا إنه يتفق مع القوانين الحديثة التي لا تشترط في القصاص الإسلام ولا الحرية.

الشرط الثاني: أن يكون القتيل جزءاً من القاتل, وهذا الشرط يتوافق مع اشتراط الإمامية عدم كون القاتل أباً للمقتول, وحينئذ يخرج من القصاص لقول
النبي e: (لا يقاد الوالد بولده).

ويتفق مع رأي الإمامية أبو حنيفة والشافعي وأحمد؛ فإنهم يرون أن لا قصاص على الوالد في قتل أبنه. وذلك لقول الرسول الأعظم e: (لا يقاد والد بولده).

ويخالف مالك في ذلك استناداً إلى قاعدته في القتل العمد، حيث إنه يشترط في عدم القصاص على الوالد إذا ضربه للتأديب، وأما إذا ضربه للعدوان فإنه يقتل به.

وعلى هذا يقتل الولد بوالده، سواء أكان أباً أم أماً إذا قتله طبقاً للنصوص عندهم.

ويلحقون الأم بالأب, فإذا قتلت ولدها فلا يقتص منها، ويستدلون بأن النص جاء بلفظ الوالد الشامل لهما. وهذا خلاف ما ذهبت إليه الإمامية من اختصاص عدم القصاص, بالأب دون الأم، ولكنهم يحكمون بعدم القصاص للأب وإن علا.

وأما الأم والجدة وغيرهما، فلا تدخل في النص. وذلك لأن الوالد خرج بالتخصيص فيقتصر فيه على القدر المتيقن. وهو دخول الأب دون الأم والجدة وغيرهما, ويلحقون الجدة بالأم، كما أنهم يتفقون مع الإمامية بأن الوالد لا يقتل بالولد، سواء أكان مساوياً للولد في الدين والحرية أم مخالفاً. وذلك لأن التخصيص لشرف الأبوة. وهو موجود في كل هذه الأحوال. ويخالف مالك الفقهاء كما ذكرنا.

والزوجان يقتل كل واحد منهما بالآخر؛ لأنهما متكافئان.

الشرط الثالث: كيفية استيفاء القصاص.

الإمـاميـة: لا يقتـص إلا بالسـيف، ولا يجـوز المثـلة بـه. هذا هو المشـهور، بل ادعي عليه الإجماع(٦١), مضافاً إلى الروايات الواردة بهذا الخصوص. 

منها صحيحة الحلبي والكناني عن أبي عبد الله g: (قالا: سألناه عن رجل ضرب رجلاً بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتى مات, أيدفع إلى ولي المقتول فيقتله)؟ قال: (نعم، ولكن لا يترك يعبث به, ولكن يجيز عليه بالسيف)(٦٢).

و معتبرة موسى بن بكر عن العبد الصالح g (٦٣).

وجوز بعض الفقهاء(٦٤), بالأسهل كالاتصال بالأسلاك الكهربائية، أو بعض الإشعاعات الخاصة المشعة على المخ بحيث لا يحس الجاني بالقتل، ولكن مشروط برضا الولي.

ويتفق مع مشهور الإمامية أبو حنيفة, فالقصاص عنده لا يستوفي إلا بالسيف. مستدلاً بقول الرسول e: (لا قود إلا بالسيف), وأما مالك والشافعي وأحمد فعندهم أن القاتل بالسيف يقتص منه بالسيف لقوله تعالى: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}(٦٥), والسيف أسرع الآلات فيقتص منه به، وإلا كان فوق الحق الذي عليه.

وأما إذا كان القاتل بالحرق والغرق وغير ذلك، فيقتص منه كذلك بالمثل، لقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ}(٦٦), ولقول الرسول e: (من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه)(٦٧).

ولكنهم يجوزون للولي أن يقتص بالسيف في هذه الأحوال؛ لأنه قد وجب له القتل والتعذيب. فإذا عدل إلى السيف فقد ترك بعض حقه وهو جائز له.

أما الإمامية فالروايات حددت السيف، ولكن لم تشر إلى حصر القصاص بالسيف.        

والإجماع حصره بالسيف، ورغم ذلك فقد جوز السيد عبد الأعلى السبزواري(٦٨), بما يكون أسهل بدعوى الأولوية القطعية من قتله بالسيف بعد إذن صاحب الحق به, وأن ما نسب إلى النبيe: (من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه) فسنده قاصر وغير معمول به عند الأصحاب.

ومع ذلك يبقى الكلام في عموم قوله تعالى: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}, وقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}, فهاتان الآيتان الكريمتان يمكن المناقشة فيهما فنقول:

الأولى منهما واردة في القتال، لا في القتل، فتكون خارجة تخصصاً.

وأما الثانية فتدل على أن العقوبة بمثلها، حيث فسرها السيد عبد الله شبر في تفسيره(٦٩), {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} أي أردتم عقوبة جانٍ قصاصاً {فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} من دون زيادة. فالآيات المباركة عامة.

والكتاب العزيز يخصص بالسنة القطعية المتواترة كما هو معلوم في الأصول, فيمكن تخصيصه بما روي في الصحاح عن أهل البيت i وأنه لا يمكن مخالفة الإجماع في حالة ثبوته, كما إن تفسير الآية: {بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ} يحتمل أن يكون المراد به أن القاتل يقتل، وقاطع اليد تقطع يده والذي يجرح شخصاً يجرح وهكذا.

فالمسألة خلافية لا بسبب الآيات القرآنية وعمومها، وإنما لما روي عن النبي e: (لا قود إلا بالسيف) وهذا ما استدل به أبو حنيفة.

وأما ما استدل به مالك والشافعي وأحمد عن النبي e: (من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه).

فيحصل التعارض بين الروايتين، فنجري أصول التعارض بينهما. فأولاً من ناحية السند، وثانياً من ناحية الدلالة.

فإذا ثبتت صحة السند كما هو عند غيرنا من المذاهب الأخرى، فيعرض على القرآن. فما وافقه يؤخذ به. ورواية الشافعي وأحمد ومالك موافقة لقوله تعالى {بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ} فالمفروض تقديمها.

وأما بالنسبة للإمامية فسند هاتين الروايتين قاصر عن الاستدلال به؛ لأنهما نبويتان. ولو سلمنا صحة سندهما فإنهما لا تقاومان ما عندنا من الصحاح المروية عن أهل البيت i ومن هنا أجمعوا على أن القصاص بالسيف. وهذا ما وافقه أبو حنيفة...

العقوبة الثانية: السجن المؤبد مع الجلد.

ورد في الفقه الإسلامي ذكر السجن المؤبد، ولكن في حالات خاصة وهي:

أولاً: ما عند الأمامية.

  1. ممسك المجني عليه (أي الشخص الذي أمسك شخصاً لآخر فقتله).

٢- الآمر بالقتل فهذا يحكم بالسجن المؤبد حتى الموت.

  1. المكرَه على القتل يحكم بالسجن المؤبد على المشهور. إذا كان المكرِه بالغاً عاقلاً, أي يعتبر ظرفاً مخففاً.

هذا ما ذكرته كتب الفقه الإمامي، حيث يقول السيد الخوئي: (لو أمسكه وقتله آخر قتل القاتل، وحبس الممسك مؤبداً حتى يموت بعد ضرب جنبيه، ويجلد كل سنة خمسين جلدة)(٧٠).

ويقول السيد السبزواري: (لو أمسكه شخص وقتله آخر... يقتل القاتل ويحبس الممسك أبداً حتى الموت)(٧١).

وهذا الحكم إجماعاً ونصوصاً. ومنها معتبرة الحلبي عن أبي عبد الله g:  (قضى علي gفي رجلين أمسك أحدهما وقتل الآخر, قال: يقتل القاتل ويحبس الآخر حتى يموت غماً كما حبسه حتى مات غماً)(٧٢).

وأما الآمر، فيقول السيد الخوئي: (لا أكراه في القتل. فلو أكره على قتل شخص فالقود على المباشر إن كان بالغاً عاقلاً دون الآمر, نعم يحبس الآمر حتى يموت)(٧٣). ومستنده صحيح زرارة عن أبي جعفر g: (في رجل أمر رجلاً بقتل رجل [فقتله] فقال: (يقتل به الذي قتله, ويحبس الآمر بقتله في الحبس حتى يموت)(٧٤), مضافاً إلى الإجماع.

ومن هنا يظهر عدم الفرق بين السجن والحبس في الفقه الإمامي. 

وأما المكرَه على القتل فيقول السيد الخوئي: (ولو أكرهه على القتل، فإن كان ما توعد به دون القتل فلا ريب في عدم جواز القتل ولو قتله - والحال هذه- كان عليه القود، وعلى المكرَه الحبس المؤبد)(٧٥).

ثانياً: ما عند المذاهب الأخرى:

١- من أمسك شخصاً وقتله آخر ففي مذهب أحمد يحبس الممسك حتى الموت. مستدلاً بما روي عن ابن عمر عن النبي e قال: (إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك لأنه حبسه إلى الموت) ولأن علياً رضي الله عنه قضى بقتل القاتل وحبس الممسك حتى يموت.

ولم تذهب بقية المذاهب إلى ذلك, وإنما ذهبوا إلى عقوبات أخرى، حيث يرى مالك القصاص على الممسك أيضاً، إذا أمسك القتيل لأجل القتل، وهو يعلم أن الطالب سيقتله.

ويرى أبو حنيفة والشافعي تعزير الممسك.

٢- الآمر بالقتل: يرى مالك القصاص عليه إذا حضر القتل، والتعزيز إذا لم يحضر, وأبو حنيفة يرى أن لا قصاص عليه، ويرى الشافعي وأحمد أنَّ على الآمر التعزير.

٣- المكره على القتل. يرى مالك والشافعي وأحمد أن القصاص واجب عليه.

ويرى أبو حنيفة القصاص عليه.

فلا توافق بين المذاهب الأربعة والإمامية في هذه الجرائم، إلا الإمام أحمد في مسألة الممسك.

العقوبة الثالثة: الدية: وهي المال المفروض في الجناية على النفس أو الطرف أو الجرح أو نحو ذلك(٧٦).

١- الإمامية:

المشروع في القتل العمدي هو القصاص، وأما الدية فهي غير مشروعة فيه(٧٧) والقصاص واجب تعييناً(٧٨) ولا يوجب الدية لا تعييناً ولا تخييراً, وإنما تكون الدية عقوبة العمد في حالة التراضي. فهي عقوبة رضائية بالنسبة للقتل العمد عندما يعفو الولي بشرط الدية، فيكون الجاني بالخيار بين القبول وعدمه. ولا تثبت الدية إلا برضاه. فلو رضي بها سقط القود، وثبتت الدية. فهي رضائية بدلية، وأما إذا عفا الولي عن القصاص فليس له مطالبة الجاني بالدية، إلا أن يشترط ذلك بالعفو. فالدية تثبت بالعرض لا بالأصالة.

ويمكن فرضها في قتل لا يوجب القود. كقتل الوالد ولده، أو موت القاتل، أو كون القاتل عاقلاً والمقتول مجنوناً. ومع ذلك تبقى الدية عقوبة بدلية, واستدلوا بعدة روايات نذكر منها صحيحة عبد الله بن سنان والحلبي عن أبي عبد الله g: (من قتل مؤمناً متعمداً... فإن رضوا بالدية وأحب ذلك القاتل فالدية)(٧٩).

مضافاً إلى الإجماع الذي نقله السيد الخوئي (٨٠), وأنه لا خلاف بين الأصحاب في ذلك.

٢- المذاهب الأخرى:

يذهب مالك وأبو حنيفة إلى ما ذهب إليه الإمامية. وهو أن القصاص واجب تعييني لا تخييري. فالدية ليست واجباً تخييرياً، ويشترطان رضا الجاني فهي رضائية عندهما.

وأما الشافعي وأحمد فإنهما يذهبان إلى أن الدية واجب تخييري؛ لأن ولي الدم مخيّر بين القصاص والدية، ولا يحتاج إلى رضا الجاني. فالدية واجب تخييري وليس رضائياً, ووافقهما من الإمامية العماني والإسكافي.

واستدلوا بقول الرسول e: (وإن في النفس مائة من الإبل) وادعوا الإجماع على وجوب الدية في الجملة.

٣- أصناف الدية:

يرى الإمامية أنّها مخيرة بين:

١- مائة بعير فحل من مسان الإبل.

٢- مائتا بقرة.

٣- ألف دينار ذهباً, وكل دينار ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي من الذهب المسكوك. 

٤- ألف شاة.

٥- عشرة آلاف درهم.

٦- مائتا حلّة, كل حلّة ثوبان.

يتخير الجاني في إعطاء أي صنف من هذه الأصناف الستة، وليس لولي المقتول إجباره على صنف خاص. وتستوفى الدية خلال سنة واحدة في القتل العمد. وهذا لا خلاف فيه عند الإمامية, بل ادعي عليه الإجماع مضافاً لما دلّت عليه الروايات (ومنها): صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سمعت بن أبي ليلى يقول: كانت الدية في الجاهلية مائة من الإبل فأقرّها رسول الله e ثم إنه فرض على أهل البقر مائتي بقرة، وفرض على أهل الشاة ألف شاة ثنية، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل اليمن الحلل مائتي حلّة. قال عبد الرحمن بن الحجاج: فسألت أبا عبد الله g عما روى ابن أبي ليلى فقال: (كان علي g يقول الدية ألف دينار، وقيمة الدينار عشرة دراهم، وعشرة آلاف لأهل الأمصار، وعلى أهل البوادي مائة من الإبل، ولأهل السواد مائتا بقرة، أو ألف شاة)(٨١).

وأما الحلّة فإنها وردت في صحيحة ابن أبي عمير عن جميل بن دراج في الدية قال: (ويؤخذ من أصحاب الحلل الحلل...)(٨٢).

وأما كون الحلّة ثوبان فهذا ما نص عليه الفقهاء وأهل اللغة، بل صرّح في الجواهر بأن الحكم مفروغ منه. فتفسير أهل اللغة واتفاقه مع الفقهاء يوجب الاطمئنان، بالإضافة إلى أن القول بالحلّة وأنها من أفراد الدية مجمع عليه ومتسالم مقطوع به بين فقهاء الإمامية.

وأما كونها تُستوفى خلال سنة في العمد فلصحيحة أبي ولاّد عن أبي عبد الله g (قال: كان علي g يقول تستأدى دية الخطأ في ثلاث سنين وتستأدى دية العمد في سنة)(٨٣).

ويوافق الإمامية مذهب أحمد، حيث يرى أن الدية تجب في الأجناس الستة, الإبل والذهب والفضة والبقر والغنم والحلل, واستدّل بما روي من عمل عمر. فإنه قضى بالدية من هذه الأجناس جميعاً حين كانت الديات على العواقل, وروى عن عمر بن شعيب أنه قام خطيباً فقال: ألا إن الإبل قد غلت، فقوم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفاً، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة(٨٤).

في حين يذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي في رأيه الأول إلى أن الأجناس ثلاثة: الإبل والذهب والفضة؛ لقول رسول الله e: (في النفس المؤمنة مائة من الإبل وانه جعل دية كل ذي عهد على عهده ألف دينار)(٨٥).

ثم عدل الشافعي عن رأيه وقال: إن الدية تجب في جنس واحد هو الإبل, وأساس قوله هذا، أن الإبل هي الأصل في الدية وما عداها أبدال عنها لكل أهل صنف.

هذه هي أراء المذاهب في الأصناف وأما مقاديرها فلا خلاف في مقدار الإبل والبقر والذهب والحلل بأنها مائة من الإبل، وألف دينار من الذهب ومئتا حلة.

وأما الخلاف وقع في مقدار الغنم والفضة:

فالإمامية ترى أنَّ مقدار الغنم ألف شاة, وبقية المذاهب تراه ألفي شاة. ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات عند الفريقين.

وأما منشأ الخلاف في الفضة وكون مقدارها عشرة آلاف كما ذهب الإمامية وأبو حنيفة؛ فلأنهم يرون أن قيمة الدينار هي عشرة دراهم, وأما مالك والشافعي وأحمد فإنهم يرون أن الفضة اثنا عشر ألف درهم؛ وذلك لأنهم يرون أن قيمة الدينار اثنا عشر درهماً.

وأمّا الوقت الذي تستوفى فيه دية العمد. فالإمامية يرونه سنة كما تقدم, وأما مالك والشافعي وأحمد فالدية عندهم حالة غير مؤجلة، إلا إذا رضي ولي الدم بالتأجيل, وحجتهم أن الدية بدل القصاص. وهو حالّ، فتكون مثله حالّة، ولأن في التأجيل تخفيفاً. والعامد لا يستحق التخفيف.

وأما أبو حنيفة فعنده تستوفى دية العمد بثلاث سنين، ويكفي العامد تغليظاً تثبيت الدية وجعلها في ماله.

بقيت هنا أمور في الدية نذكرها كما يأتي:

١- المرأة ديتها نصف دية الرجل لإختلاف الجنس. وهذا لا خلاف فيه بين المذاهب الإسلامية الخمسة. وهو مجمع(٨٦) عليه عندنا, بل عند فقهاء المسلمين لإجماع الصحابة وهو المروي عندهم.

٢- الذمي ديته عند الإمامية ثمانمائة درهم إذا كان من أهل الكتاب, ويرى مالك والشافعي وأحمد أن ديته نصف دية المسلم.

ودية نسائهم نصف دياتهم باتفاق المذاهب.

وأما سائر الكفار فلا دية لهم كما لا قصاص فيه.

ويخالف أبو حنيفة في ذلك حيث يجعل الديات متساوية بين المسلمين وغيرهم حتى عباد الوثن.

٣- العبد ديته عند الإمامية قيمته ما لم تتجاوز دية الحر، فلا يجبر الزائد. وديته عند المذاهب الأخرى أيضاً قيمته، ولكن حتى لو زادت على دية الحر.

٤- دية ابن الزنا في مشهور الأمامية(٨٧) أنه إذا كان محكوماً بالإسلام فدية المسلم. 

العقوبة الرابعة: التعزير: وهو الجلد بما دون الحد وربما شمله. وهي عقوبة كل من فعل محرماً أو ترك واجباً(٨٨).

١- عند الإمامية:

وهـي عقـوبة بديلـة عن القصـاص، وتكـون عنـد امتنـاعه وعـدم توفر شروطه، أو سقوطه لسبب من الأسباب الموجبة لذلك خلا الموت، كعفو الولي عنه بدية أو بدونها.

وهي عندنا عقوبة الوالد الذي يقتل ولده، والسيد يقتل عبده، أو عبداً كما يدل عليه ما روي عن أبي جعفر g: في الرجل يقتل ابنه أو عبده قال: (لا يقتل به ولكن يضرب ضرباً شديداً)(٨٩).

وأما إذا لم يكن عبده، فعليه التعزير أيضاً لما روي عن أبي عبد الله g: في رجل قتل مملوكاً متعمداً قال: (يغرم قيمته ويضرب ضرباً شديداً)(٩٠).

٢- المذاهب الأخرى:

أوجب مالك أن يعاقب القاتل تعزيراً في امتناع القصاص، أو سقوطه سواء أبقيت الدية أم سقطت هي أيضاً، ويرى أن تكون العقوبة الحبس لمدة سنة، والجلد مائة جلدة، وأما الشافعي وأحمد وأبو حنيفة فيرون عند سقوط القصاص أن التعزير حق لله تعالى وهو حق للجماعة بعد سقوط القصاص، وهو تأديب للقاتل يرجع نفعه للناس كافة، ولا يوجبون عقوبة معينة على القاتل إذا سقط القصاص، أو عفا الولي عنه، ولكن ليس عندهم ما يمنع من عقاب القاتل عقوبة تعزيرية بالقدر الذي تراه الهيئة التشريعية صالحاً لتأديبه وزجره. وهذا يتفق مع ما ذهبت إليه الإمامية.

العقوبة الخامسة: وهي الكفارة: وهي تكليف محض لا تعلُّق لها بالحقوق المالية, ويُكلَّف بها القاتل بعد سقوط القصاص, وأما عند ثبوت القصاص على القاتل فلا تجب عليه، ولا تستخرج من ماله بعد القصاص؛ لعدم وجوبها.

والكفارة من العقوبات المترتبة على القتل العمدي بعد سقوط القصاص بالعفو، أو امتنـاعه أو تخصيصه. وهــذا لا خلاف فيـه بين الإمـامية، بل ادعـي عليـه الإجـماع بقسميه المنقول والمحصل(٩١).

فالإجماع هو الحجة على ثبوتها في القتل العمدي، وكونها بدلية عن القصاص عند العفو، أو أخذ الدية. فتكون تكليفاً في طول القصاص وفي عرض الدية والتعزير والحبس. فهي تجب مع وجوبهما وبدونهما.

ومضافاً إلى الإجماع فالنصوص تصرح بذلك، بل المتيقن(٩٢) من النصوص ذلك. نحو: ما روي عن أبي جعفر g: (الرجل يقتل الرجل متعمداً) قال: (عليه ثلاث كفارات يعتق رقبة، ويصوم شهرين متتابعين، ويطعم ستين مسكيناً)(٩٣).

والواضح من بعض النصوص أن الكفارة إنما تجب بعد القتل على نحو الشرط المتأخر. فإذا قتل أو مات بسبب آخر فلا كفارة عليه, ولا فرق في وجوب الكفارة بقتل المسلم بين البالغ وغيره، والعاقل والمجنون، والذكر والأنثى، والحر والعبد، وإن كان العبد عبد القاتل. والمشهور وجوب الكفارة في قتل الجنين بعد ولوج الروح فيه.

وأما الكفار فلا كفارة في قتلهم. من دون فرق بين الذمي وغيره. ولو اشترك جماعة في قتل مؤمن فعلى كل واحد منهم الكفارة؛ لإطلاق الأدلة. ولا تجب الكفارة على الصبي، ولا المجنون إذا قتلا مسلماً، لأنها تكليف محض وقد رفع القلم عنهما, هذا ما عند الإمامية.

وأما المذاهب الأخرى فاختلفوا في وجوبها.

حيث يرى الشافعي أن الكفارة تجب وتغلظ على قاتل العمد؛ لما رواه وائلة بن الأسـقع قـال: أتـينا النبـي e بصـاحب لنا قـد أستـوجب النار بالقتل فقال: (اعتقوا عنـه رقبة يعتق الله تعالى بكل عضو فيها عضواً منه من النار)(٩٤).

ويرى أحمد رأياً مشابهاً للشافعي، ويتفق معه، ولكن مشهور مذهبه أن لا كفارة في القتل العمد، باعتبار أن النص الخاص بالقتل العمد خلو منها، وجزاء العمد هو القصاص، وأن الرسول e أوجب القود على سويد ولم يوجب الكفارة، وأن عمرو بن أمية قتل رجلين فوداهما ولم يوجب الكفارة.

ويرى أبو حنيفة أن لا كفارة في القتل العمد لأنها دائرة بين العبادة والعقوبة، فلابد من أن يكون سببها دائراً بين الحظر والإباحة، لتعلق العبادة بالمباح، والقتل بالمحظور. وقتل العمد كبيرة محضة فلا تناظر به كفارة؛ ولأن الكفارة من العقوبات المقدرة، فلا يجوز إثباتها بالقياس، بل لابد من النص عليها.

ويذهب مالك إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة، إلا أنه يقول بإنها مندوبة للذي لم يقتص منه سواء أكان ذلك لعدم القصاص أم لمانع شرعي أم لعفو.

وعلى هذا فيمكننا القول أن أحمد ومالكاً وأبا حنيفة لا يرون الكفارة في القتل العمد إذا اقتص منه. فالقصاص لا غير، ولا يجب على ورثته إخراجها من ماله وهذا يتفق مع الإمامية.

ويخالف الشافعي حيث يقول بالكفارة مع القصاص، ولكل منهم دليله في ذلك وكما يأتي:

فالإمامية: استدلوا بروايات صحيحة وصريحة مضافاً للإجماع. وقد تقدم بعض منها. 

وأما المذاهب الأخرى: فقد استدلوا بأدلة يعارض بعضها بعضاً, وكلها عن رسول الله e, والتعارض بين الدليلين نرجع فيه إلى أدلة الترجيح, فالأقوى سنداً يقدّم على غيره, وإذا غضضنا النظر عن السند ولجأنا إلى الجمع العرفي الدلالي بحمل الرواية التي استدل بها الشافعي وهي رواية وائلة بن الأسقع على الندب، أي أن الكفارة مستحبة مع القصاص لا واجبة. بدلالة الروايات الأخرى الدالة على عدم وجوبها.

فنكون أمام إلزام بالكفارة كما في رواية الشافعي, وترخيص بتركها كما في الروايات الأخرى التي استدل بها الثلاثة, وهذا ما ذهب إليه مالك، إلا أنه اشترط كون الندب مع عدم القصاص.

وإذا قلنا بهذا الرأي نكون قد وفقنا بين آراء جميع المذاهب, ويوافق أبو حنيفة رأي الإمامية حيث يرى عدم وجوب الكفارة إلا على المسلم البالغ. فلا تجب على الصبي ولا المجنون ولا غير المسلم؛ لأنها عبادة لا يخاطبون بها.

وأما الإمامية: فيرون أن الكفار يخاطبون ولكن لا يصح منهم؛ لفقد التقرب, وأما الشافعي وأحمد فإنها تجب عندهم على القاتل أياً كان بالغاً أم غير بالغ، عاقلاً أم مجنوناً، مسلماً أم غير مسلم، ولا يستثنى إلا الحربي.

وأما مالك فإنه يرى أنها تجب على الصبي والبالغ والعاقل والمجنون. إذا كان مسلماً ولا تجب على غير المسلم؛ لأنها عقوبة عبادية. 

وتذهب الإمامية إلى كون خصال الكفارة ثلاثاً: عتق رقبة, وصيام شهرين متتابعين, وإطعام ستين مسكيناً, وأنها كفارة جمع.

وكذلك الشافعي وأحمد يذهبان إلى كون خصال الكفارة ثلاث خصال: عتق رقبة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكيناً، ولكنهما يقولان بأنها كفارة مرتبة لا كفارة جمع, أي يجب عليه أولاً عتق رقبة فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.

ودليلهما قياساً على كفارة الظهار التي نصّ فيها على الإطعام بخلاف مالك وأبي حنيفة، حيث يذهبان إلى أن خصال الكفارة اثنتان وهما: العتق والصيام, وهي كفارة مرتبة. العتق، فإن لم يستطع، فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع لا يجب عليه الإطعام.

والدليل عندهما عدم النص على الإطعام في روايات الكفارة للقتل العمد. والقياس لا يصح في الكفارة لأنها عبادة. والعبادات تحتاج إلى نص فهي توقيفية.

إلى هنا انتهت العقوبات للقتل العمد وهناك عقوبات تبعية وهي: الحرمان من الإرث. فالقاتل يحرم من الإرث إذا قتل من يورثه، و يحرم من الوصية.

فالأب القاتل لأبنه وأن عفي عن القصاص فإنه يعاقب - بالإضافة إلى التعزير والكفارة والدية- الحرمان من إرث المقتول ووصيته، إلا إذا كان قد أوصى له. 

 

 

الفصل الثاني

القتل العمد في قانون العقوبات العراقي

ذكره قانون العقوبات من المادة (٤٠٥) إلى المادة (٤٠٩)

وقد تم شرحه بعدّة شروحات. ولأجل المقارنة بين ما جاء فيه عن القتل العمد، وبين المذاهب الفقهية لابد من استعراضه في مباحث تشابه المباحث التي تم بحثها في الفصل الأول في رؤية المذاهب الفقهية. ولذلك ستكون مباحث الفصل الثاني على النحو الآتي:

المبحث الأول: تقسيمات القتل العمد في القانون، وتعريفه وتوضيحه.

المبحث الثاني: أركان القتل العمد وشرح نصوصه.

المبحث الثالث: تطبيقاته وعقوباته.

 

المبحث الأول

تقسيمات وتعريف القتل العمد

أولا: تقسيمات القتل في قانون العقوبات العراقي

يظهر من مراجعة تبويب ونصوص قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته أن المشرع العراقي نص على ثلاثة أقسام للقتل أشار إليها من المادة ٤٠٥ وحتى المادة ٤١١. 

القسم الأول: القتل العمد حيث نصّ عليه في المواد من ٤٠٥ إلى ٤٠٩. 

القسم الثاني: الضرب المفضي إلى الموت ونصّ عليه بالمادة ٤١٠.

القسم الثالث: القتل الخطأ ونصّ عليه بالمادة ٤١١.

هذه أقسام القتل التي نصّ عليها المشرّع العراقي حيث قسمها إلى ثلاثة أقسام.

ثانياً: تعريف القتل العمد في قانون العقوبات العراقي:

تقدّم أن قانون العقوبات العراقي لم يذكر تعريفاً للقتل العمد، واكتفى بذكر أركانه في نص المادة ٤٠٥.

وذكر بعض الشراح(٩٥) أن هذا لا يثير أية صعوبة، وادعى الإجماع (على أن القتل العمد هو كل إزهاق لروح إنسان عمداً).

أقول: إن النص ٤٠٥ هو بمثابة تعريف للقتل العمد كما سوف يتضح إن شاء الله.

ومع ذلك سوف نعتبر التعريف المجمع عليه هو العمدة في مناقشة التعريف ومقارنته بتعريف المذاهب الفقهية الإسلامية..

فالقتل العمد (هو كل إزهاق لروح إنسان تعمداً).

توضيح التعريف:

قوله (كل إزهاق لروح) كما علمنا سابقاً أن إزهاق الروح يعني في اللغة إخراجها، فيحمل عليه ويكون كل إخراج روح مشمول بالتعريف ويصدق عليه.

والإخراج يحتاج إلى فعل أو وسيلة من الفاعل، وإلا فالقانون لا يعاقب على النيات أو المقاصد الشريرة، بل لابد من فعل أو وسيلة من الوسائل تكون سبباً لإخراج الروح.

والوسائل منها ما يكون قاتلاً بطبيعته كالسلاح الناري، والحرق، والإلقاء من مرتفع، والخنق والسم، والتيار الكهربائي، وغيرها.

ومنها: ما لا يكون قاتلاً بطبيعته ولكنه يؤدي إلى القتل استثناءً وفي ظروف خاصة.

وهذه الوسائل كلها مشمولة بقوله (كل إزهاق لروح)؛ لأن التعريف أطلق ولم يقيد، ولم يبيّن الوسيلة المستعملة في استخراج الروح. فجميع الوسائل مشمولة بالتعريف ونص المادة ٤٠٥ من ق. ع. ع.

بل أكثر من ذلك فهي تشمل حتى الوسيلة المعنوية، باعتبار الوسائل النفسية من وسائل القتل كمن يختلق نبأً مؤلماً بغتة على شيخ مريض بقصد قتله، أو مثل وضع طفل صغير في حالة ذعر للقضاء عليه. فهذه الأمور وإن كان يصعب جعلها من القتل العمد إلا أنه يمكن ذلك إذا تحققت علاقة السببية بينها وبين الوفاة، وتوفر القصد للقتل.

ولا يشترط المشرّع العراقي إن يكون إخراج الروح بفعل، بل يمكن حصوله بالامتناع والترك ويشمله التعريف، بل نص المشرع على ذلك في المادة (٣٤) بقوله: (تكون الجريمة عمدية إذا توفر القصد الجرمي لدى فاعلها وتعد الجريمة عمدية كذلك).

١- إذا فرض القانون أو الاتفاق واجباً على شخص، وأمتنع عن أدائه قاصداً إحداث الجريمة التي نشأت مباشرة عن هذا الامتناع(٩٦).

وهل الجريمة المستحيلة مشمولة؟ لا يعدها المشرع العراقي شروعاً.

ويعتبر هذا هو الركن الأول. وهو وقوع فعل مادي باتخاذ الوسائل المؤدية إليه.

٢- قوله (إنسان) فيعتبر ركناً ثانياً في جريمة القتل العمد في القانون العراقي؛ لأنه محل الجريمة.

أي لا يتحقق القتل العمد إلا بوقوعه على إنسان، والمقصود به الإنسان الحي أي على قيد الحياة. وتبدأ الحياة في القانون العراقي بعد تمام الولادة، وتنتهي بموته. وهذا ما ذكره القانون المدني منه في م/٣٤.

ومن هنا نقول: إن القتل لا يحصل للميت ولا للجنين قبل تمام الولادة. وإن كانت هذه الأفعال تعد جريمة، لكنها ليست جريمة القتل العمد، بل جرائم أخرى كالإجهاض مثلاً.

ويخرج بقوله (إنسان) قتل الحيوان حيث اعتبره المشرع العراقي جريمة عالجها في المادتين ٤٨٢و٤٨٣ من ق.ع.ع.

ويخرج أيضاً ما قبل الولادة فيسمى إجهاضاً أشار إليه المشرع العراقي في م/ ٤١٧(٩٧) من ق.ع.ع.

وقانون العقوبات العراقي يكتفي بذكر الإنسان من دون أي قيد. فهو لا يفرق بين طفل وكهل وشيخ، ولا بين ذكر أو أنثى، ولا مواطن أو أجنبي، ولا بين متمدن وغيره، ولا بين عالم أو جاهل، أو غني أو فقير، إذ الناس كلهم سواسية أمام القانون. ويحميهم بدرجة واحدة وأن اختلفت منزلتهم الذاتية أو نفعهم للهيئة الاجتماعية، سواء أكان مسلماً أم يهودياً أم نصرانياً أم ملحداً أم مؤمناً أم مرتداً أم غير ذلك.

٣- قوله (تعمداً) المقصود بالعمد هو الركن الثالث في جريمة القتل العمد. وهو القصد الجنائي الجرمي الذي عرّفه في م / ٣٣ حيث قال: (القصد الجرمي هو توجيه نية الفاعل إرادته إلى ارتكاب الفعل المكون للجريمة هادفاً إلى نتيجة الجريمة التي وقعت، أو أي نتيجة جرمية أخرى)(٩٨).

ويقصد به نية القتل وهي المائز بين القتل العمد وغيره، وإثبات هذه النية الداخلية من اختصاص قاضي الموضوع، يستنبطها من ظروف كل قضية ودلائلها الخارجية، إما من طبيعة الفعل ذاته، أو من السلاح المستعمل، أو خطورة الإصابة وموقعها من جسم المجني عليه، أو من تكرار الطعن.

فالقصد الجنائي لدى الفاعل وهو تعمد إزهاق الروح. والقتل جريمة عمدية يلزم لقيامها توافر القصد الجنائي ابتدءاً، أي انصراف إرادة الجاني إلى تحقيق وقائع الجريمة مع العلم بأركانها، كما يتطلبها القانون, ويمكن تسميته بالقصد الجنائي العام.

فيكون قصد إزهاق الروح للمجني عليه قصداً خاصاً.

وبدون القصد الخاص يختلط العمد بشبه العمد أو الضرب المفضي إلى الموت أو الشروع فيه.

وسواء أكان محدوداً كإزهاق روح شخص معين بذاته، أم غير محدود. كمن يضع قنبلة في طريق ما.

ولا عبرة بالباعث للجريمة ما دامت الإرادة متوفرة. وهذا العنصر الأول من عناصر القصد الجرمي وهو توجيه الفاعل إرادته.

ويترتب على هذا العنصر إخراج المكرَه الذي فعل الجريمة من دون إرادته الحرة المختارة، مكرَهاً بقوة قاهرة أو تحت تأثير التنويم المغناطيسي.

ومن ذلك قتل الأم رضيعها وهي نائمة.

أو شخص سقط من شاهق على آخر فقتله، أو من يصوب بندقيته على آخر تحت تأثير التهديد. فهذه الأفعال لا تسمى جريمة قتل عمد. لفقد الركن الثالث وهو القصد الجرمي.

والعنصر الثاني للقصد الجنائي: إرادة النتيجة (الوفاة).

حيث إن إرادة الفعل وحدها لا تكفي لقيام القصد الجرمي، إذ لابد من انصراف نية الفاعل إلى تحقيق النتيجة الجرمية، أي أن تنصرف إرادته إلى وفاة المجني عليه. وهذا يتطلب إن يكون الجاني عالماً بأن محل الجريمة هو إنسان حي.

وعليه فالعلم بحياة المجني عليه شرط أساسي لتحقيق القصد الجرمي. ومع فقد هذا الشرط لا يعد الجاني  قاتلاً عمداً. 

فالطبيب الذي يبدأ بعملية التشريح معتقداً بأن الشخص الذي بين يديه قد فارق الحياة. وإذا به يلفظ أنفاسه الأخيرة، وتحدث الوفاة نتيجة للتشريح، لا يعد قاتلاً عمداً، لعدم علمه بحياة المجني عليه. وربما تكون هذه الجريمة قتلاً خطأ.

ولكي يتحقق العمد قانوناً، يحتاج إلى إرادة الفعل وإرادة النتيجة. ولا يريد النتيجة ما لم يكن عالماً بالحياة.

وكذلك من يرى شبحاً يعتقد أنه حيوان، فيضربه فيموت وإذا به إنسان. فلا يعد قاتلاً عمداً، لعدم إرادة النتيجة. وعليه فالذي يصوب نحو إنسان فيصيب أحد المارة ويرديه قتيلاً، يسأل عن جريمة قتل عمد؛ لأنه أراد الفعل وإرادة النتيجة وأخطأ الشخص المراد.

وبهذا يتضح المقصود من القتل العمد قانوناً، ويتبين إن هناك اختلافاً بينه وبين المقصود من القتل العمد في الفقه الإسلامي.

حيث أن تعريف شراح القانون العراقي يعرفون القتل العمد بأنه حقيقة مستقلة، سواء أوجب القصاص أم لا. 

وهذا ما نبهت عليه عند مناقشتي لتعريف الفقه الإسلامي الذي يعرف القتل العمد بأنه موجب للقصاص.

 

 

المبحث الثاني

أركان القتل العمد وشرح مواده القانونية

أولاً: أركان القتل العمد في قانون العقوبات العراقي.

تظهر أركان جريمة القتل العمد من نص م/٤٠٥ عقوبات التي نصت على أنَّ: (من قتل نفساً عمداً يعاقب بالسجن المؤبد أو المؤقت)(٩٩).

حيث يتبيّن من هذا النص، كما تمّ توضيح تعريفه المجمع عليه والشامل لبعض فقرات هذه المادة وهي (من قتل) حيث تقابل في تعريف الشراح (كل إزهاقٍ لروح) فكل ما ذكرته عن عبارة (كل إزهاق لروح) يأتي هنا؛ لأن معنى (قتل): إزهاق الروح يعني إخراجها, فالتعريف عبّر بقوله (كل إزهاق لروح) والنص عبّر بقوله (من قتل) فلا فرق بين التعبيرين إلا بالإجمال والتفصيل بين اللفظ وتعريفه, ولأجل ذلك قلت: إن تعريف القتل العمد هو م/٤٠٥ بعد تجريدها عن العقوبات, وذكرت في توضيح (إزهاق للروح) أنه يظهر الركن الأول للقتل العمد. وهو وقوع فعل مادي بإتخاذ الوسائل المؤدية إليه. فهذا هو الركن المادي للقتل العمد.

وتم توضيح ما يتعلق بهذا الركن في توضيح فقرات التعريف فلا نعيد ذلك.

ونضيف: إن هذا النص لم يبيّن نوع هذا الفعل، ولم يحدد صفاته. فهو فعل غير محدد لا بطبيعته ولا بوسيلته(١٠٠), وعليه فيشمل كل وسيلة مادية، أو معنوية قاتلة بطبيعتها. أو لا، وقع القتل بفعل واحد، أو بعدة أفعال سواء أوقع الفعل مباشرة من الجاني أم من دون مباشرة, وسواء حصلت الوفاة فوراً أم بعد حين, هذا ما يتعلق بالركن الأول.

الركن الثاني: محل الجريمة. وأشار إليه النص بقوله (إنسان) وقد بيّنا المقصود به هناك وقلنا: إنه الركن الثاني وهو محل الجريمة إنسان على قيد الحياة، ويصدق عليه من بعد تمام الولادة حتى موته, وقد تقدّم ما يخص هذا الركن فلا نعيد.

الركن الثالث: الركن المعنوي - القصد الجرمي- انصراف نية الجاني إلى إحداث الوفاة. وأشار إليه النص بقوله (تعمداً) وقد تقدَّم ما يخص هذه اللفظة، فلا نعيد. فهو يتكون من عناصر ذكرناها هناك ومُلخصها:

١- إرادة الفعل المادي، أي الفاعل يريد الفعل الذي ارتكب به الجريمة.

٢- إرادة النتيجة الجرمية (الوفاة) أي يريد وفاة المجني عليه وإزهاق روحه.

وبعد ذكر الأركان المحققة للقتل العمد نحاول تطبيقها على ما ذكرنا من جرائم في تطبيقات أركان الفقه الإسلامي, وذلك بعد شرح النصوص الواردة في القتل العمد. 

ثانياً: شرح فقرات النصوص القانونية في القتل العمد:

تقدَّم في التعريف شرح المادة ٤٠٥ لأنها تشتمل على تعريف القتل العمد، ولكن الفارق كما قلنا هو إجمال وتفصيل، حيث ذكرت المادة ٤٠٥ تعبير (من قتل) والتعريف ذكر تعريف القتل بقوله (كل إزهاق لروح) ومن هنا يكون المشرّع العراقي ذكر تعريف القتل العمد. ومع ذلك يقول بعض الشراح(١٠١): إن المشرع العراقي لم يذكر تعريف القتل العمد ويقصد التعريف التفصيلي.

فالمادة ٤٠٥ تم شرحها إلى قوله (يعاقب بالسجن المؤبد أو المؤقت) وفي جميع المواد التي سوف نشرحها نترك شرح العقوبات المذكورة في المواد إلى موضوع العقوبات، حيث نقوم بذكر كل عقوبة وشرحها بشكل عام. وبهذا نكون قد وصلنا إلى شرح م/٤٠٦ التي تتكون من عدة حالات وفقرات. ونحن سوف نذكر نص كل فقرة مع شرحها وعلى النحو الآتي:

م/ ٤٠٦:

١- يعاقب بالإعدام من قتل نفساً في إحدى الحالات التالية:

أ- إذا كان القتل مع سبق الإصرار أو الترصد.

ولأجل توضيح هذه الحالة نتطرق إلى توضيح سبق الإصرار، ثم توضيح الترصد.

أما سبق الإصرار فقد عرفته م/٣٣ فقرة ٣ (١٠٢), حيث جاء فيها انَّ: (سبق الإصرار هو التفكير المصمم عليه في ارتكاب الجريمة قبل تنفيذها، بعيداً عن ثورة الغضب أو الهياج النفسي).

ونلاحظ أن سبق الإصرار يتكون من عنصرين: 

١- التصميم السابق وهو العنصر الزمني.

٢- هدوء البال وهو العنصر النفسي.

وعليه لا يتحقق سبق الإصرار إلا بمضي مدة من الزمن كافية بين عقد النية على ارتكاب الجريمة، وبين تنفيذها، حيث يزن فيها الفاعل خطورة الفعل الذي سيقدم عليه، ويقدر نتائجه، ويصمم على تنفيذه بالرغم مما سيترتب عليه من خرق للنصوص القانونية. وكل ذلك يجري بنزو وتأمل تحيطه الطمأنينة وهدوء البال.

وهذا يدل دلالة واضحة على النفسية الشريرة لدى الجاني، فتكون أشد خطراً من نفسية الجاني الذي ينزلق إلى الجريمة تحت تأثير ثورة غضب آني تضعف من سلطانه على ذاته.

والذي يحدد ويقرر وجود سبق الإصرار من عدم وجوده. هو قاضي الموضوع لدخول ذلك في سلطة محكمة الموضوع.

ويتوفر سبق الإصرار سواء أكان الجاني عيّن شخص المجني عليه أم لم يعين، كما نصت عليه م/٣٣ فقرة (٤), ففيها: (يتحقق سبق الإصرار سواء أكان قصد الفاعل من الجريمة موجهاً إلى شخص معين أو إلى شخص غير معين وجده أو صادفه، وسواء أكان ذلك القصد معلقاً على حدوث أمر، أو موقوفاً على شرط)(١٠٣).

حيث تظهر الصورة الأولى في قضايا الأخذ بالثأر، إذ يقرر الجاني بينه وبين نفسه أن يقتل كل من يصادفه من العشيرة الفلانية، وأما الصورة الثانية: وهي تحقق سبق الإصرار ولو كان قصد القتل معلقاً على حدوث أمر أو متوقفاً على شرط. وذلك كأن يعزم المدين على قتل أي موظف يحضر إلى محله، ليضع الحجز على أمواله. وبالفعل يحدث الأمر ويأتي الموظف ليحجز، فيطلق عليه المدين النار ويرديه قتيلاً. هنا يسأل هذا المدين عن جريمة قتل مصحوبة بسبق الإصرار. 

ويقول بعض الشراح(١٠٤): (بالرغم من أن القانون لم ينص صراحة على عدم تأثير الغلط في الشخصية على توافر سبق الإصرار، إلا أن الأمر واضح من روح القانون. فسواء أصاب الجاني غريمه أو أخطأه، وأصاب شخصاًً آخر. فإن القصد متوفر والظرف المشدد أيضاً متوفر إذا كان هناك تصميم سابق مصحوب بهدوء البال على القتل بالرغم من الحيدة في الهدف. وهذا ما يقتضيه المنطق. فطالما لا يؤثر الخطأ في الشخصية، ولا الخطأ في التصويب على قيام القصد الجرمي، لذا فإنهما لا يؤثران أيضاً على قيام الظرف المشدد).

وسبق الإصرار هو ظرف مشدد من الظروف الشخصية التي تتعلق بشخص الجاني، لذا فهو لا يسري على كل من اشترك في الجريمة، أو ساهم بها، لكنه يسري على من تحقق لديه أو علم به.

وأما الترصد: فلم يعرفه المشرع العراقي، ولكن عرفه بعض الشراح(١٠٥), بقوله (هو انتظار الجاني في مكان المجني عليه بغية الإجهاز عليه، ويتم الترصد بمباغتة المجني عليه، ومفاجأته بالاعتداء، بحيث لا يتيسر له الدفاع عن نفسه، لذلك يعتبر ظرفاً مشدداً لما يتضمنه من جبن وخبث، وعدم إفساح المجال أمام الضحية للدفاع عن نفسها. ولكونه يسهل عملية الاعتداء وعملية هرب الجاني لعدوه على أثر ثورة نفسية انتابته عقب مشاجرة حصلت بينهما، فيقتله قبل إن تهدأ ثورة الغضب في نفسه. فهنا يسأل الجاني عن جريمة قتل عمد مقترن بظرف الترصد فقط دون سبق الإصرار والترصد في اللغة(١٠٦), والترصدُ: الترقبُ).

فمن المفهوم اللغوي وتطبيقات القضاء، ومما ذهب إليه الفقه يقول بعض(١٠٧) الشراح: (نستنتج أن لتحقق الترصد لابد من توفر شرطين هما):

الأول: أن ينتظر القاتل المجني عليه في مكان ما، فترة من الزمن متخفياً أو غير متخف. فمع عدم الانتظار لا يتحقق الترصد.

الثاني: أن يكون الترصد لغرض القتل حصراً. فإذا كان لغرض آخر وتطور الموضوع إلى شجار انتهى بالقتل فلا يمكن اعتبار هذا القتل قد حصل بالترصد.

ويتحقق الترصد حتى لو يقصد شخصاً محدداً أو موقوفاً على شرط، كمن يترصد لقتل أول قادم للقبض عليه، سواء أوقعت النتيجة على الغريم المراد قتله بالترصد، أم على شخص آخر نتيجة خطأ في التصويب أو في الشخصية.

والترصـد ظـرف عـيني(١٠٨), متعلق بالركـن المـادي للجـريمة ولذا يسـري على جميع المساهمين في الجريمة، علموا أو لم يعلموا. بخلاف سبق الإصرار الذي يعتبر ظرفاً شخصياً.

وبهذا يتضح المقصود من سبق الإصرار والترصد اللذين هما سببان للظرف المشدد. والعبارة عبرت بالعطف بـ (أو) وحينئذ يكون كل واحد منهما مستقلاً في كونه ظرفاً مشدداً يستحق الجاني عليه الإعدام.

هذه الفقرة (أ) من المادة (٤٠٦).

أما الفقرة (ب) من المادة ٤٠٦:

(إذا حصل القتل باستعمال مادة سامَّة أو مفرقعة أو منفجرة)(١٠٩), المشرع في هذه الفقرة يقصد بالمادة السامة التي تتسبب بالموت عاجلاً أو آجلاً. وقد تكون مواد سامَّة بطبيعتها، سواء أكانت حيوانية أم عضوية أم معدنية. وعليه فإنَّ من أجبر شخصاً على شرب دواء كثير فسبَّب تسممه لا يعد عمله قتلاً بالسم. والسبب هو كون المواد السامة لها قابلية إماتة الخلايا وشل الأعصاب بخلاف غيرها.

وعليه فإن تحديد أن المادة سامة أو لا؟ أمر علمي يحدده أهل الفن طبقاً لسلطة محكمة الموضوع في التقدير. وحتى المواد التي لا تكون سامة بطبيعتها فيمكن في ظروف معينة أن تؤدي إلى الوفاة.

ولأجل أن يكون داسُّ السم قاتلاً عمداً لابد من توفر أركان القتل العمد.

الركن الأول: هو دسّ المادة السامة. فهذا هو الفعل الذي يزهق الروح.

الركن الثاني: وقوعها على إنسان حي وهو محل الجريمة.

الركن الثالث: القصد الجنائي وهو متوفر؛ لاستخدام وسيلة قاتلة بطبيعتها.

وإذا توفرت هذه الشروط احتاجت إلى علاقة السببية بين دس السم والوفاة, وبهذا نكون أمام قتل عمد يوجب الإعدام بحسب النص القانوني.

وكذلك ألحق النص المادة المفرقعة والمنفجرة. وتسترشد المحكمة بأهل الخبرة من الكيمائيين والأطباء العدليين لتعيين طبيعة المادة المستعملة، ليقرروا هل هي مادة متفجرة أو مفرقعة وهي من سلطة محكمة الموضوع.

فمثالها استدراج الجاني للمجني عليه بواسطة عمل من أعمال التخريب، كوضعه قنبلة أو أية مادة مفرقعة أو متفجرة في سيارته أو في درج مكتبة، أو في أية سيارة أو طائرة أو درج مكتب أو في حفر خندق مثلاً ليقع فيه المجني عليه.

أما الفقرة ج من م / ٤٠٦:

فقد تناولت القتل العمد لدافع دنيء أو مقابل أجر، أو إذا استعمل الجاني طرقاً وحشيّة في ارتكاب الفعل، حيث نصت (ج– إذا كان القتل لدافع دنيء أو مقابل أجر، أو إذا استعمل الجاني طرقاً وحشية في ارتكاب الفعل)(١١٠).

وشرح هذه الفقرة يعتمد على الباعث الذي قد يكون شريفاً ونبيلاً، وقد يكون شريراً منطوياً على الغدر والخبث والدناءة، حيث يرتكب المجرم جريمته ضد المجني عليه بدناءة أما طمعاً في ماله أو للثأر منه، أو أنه يرتكبها مقابل أجر تافه يتقاضاه ممن يحرضه على ذلك فيقدم على إزهاق روح بريئة. كذلك اشترطت هذه الفقرة في التشديد وقوع القتل باستعمال طرق وحشية، فيدل على قسوة طباع الجاني وعدم مبالاته بحياة الأفراد. والقسوة تدل على شراسة في المجرم وعدم اكتراثه بأرواح الناس مما يجعل وجوده خطراً على المجتمع.

ولذلك حكم المشرع بالإعدام عند توفر أركان هذه الجريمة.

أما الفقرة (د) من م/٤٠٦: (إذا كان المقتول من أصول القاتل)(١١١).

وكلمة الأصول تعني أصل الشيء وهو منشأه وما يبتني عليه غيره. فهو يشمل الأب وأصوله من الجهتين وان علوا، كأبيه وأمه، وأصول كل منهما. كما يشمل الأم وأصولها كأبيها وأمها، وأصل كل منهما.

فالنص يعني أن يكون المقتول من أصول القاتل. فإما أن يكون أباً أو جداً له، أو أمَّاً أو جدَّة له. ولا يسري هذا الحكم ولا يتوافر ظرف التشديد إذا كان القاتل ابناً بالتبني أوابناً غير شرعي لأحد هؤلاء. وكذا الأمر إذا قتل الجاني زوج أمه أو زوجة أبيه؛ لأن هؤلاء ليسوا من أصوله.

فإذا تعدد الفاعلون وكان القتيل أصلاً لأحدهم، طبقت القواعد العامة في الاشتراك والتعدد.

أما إذا تعدد الفاعلون الأصليون، فلا يتعدى أثر هذا الظرف المشدد إلى الباقين. وإن كان ثمَّة فاعل أصلي هو القاتل لأصله وشريك. فإنَّ الظرف المشدد لا يسري على الشريك إلا إذا كان عالماً به وقت اشتراكه، أي إذا كان علم الشريك أنه يشترك مع شخص يريد قتل أبيه أو أمه أو جده أو جدته أو نحو ذلك.

فإن كان الشريك هو ابن المجني عليه، والفاعل الأصلي شخصاً أجنبياً عنه، فلا يعاقب الشريك إلا على اشتراك في قتل عمد, لأن الشريك يستمد إجراميته من الفاعل الأصلي. وجريمة قتل الأصول ذات صفة خاصة. والمشرع العراقي يعتبرها ظرفاً مشدداً شأنها شأن باقي الظروف المشددة وعقوبتها الإعدام(١١٢).

أما الفقرة (هـ) من م / ٤٠٦:

فإنَّها تنـص (هـ - إذا وقـع القتـل عـلى مـوظف أو مكـلف خدمة عـامة أثنـاء تأديـة وظيفته أو خدمته أو بسبب ذلك)(١١٣), تعتبر هذه الفقرة القتل الواقع على موظف أو مكلف بخدمة عامة أثناء تأديته وظيفته أو خدمته أو بسبب ذلك، ظرفاً مشدداً للقتل العمد.

والقصد من ذلك حماية الموظف العمومي، أو المكلف بخدمة عامة، وتمكينه من القيام بواجباته الرسمية على الوجه الأكمل؛ لأن الموظف هو الممثل الحقيقي للدولة، وهو المكلف بإدارة أمورها للنفع العام.

ولا يشترط إن يكون الموظف قد قتل أثناء تأدية وظيفته، بل يكفي لتطبيق النص أيضاً إذا كان القتل بسبب الوظيفة. ولا يشترط وجوب تحقيق توافر الظرفين معاً.

س: من هو الموظف؟ ومن هو المكلَّف بخدمة عامة؟

ج: تعرَّض المشرّع العراقي إلى تعريف الموظف في مجال تطبيق أغلب التشريعات التي تتعلق بالوظيفة العامة، إلا أنه لا يوجد تعريف عام يعتبر أصلاً للرجوع إليه في تعريف الموظف, ولكن الفقه عرف الموظف بأنه (كل شخص عهدت إليه وظيفة داخلة في الملاك الدائم للمرفق العام)(١١٤).

أمّا المكلف بخدمة عامة فقد تعرضت له م /١٩ فقرة (٢) من قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته.

فقرة (٢) حيث نصت (٢- المكلف بخدمة عامة كل موظف أو مستخدم، أو عامل أنيطت به مهمة عامة في خدمة الحكومة ودوائرها الرسمية وشبه الرسمية والمصالح التابعة لها، أو الموضوعة تحت رقابتها. ويشمل ذلك رئيس الوزراء ونوابه والوزراء، وأعضاء المجالس النيابية والإدارية والبلدية، كما يشمل المحكمين والخبراء والوكلاء الدائميين (السنديكيين) والمصنفين والحراس والقضائيين وأعضاء مجالس إدارة، ومديري ومستخدمي المؤسسات والشركات والجمعيات والمنظمات والمنشآت التي تساهم الحكومة، أو إحدى دوائرها الرسمية أو شبه الرسمية في مالها بنصيب ما بأية صفة كانت, وعلى العموم كل من يقوم بخدمة عامة بأجر أو بغير أجر(١١٥).

وهنا يطرح سؤال وهو أن المحامي أثناء تأديته وظيفته هل يعتبر بمنزلة الموظف العام أم لا؟ 

ج: قانون المحاماة ينص على عقاب من يعتدي على محام أثناء تأدية أعمال مهنته، أو بسب تأديتها بنفس العقوبة المقررة لمن يعتدي على موظف عام أثناء تأدية وظيفته أو بسبب تأديتها.

ولمعرفة ما إذا كان الموظف يؤدي وظيفته أم لا؟ 

يجب الرجوع إلى القوانين والأنظمة والتعليمات التي تحدد مركز هذا الموظف، وتحدد واجباته واختصاصات وظيفته. وعليه إذا ادعى موظف إن له اختصاصاً ليس له في الحقيقة، وأراد مزاولته، فقتل، فلا يسري هنا الظرف المشدد, وتطبق القواعد العامة المقررة للاشتراك في القانون إذا قتل أحد موظفاً عمومياً أو مكلفاً بخدمة عامة. وهو عالم بصفته أثناء تأديته لأعمال وظيفته أو بسببها، واشترك معه شخص أو أشخاص في ارتكاب هذه الجريمة مع علمهم جميعاً بهذه الصفة(١١٦).

أما إذا وقع القتل على الموظف العام، أو المكلف بالخدمة العامة من قبل فاعلين أصليين، وكان أحدهم يعلم بهذه الصفة، أو ارتكب الجريمة فاعل أصلي يعلم بهذه الصفة، وشريك لا يعلم بها، أو العكس بالعكس.

ذهب الشراح إلى إن ظرف التشديد لا يسري إلا على من كان عالماً بهذه الصفة ولا يسري على الباقين الذين يجهلونها. فإذا كان الفاعل الأصلي يعلم، فالشريك إما أن يكون عالماً بشخصية الموظف أو بسبب الجريمة، أو يكون جاهلاً بهما. فإن كان عالماً فعقابه عقاب الفاعل الأصلي. وإن كان غير عالم فلا يسري عليه ظرف التشديد. وإذا كان الشريك وحده هو الذي يعلم بصفة الموظف، أو يسر في نفسه سبب الحادثة الناشئة عـن أداء الوظيفـة فظرف التشديد يسري عليـه وحـده, ولا يسـري هذا الظـرف المشـدد في حالتي الخطأ في الشخصية أو الخطأ في التصويت, وعقوبة هذا الظرف الإعدام(١١٧).

أما الفقرة (و) من م / ٤٠٦:

تنص (إذا قصد الجاني قتل شخصين، أو أكثر فتم ذلك بفعل واحد)(١١٨).

والفقرة ( ز ) من م/٤٠٦:

تنص (إذا اقترن القتل عمداً بجريمة أو أكثر من جرائم القتل عمداً أو الشروع فيه)(١١٩).

والفقرة (ح) م /٤٠٦:

تنص (إذا ارتكبت القتل تمهيداً لارتكابه جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس مدة لا تقل عن سنة أو تسهيلاً لارتكابها أو تنفيذاً لها أو تمكينها لمرتكبها أو شريكه على الفرار أو التخلص من العقاب)(١٢٠).

هذه الفقرات الثلاث بحثت عن صورتي التعدد للجرائم. وتعدد الجرائم على قسمين:

الأول: إن يكون صورياً معنوياً، أو ذهنياً، وهذا ما عنته فقرة (و).

الثاني: التعدد الحقيقي أي التعدد المادي أو الفعلي. وهو ما عنته الفقرة (ز) أو عبارة (أو تنفيذاً لها.. الخ) الواردة في الفقرة (ح).

أما الفقرة (ط):

تنص (إذا كان الجاني محكوماً عليه بالسجن المؤبد عن جريمة قتل عمدي، وارتكب جريمة قتل عمدي، أو شرع فيه خلال مدة تنفيذ العقوبة)(١٢١).

والعلّة في التشديد في هذا الظرف ترجع إلى أن الشخص المحكوم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة، إنما يعتبر من المجرمين الخطرين الذين ارتكبوا جرماً خطيراً، وحكم عليه بأقصى عقوبة بعد الإعدام. فإذا أقدم بعد ذلك على ارتكاب جريمة قتل عمدي أو شرع في ارتكابها. فإنما هو يثبت أنه شخص لا أمل ولا رجاء في إصلاحه، وأن بقاءه يعتبر خطراً على المجتمع. فلابد إذن من استئصاله من المجتمع بتنفيذ عقوبة الإعدام علنية لكون هذه العقوبة رادعاً لأمثاله من المجرمين الخطرين ولتجعل حداً لإجرامهم.

وإنما يطبق عليه ذلك الظرف المشدد إذا ثبت حكمه المؤبد على نحو البتات، أي اكتسب الدرجة النهائية، وأن القتل العمدي قد وقع بعد الحكم النهائي. فإذا لم يكن الحكم قد أصبح نهائياً وارتكب القتل، أو الشروع فيه، فلا ينطبق هذا الظرف المشدد. إذ من الجائز أن يقدم المتهم طعناً في الحكم، ويقبل طعنه ويبرأ. وحتى لو فرضنا إن المحاكمة عن القتل أو الشروع فيه لم تبدأ إلا بعد أن رفض الطعن وأصبح الحكم نهائياً، فلا يطبق هذا الظرف كذلك. إذ العبرة في قيامه بوقت ارتكاب الجريمة(١٢٢).

أما الفقرة (٢) من م/٤٠٦:

فتنص على (٢- وتكون العقوبة الإعدام أو السجن المؤبد في الأحوال التالية:

أ- إذا قصد الجاني قتل شخص واحد فأدّى فعله إلى قتل شخصين أو أكثر.

ب- إذا مثل الجاني بجثة المجني عليه بعد موته.

جـ - إذا كان الجاني محكوماً عليه بالسجن المؤبد في غير الحالة المذكورة في الفقرة (١- ط) من هذه المادة، وارتكب جريمة قتل عمدي خلال مدة تنفيذ العقوبة).

الفقرتان (أ و ب) تعنيان التعدد الصوري أو الحقيقي للجرائم. وهذا ما أشرنا إليه عند شرحنا للفقرتين (ز و ح).

أما الفقرة (ج) فهي لا تختلف في شرحها عن الفقرة ط (١٢٣).

ولكن أقول إن الفقرة (ب) تتكلم عن المثلة بالجثة. والمثلة إنما تصدق إذا كان الفعل بعد الموت، وأما ما قبل الموت فيصدق عليه تعذيب لا تمثيل؛ لأن التمثيل بالجثة يصدق بعد الموت كأن يسمل عيونه أو يقطع أذنه أو غير ذلك.

أما المواد / ٤٠٧ و ٤٠٨ و ٤٠٩ فأنها تذكر جرائم القتل العمد المقترنة بعذر قانوني مخفف.

أما م / ٤٠٧:

(تعاقب بالسجن مدّة لا تزيد على عشر سنين، أو بالحبس مدّة لا تقل عن سنة الأم التي تقتل طفلها حديث الولادة اتقاءً للعار إذا كانت قد حملت به سفاحاً)(١٢٤).

الطفل الحديث العهد بالولادة هو الصغير بعد الولادة لمدة معقولة لا تتجاوز مدة النفاس. واشترط إن تكون قد حملت به سفاحاً، فلأجل إن تخفي خطيئتها قامت بقتل المولود. فالمشرع جعل هذا العذر وهو اتقاء العار ظرفاً مخففاً. وهذا مبني على شرفية حياة الأم على المولود فهي لكي تحافظ على نفسها وبقائها ارتكبت هذا القتل. فالمشرع اعتبر هذا عذراً قانونياً مخففاً.

ويمكن أن يكون لتطبيق هذا النص الأركان التالية:

١- حصول القتل.

٢- وقوعه من الأم على الطفل حديث العهد بالولادة.

٣- توافر شرط غسل العار إذا كانت قد حملت به سفاحاً.

فمع اختلال أي من هذه الأركان لا يجوز تطبيق النص.

والمادة ٤٠٨:

نصت (١- يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات من حرض شخصاً، أو ساعده بأية وسيلة على الانتحار. إذا تم الانتحار بناء على ذلك. وتكون العقوبة الحبس إذا لم يتم الانتحار، ولكن شرع فيه.

٢- إذا كان المنتحر لم يتم الثامنة عشرة من عمره، أو كان ناقص الإدراك أو الإرادة. عد ذلك ظرفاً مشدداً.

ويعاقب الجاني بعقوبة القتل عمداً أو الشروع فيه بحسب الأحوال, إذا كان المنتحر فاقد الإدراك أو الإرادة.

٣- لا عقاب على من شرع في الانتحار)(١٢٥).

الانتحار هو أن يقتل الشخص نفسه. فيجب لتحقق القتل إذاً وقوع الانتحار. وسبب الانتحار هو التحريض أو المساعدة. ومع عدم هذين الأمرين - وهما الانتحار والمعاونة والتحريض- لا عقاب.

والمشرع عاقب على ذلك؛ لأنه ليس هناك فرق كبير بين من يقتل الشخص تلبية لطلبه، وبين من يحرضه ويساعده على الانتحار. والانتحار كالقتل. فهما في جوهرهما اعتداء على الحياة وإهدار لحياة الإنسان الحي.

فإذا كان التحريض سبباً للانتحار، وتم الانتحار. فعقاب المحرض جريمة تامة (إذا تم الانتحار بناء على ذلك).

أما إذا لم ينجح، أي لم يتم الانتحار، فيعاقب الشريك بعقاب الشروع (إذا لم يتم الانتحار، ولكن شرع فيه).

ولتحقق العقاب يجب إن يكون الانتحار الذي وقع نتيجة للتحريض والمساعدة.

وأما إذا كان المنتحر هو الذي قام بالانتحار، أو شرع فيه دون مساعدة أو تحريض فلا عقاب عليه.

المادة/ ٤٠٩:

وهو أيضاً ظرف مخفف: 

(يعاقب بالحبس مدَّة لا تزيد على ثلاثة سنوات من فاجأ زوجته، أو إحدى محارمه في حالة تلبسها بالزنا، أو وجودها في فراش واحد مع شريكها فقتلهما في الحال، أو قتل أحدهما، أو اعتدى عليهما أو على أحدهما اعتداءً أفضى إلى الموت أو إلى عاهة مستديمة)(١٢٦).

لاحظ المشرع العراقي القتل في سبيل الشرف غسلاً للعار، واعتبره ظرفاً مخففاً. وشرف المرء لا شك أعز شيء في حياته وهو بمستوى دينه. فتصبح الأرواح والأموال رخيصة أمامه، وحتى في الدول المتقدمة في الحضارة كسويسرا وانكلترا وفرنسا قد أخذت بهذه الناحية وأولتها عظيم اهتمامها في تشريعاتها.

وأما الزوجة فالظاهر هي الزوجة الدائمة دون الزوجة بالعقد المؤقت، ولكن هل يشمل هذا النص الزوجة التي عقد عليها شرعاً ولم يعقد عليها قانوناً، أو هل يشمل الزوجة عرفاً(١٢٧) التي لم تعقد شرعاً ولا قانوناً، أو عقدت قانوناً ولم تعقد شرعاً؟

بالتأكيد يشمل الزوجة التي عقدت قانوناً ولم تعقد شرعاً، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إذا كان القانون لا يقر بالزوجية العرفية والشرعية، فالنص لا يشملهما. والذي يبدو لي في هذه الحالة هو ثبوت الزوجية سواء أكانت عقدت قانوناً أم لا, لأن المشرّع العراقي لا يعتبر العقد الشرعي غير قانوني، وإنما يحتاج إلى مصادقة لتثبيت الحقوق. ومن هنا فالنص يشمل هذه الاحتمالات. فالمراد بالزوجية المطلقة أي صدق الزوجية عليهما. فمن زف أمام الناس ولم يعقد لا شرعاً ولا قانوناً فهو زوج بحكم العرف. فلأجل إثباته قانوناً يحتاج إلى بينة؛ لإعطائه حجة زواج.

وحينئذ تصدق على المطلقة رجعياً التي ما زالت في العدة، وأما قوله محارمه فالمحارم منها ما يكون أصلاً وذاتاً، ومنها ما يكون عرضاً، فالمحارم النسبية أصلية، وأما السببية كالرضاع والزواج فهما عرضيان. فهل النص يشملهما أم لا؟

فمن جمع أخت زوجته التي هي محرّم عليه جمعها مع زوجته. هل يشمله النص أم لا؟ 

النص لم يشر إلى ذلك إما اعتماداً على العرف في ذلك, وإما اعتماداً على الشريعة. وكان الأولى به أن يقيد المحارم بالنسبية، لتخرج أم الزوجة وأختها وزوجة الأب وزوجة الابن والأم المرضعة وابنتها وهكذا.

وأما إطلاق النص فإنه يشمل كل المحارم السببية والنسبية.

والتلبس بالزنا معروف وهو دخول الميل في المكحلة أي في حالة الجماع. وهذه حالة دقيقة يصعب إثباتها، ولذلك توسع المشرّع العراقي في ذلك وقال (أو وجودها في فراش واحد مع شريكها) أي النص يشمل من رأى حالة الجماع, أو لم ير ذلك، وإنما وجدهما في فراش واحد سواء أكان قد جامعها أم لا؟

ثم فصل فعل الجاني سواء أكان قتلاً فهو ظرف مخفف، أو جعل فيهما أو في أحدهما عاهة مستديمة فهو ظرف مخفف.

ويمكن بعد هذا أن نذكر أن المشرّع العراقي وإن أعطى حق الدفاع عن الشرف والعرض غاية الدفاع. وهي كون دفاعه أدى إلى إزهاق الروح لإنسان حي، إلا أنه قيده بشرائط قانونية معينة حتى لا يتجاوز في استعماله هذا الحق حدود الإنسانية والخلق الكريم. فاشترط لتطبيق هذا النص توافر ثلاثة شروط:

الأول: أن يكون هناك قتل.

الثاني: أن يكون القاتل زوجاً أو محرماً والمقتول زوجته أو إحدى محارمه.

الثالث: أن يقع القتل في الحال عند المفاجأة بالزنا، وعند التلبس به، أو حال وجود الزوجة، أو إحدى المحارم في فراش واحد مع عشيقها أو شريكها.

ولم يحدد المشرع العراقي الوسيلة التي تؤدي إلى القتل. فيشمل من استعمل سلاحاً نارياً أو سكيناً أو الضرب بالعصا أو المسحاة، أو بالخنق أو غير ذلك من وسائل القتل.

فلا ظرف مشدد لأي وسيلة من هذه الوسائل.

وسواء أدى ذلك إلى الوفاة أم إلى عاهة مستديمة، فهو ظرف مخفف، وهذا آخر نص في القتل العمد. 

 

 

 

 

المصادر والمراجع

  1.  القرآن الكريم.
  2.  الأنوار لأعمال الأبرار في فقه الإمام الشافعي, العلامة يوسف الأردبيلي.
  3. التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي, عبد القادر عودة, ط أولى, مطبعة الكاتب العربي – بيروت.
  4. تفسير شبر, السيد عبد الله شبر, دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان, ط ثالثة ١٣٧٧هـ/ ١٩٧٧م.
  5. تنوير الحوالك على موطأ مالك, جلال الدين السيوطي.
  6. الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة, ملا صدر الدين محمد الشيرازي, ط رابعة ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م, مط دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان.
  7. الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية, زين الدين بن علي العاملي الشهيد الثاني, ط أولى, مطبعة ثامن الحجج.
  8. الزبدة الفقهية في شرح الروضة البهية, السيد محمد حسن ترحيني العاملي, ط٤ مط دار الهادي بيروت لبنان.
  9. شرح شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام, السيد عبد الزهراء الحسيني, ط أولى.
  10. شرح قانون العقوبات الجديد, حميد السعدي, مط المعارف ١٩٧٦م – ١٩٦٧م.
  11. شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته, د. عباس الحسني, مطبعة العاني, بغداد.
  12. الصحاح, الجوهري, نديم مرعشلي وأسامة مرعشلي, ط أولى.
  13. قانون العقوبات القسم الخاص, أ.د. واثبة داود السعدي, بغداد ١٩٨٨م – ١٩٨٩م.
  14.  قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ م وتعديلاته, القاضي نبيل عبد الرحمن حياوي, ط ثانية ٢٠٠٦م مط المكتبة القانونية بغداد.
  15. القسم الخاص في قانون العقوبات, د. رمسيس بهنام, ط أولى ١٩٨٨م, مط دار المعارف في مصر.
  16.  الكتب الأربعة (الكافي – من لا يحضره الفقيه – التهذيب - الاستبصار) تنظيم برزكر بفروبي ط أولى ١٤٢٤هـ ٢٠٠٣م مط تكي – قم .
  17.  المبادئ العامة في قانون العقوبات الجديد, أ.د. علي حسين خلف و أ.م.د. سلطان عبد القادر الشاوي, مط المكتبة القانونية بغداد.
  18.  مباني تكملة المنهاج, زعيم الحوزة العلمية السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي, مط الآداب, النجف الاشرف.
  19.  مسالك الأفهام في تنقيح شرائع الإسلام, زين الدين بن علي العاملي الشهيد الثاني, ط أولى ١٤١٩هـ, مطبعة باسدار إسلام قم.
  20.  المعجم الموضوعي لنهج البلاغة, اويس كريم محمد, ط أولى.
  21.  المغني, ابن قدامة موفق الدين أبو محمد عبد الله بن احمد المقدسي, ط ١٤٢٥هـ - ٢٠٠٤م, مطبعة دار الحديث القاهرة.
  22.  المنجد في اللغة, لويس اليسوعي, ط تاسعة ١٩٣٧ مط الكاثوليكية بيروت.
  23.  مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام, السيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري, مط الآداب, النجف الاشرف سنة ١٩٨٦م – ١٤٠٦هـ.
  24.  وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة, الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي, الطبعة الخامسة (الاسلامية), دار احياء التراث العربي.

(١) الزبدة الفقهية في شرح الروضة البهية: ٩/٤٤٣.

(٢) مباني تكملة المنهاج: ٢/١٢٣.

(٣) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية:٣/٥٣٦.

(٤) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٣٢٥.

(٥) وسائل الشيعة: ١٥/٥٧٩, ب ٢٨ من أبواب الكفارات, ح ١.

(٦) وسائل الشيعة: ١٩/٣٧-٣٨, ب ١٩ من أبواب قصاص النفس, ح٣.

(٧) المائدة: ٤٥.

(٨) البقرة: ١٩٤.

(٩) الشورى: ٣٩-٤٠.

(١٠) البقرة: ١٧٨.

(١١) المعجم الموضوعي لنهج البلاغة: ٤٥٢.

(١٢) مباني تكملة المنهاج: ٢/١٢٣.

(١٣) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٣٢٦.

(١٤) تنوير الحوالك على موطأ مالك: ١ – ٢ /١٩٣.

(١٥) الأنوار لأعمال الأبرار في فقه الإمام الشافعي: ٢/٢٦٣. 

(١٦) تنوير الحوالك على موطأ مالك: ١-٢/١٩٣.

(١٧) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/١٨٠.

(١٨) الأنفال: ٧٥.

(١٩) الإسراء: ٣٣.

(٢٠) الإسراء: ٣٣.

(٢١) البقرة: ١٧٨. 

(٢٢) وسائل الشيعة: ١٩/٥٩, ب٣٣ من أبواب قصاص النفس, ح٣.

(٢٣) وسائل الشيعة: ١٩/٥٩, ب٣٣ من أبواب قصاص النفس, ح٣.

(٢٤) البقرة: ١٧٨.

(٢٥) المائدة: ٤٥.

(٢٦) المائدة: ٤٥.

(٢٧) النساء: ١٤١.

(٢٨) وسائل الشيعة: ١٩/٨٠, ب ٤٧ من أبواب القصاص في النفس, ح٥.

(٢٩) وسائل الشيعة: ١٩/٧٩, ب ٤٧ من أبواب القصاص في النفس, ح١.

(٣٠) وسائل الشيعة: ١٩/٨٠- ٨١, ب ٤٧ من أبواب القصاص في النفس, ح٧.

(٣١) وسائل الشيعة: ١٩/٨٠, ب ٤٧ من أبواب القصاص في النفس, ح٤.

(٣٢) وسائل الشيعة: ١٩/٧٩, ب ٤٧ من أبواب القصاص في النفس, ح٣.

(٣٣) وسائل الشيعة: ١٩/٨١, ب ٤٨ من أبواب القصاص في النفس, ح١.

(٣٤) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢٥٧.

(٣٥) المائدة: ٤٥.

(٣٦) وسائل الشيعة: ١٩/٥٩, ب ٣٣ من أبواب القصاص في النفس, ح٣.

(٣٧) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢٥٧.

(٣٨) وسائل الشيعة: ١٩/٨١, ب ٤٩ من أبواب القصاص في النفس, ح١.

(٣٩) وسائل الشيعة: ١٩/٥٨, ب ٣٢ من أبواب القصاص في النفس, ح١١.

(٤٠) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢٦٤.

(٤١) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية:٣/٥٢٠.

(٤٢) وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة (طبعة مؤسسة آل البيت i لإحياء التراث): ١/٤٥.

(٤٣) وسائل الشيعة: ١٩/٣٠٧- ٣٠٨, ب ١١ من أبواب العاقلة, ح٥.

(٤٤) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢٧٠.

(٤٥) وسائل الشيعة: ١٩/٥١- ٥٢, ب ٢٨ من أبواب القصاص في النفس, ح١.

(٤٦) وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة (طبعة مؤسسة آل البيت i لإحياء التراث): ١/٤٥.

(٤٧) تهذيب الأحكام: ١٠/٢٢٣, وسائل الشيعة: ١٩/٣٠٧, ب ١١ من أبواب العاقلة, ح٢.

(٤٨) المائدة: ٤٥.

(٤٩) وسائل الشيعة: ١٩/٥٦, ب ٣١ من أبواب القصاص في النفس, ح٤.

(٥٠) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢٧٢.

(٥١) وسائل الشيعة: ١٩/٥٣, ب ٢٩ من أبواب القصاص في النفس, ح١.

(٥٢) ظ: الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية:٣/٥٢٢.

(٥٣) البقرة: ١٧٨.

(٥٤) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/١٢٠.

(٥٥) وسائل الشيعة: ١٩/٦٠, ب ٣٣ من أبواب القصاص في النفس, ح٥.

(٥٦) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/١٨٢.

(٥٧) المغني: ١١/٣٠٦.

(٥٨) المائدة: ٤٥.

(٥٩) الإسراء: ٣٣.

(٦٠) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/١٢٣.

(٦١) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٣٣٥.

(٦٢) وسائل الشيعة: ١٩/٩٥, ب ٦٢ من أبواب القصاص في النفس, ح١.

(٦٣) وسائل الشيعة: ١٩/٩٥, ب ٦٢ من أبواب القصاص في النفس, ح٣.

(٦٤) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢/٣٣٦.

(٦٥) البقرة: ١٩٤.

(٦٦) النحل: ١٢٦.

(٦٧) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/١٢٤.

(٦٨) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٣٣٦.

(٦٩) تفسير القرآن الكريم, السيد عبد الله شبر: ٢٧٩.

(٧٠) مباني تكملة المنهاج: ٢/١١.

(٧١) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٢٢٥.

(٧٢) وسائل الشيعة: ١٩/٣٥, ب ١٧ من أبواب القصاص في النفس, ح١.

(٧٣) مباني تكملة المنهاج: ٢/٢٢٧.

(٧٤) وسائل الشيعة: ١٩/٣٢, ب ١٣ من أبواب القصاص في النفس, ح١.

(٧٥) مباني تكملة المنهاج: ٢/١٣.

(٧٦) مباني تكملة المنهاج: ٢/١٨٦.

(٧٧) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٨/٣٢٧.

(٧٨) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ٢٩/٣٢٥.

(٧٩) وسائل الشيعة: ١٩/١٤٤, ب ١ من أبواب ديات النفس, ح٩.

(٨٠) مباني تكملة المنهاج: ٢/١٨٧.

(٨١) الكتب الأربعة (الكافي – من لا يحضره الفقيه – التهذيب - الاستبصار) / تنظيم برزكر بفروبي ط أولى ١٤٢٤هـ ٢٠٠٣م مط تكي – قم / الفروع من الكافي ج٧ باب الدية في قتل العمد والخطأ / ج١ ص١٠٦٥.

(٨٢) وسائل الشيعة: ١٩/١٤٣, ب ١ من أبواب ديات النفس, ح٤.

(٨٣) وسائل الشيعة: ١٩/١٥١, ب ٤ من أبواب ديات النفس, ح١.

(٨٤) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/١٧٧.

(٨٥) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/١٧٦.

(٨٦) مباني تكملة المنهاج: ٢/٢٠٥.

(٨٧) مباني تكملة المنهاج: ٢/٢٠٧.

(٨٨) شرح شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام: ٨/٦٠ – ٦١.

(٨٩) وسائل الشيعة: ١٩/٥٨, ب٣٢ من أبواب القصاص في النفس, ح٩.

(٩٠) وسائل الشيعة: ١٩/٦٧, ب٣٧ من أبواب القصاص في النفس, ح١.

(٩١) مباني تكملة المنهاج: ٢/ ٤٣٥.

(٩٢) مباني تكملة المنهاج: ٢/٤٣٢ – ٤٣٣.

(٩٣) وسائل الشيعة: ١٩/٢٢, ب١٠ من أبواب القصاص في النفس, ح٣.

(٩٤) التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: ٢/١٧٣.

(٩٥) شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: ٢/١٨.

(٩٦) قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١٤.

(٩٧) قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١٤٩. 

(٩٨) قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١٤٩.

(٩٩) قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١١٤.

(١٠٠) قانون العقوبات القسم الخاص: ٩٢.

(١٠١) شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: ٣/١٨.

(١٠٢) قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ م وتعديلاته: ١٤.

(١٠٣) قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١٤

(١٠٤) قانون العقوبات القسم الخاص: ١٢٢.

(١٠٥) قانون العقوبات القسم الخاص: ١٢٢.

(١٠٦) الصحاح: ٣٨٦.

(١٠٧) قانون العقوبات القسم الخاص: ١٢٢.

(١٠٨) شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: ٣/٣٦.

(١٠٩) قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩.

(١١٠) قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١١٤.

(١١١) شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: ٣/٤٥.

(١١٢) شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: ٣/٤٥.

(١١٣) قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١١٤.

(١١٤)  قانون العقوبات القسم الخاص: ١٩.

(١١٥)  قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ٩.

(١١٦) شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: ٣/٤٧.

(١١٧) شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: ٣/٤٨.

(١١٨) قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١١٤.

(١١٩) قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١١٤.

(١٢٠) قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١١٤.

(١٢١) قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١١٤.

(١٢٢) شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: ٣/٥٠.

(١٢٣) شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: ٣/٥٠.

(١٢٤) قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١١٥.

(١٢٥) قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١١٥.

(١٢٦) قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ وتعديلاته: ١٤٥.

(١٢٧) وهي التي زفت إلى رجل من دون العقد الشرعي جهلاً بالحكم.