مناشئ الانصراف

احدث المقالات

PDF
نص المقال

 

 

 

مناشئ الانصراف

 

الشيخ وليد العامريّ (دام عزّه)

 

 

 

 

لايخفى على المتتبع أن من أهم النكت الاستظهارية التي يستعين بها الفقيه على إلغاء خصوصية المورد وتعميم الحكم لغير مورده المذكور أو تخصيصه ببعض الحالات، هي نكتة الانصراف.

ويجد المتتبع – أيضاً- اختلافاً في تشخيص موارد تطبيقها، فنرى فقيهاً ما يدعي الانصراف في مورد، في حين ينكر الآخر ذلك. بل نجد في موردٍ واحدٍ أنَّ أحدهم يدعي التعميم والآخر التخصيص، وكلاهما يستند في ذلك إلى الانصراف.

ولعل من أسباب ذلك الاختلاف هو عدم جعل ضوابط محددة للانصراف -ولا أقل لبعض مناشئه-.

وهذا البحث محاولة لاستكشاف الضوابط التي يستند إليها في كل منشأ من مناشئ الانصراف، ومتى يكون ذلك المنشأ حجة من عدمه، وبالخصوص منشأ (مناسبات الحكم والموضوع).

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين محمد وعترته الطيبين الطاهرين.

لا يخفى على المتتبع أن من أهم النكت الاستظهارية التي يستعين بها الفقيه على إلغاء خصوصية المورد وتعميم الحكم لغير مورده المذكور أو تخصيصه ببعض الحالات، هي نكتة الانصراف.

ويجد المتتبع –أيضاً- اختلافاً في تشخيص موارد تطبيقها، فنرى فقيهاً ما يدعي الانصراف في مورد، في حين ينكر الآخر ذلك. بل نجد في موردٍ واحدٍ أنَّ أحدهم يدعي التعميم والآخر التخصيص، وكلاهما يستند في ذلك إلى الانصراف.

ولعل من أسباب ذلك الاختلاف هو عدم جعل ضوابط محددة للانصراف -ولا أقل لبعض مناشئه-.

فأغلب الأبحاث الأصولية قد اقتصرت الكلام على بعض مناشئ الانصراف كغلبة الوجود، وغلبة الاستعمال، والقدر المتيقن في مقام التخاطب. في حين لم يتم التركيز على منشأ مهم ألا وهو ما يسمى (بمناسبات الحكم والموضوع), مع أنه إن لم يكن أهم من بقية المناشئ فهو لا يقل عنها أهمية، لشيوعه في الأبحاث الفقهية وعلى ألسنة الفقهاء.

فكان هذا المنشأ بحاجة إلى مزيد بحث بنحو تجعل له ضابطة تكون هي المرجع له.

وهذا البحث محاولة لاستكشاف الضوابط التي يستند إليها في كل منشأ من مناشئ الانصراف، ومتى يكون ذلك المنشأ حجة من عدمه، وبالخصوص منشأ (مناسبات الحكم والموضوع).

الانصراف (لغةً) مأخوذ من الصرف بمعنى رد الشيء ورجوعه وتحوله إلى حالة أخرى.

قال في لسان العرب: (الصرف: رد الشيء عن وجهه, صرفه يصرفه صرفاً فانصرف, وصارف نفسه عن الشيء: صرفها عنه. وقوله تعالى: [ثم انصرفوا] أي رجعوا عن المكان الذي استمعوا فيه)(١).

وفي معجم مقاييس اللغة: (صرف: الصاد والراء والفاء معظم بابه يدل على رَجْع الشيء)(٢).

وفي مفردات الراغب: ( الصَّرف: رد الشيء من حالة إلى حالة, أو إبداله بغيره, يقال: صرفته فانصرف)(٣).

والمراد من الانصراف في المقام (هو انسباق معنى غير المعنى الموضوع له اللفظ إلى الذهن عند اطلاق اللفظ -سواء كان هذا المعنى هو بعض أفراد المعنى الموضوع له اللفظ أم كان مبايناً له- أو انصرافه عن معنى من المعاني، وعدم ظهور اللفظ فيه).

فأثر الانصراف أحد أمرين: 

١- تعيين المعنى المنصرف إليه (الانصراف إلى).

٢- الانصراف عن معنى من المعاني، سواء تعيّن المعنى المراد أم لا (الانصراف عن).. وفرق الانصراف عن المجاز -في بعض الحالات-: أن صحة المجاز متوقفة على القرينة الخاصة الصارفة للكلام. في حين أن الانصراف المبحوث عنه يمثل قرينة عامة تتجسد في أحد مناشئ الانصراف الآتية.

فالانصراف الحجة -كما سيتضح- إما أن يندرج تحت القرينة العامة وبالخصوص المتصلة -وهو الانصراف إلى- أو يندرج تحت كبرى احتفاف الكلام بما يصلح للقرينة -وهو الانصراف عن- ولكي تتم حجية الانصراف فلابد من تحقق ضابطة القرينة في ذلك المورد، أو ضابطة الاحتفاف بما يصلح للقرينة. وهنا لا بأس بأن نستذكر مرادهم من ضابطة الأمرين.

أما القرينة العامة النوعية فهي: (أن تكون هناك إفادتان ودلالتان تكون إحداهما معدة إعداداً عرفياً عاماً لتفسير الدلالة الأخرى وتحويل مفادها إلى مفاد آخر)(٤).

فملاك القرينة النوعية هو الإعداد العرفي العام، أي ما يعدّه العرف ناظراً ومفسراً لمدلول الدال الآخر، وأن طريقة العرف والعقلاء هي ذاك. 

وبعبارة أخرى: إن القرينة العامة النوعية هي ما يصح للمتكلم عرفاً أن يتكل عليها في بيان مراده، ويفهم من خلالها السامع العرفي مراده.

والمهم هو استكشاف وإحراز ذلك الإعداد العرفي وتلك الطريقة العقلائية في ذلك المورد حتى تتم القرينة. وبالتالي ففي المورد الذي يُشك في تحقق ذلك الإعداد العرفي فيه، يحكم بعدم القرينة لعدم إحراز تحقق ملاكها.

وأما احتفاف الكلام بما يصلح للقرينة، فموردها الشك في قرينية الموجود، ولكي تتحقق لابد من توفر أمور:

١- أن يكون هناك شيء موجود محرز محتف بالكلام -متصل به-، ولا يكفي احتمال وجوده.

٢- أن يكون ما يدل عليه ذلك الموجود يدور أمره بين أكثر من مدلول ومعنى، ولم يتم تشخيص معناه بحده، أي هناك شك في الظهور سواء أكان ذلك الشك على نحو دوران المفهوم بين المتباينين، أم بين الأقل والأكثر.

٣- أن يكون أحد تلك المداليل والمعاني المحتملة على تقدير ثبوته قرينة مفسرة لذلك الكلام. وهذا معنى كونه صالحاً للقرينة، أي الشيء الموجود على أحد محتملاته يكون قرينة.

ومع تحقق هذه الأمور يرتفع الظهور الأولي للكلام للشك فيه. ولا يمكن نفي ذلك الشك في الظهور بإجراء أصالة عدم القرينة، وذلك لأن مرجعها إلى أصالة عدم الغفلة، لأن الغفلة على خلاف الطبع العقلائي، واحتمالها في قبال احتمال الالتفات وعدم الغفلة ضعيف جداً، مما يستدعي استبعاد غفلة السامع عن القرينة. ولذا تجري في حالة الشك في وجود القرينة باعتبار أن وجود القرينة يستلزم الغفلة عنها. وأما في حالة الشك في قرينية الموجود المتصل فالشك لم ينشأ من احتمال الغفلة بل نشأ من جهة إجمال المفهوم واحتمال عدة معانٍ له. وعليه فمورد جريان أصالة عدم الغفلة غير متحقق وبالتالي لا تجري أصالة عدم القرينة، مما يعني بقاء الشك في الظهور والإجمال على حاله. وفي هذا الصدد ذكر الميرزا النائيني S في أجود التقريرات أنه: (وبوجود ما يصلح للقرينة لا ينعقد للكلام ظهور أصلاً ويكون من المجملات)(٥).

وجاء في مباحث الأصول للسيد الشهيد S : (وإن كان الشك في قرينية الموجود المتصل فلا تجري أصالة عدم القرينة، لما عرفت من أن النكتة في أصالة عدم القرينة المتصلة إنما هو غلبة عدم الغفلة، فمع الشك في القرينة من جهة أخرى كاحتمال معنى معين للفظ المتصل على تقديره يكون قرينة، لا يمكن نفيها بأصالة عدم القرينة، وبالتالي لا يحرز موضوع الظهور كي نتمسك بأصالة الظهور)(٦).

نعم إن ما يصلح للقرينية لا ينحصر بكونه لفظاً كما هو واضح، بل يشمل كل ما يمكن اتكال المتكلم عليه في بيان مراده، فإن المراد من القرينة -كما تقدّم- هو ما يتكل عليه المتكلم في بيان مراده، وعليه فما يصلح للقرينية هو ما يصلح لذلك، وهو غير منحصر باللفظ كما هو واضح، بل يشمل حتى مثل الكثرة الموجبة للانصراف كما سيأتي توضيحه في المنشأ الأول والثاني للانصراف.

وبعد اتضاح هذه المقدمة يقع الكلام في أهم مناشئ الانصراف، وقد وضعناها في أربعة مناشئ.

المنشأ الأول: غلبة الوجود

ومورده ما إذا كان مصداق أحد المعنيين أغلب وجوداً من مصداق المعنى الآخر، أو مصداق أحد أفراد الطبيعة أغلب وجوداً من بقية الأفراد، فينصرف الذهن إلى ذلك الفرد الغالب.

وحجية هذا المنشأ تختلف باختلاف صوره، وهي ثلاث: 

الصورة الأولى: أن تكون تلك الغلبة في قبال ندرة بقية الأفراد ندرة عادية غير ملحقة بالعدم. كما في انصراف لفظ الماء في بغداد –مثلاً- إلى ماء دجلة في قبال ماء البئر, وهذه الصورة هي محل كلامهم عندما قالوا: إن الانصراف الناشئ من غلبة الوجود غير تام وليس بحجة. ولعل الوجه في ذلك هو عدم تمامية القرينة في المقام, فإن هذه الغلبة وان أوجبت أنساً ذهنياً بين الطبيعي وبين ذلك الفرد الغالب، ولكن في بلوغه حداً يوجب الأنس الذهني لدى العرف بين نفس اللفظ وخصوص تلك الأفراد الغالبة -أي بلوغه درجة القرينية- فهو أول الكلام.

وبعبارة أخرى: إن حجية الظهور تابعة لمراد المتكلم الجدي، ومفروض الكلام أن اللفظ استعمل في الطبيعي أو في المشترك, وحتى يتم الانصراف لابد من القول بأن ذلك الفرد الغالب هو المراد الجدي للمتكلم الموجب لعدم التطابق بين مرحلتي المراد الجدي والمراد الاستعمالي، أي تكون غلبة الوجود قرينة على ذلك بعد عدم كونه مدلولاً وضعياً أو استعمالياً للفظ. وحينئذ نقول إن لم نستظهر عدم تحقق ضابطة القرينة في المقام فلا أقل من التشكيك في ذلك الموجب لعدم القرينية كما تقدّم.

ومما يشهد على عدم القرينية في المقام: أن العرف وبالتفاتة بسيطة يرى دلالة اللفظ على جميع المصاديق بما فيها الأفراد النادرة، مما يكشف عن عدم تحقق الأنس الذهني بين اللفظ وخصوص الحصة.

الصورة الثانية: أن تكون الغلبة في قبال الندرة الشديدة الملحقة بالعدم. وهنا يتم انصراف اللفظ إلى الفرد الغالب ولا يشمل الفرد النادر, فإن استحكام العلاقة في ذهن العرف بين الطبيعة والأفراد الغالبة، وعدم التفاته إلى الأفراد النادرة جداً إلاّ بإقامة القرينة ولو من قبيل الإشارة يوجب ذلك سريان الاستحكام بين نفس اللفظ وتلك الأفراد الغالبة، بحيث لا يرى العرف أن المعنى الدال عليه اللفظ جامعاً وشاملاً للفرد الغالب والنادر، بل يرى اختصاصه بخصوص الغالب.

وعدم الشمول هذا حاصل في مرحلة المدلول الاستعمالي فضلاً عن مرحلة المدلول الجدي. وإلى ذلك أشار السيد الشهيد S إذ استثنى هذه الصورة من عدم حجية الانصراف الناشئ من غلبة الوجود، إذ قال: (اللهم إلا إذا كانت الندرة بدرجة بحيث يرى ما وضع له اللفظ ليس مقسماً شاملاً لما ينصرف عنه ويكون هذا بحسب الحقيقة من نشوء ضيق وتحديد في المدلول)(٧).

نعم, لابد من التفريق بين عدم إلتفات الذهن إلى ذلك الفرد عند إطلاق اللفظ، وبين سريان الحكم إلى ذلك الفرد النادر في بعض الحالات. فمثلاً لو قال السيد لعبده الساكن في بغداد (ائتني بماء) فأتاه بماء زمزم والذي هو من الندرة الملحقة بالعدم بحسب الفرض، فحينئذ يصدق على ذلك العبد أنه قد امتثل أمر مولاه، وما ذلك إلا لتعميم الحكم إلى ذلك الفرد بأحد وجوه التعميم ولو بمثل تنقيح المناط.

الصورة الثالثة: ما إذا شككنا في أن ندرة ذلك الفرد هل هي من قبيل الصورة الأولى حتى لا يتم الانصراف، أم أنها من قبيل الصورة الثانية حتى يتم الانصراف؟

ومثلوا له بانصراف مسح الرأس إلى مسحه مقبلاً لا بالعكس، لأنه الغالب خارجاً، نعم هناك شك في درجة هذه الغلبة.

وهنا يمنع الإطلاق من جهة اندراجه في كبرى احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية. 

ببيان: أننا نحرز تحقق الغلبة والندرة، ونشك أنها من قبيل الصورة الأولى حتى لا تكون قرينة صارفة أم أنها من قبيل الصورة الثانية حتى تكون قرينة صارفة. فهي على أحد نحويها تكون قرينة، وقد تقدم أن القرينة هي ما يصح للمتكلم أن يتكل عليها في بيان مراده وإن لم تكن من قبيل اللفظ. وعليه فضابطة كبرى الاحتفاف متحققة في المقام. نعم, هذه الكبرى لا تُعيّن المنصرف إليه اللفظ، بل توجب الانصراف عن الفرد النادر فقط.

المنشأ الثاني: غلبة الاستعمال بأن يكثر استعمال اللفظ في معنى غير معناه الحقيقي، أو في حصة من حصصه إن كان مطلقاً. وهذه الكثرة لها مراتب:

المرتبة الأولى: أن تبلغ تلك الكثرة حدّ النقل، وهو ما يسمى بالوضع التعينّي. فتتغير الدلالة التصورية للفظ فضلاً عن الاستعمالية والجدية. وبالتالي فهي توجب الانصراف بمعناه اللغوي لتغير نفس الظهور الأولي.

المرتبة الثانية: أن توجب الاشتراك بين معنيين، أو بين المطلق والحصة الخاصة، وهذا يلحقه حكم المشترك والذي لا يُعيّن المراد منه إلاّ مع القرينة، وإلاّ أصبح اللفظ مجملاً. فهذه المرتبة توجب الانصراف عن الاختصاص بالمعنى الأولي ومن دون تحديد المعنى المنصرف إليه اللفظ.

المرتبة الثالثة: أن توجب كثرة الاستعمال تلك جعل استعمال اللفظ في هذا المعنى من المجاز المشهور، فيلحقه حكم المجاز المشهور -أي مع عدم القرينة يكون اللفظ مجملاً- فيأتي فيه ما تقدم في المرتبة السابقة.

نعم, فرق هذه المرتبة عن السابقتين هو أن الإجمال هنا يتم في مرحلة المدلول الاستعمالي مع بقاء المدلول الوضعي على حاله، وهذا بخلاف المرتبتين السابقتين، فإن الاشتراك وكذا النقل يتم في مرحلة المدلول الوضعي.

المرتبة الرابعة: أن لا تبلغ الكثرة إحدى المراتب المتقدمة، فلا توجب تغيّر لا في الدلالة التصورية ولا الاستعمالية ولا الجدية للفظ.

المرتبة الخامسة: أن يحصل الشك في بلوغ الكثرة إحدى المراتب المتقدمة, وهذه المرتبة تكتسب أهميتها من جهة كثرة مصاديقها.

ولتحديد الموقف العملي في المقام قد يقال: إن الأمر يدور مدار إحراز المعنى الاستعمالي لذلك اللفظ. فإن أحرز فبأصالة التطابق بين مرحلتي المدلول الجدي والمدلول الاستعمالي نثبت أن مراده الجدي هو ذاك، فيتم موضوع الحجية.

وعليه فالشك في بلوغه درجة الاشتراك يعني أن هناك إحرازاً للمدلول التصوري الوضعي أو شك في تعيّنه في هذا المعنى أو اشتراكه مع معنى آخر. وكذا الشك في المجاز المشهور يعني أن هناك إحرازاً للمعنى الوضعي، وشك في أن استعماله فيه بحاجة لقرينة أم لا؟ إذاً في كلتا الصورتين هناك إحرازٌ لعدم تغيّر مدلوله الوضعي، وبإجراء أصالة التطابق بين مرحلتي المدلول الاستعمالي والمدلول الوضعي، ومن ثم أصالة التطابق بين مرحلتي المدلول الجدي والمدلول الاستعمالي، يثبت المدلول والمراد الجدي وأنه نفس المدلول الوضعي.

وأما في حالة الشك في النقل، فمقتضى أصالة عدم النقل هو بقاء المدلول الوضعي للفظ على حاله، وبإجراء أصالة التطابق -كما تقدّم- نثبت أن المراد الجدي هو نفس المدلول الوضعي.

وهذا البيان وإن كان لا بأس به في نفسه، إلا أن هناك مانعاً يمنع من الأخذ به وهو اندراج المسألة في كبرى احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية، فإن الكثرة وإن شككنا في بلوغها أي مرتبة من المراتب المتقدمة، لكنها على كل حال موجودة وأمرها دائر بين المعاني في المراتب المتقدّمة، فهي إمّا كثرة موجبة للنقل, أو موجبة للاشتراك, أو موجبة للمجاز المشهور, أو غير موجبة لشيء من ذلك. وتقدّم أنها على المراتب الثلاثة الأول موجبة للانصراف, أي كانت قرينة يصح للمتكلم الاتكال عليها في بيان مراده, مما يعني أن الكثرة الموجودة في المقام على إحدى مراتبها المحتملة والمترددة بينها موجبة للانصراف. فتحققت ضابطة كبرى احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية والتي تقدم بيانها.

وبعد اندراجها في كبرى الاحتفاف لا تجري أصالة التطابق, فإن مورد جريانها إنما هو مع عدم القرينة أو ما هو بمثابتها.

فإن قلت: إنه يمكننا إثبات الحقيقة وعدم المجاز، بأصالة الحقيقة. وإثبات عدم النقل بأصالة عدم النقل فيعود التوجيه السابق؟

قلت: إن مورد تلك الأصول إنما هو الشك البدوي، أي الشك في أصل وجود المجاز أو النقل وهكذا, دون المقام والذي هو من الشك في قرينية الموجود.

والنتيجة: هي تحقق الانصراف عند الشك المذكور، فتنصرف دلالة اللفظ عن الاختصاص بالمعنى الموضوع له، فيكون مجملاً، وتطبق عليه قواعد المجمل.

المنشأ الثالث: الانصراف الناشئ من الارتكاز والمناسبة العرفية العقلائية أو المتشرعية.

في البدء نقدّم مقدّمة في بيان مناشئ الارتكاز العقلائي والشرعي، لما لها من دور في تحديد الضابطة لهذا المنشأ.

مناشئ الارتكاز العقلائي (العرف العام):

حصرها الميرزا النائيني S بالفطرة التي أودعها الله تعالى في طباع العقلاء، فقد جاء عنه في فوائد الأصول قوله: (وأما طريقة العقلاء: فهي عبارة عن استمرار عمل العقلاء بما هم عقلاء على شيء سواء انتحلوا إلى ملة ودين أم لم ينتحلوا، ومنهم المسلمون سواء كان ما استمرت عليه طريقتهم من المسائل الأصولية أو من المسائل الفقهية. وقد يعبر عن الطريقة العقلائية ببناء العرف، والمراد منه العرف العام، كما يقال: إن بناء العرف في المعاملة الكذائية على كذا. وليس بناء العرف شيئاً يقابل الطريقة العقلائية. ولا إشكال أيضاً في اعتبار الطريقة العقلائية وصحة التمسك بها، فإن مبدأ الطريقة العقلائية لا يخلو: إما أن يكون لقهر قاهر وجبر سلطان جائر قهر جميع عقلاء عصره على تلك الطريقة، واتخذها العقلاء في الزمان المتأخر طريقة لهم واستمرت إلى أن صارت من مرتكزاتهم.

وإما أن يكون مبدؤها أمر نبي من الأنبياء بها في عصر حتى استمرت.

وإما أن يكون ناشئاً عن فطرتهم المرتكزة في أذهانهم حسب ما أودعها الله تعالى في طباعهم بمقتضى الحكمة البالغة حفظاً للنظام. 

ولا يخفى بُعد الوجه الأول بل استحالته عادةً, وكذا الوجه الثاني, فالمتعين هو الوجه الثالث. ولكن على جميع الوجوه الثلاثة يصح الاعتماد عليها والاتكال بها)(٨).

ثم إن المراد من الطريقة والسيرة العقلائية الأعم من الفعل والارتكاز العقلائي، كما هو الصحيح, قال في البحوث: (السيرة العقلائية: ونقصد بها ما هو أعم من السلوك الخارجي فهي تشمل أيضاً المرتكزات العقلائية وإن لم يصدر منهم بالفعل سلوك خارجي على طبقها؛ لعدم تحقق موضوعها بعد، والعنوان الجامع: المواقف العقلائية سواء تجسدت في سلوك خارجي أم لا)(٩).

فالارتكاز هو المفهوم الكذائي المترسخ في ذهن أهل العرف، المحرك لهم نحو سلوك موقف معين، فمناشئ السلوك العقلائي هي مناشئ الارتكاز.

والخلاصة: أن منشأ الارتكاز العقلائي والعرف العام هي تلك النكتة الفطرية المودعة في طبع العقلاء. وأما غيرها من المناشئ التي قد تذكر فهي في الحقيقة مناشئ للعرف الخاص كُلٌ بحسبه.

مناشئ السيرة والارتكاز المتشرعي (العرف الخاص بالمتشرعة):

مناشؤها هي تلقي الأحكام الشرعية من قبل الشارع. قال في البحوث: (فالسيرة المتشرعية دلالتها على قبول الشارع لمضمونها تشبه دلالة البرهان الإني. بتوضيح: أننا نتكلم عن المتشرعة المعاصرين لعهد الأئمة i الذين أتيح لهم تلقي الأحكام والمعارف الشرعية عنهم بطريق الحس أو القريب من الحس وذلك بالسؤال... ومن الواضح أن تطابق آراء الأصحاب والمتشرعة في عصر من هذا القبيل لا محالة يكشف عن تلقيهم ذلك الحكم من الشارع، بمعنى استناد موقفهم العملي إليه، لأن احتمال استناده إلى نكات عقلائية غير موجود بحسب الفرض، إذ المفروض أن السيرة انعقدت في مسألة شرعية بحتة كالجهر في الصلاة، فلو فرض أن سلوكهم المذكور مما لا يرضى به الشارع وغير مقبول لديه بل غير مستند إليه فهذا معناه افتراض الغفلة الحسية في عدد كبير من الناس، أما بالغفلة عن أصل الفحص والسؤال، أو عن الفحص التام، وهو منفي بحساب الاحتمالات)(١٠).

وذلك التلقي كما يكون ببيان نفس الحكم في المسألة الجزئية، كذلك يكون ببيان ملاك وعلّة الحكم.

ثم إن تحديد موضوع ومتعلق الحكم لما كان من قبل الشارع أيضاً فحالهما حال نفس الحكم أيضاً. وعليه: فإن كان هناك ارتكاز متشرعي على أن موضوع أو متعلق الحكم هو الأمر الكذائي، فمنشؤه يكون نفس منشأ الارتكاز المتشرعي على الحكم.

والخلاصة: أنّ منشأ الارتكاز المتشرعي حكماً وموضوعاً ومتعلقاً إنما هو التلقي من قبل الشارع؛ وبخلافه نقع في المحذور من قبيل القياس ونحوه.

وبعد اتضاح هذه المقدمة نقول: قد يجعل هذا المنشأ في قسمين(١١):

القسم الأول: الارتكاز العقلائي أو المتشرعي.

ببيان: أن الارتكاز بمثابة القرينة اللبية المتصلة، فيعمل عملها من منع الظهور الأولي للجملة وانعقاد الظهور على طبقها.

وأما كونه بمثابة القرينة المتصلة، فلأن فرض الارتكاز يعني رسوخ تلك الصورة القائم عليها الارتكاز في الذهن العقلائي بسبب نشوئها عن الفطرة المودعة في طبائعهم والمرتكزة في أذهانهم. أو الرسوخ في الذهن المتشرعي بسبب تلقيهم تلك الأحكام من قبل الشارع.

وذلك الرسوخ موجب لعدم التفات الذهن إلى غيرها وظهورها في الخصوص من كلام المتكلم. بل إذا احتملنا قرينية هكذا مرتكزات موجودة فلا يمكن نفيها بأصالة عدم القرينة وتندرج تحت كبرى احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية.

وعليه فاللازم على المتكلم عند عدم إرادة تلك الصورة المترسخة أن يُعمِل عناية لرفع ذلك الرسوخ، وإلفات السامع والمخاطب إلى ما يريده، ولابد أن تتناسب تلك العناية كماً وكيفاً مع درجة ثبوت ورسوخ ذلك الارتكاز.

وكمثال على الارتكاز العقلائي: مسألة حجية خبر الثقة فإن قلنا إنّ السيرة والارتكاز العقلائي قائم على حجية الخبر الموثوق لا خبر الثقة بما هو ثقة. فلابد من التصرف حينئذٍ بما دلّ من الروايات على حجية خبر الثقة بما هو ثقة، كما في رواية الحميري والتي ورد فيها: (العمري ثقتي فما أدى إليك عني فعني يؤدي... العمري وابنه ثقتان فما أديا إليك فعني يؤديان... فإنهما الثقتان المأمونان)(١٢). وذلك بإلغاء خصوصية الثقة وحمله على الموثوق، وإنما عبر في الرواية بالثقة لكونه الحالة الغالبة لتحصيل الخبر الموثوق.

ومن أمثلة الارتكاز المتشرعي: ما ذكروه في مسألة عموم مفطرية الأكل والشرب لغير المعتاد، فإن من أدلة المفطرية صحيحة محمد بن مسلم  عن أبي جعفر g: (لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث -أربع- خصال: الطعام والشراب والنساء والارتماس في الماء)(١٣). فقد ذكروا أن الطعام والشراب غير صادقين على غير المعتاد، فلا يصدق على التراب أو الحصى أنه طعام، لكنهم مع ذلك عمموا الحكم لغير المعتاد استناداً إلى أنه من مرتكزات المتشرعة.

القسم الثاني: ما يسمى بمناسبات الحكم والموضوع.

وهي تلك القرينة التي بموجبها يتم توسيع أو تضييق دائرة الحكم بسبب مناسبة ونكتة ما. وهذه التوسعة والتضييق إنما تتم في ظهور ومفهوم موضوع الحكم لا في مصداقه، أي أن المخاطب لو جرد نفسه من تلك المناسبات لَفَهِم من موضوع الحكم أمراً وهو الظهور الأولي، ولكنه ببركة تلك المناسبات يتبدل ذلك الظهور إلى ظهور ثانوي على وفق ما تقتضيه تلك المناسبات.

فمناسبات الحكم والموضوع تقتضي تبدل الظهور الأولي للموضوع، لا أن الظهور الأولي للموضوع يبقى على حاله وتكون التوسعة والتضييق في المصداق حتى يأتي البحث في أن الذهن العرفي هل له تحديد وتشخيص المصداق أم أن وظيفته تحديد المفهوم فقط؟

والكلام يقع في تحديد ضابطة هذه المناسبة. ولبيان ذلك يقع الكلام في الصور التي قد تفرض لهذا القسم وهذه المناسبة:

الصورة الأولى: عدم قابلية الحكم إلا للجريان في حصة من الموضوع.

وكمثال لذلك مسألة لزوم تعفير الظرف الذي يلغ فيه (الكلب)، فإن لفظ الظرف مطلق شامل للظرف من المعدن والفخار والورق ونحوها. لكن لعدم قابلية الظرف من الورق مثلاً للتعفير ينصرف عنوان الظرف كموضوع لهذا الحكم عنه.

ومن أمثلته أيضاً مسألة (الماء مطهر) فإن الماء وإن كان مطلقاً يشمل حتى الماء النجس، لكنه كموضوع للمطهرية ينصرف عن الماء النجس لعدم قابليته للتطهير.

ومرد هذه الصورة في الحقيقة إلى المناسبة الناشئة عن الارتكاز: ففي مثال (الماء مطهر) رجع الانصراف في الحقيقة إلى الحكم والارتكاز العقلائي بأن فاقد الشيء لا يعطيه. أو إلى الارتكاز بعدم مطهرية النجس.

وكذلك في مسألة (تعفير الظرف بالتراب)، فإن تعفير الظرف من الورق يلزم منه جعل الظرف عديم الفائدة وبمثابة المعدوم عرفاً. والارتكاز العقلائي لا يرى شمول الحكم للموضوع الذي يؤدي شموله له إلى جعله عديم المنفعة كذلك.

الصورة الثانية: المناسبة الناشئة عن اكتشاف ملاك الحكم، وعلى ضوء ذلك الملاك يتم توسعة أو تضييق دائرة موضوع ذلك الحكم. فالحكم الوارد على موضوع معين إذا تم إحراز ملاك حكمه تلغى خصوصية ذلك الموضوع، وتوسع أو تضيق دائرة الموضوع حسب وسع أو ضيق نفس الملاك.

ثم إن اكتشاف ملاك الحكم قد يكون بنص الخطاب الشرعي الواصل على ذلك الملاك، أو بما يسمى بتنقيح المناط. 

وقد حصر الوحيد البهبهاني S طرق التنقيح بالإجماع والعقل، قال S : (والتنقيح لا يحصل إلا بدليل يقيني شرعي، فينحصر دليله في الإجماع والعقل)(١٤).

وقال في موضع آخر: (إذ لابد للتنقيح من منقح شرعاً. وليس فيما نحن فيه سوى الإجماع. نعم في بعض المواضع يصير المنقح هو حكم العقل على سبيل اليقين لكنه قليل جداً. فالعمدة والأصل هو الإجماع)(١٥).

ومن مناشئ الإجماع الارتكاز الشرعي. فإن اتفاق ذلك العدد الكبير من الفقهاء قد يكون بسبب ارتكاز ذلك الحكم الشرعي في أذهانهم. وقد تقدم أن الارتكاز المتشرعي قائم على تلقي ذلك الحكم من الشارع, ومن صور ذلك التلقي أن يلقي عليهم الشارع ملاك وعلة الحكم. وعليه فحصة من هذه الصورة ترجع إلى الارتكاز المتشرعي.

الصورة الثالثة: ما يمكن تسميتها بالمناسبة المستفادة من الفهم العرفي.

وقد يمثل لها بحديث الرفع. ففي المورد الذي يبيع داره مضطراً مثلاً، مع عدم مخالفة ذلك للامتنان كما إذا باع داره لمعالجة نفسه أو مَن يهمه أمره، فقد قالوا بصحة البيع وعدم شمول الرفع له؛ لأن حديث الرفع وإن كان ظهوره الأولي يقتضي البطلان مطلقاً، لكن الذي يفهمه العرف من جو الخطاب هو اختصاص الحديث بالمورد الذي يكون فيه الرفع امتناناً على المكلف, ولا امتنان في الرفع في مورد الاضطرار بخلاف الإكراه, فمستند هذا التخصيص هو الفهم العرفي، أي أن العرف يرى أن الذي يناسب الحكم ببطلان البيع الاضطراري هو ما لم يكن في البيع امتنان على البائع وإلاّ لصح البيع.

وتظهر أهمية هذه الصورة من خلال كثرة تطبيقاتها على ألسنة الفقهاء، واستنادهم إليها في التعميم والتخصيص وحمل الدليل على خلاف ظهوره الأولي، فكان اللازم بيان ضابطة لها. فإن الفهم العرفي كي يستند إليه ويكون حجة لابد أن يكون ناشئاً من مناسبة ونكتة نوعية عامة، فالظهور الناشئ من هذا الفهم هو الذي يكون حجة والذي يسمى بالظهور الموضوعي. دون ما كان ناشئاً من ملابسات وعوامل شخصية ذاتية، وهو ما يسمى بالظهور الذاتي.

وجاء في كلمات السيد الشهيد S أن: (الظهور - سواء كان تصورياً أو تصديقياً- تارة يراد به الظهور في ذهن إنسان معين، وهذا هو الظهور الذاتي، وأخرى يراد به الظهور بموجب علاقات اللغة وأساليب التعبير العام، وهذا هو الظهور الموضوعي, والأول يتأثر بالعوامل والظروف الشخصية للذهن التي تختلف من فرد إلى آخر تبعاً إلى أنسه الذهني وعلاقاته، بخلاف الثاني الذي له واقع محدد يتمثل في كل ذهنٍ يتحرك بموجب علاقات اللغة وأساليب التعبير العام.

وما هو موضوع الحجية الظهور الموضوعي؛ لأن هذه الحجية قائمة على أساس أن ظاهر حال كل متكلم إرادة المعنى الظاهر من اللفظ، ومن الواضح أن ظاهر حاله بوصفه إنساناً عرفياً إرادة ما هو المعنى الظاهر موضوعياً لا ما هو الظاهر نتيجة لملابسات شخصية في ذهن هذا السامع أو ذاك)(١٦).

نعم: قد يقال بكفاية الظن بالمناسبة والنكتة، ولا يشترط إحراز وجودها.

ببيان: أن طرق استكشاف ذلك الظهور الموضوعي تتم عن طريق الظهور الذاتي، ومن تلك الطرق ما ذكره السيد الشهيد S في البحوث حيث قال: (يمكن إحراز الظهور الموضوعي بإحدى طريقتين الأولى: إحرازه تعبداً، وذلك بدعوى جعل الظهور الذاتي إمارة عقلائية عليه، فإن السيرة العقلائية قائمة على جعل ما يتبادره كل شخص من الكلام هو الميزان في تشخيص الظهور الموضوعي المشترك عند العرف)(١٧).

وظاهر العبارة قيام السيرة العقلائية على إمارة الظهور الذاتي مطلقاً سواء حصل العلم والإحراز عند صاحب الظهور الذاتي للنكتة والمناسبة التي على ضوئها تم رفع اليد عن الظهور الأولي، أم كان الحاصل عنده مجرد الظن بالمناسبة.

بل صرح البعض بكفاية الظن بالمناسبة ونسبه إلى بعض الأعلام، حيث قال: (وقد تكون هذه المناسبة ظنية، بمعنى أن كل شخص يواجه النص يظن أن المناسبة لهذا الحكم هي هذا الموضوع، فلابد للشارع من رعاية هذا الذي للعرف من حصول الظن لديهم بالنسبة إلى نصه بلحاظ أنه يتكلم حسب ما لديهم من الأصول والقواعد التي يتحقق على أساسها فهم النصوص لديهم، فهذا الظن الارتكازي يعد كقرينة متصلة، وهذا المورد هو الذي لابد من اعتباره كتخصيص واستثناء من تلك القاعدة العامة لدى الإمامية من عدم اعتبار الظن.

وقد تفطن إلى هذا الموضوع أحد الفقهاء الماضين، وهو الشيخ فضل الله النوري S حيث صرح بكفاية الظن في حصول المناسبة الحكمية)(١٨).

أقول: يمكن أن يلاحظ على هذه الدعوى بما حاصله:

إن الظهور الذاتي لما كان تبادراً كاشفاً عن الظهور الموضوعي، فلابد من توفر شرط التبادر فيه وهو إحراز العلاقة اللغوية والعلم بها -على تفصيل ذكروه في الأبحاث الأصولية لنوع ذلك العلم بالوضع، كجواب على إشكال الدور على ذلك التبادر- فكما أن التبادر الذي هو علامة الحقيقة والوضع لابد فيه من إحراز الوضع -كما هو مذهب المشهور، أو إحراز القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى كما هو مبنى نظرية القرن الأكيد-، كذلك التبادر في المقام -أي إثبات التطابق بين ما يفهمه الشخص مع ما يفهمه العرف العام- هو فرع إحراز وجود العلاقة اللغوية العرفية وما يعتمده العرف من أساليب المحاورة والكلام. وهذا الأمر واضح لا غبار عليه.

فإن ذلك الظهور الذاتي لابد له من سبب ومستند، وهو إما الوضع أو القرينة الخاصة، وكلاهما خارج عن محل الكلام، وأما القرينة العرفية العامة وطريقة أهل المحاورة -وهي محل الكلام- فلكي يستند السامع في فهمه إليها لابد من اطلاعه وإحرازه لوجودها.

ومنه يتضح أن ادعاء قيام سيرة في المقام على كفاية مطلق الظهور الذاتي أو الظن بالمناسبة بعيد.

بل لو فرض قيام هكذا سيرة وارتكاز عقلائي فحجيتها حينئذ منوطة بإمضاء وعدم ردع الشارع عنها. ويكفي للردع عنها عمومات النهي عن الظن.

بل عند التأمل نرى أن رفع اليد عن الظهور الأولي والعمل بالظهور الثانوي استناداً إلى الظن بالمناسبة قريب من العمل بالرأي -إن لم يكن في بعض الحالات هو بعينه- وكان الجو السائد عند أصحاب الأئمة i فضلاً عما بعدهم هو عدم العمل به للنهي الشديد عنه، وليس من البعيد التوقف عن العمل في كل ما قاربه, فلا أقل من التشكيك وعدم إحراز إمضاء الشارع لهكذا سيرة وارتكاز.

نعم لابد من التفريق بين ما ذكرناه وبين حجية الظهور -والذي موضوعه الظن-، ببيان: أن هناك نوعين من الظن: 

الأول: الظن بوجود نكتة ومناسبة يستند إليها العرف في محاوراتهم، تكون كقرينة عامة على رفع اليد عن الظهور الأولي الثابت، وهذا ما قلنا بعدم كفايته.

الثاني: إحراز وجود النكتة والمناسبة، ولكن السامع يشك في أن المتكلم هل اتبع طرق وأساليب أهل المحاورة واعتمد على تلك المناسبة في بيان مراده أم لا؟ وهنا قالوا إن ظاهر حال كل متكلم أن يتكلم على وفق أساليب وطرق المحاورة اللغوية العرفية.

وهذا هو مورد حجية الظهور والتعبّد بالظهور الظني والذي قامت عليه السيرة دون الأول.

وعليه فالقول بلابدية إحراز وجود المناسبة العرفية وطريقة وأسلوب أهل المحاورة، لا يعني إخراج المسألة عن كبرى حجية الظهور.

وخلاصة ما تقدم: أنه لابد من إحراز وجود المناسبة العرفية، وعدم الاكتفاء بالظن بها. ولعل هذا هو مراد السيد الشهيد S أيضاً. فإن عبارته في البحوث وإن كانت موهمة لما تقدم، لكنه S في الحلقة الثالثة فسرها بما يرجع بروحه إلى ما ذكرناه، حيث قال: (وأما الظهور الذاتي -وهو ما قد يعبر عنه بالتبادر أو الانسباق- فيمكن أن يقال بأنه أمارة عقلائية على تعيين الظهور الموضوعي، فكل إنسان إذا انسبق إلى ذهنه معنى مخصوص من كلام ولم يجد بالفحص شيئاً محدداً شخصياً يمكن أن يفسر ذلك الانسباق، فيعتبر هذا الانسباق دليلاً على الظهور الموضوعي)(١٩).

أي أن السامع يقوم بعملية تحليلية في ذهنه لمعرفة سبب ذلك التبادر، فإن جرده عن جميع الأسباب والعوامل الشخصية المحتملة، انحصر السبب حينئذٍ بالمناسبة العرفية العامة، فيكشف حينئذ عن الظهور الموضوعي، وذلك مساوق لإحراز وجود المناسبة والنكتة، وإلا فالظن بها يعني احتمال مدخلية أحد العوامل الشخصية في ذلك.

ثم إن تلك المناسبة العرفية منحصرة بالارتكاز أو تنقيح المناط، فإن المناسبة تعني أن الطريقة اللغوية وأساليب الحوار عند أهل العرف والعقلاء هي تلك، أي أن سيرتهم قامت على ذلك، وقد تقدم أن منشأ الطريقة والسيرة هو الارتكاز.

نعم ليس بالضرورة للعمل على وفق المناسبة العرفية إحرازها بخصوصها وعينها، بل يكفي إحراز أصل وجودها.

ومما تقدم يتضح: أنه على المستمع -كي يثبت التعميم أو التخصيص أو الظهور الثانوي وفق مناسبات الحكم والموضوع- أن يحرز تحقق الارتكاز العقلائي أو المتشرعي -مع إثبات معاصرته لعصر النص- أو أن ينقح مناط الحكم.

فإن لم يحرز ذلك وبقي شاكاً، فالأصل العدم، مما يوجب إبقاء الظهور الأولي للكلام على حاله، وتعلّق الحجية به.

والخلاصة: أن مناسبات الحكم والموضوع الموجبة للانصراف مرجعها إلى الارتكاز العقلائي أو المتشرعي، أو اكتشاف ملاك الحكم وتنقيح المناط.

وبذلك يمكن تفسير تخصيص حديث الرفع المتقدم وخروج البيع الاضطراري غير المخالف للامتنان عن اطلاق النهي فيه. فإن مرجع ما ذكر لا يخلو: إما من دعوى أن الطريقة والارتكاز العقلائي أو المتشرعي قائم على صحة هكذا بيع. أو دعوى استكشاف ملاك الحكم وتنقيح المناط، وأن حديث الرفع شُرِّع بملاك الامتنان.

وعلى ضوء نتائج هذا المنشأ الثالث للانصراف، يتضح عدم الوجه لهذه التقسيمات والصور التي تقدّم ذكرها. فإنها جميعاً ترجع إلى إحراز وجود النكتة والمناسبة العرفية، والتي لا تخلو إما أن تكون على نحو الارتكاز أو تنقيح المناط. وإنما ذكرناها متابعة لذكرها في بعض الكلمات.

 

تذييل:

ثم إن هذه الضابطة تجري أيضاً في بعض وجوه التعميم وإلغاء خصوصية المورد. ومن تلك الوجوه مسألة الأولوية. ولا بأس ببحثها لتداخلها مع مسألة (مناسبات الحكم والموضوع) في أكثر من وجه، ولكثرة موارد تطبيقها أيضاً.

فنقول: قسَّم الأعلام الأولوية قسمين:

القسم الأول: الأولوية العرفية:

ويمكن إجمال المراد منها: بأنها الأولوية التي يفهمها العرف بمجرد ثبوت المدلول المطابقي للكلام، ومن دون الحاجة إلى توسط مقدمة عقلية أو خارجية فيفهم منها العرف ثبوت الحكم للموضوع الآخر لأنه أولى بذلك. إذاً هناك ملازمة بين الحكمين لا بين الموضوعين. وهناك منشآن محتملان لهذه الملازمة، هما: 

الأول: أن يشترك كلا الموضوعين في ملاك الحكم، وذلك الملاك يكون أقوى وأشد في الموضوع الآخر منه في الموضوع الأول. أي أن العرف يفهم من قوله تعالى: [فلا تقل لهما أف] –مثلاً- أن ملاك حرمة التأفف للوالدين هو الإهانة ومن دون دخل لأي خصوصية أخرى، فتكون هي علة الحكم. ومن البديهي ثبوت الحكم في المورد والموضوع الذي يوجد فيه ذلك الملاك بنحو أقوى وأشد.

وأما منشأ فهم وتشخيص العرف لذلك الملاك أي تنقيحه لمناط الحكم، فلابد أن يكون بطريق قطعي ولا يكفي فيه مجرد الظن، وإلاّ لزم الوقوع في محذور القياس ونحوه.

وقد تقدّم عن المحقق البهبهاني S حصر تلك الطرق بالإجماع والعقل, ويمكن أن نضيف إلى ذلك الارتكاز العرفي (عقلائي أو متشرعي) - هذا إذا لم يقصد بالعقل ما يعم ما ذكر- بأن يكون المرتكز في ذهن العرف (ولو عرف المتشرعة) أن علة حرمة التأفف للوالدين هو الإهانة. فالعرف وببركة ذلك الارتكاز يحرز ذلك الملاك وبالتالي يكتشف الملازمة القطعية.

ومما تقدم يتضح: أن الدلالة في المقام بحسب هذا المنشأ ليست من دلالة اللفظ على المدلول الالتزامي أي حرمة الضرب -الأولوية-، أي أن الملازمة ليست بين اللفظ والمدلول الالتزامي، وإنما هي من دلالة المدلول على المدلول، وملازمة بين المدلول المطابقي والمدلول الذي يُراد إثباته، وذلك لما تقدّم من أن الملازمة إنما تثبت بعد تنقيح المناط وتحديد الملاك، وهو ليس مدلول للفظ المذكور في الآية المباركة مثلاً. نعم بين المدلولين (حرمة التأفف) و (حرمة الضرب) ملازمة في الملاك وهو الإهانة.

ومما يدل على ذلك أيضاً أنه لو جيء بصياغات أخرى للدليل الذي يُراد إثبات الأولوية به لما كان ذلك مؤثراً في ثبوت أو انتفاء الملازمة، بل لو ثبت الحكم بواسطة دليل غير لفظي لكانت الملازمة ثابتة أيضاً، فإن اكتشاف الملاك وبالتالي الاولوية غير متوقف على نوع الصياغة اللفظية كما هو واضح، مما يعني أن الدال في المقام ليس هو اللفظ حتى تكون الأولوية من دلالة اللفظ على المدلول. وهذا أحد وجوه الفرق بين الأولوية -مفهوم الموافقة- وبين مفهوم المخالفة. فإنهما وإن اشتركا في دلالتهما على المدلول الالتزامي، لكن دلالة مفهوم المخالفة من دلالة اللفظ على المفهوم بقرينة أن ثبوت المفهوم من عدمه يتأثر بتأثر الصياغات اللفظية. فالجملة الشرطية (إن كان علي عالماً فأكرمه) يثبت لها مفهوم الشرط، ولكن لو صيغت بصياغة الجملة الوصفيه بأن تقول (أكرم علياً العالم) لم يثبت لها المفهوم بناءً على عدم ثبوت مفهوم الوصف.

ومن خلال ما تقدم اتضح الوجه في تعبير البعض عنها بـ(الأولوية العرفية القطعية) أما كونها عرفية فباعتبار أن العرف هو الذي يكتشف الملاك والأشدية، وأما كونها قطعية فباعتبار أن ذلك الاكتشاف إن لم يبلغ مرتبة القطع والاطمئنان فلا اعتبار به.

الثاني: أن يكون ذكره من باب ذكر الخاص للتنبيه على العام، وذكر الفرد الخفي للتنبيه على الفرد الجلي. وهو ما ذكره الميرزا S بحسب ما نقله الشيخ الحلي S عن تقرير الشيخ موسى الخوانساري S حيث قال: (ثم وجه الأولوية قد يكون لحكم العقل بها أو لدلالة اللفظ عليها، وأولوية حرمة إيذاء الوالدين بالضرب المستفادة من قوله تعالى: [فلا تقل لهما أف] يمكن أن يكون على كلا الوجهين، لأن العقل يحكم بعد أن علم بحرمة الأف أن الضرب محرم بطريق أولى فهذه الأولوية من الأحكام العقلية الملازمية، واللفظ أيضاً دال عليها بالدلالة السياقية، لأنه يفهم من هذا الكلام أنه من قبيل التنبيه على العام بذكر الخاص، فإنه بصدد بيان أول درجة من الإيذاء وأدناه. فحرمة أعلى درجة تستفاد من سوق الكلام)(٢٠)، والذي قد صرح بأنها من المداليل الالتزامية اللفظية، فتندرج تحت كبرى حجية الظهور.

أقول: إن كان مراده S من ذلك أن هناك قرينة في سياق الكلام تدل على ذلك فحينئذ يكون التعميم لأجل تلك القرينة، وتندرج تحت حجية الظهور، وإن لم يكن كذلك -وإن كان ذلك بعيداً عن مجموع كلامه- بل لأجل أن العرف يفهم ذلك، فيرجع الكلام حينئذ إلى المنشأ الأول. هذا أولاً.

وثانياً: إن دار الأمر بين هذا المنشأ (بناءً على الاحتمال الأول) والمنشأ المتقدم، فالأصل مع المنشأ المتقدم، لأن هذا المنشأ بحاجة إلى قرينة لتعيينه، والأصل عدمها.

القسم الثاني: الأولوية العقلية:

ولعل المراد منها قد اتضح مما تقدم، فهي الأولوية التي تثبت من خلال توسط مقدمة عقلية، وهذه المقدمة وبالتالي الأولوية لابد أن تكون قطعية، أي من خلال هذه المقدمة نستطيع أن نستكشف ملاك الحكم وأنه ثابت في الآخر بنحو أقوى وأشد. وكما تقدم فإن من أبرز الطرق لاكتشاف ذلك هو الإجماع - بعد رجوعه إلى حكم العقل- أو حكم العقل.

ويأتي فيها نفس الكلام المتقدم: من أنها من دلالة المدلول على المدلول لا من دلالة اللفظ على المدلول.

المنشأ الرابع: القدر المتيقن في مقام التخاطب

ذهب المشهور إلى عدم مانعية القدر المتيقن في مقام التخاطب من جريان الإطلاق وأدرجوه في كبرى (أن المورد لا يخصص الوارد) فهي لا توجب التقييد ولا الانصراف؟

في حين ذهب صاحب الكفاية  S -وتبعه بعض المحققين- إلى جعل عدم القدر المتيقن في مقام التخاطب أحد مقدمات الحكمة، فمع وجود القدر المتيقن لا يتم الإطلاق. وظاهر كلماتهم أنه يوجب الانصراف عن الإطلاق، لا التقييد والانصراف إلى الحصة والقدر المتيقن.

قال في الكفاية: (... إنه لا إطلاق فيما كان له الانصراف إلى خصوص بعض الأجزاء أو الأصناف، لظهوره فيه، أو كونه متيقناً منه ولو لم يكن ظاهراً فيه بخصوصه حسب اختلاف مراتب الانصراف)(٢١).

وقال المحقق العراقي S: (ثم لا يخفى عليك أنه مع وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب وإن كان لا مجال للأخذ بالإطلاق، بل كان اللازم هو الاقتصار عليه وعدم التعدي عنه إلى غيره، إلاّ أنه لا يوجب التقيد بالخصوص حتى يلزمه معارضته مع مطلق آخر في قباله، بل وإنما غايته هو مانعيته عن الأخذ بإطلاق ذلك، وهو واضح)(٢٢).

وقال S في مقام تعداد مراتب الانصراف (والثانية: هي المضرة الإجمالية فتمنع عن الأخذ بالإطلاق خاصة، كما في القدر المتيقن في مقام التخاطب)(٢٣).

وممن اختار ذلك أيضاً المحقق الأصفهاني S إذ قال: (والفرق بين القدر المتيقن في مرحلة المحاورة والتقييد: أن الأول شيء لا مجال معه للإطلاق، مع بقاء احتمال مرادية الباقي على حاله، بخلاف الثاني فإنه يضيق دائرة المراد، وبيان لكون الباقي غير مراد)(٢٤).

وفي أصول الفقه للشيخ الحلي S فسر مراد صاحب الكفاية بالقدر المتيقن بقوله: (بل مراده بالقدر المتيقن في مقام التخاطب هو اكتناف الكلام بما يصلح للقرينية على التقييد لو كان المراد هو المقيد على وجه أنه لو أراد المقيد لأمكن أن يكون متكلاً عليه في بيانه، فلا تكون إرادته لذلك المقيد بلا بيان، بل تكون مع البيان)(٢٥).

وذكر أيضاً أنه (لا شبهة كما أفاده الأستاذ F في أن المرتبة الثانية من الانصراف هي من قبيل ما يصلح للقرينية ولبيان التقييد لو كان المراد هو المقيد، وبملاحظة ما صرّح به في الكفاية من أنها من قبيل القدر المتيقن ينكشف لنا أن مراد الكفاية من القدر المتيقن هو ما يكون من قبيل اكتناف الكلام بما يصلح للقرينية، وحينئذ فيكون مراده من انتفاء القدر المتيقن الذي جعله من المقدمات هو انتفاء ما يصلح للقرينية)(٢٦).

ومن الواضح أن اكتناف الكلام بما يصلح للقرينية إنما يوجب الانصراف والإجمال لا التقييد، فتحمل كلمات القائلين بالقدر المتيقن في مقام التخاطب على اندراج المسألة في كبرى احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية.

اتضح مما تقدم: أن هناك اتجاهين تجاه القدر المتيقن في مقام التخاطب: 

الأول: لا يقول به ويدرجه تحت كبرى (أن المورد لا يخصص الوارد) وهو المشهور.

الثاني: من يقول به ويدرجة تحت كبرى (احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية) الموجب للانصراف والإجمال.

وبعد اتضاح هذه المقدمة يقع الكلام في مدى تمامية هذا المنشأ:

فرّع صاحب الكفاية  S وغيره من الأعلام (رضوان الله عنهم) البحث على تنقيح المقصود من المقدمة الأولى من مقدمات الحكمة، أي (كون المتكلم في مقام البيان).

فقال S : (ومع انتفاء الثالثة -أي مقدمة عدم القدر المتيقن...- لا إخلال بالغرض لو كان المتيقن تمام مراده، فإن الفرض أنه بصدد بيان تمامه وقد بيّنه، لا بصدد بيان أنه تمامه كي أخل ببيانه، فافهم)(٢٧).

والحاصل أن هناك ثلاثة تفاسير لتلك المقدمة تختلف النتيجة باختلافها. وهذه التفاسير هي:

التفسير الأول: ما تبناه صاحب الكفاية S بكلامه المتقدم، وحاصله: أن يكون المتكلم في مقام بيان تمام مراده، من دون أن يكون غرضه أن يعلم السامع بأنه تمام المراد، بل غرضه هداية السامعين وإيصالهم إلى الأفراد المقصودة بالحكم، ولو لم يعلم السامع ما هو موضوع الحكم وما هو تمام المراد بوصف التمام، بل يكفي علمه على نحو الإجمال بأن ذلك مراد للمتكلم، لكفاية ذلك في تحريكه نحو الإتيان بالمطلوب.

وقد فسَّر كلام صاحب الكفاية S بذلك بعض الأعلام منهم الشيخ الحلي S إذ قال: (وبالجملة: إن صاحب الكفاية أخذ البيان بمعنى مجرد إيصال المراد إلى المكلفين، فلو وصل إليهم مراده بمثل كونه مورداً للمطلق كان ذلك كافياً)(٢٨).

وكذا السيد الشهيد S  بقوله: (وأخرى تفسر بأن الأصل في كونه في مقام هداية المكلف إلى كل فرد يريد ترتب الحكم بالنسبة إليه ولو بنحو لا يفهم ما هو موضوع حكمه ثبوتاً، بأن يأتي في مقام الإثبات بما يهدي المكلف إلى الأفراد المقصود إكرامهم. والظاهر أن المحقق الخراساني S فهم من أصالة كونه في مقام البيان بالمعنى الثاني)(٢٩).

ومن الواضح أن القدر المتيقن حينئذ يكون تمام المراد, لأنه به يتحقق غرض المتكلم وبه يتمّ الامتثال.

وممن تبنى هذا التفسير –أيضاً- المحقق العراقي S حيث قال: (وأما على الثاني من كونه في مقام بيان تمام مراده من دون تعلق غرضه بفهم المخاطب أيضاً بأن مدلول اللفظ تمام المراد بوصف التمامية، فلازمه الاحتياج إلى عدم وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب... ولكن التحقيق حينئذ هو الثاني، وذلك من جهة أن غاية ما تقتضيه تلك المقدمات بمقتضى برهان نقض الغرض إنما هو عدم إخلال المتكلم بما هو واقع مرامه في خطابه، وأما من حيث فهم المخاطب أيضاً بأنه تمام المراد فلا، لأن ذلك أمر زائد قلما يتعلق الغرض به)(٣٠).

ويرد عليه: أنه بناءً على هذا التفسير لا يكون هناك فرق بين القدر المتيقن في مقام التخاطب أو من الخارج، فإنه على كلا الفرضين يكون مُراد المتكلم مُبيّن، وتتحقق هداية وإيصال المكلفين إلى الأفراد المقصودة بالحكم. مع أن الثابت عندهم أن القدر المتيقن من الخارج لا يوجب ذلك، فإنه معه لا يكاد يتحقق إطلاق لأي كلام، فما من كلام إلاّ وله قدر متيقن في الخارج يتحقق به الامتثال. والفرق بينهما أن هذا قدر متيقن في مرحلة اللفظ والخطاب، وذاك قدر متيقن في عالم الخارج والمصداق، وهو ليس بفارق من جهة الاعتماد عليه في بيان المراد من عدمه. وذلك لأن مراد المتكلم وفق هذا التفسير إنما هو ايصال المكلف إلى الأفراد المقصودة بالحكم والتي يتحقق بها الامتثال، فكما يصح له الاتكال على القدر المتيقن في مقام التخاطب لبيان ذلك, كذلك يصح له الاتكال على القدر المتيقن في الخارج وفي مقام الامتثال، فإن كونه قدراً متيقناً يعني أن السامع ملتفت إلى أنه يتحقق به مراد المتكلم وأن المتكلم يريده على كل حال، أي أنه يتحقق به المطلوب من إيصال السامع إلى الأفراد المقصودة بالحكم.

أضف إلى ذلك أن الحالة الغالبة للقدر المتيقن في مقام التخاطب لا يكون القدر المتيقن فيها صادراً من نفس المتكلم, وإنما هو صادر من المخاطب على نحو السؤال والجواب, فلا يمكن أن ننسبه للمتكلم ونقول إنه اعتمد على ما يبيّن به مراده من نفس خطابه. فالقدر المتيقن في هذه الحالة على النحوين - في مقام التخاطب، وفي الخارج- لا ينسبان إلى المتكلم, فملاكهما واحد من هذه الجهة. نعم ذلك لا يعني أن كلام المجيب غير ناظر إلى سؤال السائل، بل هو ناظر إليه، غايته أن هناك حالتين, الأولى: عدم توسعه في الجواب وإعطاء القاعدة الكلية، والأخرى: التوسع وإعطاء القاعدة الكلية، وكلامنا من هذا القبيل. والقول بالتفصيل - بين هذه الحالة وحالة ما إذا ورد القدر المتيقن في مقام التخاطب في نفس كلام المتكلم- لا قائل به.

أضف لذلك أن أصل هذا التفسير غير تام لما سيأتي في مقام إثبات التفسير الثالث.

التفسير الثاني: أن يكون غرض المتكلم هو إفهام السامع بأن هذا هو تمام المراد -متصف بأنه تمام المراد- وفرقه عن التفسير السابق، أن إفهام السامع كافٍ للبيان ولو على نحو الإجمال في السابق كما تقدم، بخلاف المقام فإن ذلك غير كافٍ, بل لابد من إفهام السامع  بأن ذلك هو تمام المراد.

وقد أشار صاحب الكفاية S إلى هذا التفسير بقوله: (... لا بصدد بيان أنه تمامه كي أخل ببيانه، فافهم)(٣١). وظاهره عدم مانعية القدر المتيقن في مقام التخاطب من الإطلاق، في قبال التفسير الأول والذي كان مانعاً عنده.

لكنه S في تعليقته على الكفاية فسّر مراده من الأمر بالفهم، ورتب على ذلك عدم جريان الإطلاق، حيث قال: (إشارة إلى أنه لو كان بصدد بيان أنه تمامه ما أخل ببيانه بعد عدم نصب قرينة على إرادة تمام الأفراد، فإنه بملاحظته يفهم أن المتيقن تمام المراد, وإلاّ كان عليه نصب القرينة على إرادة تمامها وإلاّ قد أخل بغرضه. نعم لا يفهم ذلك إذا لم يكن إلاّ بصدد بيان أن المتيقن مراد لا بصدد بيان أن غيره مراد أو ليس بمراد قبالاً للإجمال والإهمال المطلقين)(٣٢).

وذكر السيد الشهيد S ما يصلح أن يكون بياناً لهذه التعليقة حيث قال: (لو قال مثلاً (أكرم العالم) وكان في مقام تفهيم كل فرد أراد سريان الحكم إليه وفي مقام بيان أنه التمام ولم يكن في مقام بيان تمام الموضوع لم يمكن لنا تشخيص كون العالم الفاسق أيضاً مقصوداً إكرامه، فإننا لا نعرف ذلك إلاّ بأن نعرف أن العالم تمام الموضوع، ولا نعرف ذلك، لعدم كونه في مقام بيان تمام الموضوع، وإذا ضممنا ذلك إلى العلم بأن المولى في مقام بيان تمام الأفراد المراد إكرامهم حصل العلم بأن العالم الفاسق غير مراد، لأنه لم يبينه، فحصل العلم بأن تمام المراد هو أفراد العالم العادل، أي يثبت التقييد لا الإطلاق)(٣٣).

وفيه: بناءً على أصل التفسير وأنه ينتج الإطلاق حتى مع وجود القدر المتيقن. فإنه يرد عليه عدم تمامية أصل التفسير في نفسه كما سيتضح من بيان التفسير الثالث.

وأما بناءً على ما ذكر في التعليقة من عدم إنتاجه للإطلاق. فيرد عليه: أنه لا فرق بينه وبين التفسير الأول حينئذ من هذه الجهة، فيرد عليه ما تقدم في التفسير الأول.

التفسير الثالث: ما اختاره المشهور من منكري الأخذ بالقدر المتيقن في مقام التخاطب, وحاصله: أن المتكلم إنما يكون في مقام بيان ما له الدخل في مطلوبه، وبعبارة أخرى: بيان ما هو موضوع حكمه. فيقال إن ظاهر حال كل متكلم أنه في مقام بيان ما هو موضوع حكمه، وكل ما له دخل في ترتب ذلك الحكم. فمع عدم ذكره لقيد من القيود يكشف ذلك عن عدم دخالته في ذلك الموضوع ثبوتاً أيضاً. فالمتكلم في مقام بيان وتفهيم السامع بنفس كلامه، فما ذكره يريده إثباتاً وثبوتاً، وما لم يذكره لم يرده كذلك.

ويترتب على ذلك أن القدر المتيقن لا يؤثر في إطلاق كلام المتكلم. فلو كان موضوع حكمه ثبوتاً مثلاً هو (العالم العادل)، وكان هو القدر المتيقن أيضاً، لكن في مقام الجواب أطلق المتكلم وقال (أكرم العالم) فحينئذ إنما يكون قد بيّن جزء الموضوع لحكمه لإتمامه فإن تمام الموضوع حسب الفرض هو مجموع (العالم العادل) فالعالم يكون جزء الموضوع لإتمامه, وهو خلاف ظاهر حاله كمتكلم.

ومما يستدل به على إثبات هذا التفسير:

١- أن كلام المتكلم - لا أقل الشارع - ناظر إلى مرحلة الجعل والإنشاء
لا مرحلة المجعول والفعلية. وفي مرحلة الجعل يكون البيان لموضوع الحكم وقيوده، بخلاف مرحلة المجعول والتي تكون ناظرة إلى المصاديق الخارجية ومبينة لها. ومع القدر المتيقن إنما يُبيّن مورد ومصداق ما ينطبق عليه الحكم، لا موضوع وقيود الحكم.

٢- ما تقدم من أن التفسير الأول وكذا الثاني على أحد محتمليه يلزم منه محذور عدم الفرق بين القدر المتيقن في مقام التخاطب أو من الخارج. وهو مما لا يُلتزم به, وبعد استبعادهما يتعيّن التفسير الثالث.

نعم, ذكر الشيخ الحلي S احتمالين لهذا التفسير على أحدهما تندرج المسألة في كبرى الاحتفاف.

وحاصله: أن الأخذ بالقدر المتيقن حينئذٍ من عدمه مبنيٌ على (أن المراد من بيان ما له الدخل في مطلوبه هل هو البيان الواصل أو البيان الواقعي، فإن كان المراد به البيان الواصل، أعني ما يوجب ظهور اللفظ عند المخاطب، لم يكن انتفاء القدر المتيقن بهذا المعنى محتاجاً إليه. لأن المتكلم لا يمكنه الاعتماد عليه في تحقق ما هو بصدده من البيان الموجب لظهور اللفظ عند المخاطب.

وإن كان المراد من البيان هو البيان الواقعي وإن لم يكن موجباً لظهور اللفظ فيما أُريد بيانه، كان انتفاء القدر المتيقن بالمعنى المذكور مُحتاجاً إليه في تمامية المقدمات.

والفاصل بين هذين الاحتمالين هو النظر فيما جرى عليه العقلاء من الأصل المذكور. فإن كان ما جروا عليه هو الإظهار وعدم الخفاء بالنسبة إلى كل أحد، على وجه يتكلفون إيصال مرادهم إلى كل أحد على اختلاف المراتب تعيّن الاحتمال الأول وهو الاستغناء عن المقدمة الثالثة. وإن كان ما جروا عليه هو الإظهار بالنحو العادي تعيّن الاحتمال الثاني، وهو عدم الاستغناء عنها. لأن الفرض أن ذلك الذي اكتنف به الكلام مما يمكن الاعتماد عليه عادة.

والمتعيّن من هذين الوجهين هو الوجه الثاني كما هو واضح لا يخفى. وعليه فتكون مقدمات الحكمة محتاجة إلى انتفاء القدر المتيقن بالمعنى المذكور، أعني اكتناف الكلام بما يصلح للقرينية)(٣٤).

أقول: إن المرجع في ذلك كما ذكره S هو طريقة وسيرة العقلاء. فإن البحث بمجمله يدخل في كبرى حجية الظهور، والمرجع فيها تشخيصاً وحجةً هو السيرة العقلائية كما هو واضح.

وقد تقدّم: أن القرينة النوعية كي تكون قرينة لابد من الإعداد العرفي العام لها كي تكون ناظرة ومفسرة للكلام. وعليه فلابد من إحراز أن السيرة قائمة على الاستناد إلى القدر المتيقن في مقام التخاطب كقرينة أو ما يصلح للقرينية. وإحراز ذلك أول الكلام. بل هناك عدة شواهد على عدمه:

منها: أن المشهور شهرة عظيمة هو أن المورد لا يخصص الوارد. وقد ذكر الميرزا النائيني S أن مسألتنا من هذا القبيل، ففي ما قرره الشيخ الحلي S عنه ذكر: (أن صاحب الكفاية S يريد بالقدر المتيقن في مقام التخاطب ما يكون مورداً لورود المطلق)(٣٥). وقال S في فوائد الأصول: (فإن من أوضح مصاديق القدر المتيقن في مقام التخاطب هو ورود العام والمطلق في مورد خاص،
كقوله g: (خلق الله الماء طهوراً) في مورد السؤال عن ماء بئر بضاعة. فإن المورد هو المتيقن المراد من اللفظ المطلق، مع أنه لا يخصص المطلق بالمورد، ولا قال به أحد، ولا هو S قال به)(٣٦).

ومع هذه الشهرة العظيمة إن لم تنعقد طريقة العرف على عدم الأخذ بالقدر المتيقن في مقام التخاطب، فلا أقل من التشكيك بقيام طريقة وسيرة العقلاء على الأخذ به. ومن المعلوم عدم كفاية الشك للقول بانعقاد السيرة.

ويؤيد ذلك ما تقدّم: من عدم الفرق بين القدر المتيقن في مقام التخاطب، والقدر المتيقن من الخارج من هذه الجهة، جهة صلاحية القدر المتيقن لاتكال المتكلم عليه في بيان مراده، مما قد يشير إلى أن أصل الارتكاز القائمة عليه السيرة في المقام مشكوك.

فتحصّل مما تقدّم: أن القدر المتيقن في مقام التخاطب غير مانع من جريان الإطلاق وبالتالي لا يكون منشأً من مناشئ الانصراف. 

 

 

النتائج

اتضح مما تقدم أن أهم مناشئ الانصراف أربعة:

المنشأ الأول: غلبة الوجود، ولها ثلاث صور: 

الصورة الأولى: الغلبة في قبال الندرة العادية، وهي محل نظر المشهور القائل بعدم حجية الانصراف الناشئ عن غلبة الوجود. 

الصورة الثانية: الغلبة في قبال ندرة الأفراد الملحقة بالعدم، والانصراف هنا تام وحجة. 

الصورة الثالثة: وهي الشك في أن الغلبة هي من قبيل الصورة الأولى أو الثانية. وهذه تندرج تحت كبرى احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية، مما يوجب الانصراف عن الإطلاق.

المنشأ الثاني: غلبة الاستعمال، وقد ذكرنا لها خمس مراتب:

الأولى: ما توجب النقل. 

الثانية: ما توجب الاشتراك. 

الثالثة: ما توجب المجاز المشهور. 

وهذه المراتب توجب الانصراف -على اختلاف في نوع الانصراف- لإيجابها تغير الدلالة التصورية أو الاستعمالية. وأما في حالة الشك في بلوغ الغلبة أحدى تلك المراتب الثلاث أم لا -وهي المرتبة الخامسة- فتدخل حينئذ في كبرى احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية والموجبة للانصراف أيضاً.

المنشأ الثالث: الارتكاز والمناسبة العرفية العقلائية أو المتشرعية (مناسبات الحكم والموضوع) وأتضح أن مرجع هذا المنشأ إلى الارتكاز العقلائي أو المتشرعي، أو اكتشاف ملاك الحكم وتنقيح المناط. 

ببيان: أن إلغاء خصوصية المورد ورفع اليد عن الظهور الأولي للكلام لابد فيه من وجود مناسبة يصح استناد المتكلم إليها في أيصال مراده بكلامه. وتلك المناسبة لابد أن تكون عامة وإلا دخلت في القرينة الخاصة وهو خروج عن محل الكلام. ومعنى كونها مناسبة عامة هو أنها أحد الطرق العرفية وأساليب الحوار عند أهل العرف والعقلاء، أي أن سيرتهم قامت على ذلك. 

ولما كان منشأ السيرة هو الارتكاز، فمرجع هذه المناسبة إلى الارتكاز. وكذا مع اكتشاف الملاك وتنقيح المناط يمكن إلغاء خصوصية المورد، فإنه أحد أساليب وطرق المحاورة العرفية. وعليه فمرجع تلك المناسبة إلى الارتكاز أو اكتشاف الملاك.

ويترتب على ذلك: أنه لابد من إحراز وجود المناسبة -ويكفي لذلك إحراز أصل وجودها لا بعينها وخصوصها-، فإن السيرة والارتكاز وكذا تنقيح المناط لابد من إحرازه حتى يصح الاستناد إليه، ولا يكفي الظن بتحققه، فلا يكفي الظن بالمناسبة لأجل رفع اليد عن الظن بالمناسبة لأجل رفع اليد عن الظهور الأولي.

ولا يعني ذلك خروج مناسبات الحكم والموضوع عن كبرى حجية الظهور، فإن إحراز المناسبة العرفية العقلائية وأن طريقة المحاورة عندهم كذا مع الظن في اتباع المتكلم تلك الطريقة شيء، والظن بأصل وجود المناسبة شيء آخر. ومسألتنا من قبيل الأمر الأول فهي داخلة في كبرى حجية الظهور.

وظهر أيضاً أن التقسيمات المذكورة لهذا المنشأ لا داعي لها فإنها جميعاً ترجع إلى ما ذكرناه من إحراز المناسبة العرفية الارتكازية أو تنقيح المناط.

المنشأ الرابع: القدر المتيقن في مقام التخاطب، وقد ظهر أن فيه قولين:

الأول: ما ذهب إليه المشهور من عدم مانعيته للإطلاق وبالتالي لا يوجب الانصراف، بل يندرج تحت كبرى (المورد لا يخصص الوارد).

الثاني: ما تبناه صاحب الكفاية وجملة من الأعلام رحمهم الله من مانعيته للإطلاق، أي أنه يوجب الانصراف عن الإطلاق، وظهر من كلماتهم إدراجهم له في كبرى احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية.

وظهر أن الاختلاف ناشئ من الاختلاف في تفسير المقدمة الأولى من مقدمات الحكمة أي (كون المتكلم في مقام البيان) فالقول الثاني قد استند إلى التفسير الأول -أي أن البيان بمعنى مجرد إيصال المتكلم مراده إلى المكلفين- في حين استند القول الأول إلى التفسير الثالث -وهو بيان ما هو موضوع حكمه، وماله الدخل في مطلوبه ومراده- وأتضح أن هذا التفسير هو الصحيح. وعليه فلا يكون القدر المتيقن في مقام التخاطب منشأ من مناشىء الانصراف.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 

 

 

 

مصادر البحث

  1. أجود التقريرات: تقريراً لأبحاث المحقق النائيني S. تأليف السيد الخوئي S. الطبعة الثانية ١٤٣٠هـ. الناشر: مؤسسة صاحب الأمر l.
  2. أصول الفقه: تأليف: الشيخ حسين الحلي S. الطبعة الأولى ١٤٣١هـ.
  3. بحار الأنوار: العلامة المجلسي, الناشر: دار إحياء التراث العربي, الطبعة الثانية, بيروت, ١٤٠٣ هـ.
  4. بحوث في علم الأصول: تقريراً لأبحاث السيد الشهيد محمد باقر الصدر S. تأليف: السيد محمود الهاشمي. الطبعة الثالثة ١٤١٧هـ-١٩٩٦م.
  5. دروس في علم الأصول (الحلقة الثالثة): تأليف: السيد الشهيد محمد باقر الصدر S. الناشر: المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر S. الطبعة الثانية سنة ١٤٢٤هـ.
  6. فوائد الأصول: تقريراً لأبحاث المحقق النائيني S. تأليف: الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني S. الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي/قم.
  7. الفوائد الحائرية: تأليف: الوحيد البهبهاني S. مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى سنة ١٤١٥هـ.
  8. كفاية الأصول: تأليف: الشيخ محمد كاظم الخراساني S. مؤسسة النشر الإسلامي/قم. الطبعة الثامنة ١٤٢٤هـ.
  9. لسان العرب: ابن منظور. تحقيق: أحمد فارس. الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت: ١٤١٤ هـ.
  10. مباحث الأصول: تقريراً لأبحاث السيد الشهيد محمد باقر الصدر S. تأليف: السيد كاظم الحائري. الطبعة الثانية ١٤٢٥هـ.
  11. مجلة فقه أهل البيت i : ١٤٢٥هـ-٢٠٠٥م.
  12. معجم ألفاظ القرآن: الراغب الأصفهاني. تحقيق: صفوان عدنان. نشر: دار العلم – الدار الشامية: ١٤١٢ هـ.
  13. معجم مقاييس اللغة: أحمد بن فارس. تحقيق: عبد السلام محمد هارون. انتشارات: دفتر تبليغات إسلامي: ١٤٠٤ هـ.
  14. نهاية الأفكار: تقريراً لأبحاث الشيخ آغا ضياء الدين العراقي S. تأليف: الشيخ محمد تقي البروجردي النجفي S. الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي/قم. الطبعة الخامسة سنة ١٤٣١هـ.
  15. نهاية الدراية: تأليف: الشيخ محمد حسين الأصفهاني S. الناشر: مؤسسة آل البيت i لإحياء التراث. الطبعة الثانية ١٤٢٩هـ-٢٠٠٨م.
  16. وسائل الشيعة: تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت i لإحياء التراث. الطبعة الثانية ١٤٢٤هـ-٢٠٠٣م.

 

 

 

 

(١) لسان العرب: ٩/ ١٨٩.

(٢) معجم مقاييس اللغة: ٣/ ٣٤٢.

(٣) مفردات الراغب الأصفهاني: ٤٨٢.

(٤) بحوث في علم الأصول: ٧/١٧٣.

(٥) أجود التقريرات: ٣/١٥٦.

(٦) مباحث الأصول القسم الثاني/ الجزء الثاني: ١٩٥.

(٧) بحوث في علم الأصول: ٣/٤٣١.

(٨) فوائد الأصول: ٣/١٩٢-١٩٣.

(٩) بحوث في علم الأصول: ٤/٢٣٤.

(١٠) بحوث في علم الأصول: ٤/٢٤٢.

(١١) ذُكرت بعض هذه التقسيمات في كلمات بعض الباحثين, انظر مجلة فقه أهل البيت i : ٢٦/ ١٣٤, المعجم الأصولي: ٢/ ٥٢٩. وسيتضح لاحقاً عدم الداعي لهذه التقسيمات لكون مرجعها أمراً واحداً.

(١٢) بحار الأنوار، باب أحوال السفراء: ٥١/ ٣٤٧-٣٤٨.

(١٣) الوسائل، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم: ب١/ح١.

(١٤) الفوائد الحائرية: ١٤٧.

(١٥) الفوائد الحائرية: ٢٩٤.

(١٦) دروس في علم الأصول (الحلقة الثالثة): ١/ ٢٠٥- ٢٠٦.

(١٧) بحوث في علم الأصول: ٤/٢٩٢.

(١٨) مجلة فقه أهل البيت i : ٢٦/١٣٩.

(١٩) دروس في علم الأصول (الحلقة الثالثة): ١/ ٢٠٦.

(٢٠) أصول الفقه: ٥/٢٩٠.

(٢١) كفاية الأصول: ٢٨٩.

(٢٢) نهاية الأفكار: ٢/٥٧٥.

(٢٣) نهاية الأفكار: ٢/٥٧٦.

(٢٤) نهاية الدراية: ٢/٤٩٧.

(٢٥) أصول الفقه: ٥/٤٣٢.

(٢٦) أصول الفقه: ٥/٤٣٤.

(٢٧) كفاية الأصول: ٢٨٧.

(٢٨) أصول الفقه: ٥/٤٤٣.

(٢٩) مباحث الأصول: ق١/ج٤/٥١٤-٤١٥.

(٣٠) نهاية الأفكار: ٢/٥٧٥.

(٣١) كفاية الأصول: ٢٨٧.

(٣٢) كفاية الأصول: ٢٨٧-٢٨٨ الهامش.

(٣٣) مباحث الأصول: ق١/ج٤/٥١٦.

(٣٤) أصول الفقه: ٥/٤٤٠.

(٣٥) أصول الفقه: ٥/٤٢٩.

(٣٦) فوائد الأصول: ٢/ ٥٧٥.