
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصّلاة والسّلام على محمّد وآله الطّاهرين.
وبعد، لا زالت الفروع الفقهية التي لها نحو ارتباط بالإمام المعصوم g مثاراً لاهتمام العلماء؛ ذلك لتفاوت أحكامها في الجملة بين زمن الحضور وزمن الغيبة، ومن ثَمَّ اختلف فقهاؤنا في أنّ الحكم الثابت لها في زمن الحضور هل هو مستمر إلى زمن الغيبة أو ينقطع فيختص بزمن الحضور؟ كما في سهم الإمام g من الخمس، وتطبيق الحدود الشرعية، وغير ذلك.
ومن هذه الفروع صلاة العيدين، فإنّ المشهور بين فقهائنا وجوبها في زمن الحضور، واستحبابها في زمن الغيبة، ولكن يظهر من بعض فقهائنا السابقين S القول بوجوبها في زمن الغيبة كما هو الحال في زمن الحضور.
ثمَّ من قالوا بوجوبها في زمن الحضور دلّلوا عليها (تارةً) بالكتاب العزيز، (وتارة) بالسنّة المباركة، (وثالثة) بالإجماع، مع ذهاب جملة منهم فيما يظهر من كلماتهم إلى عدم صحّة الاستدلال عليها بالكتاب العزيز أو بالإجماع.
هذا مضافاً إلى وجود تفاصيل دقيقة في شروط وجوبها أو استحبابها، وكيفية أدائها قد توزّعت في بطون الكتب ضمن أبحاث الفقهاء، ولم يفرد لها تأليف مستقلّ ممّا استدعى تحريرها مستقلَّاً بما يتلاءم وطبيعة هذه التفاصيل.
والبحث في صلاة العيدين له مقامات متعدّدة ولكن سنقتصر على البحث في مقامين:
المقام الأوّل: في أصل وجوب هذه الصلاة.
المقام الآخر: في شرائط تحقّق هذا الوجوب.
المقام الأوّل
في وجوب صلاة العيدين
وقد استُدلّ له بجملة أمور:
الأمر الأوّل: الكتاب العزيز، والمنظور منه آيتان:
١ ـ قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}(١).
٢ ـ قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}(٢).
فإنّ جمعاًَ من المفسّرين ذكر أنّ الآيتين شرّعتا صلاة العيدين، أمّا الأولى فقالوا إنّ المراد من الزكاة هي زكاة الفطرة، والمراد بالصلاة هي صلاة العيد، وممّن ذكر ذلك عليّ بن إبراهيم القمّي S في التفسير المنسوب إليه(٣)، والطبرسي S على سبيل الاحتمال(٤)، ومثله فعل بعض مفسّري العامّة(٥).
وأمّا الآية الأخرى فقد استدلّ بها جماعة من فقهاء الجمهور(٦)، وبعض فقهائنا، منهم الطبرسي والراوندي(٧)،والمحقّق الحلّي(٨)، والعلّامة(٩) S، والشيخ الطوسي S ذكره على سبيل الاحتمال(١٠).
ويمكن تقريب الاستدلال في الآية الأولى بما ذكره الراوندي S بقوله: (قوله {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} إشارة إلى صلاة العيد، وذلك لأنّ إخراج الفطرة يجب يوم الفطر قبل صلاة العيد على ما بدأ الله به في الآية. وقال العلماء والمفسّرون: كلّ موضع من القرآن يدلّ على الصلوات الخمس وزكاة الأموال فذكر الصلاة فيه مقدّم، كقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} ، وقدّم الزكاة في هذه الآية على الصلاة، فقال: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} إعلاماً أنّ تلك الزكاة زكاة الفطرة، وأنّ تلك الصلاة صلاة العيد)(١١).
ولكن اعتُرض على أصل الاستدلال بالآيتين على إرادة صلاة العيدين منهما، حيث إنّ المعروف أنّهما مكّيتان، وصلاة العيدين وزكاة الفطرة شرّعتا في المدينة، فكيف يراد من الآيتين صلاة العيدين وزكاة الفطرة!
وقد حاول الطبرسي والراوندي الردّ على هذا الاعتراض في خصوص سورة الأعلى بأنّه يحتمل أن يكون نزل أوائلها بمكّة وختمت بالمدينة(١٢).
ولكن نوقش(١٣): بأنّه يصعب اعتبار كون بعضها مكّياً والآخر مدنياً، خصوصاً وأنّ بعض الروايات تذكر بأنّ كلّ مجموعة من المسلمين حينما يصلون المدينة كانوا يقرءون هذه السورة لأهل المدينة(١٤).
وأمّا سورة الكوثر فقد قيل باحتمال نزولها مرّتين: مرّة في مكّة، ومرّة في المدينة(١٥)، أو يجاب بأنّ هناك من ذكر أنّ سورة الكوثر مدنية(١٦).
وبغض النظر عن ذلك فإنّنا نرجع إلى الروايات التي فسّرت الصلاة والنحر بصلاة العيد ونحر الأضحية في سورة الكوثر، وفسّرت الزكاة والصلاة في سورة الأعلى بزكاة الفطرة وصلاة العيد إن وجدت تلك الروايات، ونرى هل هي تامّة سنداً ودلالةً أو لا؟
أمّا سورة الكوثر فلم أجد في رواياتنا ـ فيما تتبّعت ـ روايةً واحدةً ولو كانت ضعيفة السند تفسّر الصلاة والنحر فيها بصلاة العيد ونحر الأضحية، بل مجموعة منها فسّرت النحر بأنّه رفع اليدين حذاء الوجه(١٧)، وبعضها فسّرته بالاعتدال في القيام، روى الشيخ S بسنده عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله g في قول الله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}(١٨) قال: (هو رفع يديك حذاء وجهك)(١٩)، وجاء في الكافي عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن حمّاد، عن حريز، عن رجل، عن أبي جعفر g، قال: قلت له: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}؟ قال: (النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه ونحره)، وقال: (لا تكفّر، فإنّما يصنع ذلك المجوس، ولا تلثّم ولا تحتفز، ولا تقع على قدميك، ولا تفترش ذراعيك)(٢٠).
ومنه يتّضح الخدش فيما ذكره الفيض S حيث قال: (قال اللَّه a: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}، وقال سبحانه: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}. بيان: قد ورد في الأخبار أنّ الآية الأولى نزلت في زكاة الفطر، وصلاة عيد الفطر، والثانية نزلت في صلاة عيد الأضحى، ونحر الهدي والأضحية)(٢١)، فلم يتبيّن وجود أخبار دالّة على نزول آية سورة الكوثر في صلاة عيد الأضحى، وربّما يكون قد نظر في ذلك إلى مرسلة الصدوق عن الإمام الصادق g الآتية، أو إلى ما ورد في مثل ذلك من طرق العامّة.
ولكن حتّى في روايات العامّة لم يجعلوه التفسير الوحيد للآية، بل الموجود في كتبهم آراء مختلفة، وقد ذكر ذلك الطبري في تفسيره(٢٢)، هذا بالنسبة إلى ما جاء في سورة الكوثر.
وأمّا سورة الأعلى فلم أعثر بحسب التتبّع على رواية تفسّر قوله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} بصلاة العيد إلّا ما جاء في تفسير القمّي من أنّ المراد بها صلاة الفطر والأضحى(٢٣) إذا اعتبرناه روايةً مرسلة، وما رواه الصدوق S مرسلاً من أنّه سُئل الصادق g عن قول الله a: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى}. قال: (من أخرج الفطرة)، فقيل له: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}. (خرج إلى الجبّانة فصلّى)(٢٤)، بتقريب أنّ المراد من الخروج إلى الجبّانة والصلاة هو صلاة العيد بقرينة زكاة الفطرة وكلمة (خرج)، ويبدو من إدراج الصدوق S لهذه الرواية في باب استحباب أداء زكاة الفطرة ثمّ الخروج إلى الصلاة أنّه فهم منها صلاة العيد.
وفي الاستدلال بهذه المرسلة تأمّل واضح من حيث الإرسال، ومن حيث الدلالة على الوجوب؛ فإنّ المنساق من قوله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } هو المدح ليس إلّا، وليس فيه دلالة على الوجوب.
وأمّا قرينة زكاة الفطرة وأنّها واجبة، فتكون الصلاة أيضاً واجبة فغير تامّة؛ لأنّ وجوب زكاة الفطرة قد ثبت بروايات أخر، وليس من نفس هذه الرواية، مضافاً إلى أنّه لا يلزم من العطف على شيء واجب أن يكون المعطوف واجباً أيضاً.
وأمّا ما ذكره الراوندي من تقريب الاستدلال فيرد عليه: أنّ مجرّد تقديم ذكر الزكاة على الصلاة في الآية لا يعدّ قرينة كافية على تعيين كون المراد من الصلاة صلاة العيد دون غيرها من الصلوات، فربّما كان تقديم الزكاة بداعي الاهتمام بها في خصوص المورد بلحاظ المناسبات الحافة بالكلام.
والنتيجة أنّ الاستدلال بالآيتين الكريمتين ليس تامّاً، وإنّما هو تفسيرٌ يصلح للتأييد، لا للاستدلال، ومنه يظهر الردّ على كلّ من استدلّ بالكتاب العزيز في محلّ الكلام(٢٥).
الأمر الثاني: الإجماع.
وقد استدلّ به السيّد في الانتصار(٢٦)، والشيخ في الخلاف(٢٧)، والسيّد ابن زهرة في الغنية(٢٨)، والشيخ عليّ في جامع الخلاف والوفاق(٢٩)، ويدعم ذلك أنّه لا يوجد
ـ فيما تتبّعتُ ـ فقيه واحد من فقهاء الإمامية يقول بالاستحباب مطلقاً ـ أعني حتّى مع توفّر الشروط المعروفة ـ وهذا يكشف عن تلقّي هذا الحكم من المعصومين i.
وفيه: أنّ الإجماع الحجّة هو إجماع الفقهاء المعاصرين للأئمّة، أو المقاربين لعصرهم i، مع ملاحظة عدم وجود نصّ من آية أو رواية نحتمل احتمالاً معتدّاً به استنادهم إليه(٣٠)، وفي المقام توجد نصوص نحتمل أنّهم استندوا إليها، بل قد نجزم بذلك.
الأمر الثالث: مداومة النبيّ e على الإتيان بها طيلة فترة حياته الشريفة، قال المحقّق في المعتبر: (ولأنّ النبيّ e فعلهما مواظباً، فتجب لقوله e: صلّوا كما رأيتموني أصلّي)(٣١).
وقد نقل المؤرّخون أنّ أوّل صلاة عيد فطر صلّاها النبيّ e كانت بعد الهجرة، قال الطبري: (حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول: استقبل النبيّ e بيت المقدس ستة عشر شهراً فبلغه أنّ اليهود تقول: والله ما درى محمّد وأصحابه أين قبلتهم حتّى هديناهم، فكره ذلك النبيّ e ورفع وجهه إلى السماء، فقال الله a: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} الآية، قال أبو جعفر: وفي هذه السنة فرض فيما ذكر صوم شهر رمضان، وقيل إنّه فرض في شعبان منها، وكان النبيّ e حين قدم المدينة رأى يهود تصوم يوم عاشوراء، فسألهم فأخبروه أنّه اليوم الذي أغرق الله فيه آل فرعون، ونجّى موسى ومن معه منهم، فقال نحن أحقّ بموسى منهم، فصام وأمر الناس بصومه، فلمّا فرض صوم شهر رمضان لم يأمرهم بصوم يوم عاشوراء، ولم ينههم عنه. (وفيها): أمر الناس بإخراج زكاة الفطر، وقيل: إنّ النبيّ e خطب الناس قبل الفطر بيوم أو يومين، وأمرهم بذلك، (وفيها): خرج إلى المصلّى، فصلّى بهم صلاة العيد، وكان ذلك أوّل خرجة خرجها بالناس إلى المصلّى لصلاة العيد)(٣٢).
وأمّا صلاة النبيّ e في عيد الأضحى، فقد نقل ابن الأثير عند ذكره غزوة بني قينقاع ما نصّه: (ثمّ انصرف رسول الله e، وحضر الأضحى، وخرج إلى المصلّى، فصلّى بالمسلمين، وهو أوّل صلاة عيد صلّاها، وضحّى فيه رسول الله e بشاتين، وقيل: بشاة، وكان أوّل أضحى رآه المسلمون، وضحّى معه ذوو اليَسَار، وكانت الغزاة في شوال بعد بدر، وقيل: كانت في صفر سنة ثلاث، وجعلها بعضهم بعد غزوة الكدر)(٣٣)، وقال في غزوة الكدر: (قال ابن إسحاق: كانت في شوال سنة اثنتين، وقال الواقدي: كانت في المحرّم سنة ثلاث)(٣٤).
ويمكن أن يقال في ردّ هذا الدليل: إنّ مداومة النبيّ e على عبادةٍ لا تعني أنّها واجبة؛ لأنّ مداومته أعمّ من الوجوب والاستحباب. وأمّا قوله e: (صلّوا كما رأيتموني أصلّي)(٣٥) فالمراد به الإتيان بالصلاة بنفس الكيفية التي كان e يقيم بها الصلاة من اشتمالها على الأجزاء والشرائط، وليس المراد بها لا بدّية الإتيان بتلك الصلاة المخصوصة.
إن قلت: الأمر مختلف هنا؛ حيث توجد قرينة على أنّ فعله e ليس أعمّ، لأنّ النبيّ e كان يأمر بها أصحابه، ويصلّيها جماعة، وهذا الأمر بها قد استمرّ في سنيّ حياته الشريفة كلّها بعدما شرّعت، فمن البعيد جدّاً أن يستمرّ الحثّ عليها بهذا النحو وهي ليست واجبة.
قلتُ: هذه القرينة لا تكفي للحكم بالوجوب؛ لأنّ النبيّ e قد يواظب على المستحبّ لعدّة دواعي وخصوصاً في صلاة العيدين، ومن الدواعي أنّه كقائد يناسبه أن يجتمع بالناس، ويخطب بهم، ومن الدواعي الأخر الحثّ على الفعل المستحبّ لأهمّيته، ولا يلزم تركه مرّةً ليعلم أنّه مستحبّ؛ لعدم انحصار بيان كونه مستحبّاً بهذه الطريقة، بل توجد طرقٌ أخر كثيرة لبيان استحبابه، كالتصريح بالاستحباب، والسكوت عن عقوبة الترك.
ثمّ إنّه لم يثبت أمره e لجميع الناس بها من خلال نصّ مرويّ عنه.
وبذلك يتبيّن ضعف ما استدلّ به العلّامة S في التذكرة، حيث قال: (ولأنّ النبيّ e داوم عليها، ولم يخلّ بها في وقت من الأوقات، ولو كانت تطوّعاً لأهملها في بعض الأوقات، ليدلّ بذلك على نفي وجوبها)(٣٦).
الأمر الرابع: وجوب قتال تاركيها، ولا يكون ذلك إلّا لكونها واجبة في الشريعة.
وقد استدلّ به العلّامة في التذكرة والمنتهى(٣٧)، وكذلك بعض علماء العامّة(٣٨).
ويردّه: أنّه لم ينقل في التاريخ والكتب الفقهية للفريقين أنّه قد توعّد الرسول e تاركيها بالعقاب. نعم، لو ثبت وجوبها من دليل آخر كان أمر قتال تاركيها راجعاً إلى الإمام ـ كما ذكر ذلك الشيخ الطوسي عند توفّر شرائطها(٣٩) ـ أو الفقيه المبسوط اليد لو قلنا بوجوبها في زمان الغيبة.
ومن الجدير بالذكر أنّي لم أعثر ـ بعد التتبّع ـ لهذا الدليل من عين ولا أثر في كلمات أعلامنا ممّن تأخّر عن العلّامة S(٤٠).
الأمر الخامس: نصوص روائية من طرقنا دلّت على وجوبها.
الرواية الأولى: ما جاء في الفقيه من قول الصدوق S: (روي عن جميل بن درّاج، عن الصادق g أنّه قال: (صلاة العيدين فريضة، وصلاة الكسوف فريضة)، يعني أنّهما من صغار الفرائض، وصغار الفرائض سنن لرواية حريز)(٤١).
وسندها صحيح، حيث قال S في المشيخة: (وما كان فيه عن محمّد بن حمران وجميل بن درّاج فقد رويته عن أبي g، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن محمّد بن حمران وجميل بن درّاج)(٤٢).
والكلّ ثقات. نعم، لو قيل: إنّ هذا الطريق يختصّ بما يرويه عن كليهما، ولا يشمل ما رواه عن أحدهما، فلا تكون تامّة السند.
ودلالتها على الوجوب تامّة إلى هذا المقطع، ولكنّ الذيل ـ كما هو واضح ـ من الصدوق S، حيث عبّر عن الصلاتين بأنّهما من صغار الفرائض كوجهٍ من وجوه الجمع بينها وبين الرواية التي تصرّح بأنّها سنّة، كما سيأتي الكلام في ذلك.
الرواية الثانية: ما رواه الشيخ الطوسي S بسنده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير وفضالة، عن جميل، قال: سألت أبا عبد الله g عن التكبير في العيدين. قال: (سبع وخمس) وقال: (صلاة العيدين فريضة)، سألته ما يقرأ فيهما؟ قال: (والشمس وضحاها، وهل أتاك حديث الغاشية، وأشباههما)(٤٣).
أمّا رجال السند فالحسين بن سعيد وابن أبي عمير في غاية الوثاقة، وأمّا فضالة فهو ابن أيّوب؛ فإنّه الذي يروي عنه الحسين بن سعيد، كما أشار إلى ذلك النجاشي والشيخ(٤٤)، وقد وثّقه كلّ منهما(٤٥).
ولو قيل: إنّ هناك تأمّلاً في رواية الحسين بن سعيد عن فضالة؛ حيث إنّ النجاشي حكى عن أبي الحسن البغدادي السورائي البزّاز قوله: (قال لنا الحسين بن يزيد السورائي: كلّ شيء تراه (الحسين بن سعيد عن فضالة) فهو غلط، إنّما هو الحسين، عن أخيه الحسن، عن فضالة، وكان يقول: إنّ الحسين بن سعيد لم يلق فضالة، وإنّ أخاه الحسن تفرّد بفضالة دون الحسين)(٤٦).
ولكن لا مجال لهذا التأمّل؛ فإنّ النجاشي نفسه علّق على ذلك بقوله: (ورأيت الجماعة تروي بأسانيد مختلفة الطرق: الحسين بن سعيد عن فضالة، والله أعلم)(٤٧)، وقد تصدّى السيّد الخوئي S إلى إحصاء تلك الموارد، فبلغت تسعمائة واثنين وعشرين مورداً(٤٨)، وغير ذلك من القرائن التي ذكرها السيّد الخوئي S(٤٩)، فلا سبيل لإنكار روايته عنه، بل لو فرض تنزّلاً توسّط الحسن بن سعيد بينه وبين فضالة فهو لا يضرّ في اعتبار السند؛ لوثاقة الحسن بن سعيد.
وأمّا جميل فهو ابن درّاج ـ الذي هو غاية في الجلالة ومن وجوه الطائفة، كما في رجال النجاشي(٥٠) ـ؛ لأنّه الذي يروي عنه ابن أبي عمير في الغالب، ويقترن اسمه مع اسمه، فإذا ذكر جميل من دون ذكر اسم الأب ينصرف إلى ابن درّاج ، مضافاً إلى قرينة عطف فضالة على ابن أبي عمير، وفضالة يروي عن جميل بن درّاج أيضاً ، وله روايات أخر يعطف اسمه مع ابن أبي عمير، ويرويان عن جميل بن درّاج(٥١)،وعلى كلّ حال من المطمأن به أنّ المراد بجميل هنا هو ابن درّاج .
وعلى فرض كون المراد به جميل بن صالح فإنّه لا يضرّ؛ لأنّه أيضاً ثقة(٥٢). مضافاً إلى أنّ ابن أبي عمير لا يروي إلّا عن ثقة(٥٣).
وللشيخ S طريقان إلى كتب الحسين بن سعيد:
الطريق الأوّل: ما ذكره في الفهرست بقوله: (أخبرنا بكتبه ورواياته ابن أبي جيد القمّي، عن محمّد بن الحسن، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد ابن حمّاد بن سعيد بن مهران، قال ابن الوليد: وأخرجها إلينا الحسين بن الحسن بن أبان بخطّ الحسين بن سعيد، وذكر أنّه كان ضيف أبيه)(٥٤).
وقد يناقش في تمامية هذا الطريق من جهتين:
الجهة الأولى: أنّ ابن أبي جيد القمّي ـ و هو أبو الحسين عليّ بن أحمد ـ لم يوثّق.
الجهة الأخرى: أنّ الحسين بن الحسن بن أبان لم يوثّق أيضاً.
أمّا الجهة الأولى فقد استُدلّ لوثاقة ابن أبي جيد بأمور:
الأمر الأوّل: أنّه من مشايخ الإجازة، ووثاقتهم ظاهرة لا تحتاج إلى بيان، وقد بنى على ذلك الكثير من أعلامنا الماضين S (٥٥).
وناقش في ذلك السيّد الخوئي S بما حاصله: أنّ فائدة الإجازة هي صحّة الحكاية عن المجيز لا غير، وهي قضية شرفية، ولا تدلّ على الوثاقة، فكما لو روى الثقة عن شخص فإنّه لا يدلّ على وثاقة ذلك الشخص فكذلك لو روى الطوسي ـــ مثلاً ـــ عن شيخه الذي أجازه، فإنّه لا يدلّ على وثاقة المجيز، وأمّا أنّهم مستغنون عن التوثيق فهذا مردود بمن هو أعلى شأناً منهم، وهم أصحاب الإجماع، ومع ذلك تعرّضت الكتب الرجالية لتوثيقهم(٥٦).
أقول: شيخوخة الإجازة لا تفيد في حدّ نفسها الوثاقة، ويمكن القول بالتفصيل بين حالات:
الحالة الأولى: قد يكون شيخ الإجازة ممّن أكثر بعض الأعلام المعروفين بالعلم والوثاقة النقل عنه في عدّة كتب، بحيث يكاد يقرن المستجيز به لكثرة ما نقله عنه من كتب، وهنا تكون مشيخة الإجازة مفيدةً للاطمئنان بوثاقة الناقل؛ لأنّه من البعيد أن يكثر العالم الثقة الورع الاستجازة من شخص غير ثقة، فذلك يعرّضه للتهمة، والسمعة غير الطيّبة، وبالتالي لا تؤخذ منه الرواية.
الحالة الثانية(٥٧): أن يجيز شيخ الإجازة كتاب غيره حال كون الكتاب مشتهراً معروف النسبة عنواناً ونسخةً إلى مصنّفه من غير أن تكون هناك كثرة استجازة منه من قبل الأعلام الموثوقين، وفي هذه الحالة لا تكون مشيخة الإجازة مفيدة للوثاقة بنحوٍ يطمئنّ بوثاقة شيخ الإجازة، ولكن وقوع شيخ الإجازة في السند لا يؤثّر على صحّته في هذه الحالة؛ لأنّ دوره شرفيٌ لأجل اتّصال السند فحسب، ويكون حاله حال الشخص الذي يجيز لتلميذه ـ في زماننا هذا ـ الرواية من الكافي للشيخ الكليني S، فكما لا تؤثّر مجهولية هذا المجيز على سند الروايات فكذلك ما فرضناه في هذه الحالة.
الحالة الثالثة: أن يجيز شيخ الإجازة كتاب غيره حال كون النسخة غير معلومة الانتساب إلى مصنّف الكتاب، ولا تكون هناك كثرة استجازة منه من قِبل بعض الأعلام الموثوقين، وفي هذه الحالة لا تفيد مشيخة الإجازة التوثيق، وتؤثّر مجهولية شيخ الإجازة على تمامية السند؛ لأنّه لا يعلم صحّة انتساب الكتاب إلى مصنّفه إلّا من قبل شيخ الإجازة.
الحالة الرابعة: أن يجيز كتاب نفسه، مع عدم إكثار بعض الأعلام الموثوقين الاستجازة منه، وفي هذه الحالة لا بدّ أن تثبت وثاقته مسبقاً كي يتمّ السند، ولا تنفع مشيخة الإجازة في التوثيق كما في الحالة الثالثة؛ لأنّه في هذه الحالة يكون حاله حال أيّ راوٍ، فيحتاج إلى التوثيق كي يؤخذ بروايته.
وفي محلّ كلامنا نرى أنّ ابن أبي جيد ممّن أكثر النقل عنه الشيخ الطوسي S، فقد أحصيت ما يقرب من (١٠٠) مورد نقل فيها عنه(٥٨)، وجعله واسطة بينه وبين ابن الوليد. هذا مضافاً إلى ترحّمه عليه(٥٩)، ممّا يدلّ على الاعتماد عليه؛ فإنّه وإن لم يندرج في الحالة الأولى من الحالات الأربعة المتقدّمة بشكل واضح ولكنّ الاهتمام بإكثار النقل عنه يورث الاطمئنان بالاعتماد عليه، ولكن يبقى السؤال بأنّه لماذا لم يُذكر لشيخ الإجازة توثيق؟
وجوابه: ليست هناك ملازمة بين كون الراوي وشيخ الإجازة ثقة وبين وجوب ذكر توثيقه في الكتب الرجالية، وليست هناك ضابطة معيّنة، فمثلاً إبراهيم بن هاشم لم يتعرّضوا لتوثيقه مع أنّ السيّد الخوئي S حكم بوثاقته. هذا مضافاً إلى عدم وصول الكتب التي تعنى ببيان حال الرجال إلينا، وما وصل منها ليس الغرض الأساسي منه بيان حال الراوي من حيث الوثاقة والضعف، بل هي في الغالب كتب فهارس.
وأمّا الجهة الأخرى وهي عدم توثيق الحسين بن الحسن بن أبان الواقع في سند الرواية فيمكن القول بعدم توقّف الأخذ بالرواية على إثبات وثاقته؛ وذلك لأحد أمرين(٦٠):
أحدهما: أن يقال: إنّه كان من مشايخ الإجازة الذين لم يكن لهم كتب، وكان دورهم في نقل الأحاديث شرفياً بحتاً، أي إنّهم كانوا مجرّد وسائط في إجازة كتب الآخرين، فعدم ثبوت وثاقتهم لا يضرّ بصحّة السند.
والآخر: يمكن الالتزام بصحّة ما رواه ابن الوليد عن الحسين بن الحسن بن أبان عن الحسين بن سعيد؛ وذلك لأنّ الشيخ لمّا أورد في الفهرست أسامي كتب الحسين ابن سعيد، ورواها عنه عن طريق ابن الوليد عن الحسين بن الحسن بن أبان حكى عن ابن الوليد أنّه قال: (أخرجها إلينا الحسين بن الحسن بن أبان بخطّ الحسين بن سعيد، وذكر أنّه كان ضيف أبيه) أي إنّ ابن الوليد روى كتب الحسين بن سعيد عن خطّه، وليس بتوسّط الحسين بن الحسن بن أبان، فلا يضرّ عدم ثبوت وثاقته.
الطريق الآخر: (وأخبرنا بها عدّة من أصحابنا، عن محمّد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه ومحمّد بن الحسن ومحمّد بن موسى بن المتوكّل، عن سعد بن عبد الله والحميري، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد).
وهو تامّ، وبالتالي تكون هذه الرواية تامّة السند.
الرواية الثالثة: صحيحة جميل، عن أبي عبد الله g: (صلاة العيدين فريضة وصلاة الكسوف فريضة)(٦١).
وقد علم ممّا تقدّم تمامية سندها، كما أنّ دلالتها واضحة وصريحة في وجوب صلاة العيدين.
الرواية الرابعة: خبر أبي أسامة، عن أبي عبد الله g، قال: سألته عن التكبير في العيدين؟ قال: (سبع وخمس)، وقال: (صلاة العيدين فريضة وصلاة الكسوف فريضة)(٦٢).
ولكن سندها غير تامّ؛ من جهة أبي جميلة.
ومهما يكن فقد حصلنا على ثلاث روايات ـ بناءً على صحّة رواية جميل بطريق الصدوق S ـ تصرّح بالوجوب، مضافاً إلى تطابق آراء فقهائنا على الوجوب وإن اختلفوا ببعض الشرائط، ممّا يقوّي احتمال تلقّي ذلك من أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم أجمعين.
الروايات المعارضة
وفي مقابل ذلك توجد روايتان قد يُفهم منهما الاستحباب:
إحداهما: ما علّق به الصدوق S على رواية جميل بن درّاج عن الصادق g: (صلاة العيدين فريضة، وصلاة الكسوف فريضة)، فقد قال S: (يعني أنّهما من صغار الفرائض، وصغار الفرائض سنن؛ لرواية حريز)(٦٣).
ولم أجد من روى (صغار الفرائض سنن) غير الصدوق الذي طبّقها على صلاة العيدين.
والأخرى: ما رواه S بسنده عن زرارة عن أبي جعفر g، قال: (صلاة العيدين مع الإمام سنّة، وليس قبلهما ولا بعدهما صلاة ذلك اليوم إلى الزوال)(٦٤)، بناءً على أنّ المفهوم من قوله: (سنّة) هو النافلة، فلا تكون واجبة.
وطريق الصدوق إلى زرارة في المشيخة هو: (وما كان فيه عن زرارة بن أعين فقد رويته عن أبي g، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، والحسن بن ظريف، وعليّ بن إسماعيل بن عيسى كلّهم عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن زرارة بن أعين)(٦٥)، ولا يهمّنا الآن الخلاف في وثاقة محمّد بن عيسى بن عبيد، ولا في وثاقة عليّ بن إسماعيل بن عيسى وأنّه السندي أو غيره؛ لأنّ الحميري روى عن ثلاثة أحدهم الحسن بن ظريف، وهو ثقة(٦٦)، فالسند تامّ؛ لكون بقية السلسلة ثقات.
ورواها الشيخ الطوسي S بطريقين:
أحدهما: ما جاء في التهذيب والاستبصار، وهو: (سعد بن عبد الله، عن أبي جعفر، عن عليّ بن حديد وعبد الرحمن بن أبي نجران، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة)(٦٧).
والآخر: ما جاء في التهذيب فقط، وهو: (إبراهيم بن إسحاق الأحمري، عن البرقي، عن محمّد بن الحسن بن أبي خلف، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن زرارة)(٦٨)، ولكن مع زيادة، وهي: (فإن فاتك الوتر في ليلتك قضيته بعد الزوال).
والطريق الأوّل تامّ إلّا من جهة عليّ بن حديد؛ فقد ضعّفه الشيخ في موضع من الاستبصار(٦٩)، ولكن لا يضرّ وجوده في السند؛ لعطف عبد الرحمن بن أبي نجران عليه، وهو ثقة(٧٠).
وأمّا الطريق الآخر فللشيخ إلى إبراهيم بن إسحاق الأحمري ـ الذي هو أبو إسحاق النهاوندي ـ طريقان:
الطريق الأوّل: (أخبرنا بكتبه ورواياته أبو القاسم عليّ بن شبل بن أسد الوكيل، قال: أخبرنا بها أبو منصور ظفر بن حمدون بن شدّاد البادرائي، قال: حدّثنا إبراهيم ابن إسحاق الأحمري)(٧١).
الطريق الآخر: (وأخبرنا بها أيضاً الحسين بن عبيد الله، عن أبي محمّد هارون بن موسى التلعكبري، قال: حدّثنا أبو سليمان أحمد بن نصر بن سعيد الباهلي المعروف بابن أبي هراسة، قال: حدّثنا إبراهيم الأحمري بجميع كتبه)(٧٢).
أمّا الطريق الأوّل فيبدأ بأبي القاسم عليّ بن شبل الوكيل، وهو على ما يبدو من مشايخ النجاشي(٧٣)، فقد يقال بوثاقته بناءً على القول بوثاقة مشايخ النجاشي(٧٤)، وأمّا ظفر بن حمدون فقد ذكره النجاشي ولم يوثّقه(٧٥)، ومثله الشيخ S وإن ذكره تحت عنوان (ظفر بن محمّد البادرائي) ولكن من الواضح أنّه تصحيف(٧٦)، بل ضعّفه ابن الغضائري بقوله: (في مذهبه ضعف)(٧٧) إن فهم من هذه العبارة الخدش في وثاقته، فهذا السند غير تامّ.
وأمّا الطريق الآخر فلا مشكلة فيه إلّا من جهة أحمد بن نصر بن أبي هراسة، وقد يقال بوثاقته لكونه من مشايخ الإجازة، حيث أجاز هارون بن موسى التلعكبري الذي هو عظيم المنزلة، عديم النظير، كما عبّر عنه الشيخ S(٧٨)، و(وجهاً في أصحابنا)(٧٩)، كما قال عنه النجاشي، حيث إنّ صاحب هذه المنزلة الرفيعة قد يقال: إنّه يبعد استجازته من شخص غير ثقة، وهذه الإجازة ذكرها الشيخ في ترجمة ابن أبي هراسة(٨٠).
وعلى كلّ حال حتّى لو تمّ هذا الطريق فإنّه يبقى الإشكال من جهة إبراهيم بن إسحاق الأحمري، فقد ضعّفه النجاشي والشيخ (٨١)، ومن جهة محمّد بن الحسن بن أبي خلف، فإنّه مجهول.
إذاً، اتّضح ممّا تقدّم أنّ الرواية تامّة من حيث السند وإن كان بعض طرقها غير تامّ.
ومعه يقع ما ظاهره التنافي بين الروايتين الدالّتين على كون صلاة العيدين فريضة، وبين الرواية الدالّة على أنّها من السنن، وهل يمكن الجمع بينهما أو لا يمكن؟
أقول: يمكن الجمع بينهما بأحد وجوه:
الوجه الأوّل: تفسير كلمة (السُنّة) الواردة في الرواية بما ثبت فرضه من قبل النبيّ e في مقابل الفريضة الثابتة في القرآن، وهذا الوجه أشهر الوجوه في التخلّص من التنافي، وهو ما يظهر من الشيخ الصدوق S في الفقيه(٨٢) إذا لم نفهم منه أنّه قول مختلف، فقد يشير إلى وجود رواية تصرّح بأنّ صغار الفرائض سنن، وصرّح الشيخ الطوسي S في الاستبصار(٨٣) والتهذيب(٨٤) بأنّ المراد من السنّة في الرواية هو ما ثبت فرضه من النبيّ e، وتبعه في ذلك المحقّق الحلّي في المعتبر(٨٥)، والعلّامة في منتهى المطلب(٨٦)، والشهيد الأوّل في الذكرى(٨٧)، وتبنّاه غيرهم من الأعلام.
ولكن ينبغي تتبّع موارد استعمال الشارع كلمة (السنّة)، فقد أطلقت في لسانه على عدّة معان:
الأوّل: الفريضة الثابتة من خلال أمر النبيّ e في مقابل ما ثبت وجوبه من الكتاب العزيز، مثل ما جاء عن الكاظم g في صحيحة عبد الرحمن بن أبي نجران، وغيرها: (غُسل الجنابة فريضة وغُسل الميت سُنّة)(٨٨) ومن الواضح أنّ غسل الميت واجب، وعبّر عنه في هذه الرواية بالسُنّة؛ لأنّه لم يثبت من خلال القرآن بينما ثبت غُسل الجنابة في القرآن، قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}(٨٩)، ومثل ما جاء عن الباقر g في صحيحة زرارة في أجزاء الصلاة: (القراءة سُنّة والتشهّد سنّة والتكبير سُنّة ولا تنقض السُنّة الفريضة)(٩٠)، فالقراءة واجبة في الصلاة، ووصفت بأنّها سُنّة، والتشهّد واجب في الصلاة وأطلق عليه سُنّة، وشبيه به ما جاء في أعداد الفرائض في صحيحة أخرى لزرارة، عن أبي جعفر g، قال: (وفوّض إلى محمّد e فزاد
النبيّ e في الصلاة سبع ركعات، وهي سنّة ليس فيها قراءة، إنّما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء)(٩١)، ومثل ما جاء في الزكاة، كما في صحيحة الفضلاء، عن أبي جعفر وأبي عبد الله h، قالا: (فرض الله a الزكاة مع الصلاة في الأموال وسنّها رسول الله e في تسعة أشياء، وعفا عمّا سواهن في الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والحنطة والشعير والتمر والزبيب، وعفا عمّا سوى ذلك)(٩٢)، فأطلقت السُنّة على زكاة الذهب والفضة مع أنّها واجبة، ومثل ما جاء في رواية الأعمش في الحجّ: (والوقوف بالمشعر فريضة، والهدي للمتمتع فريضة، فأمّا الوقوف بعرفة فهو سنّة واجبة، والحلق سنّة، ورمي الجمار سنّة)(٩٣) وغيرها من الروايات بهذا المعنى، فوصف الوقوف بعرفة بأنّه سُنّة وصرّح بوجوبه، وكذا الحلق ورمي الجمار وصفها بالسنّة، مع وضوح كونها واجبات، ومثلها ما رواه الكليني بسنده عن حمّاد ، عن حريز، عن زرارة، قال: سألت أبا جعفر g عن الفرض في الصلاة، فقال: (الوقت والطهور والقبلة والتوجّه والركوع والسجود والدعاء)، قلت: وما سوى ذلك؟ قال: (سنّة في فريضة)(٩٤)، فمن الواضح جدّاً استعمال الإمام g لفظة (السنّة) بمعنى الفريضة التي شرّعها النبيّ e، حيث إنّ أغلب بقية أجزاء وشروط الصلاة واجبة، وتبطل الصلاة بالإخلال بها عمداً.
وبعض هذه الروايات وإن كان ضعيفاً سنداً ولكن إطلاق السنّة في لسان الشارع على الواجب الثابت بأمر النبيّ e معروفٌ ومطمأنّ بصدوره منهم i.
الثاني: السُنّة في مقابل البدعة، وهذا كما جاء في الخطبة المروية في نهج البلاغة أنّ أمير المؤمنين g قال: (وما أحدثت بدعة إلّا تركت بها سنّة، فاتّقوا البدع)(٩٥)، و(أحيوا السُنّة وأماتوا البدعة)(٩٦). ومثل ما رواه الصدوق S: (ثمّ نزل وهو يقول: قليل في سنّة خير من كثير في بدعة)(٩٧) وروى مثله الشيخ الطوسي S في الاستبصار(٩٨) والتهذيب (٩٩).
الثالث: السُنّة في مقابل المكرمة، وهذا مثل ما رواه الصدوق S في عيون أخبار الرضا g من أنّ أمير المؤمنين g قال: (والختان سُنّة واجبة للرجال ومكرمة للنساء)(١٠٠)، وروى مثل هذا المعنى الشيخ الطوسي S في التهذيب(١٠١) بدون كلمة (واجبة).
ولكن قد يقال: بأنّ هذا الاستعمال يندرج في المعنى الأوّل؛ حيث إنّ الختان ممّا فرضه النبيّ e، أو في المعنى الخامس الآتي.
الرابع: السُنّة بمعنى المستحبّ في مقابل الفريضة بمعنى الواجب سواءٌ ثبت وجوبه من القرآن أو من النبيّ e، وهذا المعنى جاء في كثير من الروايات:
١ـ ما رواه في الكافي عن أبي عبد الله، عن آبائه i، قال: (قال أمير المؤمنين g: السنّة سنّتان: سنّة في فريضةٍ الأخذ بها هدى، وتركها ضلالة، وسنّة في غير فريضةٍ الأخذ بها فضيلة، وتركها إلى غيرِ خطيئة)(١٠٢).
٢ـ ما رواه الصدوق S بسنده عن المفضّل بن عمر من أنّ الصادق g قال: (وعليكم بالسواك فإنّها مطهّرة وسُنّة حسنة، وعليكم بفرائض الله فأدّوها، وعليكم بمحارم الله فاجتنبوها)(١٠٣). فالمنساق من قوله: (سنّة حسنة) الاستحباب.
٣ـ ما رواه الشيخ S بسنده عن يونس عن بعض رجاله، عن الصادق والباقر h: (الكفن فريضة للرجال ثلاثة أثواب، والعمامة والخرقة سُنّة)(١٠٤).
٤ـ وروى S فيما يخصّ الوتر بسنده عن أبي أسامة، عن الصادق g أنّه قال: (سنّة ليست بفريضة)(١٠٥).
٥ـ وروى S في التهذيب والاستبصار عن هشام بن سالم، عن الصادق g أنّه قال عن التسبيح في الركوع والسجود: (تقول في الركوع سبحان ربّي العظيم، وفي السجود سبحان ربّي الأعلى، الفريضة من ذلك تسبيحة، والسنّة ثلاثة، والفضل في سبع)(١٠٦).
٦ـ وروى الصدوق S بسنده عن حمّاد بن عيسى، عن الصادق g في المساجد السبعة: (فهذه السبعة فرض، ووضع الأنف على الأرض سنّة، وهو الإرغام)(١٠٧)، وروى ما يقرب منه في الخصال والفقيه(١٠٨)، وروى الشيخ مثله في التهذيب(١٠٩).
ويوجد غير ذلك من الروايات(١١٠) جاءت فيها كلمة (السُنّة) بمعنى المستحبّ.
الخامس: السنّة بمعنى المسنون والمقرّر شرعاً، وهو أعمّ من الوجوب والاستحباب، ولعلّ من ذلك:
١ ـ ما جاء في رواية عمر بن يزيد، عن الصادق g: ( يا عمر، إنّ من السنّة أن تصلّي على محمّد وعلى أهل بيته في كلّ يوم جمعة ألف مرّة، وفي سائر الأيام مائة مرّة)(١١١).
٢ ـ ما رواه في الكافي عن أبي داود المسترق، عن بعض رجاله، عن الصادق g أنّه حكى عن رسول الله e قوله: (فمن رغب عن سنّتي فليس منّي)(١١٢).
أي إنّ الصلاة على محمّد وأهل بيته i، والزواج ممّا هو ثابت ومقرّر ومسنون في الشريعة الإسلامية.
٣ ـ ولعلّ من ذلك أيضاً ما روي عن الإمام الصادق g من قوله: (إنّ أبا جعفر g سئل من مسألة فأجاب فيها، فقال الرجل: إنّ الفقهاء لا يقولون هذا. فقال له أبي: ويحك إنّ الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة المتمسّك بسنّة النبيّ e)(١١٣).
فالفقيه يتمسّك بالسنّة، أي بكلّ ما جاء عن النبيّ e سواء كان مستحبّاً أو واجباً، ويجتنب المحرّم، والمكروه، وبمعنى جامع هو من يلتزم بكلّ مقرّر شرعي.
السادس: السنّة في مقابل التطوّع، فهناك طريقة أوضحتها الشريعة وسمّتها وأكدت عليها، وهناك ما لم تعيّنه الشريعة، ولكن يجوز التطوّع به، ولعلّ من ذلك ما يلي:
١ـ روى الكليني S بسنده عن أبي الحسن موسى g قال: سمعته يقول: (السنّة في حمل الجنازة أن تستقبل جانب السرير بشقّك الأيمن، فتلزم الأيسر بكتفك الأيمن، ثمّ تمرّ عليه إلى الجانب الآخر، وتدور من خلفه إلى الجانب الثالث من السرير، ثمّ تمرّ عليه إلى الجانب الرابع ممّا يلي يسارك)(١١٤).
٢ ـ وروى الكليني S أيضاً بسنده عن أبي جعفر g، قال: (السنّة أن يحمل السرير من جوانبه الأربع، وما كان بعد ذلك من حمل فهو تطوّع)(١١٥).
السابع: السنّة في مقابل ما لا يجوز فعله أعمّ من كونه حراماً مبتدعاً أو غير مبتدع، ولعلّ من ذلك ما رواه الشيخ S بسنده عن الصادق g، قال: (إنّ من السنّة أن لا يخرج الإمام من منى إلى عرفة حتّى تطلع الشمس)(١١٦).
الثامن: السنّة بمعنى العمل، والفعل، والصنيع، والطريقة، والعادة الجارية، والقانون، وقد جاء هذا المعنى في الآيات والروايات:
أمّا الآيات فمثل قوله تعالى: {لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ}(١١٧)، وقوله a: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا}(١١٨)، وقوله سبحانه: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا}(١١٩) ، وغير ذلك من الآيات(١٢٠).
وأمّا الروايات فمثل ما رواه الصدوق بسنده عن النبيّ e أنّه قال: (والذي بعثني بالحقّ نبيّاً وبشيراً لتركبن أمّتي سنن من كان قبلها حذو النعل بالنعل)(١٢١).
وربّما تدخل بعض الروايات المذكورة سابقاً تحت معنى آخر من المعاني المتقدّمة.
وبعد أن عرفنا موارد استعمالات الشارع لكلمة (السُنّة) فهل الجمع المتقدّم بحمل (السُنّة) على ما ثبت وجوبه بأمر النبيّ e تامٌّ أو لا؟
وجوابه: قد يقال: بأنّه تامّ، وتوجيه ذلك أن يقال: إنّ الروايات التي وصفت صلاة العيدين بـ(الفريضة) يراد بها الفريضة النبوية، وهي صريحةٌ ونصّ في الوجوب، وآبية عن التخصيص، وأمّا الرواية التي وصفتها بالسُنّة فغاية ما يقال فيها إنّها يحتمل أن يراد بها الاستحباب، فيصرف هذا الظهور الاحتمالي إلى الوجوب بقرينة الرواية الصريحة فيه، حيث لا مانع من استعمال السُنّة بمعنى الفريضة الثابتة بأمر النبيّ e.
وممّا يعزِّز هذا الوجه، ويجعله أرجح وجوه الجمع روايةٌ تكاد تكون صريحة في أنّ المراد بالسنّة في قوله g: (صلاة العيدين مع الإمام سنّة) ما فرضه النبيّ e، وهي ما رواه الكليني S بسنده عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، قال: قال أبو
جعفر g: (فرض الله الصلاة، وسنّ رسول الله e عشرة أوجه: صلاة الحضر، والسفر، وصلاة الخوف على ثلاثة أوجه، وصلاة كسوف الشمس، والقمر، وصلاة العيدين، وصلاة الاستسقاء، والصلاة على الميت)(١٢٢)، فإنّك ترى أنّ الإمام g قد قابل بين ما فرضه الله a، وبين ما سنّه الرسول e، وصرّح بأنّ صلاة العيدين ممّا سنّه رسول الله e، وقد ثبت وجوبها بصريح الروايتين المتقدّمتين، وأنّها فريضة، فيصبح لدينا ظهور واضح بأنّ (السنّة) في الرواية هي الفريضة النبوية، ولا نحتاج إلى قرينة السياق لنثبت أنّ صلاة العيدين واجبة، كي يناقش فيها، ولم أجد في حدود ما تتبّعت أحداً من الأعلام قد ذكر هذه الرواية في بحثه معزّزاً بها هذا الوجه المشهور، مع أنّها شبه الصريحة في أنّ صلاة العيدين فريضة نبوية، وسندها تامّ، وقد رواها الصدوق في الخصال بسند تامّ أيضاً(١٢٣).
إن قيل: إنّ من استدلّ على وجوب صلاة العيدين بالكتاب العزيز يعترف ضمناً بأنّها ممّا ثبت فرضه فيه، ومعه لا يسعه القول بأنّ المراد من (صلاة العيدين مع الإمام سنّة) أنّها ممّا ثبت فرضه من قبل النبيّ e؛ للتنافي الظاهر بين القولين.
قلت: ظاهر من قال بأنّها فريضة قرآنية الاعتراف بأنّ أصل التكليف بها ممّا ثبت فرضه في الكتاب العزيز، وأمّا لزوم الإتيان بها مع الإمام فهو تكليف ثبت فرضه من قبل النبيّ e، فلا تنافي في البين.
وقد حاول الشهيد S الإجابة على هذا الإشكال، فقال: (فإن قلت: فقد ذكرت أنّ الكتاب دالّ عليها. قلت: ليست دلالة قطعية، بل ظاهرة، وبالسنّة فعلاً وقولاً علم القطع)(١٢٤).
وفيه: أنّه لا يشترط في الفريضة القرآنية أن تكون الآية الدالّة عليها قطعية الدلالة، بل يكفي الظهور.
الوجه الثاني: ما يخطر في الذهن من أنّ هذه الرواية مجملة في حدّ نفسها بسبب استعمال كلمة (السُنّة) في عدّة معانٍ في لسان الشارع مع عدم وجود قرينة على إرادة معنىً معيّن من المعاني المتقدّمة، فتبقى الرواية الصريحة في الوجوب على حالها من دون معارض، وهذا الوجه أولى من الوجه المتقدّم.
ووجه الأولوية أنّ من تبنّى ذلك الوجه يحتمل احتمالاً معتدّاً به بأنّ الظهور الأولي للفظ (السنّة) في الرواية محلّ البحث في الاستحباب، ثمّ يحاول صرف هذا الظهور بقرينة الرواية التي تصرّح بالوجوب، مع أنّه من الصعوبة القول بظهور كلمة (السُنّة) فيها في الاستحباب مع استعمالها في روايات أخر بمعان مختلفة، هذا مضافاً إلى الإشكال المتقدّم، فما ذكرناه أولى.
اللهم إلّا أن يقال: إنّها إذا ذكرت في لسان الشارع من دون قرينة فإنّها تنصرف إلى المستحبّ.
الوجه الثالث: ما عن الفيض الكاشاني S في الوافي ، و تبنّاه آخرون، حيث قال ـ ردّاً على تفسير الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي T للصحيحة بأنّ (السُنّة) ما ثبت فرضه من طريق النبيّ e ـ: (أقول: هذا لا يستقيم مع الحديث الآتي في تفسير الآية، بل الصواب أن يقال: إنّ المراد بقوله g (إنّها مع الإمام سنّة) أنّ السنّة في فرضها أن تكون مع الإمام، فمن صلّاها بدون الإمام معتقداً وجوبها فقد خالف السنّة، وهذا بعينه معنى سائر الأخبار أنّه لا صلاة إلّا بإمام)(١٢٥).
ولعلّ المقصود بقوله: (لا يستقيم مع الحديث الآتي ... إلخ) الحديث الذي رواه الصدوق S عن الصادق g: سئل الصادق g عن قول اللَّه a: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى}(١٢٦)، قال: (من أخرج الفطرة). فقيل له: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}(١٢٧). قال: (خرج إلى الجبّانة فصلّى)(١٢٨).
ويرد عليه:
أوّلاً: عدم إمكان الاعتماد على الرواية؛ لمكان الإرسال فيها.
ثانياً: مع التنزّل عن ذلك فإنّ تفسير الإمام g للصلاة في قوله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} بالخروج إلى الجبّانة والصلاة هو من باب التطبيق، ولم تُذكر صلاة العيد في القرآن بعنوانها حتّى يقال إنّها ثابتة في الكتاب المجيد أيضاً. مضافاً إلى ما تقدّم من عدم دلالة المدح للمصلّي والمزكّي على لزوم الإتيان بالصلاة.
الوجه الرابع: أن يقال: لو بنينا على انصراف كلمة (السُنّة) إلى المستحبّ في حالة عدم وجود قرينة على خلاف ذلك، فسوف يكون المراد: في حال حضور الإمام g وعدم غيبته، وإقامته لصلاة العيد، مع إعطاء الإذن لآخرين من نوّابه وأصحابه في إقامتها أيضاً يكون الحضور معه في نفس الصلاة التي يقيمها g مستحبّاً لا واجباً وإن كان الإمام ليس معصوماً فلا يكون الحضور معه واجباً، بل يكفي الإتيان بها فرادى.
نعم، أداء الصلاة واجب، ولكن لا يشترط أن يكون الأداء مع شخص الإمام المعصوم، بل يكفي أداؤها مع المأذون من قبله g، وهذا هو الظاهر من قوله g إنّها: (مع الإمام سُنّة)، فالمعية مع الإمام لا تتسنّى لكلّ أحد، خصوصاً مع تباعد الأمكنة وقلّة وسائل النقل في ذاك الزمان، فوجوب هذه الصلاة ثبت بالأدلّة المتقدّمة، وأمّا استحباب كونها مع شخص الإمام فقد ثبت من خلال هذه الرواية، فلا يوجد تعارض من الأساس.
ولم أجد ـ حسب التتبّع ـ من ذكر هذا الوجه، ولعلّه موجود في كلماتهم ولم أتنبّه له.
الوجه الخامس: ما ذكر من أنّه من الممكن أن يراد الاستحباب، ولكنه مخصوص بزمان الأئمّة i الذين عاصروا الطغاة، ولا يمكنهم إقامتها بسهولة، فتحمل هذه الرواية على حالة عدم استجماع الشرائط(١٢٩).
وفيه: أنّه لا قرينة على هذا الوجه، فضلاً عمّا تقدّم من الإشكال.
الوجه السادس: ما ذكر من حمل هذه الرواية على التقيّة، لكون الرأي السائد لدى فقهاء العامّة هو الاستحباب، فعبّر عنها الإمام g بالسُنّة إيهاماً للآخرين بالاستحباب حال كونه قاصداً بأنّها من الواجبات التي سنّها النبيّ e(١٣٠).
ويرده: أنّ فقهاء العامّة مختلفون فيما بينهم، فمنهم من يقول بالوجوب، ومنهم من يقول بالاستحباب(١٣١)، والرواية صدرت من الإمام الباقر g وليس من الواضح أنّ الرأي السائد عند العامّة آنذاك هو الاستحباب حتّى يقال بالتقيّة.
الوجه السابع: أن نحمل السُنّة في قوله g: (مع الإمام سنّة) على ما يقابل البدعة، فلعلّه هناك من يعتقد أنّ اشتراط صلاة العيدين بالجماعة في أصل تشريعها بدعة، فجاءت هذه الرواية لتبيّن أنّها شرّعت مع الإمام لا منفرداً، وهي سُنّة، وليست بدعة، وقد احتمل هذا الوجه الشيخ الهمداني S(١٣٢).
أقول: هذا الوجه قريب من الوجه الثالث المتقدّم، ويرد عليه نفس ما ذكرته في الإشكال الثالث على الوجه المشار إليه.
الوجه الثامن: أن نحمل السُنّة في هذه الرواية على المسنون، والمقرّر شرعاً أعمّ من الوجوب والاستحباب، ولا مانع حينئذٍ من القول بوجوب صلاة العيدين بقرينة تصريح الروايتين المتقدّمتين بأنّها فريضة، وبذلك يرتفع التنافي.
ومهما يكن فالوجوب ثابت بالشروط التي ستأتي، وقد عبّر عنه الشيخ صاحب الجواهر S بقوله: (لا ريب في أصل الوجوب)(١٣٣).
المقام الثاني
في شرائط تحقّق الوجوب
الشرط الأوّل ـ كما ذكروا ـ: حضور الإمام المعصوم g أو منصوبه.
هذا هو المشهور والمعروف في كلماتهم، وقد يستظهر من الفقه الرضوي حيث قال: (واخرج إلى المصلّى وابرز تحت السماء مع الإمام، فإنّ صلاة العيدين مع الإمام مفروضة، ولا تكون إلّا بإمام وبخطبة)(١٣٤) فإنّ تعريف كلمة (إمام) مع التأكيد أنّها مع الإمام مفروضة قد يقال بظهوره في المعصوم، وقد يستفاد ممّا أفتى به الصدوق S في المقنع، حيث قال: (اعلم أنّ صلاة العيدين ركعتان .. ولا يصلّيان إلّا مع إمام في جماعة، ومن لم يدرك مع الإمام في جماعة فلا صلاة له)(١٣٥) فإنّ قوله: (إلّا مع إمام في جماعة) يفهم منه شرطية الإمام المعصوم؛ لأنّه لو أراد منها إمام الجماعة لكان شبه اللغو، إذ الجماعة لا تصحّ من دون إمام، اللهم إلّا أن يريد التأكيد، بينما إرادة المعصوم من هذه الكلمة تفيد معنى جديداً هو المرتكز في عرف المتشرّعة. هذا مضافاً إلى أنّ وضع كلمة (في) بين كلمة (إمام) النكرة وكلمة (الجماعة) تشعر بمغايرة هذه الإمامة عن إمامة الجماعة.
وأوضح منه كلامه في ثواب الأعمال، فقد قال S بعد ذكره لثواب من صلّى أربع ركعات يوم الفطر بعد صلاة الإمام: (أقول في ذلك وبالله التوفيق: إنّ هذا الثواب هو لمن كان إمامه مخالفاً لمذهبه، فيصلّي معه تقيّة ثمّ يصلّي هذه الأربع ركعات للعيد، فأمّا إذا كان الإمام إماماً من الله a واجب الطاعة على العباد فصلّى خلفه صلاة العيد لم يكن له أن يصلّي بعد ذلك صلاة حتّى تزول الشمس، وكذلك من كان إمامه موافقاً لمذهبه إن لم يكن مفروض الطاعة صلّى معه العيد لم يكن له أن يصلّي بعد ذلك صلاة حتّى تزول الشمس، والمعتمد أنّه لا صلاة في العيدين إلّا مع الإمام فمن أحبّ أن يصلّي وحده فلا بأس)(١٣٦)، فقوله: (والمعتمد أنّه لا صلاة في العيدين إلّا مع الإمام) بعد ذكره (مفروض الطاعة)، وذكره للروايات التي تشترط الإمام، واضح الدلالة على اشتراط حضور المعصوم.
ولعلّ أظهر منه ما جاء في كلام المفيد Sفي المقنعة، حيث قال: (وهذه الصلاة فرض لازم لجميع من لزمته الجمعة على شرط حضور الإمام، وسنّة على الانفراد عند عدم حضور الإمام)(١٣٧)، فالتعبير بـ(حضور الإمام) ظاهرٌ في الإمام المعصوم، ومنشأ هذا الظهور تداول استعمال الأعلام لهذه الكلمة في المعصوم خاصّة، وجاء
في كلامه S أيضاً: (ولا بأس أن تصلّي العيدين في بيتك عند عدم إمامها، أو لعارض مع وجوده)(١٣٨) فإضافته كلمة (إمام) إلى الضمير العائد على صلاة العيدين يشعر باختصاص وجوبها بإمام خاصّ، وليس بمطلق إمام الجماعة، وليس هو إلّا
المعصوم g، وكذلك قوله: (لعارض مع وجوده) يشير إلى ذلك.
وبذلك يتّضح عدم صحّة ما استظهره صاحب الحدائق S من كلام المفيد، وأنّه لا يشترط حضور الإمام المعصوم في الوجوب، قال S: (قال شيخنا المفيد في المقنعة في باب صلاة العيدين: وهذه الصلاة فرض لازم لجميع من لزمته الجمعة على شرط حضور الإمام، سنّة على الانفراد عند عدم حضور الإمام .. وقد عرفت مذهبه في الجمعة وشرطها عنده إنّما هو إمام الجماعة .. وقوله هنا على شرط حضور الإمام.. إلخ أراد به بيان التفرقة بين الجمعة والعيدين بحصول الاستحباب في هذه دون تلك، فجعل مدار الوجوب والاستحباب على حضور الإمام وعدم حضوره، فمتى صلّى مع الإمام فهي واجبة عيناً، ومتى تعذّر الصلاة معه فهي مستحبّة فرادى بخلاف الجمعة فإنّه مع عدم الإمام تسقط بالكلّية. والمراد بالإمام في كلامه هو إمام الجماعة الذي تقدّم تصريحه به في صلاة الجمعة)(١٣٩).
فإنّه يرد على هذا الاستظهار:
أوّلاً: لا ينحصر تعليل قوله: (على شرط حضور الإمام) بإرادة التفرقة بين صلاة الجمعة وصلاة العيدين بما ذكره S، بل هذا مجرّد احتمال لا يصل إلى حدّ الظهور، بل الظهور على خلافه، كما عرفت ممّا تقدّم.
ثانياً: يمكن أن يقال بأنّ تعبيره (على شرط حضور الإمام) قرينة على المغايرة بين شرط الإمامة في صلاة الجمعة، وشرط الإمامة في صلاة العيدين؛ إذ لو كانت الإمامة بمعنى واحد لكان من المناسب له جدّاً أن يعبّر بالعطف على شروط الجمعة، ويقول إنّ أمرهما واحد، وما شابه ذلك من الألفاظ كما فعل ذلك جمعٌ من الأعلام، ولكنّه لم يفعل ذلك.
ويظهر اشتراط حضور الإمام المعصوم من السيّد المرتضى S كما جاء ذلك في الناصريات، حيث قال: (الذي يذهب إليه أصحابنا في صلاة العيدين أنّها فرض على الأعيان، وتكامل الشروط التي تلزم معها صلاة الجمعة من حضور السلطان العادل، واجتماع العدد المخصوص إلى غير ذلك من الشرائط)(١٤٠)، ويظهر منه أيضاً في جمل العلم والعمل، حيث قال: (صلاة العيدين فرض على كلّ من تكاملت له شرائط الجمعة التي ذكرناها)(١٤١) فإنّه S ذكر في صلاة الجمعة ما لفظه: (صلاة الجمعة فرض لازم مع حضور الإمام العادل)(١٤٢).
ويظهر ذلك من أبي يعلى الديلمي في المراسم العلوية، بل هو شبه الصريح، حيث قال: (شرط وجوب صلاة العيدين شرط وجوب صلاة الجمعة)(١٤٣)، وقال في صلاة الجمعة: (صلاة الجمعة فرض مع حضور إمام الأصل، أو من يقوم مقامه)(١٤٤) فقد صرّح باشتراط المعصوم من خلال قوله إمام الأصل.
وهذا ما يظهر من الشيخ S في المبسوط، فقد قال: (صلاة العيدين فريضة عند حصول شرائطها، وشرائطها شرائط الجمعة سواء في العدد والخطبة وغير ذلك، وتسقط عمّن تسقط عنه الجمعة)(١٤٥)، وقال فيما يخصّ صلاة الجمعة: (فأمّا الشروط الراجعة إلى صحّة الانعقاد فأربعة: السلطان العادل أو من يأمره السلطان)(١٤٦)، ويظهر منه ذلك أيضاً في الاستبصار، حيث قال: (ونفرد باباً أنّه لا تجب إلّا بحضور الإمام)(١٤٧)، وقال في النهاية: (صلاة العيدين فريضة بشرط وجود الإمام العادل، أو وجود من نصبه الإمام للصلاة بالناس، وتلزم صلاة العيدين كلّ من تلزمه جمعة)(١٤٨).
وهذا ما يظهر من ابن البرّاج(١٤٩)، وابن زهرة في الغنية(١٥٠)، وابن إدريس في السرائر(١٥١)، وصريح كلام ابن أبي المجد الحلبي في إشارة السبق، حيث جعل شروطها شروط الجمعة(١٥٢)، والكيدري في إصباح الشيعة(١٥٣)، والمحقّق الحلّي في المختصر النافع(١٥٤)، وادّعى في المعتبر أنّه مذهب علمائنا أجمع(١٥٥)، وصرّح في الشرائع أنّها واجبة مع وجود الإمام g(١٥٦)، بل عليه إطباق فقهاء الشيعة إلّا ما ندر، كما سنبيّن ذلك إن شاء الله تعالى.
ولكن في مقابل ذلك هناك مَن يُفهم من كلامه عدم اشتراط حضور الإمام المعصوم g، بل بعضهم استشكل بذلك صراحةً، ومنهم أبو الصلاح الحلبي S في الكافي، حيث يفهم من كلامه أنّه لا يشترط ذلك في عصر الغيبة، قال: (صلاة يوم الفطر ويوم الأضحى واجبة بشرط تكامل شروط الجمعة لها على كلّ من تجب عليه الجمعة)(١٥٧)، وقال في صلاة الجمعة: (لا تنعقد الجمعة إلّا بإمام الملّة، أو منصوب من قبله، أو بمن تتكامل له صفات إمام الجماعة عند تعذّر الأمرين)(١٥٨)، وهذا يعني أنّه يرى وجوب صلاة العيدين في عصر الغيبة.
وممّن صرّح بوجوبها في عصر الغيبة المحقّق السبزواري S في الكفاية، قال: (وإنّما تجب على من تجب عليه الجمعة، والظاهر وجوبها في زمان غيبة الإمام بشروط وجوب الجمعة جماعة)(١٥٩)، وقال في الذخيرة: (إنّي لم أعثر على تصريح لواحد منهم بذلك)(١٦٠)، يعني باشتراط حضور المعصوم، واستشكل في هذا الشرط صاحب المدارك S، كما سنوضح ذلك عند الاستدلال بالروايات، وقال: (عندي في ذلك نظر)(١٦١).
وجعل المحدّث الكاشاني في الوافي والمفاتيح نصوص المسألة من المتشابهات(١٦٢)، وصرّح العلّامة المجلسي S في البحار بأنّه لا مانع من القول بوجوبها في عصر الغيبة(١٦٣)، ويبدو ذلك من صاحب الوسائل أيضاً من خلال عنوان الباب(١٦٤).
ومهما يكن فلا بدّ من البحث في النصوص لتحقيق المطلب، وقد استدلّ عليه بمجموعة من الروايات:
الرواية الأولى: ما رواه الشيخ الكليني S، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة قال: قال أبو جعفر g: (ليس في يوم الفطر والأضحى أذان ولا إقامة، أذانهما طلوع الشمس، إذا طلعت خرجوا، وليس قبلهما ولا بعدهما صلاة، ومن لم يصلّ مع إمام في جماعة فلا صلاة له، ولا قضاء عليه)(١٦٥).
ولا إشكال في سندها إلّا من جهة إبراهيم بن هاشم؛ فإنّه لم يوثّق.
ولكن السيّد بحر العلوم S ذكر أنّه في أعلى درجات الوثاقة(١٦٦)؛ حيث نشر حديث الكوفيين في قم، ولا يسمح لأحد بفعل ذلك إلّا من كان في غاية الوثاقة والمنزلة العلمية الرفيعة، كما هو المعروف عن مدرسة قم المتشدّدة، وقد رواها الشيخ الصدوق S بسند تامّ في ثواب الأعمال(١٦٧)، ونقلها الشيخ الطوسي S في التهذيب عن الكافي بنفس سند الكليني(١٦٨)، ولكن فيه ابن أبي عمير عن زرارة، ولم يذكر ابن أذينة، ومن الواضح أنّه سقط؛ لأنّ زرارة من الطبقة الرابعة، وابن أبي عمير من الطبقة السادسة، ومثله لا يروي عن زرارة مباشرةً.
وقد استدلّ بها أغلب الأعلام الذين اشترطوا الحضور، منهم العلّامة في التذكرة والمنتهى(١٦٩)، والمحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة(١٧٠)، وأشار إليها المحقّق القمّي في الغنائم(١٧١) والمحقّق النراقي في المستند(١٧٢)، والشيخ محمّد حسن في الجواهر(١٧٣)، وغيرهم من فقهائنا المتأخّرين والمعاصرين.
ولم أجد في كلماتهم تقريباً للاستدلال غير دعوى الظهور.
وربّما كان ذلك استناداً إلى انصراف كلمة (الإمام) عند الإطلاق إلى المعصوم ما لم تنصب قرينة على الخلاف، والسرّ في هذا الانصراف كثرة استعمال الأئمّة i لهذه الكلمة في المعصوم(١٧٤)، والتشديد على أنّها لا تطلق على كلّ أحد، بل تطلق على من يحمل مواصفات معيّنة مصداقها الأمثل هو المعصوم.
ولكن قد يقال إنّه لا مجال لدعوى ظهور كلمة (إمام) في خصوص المعصوم g حيث يجد المتتبّع أنّها كثيراً ما أطلقت في كلمات المعصومين i على إمام الجماعة، ولو لم يستظهر ذلك من كلماتهم يكون المعنى المراد منها مجملاً لتردّده بين المعنيين.
ولعلّه لهذا استظهر السيّد في المدارك أنّ المراد بالإمام في هذه الرواية إمام الجماعة لا إمام الأصل، كما يشعر به تنكير الإمام ولفظة الجماعة(١٧٥).
وممّا يجدر الالتفات إليه أنّ الشيخ الطوسي S نقل هذه الرواية نفسها في الاستبصار بتعريف كلمة (إمام)، قال: (من لم يصلّ مع الإمام في جماعة يوم العيد فلا صلاة له، ولا قضاء عليه)(١٧٦).
ومن البعيد أن تكون روايةً أخرى بهذا السند نفسه والتقارب في الألفاظ، وبذلك لا يتمّ ما أشكل به من أنّ لفظ الإمام نكرة، ولكن في الوقت نفسه لا يطمأنّ بكون اللفظ الصادر من الإمام g معرّفاً باللام؛ وذلك لتعارض النقلين، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر؛ لعدم تمامية ترجيح أصالة عدم الغفلة في جانب الزيادة على أصالة عدم الغفلة في جانب النقيصة إذا لم نقل بترجيح نقل الكليني S.
الرواية الثانية: روى الكليني S عن الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن حمّاد بن عثمان، عن معمر بن يحيى، عن أبي جعفر g، قال: (لا صلاة يوم الفطر والأضحى إلّا مع إمام)(١٧٧).
وسندها لا يخلو من إشكال من جهة معلّى بن محمّد، ومن جهة الوشّاء، أمّا الأوّل فقد قال عنه النجاشي: (مضطرب الحديث والمذهب)(١٧٨)، وابن الغضائري: (حديثه يعرف وينكر)(١٧٩)، والاضطراب في الحديث يومئ عرفاً إلى عدم التثبّت في النقل، وهو ممّا ينافي الاطمئنان بنقله. وأمّا الآخر فهو ممن لم يوثّق في كتب الرجال، وأمّا باقي رجال السند فهم ثقات(١٨٠).
وروى مثلها الشيخ الصدوق S في ثواب الأعمال(١٨١)، عن معمّر بن يحيى وزرارة، وسنده تامّ، ورواها في الفقيه مرسلة(١٨٢)، ورواها الشيخ الطوسي S في التهذيب بنفس سند الكليني(١٨٣)، ولكنّه رواها في الاستبصار بتعريف كلمة (إمام)(١٨٤)، ويبدو أنّه من خطأ النسّاخ.
ووجه الاستدلال بها شبيه بما تقدّم في الرواية الأولى، والإشكال هو الإشكال.
الرواية الثالثة: ما رواه الصدوق S بسنده عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر g، قال: (لا صلاة يوم الفطر والأضحى إلّا مع إمام عادل)(١٨٥).
وطريق الصدوق إلى زرارة في المشيخة تامّ(١٨٦).
والملاحظ عدم وجود كلمة (عادل) في بعض النسخ، كما أشير إلى ذلك في الهامش، ولكن صاحب الوسائل ذكر هذه الكلمة، فإذا كانت موجودة فقد يتوهّم انصراف الإمام العادل إلى المعصوم، وإذا لم تكن موجودة فوجه الاستدلال كما تقدّم.
وفيه: إذا كانت كلمة (عادل) موجودة فانصرافها إلى مطلق إمام الجماعة واضح، وإذا لم تكن موجودة فيرد الإشكال المتقدّم نفسه.
الرواية الرابعة: ما رواه الشيخ الطوسي S بسنده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن العلا، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما h، قال: سألته عن الصلاة يوم الفطر والأضحى، فقال: (ليس صلاة إلّا مع إمام)(١٨٧).
وسندها تامّ، والمراد بصفوان هو ابن يحيى بقرينة الراوي والمروي، والمراد بـ(العلا) العلاء بن رزين بقرينة المروي عنه، والكلام فيها هو الكلام.
الرواية الخامسة: ما رواه الصدوق والطوسي T بسنديهما عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد الله g: (لا صلاة في العيدين إلّا مع الإمام، فإن صلّيت وحدك فلا بأس)(١٨٨).
وفي سندها كلام من جهة (عثمان بن عيسى)؛ حيث إنّه واقفي، بل وصفه النجاشي S بأنّه: (شيخ الواقفة ووجهها وأحد الوكلاء المستبدّين بمال موسى بن جعفر g)(١٨٩)، ولكن هذا لا يقدح بالوثاقة على الأصحّ.
وقد يناقش في وثاقته، من جهة عدم ورود توثيق صريح له في كتب الرجال.
وجوابه: أنّه يمكن إثبات وثاقته بأحد أمرين:
الأوّل: ذكره الشيخ الطوسي S في العدّة من ضمن الواقفة المتحرّجين في الرواية، وأنّه من الذين عملت الطائفة بأخبارهم(١٩٠).
الآخر: أنّه ممّن روى عنه صفوان بن يحيى وابن أبي عمير(١٩١)، وهما لا يرويان ولا يرسلان إلّا عن ثقة(١٩٢).
وأمّا الاستدلال بها فقد يوجّه بأنّ الإمام g نفى تحقّق صلاة العيدين بدون الإمام الذي جاء معرّفاً بالألف واللام العهدية، وليس هو سوى المعصوم g.
وجوابه: لا يشترط أن يكون المعهود هو الإمام المعصوم g، بل يمكن أن يكون إمام الجماعة، وخصوصاً مع وجود قرينة على ذلك، وهي قوله g: (فإن صلّيت وحدك) الذي يناسب المقابلة لصلاة الجماعة، ويحمل نفي جنس الصلاة على نفي الكمال، كما أجاب بذلك بعض الأعلام(١٩٣)، فيكون حاله حال (لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد)، و إلّا فيكفينا إجمال الرواية.
وهنا تقريبات ثلاثة لكون المراد من (الإمام) فيها هو الإمام المعصوم:
التقريب الأوّل: وهو للمحقّق الحائري S إذ قال ما لفظه: (فإنّ حمل الإمام في هذه الرواية على مطلق إمام الجماعة ينافي قوله g بعد ذلك: (فإن صلّيت وحدك فلا بأس) للزوم التناقض.
فإن قلت: يمكن رفع التنافي بحمل النفي على نفي الكمال لا الحقيقة، كقوله g: (لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد).
قلت: ليس النفي في مثل قوله g: (لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد) وأمثاله راجعاً إلى الكمال في الاستعمال اللفظي ليكون معنى القضية المذكورة: (لا صلاة كاملة). وإنّما النفي راجع إلى حقيقة الصلاة، ولمّا علم من الخارج بدليل آخر صحّة الصلاة في غير المسجد لجاره حمل النفي في القضية المذكورة على النفي ادّعاءً، وكما أنّه قد تحمل حقيقة على غير مصداقها الواقعي ادّعاءً، كقولنا: زيد أسد؛ لظهور أظهر آثاره فيه، كذلك قد تنفى حقيقة عن مصداقها الواقعي بواسطة عدم ظهور آثارها المترقّبة فيه، فقوله g: (لا صلاة في العيدين إلّا مع الإمام) لو كان المراد الواقعي نفي الكمال فلا بدّ أن تكون الصلاة الواقعة مع غير الإمام ـ أعني الفرادى ـ بمنزلة العدم، بمعنى أن يكون الملحوظ في تلك القضية أنّ صلاة الفرادى ليست مصداقاً للصلاة ادّعاءً، فلا يناسب عقيب هذه القضية بتلك الملاحظة قوله بلا فصل: وإن صلّيت فرادى فلا بأس)(١٩٤).
وحاصل مرامه ببيان منّي: أنّ النفي في قوله g: (لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد) لا يراد منه مجرّد التحسين اللفظي الذي لا يمسّ المضمون الحقيقي، كي تكون هناك فرصة لحمله على نفي الكمال، بل يراد منه نفي حقيقة الصلاة، أي انتفاؤها كلّياً لو لم يصلّها جار المسجد في المسجد؛ لأنّ (لا) هنا نافية للجنس، فلا يراد نفي الحقيقة ادّعاءً ومجازاً. نعم، لا مجال لأن يقال إنّه لا يصحّ بلاغةً أن تنفى الحقيقة ادعاءً، بل ذلك سائغٌ، وحاله حال إثبات وحمل حقيقة ـ كالأسد ـ على مصداقها الواقعي الادّعائي على طريقة المجاز العقلي عند السكاكي، وهو الرجل الشجاع، كما تقول: زيد ٌ أسد، والمسوّغ لهذا الحمل هو توفّر أظهر صفات الأسد، وهي الجرأة والشجاعة في زيد، وكذلك نفي الحقيقة ادّعاءً، فمثلاً تقول في رجلٍ جبان: عمرو ليس رجلاً، فتنفي عنه الرجولة ادّعاءً؛ لعدم توفّر أظهر آثار الرجولة فيه، وهي الشجاعة.
وعليه يقع السؤال: كيف يحمل قوله g: (لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد) على نفي الكمال مع ظهورها في نفي الحقيقة؟
وأجاب S: بأنّ الذي سوّغ هذا الحمل هو الدليل الخارجي الدالّ على صحّة صلاة جار المسجد في غير المسجد لو صلّاها عامداً، وبمساعدته عرفنا أنّ الشارع لمّا نفى حقيقة الصلاة خارج المسجد لجاره ظاهراً أنّه لا يريد ذلك واقعاً، وإنّما أراد أنّ أظهر صفات وخصائص الصلاة تتوفّر وتتحقّق حينما تصلّى في المسجد.
والأمر في ما نحن فيه كذلك؛ إذ المراد من قوله g: (لا صلاة في العيدين إلّا مع الإمام) نفي صلاة العيدين ادّعاءً عمّن صلّاها فرادى، فإنّها ليست مصداقاً لها، ومعه لا يناسب عرفاً أن يردفه g بقوله: (وإن صلّيت وحدك فلا بأس)؛ لأن معنى ذلك أنّ الصلاة الفرادى مصداق لصلاة العيدين حال كونه g مُلاحظاً أنّه قد نفى كونها مصداقاً للصلاة ادّعاءً من غير فاصلٍ في كلامه.
ثمّ استشعر S إشكالاً قد يرد على مدّعاه، فقال: (فإن قلت: على أيّ شيء تحمل هاتين القضيتين اللتين صورتهما التناقض. قلت: تحمل القضية الأولى على نفي الحقيقة واقعاً بحسب الجعل الأوّلي، والقضية الثانية على المجعول الثانوي، أي بعد عدم التمكّن من إتيان ما هو المقصود أوّلاً، وحاصل المراد ـ والله أعلم ـ أنّ الصلاة الواجبة من الله تعالى أوّلاً في العيدين هي الصلاة التي يؤتى بها مع الإمام المنصوب من الله تعالى، وإن لم تتمكّن ـ كما هو الغالب في المخاطب في زمان صدور هذه الرواية وصلّيت منفرداً ـ فلا بأس، يعنى أنّها مشروعة مستحبّة)(١٩٥).
وحاصل مرامه S أنّ رفض النفي الادّعائي بالتقريب المتقدّم لم يحلّ مشكلة التنافي الظاهر بين (لا صلاة في العيدين إلّا مع الإمام) و(إن صلّيت وحدك فلا بأس)، حيث إنّ الأولى بناءً على ما تقدّم تدلّ على أنّ صلاة العيدين فرادى ليست مصداقاً للصلاة حقيقةً، والأخرى تدلّ بظاهرها على أنّ صلاة العيدين فرادى مصداق حقيقي للصلاة.
ومعه لا محيص من كون الجملة الأولى مسوقة لبيان الجعل الأوّلي من اشتراط وجوب صلاة العيدين بكونها مع الإمام المعصوم g، وهي دالّةٌ على أنّ صلاة العيدين فرادى ليست مصداقاً لها. وأمّا الجملة الأخرى فهي مسوقة لبيان أنّ صلاة العيدين فرادى بدل طولي للصلاة مع الإمام المنصوب من قبل الله تعالى في حال عدم تمكّن المكلّف من الصلاة معه لأيّ سبب كان.
ويلاحظ على ما ذكره S:
أوّلاً: أنّه S لم يبيّن الوجه في عدم التناسب بين النفي الادّعائي لمصداقية فرد لطبيعةٍ ما، وتعقيبه بإثبات مصداقيته لهذه الطبيعة نفسها بنحو الحقيقة، بل ربّما يقال إنّ ذلك من قبيل المجاز المستساغ، وهو نظير التخصيص المتّصل، حيث تقول مثلاً: (لا تكرم كلّ نحوي إلّا أن يكون من مدرسة الكوفة)، فإنّه يفهم قبل التلفظ بـ (إلّا) وما بعدها: النهي عن إكرام أيّ نحوي مهما كان، ولكن بعد الإتيان بأداة الاستثناء يتغيّر الظهور إلى ظهور آخر مستقرّ.
وما نحن فيه قريب من ذلك؛ حيث يُفهم بدواً بحسب ظهور (لا صلاة في العيدين إلّا مع الإمام) أنّه لا تصحّ صلاة العيدين ولا تتحقّق إلّا مع إمام الجماعة، ولكن بعد قوله: (وإن صلّيت وحدك فلا بأس) ينقلب هذا الظهور، ويفهم من مجموع الكلام التأكيد على أهمّية وعلوّ مرتبة صلاة العيدين جماعةً، وفضلها على صلاة العيدين فرادى؛ حيث إنّه من الواضح جدّاً تأكيد الشارع المقدّس على الإتيان بالصلوات الفرائض جماعةً، وتصريحه بفضلها العظيم، وتقدّم رتبتها على الفرادى.
وممّا يؤيّد هذا المعنى أكثر وجود تركيب (لا بأس) في الرواية نفسها؛ حيث إنّه يستعمل في لسان الشارع كثيراً كناية عن عدم المنع التحريمي، أي أنّه مباح(١٩٦)، فيستشعر منه المرتبة الدنيا باعتبار أنّ الإباحة بالمعنى الأعمّ تشمل الإباحة بالمعنى الأخصّ والواجب والمستحبّ، وجملة (وإن صلّيت وحدك فلا بأس) بمقابلتها لقوله g: (لا صلاة في العيدين إلّا مع الإمام) لا تدلّ إلّا على الإباحة بالمعنى الأخصّ.
ويؤيّد تفاوت المرتبة الكمالية أيضاً ما جاء في صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله g: (من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل وليتطيّب بما وجد، وليصلّ وحده كما يصلّي في الجماعة).
وجه التأييد: أنّ تشبيهه g لصلاة العيدين فرادى بصلاتها جماعة، يعطي ـ مضافاً إلى اتّحاد ماهية الصلاتين من حيث عدد الركعات ـ اشتمالها على بعض خصائص صلاتها جماعة، وليس ذلك إلّا لتعدّد مراتب صلاة العيدين وتفاوتها، فصلاتها جماعة تحتوي على كمال المرتبة، وصلاتها فرادى أقلّ مرتبة.
وبعد كلّ ما تقدّم تصحّ دعوى حمل نفي جنس الصلاة في قوله g: (لا صلاة في العيدين إلّا مع الإمام) على نفي الكمال في الفرادى، ولا يلزم الحمل على إرادة الإمام المعصوم g.
وثانياً: لو تنزّلنا عن تقريب حمل النفي على الكمال، وقبلنا بما قاله S من عدم مناسبة أن يثبت الإمام g ما نفاه ادّعاءً، فلازم ذلك القول بأنّ إشكال التناقض بين الجملتين يكون أشد على مختاره S؛ فإنّ عدم قبوله بالنفي الادّعائي معناه القول بأنّ كلَّاً من النفي والإثبات في (لا صلاة في العيدين إلّا مع الإمام) و(إن صلّيت وحدك فلا بأس) حقيقي، ولذا اضطرّ أن يحمل الأولى على الجعل الأوّلي، والأخرى على المجعول الثانوي كي يتخلّص من إشكال التناقض. وعدم المناسبة في الحمل على نفي الكمال أخف إشكالاً من إشكال التناقض، فكان الأولى اختياره.
وثالثاً: أنّ ما ذكر للتخلّص من التناقض بين القضيتين يتأتّى حتى على القول بأن المراد من (الإمام) إمام الجماعة مع فارق هو أن يقال: إنّ الجعل الأوّلي لوجوب صلاة العيدين هو أن تكون جماعةً بغض النظر عن كون إمام الجماعة هو المعصوم أو غيره ممّن تتوفّر فيه شروط إمامة الجماعة.
ورابعاً: مع التنزّل عن جميع ما سبق يمكن القول بإجمال الرواية من جهة عدم وضوح المراد من لفظ (الإمام)؛ لتردّده بين الإمام المعصوم وبين مطلق إمام الجماعة، فلا تصلح للاستدلال بها من هذه الجهة.
التقريب الثاني: أن يقال: بأنّ لازم القول بنفي الكمال في صلاة العيدين فرادى هو استحباب صلاة العيدين جماعة، وهو خلاف النصّ المصرّح بوجوبها في زمن الحضور جماعةً، وخلاف فتوى الأعلام كذلك(١٩٧).
وهذا الكلام بظاهره تامّ، ولكنّه لا يجعل الرواية دليلاً حتى على اشتراط حضور الإمام المعصوم في وجوب صلاة العيد؛ إذ لو قلنا بأنّ ظاهر قوله g: (وإن صلّيت وحدك فلا بأس) هو التخيير بين صلاتها مع الإمام سواء كان المراد به المعصوم أو مطلق إمام الجماعة، وبين صلاتها فرادى، فيشكّل ذلك قرينة على كلّ الروايات الأخر، فلا بدّ من حمل تلك الروايات أيضاً على استحباب الجماعة مع المعصوم أو غيره.
ولكن يمكن أن يجاب على ذلك:
أوّلاً: بردّ علمها إلى أهلها؛ لأنّ ظهورها في التخيير مخالف للإجماع المحقّق باشتراطالجماعة في وجوب صلاة العيدين في عصر الحضور.
وثانياً: يمكن أن يقال: إنّها وإن كانت ظاهرة في التخيير ولكن اشتراط الوجوب بالجماعة أظهر أو شبه الصريح، فيحمل هذا الظهور على الأظهر أو شبه الصريح، فتبقى الرواية دالّة على الوجوب، ولا يلزم من القول ببقاء الوجوب ثبوت شرطية الإمام المعصوم؛ فإنّ استفادة الوجوب تنسجم حتّى مع القول باشتراطه بمطلق إمام الجماعة.
التقريب الثالث: ما ذكر في مهذّب الأحكام من أنّه: (إن كان المراد مطلق إمام الجماعة لزم التناقض بين صدر قوله g وذيله، فإنّ محصولها يصير هكذا: لا تصحّ العيدين إلّا بالجماعة، وتصحّ فرادى أيضاً. ولا ريب في كونهما متناقضين إن كان مثل هذه الأخبار مسوقة لبيان شرطية الجماعة مطلقاً مع مطلق الإمام. نعم، إن كان المراد بالإمام الإمام المعصوم فلا تنافي بينهما حينئذٍ؛ إذ المعنى يصير هكذا: إنّ الوجوب مشروط بالجماعة، وتصحّ فرادى أيضاً.
إن قلت: نقول بعين ذلك في الإمام غير المعصوم أيضاً، فيكون الوجوب مشروطاً بالجماعة وتصحّ فرادى أيضاً.
قلت: لا ريب في بطلانه؛ لأنّه مستلزم لتعلّق وجوب الجماعة على إرادتها، فتكون مع إرادتها واجبة، ومع إرادة الفرادى غير واجبة.
كما لا وجه لحمل النفي على نفي الكمال، أي: لا صلاة كاملة إلّا مع الإمام، وتصحّ فرادى أيضاً، كما (لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد)؛ لاستلزامه استحبابه جماعة حتّى مع الإمام المعصوم g، وتصحّان فرادى أيضاً، مع أنّ تعريف الإمام بالألف ولام العهد قرينة عرفية على الإشارة إلى إمام مخصوص، وليس إلّا المعصوم g.
فخلاصة مفاد الأخبار: أنّ صلاة العيدين الواجبة من الله تعالى أوّلاً هي التي يؤتى بها مع المنصوب من قبله تعالى، ومع عدم التمكّن منه كما في أزمنة صدور الأخبار تكون مشروعة، بل مندوبة فرادى أيضاً)(١٩٨).
ويلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ ما ذكر من استلزام تعلّق وجوب الجماعة على إرادتها لو كان المراد من (الإمام) الإمام المعصوم غير واضح؛ فإنّه من دون قرينة.
إن قلت: القرينة هي عدم معقولية أن يكون وجوب الجماعة فعلاً اختيارياً للمكلّفين لكي يتحقّق وجوب الجماعة، فمردّ اشتراط الوجوب بالجماعة إلى الوجوب عند إرادة الجماعة، بينما لو كان المراد الإمام المعصوم فإنّه يعقل ذلك، فالشارع هو من أوجب حضور الإمام المعصوم، وعندما يحضر يدعو الناس كي يصلّوا معه فيتحقّق وجوب صلاتها.
قلت: عدم المعقولية غير مسلّم؛ فإنّه يشترط في انعقاد صلاة العيدين وصلاة الجمعة العدد، وحضور هذا العدد في البداية اختياري منوط بإرادتهم، فإذا حضروا مع الإمام تحقّق الوجوب، وإذا امتنعوا كلّهم أو أحدهم لم يتحقّق الوجوب.
وثانياً: الإشكال بأنّه يلزم القول باستحباب صلاتها جماعة باقٍ لوجود قرينة في هذه الرواية بالذات تمنع من حملها على المعصوم حتّى مع تجنّب القول بنفي الكمال، وهي جملة (وإن صلّيت وحدك فلا بأس) الظاهرة في التخيير، كما تقدّم بيان ذلك.
وثالثاً: يمكن أن يكون المراد هو اعتبار الجماعة في المتعلّق، وليس في الحكم، أي يجب أن تصلّى جماعة لا أنّ وجوبها مشروط بالجماعة، فلا يرد إشكال استلزام تعلّق الوجوب بالإرادة، فهي نظير قوله g: (لا صلاة إلّا بطهور)(١٩٩)، فالصلاة مشروطة بالطهارة، لا أنّ وجوبها مشروط بها.
ورابعاً: يمكن أن يكون المعنى هو الآتي: مع وجود إمام جماعة وإمكانية إقامتها جماعةً بالشروط المعتبرة تجب جماعةً، وإن لم يوجد فلا بأس أن تصلّى فرادى، فلا يلزم توقّف الوجوب على الإرادة.
وخامساً: يكفي الإجمال لردّ الاستدلال بها، وما ذكره S في آخر كلامه من كون الألف واللام قرينة على تعيّن إرادة الإمام المعصوم من لفظ (الإمام) قد تقدّم الجواب عنه.
الرواية السادسة: وهي ما رواه الشيخ الطوسي S بسنده عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد الله g: قلت له متى يذبح؟ قال: (إذا انصرف الإمام)، قلت: فإذا كنت في أرضٍ ليس فيها إمام فأصلّي بهم جماعة؟ فقال: (إذا استقلّت الشمس)، وقال: (لا بأس بأن تصلّي وحدك، ولا صلاة إلّا مع إمام)(٢٠٠).
ولعلّ هذه الرواية هي أهمّ ما يستدلّ به على اشتراط الوجوب بحضور المعصوم، وقد أكّد على ذلك جمعٌ من الأعلام S (٢٠١)، وهي من حيث السند تامّة.
ووجه الاستدلال بها أن يقال: إنّ هنا ثلاث قرائن تدلّ على كون المراد من لفظ (إمام) في الرواية الإمام المعصوم g:
القرينة الأولى: إتيان الإمام g بكلمة (إمام) معرّفة بالألف واللام بعدما سأله السائل عن وقت الذبح، وهو ملائم لأن يكون المنصرف منه هو المعصوم g.
القرينة الثانية: أنّ السائل افترض نفسه في أرض ليس فيها إمام، ومن البعيد أن لا يوجد من يؤتمّ به لو كان المراد مطلق إمام الجماعة.
القرينة الثالثة: أنّ السائل أراد أن يكون هو إمام الجماعة، ولكنّ الإمام أعرض عن ذلك، وقال له: لا بأس أن تصلّي وحدك، فلو كان المراد بلفظ (إمام) إمام الجماعة لم يكن مانع من سماح الإمام g له بإمامة الجماعة.
ويرد عليه: أمّا القرينة الأولى فقد تقدّم النقاش فيها، وأمّا الثانية وما بعدها ـ وهما الأهمّ ـ فيحتمل أن يكون المراد بلفظ (إمام) الإمام الراتب؛ لأنّه في أرضٍ نائية، كما يشعر بذلك الإتيان بكلمة (أرض) نكرة، ويشعر بذلك أيضاً تنكير كلمة (إمام) في قوله: (ليس فيها إمام)، وأمّا القرينة الثالثة فغير ظاهرة؛ إذ الإمام g لم ينه السائل عن إمامة الجماعة، وإنّما رجع وأكّد على أنّه لا صلاة ـ أي لا صلاة كاملة ـ بدون إمام.
ثمّ إنّ في الرواية نوع اضطراب، فلا نعرف ما دار من حوار بين السائل والإمام g حينما قال له: (إذا استقلّت الشمس) وإن حاول بعض الأعلام تبرير ذلك بقوله: (بقي الكلام في مناسبة قول الإمام g إذا استقلّت الشمس جواباً لسؤاله، فإن كنت في أرض ليس فيها إمام فصلّ بهم، ويمكن أن يقال: إنّ السائل فهم من كلام الإمام g إذا انصرف الإمام في جواب سؤاله (متى نذبح) أنّ انصرف(٢٠٢) الإمام له دخل في الذبح، ولذا قال: (وإذا كنت في أرض ليس فيها إمام فأصلّي بهم جماعة)، يعنى يصحّ أن أصلّي بهم، ليتحقّق وقت الذبح بانصرافي عن الجماعة، وجوابه g ردع لهذا التوهّم، وبيان أنّ انصراف الإمام إشارة إلى الوقت المخصوص الذي ينطبق على انصراف الإمام من صلاة العيد، وهو استقبال الشمس. وأمّا صلاة العيد فهي ليست إلّا مع إمام، ولا بأس أن تصلّي وحدك)(٢٠٣).
وعلى كلّ حال استفادة شرطية حضور المعصوم منها مشكل.
الرواية السابعة: روى الشيخ الطوسي S بسنده عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن عاصم، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر g، قال: (قال الناس لأمير المؤمنين g: ألا تخلّف رجلاً يصلّي في العيدين؟ فقال: لا أخالف السنّة)(٢٠٤)، ورواها البرقي S في المحاسن بزيادة: (يصلّي بضعفاء الناس)(٢٠٥).
وبغضّ النظر عن سندها يمكن أن يقال في توجيه الاستدلال بها: إنّ أمير المؤمنين g لم يستجب لطلب المسلمين بجعل نائبٍ عنه في إمامة جماعة العيدين، وجعل g ذلك مخالفاً للسنّة، ممّا يدلّ على عدم صحّتها وجوباً إلّا بإمامة المعصوم.
وفيه: أنّه لا يمكن حملها على عدم الصحّة مطلقاً؛ إذ من الواضح أنّ للإمام g تنصيب إمام للجماعة للعيدين أو لغيرها، وليس في الرواية تعرّض إلى شرطية حضور الإمام، ثمّ إنّها قضية خارجية، فلا بدّ من أن تحمل على محامل أخر.
الرواية الثامنة: روى الشيخ الكليني S بسنده عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن حنان بن سدير، عن عبد الله بن دينار، عن أبي جعفر g، قال: قال: (يا عبد الله، ما من عيد للمسلمين، أضحى ولا فطر إلّا وهو يجدّد لآل محمّد فيه حزناً)، قلت: ولم ذاك؟ قال: (لأنّهم يرون حقّهم في يد غيرهم)(٢٠٦).
ورواها الشيخ الصدوق في العلل بسنده إلى عبد الله بن دينار(٢٠٧)، وفي الفقيه رواها مرسلة(٢٠٨)، وفي بعض النسخ (عبد الله بن سنان) بدل (عبد الله بن دينار)، وفي موضع آخر عن عبد الله بن ذبيان(٢٠٩)، وهو تصحيف دينار؛ إذ لا وجود لراوٍ باسم (عبد الله بن ذبيان) يروي عنه حنان بن سدير، وبقرينة رواية الكليني يكون الأمر أوضح.
وأمّا وجه الاستدلال فهو أن يقال: بأنّ الظاهر منها أنّ منصب إمامة جماعة العيدين من مختصّات آل محمّد (صلوات الله عليهم أجمعين)، فلا يقيمها إلّا المعصوم أو نائبه الخاصّ.
ويرد عليه: أنّ الاختصاص مجرّد دعوى، وكونهم يرون حقّهم في يد غيرهم لا يعني أنّه لا يجب على شيعتهم إقامتها، وهم الذين يحثّون على ذلك، فكثير من الواجبات يختصّ وجوب إقامتها بهم ـ كصلاة الجمعة والخمس ـ ولكن هذا لا يعني أنّها لا تصحّ من غيرهم سيّما شيعتهم.
ثمّ لا يتعيّن أن يكون لفظ (حقّهم) في الرواية يراد به مثل صلاة العيدين، بل يحتمل احتمالاً معتدّاً به أن يراد به حقّهم في خلافة النبيّ e الذي سلبه منهم الظالمون.
نعم، هل هو على نحو الوجوب أو لا؟ هذه مسألة أخرى.
وهناك روايات أخر قد يستدلّ بها(٢١٠)، ولكن ما ذكرناه هو أهمّ ما يستدلّ به على الاشتراط.
ومن ذلك يظهر أنّه لا يوجد دليل واضح على اشتراط وجوب صلاة العيدين بحضور المعصوم g، وحينئذٍ هل يبنى على الوجوب في عصر الغيبة، كما بنى على ذلك جمعٌ من الأعلام؟
إنّ العمومات والمطلقات الدالّة على وجوب هذه الصلاة كما تقدّم ذلك غير قاصرة الدلالة عن شمولها لعصر الغيبة.
ويؤيّد ذلك عدم تصريح رواية واحدة ضعيفة ـ فضلاً عن صحيحة ـ بشرطية حضور المعصوم g، ومن البعيد جدّاً أن يكون عدم التصريح بسبب التقية، لكن مع ذلك يبقى القول بالوجوب بدون هذا الشرط محتاجاً إلى القائل من فقهائنا القدامى، ولا يوجد تصريح بالوجوب في عصر الغيبة سوى ما يظهر من أبي الصلاح الحلبي S، وقد عرفت قول الشيخ الصدوق، والمفيد، والمرتضى، وآخرين ممّا يضعف القول بالوجوب، والله العالم.
هذا ما تيسّر لي من بحث لهذا الشرط في هذه العجالة، وهو قابل للتوسعة.
والحمد لله ربّ العالمين والصلاة على محمّد وآله الطاهرين.
المصادر
القرآن الكريم
(١) سورة الأعلى: ١٤ ـ ١٥.
(٢) سورة الكوثر: ٢.
(٣) يلاحظ: تفسير القمّي: ٢/ ٤١٧.
(٤) يلاحظ: مجمع البيان: ١٠/ ٣٣١.
(٥) يلاحظ: تفسير السمرقندي: ٣/ ٥٥٠، تفسير الثعالبي: ١٠/ ١٨٤.
(٦)يلاحظ: فتح العزيز: ٥/ ٢، فتح الوهّاب: ٢/ ٣٢٧، مغني المحتاج: ١/ ٣١٠، المغني: ٢/ ٢٢٣، نهاية المحتاج: ٢/ ٣٨٥.
(٧) يلاحظ: مجمع البيان: ١٠/ ٣٣١، فقه القرآن: ١/ ١٥٩.
(٨) يلاحظ: المعتبر: ٢/ ٣٠٨.
(٩) يلاحظ: تذكرة الفقهاء: ٤/ ١١٩.
(١٠) يلاحظ: التبيان في تفسير القرآن: ١٠/ ٤١٧.
(١١) فقه القرآن: ١/ ٢٥٢.
(١٢) يلاحظ: مجمع البيان: ١٠/ ٣٣١، فقه القرآن: ١/ ٢٥٤.
(١٣)يلاحظ: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ٢٠/ ١٢٤.
(١٤)يلاحظ: الدر المنثور: ٦/ ٣٣٧.
(١٥) حكاه في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ٢٠/ ٤٩٦.
(١٦) يلاحظ: مجمع البيان: ١٠/ ٤٥٨.
(١٧)يلاحظ: دعائم الإسلام: ١/ ١٥٦، تهذيب الأحكام: ٢/ ٦٦، باب كيفية الصلاة وصفتها ..، ح٥، الأمالي (الشيخ الطوسي): ٣٧٧،ح٥٧.
(١٨)سورة الكوثر: ٢.
(١٩)تهذيب الأحكام: ٢/ ٦٦، باب كيفية الصلاة وصفتها ..، ح٥.
(٢٠)الكافي: ٣/ ٣٣٦ ـ ٣٣٧، باب القيام والقعود في الصلاة، ح٩.
(٢١) الوافي: ٩/ ١٢٨٣.
(٢٢) يلاحظ: جامع البيان: ٣٠/ ٤٢١ وما بعدها.
(٢٣) يلاحظ: تفسير القمّي: ٢/ ٤١٧.
(٢٤) من لا يحضره الفقيه: ١/ ٥١٠.
(٢٥)يلاحظ: المعتبر: ٢/ ٣٠٨، جامع الخلاف والوفاق: ٦٥، تذكرة الفقهاء: ٤/ ١١٩، ذكرى الشيعة: ٤/ ١٥٧، مدارك الأحكام: ٤/ ٩٣، غنائم الأيام: ٢/ ٥٨، مستند الشيعة: ٦/ ١٦٣.
(٢٦) يلاحظ: الانتصار: ١٦٩.
(٢٧) يلاحظ: الخلاف: ١/ ٦٥١.
(٢٨) يلاحظ: غنية النزوع: ٩٤.
(٢٩) يلاحظ: جامع الخلاف والوفاق: ٩٦.
(٣٠)يلاحظ: بحوث في شرح مناسك الحجّ: ١/ ٢٦٢.
(٣١) المعتبر: ٢/ ٣٠٨.
(٣٢) تاريخ الطبري: ٢/ ١٢٩.
(٣٣) الكامل في التاريخ: ٢/ ١٣٨.
(٣٤) الكامل في التاريخ: ٢/ ١٣٩.
(٣٥) سنن الدارمي: ١/ ٢٨٦، صحيح البخاري: ١/ ١٥٥.
(٣٦) تذكرة الفقهاء: ٤/ ١١٩.
(٣٧) يلاحظ: تذكرة الفقهاء: ٤/ ١٢٠، منتهى المطلب: ٦/ ٩.
(٣٨) يلاحظ: المجموع: ٥/ ٢، الشرح الكبير: ٢/ ٢٢٤.
(٣٩) يلاحظ: المبسوط: ١/ ١٦٩.
(٤٠) يلاحظ على سبيل المثال: جواهر الكلام: ١١/ ٣٣٣، مصباح الفقيه: ٢/ ٤٦٤.
(٤١) من لا يحضره الفقيه: ١/ ٥٠٤ ـ ٥٠٥، ح١٤٥٣.
(٤٢) من لا يحضره الفقيه:٤/ ٤٣٠ ـ ٤٣١.
(٤٣) تهذيب الأحكام: ٣/ ١٢٧ ـــ ١٢٨، باب صلاة العيدين، ح٢.
(٤٤) يلاحظ: رجال النجاشي: ٣١١، رجال الطوسي: ٤٣٦.
(٤٥)يلاحظ: رجال النجاشي: ٣١١، رجال الطوسي: ٣٤٢.
(٤٦)رجال النجاشي: ٣١١.
(٤٧) رجال النجاشي: ٣١١.
(٤٨) يلاحظ: معجم رجال الحديث: ١٤/ ٢٩١.
(٤٩)المصدر السابق.
(٥٠)يلاحظ: رجال النجاشي: ١٢٦.
(٥١) مثل ما جاء في تهذيب الأحكام: ٣/ ١٧٧، باب صلاة الغريق والمتوحّل والمضطر بغير ذلك، ح١٣، ١٠/ ٢١٦، باب القاتل في الشهر الحرام والحرم، ح٥.
(٥٢) يلاحظ: رجال النجاشي: ١٢٧.
(٥٣) يلاحظ: العدّة في أصول الفقه: ١/ ١٥٤.
(٥٤)الفهرست: ١١٣.
(٥٥) قد ذكر الشيخ النوري S تبنّي كثير من العلماء لذلك. يلاحظ: خاتمة مستدرك الوسائل: ٣/ ٥١٣ وما بعدها.
(٥٦)يلاحظ: معجم رجال الحديث: ١/ ٧٠.
(٥٧)يلاحظ لهذه الحالة وما بعدها ما ذكر في قاموس الرجال: ١/ ٧٤.
(٥٨)يلاحظ: الفهرست: ٤١، ٤٣، ٥١، ٥٣، ٥٤، ٥٥، ٦٤، ٦٥، ٦٧، ٦٨، إلى غير ذلك.
(٥٩)يلاحظ: الاستبصار: ٤/ ٣١١.
(٦٠) قبسات من علم الرجال: ١/ ٢٢٥ ـــ ٢٢٦.
(٦١) الاستبصار: ١/ ٤٤٣، باب أنّ صلاة العيدين فريضة، ح٢.
(٦٢) تهذيب الأحكام: ٣/ ١٢٧، باب صلاة العيدين، ح١، الاستبصار: ١/ ٤٤٣، باب أنّ صلاة العيدين فريضة، ح١.
(٦٣) من لا يحضره الفقيه: ١/ ٥٠٥، ذيل ح١٤٥٣.
(٦٤) من لا يحضره الفقيه: ١/ ٥٠٦، ح١٤٥٤.
(٦٥) من لا يحضره الفقيه: ٤/ ٤٢٥.
(٦٦) يلاحظ: رجال النجاشي: ٦١.
(٦٧) تهذيب الأحكام: ٣/ ١٣٤، باب صلاة العيدين، ح٢٤، الاستبصار: ١/ ٤٤٣ ـ ٤٤٤، باب أنّ صلاة العيدين فريضة، ح٣.
(٦٨) تهذيب الأحكام: ٣/ ١٢٩، باب صلاة العيدين، ح٩.
(٦٩) يلاحظ: الاستبصار: ١/ ٤٠، باب البئر يقع فيها الفأرة ..، ذيل ح٧.
(٧٠)يلاحظ: رجال النجاشي: ٢٣٥ رقم٦٢٢.
(٧١) الفهرست: ٣٩.
(٧٢) الفهرست: ٣٩ ـــ ٤٠.
(٧٣) يلاحظ: رجال النجاشي: ١٩، ٢٠٩، ٢١٨.
(٧٤)يلاحظ: خاتمة مستدرك الوسائل: ٣/ ١٥٨.
(٧٥) يلاحظ: رجال النجاشي: ٢٠٩.
(٧٦) يلاحظ: رجال الطوسي: ٤٢٩.
(٧٧) رجال ابن الغضائري: ٧٢.
(٧٨)يلاحظ: رجال الطوسي: ٤٤٩.
(٧٩) رجال النجاشي: ٤٣٩.
(٨٠) قال الشيخ S في الرجال: ٤٠٩: (أحمد بن نصر بن سعيد الباهلي، المعروف بابن أبي هراسة، يلقّب أبوه هوذة، سمع منه التلعكبري سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وله منه إجازة).
(٨١)يلاحظ: رجال النجاشي: ١٩، رجال الطوسي: ٤١٤.
(٨٢) يلاحظ: من لا يحضره الفقيه: ١/ ٥٠٥.
(٨٣) يلاحظ: الاستبصار: ١/ ٤٤٤.
(٨٤) يلاحظ: تهذيب الأحكام: ٣/ ١٣٤.
(٨٥) يلاحظ: المعتبر: ٢/ ٣٠٩.
(٨٦) يلاحظ: منتهى المطلب: ٦/ ٩.
(٨٧) يلاحظ: ذكرى الشيعة: ٤/ ١٥٨.
(٨٨) من لا يحضره الفقيه: ١/ ١٠٨.
(٨٩) سورة المائدة: ٦.
(٩٠) الخصال: ٢٨٥.
(٩١) الكافي: ٣/ ٢٧٣، باب فرض الصلاة، ح٧.
(٩٢) الكافي: ٣/ ٥٠٩، باب ما وضع رسول الله صلّى الله عليه وعلى أهل بيته الزكاة عليه، ح١.
(٩٣) الخصال: ٦٠٧.
(٩٤) الكافي: ٣/ ٢٧٢، باب فرض الصلاة، ح٥.
(٩٥) نهج البلاغة (تحقيق: صبحي صالح): ٢٠٢.
(٩٦) نهج البلاغة (تحقيق: صبحي صالح): ٢٦٤.
(٩٧) من لا يحضره الفقيه: ٢/ ١٣٧، ح١٩٦٤.
(٩٨) يلاحظ: الاستبصار: ١/ ٤٦٨، باب الزيادات في شهر رمضان، ح٢٠.
(٩٩) يلاحظ: تهذيب الأحكام: ٣/ ٧٠، باب فضل شهر رمضان والصلاة فيه زيادة على النوافل المذكورة في سائر الشهور، ح٢٩.
(١٠٠) عيون أخبار الرضا g:١/ ١٣٢.
(١٠١) يلاحظ: تهذيب الأحكام: ٧/ ٤٤٥، باب الولادة والنفاس والعقيقة، ح٤٧.
(١٠٢)الكافي: ١/ ٧١، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب، ح١٢.
(١٠٣) الأمالي (الشيخ الصدوق): ٤٤١.
(١٠٤) تهذيب الأحكام: ١/ ٢٩١، باب تلقين المحتضرين وتوجيههم ..، ح١٩.
(١٠٥) المصدر السابق: ٢/ ٢٤٣، باب فضل الصلاة والمفروض منها والمسنون، ح٣٠.
(١٠٦) تهذيب الأحكام: ٢/ ٨٠ ـ ٨١، باب كيفية الصلاة وصفتها..، ذيل ح٦٨، الاستبصار: ١/ ٣٢٣، باب أقلّ ما يجزئ من التسبيح في الركوع والسجود، ح١.
(١٠٧) الأمالي: ٤٩٩.
(١٠٨)يلاحظ: الخصال: ٣٤٩، من لا يحضره الفقيه: ١/ ٣٠١ ح٩١٥.
(١٠٩)يلاحظ: تهذيب الأحكام: ٢/ ٨٢، باب كيفية الصلاة وصفتها..، ح٦٩.
(١١٠)يلاحظ: المحاسن: ١/ ٢٧٨، ح٤٠، ٢/ ٣١٨، ح٤٣، قرب الإسناد: ١٠، ح٣٢.
(١١١) الكافي: ٣/ ٤١٦، باب فضل يوم الجمعة وليلته، ح١٣.
(١١٢) الكافي: ٥/ ٤٩٦، باب كراهية الرهبانية وترك الباه، ح٥.
(١١٣) يلاحظ: المحاسن: ١/ ٢٢٣، ح١٣٩.
(١١٤) الكافي: ٣/ ١٦٨، باب السنّة في حمل الجنازة، ح١.
(١١٥) المصدر السابق، ح٢.
(١١٦) تهذيب الأحكام: ٥/ ١٧٨، باب الغدوّ إلى عرفات، ح٢.
(١١٧) سورة الحجر: ١٣.
(١١٨) سورة الإسراء: ٧٧.
(١١٩) سورة الكهف: ٥٥.
(١٢٠) كما في سورة الأحزاب: ٣٨، ٦٢، سورة الفتح: ٢٣.
(١٢١) كمال الدين وتمام النعمة: ١/ ٥٧٦.
(١٢٢) الكافي : ٣/ ٢٧٢، باب فرض الصلاة، ح٣.
(١٢٣) الخصال: ٤٤٤، والسند هو: حدّثنا أبي g، قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر g.
(١٢٤) ذكرى الشيعة: ٤/ ١٥٨.
(١٢٥) الوافي: ٩/ ١٢٨٧.
(١٢٦) سورة الأعلى: ١٤.
(١٢٧) سورة الأعلى: ١٥.
(١٢٨) من لا يحضره الفقيه: ١/ ٥١٠، ح١٤٧٤.
(١٢٩) يلاحظ: روضة المتّقين: ٢/٧٤٠، هامش من لا يحضره الفقيه: ١/٥٠٦ على الحديث ١٤٥٤.
(١٣٠) نفس المصدر السابق.
(١٣١) يلاحظ: المجموع: ٥/ ٢، المبسوط (للسرخسي): ٢/ ٣٧، وغيرهما من مصادر الجمهور.
(١٣٢) يلاحظ: مصباح الفقيه (ط. ق): ٢/ ٤٦٤.
(١٣٣) جواهر الكلام: ١١/ ٣٣٣.
(١٣٤)الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا g: ١٣١.
(١٣٥) المقنع: ١٤٨ـ ١٤٩.
(١٣٦) ثواب الأعمال: ٧٧ ـ ٧٨.
(١٣٧)المقنعة: ١٩٤.
(١٣٨)المقنعة: ٢٠٢.
(١٣٩)الحدائق الناضرة: ١٠/ ٢٠٥ ـ ٢٠٦.
(١٤٠) الناصريات: ٢٦٥.
(١٤١) جمل العلم والعمل: ٧٤.
(١٤٢) المصدر السابق: ٧١.
(١٤٣) المراسم العلوية: ٧٧.
(١٤٤) المصدر السابق.
(١٤٥) المبسوط: ١/ ١٦٩.
(١٤٦) المصدر السابق: ١/ ١٤٣.
(١٤٧) الاستبصار: ١/ ٤٤٤.
(١٤٨) النهاية: ١٣٣.
(١٤٩)يلاحظ: المهذّب: ١/ ١١٨.
(١٥٠) يلاحظ: غنية النزوع: ٩٤.
(١٥١) يلاحظ: السرائر: ١/ ٢٤٨.
(١٥٢) يلاحظ: إشارة السبق: ١٠٢.
(١٥٣) يلاحظ: إصباح الشيعة: ١٠١.
(١٥٤) يلاحظ: المختصر النافع: ٣٧.
(١٥٥) يلاحظ: المعتبر: ٢/ ٣٠٨.
(١٥٦) يلاحظ: شرائع الإسلام: ١/ ٧٨.
(١٥٧)الكافي في الفقه: ١٥٣.
(١٥٨)المصدر السابق: ١٥١.
(١٥٩)كفاية الأحكام: ١/ ١٠٥.
(١٦٠) ذخيرة المعاد: ج١ق٢/ ٣١٨.
(١٦١)مدراك الأحكام: ٤/ ٩٤.
(١٦٢)يلاحظ: الوافي: ٩/ ١٢٨٦، مفاتيح الشرائع: ١/ ٢٨.
(١٦٣) يلاحظ: بحار الأنوار: ٨٧/ ٣٥٥.
(١٦٤) وسائل الشيعة: ٧/ ٤٢١.
(١٦٥)الكافي: ٣/ ٤٥٩، باب صلاة العيدين والخطبة فيهما، ح١.
(١٦٦) يلاحظ: الفوائد الرجالية: ١/ ٤٣٩.
(١٦٧) يلاحظ: ثواب الأعمال: ٧٩.
(١٦٨) يلاحظ: تهذيب الأحكام: ٣/ ١٢٩، باب صلاة العيدين، ح٨.
(١٦٩) يلاحظ: تذكرة الفقهاء: ٤/ ١٢١، منتهى المطلب: ٦/ ٢٩.
(١٧٠) يلاحظ: مجمع الفائدة: ٢/ ٤٠٥.
(١٧١) يلاحظ: غنائم الأيام: ٢/ ٥٩.
(١٧٢) يلاحظ: مستند الشيعة: ٦/ ١٦٥.
(١٧٣) يلاحظ: جواهر الكلام: ١١/ ٣٤٧.
(١٧٤) يلاحظ: من لا يحضره الفقيه: ٢/ ٥٠، ح١٦٧٠.
(١٧٥) يلاحظ: مدارك الأحكام: ٤/ ٩٢.
(١٧٦) الاستبصار: ١/ ٤٤٤، باب لا تجب صلاة العيدين إلّا مع الإمام، ح٢.
(١٧٧) الكافي: ٣/ ٤٥٩، باب صلاة العيدين والخطبة فيهما، ح٢.
(١٧٨) رجال النجاشي: ٤١٨.
(١٧٩) رجال ابن الغضائري: ٩٦.
(١٨٠) يلاحظ: رجال النجاشي: ٦٦، ١٤٣، ٤٢٥.
(١٨١) يلاحظ: ثواب الأعمال: ٧٨.
(١٨٢) يلاحظ: من لا يحضره الفقيه: ١/ ٥٠٦، ح١٤٥٦.
(١٨٣) يلاحظ: تهذيب الأحكام: ٣/ ١٢٨، باب صلاة العيدين، ح٤.
(١٨٤) يلاحظ: الاستبصار: ١/ ٤٤٤، باب لا تجب صلاة العيدين إلّا مع الإمام، ح١.
(١٨٥) من لا يحضره الفقيه: ١/ ٥٠٦.
(١٨٦) قال في من لا يحضره الفقيه: ٤/ ٤٢٥: (وما كان فيه عن زرارة بن أعين فقد رويته عن أبي g، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمّد بن عيسى بن عبيد والحسن بن ظريف وعليّ ابن إسماعيل بن عيسى كلّهم، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن زرارة بن أعين).
(١٨٧) تهذيب الأحكام: ٣/ ١٢٨، باب صلاة العيدين فريضة، ح٧، الاستبصار: ١/ ٤٤٤، باب لا تجب صلاة العيدين إلّا مع الإمام، ح٣.
(١٨٨) تهذيب الأحكام: ٣/ ١٢٨.
(١٨٩) رجال النجاشي: ٣٠٠ .
(١٩٠) يلاحظ: العدّة في أصول الفقه: ١/ ١٥٠.
(١٩١) يلاحظ: تهذيب الأحكام: ٨/ ٨، باب حكم الإيلاء، ح٢١، ثواب الأعمال: ٦٠.
(١٩٢) يلاحظ: العدّة في أصول الفقه: ١/ ١٥٤.
(١٩٣) يلاحظ: بحار الأنوار: ٨٧/ ٣٥٥.
(١٩٤) كتاب الصلاة (المحقّق الحائري): ٦٨٦.
(١٩٥) كتاب الصلاة (المحقّق الحائري): ٦٨٧.
(١٩٦) مثل ما روي عن الكاظم g: وسألته هل يصلح له أن ينتف إبطه في رمضان وهو صائم؟ قال: (لا بأس)، وسألته عن الرجل أيصلح له أن يصبّ الماء من فيه فيغسل به الشيء يكون في ثوبه؟ قال: (لا بأس) وغير ذلك كثير. وقد نصّ على ذلك بعض اللغويين مثل أبي هلال العسكري في الفروق اللغوية: ٨٩ حيث قال: (وجاء البأس بمعنى الإثم في قولهم لا بأس بكذا، أي لا إثم فيه، ويقال أيضاً: لا بأس فيه أي هو جائز شائع).
(١٩٧) يلاحظ: مباني منهاج الصالحين: ٥/ ٥٧٦ ـ ٥٧٧.
(١٩٨) مهذّب الأحكام: ٩/ ٥٢ ـ ٥٣.
(١٩٩) يلاحظ: وسائل الشيعة: ١/ ٣١٥، باب وجوب الاستنجاء وإزالة النجاسات للصلاة، ح١.
(٢٠٠) تهذيب الأحكام: ٣/ ٢٨٧.
(٢٠١) يلاحظ: كتاب الصلاة (المحقّق الحائري): ٦٨٧، مباني منهاج الصالحين: ٥/ ٥٧٦.
(٢٠٢) كذا في المصدر، ولعلّ الصحيح بمقتضى السياق: (انصراف).
(٢٠٣) كتاب الصلاة (المحقّق الحائري): ٦٨٧، ويلاحظ أيضاً: مهذّب الأحكام: ٩/ ٥٣.
(٢٠٤) تهذيب الأحكام: ٣/ ١٣٧، باب صلاة العيدين، ح٣٤.
(٢٠٥)المحاسن: ١/ ٢٢٢.
(٢٠٦) الكافي: ٤/ ١٦٩ ـ ١٧٠، باب النوادر، ح٢.
(٢٠٧) يلاحظ: علل الشرائع: ٢/ ٣٨٩، ح١.
(٢٠٨) يلاحظ: من لا يحضره الفقيه: ١/ ٥١١، ح١٤٨٠.
(٢٠٩) المصدر السابق: ٢/ ١٧٤، ح٢٠٨٥.
(٢١٠) يلاحظ: وسائل الشيعة: ٧/ ٤٢١، باب اشتراط صلاة العيدين بالجماعة، ح١، ص٤٢٤، باب استحباب صلاة العيدين منفرداً، ح١، ص٤٢٥ ـ ٤٢٦، باب حكم من أدرك الخطبة دون الصلاة، ح١.