نَظَريَّةُ الحُكُومَة الحلقة الأولى

احدث المقالات

PDF
نص المقال

 

 

نظريّة الحكومة

 

(الحلقة الأولى)

 

الشيخ نجم الترابيّ (دام عزّه)

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على رسوله محمّد وآله الميامين.

تمهيد: 

إنّ أوّل من اكتشف وأقام مُهمَّ أركان الظاهرة الدلاليّة المصطلح عليها بـ(الحكومة) هو الشيخالأعظم الأنصاريS،وقد ذكرفي تقريربحثه الموسومبـ(مطارح الأنظار)(١) أنّه استعار لفظ (الحكومة) للتعبير عن هذه الظاهرة من كلمات الشيخ الصدوق S، حيث ورد في اعتقاداته: (اعتقادنا في الحديث المفسِّر أن يحكم على المجمل كما قال الصادق g)(٢).

هذا، والمتقدِّمون على الشيخ  المنكرون لقاعدة (الجمع مهما أمكن أوْلى من الطرح)(٣) كانوا يتعاملون مع موارد الحكومة على أنّها من موارد الجمع العرفي(٤)، فلا يصيرون فيها إلى أحكام التعارض المستقرّ، قال الوحيد البهبهاني S ـ بعد أن ردَّ القاعدة المذكورة ـ ما لفظه: (الثالث: الجمع الذي له شاهد ظنيّ يكون حجّة، نظير ذلكما رواهالصَّدوق عن عبد السلام الهرويّ، قال:قلت للرضاg: يا ابن e قد روي عن آبائك فيمَنْ جَامَعَ في شهر رمضان أو أفطر فيه ثلاث كفّارات، وروي عنهم أيضاً عليهم السلام كفّارة واحدة، فبأيّ الحديثين نأخذ؟ قال: (بهما جميعاً، فمتى جَامَعَ حراماً أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات ـ إلى أن قال ـ: وإن كان نكح حلالاً أو أفطر على حلال فعليه كفّارة واحدة)(٥)، ويمكن تخريج ما ذكره S وأمثال تلك الموارد على أنَّها من قبيل الحكومة كما صرّح بذلك بعض الأعلام(٦).

والاعتبار يساعد على التعامل المذكور، فإنّ موارد الحكومة يكون التوفيق فيها ‏أوضح من موارد الجمع العرفي؛ لمكان أنّ النظر ‏والتفسير يفضي إلى القرينيّة بنحو أوضح من القرينيّة في موارد الجمع العرفي. وقد يُخرَّج ذلك على أساس أنّ النظر يؤدّي إلى ‏الأقوائيّة في الظهور ‏الذي ‏هو ميزان ‏القرينيّة ‏في الجمع العرفي(٧)، ‏وإن كان ‏على الصحيح ـ كما سيأتي ـ أنَّه لا حاجة لتوسيط الأقوائيّة ‏في الظهور في موارد الحكومة.

‏ومن هنا صحّ أن تُعرّف الحكومة على الإجمال بـ: أنّها أحد طريقين للجمع ‏بين الأدلّة المتنافية(٨)؛ ‏ذلك أنّ المتكلّم الواجد للحكمة العقلائيّة لا يناقض ‏نفسه، فإذا صدرت منه كلمات يبدو منها التنافي فإنّه لا بدّ من البناء على أنّ التنافي ليس مراداً له، فينبغي الفحص في كلماته عمّا يرفعه، ‏ورفعه ‏إنّما يكون في حال توفّر كلماته تلك على أحد ميزانين لا ثالث لهما: إمَّا جريان أحد أنحاء ‏الجمع العرفي، بأن تكون إحدى كلماته أقوى ظهوراً من الأُخرى، كما عليه المشهور المنصور. أو جريان الحكومة، وسيأتي بيانه. فإذا لم يجرِ أيٌّ من ‏الميزانين فإنّه يُصار إلى استقرار التعارض.

وأيّا كان، سنوقع البحث في خمسة فصول وخاتمة:

الفصل الأول: في ضابط الحكومة.

الفصل الثاني: في النظر ومُهمّ شؤونه.

الفصل الثالث: في ميزان القرينيّة في الحكومة.

الفصل الرابع: في رتبة الحكومة بالنسبة إلى باقي أبواب التعارض.

الفصل الخامس: في تقسيمات الحكومة.

الخاتمة: مقارنة الحكومة مع الجمع العرفي والورود.

 

 

الفصل الأوّل

‏في ضابط الحكومة

‏تعرّض الشيخ الأنصاري S‏ لتحديد ضابط الحكومة في أكثر من موردٍ في فرائده(٩)، ‏ولمّا كان كلامه غير خالٍ ‏عن الإجمال سعى المتأخّرون ‏عنه ‏لتوجيهه أو المناقشة في ما فهموه منه. 

‏ولكنّ الشيخ S في تقريرات بحثه (مطارح الأنظار) ‏عرض وبوضوح ضابط الحكومة، ومختلف شؤونها التي سنتعرض لها في محالّها، وقد أفاد S في تحديد ضابط الحكومة(١٠) ‏بأنّه نظر أحد الدليلين بمدلوله اللفظي ‏إلى الدليل الآخر، بأن ‏يكون مبيّناً ومفسّراً له وكاشفاً للمراد منه(١١). وهذا النظر هو ميزان القرينيّة ‏في الحكومة، وهي تدور مداره وجوداً وعدماً؛ ‏ولذا كان هو الخصوصيّة ‏الجديرة ‏بتحديد الحكومة بها.

‏وقد وافقه على الضابط المذكور معظم مَن تأخّر عنه،‏ في حين خالف بعضُ الأعلام في مساوقة الحكومة للنظر، وكونه المحدِّد والضابط لها، فمنهم من اعتبر ‏الحكومة أعمّ

منالنظر كالسيدالخوئي ‏S(١٢)،‏ومنهم مناعتبرها أخصّمنه كبعض الأعاظم F (١٣).

‏هذا، والمحقّق النائيني S (١٤) لم يذكر ‏النظر في تحديده ‏لضابط الحكومة.

‏وهنا كلمتان:

‏الكلمة الأولى: حدّد المحقّق النائيني ‏S في غير موضعٍ ضابط الحكومة بأنّه تصرّف أحد الدليلين ‏بمدلوله المطابقي ‏في عقد وضع الدليل الآخر أو عقد حمله، ‏ولم يذكر النظر في مقام التحديد المذكور. 

وفي مراده ‏احتمالان:

الاحتمال الأول:‏ أنّه S يرى ـ وفاقاً للشيخ الأنصاري S ـ أنّ الحكومة تدور مدار النظر وجوداً وعدماً، ‏وأنّه هو الميزان لقرينيّتها، ‏ولكنّه ليس اللائق بتحديدها، ‏وهذا يناسب تعليقات المحقّق العراقي S على فوائد الأُصول(١٥) ‏حيث عبّر بـ(الأَوْلى)، ولم يغلّطه، وكذلك يناسب فهم صاحب المنتقى S حيث أفاد ما لفظه: (وأمّا ما ذكره المحقّق النائيني S في تفسير الحكومة من أنّها عبارة عن تصرّف الدليل في عقد وضع الدليل الآخر أو عقد حمله فهو لا يصلح للضابطيّة؛ لأنّه ليس تفسيراً لها، بل بياناً لموردها ومحقّقها وواقعها، فإنّها كون الدليل ناظراً إلى الدليل الآخر بمدلوله اللفظي والتصرّف من موجباته) (١٦).

الاحتمال الآخر: أنّ التصرّف المذكور هو ضابط الحكومة وإن لم يكن نظر، وهذا يناسب كلمات السيد الخوئي S (١٧) حيث قسّم الحكومة إلى ما يكون بملاك النظر، وإلى ما يكون بملاك التصرّف في عقد الوضع، كحكومة الأمارات على الأُصول العمليّة الشرعيّة، وقد صرّح بأنّ القسم الثاني هذا لا نظر فيه(١٨).

هذا، وكلمات المحقّق النائينيS  تناسب كلا الاحتمالين، حيث يظهر من بعضها إرادة الاحتمال الأوّل، وأنّ السرَّ في عدوله عن اعتماد النظر كضابطة للحكومة إلى التصرّفالمذكور ما ذكرهفي غيرموضع(١٩)من أنّالنظر ـ  والذييعني التفسيروالشرح ـ يوهم انحصار الحكومة بما إذا كان الحاكم مفسِّراً للمحكوم بواحدة من أدوات التفسير الصريحة مثل (أي) و(يعني) ونحوهما، وبمثل قرائن المجاز، حيث إنّ القرينة تفسّر المراد من لفظ ذي القرينة. 

وبعبارة جامعة: أنّ النظر يوهم انحصار الحكومة بما إذا كان الحاكم ناظراً لدلالة الدليل المحكوم، دونما إذا كان ناظراً إلى الحكم الواقعي بما هو واقع وبقطع النظر عن كونه مدلولاً للدليل المحكوم كما هو الحال في التخصيص، وسيأتي بيانه في الفصل المعقود لبحث شؤون النظر، هذا ما يناسب الاحتمال الأول.

وأمّا ما يناسب الاحتمال الثاني فهو: بناؤه على حكومة الأمارت على الأُصول العمليّة الشرعيّة من جهة، وبناؤه من جهة أُخرى على أنّ المجعول في باب الأمارات ومفاد أدلّة حجيّتها هو الطريقيّة والكاشفيّة بلا أيّ تنزيلٍ(٢٠)، فهو يرى أنّ اعتبار الأمارة علماً من قبيل الاعتبار المتأصّل لا الاعتبار التنزيليّ(٢١). وعندئذ لا نكتة في الأمارات تفيد نظراً إلى عقد وضع أدلة الأُصول العمليّة الشرعيّة.

وقد تأمّل جملة من الأعلام(٢٢) في ثبوت الحكومة على المبنى المذكور.

والأمر المهمّ في المقام هو أنّه على الاحتمال الثاني يكون عندنا ميزان ثالث للقرينيّة يوفَّق على أساسه بين الأدلّة المتنافية، وهو التصرّف التعبّديّ لأحد الدليلين في عقد وضع الدليل الآخر وإن لم يكن نظرٌ ولا أقوائيّة في الظهور.

وقد يُناقش في زيادة التصرّف التعبّدي كميزان برأسه بـ: أنّ التصرّف المذكور مستفاد إمّا من نفس الدليل المتصرّف أو من غيره، وهذا الغير ليس إلّا العقل(٢٣)، والثاني يمثّل الجمع العرفي، والأوّل ينبغي أن يكون الحكومة.

ولكن ما ذُكِر لا يُبيِّن المساوقة بين كون التصرّف التعبّديّ مستفاداً من نفس الدليل المتصرِّف وبين النظر. نعم، لم نجد ـ خارجاً ـ تصرّفاً اعتباريّاً بلا نظر أو أقوائيّة في الظهور.

وما حكيناه قريباً عن السيد الخوئي S من وجود تصرّف اعتباريّ بلا نظر ـ كتصرّف أدلّة الأمارات في أدلّة الأُصول العمليّة الشرعيّة والذي يُناسب بعض كلمات المحقّق النائيني S ـ قد يُناقش فيه بما أفاده السيّد الشهيد S من أنّه(٢٤): إن فُرض العلم المأخوذ عدمه في موضوع الأصل الأعم من العلم التكويني والعلم التعبّدي، فالدليل الذي جعل الأمارة علماً يكون وارداً على دليل الأصل لا حاكماً عليه. وإن فُرض أنّه خصوص العلم الوجداني الذي هو المعنى الحقيقي للعلم، فإن كان دليل جعل الأمارة علماً تعبّداً إنّما يجعل ذلك استطراقاً إلى ترتيب ما رُتِّب في دليل الأصل على العلم من الأثر العلميّ، أصبح ناظراً إلى مفاده. وإن لم يكن كذلك وإنّما دلّ على مجرّد فرض غير العلم واعتباره علماً، فهذا لا أثر له، ولا تثبت به آثار العلم لا بالدليل المحكوم؛ لأنّ المفروض فيه العلم الوجدانيّ لا التعبّديّ، ولا بالدليل الحاكم؛ لأنّه لم يدلّ على ترتيب أثر شرعيّ، وإنّما غايته أنّه اعتبر ما ليس بعلمٍ علماً، ولا قيمة لهذا الاعتبار.

ولعلّ هناك فرضاً آخر(٢٥) ليس واضحاً إرادته ممّا ذُكر، وهو: أن يكون دليل جعل الأمارة علماً على سبيل الاعتبار المتأصّل لا الاعتبار التنزيليّ، وذلك بملاحظة أنّ للعلم قسمين: أحدهما تكوينيّ، والآخر اعتباريّ. وقد أمضى الشارع ـ بما أنّه رئيس العقلاء ـ العلم الاعتباريّ العقلائي. فإذا فسّرنا عدم العلم المأخوذ في موضوع الأصل كـ(رُفع ما لا يعلمون) بعدم العلم التكوينيّ، وقامت أمارة على الحرمة، فإنّ هذه الحالة تخرج عن حدود الأصل بنحو الحكومة؛ لأنّ العقلاء يرون أنفسهم عالمين علماً قانونيّاً، فلا يجدون أنفسهم مشمولين لـ(رُفع ما لا يعلمون) رغم تفسير العلم بالعلم التكوينيّ، ولا يمكن اعتبار ذلك من قبيل الورود على انتفاء الموضوع في الدليل المورود وجداناً بمؤونة التعبّد، وعدم العلم التكوينيّ الموضوع في دليل الأصل حسب الفرض لا ينتفي وجداناً بوجود علم اعتباريّ. نعم، لو كان موضوع الأصل الأعم من العلم التكوينيّ والعلم الاعتباريّ لكان تقدّم الأمارة بنحو الورود.

ويبدو أنّ ما أُفيد مبنيٌّ على انحصار الخروج في المثال بين الحكومة أو الورود، ولمّا لم يكن على نحو الورود كان على سبيل الحكومة.

ولكن قد لا يكون ورودٌ ولا حكومةٌ؛ إذ لم يقم دليل على أنّ الرفع الاعتباريّ إذا لم يكنمن قبيلالجمع العرفيكان علىنحو الحكومة،بل حتّىعلى رأيبعض الأعاظم F فإنّه وإن كانت أدلة حجّيّة الأمارة ـ على تقدير كونها على نحو الاعتبار المتأصّل ـ مسالمة لأدلّة الأُصول العمليّة إلّا أنّه لا نظر فيها إليها، فكيف كان التقديم على نحو الحكومة؟!

بل يمكن أن يقال: إنّ النظر إنّما هو لأجل وجود العناية في الاعتبار الأدبيّ التي هي مقارنة للتنزيل ونحوه، فإذا زالت العناية في الاعتبار المتأصّل ـ كما هو المفروض ـ فإنّه يزول النظر إلى دليلٍ أو حكمٍ آخر.

وفي المقابل يمكن أن يقال: إنّ الاعتبار المتأصّل أيضاً يتوفّر على النظر من جهة أنّه اعتبار، ولكي لا يكون مجرّد فرض لا تترتّب عليه الآثار التي كانت ببركة العناية فلا بدّ من وجود تلك الآثار بنحو أو بآخر، وقد ذُكرت لذلك فرضيّتان:

الأولى: أن تكون تلك الآثار مندمجة في مضمون المعنى المعتبر على سبيل الاعتبار المتأصّل، فإذا كانت الآثار مندمجة في المعنى المعتبر فهو ناظرٌ لها.

الأخرى: أنّه بالاعتبار المتأصّل يتوفّر المعنى المعتبر على شأنيّة الاتّصاف بتلك الآثار، بحيث تكون نسبة المعنى المعتبر إلى تلك الآثار نسبة الموضوع إلى حكمه. وفي هذه الفرضيّة أيضاً يكون النظر حاصلاً ببركة الشأنيّة المذكورة.

والمقام يحتاج إلى مزيد بحث ونظر؛ من جهة التأمّل في أنّ النظر المذكور إنّما هو من قبيل النظر الحكومي.

الكلمة الثانية: ما أفاده بعض الأعاظم F (٢٦) من أنّ ميزان القرينيّة في الحكومة وإن كان هو النظر إلّا أنّه لا يعكس هويّتها، فإنّ الحكومة عنده F هي: كون لسان الدليل الحاكم لسان المسالمة والملاءمة مع الدليل المحكوم وليس لسان المعارضة معه، ففي الحكومة على نحو التضييق ـ مثلاً ـ يُذكر الدليل الحاكم على أنّه بيان لحدود موضوع الدليل المحكوم، وأنّ مورده ليس من أفراد موضوع المحكوم، فيكون انتفاء الحكم في مورده انتفاءً طبيعيّاً باعتبار عدم تحقّق موضوعه، فهذا اللسان يتضمّن نحواً من الالتواء وعدم الصراحة في أداء المعنى، بخلاف التخصيص ـ مثلاً ـ فإنّ الخاصّ إنّما ينفي ما يثبته العامّ أو يثبت ما ينفيه العامّ بلسانٍ معارض معه؛ لأنّه لا يكون عن طريق الموضوع وإنّما مباشرةً باتجاه الحكم.

فإذا كانت هذه حقيقة الحكومة فإنّها لا تتحقّق فيما لو كان الدليل ناظراً إلى عقد حمل الدليل الآخر؛ لوضوح أنّ هذا النحو من النظر إنّما يكون بلسان المعارضة لا المسالمة. وعلى هذا تكون الحكومة أخصّ من النظر.

فتحصّل: أنّ البناء على أنّ حقيقة الحكومة ليس إلّا لسان المسالمة ـ لا النظر مطلقاً ـ يفضي إلى عدم عدّ ما يعرف بالحكومة ـ بملاك النظر إلى عقد الحمل ـ من أقسامها، وهذا يستدعي إثبات أنّ حقيقة الحكومة هي اللسان المذكور.

وأفاد F في مقام إثبات ذلك: 

أنّ لكلّ بابٍ في أيِّ علمٍ مورداً متيقّناً له يُعبَّر عنه بـ(مثال الباب)، يكون أساساً في تحليل ذلك الباب ومأخذاً لملاكه وتحديده، ومن ثَمَّ أيُّ فرضيّة تُطرح لتحليل أيِّ باب
ـ بعد تماميّتها في حدِّ نفسها ـ إذا شملت المورد المتيقّن للباب فلا ضير بعد ذلك في شمولها لموارد أُخرى وعدم شمولها، وإلّا لم يكن تحليلاً لذلك الباب، وإنّما يكون تحليلاً لظاهرة أخرى. ومثال باب الحكومة هو التنزيل فلا يصحّ أيُّ تحليل للحكومة إلّا إذا شمله.

والمدّعى في المقام أنّ التحديد المشهور للحكومة بأنّها نظرُ أحد الدليلين إلى الدليل الآخر لا يمكنه أن يشمل التنزيل؛ وذلك لأنّ التنزيل كناية واعتبار أدبيّ يختلف فيه العنصر المعنوي ـ المراد الجديّ ـ عن العنصر الشكليّ للكلام ـ المراد الاستعماليّ ـ ، ولذا تتوقّف صحّته على وجدانه لمصحّح لغويّ وآخر بلاغيّ، وكلاهما لا يقتضيان نظر التنزيل إلى دليل آخر:

أمّا المصحّح اللغويّ للسان التنزيل فليس هو إلّا التناسب بين العنصرين المعنوي والشكلي، وهو المعروف بـ(العلائق المصحّحة للتجوّز)، وذلك أنّه كلّما عُبّر عن معنى خاصّ بعنصر شكليّ يختلف عنه، فإنّه لا بدّ من تسانخ وتناسب بين الأمرين ليصحّ بذلك التعبير عن المعنى المراد بالشكل الخاصّ، وإلّا لا يصحّ استعمال اللفظ في التعبير عن المراد لغةً.

ومن الواضح أنّ هذا المصحّح لا يقتضي النظر إلى دليل آخر، وإنّما أقصى ما يقتضيه

أنّه يحقّق التسانخ بين المرادين الجديّ والاستعماليّ.

وأمّا المصحّح البلاغيّ للّسان المذكور ـ ويعبّر عنه بوجه العدول عن التعبير الصريح إلى التنزيل والاعتبار الأدبيّ ـ فإنّه وإن اقتضى النظر ـ وإلّا لا يكون ميزان القرينيّة في الحكومة هو النظر ـ ولكنه ليس إلى دليل آخر، وتوضيح ذلك: 

أنّ البلاغة تقتضي اختيار المتكلّم للأُسلوب الصريح في مرحلة أداء المعنى؛ لأنّه أُسلوب طبيعيّ وواضح في الأداء, ولذلك فالعدول عنه إلى أُسلوب الكناية والتنزيل
لا بدّ أن يكون مبنيّاً على مصحّح بلاغيّ من مراعاة جهةٍ تتوفّر في هذا الأُسلوب دون الأُسلوب المباشر الصريح، وبما أنّ أُسلوب التنزيل أُسلوب أدبيّ فهو يخضع للنكتة العامّة في الاعتبارات الأدبيّة، والتي هي التصرّف بمشاعر المخاطبين وعواطفهم وأحاسيسهم، من خلال اختيار أسهل طرق التعبير وأحسنها وأوفاها؛ ليصل المتكلّم إلى مقاصده بصورة لا تجرح ولا تمسّ تلك العواطف والأحاسيس، بل ليستفيد منها في الوصول إلى مقاصده تلك.

هذه هي النكتة العامّة والمصحّح البلاغيّ في اختيار التجوّز والاعتبار الأدبيّ على الأُسلوب الصريح، وبدونها لا يصحّ بلاغةً وإن صحّ لغةً بعد توفّره على المصحّح اللغويّ.

هذا على العموم، وأمّا النكتة الموجبة لاختيار أُسلوب التنزيل من قبل الشارع في مقام بيان تحديد الحكم فهي ترتكز على أمرين:

الأمر الأوّل: اختلاف هذا الأُسلوب عن الأُسلوب الصريح في نوع إثارة المعنى، ويظهر ذلك فيما لو استخدمنا هذين الأُسلوبين في مقابل فكرة عامّة مخالفة لمحتواهما، فالأُسلوب الصريح يكون جارحاً لتلك الفكرة معارضاً لها؛ لأنّه يعرّض المعنى المخالف لها على ما هو عليه، وإذا كان المخاطب مقتنعاً بتلك الفكرة المخالفة وكان الترابط بين الحكم والموضوع ـ المعبِّرين عن تلك الفكرة ـ وثيقاً في ذهنه فإنّ مواجهته بهذا الأُسلوب يثير إحساسه ضدّ مؤدّى الكلام، فيوجب إنكاره أو استنكاره له، من جهة كون ذلك مجابهةً واضحةً مع ما ارتكز في ذهنه من الارتباط بينهما.

وأمّا أُسلوب الكناية والتنزيل فهو يثير المعنى بنحو لا يمسّ اعتقاد المخاطب ومشاعره؛ لأنّ مظهره مظهر المسالمة والاعتراف بتلك الفكرة؛ حيث إنّه ينفيها بنفي موضوعها، فيكون انتفاءً طبيعيّاً، فيخيّل للمخاطب أنّه لا يعارض اعتقاده بثبوت الحكم للموضوع بنحو عامّ، بل يُقرّه عليه ويعترف له به، حتى كأنّه لو كان الموضوع متحقّقاً في المورد لثبت الحكم. وبذلك يكون المعنى أوقع في نفس المخاطب، وأقرب إلى إذعانه وقبوله بخلاف الأُسلوب الصريح.

وبهذا يظهر اختلاف هذين الأُسلوبين في نوع التأثير الإحساسيّ.

الأمر الآخر: اختلاف المواضيع التشريعيّة التي يتعرّض لها الدليل الحاكم أو المخصّص في ارتكاز فكرةٍ مخالفة لمؤدّاه في ذهن المخاطب وعدمه. 

فقد يكون المخاطب بالدليل خالي الذهن عن أيّ فكرة عامّة مقابلة، أو يكون له فكرة مقابلة إلّا أنّها غير مرتكزة في ذهنه، فتزول بمجرّد اطّلاعه عليها، ففي هذه الحالة لا مصحّح بلاغيّ للتعبير بلسان المسالمة حتى وإن كان هناك عموم أو إطلاق على خلاف مؤدّى الدليل، بل المناسب التعبير الصريح.

وقد يكون المخاطب بالدليل ذا ارتكازٍ(٢٧) ذهني في الموضوع على خلاف مؤدّ الدليل، وفي هذه الحالة يعدل المتكلّم البليغ عن النفي الصريح للحكم إلى لسان النفي غير المباشر تجنّباً عن إثارة مشاعر المخاطب وأحاسيسه.

فتحصّل ممّا ذكرناه أنّ للتنزيل خصوصيّتين:

الأولى: أنّ التنزيل يمثّل أُسلوباً وطريقة مسالمة في أداء المعنى، ولمّا كانت الحكومة والتخصيص بمعنى واحد ثبوتاً ـ وهو أنّ الحاكم مخصّص للمحكوم ومبيّن أنّ المراد الاستعماليّ أوسع من المراد الجديّ ـ كان التوجّه في مقام تحديد الحكومة إلى الخصوصيّة الإثباتيّة التي تمتاز بها الحكومة عن التخصيص، ولحسن الحظ كان التنزيل متوفّراً على خاصيّتين: خاصيّة كونه أُسلوباً مسالماً، وخاصّيّة النظر. وعلى التحديد المشهور للحكومة كانت الخاصّيّة المرشّحة للتمييز والتفريق هي خاصّيّة النظر. وأمّا بعض الأعاظم F فهو يرى أنّ الخاصّيّة الجديرة بتحديد الحكومة هي طريقة أداء المعنى، بمعنى كونه أُسلوباً مسالماً.

ويترتب على تحديد الحكومة بكونها أُسلوباً مسالماً ـ مضافاً إلى صحّة التحديد المذكور حيث يشمل التنزيل ـ خروج ما يعرف بالحكومة بملاك النظر إلى عقد الحمل منها، فتكون الحكومة أخصّ من النظر.

الأخرى: أنّ التنزيل يقتضي النظر، ولكن إلى ارتكازٍ ذهنيٍّ على خلافه، لا إلى دليل آخر من عموم أو إطلاق. 

نعم، إنّ ردّ الارتكاز يستبطن نفي ما يكون حجّة عليه بما في ذلك العموم والإطلاق فيما إذا كان المتكلّم مطّلعاً عليه، فيكون تحديد ذلك ملحوظاً بنحو غير مباشرٍ في لسان التنزيل، إلّا أنّ هذا اللّحاظ غير المباشر ليس هو المصحّح لأُسلوب التنزيل.

وبهذه الخصوصيّة يتّضح أنّ التحديد المعروف للحكومة ليس بتامّ؛ إذ لا يوجد في التنزيل الممثِّل للحكومة ما يقتضي النظر إلى دليل آخر.

ويتراءى في نظري القاصر تجاه ما ذُكر أمور:

أوّلاً: أنّ النظر المأخوذ في التحديد المعروف للحكومة لم يعتبر على سبيل الـ(بشرط لا) عن المسالمة وعدم وجود ارتكازٍ مخالفٍ، بل (لا بشرط) تجاههما، فما أُفيد من أنّ التحديد المعروف للحكومة لا يشمل التنزيل لا يمكن المساعدة عليه؛ إذ إنّه أعمّ من التنزيل. 

نعم، تكون النسبة بين التحديد المشهور للحكومة والارتكاز هي العموم من وجه فيما إذا كان ارتكازاً لا يعلم المتكلّم دليله، أو لا دليل عليه أصلاً، فهنا يصحّ التنزيل ولا تصحّ الحكومة على التحديد المعروف لها؛ إذ سيكون النظر إلى ارتكازٍ لا إلى دليلٍ آخر.

ولكن مثله نادر التحقّق فلا يضرّ في التحديد، وقد وقع له F مثل ذلك حيث أفاد: (فهذه ـ أي ما تقدّم منّا بيانه ـ هي النكتة العامّة لأُسلوب الحكومة، ولكن هذه النكتة إنّما هي فيما كان مصبُّ النفي أو الإثبات فيها نفس الحكم أو ما يرتبط به ... وأمّا حيث يكون مصبُّ ذلك أمراً خارجيّاً مسبّباً عن الحكم كالحرج والضرر ... فإنّه لا تتأتّى فيه هذه النكتة كما هو واضح) (٢٨).

وثانياً: أنّ من موارد الحكومة ـ وبلا خلاف بين الأعلام، بل لعلّ البعض توهّم حصر الحكومة بها ـ ما يكون الحاكم مشتملاً على واحدة من أدوات التفسير صراحةً أو إشارةً، ولا يخفى أنّ اندراجها في الحكومة وصحّتها غير متوقّفة على وجود ارتكازٍ مخالفٍ، فعلى ما ذكر لا تكون من موارد الحكومة أصلاً، وكذلك يتأتّى فيها النظر إلى عقد الحمل.

وثالثاً: أنّ الحكومة بملاك النظر إلى عقد الحمل بحسب التحديد المعروف تكون تخصيصاً بحسب ما ذكره F، وعندئذٍ ينبغي أن يكون ميزان التقديم فيه هو الأقوائيّة في الظهور، والحال أنّ المفسِّر يُقدّم على المفسَّر وإن كان أضعف ظهوراً منه. 

فإن قيل ـ كما قيل فعلاً ـ : إنّ حيثيّة التفسير تعطيه أقوائيّة في الظهور.

فإنّه يقال: إنّ ما نجده في أنفسنا وبحسب مرتكزاتنا العرفيّة أنّه يقدّم المفسِّر والمحدِّد من دون الالتفات ـ ولو إجمالاً ـ إلى الأقوائيّة في الظهور، ومن دون التشكيك في التقديم، كما قد يحصل في بعض موارد الجمع العرفي حتّى الواضحة منها.

إذاً على ما أُفيد يكون التقديم في ما يعرف بالحكومة بملاك النظر إلى عقد الحمل بميزان ثالث كما ذكرنا مثله فيما تقدّم.

ورابعاً: أنّ النظر إلى الدليل الآخر يساوق النظر إلى الارتكاز المذكور، وذلك بمقدّمتين: 

الأولى: أنّ النظر إلى الدليل الآخر على التحديد المعروف للحكومة يراد به النظر إلى الأحكام المعبِّر عنها الدليل، فهو وصف بحال المتعلّق، لا أنّ النظر إلى ذات الدليل الآخر، ويشهد على ذلك أنّ من أقسام الحكومة ـ كما سيأتي ـ ما يكون الدليل الحاكم ناظراً إلى الحكم الواقعي بما هو واقع وبقطع النظر عن كونه مدلولاً للدليل كما هو الحال في التخصيص والتقييد.

إذاً مقصود الأعلام في التحديد المعروف إنّما هو نظر أحد الدليلين إلى الحكم المُفاد بالدليل الآخر من جهة كونه مُفاداً به، أو بقطع النظر عن ذلك، ويراد بالحكم ما يعمّ مُفاد الهيئة والمادة والموضوع لا ما يختصّ بأوّلها.

الأخرى: أنّ الارتكاز يمثّل كيفيّة العلاقة بين أجزاء الحكم المذكور آنفاً. وعلى ذلك يكون النظر إلى الدليل الآخر نظراً إلى الحكم المُفاد بالدليل وكيفيّته، والذي هو الارتكاز.

وخامساً: أنّ التنزيل وإن كان كما أُفيد إلّا أنّه أصبح تدريجاً من الأساليب المعبِّرة عن القانون والتشريع، ويستفاد منه في أغراض متعدّدة قد يكون بعضها غير متوفّر على الارتكاز المصحّح للتنزيل الأدبيّ أصلاً، فمثلاً إذا كان لموضوعٍ عدّة أحكامٍ، ويريد المشرّع نفيها عن أحد أفراد ذلك الموضوع فإنّه يمكن أن يقول: (إنّ الأحكام الثابتة لذلك الموضوع غير ثابتة لذاك الفرد)، وكذلك يمكن أن يقول: (إنّ ذاك الفرد في نظري ليس من أفراد ذلك الموضوع)، والثاني مع أنّه أليق بصياغة القانون كذلك يدفع استغراباً ـ لا ارتكازاً ـ من أنّه كيف أنّ ذاك الفرد من أفراد الموضوع ومع ذلك لا تثبت له أحكامه؟ وذلك باعتبار أنّه ليس من أفراده بنظره.

وهذه الأمور الخمسة ـ وهناك غيرها ـ قد لا تكون جميعها تامّة، بل بعضها يمكن المناقشة فيه بطريقةٍ أو بأُخرى، ولكن لا يبعد أنّها بمجموعها تفيد الاطمئنان بأنّ التحديد المعروف للحكومة ـ وهو أنّ مناطها النظر في أحد الدليلين إلى الدليل الآخر ـ هو الراجح، ومنه تعالى الهداية والصواب.

 

الفصل الثاني

في النظر الذي هو ميزان القرينيّة في الحكومة ومُهمّ شؤونه

ويقع الحديث في جهات خمس:

الجهة الأولى: المقصود من النظر.

يحدّد النظر في كلمات الأعلام بأنّه: مدلول لفظي تضمّني(٢٩) أو التزاميّ، ولذا يمثل ظهوراً ثانياً للدليل الحاكم وراء مفاده المطابقي. ومفاد النظر هذا ومحتواه هو: أنّ الدليل الواجد له إنّما جيء به وسيق لشرح حال الدليل المنظور إليه(٣٠)، وتفسيره وبيان كمّيّة مدلوله والتصرّف فيه، والمفسِّر والمبيِّن والمتصرِّف هو المدلول المطابقي للدليل، وأمّا النظر فهو حيثيّة مصحّحة لاتصاف المدلول المطابقي بأنّه ناظر ومفسِّر.

وينبغي الالتفات إلى أنّ التحديد المذكور للنظر إنّما هو لأكمل أفراده وأغلبها وجوداً، والمتّفق عليه بين الأعلام، وإلّا فالمناسب أن يُحدّد النظر بحيث يشمل ثلاثة موارد أُخرى:

المورد الأوّل: أنّ توصيف النظر بأنّه مدلول لفظيّ يعني اختصاصه بالأدلّة اللفظيّة، ولذا ذكروا أنّه لا حكومة في اللبيّات.

وفي المقابل ذهب بعض الأعلام إلى أنّه لا مانع من تحقّق الحكومة في اللبيّات كالمحقّق النائيني S (٣١)، وبعض الأعاظم F (٣٢).

المورد الثاني: أنّ توصيف النظر بأنّه مدلول تضمّنيّ أو التزاميّ يعني عدم شموله للنظر الحاصل بتوسّط القرائن المنفصلة، كما لو كان عندنا دليلان متنافيان، ثمّ جاء دليل ثالث مفاده أنّ أحدهما إنّما سيق لتفسير الآخر، فهنا نسبة الدليل الذي أُفيد أنّه مفسِّر للآخر ببركة الدليل الثالث تكون هي الحكومة، وكذلك نسبة الدليل الثالث إليهما أيضاً هي الحكومة.

المورد الثالث: أنّ النظر على مراتب من حيث الخفاء والوضوح ـ كما سيأتي ـ ، ومن ثَمّ بعض مراتب النظر تحتاج إلى فكر وتدبّر، والمدلول الالتزاميّ لازم بيِّن بالمعنى الأخصّ.

الجهة الثانية: في الدوالّ على النظر.

إنّ ما يمكن أن يدلّ على النظر من الخصوصيّات ـ بحسب تتبّع كلمات الأعلام ـ لا حصر عقليّ له، وأنّه مختصّ بالأدلّة اللفظيّة، ومقتصر على النظر المستفاد من القرائن المتصلة. ولنتعرّض لبعض الدوالّ:

منها: أن يكون الدليل ـ الذي يُنتظر منه أن يكون حاكماً وناظراً ـ متوفّراً على واحدة من أدوات التفسير الصريحة مثل (أعني) و(أي) ونحوهما.

ومنها: أن يكون الدليل قد ذُكر في مقام الإجابة عن سؤال حول كلمات أُخرى ظاهرها التنافي لهذا المتكلّم أو مَن بمنزلته، أو يكون في مقام بيان المراد منه، وقد ورد مثل هذا مكرّراً في الأخبار الشريفة، منها على سبيل المثال:

١ـ ما رواه الشيخ الصدوق S بإسناده عن خلّاد بيّاع القلانس، قال: سألت أبا عبد الله g عن رجلٍ أتى أهله وعليه طواف النساء. قال: (عليه بدنة). ثّم جاءه آخر فسأله عنها. فقال: (عليه بقرة). ثمّ جاءه آخر فسأله عنها. فقال: (عليه شاة). فقلت بعدما قاموا: أصلحك الله كيف قلت عليه بدنة؟ فقال: (أنت موسر وعليك بدنة، وعلى الوسط بقرة، وعلى الفقير شاة) (٣٣).

٢ـ ما رواه الكليني S بإسناده عن علي بن المغيرة قال: قلت لأبي عبد الله g جعلت فداك الميتة ينتفع بشيء منها؟ قال: (لا). قلت: بلغنا أنّ رسول الله e مرَّ بشاة ميتة، فقال: ما كان على أهل هذه الشَّاة إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها! قال: تلك شاة لسودة بنت زمعة زوج النبي e، وكانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها فتركوها حتى ماتت. فقال رسول الله e: (ما كان على أهلها إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها أن تُذكّى)(٣٤). إلى غير ذلك من الأخبار.

ومنها: أن يكون شارحاً لحال الدليل المحكوم من خلال ذكره في متن الدليل الحاكم، وذلك قد يكون صريحاً كما لو قال: (أكرم العالم)، ثمّ قال: (وجوب إكرام العالم غير ثابت للفاسق)، وقد يكون لا على هذا السبيل كما في حكومة قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣٥) على أدلّة الأحكام الأوّليّة، فإنّ الظاهر من كلمة (الدين) في الآية الشريفة هو الكناية عن الأحكام والتشريعات الإلهية، وكذلك كلمة (الإسلام) على تقدير ورودها في مستند قاعدة لا ضرر، فإنّ النفي في مثل هكذا أدلّة ظاهر في النفي التركيبي ـ في مقابل النفي البسيط ـ بمعنى الفراغ عن ثبوت تشريعات في الرتبة السابقة، وأنّه في مقام نفي ما توجبه هذه التشريعات من الحرج والضرر، فبذكر كلمتي (الدين) و(الإسلام) يثبت أنّه ناظر إلى أحكامهما.

ومنها: التنزيل، وقد اتّضح إفادة التنزيل للنظر ممّا أفاده بعض الأعاظم F ، والبيان المعروف عند الأعلام في كيفيّة إفادة التنزيل للنظر هو أنّه لما كان التنزيل إعطاء حدّ شيء لشيء آخر أو سلب حدّه عنه ولكن ادعاءً لا حقيقةً ـ لاستحالته ـ فإنّه بدلالة الاقتضاء لا مناص من أن يتوجّه الإعطاء والسلب إلى شيء آخر غير ذات المنزّل عليه؛ صيانةً لكلام المتكلم عن الكذب واللغويّة، وهذا الشي الآخر لا بدّ أن يكون ذا علاقة بالمنزّل عليه تمثّل مصحّحاً لغويّاً للتنزيل ـ كما ذكرناه من قبل ـ ، وهي في التنزيل الأدبيّ تمثّل أحكام وآثار المنزّل عليه التي ينالها الاعتبار دون غيرها، وبمقتضى إطلاق التنزيل تثبت جميع تلك الآثار للمنزّل.

وأمّا في التنزيل القانونيّ بناءً على ثبوته كما ذهب إليه سيّدنا الأُستاذ دامت بركاته فإنّ الذي يثبت للمنزّل شأنيّة الاتّصاف بأحكام المنزّل عليه.

ومنها: مناسبات الحكم والموضوع(٣٦) المكتنفة بالدليل الحاكم والتي هي أحد الوجوه لإثبات أنّ أدلّة لا ضرر ناظرة إلى أدلة الأحكام الأوّليّة، بتقريب: أنّه لما لم يكن من المترقّب في الشريعة جعل أحكام ضرريّة بطبيعتها، وإنّما تجعل أحكاماً قد تصبح ضرريّة في بعض الأحيان، فإنّه ستكون أدلّة نفي الضرر ـ بهذه المناسبة ـ ناظرةً إلى إطلاقات أدلّة الأحكام الأوليّة ومحدِّدةً لها.

‏ومنها: قرينة ‏الامتنان(٣٧)، حيث إنّ الامتنان بنفي حكم ـ كنفي الضرر والحرج ـ‏ أو تشريع حكم محدِّد لحكم آخر‏ كأدلة مطهّريّة الماء ـ مثلاً ـ بالنسبة إلى أدلّة النجاسات يقتضي ‏بطبعه النظر إلى أحكام ثابتة في الرتبة السابقة فيكون محدِّداً لها.

الجهة الثالثة: ‏علائم النظر.

إنّما يحتاج لعلائم النظر هذه فيما إذا لم نحرز تحقّقه من غير طريقها، وإلّا لا تكون هناك حاجةٌ لها. وقد ذكر الشيخ الأعظم S العلائم في تقريرات بحثه الموسوم بمطارح الأنظار(٣٨) ‏بعنوان (علائم البيان)، بينما ذكر في فرائد الأُصول(٣٩) ما يدور مرجع الميزان والعلامة فيه بين التفرّع والحكومة، ‏وبالالتفات ‏إلى ‏ما ذكرناه في الجهة الأولى يتّضح أنّ هذه العلائم أولاً وبالذات للنظر، وثانياً وبالتبع ‏للدليل الحاكم؛ لأنّ الدليل الحاكم في حدّ نفسه لا يتّصف بأنّه ناظر ومفسِّر ومبيِّن، ‏وإنّما اتّصافه بتلك الأوصاف لمكان النظر، ولذا صحّ أن تكون علائم للنظر. ولأجل أنّ أنظار الأعلام في القسم الثاني من علم الأُصول ـ مباحث الحجج ـ إنّما كان لخصوص فرائد الأُصول كانت متابعتهم للعلامة الأولى فحسب.

وأيَّاً كان فقد ذكر S علامتين:

العلامة الأُولى: التفرُّع الثبوتي أو الإثباتي.

‏وحاصل ما أفاده S: أنّ الدليل الحاكم متفرّع على الدليل المحكوم بحيث لو فرض عدم الدليل ‏المحكوم يكون صدور الدليل الحاكم لغواً؛ لأنّه سيكون بلا مورد.

‏والتفرّع المذكور قد يكون ثبوتيّاً، وقد يكون إثباتيّاً.

أمّا التفرّع الثبوتي ‏فيراد به ما يكون في مقام التشريع والجعل والتعبّد، بمعنى أنّه لا يصحّ تشريع الحاكم ‏إلّا بعد تشريع المحكوم، ‏فمثلاً لا معنى لتشريع (‏الطواف بالبيت صلاة) ‏أو (‏لا ربا بين الوالد والولد) ‏وهو بعدُ لم يشرّع اشتراط الصلاة بالطهارة، أو حرمة الربا. 

وأمّا التفرع الإثباتي ‏فهو تفرّع ‏في مقام صدور الدليل من المشرِّع، فلا يصحّ أن يصدر الدليل الحاكم قبل صدور الدليل المحكوم، ‏فهو تفرّع في زمان الصدور.

وظاهر كلام الأعلام هو الوجود التفصيليّ للدليل المحكوم في مقابل ‏عدم وجوده أصلاً. ‏وهناك فرض آخر في المسألة وهو الوجود الإجماليّ للدليل المحكوم، ‏ويكفي في الوجود الإجمالي للدليل المحكوم التنبيه على أنّه سيأتي المحكوم، وإنّما أخّره لغرضٍ ما، كأنْ يكون الحكم لم تتضح معالمه بعدُ، فمثلاً لم يحدّد بعدُ أنّ الربا حرام أو مكروه، ولكن على كلا الحالين يكون الربا بين الوالد والولد مستثنىً من هذا الحكم.

إذاً، هكذا ينبغي أن يُحرَّر محلّ النزاع.

وينبغي الالتفات إلى أنّ المحذور المنظور في المقام ثبوتاً ونفياً ليس من الجهة العقليّة، وإنّما من الجهة العقلائيّة والقانونيّة.

وكيفما كان، فقد بنى الشيخ الأعظم S على أنّ التفرّع الإثباتي‏من علائم النظر، حيث أفاد في مطارح ‏الأنظار ما ‏لفظه: (‏ومن جملة علامات البيان أنّه لو قطع النظر عن ورود المبيَّن كان البيان لغواً صرفاً ‏كما يظهر ذلك من ملاحظة قولنا: (‏أعني الرجل الشجاع)‏ لو لم يكن كلاماً برأسه، أو قولنا: (‏ما أردت الأسد الحقيقي بل أردت الرجل الشجاع) ‏إذا لم يكونا ‏مسبوقين بقولنا: ‏(رأيت أسداً) (٤٠).

والوجه في اللغويّة: ما ذكره بنفسه S في فرائد الأُصول(٤١) ‏من أنّ الدليل الحاكم سيكون عندئذٍ خالياً عن المورد، ‏ومثّل له ‏بأدلّة ‏(لا حكم للشكّ في النافلة)،‏ أو ( لا حكم للشكّ مع كثرة الشكّ)، أو (لا حكم للشكّ مع حفظ الإمام أو المأموم)، أو (لا حكم للشكّ ‏بعد الفراغ من العمل)؛ ‏فإنّه لو لم ترد من الشارع أحكام الشكوك ـ ‏لا عموماً ولا خصوصاً ـ ‏لم يكن مورد للأدلّة النافية لحكم الشكّ في الصور المذكورة.

ومن الواضح أنّه S مثّل بأدلّة ينحصر الغرض من تشريعها وإيرادها في كونها مبيِّنة وشارحة للدليل المحكوم، ‏وكأنّه لوضوح التفرّع فيها بالقياس ‏إلى ‏الأدلّة التي لها أغراض أُخرى بالإضافة إلى البيان والتفسير، كالأمارات بالإضافة إلى الأُصول العمليّة الشـرعيّة ‏حيث إنّ لـها أغـراضـاً أخـرى وراء تحـديـد الأُصول المذكـورة، وهـي أنّـهـا كاشـفـة

عن الأحكام الواقعيّة وواردة على الأُصول العمليّة العقليّة، ‏ولذا ينبغي التفريق بين هذين ‏النحوين من الأدلّة في مقام تحرير محلّ البحث والنزاع.

وذهب المحقّق النائيني S(٤٢) إلى أنّ التفرّع ‏في كلا المقامين ‏غير معتبر العلاميّة ‏على النظر، ‏ونقض على مَن يرى علاميّة التفرّع ‏بعدم اللغويّة في مورد حكومة الأمارات على الأُصول العمليّة الشرعيّة.

والكلام يقع في كلا المقامين:

(التفرّع الثبوتي)

‏بمعنى‏ ما يجري في نفس المقنِّن عند ‏الجعل والتشريع، فإنّه (تارةً) نقول: ‏إنّه لا فرق في مقام الجعل بين ‏الحكومة والتخصيص، وليس النظر جزءاً من الجعل، وإنّما هو من شؤون البيان فيكون محلّه مقام الإثبات،‏ ومن الواضح في هذا الحال أنّه لا ملزم  للتفرّع المذكور ‏وإن كان ‏عادةً يُشرّع التأصيل والعام أوّلاً، ثمّ تُشرّع الحدود والاستثناءات التي تمثّل الحاكم والخاصّ. (وأُخرى) نبني ‏على أنّ للنظر مكاناً في مقام الجعل والتشريع، وعندئذٍ نقول: إنّه لمّا كان النظر من قبيل الصفات ذات الإضافة كان مقتضياً لوجود المنظور إليه في نفس المقنِّن ‏ـ ولو إجمالاً ـ بالمقدار الذي يصححّ النظر، ‏وهذا يعني أنّ نفس صفة النظر تكشف عن وجود المنظور إليه في نفس المشرّع.

‏وقد يلاحظ على هذا البيان:

أولاً: ‏أنّ ما ذكر ‏يمثّل تحليلاً عقليّاً، ‏والذي يناسب الجعل‏ والتشريع هو أن يكون التحليل عقلائيّاً كما ذُكر من قبل.

ثانيا: ‏أنّ ما ذكر‏ قد اعتمد على نفس ‏النظر في إثبات علاميّته، ‏وهذا قد لا يكون مناسباً.

ويجاب على الملحظ الأوّل: ‏أنّ كلامنا هذا في أصل وجود التشريع وما تقتضيه مفرداته ‏لا في مصحّحاته ‏حتى يصار إلى العقلائيّة ‏فحسب، فإنّها تأتي في رتبة متأخّرة عن أصل وجود الشيء.

ويجاب على الملحظ الثاني: ‏أنّ البيان المذكور من قبيل برهان (الإن) فإنّه لو كان نظرٌ لكانت هناك حاجة إلى وجود المنظور إليه، ‏فإذا تحقّقت الحاجة المزبورة كشفت عن وجود النظر كشف المعلول عن علّته.

‏ويمكن أن ينبّه على ذلك ‏ما يمكن أن يجري في المجالس التشريعيّة فيما إذا اعتبرناه ‏من قبيل مقام الثبوت، وأنّ ما يجري بين أعضائه بمثابة عقل واحد ‏يفكّر بصوت عالٍ، ‏فإنّه لو أقدم أحدهم على تشريع الحاكم قبل تشريع المحكوم ‏لاستغربوا من صنيعه هذا. ‏نعم، لو نبّه على أنّه سيأتي المحكوم وإنّما أخّره لغرضٍ لقبلوا صنيعه هذا. 

(التفرُّع الإثباتيّ)

‏وقد انقدح ممّا ذكرناه في التفرّع الثبوتيّ ما يحصل في ذهن المتلقّي للدليل الحاكم من جهة ‏اشتماله ‏على النظر، ومن ثَمّ إذا لم يُنبِّه المشرّع على أنّ الدليل المحكوم سيصدر فيما  بعد فإنّه يلزم أن يكون ‏نظر ولا منظور إليه، وهو كما ترى.

‏يضاف إلى ذلك أنّ الدليل المحكوم يمثّل جزءاً من المراد الجدّيّ للدليل ‏الحاكم كما يتّضح بملاحظة الدوالّ على النظر، ‏فإذا لم يكن الدليل المحكوم صادراً أوّلاً فإنّ مفاد الدليل الحاكم يكون مجملاً، وهذا يكفي في تحقّق العلاميّة. ‏والعلاميّة المذكورة ‏تتحقّق أيضاً في مثل الأمارات. نعم، ليس بنفس الوضوح الحاصل في الدليل الذي سيق لغرض التفسير فحسب.

العلامة الثانيةانحصار الغرض بالتفسير.

وقد أفادها الشيخ S في تقريرات بحثه قائلاً ما لفظه: (‏ومن كواشفه ـ أي البيان والنظر ـ ‏أيضاً أنّ حمل البيان على وجه لا يكون بياناً ممّا يعدّ في العرف من إخراج الكلام عمّا سيق إليه بالمرّة، بخلاف التخصيص ‏فإنّ حمل الأمر فيه على الاستحباب ‏أو تصرّف آخر فيه على وجه لا ينافي ‏عموم العامّ ليس بهذه المثابة من القبح ‏كما لا يخفى على من ألقى السمع وهو سديد السليقة ‏ومستقيم الطبيعة) (٤٣).

‏وما أفاده S يناسب ما كان الغرض من سوقه منحصراً في كونه مفسِّراً لدليل آخر‏ دون ما إذا كان له غرض آخر ‏بالإضافة إلى التفسير كما هو الحال في الأمارات.

‏ولعلّ ما ذُكر هو إحدى النُّكات وراء البناء على أنّ الدليل الحاكم يتقدّم مطلقاً وبلا استثناء على الدليل المحكوم، فإنّ النظر لمكان إفضائه إلى النكتة المذكورة يقتضي تقديم الحاكم مطلقاً، ‏وسيأتي بحثه. 

فإنْ قيل: ‏إنّه على هذا يمكن عدّ الكثير من الخصوصيّات التي تمتاز بها الحكومة عن باقي أبواب ‏التعارض من علامات النظر والحكومة، وهو كما ترى.

فإنّه يقال:‏ ـ مضافاً إلى أنّه لا محذور فيه ـ ‏إنّ الخصوصيّات المنظورة لنا إنّما هي خصـوصـيّاتالنـظـر والتفسـير،لا أيّـةخصوصيّة تـمتازبها الحكومـةعـن بـاقـيأبواب التعارض.

الجهه الرابعة: ‏حدود النظر.

‏لمّا كانضابط الحكومةوميزان القرينيّة ‏والتقديم ‏فيهاـ كماانقدح آنفاوسيأتي بحثه ـ ‏هو النظر، ‏فلا بدّ من إحرازه في الرتبة السابقة حتّى يصحّ إجراء أحكام الحكومة. 

ثمّ إنّ الآثار والأحكام التي يراد إثباتها بالدليل الحاكم أو نفيها يتحدّد مقدارها وكمّها بمقدار النظر، وذلك عادةً ما يكون من خلال إطلاق نظر الدليل الحاكم ‏الذي يتوقّف على تماميّة مقدّمات الحكمة. 

‏وههنا ‏مشكلة تبرز فيما لو كان الدالّ على النظر هو التنزيل؛ وذلك لأنّه قد ذكرنا في مباحث الإطلاق(٤٤) ‏أنّ الرابعة من مقدّمات الحكمة ما حُكي إضافته عن بعض أعاظم العصر F، ‏وهو ضرورة التطابق بين المرادين ‏الاستعماليّ والجدّيّ في ذاتهما، ‏ووافقه السيد الأستاذ دامت بركاته حيث أفاد ما لفظه: (‏أنّ مرجع الأخذ  بالإطلاق اللفظي هو أصالة التطابق ‏بين المراد الجدّيّ والمراد الاستعماليّ ‏أي التطابق بين القضيّة اللفظيّة ‏والقضيّة اللبيّة، ‏بمعنى أنّه ما لم يذكر في القضيّة اللفظيّة ليس له دخل في القضيّة اللبيّة، هذا فيما إذا كان التطابق بين المراد الاستعماليّ والمراد الجدّيّ  ‏في الذات متحقّقاً ونشكّ في الحدود، ‏فلو قال الآمر: (أكرم عالماً)، وشككنا في أنّ للعدالة دخلاً في ثبوت هذا الحكم أم لا؟ فنقول: ‏إنّ مقتضى أصالة التطابق ‏بين المراد الجدّيّ والاستعماليّ ‏هو أن لا يكون ‏للعدالة أيّ دخل في ثبوت هذا الحكم.

‏أمّا لو افترضنا أنّ المراد الجدّيّ مغاير في الذات ‏للمراد الاستعماليّ ‏بأن ذكر شيئاً وأراد شيئاً آخر ‏لأيّ مبرر كان ـ كما هو الحال في باب الكنايات ـ فيقول: (‏زيد كثير الرماد) ‏فليس هناك تطابق أصلاً بين المرادين حتى يكون مجرى لأصالة التطابق ‏والأخذ بالإطلاق اللفظي، ‏ففي جميع الموارد من هذا القبيل ـ ‏كناية كانت أم غيرها ـ ‏لو شككنا في سعة المراد الجدّيّ وضيقه فلا بدّ من اللجوء إلى القرائن ‏والمناسبات، ‏فلو قيل: (‏جئني برجل كريم) ‏وشكّ في أنّ المراد الجديّ هو مطلق من يُعدّ كريماً في العرف ‏أو خصوص من يتّسم به كرم الضيافة ـ مثلاً ـ يمكن الأخذ بالإطلاق، ومقتضاه كفاية الإتيان بأيّ رجل‏كريم سواء أكان كرمه في الضيافة أم في غيرها من المجالات؛ وذلك لأنّ التطابق بين المرادين ‏الجدّيّ والاستعماليّ في الذات معلوم، وحيث لم يقيّد ‏بخصوصيّة معيّنة،‏ فمقتضى أصالة التطابق ‏هو أن لا تكون أيّ خصوصيّة غير مذكورة معتبرة في المراد الجديّ. 

‏وأمّا لو قال: (‏جئني برجل كثير الرماد) ‏وشككنا في أنّ المراد خصوص الكريم في مجال ‏الضيافة أو أعمّ من ذلك، ‏فلا يؤخذ بالإطلاق؛ لأنّ المراد الجدّيّ ‏هو الرجل الكريم وليس كثير الرماد، فلا توافق بين المرادين ‏الاستعماليّ والجدّيّ ‏في الذات ليُبنى على تطابقهما في الحدود، ‏فلا محيص من الرجوع في مثل ذلك إلى الشواهد والمناسبات، ولعلّ مقتضاهما ‏في المورد إرادة خصوص كرم الضيافة، فلا بدّ من الاقتصار عليه، ولا مجال للأخذ بالإطلاق على كلِّ حال)(٤٥).

وقد فرّعنا على هذه المقدّمة في البحث المشار إليه بظهور التأمّل في ما يعبّر عنه في كلماتهم بـ(إطلاق التنزيل)؛ إذ إنّه لا إطلاق فيه أصلاً، ومن ثَمّ حمله على أبرز الجهات دون جميعها لأجل عدم الإطلاق من رأس، لا لأجل انعقاد الإطلاق ولكن عدم إحراز أن يكون من جميع الجهات(٤٦).

وذكر سيّدناالأستاذ دامت بركاته(٤٧)أنّ التقريبالمحكي عنبعض الأعاظمF بخصوص المقدّمة الرابعة يحتاج إلى مزيد تمحيص وتوضيح، فقال دامت بركاته بخصوص هذا الأمر: 

إنّ المراد الجديّ المغاير للمراد الاستعماليّ لو لم يكن قد أُفيد بالكلام ربّما جرى البيان المذكور وفق ما يتراءى منه، ولكن المفروض فيما نحن فيه إفادته بالكلام من خلال المراد الاستعماليّ، فهو ـ فضلاً عن كونه مراداً جدّيّاً ـ مراد تفهيمي أيضاً يكون للكلام ظهور فيه، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإنّ هذا المراد التفهيميّ وإن لم يذكر في الكلام استعمالاً كي يتأتّى تقييده بنحو مباشر إلّا أنّه يتأتّى تقييده من خلال تقييد المعنى الاستعماليّ كما أُفيد أصله بتوسّط المعنى الاستعماليّ، مثلاً إذا قيل: (أكرم الرجل الذي يكون كثير الرماد) فإنّه في قوّة أن يقال: (أكرم الرجل الكريم)، فكما ينعقد للثاني إطلاق فيما إذا شُكّ في اختصاص المراد بالرجل الكريم الذي يكون حسن الأخلاق مع من يكرمه، فكذلك ينعقد للأوّل في حال طروّ هذا الشكّ؛ إذ كان له أن يقول: (أكرم الرجل الذي يكون كثير الرماد إذا كان خلقه حسناً).

والحاصل: أنّ المانع من انعقاد الإطلاق في المراد الجدّيّ حيث يختلف عن المراد الاستعماليّ إن كان عدم إفادته بالكلام فهو لا يتوجّه بالنظر إلى أنّ المفروض إفادته من خلال المراد الاستعماليّ فهو مراد تفهيمي بالكلام. وإن كان من جهة عدم إفادته بنحو مباشر ـ أي من خلال المراد الاستعماليّ المفاد بالكلام مطابقته ـ فهذا لا يمنع أيضاً من إمكان تقييد المراد الاستعماليّ.

‏ولا يبعد أن يكون المراد بما ذُكر في هذه المقدّمة هو أنّه فيما لو دار المعنى الجدّيّ المراد بين ‏المطلق والمقيّد لمناسبة منعقدة بين المراد الاستعماليّ بدرجةٍ مع المطلق، وبدرجةٍ آكد مع المقيّد، ‏فيُشكّ ‏في نظر المتكلّم إلى الدرجة الأدنى فيفيد الإطلاق أو الأعلى فيفيد ‏التقييد، فيكون الكلام مجملاً ‏ما لم يتعيّن أحدهما بالنظر إلى ما يتعارف إرادته ‏من مثله عرفاً؛ ‏لأنّ تأكّد ‏المناسبة في التقييد توجب صلاحيّة المجاز لإفادته، ‏كما لو فرض أنّه قال: (‏أكرم كلّ أسد) ‏وأراد الرجل الشجاع، وشككنا ‏في أنّ المراد ‏هل هو مطلق الرجل الشجاع أو الشجاع شجاعة ‏بالغةً؟ ‏فحيث إنّ المراد الجدّيّ ‏وهو (الشجاع) غير مذكور بلفظه، وما ذكر وهو (الأسد) يناسب كلّا ً منهما بدرجةٍ، فلا سبيل إلى استظهار مطلق الشجاع تمسّكاً بإطلاق الكلام؛ لأنّ تأكّد المناسبة على الشجاع جدّاً كالصالح للقرينيّة على إرادته ‏بالتنزيل. نعم، لو كان المتعارف إطلاق (الأسد) على كلّ شجاع كان ذلك محدّداً للمراد الجدّيّ. انتهى ما أفاده دامت بركاته . 

الجهة الخامسة: 

‏في أنّ المنظور إليه في الدليل الحاكم هل يشترط أن يكون خصوص دلالة الدليل ‏المحكوم أم يعمّ الحكم الواقعي ‏بما هو واقع وبقطع النظر عن كونه مدلولاً للدليل؟ توضيح ذلك:

‏إنّ قرينة المجاز(٤٨)‏ ـ مثلاً ـ إنّما تشرح المراد من لفظ ذي القرينة ‏وتحدّده بما هو مدلول للدليل، ولا تتعدّى لتبيّن الواقع الذي يكشف عنه ذو القرينة‏ وبقطع ‏النظر عن كونه مدلولاً له، ‏فكلمة (يرمي) ‏في قوله (رأيت أسداً يرمي) ‏تدلّ على أنّ المراد ‏التفهيميّ من الأسد بما ‏هو مدلول لكلمة ‏الأسد هو الرجل الشجاع.

‏وهذا بخلاف قرينة ‏التخصيص والتقييد ‏فإنّ الخاصّ ـ مثلاً ـ كقوله: (‏لا تكرم فسّاق ‏الشعراء) ‏لا يشرح المراد من لفظ الشعراء ‏في قوله: (‏أكرم الشعراء)‏، وإنّما يبيّن الموضوع النفس أمري للحكم المذكور في الدليل العامّ، ‏وما تعلّقت به إرادة المشرّع ‏واقعاً من دون أن يتصرّف في لفظ العامّ، وإنّما يبيّن أنّ العامّ جزء من موضوع الحكم لا تمامه، وإلّا ‏لو كان يريد بيان أنّ مدلول العامّ والمراد منه هو ما عدا الخاصّ لكان تجوّزاً واستعمالاً ‏للعامّ في المخصّص بما هو مخصّص. والحال أنّه لا ريب في عدم التجوّز في التخصيص ونحوه؛ ‏لأنّ الدلالة فيه ‏على سبيل تعدّد الدالّ والمدلول، ‏بمعنى أنّه بمجيء ‏الخاصّ ينكشف ‏أنّ العام ‏كان ‏جزءاً من موضوع الحكم و الجزء الآخر هو عدم الخاص، ومن ثَمّ كلٌّ من العامّ والخاصّ يدلّ على الجزء المُناط كشفه به.

‏هذا توضيح لمحلّ الكلام في هذه الجهة.

وفي المقام قولان: 

القول الأول: الاختصاص بدلالة الدليل؛ إذ التحديد المعروف للحكومة يوهم بظاهره الاختصاص ‏بأن يكون المنظور إليه دلالة الدليل الآخر. وهذا هو ما فهمه صاحب الكفاية(٤٩) من كلمات الشيخ T، وفرّع عليه عدم تأتّي الحكومة كوجهٍ لتقدّم الأمارات على الأُصول العمليّة الشرعيّة.

القول الآخر: التعميم، وهو ما بنى عليه المتأخّرون(٥٠) وذكروا أنّه مرادٌ للشيخ لقرائن، وأفاد المحقّق النائينيS  أنّ قصر الحكومة على ما يماثل قرينة المجاز يوجب خروج غالب الموارد منها.

والصحيح هو التعميم؛ إذ لا مانع من نظر الدليل الحاكم إلى واقع الدليل المحكوم من جهة أنّه حكم واقعي، لا من جهة أنّه مدلول للدليل الدال عليه، ولمكان النظر المذكور حيث يكون الدليل الحاكم مبيّناً لواقع الدليل المحكوم بنفس مدلوله اللفظي، وهذا بخلاف التخصيص فليس في الدليل الخاصّ ما يشعر بالحكم الثابت في العامّ، وإنّما يكون بياناً له بحكم العقل، فإنّه يحكم بأنّ المتكلّم الملتفت لا يناقض نفسه، فلا يريد العموم جدّاً مع استثنائه لأحد أفراده، وبعد نصوصيّة الخاصّ أو أظهريّته من العامّ في شموله لذاك الخاصّ يحكم العقل بأنّ المتكلم لم يُردْ من العموم هذا الفرد.

 

الفصل الثالث

في ميزان القرينيّة في الحكومة

يطرح هذا البحث في كلمات الأعلام  بعنوان (وجه تقدّم الحاكم على المحكوم)، وكأنّه لتصوّر مَن طرحه أوّل مرّة عدم التنافي بين الحاكم والمحكوم، فلا تكون هناك حاجة للقرينيّة؛ لأنّه إنّما يحتاج إليها في حال التعارض، ولما كان العنوان المشار إليه لا يعكس بوضوح في متنه ميزان القرينيّة والتقديم في الحكومة، إذ الصحيح أنّ هناك تنافياً بين الحاكم والمحكوم ارتأينا أن نطرح البحث بالعنوان المذكور، وعليه نوقع الكلام في جانبين:

الجانب الأوّل: في إثبات التنافي(٥١) وعدمه بين الحاكم والمحكوم.

ويُذكر لبيان عدم التنافي وجهان:

الوجه الأول: ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاري S (٥٢) من أنّ لازم كون الدليل الحاكم ‏ناظراًبمدلوله اللفظيّ‏للمحكوم ومفسِّراًله عدمالمعارضة ‏وعدمالتناقض بينهما؛ ضرورة انتفاء التعارض بين المفسِّر والمفسَّر، ‏والمبيِّن والمبيَّن، وفرّع S  على ما ذكره: 

‏١- ‏أنّه لا معنى لملاحظة النسبة ‏بين المفسِّر والمفسَّر كما تلاحظ بين العامّ والخاصّ أو العامّين من وجه؛ وذلك لأنّ التفسير يفضي إلى عدم ‏المعارضة، واختصاص ملاحظة النسبة بالمتعارضين.

٢- ‏أنّ المفسِّر يتقدّم على المفسَّر من جهة أنّ المفسّريّة ‏تفضي إلى الأظهريّة ‏عند العرف فلا بدّ من الأخذ به.

‏ويمكن أن يلاحظ عليه: 

أولاً: أنّه ‏لا حاجة للأظهريّة ‏في تقديم الحاكم على المحكوم ‏كما سيأتي التعرّض له في الجانب الثاني.

ثانياً: أنّ المفسّريّة بمجرّدها لا تكفي ‏في المقام لرفع التعارض؛ لأنّ الدليل ‏المحكوم مراده التفهيميّ ‏مطابق لظاهره، ‏وأمّا الدليل الحاكم المنفصل فلمكان ‏نظره إليه يكون مفاده أنّ ذاك ‏المطابق ليس مراداً تفهيميّاً له‏، فالمنافاة بعدُ باقية. ‏وسيأتي التعرّض له في الجانب الثاني.

الوجه الآخر: ما أفاده المحقّق النائيني S (٥٣)‏ من أنّ الدليل الحاكم يتكفّل بيان ما لا يتكفّل بيانه ‏الدليل المحكوم، فلا تعقل ‏المعارضة بينهما، و توضيحه: 

‏أنّ من شرائط التعارض وحدة الموضوع ‏ومصبّ الدليلين، ‏وهي غير حاصلة في الحكومة؛ ذلك أنّ الدليل المحكوم لمّا كان ـ عادةً ـ على سبيل القضيّة ‏الحمليّة الحقيقيّة والتي مرجعها إلى قضيّة شرطيّة يؤخذ فيها الشرط مفروض الوجود، ولا تتعرّض ‏لثبوته أو نفيه فكذلك القضية الحمليّة ‏الحقيقيّة، فهي لا تتعرّض لوجود أو نفي موضوعها، وأمّا الدليل الحاكم فمفاده نفي ذاك الموضوع ‏أو إثباته. ‏إذاً لا وحدة في الموضوع والمصبّ، فلا تعارض.

‏وفرّع عليه:

١- ‏عدم ملاحظة النسبة بين الحاكم والمحكوم.

٢- ‏عدم ملاحظة الأقوائيّة في الظهور‏؛ لأنّ ملاحظة النسبة وقوّة الظهور فرع التعارض، ولا تعارض في الحكومة.

٣- ‏تقدّم الحاكم على المحكوم من جهة أنّ الحاكم يجري على رِسله من دون ممانعة من المحكوم، فيوسّع الموضوع أو يضيّقه اعتباراً، وهذا هو معنى تقدّمه كما هو الحال في الورود تماماً.

‏وأورد عليه بعض الأعاظم F (٥٤) بـ: أنّ التعارض بين الدليلين ليس بحسب المراد الاستعماليّ فيهما قطعاً، وإلّا لم يقع التعارض بين القول المثبت لمعنى مع القول النافي له بلسان المجاز والكناية، كما لو قيل (زيد بخيل) و (زيد كثير الرماد)، أو (زيد جبان) و (زيد أسد)؛ لأنّ كلّا ً منهما بحسب المراد الاستعماليّ يتعرّض لما لا يتعرّض له الآخر، وإنّما العبرة في التعارض بالمراد التفهيميّ من الدليلين، وهو مختلف في الحاكم والمحكوم، فإنّ الحاكم وإن كان ينفي ما هو موضوع للمحكوم استعمالاً ـ مثلاً ـ إلّا أنّ المراد به تفهيماً نفي نفس الحكم الذي يثبته المحكوم فهما متعارضان.

يضاف إلى ذلك أنّ هذا الوجه لا يتمّ في الحكومة بملاك النظر إلى عقد الحمل من الدليل المحكوم؛ لأنّ الحاكم يتعرّض لنفس ما يثبته المحكوم أو ينفيه.

الجانب الثاني: بعد ثبوت المنافاة بين الحاكم والمحكوم يأتي الكلام في ميزان القرينيّة والتقديم، وهنا اتّجاهان: 

الاتّجاه الأوّل: يرى أنّ الميزان هو الأقوائيّة في الظهور، وما النظر إلّا مزيّة دلاليّة توجب أقوائيّة ظهور الدليل الحاكم من المحكوم: إمّا في مطلق أنحاء النظر والحكومة حتى المشتملة على أدوات التفسير الصريحة كما صرّح بذلك المحقّق الإيرواني S (٥٥) وظاهر إطلاق عبارة الشيخ الأنصاري S الآنفة الذكر، أو في خصوص ما عداها كما عليه بعض الأعلام F (٥٦).

وعلى هذا الاتجاه يكون بحث الحكومة بحثاً صغرويّاً حاله حال التخصيص والتقييد ونحوهما، لا أنّه باب وميزان مستقل للقرينيّة، ولذا ذكر المحقّق الإيرواني S أنّ الحكومة لا تعدو مجرّد اصطلاحٍ، لا يترتب عليه أثر، فليست هي عنواناً مستقلّا ً، بل من أقسام التعارض الذي هو تنافي الدليلين بحسب مدلوليهما، والتقديم فيها بملاك الأظهريّة الذي هو المتّبع في كلّ جمع بين دليلين متنافيين، فالتنافي بين المحكوم والحاكم إنّما هو بسبب ظهور وكشف المحكوم عن إرادة معنىً، وكشف الحاكم وظهوره في إرادة خلاف ذلك المعنى، ولا يعقل وجه لتقديم الحاكم إلّا قوّة كشفه هذه.

وكأنّ الوجه في هذا الاتّجاه: 

١ـ أنّه لمّا كان التنافي بين الدليلين في الكشف والظهور فينبغي أنّ يكون الجمع أيضاً في دائرة الكشف والظهور.

٢ـ على أنّه لا يعقل وجه آخر للتقديم يكون بديلاً عن الأقوائيّة في الظهور. 

وبتعبير آخر: إنّ التنافي بين الدليلين في ما يقال له الحكومة عين التنافي في الجمع العرفيّ بلا أيّ فرق، فينبغي أن يكون العلاج فيهما واحداً.

ولكن قد يُلاحظ على ذلك: أنّ هناك فرقاً فارقاً بين نحوي التنافي، وأنّه يعقل وجه آخر للتقديم يكون بديلاً عن الأقوائيّة في الظهور في موارد الحكومة، كما سيأتي بيان ذلك في ضمن الاتّجاه الثاني.

وأمّا بعض الأعلام F (٥٧) فقد ذكر أنّه في الحكومة التي تكون مشتملة على أداة تفسير صريح أو ما بمعناه يكفي النظر للقرينيّة والتقديم؛ لأنّ الحاكم فيها مسوق لتفسير المحكوم، وأمّا إذا كان الحاكم ناظراً للحكم الذي يراد كشفه بالدليل المحكوم دون دليله فإنّه لا يكون مسوقاً لتفسير الدليل، فلا يكفي النظر للقرينيّة، بل لا بدّ من الأقوائيّة في الظهور.

ويمكن التأمّل في ذلك بـ: أنّ ما ذكر لا يكون فارقاً مؤثّراً في النظر والتفسير؛ إذ لا فرق بين ما جيء به لتفسير وتحديد دليل آخر، أو لتفسير وتحديد الحكم الواقعي الذي يراد كشفه بالدليل الآخر. على أنّه حتى في الحكومة المشتملة على أداة التفسير يعقل أن يكون النظر للحكم لا للدليل، فمثلاً يقول ﴿وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، ثمّ يقول: أعني بالربا الذي هو موضوع للحرمة في لوح التشريع والواقع هو ما عدا الربا بين الوالد والولد.

الاتّجاه الآخر: ما عليه معظم المتأخّرين من أنّ النظر مزيّة دلاليّة مستقلّة عن الأقوائيّة في الظهور، وهذا الاتّجاه هو الصحيح، وذلك:

أوّلاً: من خلال الالتفات إلى عنصر النظر، حيث إنّ مقتضاه أنّ الواجد له إنّما جيء به لتفسير وشرح حال المنظور إليه، وبيان كميّة مدلوله، وهذا المعنى يحقّق القرينيّة بنفسه، ولا يتوقّف على عنصر زائد يوجب قوّة الظهور.

وثانياً: من خلال مراجعة وجداننا، فإنّنا نجد أنّ درجة التنافي في موارد الحكومة خافتة إلى حدّ كبير بالقياس إلى درجة التنافي في موارد الجمع العرفي، وهذا التفاوت في درجة التنافي محفوظ وملحوظ حتى لو كان الخاصّ ـ مثلاً ـ في أعلى مراتب الكشف، بأن كان نصّاً، وكان العامّ في أدنى درجات الظاهر، ممّا يعني أنّ هذه الخصوصيّة الفارقة غير مرتبطة بجانب الظهور والكشف، وغير موجودة في موارد الجمع العرفي، وليست هي إلّا النظر. 

قد يقال: إنّ عدم الشعور بالمنافاة لأجل لسان المسالمة في الدليل الحاكم، لا النظر فيه إلى الدليل المحكوم. 

ولكن يقال: إنّ الخفوت حاصل حتى في الحكومة بملاك النظر إلى عقد الحمل رغم أنّه ليس بلسان المسالمة، فيدّل ذلك على أنّ النظر هو الموجب لخفوت التنافي، ومن ثَمّ رفعه.

وهنا نكتة تحليليّة أفادها السيد الشهيد S (٥٨)، وهي: أنّ النظر والتفسير وإن كان بإعداد شخصيّ من المتكلّم، ويصيِّر الدليل الناظر قرينةً، إلّا أنّه لا يكفي بمجرّده للتقديم ورفع التنافي، بل لا بدّ معه من التسليم بكبرى عرفيّة تقول: (إنّ ظهور ما يعدّه المتكلّم لتفسير كلامه يكون هو المحدِّد النهائي لمدلول مجموع كلامه). 

وما ذكره S تامّ؛ لأنّه بعد البناء على المنافاة بين الحاكم والمحكوم فإنّ النظر إذا لم يفضي إلى الطوليّة في حجّيتهما فإنّه لا مفرَّ من سريان التنافي إلى دليل الحجّيّة، والنظر بمجرّده لا يكفي لذلك؛ لأنّ الدليل المحكوم مراده الجدّيّ مطابق لظاهره، والدليل الحاكم لمكان نظره يكون مفاده أنّ ذاك المطابق غير مراد جدّاً، فالمنافاة بعدُ باقية، ولكن ببركة المصادرة المذكورة تثبت الطوليّة في الحجّيّة. وهذه المصادرة هي مستند ما يعرف بأنّ دليل حجّية الظهور مقيّد بعدم ورود قرينة على الخلاف. 

وعليه إذا ورد المفسِّر والحاكم يكون وارداً على حجّية ظهور المفسَّر ويرفعها بمقداره، فالدليل الحاكم متقدِّم على حجّيّة الدليل المحكوم بالورود، وعلى الدليل المحكوم بالحكومة. وهذه المصادرة لا تحتاج إلى برهان لارتكازيّتها من جهة كونها من قبيل القضايا التي قياساتها معها، والقياس الخفيّ في المقام هو أنّ للمتكلم الحقَّ في بيان مقصوده بالطريقة التي تناسبه، ومنها أن يفسِّر أحد كلاميه بالآخر. نعم، لا بدّ من إقامة علامة على أنّ هذا هو المفسِّر وذاك المفسَّر، والعلامة في الحكومة هي النظر.

إلى هنا تـمّ الكلام في الفصول الثلاثة الأولى، وسوف يأتي الكلام في الفصلين الأخيرين والخاتمة في الحلقة القادمة بإذنه تعالى. 

والحمد لله ربِّ العالمين وصلّى الله على سيدنا محمَّد وآله الطّيّبين الطّاهرين. 

 

 

 


(١) يُلاحظ: مطارح الأنظار: ٤/٤٢٣.

(٢) الاعتقادات: ١١٤، وعنه في وسائل الشيعة: ٢٧/ ١١٧،  ح٢٨، وفي هامش الوسائل نسخة بدل فيها (يحمل) مكان (يحكم).

(٣) فإنَّه على هذه القاعدة يكون اندراج موارد الحكومة فيها واضحاً، فلا تصل النوبة إلى قواعد التعارض المستقر.

(٤) ولو الواضحة منها؛ إذ كما سيأتي إنّ النظر على مراتب من حيث الوضوح والخفاء.

(٥) الرسائل الأُصولية ص٤٥٣ ـ ٤٥٤.

(٦) يُلاحظ ـ مثلاً ـ : مصباح الفقيه: ٧/ ١٨٨، المحكم في أُصول الفقه: ٦ /٥٩.

(٧) يُلاحظ: مطارح الأنظار: ٤/ ٤٢٠.

(٨) وبهذا القيد يخرج التخصيص والورود؛ فإنّهما وإن كانا من طرق الجمع بين الأدلّة إلّا أنّه لا تنافي بين أدلّتهما. وما ذهب إليه الشيخ الأنصاري والمحقِّق النائيني وآخرون من أنّه لا تنافي في الحكومة ليس بتامّ كما سيأتي.

(٩) يُلاحظ: فرائد الأُصول: ٢/ ٢٦٢، ٣ / ٣١٤، ٤/ ١٣.

(١٠) يُلاحظ: مطارح الأنظار: ٤/ ٤١٢.

(١١) سيأتي التعرّض لهذا الجانب في بحث محلّ الحكومة من أنّه مختصّ بالأدلة اللفظيّة أو يعمّ الأدلة اللبيّة. وكذلك سيأتي بحث: أنّ المنظور إليه خصوص دلالة الدليل المحكوم أو يعمّ الحكم الواقعي المدلول عليه بما هو واقع، وبقطع النظر عن كونه مدلولاً للدليل المحكوم كما هو الحال في بعض موارد الجمع العرفي كالعامّ والخاصّ، والمطلق والمقيّد.

(١٢) يُلاحظ: مصباح الأُصول: ٤٨/٤٢٠ من الموسوعة، دراسات في علم الأُصول: ٤/ ٣٤٨.

(١٣) يُلاحظ: قاعدة لا ضرر ولا ضرار: ٢٣٩، تعارض الأدلة واختلاف الحديث: ١/٣٣، ومقصودنا بـ(بعض الأعاظم F) المرجع الأعلى للطائفة الحقّة (أعزّها الله) سماحة السيّد السيستانيّ.

(١٤) يُلاحظ: فوائد الأُصول: ٤/٥٩٤، ٧١٢، ٧١٤، أجود التقريرات: ٤/٢٨١، منية الطالب: ٣/٤٠٦.

(١٥) يُلاحظ: فوائد الأُصول: ٤/٧١٢.

(١٦) منتقى الأُصول: ٦/٤٠٤.

(١٧) يُلاحظ: مصباح الأُصول: ٤٨/٤٢٠، دراسات في علم الأُصول:٤ /٣٤١.

(١٨) يُلاحظ: الهداية في الأُصول: ٤/ ٣٠٣.

(١٩) يُلاحظ: مُنية الطالب: ٣ / ٤٠٧، فوائد الأُصول: ٤/ ٧١٣.

(٢٠) يُلاحظ: فوائد الأُصول: ٣/ ٢٣، أجود التقريرات: ٢/ ٢٦، أُصول الفقه: ٦/ ٨٤.

(٢١) الاعتبار ينقسم إلى اعتبار متأصّل وآخر تنزيليّ. أمّا المتأصّل فيراد به الاعتبار بلا عناية، ويتطابق فيه المرادان الاستعماليّ والجديّ. وأمّا الاعتبار التنزيليّ فهو إعطاء حدّ شيء لشيء آخر، فيكون مع العناية، ولا يتطابق فيه المراد الاستعماليّ مع الجديّ، والاعتبار التنزيليّ هذا مساوق للاعتبار الأدبيّ المحض كماصرّح بذلك بعض الأعاظمF، بلاستظهر سيدناالأُستاذ دامت بركاته أنّعليه عامّة الأُصوليين، واختار انقسامه إلى الأدبيّ المذكور، والاعتبار التنزيليّ التشريعي، حيث يكون التنزيل مأخوذاً في المراد الجديّ. يلاحظ: الرافد في علم الأُصول: ٢٧، مباني الأُصول: ٢/ ٥٠٥، مجلس الدرس ليوم ٣ صفر من سنة ١٤٣٢هـ لسيّدنا الأستاذ دامت بركاته ـ والمقصود بهذا التعبير السيد محمّد باقر السيستاني دامت بركاته ـ .

(٢٢) يُلاحظ: قاعدة لا ضرر ولا ضرار: ٢٣٥، بحوث في علم الأُصول: ٦/ ٣٤٢.

(٢٣) يُلاحظ: مُنية الطالب: ٣/ ٤٠٧ -٤٠٨.

(٢٤) يُلاحظ: بحوث في علم الأُصول: ٧/ ١٧٠.

(٢٥) يُلاحظ: قاعدة لا ضرر ولا ضرار: ٢٣٤.

(٢٦) يُلاحظ: قاعدة لا ضرر ولا ضرار: ٢٤٢، بحوث في شرح مناسك الحج: ٦/ ٣٩٧.

(٢٧) المراد بالارتكاز هو: الفكرة الثابتة في الذهن الراسخة في عمقه بحيث يصعب رفع اليد عنها إحساساً وإن اطّلع على دليل على خلافها.

(٢٨) قاعدة لا ضرر ولا ضرار: ٢٥١.

(٢٩) كما لو ورد (إذا شككت فابنِ على الأكثر) ثمّ ورد (إنّما عنيت بين الثلاث والأربع)، فإنّ مفاد (عنيت) هو التفسير والنظر، ولما كان جزءاً من القول الثاني الحاكم فإنّه يكون مدلولاً تضمّنيّاً.

(٣٠) المنظور إليه قد يكون الدليل المحكوم، أو الواقع بقطع النظر عن كونه مدلولاً للدليل، وتقدَّمت الإشارة إلى ذلك، وسيأتي تفصيله.

(٣١) يُلاحظ: فوائد الأُصول:٤/ ٥٩٤.

(٣٢) يُلاحظ: قاعدة لا ضرر ولا ضرار: ٢٥٧.

(١) مَن لا يحضره الفقيه: ٢/ ٣٦٣، ح ٢٧١٦.

(٢) الكافي: ٣/ ٣٩٨، باب اللباس الذي تكره الصلاة فيه، ح٦.

(٣) سورة الحج: ٧٨.

(٣٦) وإجمال هذه القرينة نذكره في نقاط:

  1. إنّها من أبحاث وفروع الارتكاز حيث إنّه في هذا النحو يمثّل علاقة راسخة بين موضوعٍ وآثاره، وهذا الرسوخ والارتكاز هو المقصود بمناسبات الحكم والموضوع، فليس كلّ مناسبة بين موضوعٍ وحكمٍ تنفع فيما نريده في المقام وإنّما المناسبة الراسخة؛ وذلك لأنّ لرسوخ المناسبة وارتكازها آثاراً: 
  2. أنّه يجعل المناسبة حاضرة في الذهن عند حضور الموضوع والحكم، فتكون بذلك قرينة متّصلة لا منفصلة، ولذا يُعبّر عنها بأنّها (مكتنفة بالكلام).
  3. أنّه يوجب حركة الذهن تلقائيّاً إلى فهمها من الكلام المناسب لها على أساس قاعدة انتخاب الأسهل، والتي هي وراء حمل الذهن لبعض التشريعات على الإرشاد إلى أفكار جاهزة عنده في مقابل تجشّم العناء لفهم آخر لها. 
  4. أنّه يعطي المناسبة قوّة في الظهور فيقدّم على الدليل الظاهر ـ لولا هذه المناسبة ـ بالأقوائيّة في الظهور.

فاتّضح بما ذكرنا المقصود من قرينة مناسبات الحكم والموضوع، والآثار الثلاثة لارتكاز ورسوخ المناسبة.

  1. مناشئ هذه المناسبات متعدّدة:

فمنها: طبيعة الشيء كما يقال في الماء فإنّ من طبيعته التنظيف، ولذا نحمل بموجب هذه المناسبة تعبير (اغتسل بالماء) على أنّه إرشاد إلى مطهريّته دون الوجوب التعبديّ للاغتسال، كذلك مناسبة كثرة الماء للاعتصام لمكان أنّ كثرته لا تتأثّر تكويناً بالقذارة القليلة.

ومنها: أحكامالعقل العمليبشقّيه الأخلاقيوالنفعي، ومنثَمّ تندرجفيه جميعالجوانب العقلائيّة.

ومنها: العواطفوالأحاسيس والميولاتالتي تمثّلجوانب ذاتيّةفي مقابلالجوانب الموضوعيّة التي تندرج في المنشأ الأوّل. ومنها: الإعلام والدعاية والسلطة. ومنها: الفتاوى والعقائد الدينيّة.

  1. حجّيّة هذه المناسبات من باب حجّيّة الظهور، ولذا لا بدّ أنّ تكون معاصرةً للمعصوم ومناسبة مع الفهم العرفيّ النوعيّ المتخصّص؛ لأنّ هذا هو الموضوع لحجّيّة الظهور في مقابل المناسبات العقليّة الدقيقة، كما أنّه مقابل الفهم الشخصيّ ـ مع أنّ له أماريّة على الفهم النوعيّ ـ والفهم النوعي العامّ غير المتخصّص؛ ولذا صحّ أن يقال: إنّها مناسبات عرفيّة أو عقلائيّة وإن كانت مناشؤها متعدّدة.
  2. تجري هذه القرينة عادة في التشريعات المناسبة للأحكام العرفيّة. 

وآليّة إجرائها ـ بصورة مبسطة ـ هي: أنّه إذا ورد الدليل على تشريع جديد لموضوعٍ ما فإنّ الذهن يصنّف التشريع الجديد هذا على أنّه من قبيل الأحكام الموجودة عنده والمناسبة لذاك الموضوع، وعندئذٍ يعتبر فيه ما هو معتبر في تلك الأحكام من حيث ثبوتها لذاك الموضوع، فقد يلغي دخالة ما يرد في دليل التشريع أو يكون ظاهراً فيه ولكنه غير معتبر في الأحكام المناسبة تلك، أو يضيف ما هو معتبر فيها مع أنّه غير مذكور في دليل التشريع الجديد، إلى غير ذلك.

(٣٧) يبدو أنّ لمناسبات الحكم والموضوع في كلمات الأعلام إطلاقين:

الأوّل: إطلاق عامّ، بحيث يشمل العناوين الثانويّة والحيثيّات المنضمّة للموضوع ـ بما يعمّ المعلّق ـ أو الحكم، فليس بين الموضوع والحكم مناسبة لولا ذلك العنوان وتلك الحيثيّة كعنوان الامتنان.

الآخر: إطلاق خاصّ لا يشمل العناوين الثانويّة المُشار إليها، وعلى هذا الإطلاق تكون قرينة الامتنان مستقلةً عن مناسبات الحكم والموضوع. وهذا الإطلاق هو الأنسب.

(٣٨) يلاحظ: مطارح الأنظار: ٤/ ٤١٤.

(٣٩) فرائد الأُصول: ٤/ ١٣.

(٤٠) مطارح الأنظار:٤/ ٤١٤.

(٤١) يُلاحظ: فرائد الأُصول: ٤/ ١٣.

(٤٢) يُلاحظ: فوائد الأُصول:٤/٧١٣.

(٤٣) مطارح الانظار: ٤/ ٤١٤.

(٤٤) يُلاحظ: البحث المنشور في مجلّة دراسات علميّة، العدد (٥) ص١٦٨.

(٤٥) بحوث في شرح مناسك الحج: ١/  ١٠٨،  ط١.

(٤٦) وقد تمسّك السيّد الأستاذ دامت بركاته في مجلس بحثه الشريف بإطلاق التنزيل مع أنّ المراد الاستعماليّ فيه لا يطابق المراد الجديّ، وقد استفهمت من سماحته دامت بركاته آنذاك، ولكن لم يتّضح لي وجه التفريق.

والمقصود بالسيد الأستاذ دامت بركاته هو السيد محمّد رضا السيستاني دامت بركاته أينما ذكرنا هذا التعبير.

(٤٧) مشافهة بالإضافة إلى بعض التحريرات الخاصّة.

(٤٨) على تقدير كون المجاز استعمالاً للفظ في غير ما وضع له.

(٤٩) كفاية الأُصول: ٤٢٩، ٤٣٨.

(٥٠) منية الطالب: ٣/ ٤٠٦ وما بعدها، فوائد الأُصول: ٤/ ٥٩٣، و٧١٠، الأُصول في علم الأُصول: ٤٣٠،  نهاية النهاية في شرح الكفاية: ٢/  ٢٢٦، وغيرها.

(٥١) يُراد به مطلق التنافي لا خصوص التنافي المستقرّ.

(٥٢) مطارح الأنظار: ٤/ ٤١٣،٤٢٠.

(٥٣) فوائد الأُصول: ٤/ ٧١٠، ٧١٤ ـ٧١٥، أجود التقريرات: ٤/ ٢٨٣.

(٥٤) قاعدة لا ضرر ولا ضرار: ٢٥٩.

(٥٥) الأُصول في علم الأُصول:٤٣٠، نهاية النهاية في شرح الكفاية: ٢/ ٢٤٣.

(٥٦) المحكم في أُصول الفقه: ٦/ ٦٧، الكافي في أُصول الفقه: ٢/ ٥٣٨.

(٥٧) المصدر السابق.

(٥٨) بحوث في علم الأُصول: ٧/ ١٦٦، ١٦٨، ١٧١.